قَالَ عَبْد الوهاب: قَلّ ما يوجد بلدٌ مِن بلاد الإسلام إلّا وفيه شيء بخطّ شجاع الذُّهْليّ، وكان مفيد وقته ببغداد، ثقة، سديد السّيرة. أفنى عمره في الطَّلَب. وكان قد عمل مسوَّدة «تاريخ بغداد» ذيلًا عَلَى «تاريخ» الخطيب، فغسَله في مرض موته [١] .
تُوُفّي في ثالث جُمَادَى الأولى، ووُلِد في سنة ثلاثين.
- حرف العين -
١٨٣- عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَر بْن جحشوَيْه [٢] .
أبو محمد الطَّوَابيقيّ [٣] ، الآجُرّيّ، الحربيّ، القصّار.
شيخ صالح، سَمِعَ: أبا الْحَسَن الْقَزْوينيّ، والجوهريّ.
روى عَنْهُ: المبارك بْن خُضَيْر، ومحمد بْن جعفر بن عقيل، وغيرها.
وتوفّي في صَفَر.
١٨٤- عَبْد الله بْن مرزوق بْن عَبْد الله [٤] .
الْهَرَويّ، أبو الخير الحافظ، مولى أَبِي إسماعيل عَبْد الله بْن محمد الأنصاريّ.
كَانَ أصمّ، غير أنّه تعلَّم ورُزِق فهْم الحديث. وكان حسن السّيرة. جميل الأمر، متقِنًا، متثّبتًا.
سَمِعَ: أبا إسماعيل الأنصاريّ، وغيره بهَرَاة، وأبا عَمْرو بْن مَنْدَهْ، وغيره بإصبهان، وأبا القاسم بْن البُسْري، وطبقته ببغداد، وأبا الْفَضْلُ محمد بن أحمد الحافظ بطبس.
стр. 16592
وجال في الآفاق، ثمّ سكن إصبهان.
روى عَنْهُ: حنبل الفخاريّ، وأبو العلاء أحمد بْن محمد بْن الفُضَيْل الإصبهاني، وآخرون.
تُوُفّي في جُمَادَى الآخرة [١] .
وأكبر شيخ لَهُ أبو عُمَر الْمَلِيحيّ [٢] .
١٨٥- عَبْد القادر بْن محمد [٣] .
أبو محمد الصَّدَفيّ، الْقَرَويّ، المعروف بابن الحنّاط، نزيل الْمَريّة.
روى عَنْ: أَبِي بَكْر أحمد بْن محمد بْن يحيى الصَّقَلّيّ، وعبد الرَّحْمَن بْن محمد الخرقيّ، وأبي مروان عبد الملك بْن زيادة الله الطُبّيّ، سَمِعَ منه بالقيروان، ومحمد بْن الْفَرَج، سَمِعَ منه بمصر، وعبد الله بْن محمد الْقُرَشِيّ، والفقيه عَبْد الحقّ الصَّقَلّيّ، وغيرهم.
وكان صالحًا، زاهدًا، مُعْتنيا بالعلم والرّواية.
روى عَنْهُ جماعة.
وتُوُفّي في ربيع الأول عَنْ بضعٍ وثمانين سنة.
١٨٦- عَبْد الوهّاب بن أحمد بن عبيد الله بن الصحنائي [٤] .
أبو غالب البغداديّ، المستعمليّ.
سَمِعَ: أبا محمد الخلّال، وعليّ بْن محمد بْن قُشَيْش، وأبا طالب بن غيلان، وأبا القاسم الأزجيّ.
стр. 16593
روى عنه: عمر بن ظفر، وأبو المعمر الأنصاريّ، وعبد الحقّ اليُوُسُفيّ، وآخرون.
تُوُفّي فِي ذي الحجة.
وكان مولده فِي سنة عشرين وأربعمائة [١] .
١٨٧- عليّ بن الحسين المِرْدُستيّ [٢] .
أبو الفوارس الحاجب.
سَمِعَ: أبا محمد الجوهري.
وكان شيعيا مِن بيت حشمة.
١٨٨- عليّ بْن عليّ بْن عَبْد السّميع بْن الْحَسَن [٣] .
الهاشميّ، العبّاسيّ، أبو الحارث.
سَمِعَ: أبا طَالِب بْن غَيْلان.
وحدَّث.
