بقي خمسةٍ وثلاثين يومًا ومات [١] .
[سلطنة محمود بن ملك شاه]
فلمّا مات السّلطان كتمت زوجته تُرْكان، مَوْتَه، وأرسلت إلى الأمراء سرًّا، فاستحلفتهم لولدها محمود ابن السّلطان، وهو في السّنة الخامسة من عمره.
فحلفوا له، [٢] وأرسلت إلى المقتدي باللَّه في أنْ يُسلْطنه، فأجاب، وخُطِب له، ولُقِّب ناصر الدُّنيا والدِّين [٣] . وأرسلت في الحال تُرْكان إلى إصبهان من قَبَضَ على بركيارُوق [٤] أكبر أولاد السّلطان، فَقُبِض عليه [٥] .
[خلاف بركياروق]
فلمّا اشتهر موتُ أبيه وثب المماليك بإصبهان، وأخرجوه وملّكوه بإصبهان [٦] . وطالبت العساكرُ الوزيرَ بالأرزاق، فوعدهم، فلمّا وصل إلى قلعة
стр. 15752
برجين [١] التي فيها الخزائن صعِد إليها ليفرّق فيهم، فأغلقها وعصى على تُركان فنهبت العساكر أثقاله، وذهبت هي إلى إصبهان. فندم ولحِقها، وزعم أنّ متولِّي القلعة حبَسه، وأنّه هرب منه، فقبلت عُذْرَه [٢] .
وأمَّا بَركيَارُوق [٣] ففارق إصبهان، وبادر إلى الرّيّ، وانضمّ إليه فرقةٌ من العسكر، وأكثرهم من المماليك النّظامية، لبُغضهم لتاج المُلْك لأنّه كان عدوًّا لمولاهم، وهو المُتَّهم بقتْلِه، فنازلوا قلعة طبرك، وأخذوها عَنْوَةً [٤] .
[انهزام عسكر تُركان وأسر تاج المُلْك]
وجهَّزت تُركان عساكرها لحربهم، فالتقى الجمعان بناحية بَرُوجِرْد، فخامَر طائفة، والتفّوا أيضًا على بَركيَارُوق [٥] ، واشتدّ الحرب. ثمّ انهزم عسكر تُركان، وساق بركياروق في أثرهم، فنازل إصبهان في آخر السّنة [٦] .
وأُسِر بعد الوقعة تاج المُلْك، فأُتِي به بَركيَارُوق وهو على إصبهان، فأراد أن يستوزره [٧] .
[مقتل تاج المُلْك]
وأخذ تاج المُلْك في إصلاح كبار النّظامية، وفرَّق فيهم مائتي ألف دينار،
стр. 15753
وبلغ ذلك عثمان بنَ نظام المُلْك [١] ، فشغب عليهم سائر الغلمان الصِّغار، وقال:
هذا قاتل أستاذكم. ففتكوا به، وقطّعوه في المحرَّم سنة ستٍّ [٢] .
وكان كثير المحاسن والفضائل وإنّما غطّى ذلك ممالأته على قتل نظام الملك، ولأنّ مدّته لم تَطُلْ. وعاش سبْعًا وأربعين سنة [٣] .
[إيقاع عرب خفاجة بالرّكب العراقي]
وأمّا عرب خَفَاجَة فطمعوا بموت السّلطان، وخرجوا على الركْب العراقيّ، فأوقعوا بهم، وقتلوا أكثر الْجُنْد الّذين معهم، ونهبوا الوفد، ثمّ أغاروا على الكوفة، فخرجت عساكر بغداد وتبعَتْهم حتّى أدركتهم، فقُتِل من خَفَاجَة خلْق، ولم تقْوَ لهم شوكةٌ بعدَها [٤] .
[حريق بغداد]
وفيها كان الحريق المَهُول ببغداد، وكان من الظُّهر إلى العصر.
قال صاحب «الكامل» : واحترق من النّاس خلْق كثير، واحترق نهر مُعَلَّى، من عقد الحديد إلى خزانة [٥] الهرّاس، إلى باب دار الضَّرب، واحترق سوق الصَّاغة، والصّيارف، والمخلّطين، والرَّيْحانيّين. وركب الوزير عميد الدّولة [٦] بن جَهير وأتى، فما زال راكبا حتّى أطفئ [٧] .
стр. 15754
[وقوع البَرَد بالبصرة]
وفيها وقع بالبصرة بَرَد عظيمٌ كبار، أهلك الحرث والنَّسْل. كانت البَرَدة من خمسة أرطال إلى عشرة أرطال [١] .
стр. 15755
سنة ست وثمانين وأربعمائة
[وزارة عزّ الملك]
استُهِلَّت وبركياروق مُنَازِلٌ إصبهان، فخرج إليه جماعة من أولاد نظام المُلْك، فاستوزر عزّ المُلْك بن نظام المُلْك الّذي كان مُتولّي خَوارَزْم [١] .
[استيلاء تاج الدّولة تُتُش على الرّحبة ونصيبين]
وأمّا تاج الدّولة تُتُش صاحب دمشق، فلمّا علم بموت أخيه ملك شاه جمع الجيوش وأنفق الأموال، وسار يطلب السّلطنة، فمرّ بحلب وبها قسيم الدّولة أقْسُنْقُر، فصالحه وصار معه، وأرسل إلى ياغي سيان صاحب أنطاكية، وإلى بوزان صاحبُ الرّها وحَرّان، يشير عليهما بطاعة تُتُش، فصاروا معه، وخطبوا له في بلادهم، وقصَدَوا الرَّحْبة، فملكوها في المحرّم سنة ستٍّ [٢] . ثمّ سار بهم، وحاصر نصيبين، فسبُّوه ونالوا منه، فغضب وأخذها عَنْوَةً، وقتل بها خلْقًا ونهبها [٣] . ثمّ سلّمها إلى محمد بن شرف الدّولة العُقَيْليّ، وقصدَ الموصل [٤] .
стр. 15756
[وزارة ابن جهير]
واستوزر الكافي ابن فخر الدّولة بن جَهير، أتاه من جزرة ابن عمر [١] .
[وقعة المُضَيَّع]
وكان قد تغلَّب على الموصل إبراهيم بن قُرَيش أخو شرف الدّولة، فعمل معه مصَافًّا، وتُعرف بوقعة المُضَيَّع [٢] ، فكان هو في ثلاثين ألفًا، وكان تُتُش في عشرة آلاف، فتمَّت الكسْرة على جيش إبراهيم، وأخِذ أسيرًا. ثمّ قُتِل صبْرًا [٣] .
وقيل إنّ تقدير القتلى من الفريقين عشرة آلاف، وامتلأت الأيدي من السَّبْي والغنائم، حتّى أبيع الْجَمَل بدينار، وأمّا الغنم فقيل: أُبيعت مائة شاة بدينار. ولم يُشَاهد أبشع من هذه الوقعة. وقتل بعض نُسوان العرب أنفسهنَّ خوف الفضيحة [٤] ، ومنهنّ من غرَّقت نفسَهَا.
وأقرَّ تُتُش على الموصل الأمير عليّ بن شرف الدّولة وأمّه صفيّة [٥] ، وهي عمّة تُتُش [٦] ، ثمّ بعث إلى بغداد يطلب تقليدًا بالسّلطنة، وساعده كوهرائين [٧] ، فتوقّفوا قليلا [٨] .
стр. 15757
[استقامة الأمور لتاج الدّولة تتش]
وسار تُتُش فملك ميّافارقِين، [١] وديار بكر، وقصد أَذَرْبَيْجَان [٢] ، وغلبَ على بعضها، فبادر بركياروق ليدفع عمّه تتش عن البلاد، وقصده، فالتقيا، فقال قسيم الدّولة لبوزان: إنّما أطعنا هذا لننظر ما يكون من أولاد السّلطان، والآن فقد ظهر ابنُه هذا، وينبغي أن نكون معه. ففارقا تُتُش [٣] وتحوّلا بعسكرهما إلى بَركيَارُوق، فلمّا رأى ذلك تُتُش ضَعُف ورجع إلى الشّام، واستقام دَسْت بركياروق [٤] .
[تملُّك عسكر مصر مدينة صور]
وفيها في جُمَادى الآخرة جاء عسكر المصريّين، فتملِّكوا مدينة صور بمخامرة أهلها، وأخد متولّيها إلى مصر، فقُتِل هو وجماعة [٥] .
[امتناع الحجّ العراقي]
ولم يحجّ أحدٌ من العراق، بل خرج ركْبٌ من دمشق، فنهبهم أمير مكّة محمد بن أبي هاشم، وخرجت عليهم العُربان غير مرّة ونهبوهم، وتمزَّقوا، وقتِل جماعة، ورجع سلم في حال عجيب.
стр. 15758
[الفتنة بين السُّنّة والرَّافضة]
وأمّا بغداد فهاجت فيها فتنةٌ مزعجة على العادة بين السُّنّة والرَّافضة [١] .
[دخول صدقة بن مزيد في خدمة السلطان ملك شاه]
وسار سيف الدّولة صَدَقَة بن مَزْيَد أميرُ العرب، فلقي السّلطان بركياروق بنَصِيبِين، وسار في خدمته إلى بغداد، فوصلها في ذي القعدة. وخرج عميد المُلْك بن جَهير الوزير والنّاس معَه إلى لقائه [٢] .
[وفاة جعفر بن المقتدي باللَّه]
ومات جعفر بن المقتدي باللَّه، وله ستّ سنين، وهو سبط السّلطان ملك شاه [٣] .
стр. 15759
سنة سبع وثمانين وأربعمائة
[الخطبة لبركياروق بالسّلطنة]
في أوّلها خُطب للسّلطان بَركيَارُوق، ولُقِّب «رُكن الدّولة» ، وعلَّم الخليفة على تقليده [١] .
[وفاة الخليفة المقتدي]
ومات الخليفة المقتدي من الغد فجأة [٢] .
[خلافة المستظهر]
وبويع بالخلافة ولده المستظهر [٣] .
стр. 15760
[قتْل تُتُش لآقْسُنْقُر صاحب حلب]
وأمّا تاج الدّولة تتش فإنّه رجع وشرع يجمع العساكر. وصار قسيم الدّولة وبوزان ضدًّا له، وأمدَّهما بركياروق بعسكر، فكان بينهما مصافٌّ بتلّ السّلطان [١] ، على بريد من حلب، فانهزم، جَمْع أقْسُنْقُر صاحب حلب، وثبت هو، فأُخِذ أسيرًا، وأُحضر بين يدي تُتُش، فقال له: لو كنتَ ظفرتَ بي ما كنت تفعل بي؟ قال: كنت أقتلك. فذبحهُ صبْرًا [٢] .
[تغلّب تتش على حلب وغيرها]
وساق إلى حلب وقد دخلها المنهزمون، فحاصرها حتّى ملكها، وأخذ الأميرين بوزان وكربوقا أسيرين. فقتل بوزان [٣] ، ثمّ بعث برأسه إلى حَرّان والرُّها، فخافوه، وسلَّموا إليه البلدين [٤] ، وسجن كربوقا بحمص. ثمّ سار إلى بلاد الجزيرة فملكها، ثمّ ملك خِلاط وغيرها. ثمّ سار فافتتح أذربيجان جميعها،
стр. 15761
وكثرت جيوشه واستفحل أمره [١] .
[سلطنة بركياروق على إصبهان]
وسار بركياروق في طلب عمّهِ [٢] ، فبيَّتَه ليلةً عسكر تُتُش، فانهزم بَركيَارُوق في طائفة يسيرة، ونُهِبت أثقالُه، فقصد إصبهان لمّا بلغه موت امرأة [٣] أبيه تُركان، ففتحوا له خديعةً، وقبضوا عليه، وأرادت الأمراء أن يكحّلوه، فاتّفق أنّ أخاه محمود بن السّلطان ملك شاه جدّر، فقال لهم الطّبيب [٤] : ما رأيته يسْلَم، فلا تَعْجَلوا بكَحْل هذا، وأنتم تكرهون أن يملك تاج الدّولة تُتُش. فدعوا هذا حتّى تنظروا في أمركم. فمات محمود في سَلْخ شوّال وله سبْعٌ سنين، فملّكوا بركياروق، ووزر له مؤيّد المُلْك بن نظام المُلْك، لأن أخاه الوزير عزّ المُلْك مات بناحية الموصل مع السّلطان. فأخذ مؤيّد المُلْك يكاتب له الأمراء ويتألَّفهم، فقوي سلطانه وتمّ [٥] .
[وفاة المستنصر باللَّه العُبَيْديّ]
وفيها مات المستنصر باللَّه الرّافضيّ صاحب مصر [٦] .
стр. 15762
[خلافة المستعلي باللَّه]
وقام بعده ابنه المستعلي [١] .
[وفاة بدر أمير الجيوش]
وفيها مات بدر أمير الجيوش قبل المستنصر بأشهر [٢] .
[وفاة أمير مكّة]
ومات محمد بن أبي هاشم الحسينيّ [٣] أمير مكّة، وقد نيّف على السّبعين، وكان ظالمًا قليل الخير، أمرَ بنهب الرَّكْب في هذا العام [٤] .
[قتل تكش عمّ السلطان بركياروق]
وفيها قتل السّلطان بَركيَارُوق عمّه تِكِش وغرَّقه. وكان محبوسا مكحولا بقلعة تِكْريت، لأنّه اطّلع منه على مكاتبات [٥] .
[وفاة الخاتون تُركان]
وكانت تُركان الخاتون قد بعثت جيشًا مع الأمير أُنَرْ [٦] لأخْذ فارس من
стр. 15763
الملك توران شاه بن قاروت بك، فانهزم توران شاه، وعمل معه مصافّا، فانهزم أنر. ومات توران شاه من سَهْم أصابه، ومرضت تُركان وهي بنت طمغان خان [١] أحد ملوك التّرك، وكان لها هيبة وصَوْلة، وأمرٌ مُطاع، لأنّها بنت ملك كبير، ولأنّ زوجها سلطان الوقت كان، وابنها ولي عهْد، وهي حماة المقتدر باللَّه، إلى غير ذلك. وكانت قد تجهَّزت تريد المسير إلى تاج الدّولة لتتزوّج به، فأدركها الأجَل، وأوصت بولدها إلى الأمير أُنَرْ، ولم يكن بقي له سوى إصبهان [٢] .