سمع منه: أبو المُعَمَّر الأنصاريّ، وأبو طاهر السّلَفيّ.
١٨٩- علي بْن مُحَمَّد بْن علي بْن أَحْمَد بْن إسماعيل [٤] .
الواعظ، أبو منصور الأنباريّ.
كَانَ يسكن دار الخلافة.
سَمِعَ الكثير، وانتشرت عَنْهُ الرّواية.
سَمِعَ: ابن غَيْلان، وأبا بَكْر بْن بِشْران، وأبا إِسْحَاق البرمكيّ، وجماعة.
وقرأ بالروايات عَلَى أَبِي عليّ الشّرمقانيّ [٥] .
стр. 16594
وتفقَّه عَلَى القاضي أبي يَعْلَى.
روى عَنْهُ: عَبْد الوهّاب الأنْماطيّ، وعبد الخالق اليُوسُفيّ، وأبو المُعَمَّر الأَزَجيّ، وجماعة.
تُوُفّي في ذي الحجّة، ووُلِد سنة خمسٍ وعشرين. وهو مِن علماء الحنابلة [١] .
١٩٠- عُمَر بْن أحمد بْن رزق [٢] .
أبو بَكْر بْن الْفَصيح التُّجَيْبيّ، الأندلسيّ.
مِن أَهْل الْمَريّة.
روى عَنْ: أَبِي عَمْرو الدّانيّ المقرئ، وغيره.
قَالَ ابن بَشْكُوال: كَانَ ثقة فيما رواه. أخذ النّاس عَنْهُ. أخبرني بأمره يحيى بْن محمد صَاحُبنا.
- حرف الميم -
١٩١- مالك بْن عَبْد الله [٣] .
أبو الوليد العُتْبيّ، السَّهْليّ، القُرْطُبيّ، اللُّغَويّ.
مِن أئمّة الأدب.
سَمِعَ مِن: محمد بْن عتّاب، وحاتم بْن محمّد، وأبي مروان بْن حَيّان المؤرخ، وسِراج القاضي.
روى النّاس عنه كثيرا.
ومات بقرطبة [٤] .
стр. 16595
١٩٢- محمد بْن أحمد بْن الحُسَيْن بْن عمر [١] .
الإمام أبو بَكْر الشّاشيّ [٢] ، الفقيه، الشّافعيّ، مؤلّف «المستظهريّ» ، ولد بميّافارقين سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
وتفقَّه عَلَى الإمام أبي عَبْد الله محمد بن بيان الكازرونيّ [٣] .
стр. 16596
وتفقَّه عَلَى قاضي ميَّافارقين أَبِي منصور الطّوسيّ [١] تلميذ الأستاذ أبي محمد الجوينيّ. ثمّ رحل أبو بَكْر إلى العراق، ولازم الشَّيْخ أبا إِسْحَاق، وكان مُعيد درسه. وكان يتردّد إلى أَبِي نصر بْن الصّبّاغ، فقرأ عَليْهِ «الشّامل» .
وسمع الحديث مِن الكازْرُونيّ شيخه، ومن ثابت بْن أبي القاسم الخيّاط.
وبمكّة مِن أَبِي محمد هَيّاج الحِطّينيّ [٢] .
وسمع ببغداد مِن: أَبِي بَكْر الخطيب، وجماعة.
روى عَنْهُ: أبو المُعَمَّر الأَزَجيّ، وأبو الْحَسَن عليّ بْن أحمد الْيَزْديّ، وأبو بَكْر بْن النُّقور، وشُهْدة، والسّلَفيّ، وغيرهم.
وتفقَّه بِهِ جماعة.
قَالَ القاضي ابن خَلّكان: [٣] أبو بَكْر الشّاشيّ، الفارقيّ، المعروف بالمُسْتَظهري، الملقّب فخر الإسلام. كَانَ فقيه وقته. دخل نَيْسابور صُحبة الشَّيْخ أبي إِسْحَاق، وتكلّم في مسألة بين يدي إمام الحرمين، وتعيَّن في الفِقْه ببغداد بعد أستاذه أَبِي إِسْحَاق. وانتهت إِليْهِ رئاسة الطّائفة الشّافعيّة، وصَنَّف تصانيف حَسَنَة، مِن ذَلِكَ كتاب «حلْية العلماء» [٤] في المذهب ذكر فيه مذهب الشّافعيّ، ثمّ ضمّ إلى كلّ مسألةٍ اختلافَ الأئمّة فيها، وسمّاه «المستظهريّ» ، لأنّه صنَّفه للإمام المستظهر باللَّه.