[دخول الرّوم بَلَنْسِيَة]
وفيها دخلت الروم لعنهم الله بَلَنْسِيَة [٣] صُلْحًا بعد حصار عشرين شهرًا، [٤] فلا قوّة إلّا باللَّه.
стр. 15764
سنة ثمان وثمانين وأربعمائة
[قتْل صاحب سمرقند]
في المحرّم قتل أحمد خان صاحب سَمَرْقَنْد، وكان قد كرهه جُنْدُهُ واتّهموه بالزّندقة، لأنّ السّلطان ملك شاه لمّا تملّك سَمَرْقَنْد وأسَرَ أحمد خان وَكَلّ به جماعة من الدَّيْلَم، فحسَّنوا له الانْحلال، وأخرجوه إلى الإباحة. فلمّا عاد إلى سَمَرْقَنْد كان يظهر منه الانحلال، وعصى طُغْرُل يَنال بقلعةٍ له، فسَار لحصاره، فتمكَّن الأمراء وقبضوا عليه، ورجعوا به، وأحضروا الفُقهاء، وأقاموا له خصومًا ادَّعوا عليه بالزَّنْدَقة، فأنكر، فشهدوا عليه، فأفتى العلماء بقتْله، فخنقوه، وملّكوا ابن عمّه [١] .
[انتهاب ابن أبق باجِسْرى وبعقوبا]
وفي صَفَر بعث تتش شَحْنة لبغداد، وهو يوسف بن أبق التُّرْكُمَانيّ، فجاء صَدَقَة بن مَزْيَد صاحِبُ الحلّة ومانعه، فسار نحو طريق خُراسان، ونهب باجِسْرى [٢] ، وبَعْقُوبا [٣] أفْحَش نهْبٍ، ثمّ عاد إلى بغداد، وقد راح منها صدقة،
стр. 15765
فدخلها وأراد نَهْبها، فمنعه أميرٌ معه، فجاء الخبر بقتْل تتش، فترحّل إلى الشّام [١] .
[مقتل تاج الدّولة تتش]
وذلك أنّ تتش لمّا هزم بَرْكيارُوق، سار بركياروق فحاصر هَمَذَان، ثمّ رحل عنها، ومرض بالْجُدَرِيّ. وقصد تتش إصبهان، وكاتب الأمراء يدعوهم إلى طاعته، فتوقّفوا لينظروا ما يكون من بركياروق. فلمّا عُوفي فرحوا به، وأقبلت إليه العساكر، حتّى صار في ثلاثين ألفًا، والتقى هو وتتش بقرب الرّيّ، فانكسر عسكر تتش، وقاتل هو حتّى قُتِل، قتله مملوكٌ لقسيم الدّولة، وأخذ بثأر مخدومه [٢] .
[تفرُّد بركياروق بالسّلطنة]
وانفرد بركياروق بالسّلطنة، ودانت له الممالك بعد أن انهزم من عمّه بالأمس في نفرٍ يسير إلى إصبهان، ولو اتّبعه عشرون فارسًا لأسروه، لأنّه بقي على باب إصبهان أيّامًا، ثمّ خدعوه وفتحوا له، ثمّ قبضوا عليه وهموا بكحْله، فحُمّ أخوه محمود وجدَّر ومات، فملّكوه عليهم، وشرعت سعادته [٣] .
[تملّك رضوان بن تُتُش حلب]
وقد كان تُتُش بعث إلى ولده رضوان يأمره بالمجيء إلى بغداد، وينزل بدار السّلطنة، فسار في عسكرٍ كبير، فلمّا قارب هِيت [٤] جاءه نعيُ أبيه، فردّ إلى
стр. 15766
حلب، وتملّكها بعد أبيه [١] ، وجعل زوجَ أمّه جناحَ الدّولة حسينَ بنَ أيْدكين [٢] أتَابِكَه ومدبِّر دَولته، فأحسن السّياسة [٣] .
وصالحهم صاحب أنطاكيّة ياغي سِيان التُّرْكُمَانيّ، فقصدوا ديار بكر، والتفّ عليهم نُوّابُ الأطراف الّذين لتتش، فساروا [٤] يريدون سَرُوج، فسبقهم إليهم الأمير سقمان بن أرتق، فحكم عليها [٥] .
ثمّ ملك رضوان الرّها، ووهبها لصاحب أنطاكيّة. ثمّ وقع بينهم اختلاف، فسار جناح الدّولة مُسرعًا إلى حلب، ثمّ قدِم رضوان [٦] .
[تملُّك دُقَاق دمشق]
وأمّا أخوه دُقَاق الملك فإنّه كان في خدمة عمّه السّلطان ملك شاه، وهو صبيٌّ قد خطب ابنة السّلطان. وسار بعد موت عمّه مع تُركان إلى إصبهان. ثمّ خرج إلى بركياروق، فصار معه، ثمّ هرب إلى أبيه. وحضر مقتل أبيه، وهرب مع بعض المماليك إلى حلب، فبقي مع أخيه، فراسله الخادم ساوتِكِين متولّي قلعة دمشق سرًّا، يدعوه ليملّكه، فهرب، وأرسل أخوه وراءه فوارس، فلم يُدركوه، وفرح الخادم بقدومه، وتملّك دمشق [٧] .
стр. 15767
مجيء طغتكين إلى دمشق وتمكُّنه
واتّفق مجيء طُغْتِكين هو وجماعة من خواصّ تتش قد سَلِموا، فخرج لتلقّيهم دُقَاق وأكرمهم. وقيل كانوا أُسروا يوم المصافّ، ثمّ تخلّصوا. وكان طُغْتِكِين زوجَ أمِّ دُقَاق، فتمكَّن من الأمور، وعمل على قتل الخادم فقتله [١] .
[وزارة الخُوارَزْميّ]
وجاء إلى الخدمة ياغي سيان صاحب أنطاكيّة، ومعه أبو القاسم الخُوارَزْميّ، فاستوزره دُقَاق [٢] .
[وفاة المعتمد بن عَبَّاد]
وفيها تُوُفّي المعتمد بن عَبَّاد مسجونًا بأغْمات [٣] وكان من محاسِن الدّنيا جُودًا، وشجاعةً، وسُؤْدُدًا، وفصاحةً، وأدبًا، وما أحسن قوله:
سلَّت عليَّ يدُ الخُطُوبِ سُيوفَها ... فَجَذَذْنَ من جَسَدي الخصيب الأفتنا [٤]
ضرَبَتْ بها أيدي الخطوبِ، وإنّما ... ضَرَبَتْ رقابَ الآمِلينَ بنا المُنى [٥]
يا آملي العاداتِ من نَفَحاتنا ... كُفُّوا، فإنّ الدّهرَ كفَّ أكُفَّنا [٦]
[وفاة الوزير أبي شجاع]
وفيها تُوُفّي الوزير أبو شجاع وزير الخليفة مجاوِرًا بالمدينة [٧] .