وصنَّف أيضًا في الخلاف. وولي تدريس النّظاميّة ببغداد بعد شيخه، وبعد
стр. 16597
ابن الصّباغ، والغزاليّ. ثمّ وليها بعد موت الكيا الهرّاسيّ سنة أربع وخمسمائة في المحرَّم. ودرّس بمدرسة تاج المُلْك وزير ملك شاه.
وتوفّي في خامس وعشرين شوّال [١] ، ودُفِن مَعَ شيخه أَبِي إِسْحَاق في قبرٍ واحد.
وقيل: دُفِن إلى جانبه.
وكان أشعريّا، أصوليّا [٢] .
стр. 16598
١٩٣- محمد بْن إبراهيم بْن سَعِيد بْن نِعَم الخلفاء [١] .
أبو عَبْد الله الرُّعَيْنيّ، الأندلسيّ.
سَمِعَ بسَرَقُسْطَة مِن أَبِي الوليد الباجيّ، ورحل وحجّ.
وقرأ القراءات عَلَى أَبِي معشر الطَّبَريّ.
وكان مولده في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة.
وتوفّي بأورْيُولة. وكان ثقةً، خيارًا.
١٩٤- محمد بْن الحُسَيْن بْن وهْبان [٢] .
أبو المكارم الشَّيْبانيّ.
عَنْ: القاضي الطَّبَريّ، والجوهريّ.
سَمِعَ لنفسه مِن ابن غَيْلان.
١٩٥- محمد بْن طاهر بْن عليّ بْن أحمد [٣] .
стр. 16599
الحافظ أبو الْفَضْلُ المقدسيّ، ويُعرف بابن الْقَيْسَرانيّ، الشَّيْبانيّ.
لَهُ الرحلة الواسعة.
سَمِعَ ببلده مِن: نصر المقدسيّ، وابن وَرْقاء، وجماعة.
ودخل بغداد سنة سبْعٍ وستّين، فسمع مِن: الصَّريْفينيّ [١] ، وابن النّقور، وطبقتهما.
وحجَّ، وجاور فسمع مِن: أَبِي عليّ الشّافعيّ، وسعْد الزَّنْجانيّ، وهَيَّاج الحِطّينيّ.
وصحِب الزَّنْجانيّ [٢] ، وتخرّج بِهِ في التّصوُّف، والحديث، والسُّنَّة، ورحَلَ بإشارته إلى مِصْر، فَسَمِعَ بها مِن أَبِي إِسْحَاق الحبّال.
وبالإسكندرية مِن الحُسَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن الصَّفْراويّ.
وبتِنّيس مِن عليّ بْن الحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الحدّاد، حدَّثه عَنْ جدّه، عَنْ أحمد بْن عيسى الوشاء، عن عيسى بن زُغْبَة، وذلك مِن أعلى ما وقع لَهُ في الرحلة المصرية.
وسمع بدمشق مِن أَبِي القاسم بْن أبي العلاء الفقيه.
стр. 16600
وبحلب مِن الْحَسَن بْن مكّيّ الشّيرازيّ.
وبالجزيرة العمريّة من أبي أحمد عَبْد الوهّاب بْن محمد اليمنيّ، عَنْ أبي عُمَر بْن مَهْديّ.
وبالرَّحْبَة مِن الحُسين بْن سعدون.
وبصور مِن القاضي عليّ بْن محمد بْن عبد الله الهاشميّ [١] .
وبإصبهان مِن: عَبْد الوهّاب بن مندة، وإبراهيم بن محمد القفّال، وطائفة.
وبنيسابور من: الفضل بن المحبّ، وموسى بن عمران، وأبي بكر بن خلف.
وبهراة من: محمد بن أبي مسعود الفارسيّ، وكلار، وبيبى، وشيخ الإسلام.
وبجرجان من: إسماعيل بن مسعدة، والمظفّر بن حمزة البيّع.
وبآمد من قاسم بن أحمد الخيّاط الأصبهانيّ، وهو من كبار شيوخه، سمع سنة أربع وثمانين وثلاثمائة مِن محمد بْن أحمد بْن جِشْنس [٢] ، صاحب ابن صاعد.