стр. 15768
[بناء سور الحريم ببغداد]
وفيها عملوا سور الحريم ببغداد، فزيّنوا البلد لذلك، وعملوا القباب والمغاني، وجدّوا فيه [١] .
[جرْح السّلطان بركياروق]
وفي رمضان وثب رجلٌ فجرح السّلطان بركياروق [٢] .
[قدوم الغزالي الشام وتصنيفه كتاب الإحياء]
وفيها قدِم الغزاليّ، ﵀، إلى الشّام متزهِّدًا، وصنَّف كتاب «الإحياء» واسْمَعَه بدمشق، وأقام بها سنتين، ثمّ حجّ، وسار إلى خُراسان [٣] .
[وزارة فخر المُلْك لبركياروق]
وفيها عزل بَركيارُوق مؤيّد المُلْك بن نظام المُلْك من الوزارة بأخيه فخر الملك [٤] .
стр. 15769
سنة تسع وثمانين وأربعمائة
[تملُّك كربوقا الموصل]
قد ذكرنا أنّ تُتُش سجنه فأطلقه رضوان بن تتش، وأطلق أخاه ألْتُونْتاش، فالتفّ عليهما كثيرٌ من العسكر البطّالين، فأتيا حرّان، وجاء إليهما محمد بن شرف الدّولة مسلم بن قُريش يستنصِر بهما على أخيه عليّ صاحب الموصل من جهة تتش، فسار كربوقا، ثمّ غدر بمحمد، وقبض عليه، وغرَّقه، ونازل الموصل على فَرْسخٍ منها، ونزل أخوه ألْتُونْتاش من الجهة الأخرى، فجاء صاحب الجزيرة العُمرية جكرمِش ليكشف عنهم، فهزمه ألْتُونْتاش، وطالت مصابرتهما لأهل الموصل حتّى عُدِمت بها الأقوات، وكلّ شيء حتّى ما يوقدونه، ودام الحصار تسعة أشهر، ففارقها صاحبُها، وسار إلى الحلّة إلى الأمير صَدَقَة، واستولى كربوقا على الموصل، وشرع ألْتُونْتاش في مُصادرة النّاس، فقتله أخوه وأحسن السّيرة، ثمّ سار فملك الرَّحْبة [١] .
[اجتماع الكواكب السبعة وغرق الحجّاج]
وفيها اجتمعت الكواكب السَّبعة، سوى زُحَل في برج الحوت، فحكم المُنجِّمون بطوفانٍ يقارب طوفانَ نوح، فاتّفق أنّ الحُجَّاج نزلوا في وادي المناقب [٢] ، فأتاهم سَيْلٌ، فغرق أكثرهم. كذا ذكر «ابن الأثير» [٣] ، ونجا من تعلّق بالجبال، وذهبت الجمال والأزواد [٤] .
стр. 15770
[تدريس الطَّبريّ بالنّظامية]
وفيها درّس بالنّظامية ببغداد أبو عبد الله الطّبريّ الفقيه [١] .
стр. 15771
سنة تسعين وأربعمائة
[قتل الملك أرسلان أرغون]
فيها قُتِل الملك أرسلان أَرْغُون [١] ابن السّلطان ألْب أرسلان السَّلْجُوقيّ بمَرْو، وكان قد حكمَ على خُراسان. وسبب قتله أنّه كان مؤذيا لغلمانه، جبّارًا عليهم، فوثب عليه غلامٌ بسِكّين قتله [٢] .
وكان قد ملك مَرْو، وبَلْخ، ونَيْسابور، وتِرْمِذ، وأساء السّيرة، وخرّب أسوار مُدُن خُراسان، وصادر وزيره عماد المُلْك بن نظام المُلْك وأخذ منه ثلاثمائة ألف دينار، ثمّ قتله [٣] .
[عصيان متولّي صور وقتله]
وفيها عصى متولّي صور على المصريّين، فسار لحربه جيش، وحاصروه، ثمّ افتتحوها عَنْوَةً وقتلوا بها خلْقًا ونهبوها، وحُمِل واليها إلى مصر، فقُتِل بها [٤] .
[تسلُّم بركياروق سائر خراسان]
وكان بَركيَارُوق قد جهَّز العساكر مع أخيه الملك سَنْجَر لقتال عمّه أرسلان
стр. 15772
أرغون المتغلِّب على خُراسان، فلمْا بلغوا الدّامَغان أتاهم قتْلُه، ثمّ لحِقهم السّلطان بَركيارُوق، وسار إلى نَيْسابور، فتسلَّمها، ثمّ تسلّم سائر خُراسان بلا قتال، ثمّ نازل بلْخ وتسلّمها، وبقي بها سبعة أشهر، وخطبوا له بسَمَرْقَنْد، وغيرها. ودانت له البلاد، وخضعت له العباد. واستعمل أخاه سنجر على خُراسان، ورتَّب في خدمته من يسوس الممالك، لأنّه كان حَدَثًا [١] .
[ولاية محمد بن أنوشتكين على خُوارَزْم]
وفيها أقرَّ بركياروق الأمير محمد بنَ أَنُوشتِكِين على خُوارَزْم. وكان أبوه مملوك الأمير بلكابَك [٢] السَّلْجُوقيّ، فطلع نجيبا، كامل الأوصاف، فولد له محمد هذا، فعلِّمه وأدَّبه، وترقِّت به الحال إلى أن ولي خُوارَزْم، ولُقِّب خُوارَزْم شاه.
وكان كريمًا، عادلًا، محسِنًا، مُحِبًّا للعلماء [٣] . فلمّا تملك السّلطان سنجر أقرَّ محمدًا على خُوارَزْم. ولمّا تُوُفّي ولي بعده ولده أتسز بن خُوارَزْم شاه، فمدَّ ظُلَل الأمن، ونَشَر العدل، وكان عزيزًا على السّلطان سنجر، واصلًا عنده لشهامته وكفايته وشجاعته. وهو والد السّلطان خُوارَزْم شاه محمد الّذي خرج عليه جنكزخان [٤] .
[انهزام دُقَاق عند قنّسرين أمام أخيه]
وفيها نازل رضوان صاحب حلب مدينة دمشق ليأخذها من أخيه دُقَاق، فرأى حصانتها، فسَار ليأخذ القدس فلم يُمكنه، وانقطعت عنه العساكر. وكان معه ياغي [٥] سِيان ملك أنطاكيّة، فانفصل عنه، وأتى دمشق، وحسّن لدُقَاق محاصرةَ حلب، فسَار معه. واستنجد رضوان بسُقْمان بن أرتق، فنجده بجيش
стр. 15773
التُّركمان، وخاض الفُرات إليه. والتقى دُقَاق ورضوان بقِنَّسْرين، فانهزم دُقَاق وجَمْعه، ونُهِبوا، ورجعوا بأسوأ حال. ثمّ قُدّم رضوان في الخطبة على أخيه بدمشق، واصطلحا [١] .
[الخطبة للمستعلي باللَّه بولاية رضوان بن تتش]
وفيها خُطب للمستعلي باللَّه المصريّ في ولاية رضوان بن تُتُش، لأنّ جناح الدّولة زوج أمّ رضوان رأى من رضوان تغيُّرًا، فسَار إلى حمص، وهي يومئذٍ له، فجاء حينئذٍ ياغي سيان إلى حلب، وصالح رضوان. وكان لرضوان منجّمٌ باطنيٌّ اسمه أسعد، فحسّن له مذهب المصريّين، وأتته رُسُل المستعلي تدعوه إلى طاعته، على أن يمدّه بالجيوش، ويبعث له الأموال ليتملّك دمشق، فخطب للمستعلي بحلب، وأنطاكيّة، والمَعَرّة، وشَيْزَر شهرًا. فجاءه سُقْمان، وياغي سِيان، فأنكرا عليه وخوّفاه، فأعاد الخُطْبة العبّاسيّة [٢] .
[منازلة الفرنْج أنطاكيّة]
وردّ ياغي سِيان إلى أنطاكية، فما استقرّ بها حتّى نازَلَتْها الفرنج يحاصرونها [٣] .
وكانوا قد خرجوا في هذه السّنة في جَمْعٍ كثير، وافتتحوا نيقية، وهو أوّل بلد افتتحوه، ووصلوا إلى فامية، وكفر طاب، واستباحوا تلك النّواحي [٤] . فكان هذا أوّل مظهر من الفرنْج بالشّام. قدِموا في بحر القُسطنطينيّة في جَمْعٍ عظيم، وانزعجت الملوك والرّعيّة، وعظُم الخَطْب، ولا سيما سلطان بلاد الرّوم سليمان، فجمع وحشد، واستخدم خلقا من التّركمان، وزحف إلى معابرهم،
стр. 15774
فأوقع بخلق من الفرنْج. ثمّ إنّهم التقوه، ففلّوا جَمْعَه، وأسروا عسكره، واشتدّ القلق، وزاد الفرق، وكان المصافّ في رجب [١] .
стр. 15775
ذكر من توفي في هذه الطبقة
سنة إحدى وثمانين وأربعمائة من المشاهير
- حرف الألف -
١- أحمد بن إبراهيم [١] .
أبو بكر القُرَشيّ الدّرْعيّ الهَرَويّ.
تُوُفّي بهَرَاة في شهر صَفَر.
سمع: أبا الفضل الجاروديّ.
٢- أحمد بن عبد الصّمد بن أبي الفضل [٢] .
أبو بكر الغُورَجيّ [٣] الهَرَويّ التّاجر.
سمع «الجامع» لأبي عيسى من الجرّاح.
روى عنه: المؤتمن السّاجيّ، وعبد الملك الكَرُوخيّ [٤] .
وتُوُفّي في ذي الحجّة بهَرَاة.
وثّقه الحسين بن محمد الكُتُبيّ [٥] .
стр. 15776
٣- أحمد بن محمد بن حسن بن خضر [١] .
أبو طاهر الجواليقيّ [٢] ، والد أبي منصور الجواليقيّ.
كان صالحًا صحيح السّماع [٣] .
سمع: أبا القاسم بن بِشْران.
وعنه: عبد الوهّاب الأنماطيّ.
٤- أحمد بْن محمد بْن أحمد [٤] .
أبو نصر الثّعالبيّ [٥] الصُّوفيّ.
تُوُفّي في رجب بخُراسان.
روى عن: ابن محمش، وأبي عبد الرحمن السّلميّ، وجماعة.
٥- أَحْمَد بْن مُحَمَّد بن عُبَيْد اللَّه [٦] .
أَبُو الفضل الرصاص الأصبهاني.
سمع: محمد بن إبراهيم الجرجاني.
وعنه: مسعود الثقفي، والرستمي.
توفي في هذه السنة تقريبا.
٦- إبراهيم بن محمد بن إبراهيم [٧] .
стр. 15777
أبو إسحاق الأصبهاني الطيان القفال.
سمع: إبراهيم بن خرشيد قوله.
وعنه: مسعود الثقفي، والرستمي.
توفي في صفر [١] .
وقد سئل أبو سعد البغدادي عنه فقال: شيخ صالح. سمعت أنّه كان يخدم ابن خُرَّشِيد قُولَه في صِغَره، وما سمعتُ فيه إلّا خيرًا.
٧- إسماعيل بْن عَليّ بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه [٢] .
أبو الفضل الدّلشاذيّ [٣] الفقيه.
من تلامذة أبي محمد الْجُوَينيّ.
صالح مستور.
حدَّث عن: أبي القاسم عبد الرحمن السّرّاج، وأبي بَكْر الحِيريّ، وأبي سَعِيد الصَّيَرْفيّ.
روى عنه: عبد الغافر الفارسيّ، وقال: تُوُفّي في الحادي والعشرين من المحرّم [٤] .
٨- إسماعيل بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهيم بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن نوح [٥] .
القاضي الخطيب أبو محمد النُّوحيّ [٦] السَّمَرْقَنْديّ.
تُوُفّي يوم عيد الأضحى.
وحدَّث عن: جعفر المستغفِريّ.
وعنه: عمر بن محمد النّسفيّ، وغيره.
стр. 15778
وعاش تسعًا وخمسين سنة [١] .
- حرف الجيم -
٩- جعفر بن حيدر [٢] .
أبو المعالي العَلَويّ الهَرَويّ الزّاهد.
أحد الكبار، بنى بهَرَاة الخانقاه.
وكان له مريدون وأصحاب أشعريّون.
سمع: عبد الغافر الفارسيّ [٣] ، وجماعة.
- حرف الحاء -
١٠- حَجّاج بن قاسم [٤] .
أبو محمد المأمونيّ السّبْتيّ الفقيه.
سمع من: أبيه، وبمكّة من: أبي ذَرّ عبد الهَرَويّ، وأبي بكر المُطَّوِّعيّ [٥] .
وسكن المَرِية، وصار رئيس علمائها. وبعد ذلك انتقل إلى سَبْتَة.
وحدَّث «بصحيح البخاريّ» .
سمع منه: قاضي القضاة أبو محمد بن منصور، وأبو عليّ بن طريف، وأبو القاسم بن العجوز.
وكان أبوه قاسم بن محمد الرُّعَيْنيّ ممّن لقي ابن أبي زيد. تُوُفّي سنة ثمانٍ وأربعين. (ث) : يعني أباه.
стр. 15779
١١- الْحَسَن بْن محمد بْن الحسن [١] .
أبو القاسم الخَوَافيّ [٢] . نزيل نَيْسابور.
سمع من: ابن مَحْمِش، وعبد الله بن يوسف، والسُّلَميّ.
روى عنه: أبو البركات الفُراويّ، وعائشة بنت الصّفّار، ومحمد بن الحسن الزُّوزَنيّ.
قال ابن السَّمعانيّ: مات بعد سنة ثمانين.
- حرف العين -
١٢- عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْنِ عَلِيِّ بْنِ جعفر بن منصور بن مَتّ [٣] .
شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاريّ الهَرَويّ الحافظ العارف.
من ولد صاحب النّبيّ ﷺ أبي أيّوب الأنصاريّ.
قال أبو النَّضْر [٤] الفاميّ: كان بِكْر الزّمان، [٥] وواسطة عقد المعاني [٦] ،
стр. 15780
وصورة الإقبال، في فنون الفضائل، وأنواع المحاسن، منها نُصّرة الدّين والسُّنّة [١] من غير مُداهنةٍ ولا مراقبة لسلطان ولا وزير [٢] . وقد قاسى بذلك [٣] قصْد الحُسّاد في كلّ وقت [٤] ، وسَعَوا في روْحه مرارًا، وعمدوا إلى هلاكه أطْوارًا [٥] فوقاه الله شرّهم [٦] ، وجعل قَصْدهم [٧] أقوى سببٍ لارتفاع شأنه [٨] .
قلت: سمع من: عبد الجبّار الْجَرَّاحيّ «جامع التِّرْمِذِيّ» ، وسمع من:
الحافظ أبي الفضل محمد بن أحمد الجاروديّ، والقاضي أَبِي منصور مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الأزْديّ، وأحمد بن محمد بن العالي، ويحيى بن عمّار السِّجْزيّ المفسّر، ومحمد بن جبريل بن ماحٍ، وأبي يعقوب القَرّاب، وأبي ذَرّ عبد بن أحمد الهَرَويّ.
ورحل إلى نَيّسابور، فسمع من: محمد بن موسى الحَرَشيّ، وأحمد بن محمد السَّلِيطيّ، وعليّ بن محمد الطّرّازيّ الحنبليّ أصحاب الأصمّ، والحافظ أحمد بْن عليّ بْن فَنْجُوَيْه الأصبهانيّ.
وسمع من خلق كثير بهراة، أصحاب الرّفّاء فمن بعدهم.
وصنَّف كتاب «الفاروق في الصّفات» ، وكتاب «ذمّ الكلام» ، وكتاب «الأربعين حديثًا» في السُّنَّة. وكان جِذْعًا في أعين المتكلِّمين، وسيفا مسلولا على المخالفين، وطودا في السّنّة لا تزعزعه الرّياح.
وقد امْتُحِن مرَّاتٍ.
قال الحافظ محمد بن طاهر: سمعتُ أبا إسماعيل الأنصاريّ يقول بهَرَاة:
عُرِضتُ على السَّيف خمس مرّات، لا يقال لي: ارجعْ عن مذهبك، لكن يقال
стр. 15781
لي: اسكُت عمّن خالفك، فأقول: لا أسكت [١] .
وسمعته يقول: أحفظ اثني عشر ألف حديث أَسْرُدُها سَردًا [٢] .
قلت: خرّج أبو إسماعيل خلْقًا كثيرًا بهَرَاة، وفسّر القرآن زمانًا، وفضائله كثيرة. وله في السُّوق كتاب «منازل السّائرين» [٣] وهو كتاب نفيس في التَّصوُّف، ورأيت الاتحاديّة تعظّم هذا الكتاب وتنتحله، وتزعم أنّه على تصوّفهم الفلسفيّ [٤] .
وقد كان شيخنا ابن تيمية بعد تعظيمه لشيخ الإسلام يحطّ عليه ويرميه بالعظائم بسبب ما في هذا الكتاب. نسأل الله العفو.
وله قصيدة في السُّنّة [٥] ، وله كتاب في مناقب أحمد بن حنبل، وتصانيف
стр. 15782
أُخر لا تحضُرني.
روى عنه: المؤتمن السّاجيّ، ومحمد بن طاهر المقدسي، وعبد الله بن أحمد السَّمَرْقَنْديّ، وعبد الصّبور بن عبد السّلام الهَرَويّ، وعبد الملك الكَرُوخيّ، وأبو الفتح محمد بن إسماعيل الفاميّ، وعطاء بن أبي الفضل المعلّم، وحنبل بن عليّ البخاريّ، وأبو الوقت عبد الأوّل، وعبد الجليل بن أبي سعد، وخلْق سواهم.
وآخر من روى عنه بالإجازة أبو الفتح نصر بن سيّار.
قال السِّلَفيّ: سألت المؤتمن عنه فقال: كان آيةً في لسان التّذكير والتّصوُّف، من سلاطين العلماء [١] .
سمع ببغداد من أبي محمد الخلّال، وغيره.
يروي في مجالس وعْظِه أحاديث بالإسناد، ويَنْهَى عن تعليقها عنه.
وكان بارعًا في اللُّغة، حافظًا للحديث [٢] . قرأت عليه كتاب «ذمّ الكلام» ، وكان قد روى فيه حديثًا عن: عليّ بن بُشْرى، عن أبي عبد الله بن مَنْدَهْ، عن إبراهيم بن مرزوق.
فقلت له: هذا هكذا؟
قال: نعم. وإبراهيم هو شيخ الأصمّ وطبقته. وهو إلى الآن في كتابه على هذا الوجه [٣] .
قلتُ: وكذا سقط عليه رجلان في حديثين مخرَّجين من «جامع التِّرْمِذِيّ» .
وكذا، وقعت لنا في «ذمّ الكلام» . نبّهت عليه في نسختي، واعتقدتها سقطت على «المنتقى من ذمّ الكلام» ، ثمّ رأيت غير نسخةٍ كما في «المنتقى» [٤] .
قال المؤتَمَن: وكان يدخل على الأمراء والجبابرة، فما كان يبالي بهم،
стр. 15783
وكان يرى الغريب من المحدِّثين، فيُكْرمه إكرامًا يتعجّب منه الخاصّ والعامّ [١] .
وقال لي مرّة: هذا الشّأن شأن من ليس له شأن سوى هذا الشّأن [٢] . يعني طَلَب الحديث.
وسمعته يقول: تركت الحِيريّ للَّه، يعني القاضي أبا بكر أحمد بن الحسن صاحب الأصمّ [٣] .
قال: وإنّما تركه لأنّه سمع منه شيئًا يخالف السُّنّة [٤] .
وقال: أبو عبد الله الحسين بن عليّ الكُتُبيّ في «تاريخه» : خرّج شيخ الإسلام لجماعة [٥] الفوائد بخطّه، إلى أن ذهب بصره، فلمّا ذهبَ بصرُهُ أمر واحدًا بأن يكتب لهم ما يخرِّج، ثمّ يصحّح عليه. وكان يخرّج لهم متبرعًا لحبّه للحديث. وقد تواضع بأن خرَّج لي فوائد. ولم يبق أحدٌ خرّج له سواي [٦] .
وقال الحافظ محمد بن طاهر: سمعتُ أبا إسماعيل الأنصاريّ يقول: إذا ذكرتُ التّفسير، فإنّما أذكره من مائة وسبعة تفاسير [٧] .
وسمعت أبا إسماعيل ينشد على المنير:
أنا حنبليٌّ ما حَييت، وإنّ أمُت ... فوصيّتي للنّاس أن يتحنبلوا [٨]
وسمعتُ أبا إسماعيل يقول: لمّا قصدتُ الشّيخ أبا الحسن الحِرَقانيّ [٩] الصّوفيّ، وعزمتُ على الرّجوع، وقع في نفسي أنّ أقصد أبا حاتم بن حاموش الحافظ بالرَّيّ وألتقي به- وكان مقدَّم أهل السُّنّة بالرَّيّ، وذلك أنّ السّلطان
стр. 15784
محمود بن سُبُكْتِكِين لمّا دخل الرَّيّ، وقتل بها البّاطنيّة، منع سائر الفِرَق من الكلام على المنابر، غير أبي حاتم، وكان مَن دخل الرّيّ مِن سائر الفِرَق، يعرض اعتقاده عليه، فإنْ رَضَيَه إذِن له في الكلام على النّاس وإلّا منعه- فلمّا قَرُبْتُ من الرَّيّ كان معي في الطّريق رجلٌ مَن أهلها، فسألني عن مذهبي.
فقلت: أنا حنبليٌّ. فقال: مذهبٌ ما سمعتُ به وهذه بدْعة. وأخذ بثوبي وقال: لا أفارقك حتّى أذهب بك إلى الشّيخ أبي حاتم. فقلت: خيْرة.
فذهب بي إلى داره، وكان له ذلك اليوم مجلسٌ عظيم، فقال: هذا سألته عن مذهبه، فذكر مذهبًا لم أسمع به قطّ.
قال: ما قال؟
قال: أنا حنبليٌّ.
فقال: دعه، فكلّ من لم يكن حنبليًّا فليس بمُسلمٍ.
فقُلت: الرجلُ كما وُصِف لي. ولزِمْتُه أيّامًا وانصرفت [١] .
قال ابن طاهر: حكى لي أصحابنا أنّ السّلطان ألْب أرسلان قدِم هَرَاة ومعه وزيره نظام المُلْك، فاجتمع إليه أئمّة الفريقين من الشّافعيّة والحنفيّة للشّكاية من الأنصاريّ، ومطالبته بالمناظرة. فاستدعاه الوزير، فلمّا حضر قال: إنّ هؤلاء قد اجتمعوا لمناظرتك، فإنّ يكن الحقّ معك رجعوا إلى مذهبك، وإنّ يكن الحقّ معهم إمّا أن ترجع وإمّا أن تسكت عنهم.
فقام الأنصاريّ وقال: أناظر على ما في كُمَّيَّ!؟
فقال: وما في كُمَّيْكَ؟
قال: كتاب الله، وأشار إلى كُمِّه الأيمن، وسُنَّة رسوله، وأشار إلى كُمِّه اليسار، وكان فيه «الصّحيحان» .
فنظر الوزير إليهم كالمستفهم لهم، فلم يكن فيهم مَن يمكنه أن يناظره من هذا الطّريق [٢] .
стр. 15785
وسمعتُ أحمد بن أميرجة القَلانسِيّ خادم الأنصاريّ يقول: حضرتُ مع شيخ الإسلام على الوزير أبي عليّ، يعني نظام المُلْك، وكان أصحابه كلّفوه الخروج إليه، وذلك بعد المحنة ورجوعه من بلْخ.
قلتُ: وكان قد غُرِّب عن هَرَاة إلى بَلْخ.
قال: فلمّا دخل عليه أكرمه وبجّله. وكان في العسكر أئمّة الفريقين. في ذلك اليوم، قد علموا أنّ الشّيخ يأتي، فاتَّفقوا على أن يسألوه عن مسألةٍ بين يدي الوزير، فإنْ أجاب بما يجيب بهَرَاة سقط من عين الوزير، وإنْ لم يُجِبْ سقط من عيون أصحابه. فلمّا استقرّ به المجلس قال العَلَويّ الدّبّوسيّ: يأذن الشّيخ الإمام في أن أسأل مسألة؟
قال: سَلْ.
فقال: لِمَ تَلْعن أبا الحسن الأشعريّ؟
فسكت، وأطرق الوزير. فلمّا كان بعد ساعةٍ، قال له الوزير: أَجِبْه.
فقال: لا أعرف الأشعريّ، وإنّما ألعَن من لم يعتقد أنّ الله في السّماء، وأنّ القرآن في المصحف، وأنّ النّبيّ ﷺ نبيٌّ غير خطّاء.
ثمّ قام وانصرف، فلم يمكن أحدٌ أن يتكلّم بكلمةٍ من هيبته وصلابته وصَوْلته. فقال الوزير للسّائل أو مَن معَه: هذا أردتم، كنّا نسمع أنّه يذكر هذا بهَرَاة، فاجتهدتم حتّى سمعناه بآذاننا. وما عسى أن أفعل به؟ ثمّ بعث خلفه خِلَعًا وصِلَةً، فلم يقبلْها، وخرج من فوره إلى هَرَاة ولم يتلبّث [١] .
قال: وسمعت أصحابنا بهَرَاة يقولون: لمّا قدم السّلطان ألْب أرسلان هَرَاة في بعض قِدْماته اجتمع مشايخ البلد ورؤساؤه، ودخلوا على أبي إسماعيل الأنصاريّ، وسلّموا عليه وقالوا: قد وَرَدَ السّلطان، ونحن على عزْمٍ أنْ نخرج ونسلّم عليه، فأحببنا أن نبدأ بالسّلام على الشّيخ الإمام، ثمّ نخرج إلى هناك.
وكانوا قد تواطئوا [٢] على أن حملوا معهم صنمًا من نحاس صغيرا،
стр. 15786
وجعلوه في المحراب تحت سجّادة الشّيخ، وخرجوا. وذهبَ الشّيخ إلى خلوته.
ودخلوا على السّلطان، واستغاثوا من الأنصاريّ أنّه مجسِّم، وأنّه يترك في محرابه صَنَمًا، ويقول إنّ الله على صورته. وإنْ بعث السلطانُ الآن يجد الصَّنَم في قِبْلة مسجده.
فعظُم ذلك على السّلطان، وبعث غلامًا ومعه جماعة، ودخلوا الدّار وقصدوا المحراب، وأخذوا الصَّنَم من تحت السّجّادة، ورجع الغلام بالصّنم، فوضعه بين يدي السّلطان، فبعث السّلطان من أحضر الأنصاريّ، فلمّا دخل رأى مشايخ البلد جلوسًا، ورأى ذلك الصَّنِم بين يدي السّلطان مطروحًا، والسّلطان قد اشتدّ غضبه. فقال له السّلطان: ما هذا؟
قال: هذا صنمٌ يُعْمل من الصُّفْر شِبْه اللُّعْبة.
قال: لست عن هذا أسألك.
فقال: فَعَمّ يسألني السّلطان؟
قال: إنّ هؤلاء يزعمون أنّك تعبد هذا، وأنّك تقول إنّ الله على صورته.
فقال الأنصاريّ: سبحانك، هذا بُهْتَانٌ عظيم. بصوتٍ جَهُوريّ وصَوْلَة، فوقع في قلب السّلطان أنَّهم كذبوا عليه. فأمرَ به، فأُخْرِج إلى داره مكرّما.
وقال لهم: أصدِقُوني. وهددهم، فقالوا: نحن في يد هذا الرّجل في بليّة من استيلائه علينا بالعامّة، فأردنا أنْ نقطع شرّه عنّا. فأمَرَ بهم، ووكّلّ بكلٍّ منهم، ولم يرجع إلى منزله حتّى كتب بخطّه بمبلغٍ عظيم يحمله إلى الخزانة.
وسَلِموا بأرواحهم بعد الهوان والجناية [١] .
وقال أبو الوقت السِّجْزيّ: دخلت نَيْسابور، وحضرتُ عند الأستاذ أبي المعالي الْجُوَينيّ فقال: مَن أنت؟
قلت: خادم الشّيخ أبي إسماعيل الأنصاريّ.
فقال: ﵁ [٢] .
стр. 15787
وعن أبي رجاء الحاجّيّ قال: سمعتُ شيخ الإسلام عبد الله الأنصاريّ يقول: أبو عبد الله بن مَنْدَهْ سيّد أهل زمانه.
وقال شيخ الإسلام في بعض كُتُبه: أنا أبو بكر أحمد بن عليّ بن محمد بن إبراهيم الأصبهاني أحفظ مَن رأيت مِن البشر.
وقال ابن طاهر: سمعتُ أبا إسماعيل الأنصاريّ يقول: كتاب أبي عيسى التِّرْمِذِيّ عندي أفْيَد من كتاب البخاري ومسلم.
قلتُ: لِمَ؟
قال: لأنّ كتاب البخاري ومسلم لا يصل إلى الفائدة منهما إلّا مَن يكون مَن أهل المعرفة التّامّة، وهذا كتاب قد شرح أحاديثه وبيَّنها، فيصل إلى فائدته كلّ واحدٍ من النّاس من الفُقَهاء، والمحدِّثين، وغيرهم [١] .
قال ابن السّمعانيّ: سألت إسماعيل بن محمد الحافظ عن عبد الله الأنصاريّ، فقال: إمام حافظ [٢] .
وقال في ترجمته عبد الغافر بن إسماعيل [٣] . كان على حظٍّ تامّ من معرفة العربيّة، والحديث، والتّواريخ، والأنساب، إمامًا كاملًا في التّفسير، حَسَن السّيرة في التَّصوُّف، غير مشتغلٍ بكَسْبٍ، مُكْتَفيا بما يباسط به المريدين [٤] والأتباع من أهل مجلسِه في السَّنة مرَّة أو مرّتين على رأس الملأ، فيحصل على ألوفٍ من الدّنانير، وأعدادٍ من الثّياب والحُلِيّ، فيجمعها، ويفرقها على القصّاب والخبَّاز، وينفق منها، ولا يأخذ من السّلاطين ولا من أركان الدّولة شيئًا. وقلَّ ما يُراعيهم، ولا يدخل عليهم، ولا يُبالي بهم. فبقي عزيزًا مقبولًا أتمّ من الملك، مُطاع الأمر، قريبًا من ستّين سنة، من غير مزاحمة.
стр. 15788
وكان إذا حضر المجلس لبس الثّياب الفاخرة وركب الدّوابّ الثّمينة، ويقول: إنّما أفعل هذا إعزازًا للدّين، ورغْمًا لأعدائه، حتّى ينظروا إلى عزّي وتحمُّلي، ويرغبوا في الإسلام، ثمّ إذا انصرف إلى بيته عاد إلى المُرَقَّعَة، والقُعُود مع الصُّوفيّة في الخانقاه، يأكل معهم، ولا يتميَّز في المطعوم ولا الملبوس.
وعنه أخذ أهل هَرَاة، التَّكْبير بالصُّبح، وتسمية أولادهم في الأغلب بالعبد المضاف إلى أسماءِ الله، كَعَبْد الهادي، وعبد الخلّاق، وعبد المُعِزّ [١] .
قال ابن السّمعانيّ: كان مُظْهِرًا للسُّنَّة، داعيا إليها، محرِّضًا عليها. وكان مكتفيا بما يباسط به المُريدين، ما كان يأخذ من الظَّلَمة والسلاطين شيئًا. وما كان يتعدَّى إطلاق ما ورد في الظّواهر من الكتاب والسُّنَّة، معتقدًا ما صحّ، غير مصرِّحٍ بما يقتضيه من تشبيه [٢] .
نُقِل عنه أنّه قال: [٣] من لم يَرَ مجلسي وتذكيري وطعَن فيَّ، فهو في حِلٍّ ومولده سنة ستّ وتسعين وثلاثمائة [٤] .
وقال أبو النَّضْر الفاميّ: تُوُفّي ﵀ في ذي الحجّة.
стр. 15789
وقد جاوز أربعًا وثمانين سنة.
١٣- عبد العزيز بن طاهر بن الحسين بن عليّ [١] .
أبو طاهر البغداديّ الصَّحراويّ.
زاهد، عابد، قانت. لازم التَّفرُّد والعُزلة.
روى شيئًا يسيرًا عن: أبي الحسن بن رزقوَيْه، وعثمان بن دُوَسْت العلّاف.
توفي في شعبان.
١٤- عبد الكريم بن أبي حنيفة بن العباس [٢] .
أبو المظفر الأندقي [٣] البخاري، شيخ الحنفية في زمانه.
ولد بما وراء النهر.
تفقه على الإمام عبد العزيز بن أحمد الحلوائي [٤] .
وسمع من: محمد بن علي بن أحمد الإسماعيلي، وأبي إبراهيم إسماعيل بن محمد المزكي، وجماعة.
روى عنه: عثمان بن علي البيكندي، وغيره.
توفي في شعبان عن نحو ثمانين سنة. وأنْدَقى قريةٌ من قُرى بُخَارى.
١٥- عبد الملك بن أحمد [٥] أبو طاهر بن السّيوريّ [٦] .
стр. 15790
شيخ صالح، بغداديّ.
سمع: أبا القاسم بن بشْران، وبِشْر بن الفاتِنيّ، وعثمان بن دُوَسْت.
روى عنه: عبد الوهّاب الأنْماطيّ، وجماعة.
تُوُفّي في جُمَادى الآخرة.
وروى عنه أبو محمد سِبْط الخيّاط [١] .
١٦- عثمان بن محمد بن عُبَيْد الله [٢] .
أبو عَمْرو المَحْميّ [٣] النَّيْسابوريّ المزكّيّ.
حدَّث عن: أبي نُعَيْم عبد الملك بن الحسن الأسفرائينيّ، وعبد الرحمن بن إبراهيم المزكيّ، وأبي عبد الله الحاكم، وجماعة.
روى عنه: محمد بن طاهر المقدسيّ، وعبد الغافر بن إسماعيل، وعبد الله بن الفُرَاويّ [٤] ، وهبة الرحمن القُشَيْريّ، وعبد الخالق بن زاهر، ومحمد بن جامع الصَّيْرفيّ، وعبد الكريم بن الحسن الكاتب، وأخوه أحمد، والحسين بن عليّ الشّحّاميّ، وعبد الرحمن بن يحيى النّاصحيّ وأخوه أبو نصر أحمد، وخلْق كثير.