وبأَسْتِراباذ مِن: عليّ بْن عبد المُلْك الحفْصي، حدَّثه عَنْ هلال الحفّار.
وببُوشَنْج مِن: عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن عفيف كُلار.
وبالبصرة مِن: عَبْد المُلْك بْن شَغَبَة.
وبالدّيَنورَ مِن: أَحْمَد بْن عِيسَى بْن عَبّاد الدّيَنَوريّ، عَنِ ابن لال الْهَمَذَانيّ.
وبالرَّيّ مِن: إسماعيل بْن عليّ الخطيب، عَنْ يحيى بْن إبراهيم المُزَكّيّ.
وبسَرْخَس مِن: محمد بْن عَبْد المُلْك المظفَّري، عَنْ أحمد بْن محمد بْن الْفَضْلُ الكرابيسيّ، عَنْ محمد بْن حَمْدَوَيْه الْمَرْوَزِيّ.
стр. 16601
وبشيراز مِن: عليّ بْن محمد بْن عليّ الشّروطيّ، عن الحسن بن أحمد ابن محمد بْن اللَّيْثُ الحافظ إملاءً سنة إحدى وأربعمائة، ثنا ابن الْبَخْتَرِيّ [١] ببغداد.
وبقزوين مِن: أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن عليّ العِجْليّ الإمام، عَنْ أَبِي عُمَر بْن مهديّ، قِدم عليهم.
وبالكوفة مِن: أَبِي القاسم الحُسَيْن بْن محمد، مِن طريق ابن أبي غَرْزَة.
وبالْمَوْصل مِن: هبة الله بْن أحمد المقرئ، عَنْ محمد بْن عليّ بْن بحشَل، عَنْ محمد بن يحيى بن عمر بن علي بن حرب.
وبمرو: محمد بن الحسن المهربندقشابيّ [٢] ، عن أحمد بن عبدوس النّسويّ.
وبمروالرّوذ مِن: الْحَسَن بْن محمد الفقيه، عَنِ الحِيريّ.
وبنُوقان مِن: محمد بْن سَعِيد الحاكم، عَنِ السُّلَميّ.
وبنهاوند مِن: عُمَر بْن عُبَيْد الله القاضي، عَنْ عَبْد المُلْك بْن بِشْران.
وبهَمَذَان مِن: عَبْد الواحد بْن علي الصُّوفيّ، عَنْ محمد بْن عليّ بْن حَمْدَوَيْه الطّوسيّ.
وبالمدينة النبويّة مِن: طِراد الزَّيْنَبيّ.
وبواسط مِن صَدَقة بْن محمد المتولّي.
وبساوة مِن: محمد بْن أحمد الكامِخيّ.
وبأسَدَاباذ مِن: أبي الْحَسَن عليّ بْن محمد المحلميّ، عَنِ الحِيريّ.
وبالأنبار مِن: أَبِي الْحَسَن عليّ بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الخطيب.
وبأسفرايين مِن: عَبْد المُلْك بْن أحمد العدْل، عَنْ عليّ بْن محمد بْن عليّ السّقّاء.
وبآمُل طَبَرِسْتان مِن: الْفَضْلُ بْن أحمد البصْريّ، عَنْ جدّه، عن أبي أحمد ابن عديّ.
стр. 16602
وبالأهواز من: عُمَر بْن محمد بْن حَيْكان النَّيْسابوريّ، عَنِ ابن ريذة.
وببِسْطام مِن: أبي الْفَضْلُ محمد بْن عليّ السَّهْلكيّ، عَنِ الحيريّ.
وبخُسْرُوجِرْد مِن: الْحَسَن بْن أحمد الْبَيْهَقيّ، عَنِ الحيريّ.
فهذه أربعون مدينة قد سمع فيها الحديث، وسمع في البلدان أُخَر تركتُها.
روى عَنْهُ: شِيرَوَيْه الْهَمَذَانيّ، وأبو جعفر محمد بْن الْحَسَن الْهَمَذَانيّ، وأبو نصر أحمد بْن عمر الْغَازي، وعبد الوهّاب الأنْماطيّ، وابن ناصر، والسّلَفيّ، وطائفة كبيرة، آخرهم موتًا محمد بْن إسماعيل الطَّرَسُوسيّ الإصبهانيّ.
قَالَ أبو القاسم بْن عساكر: سَمِعْتُ إسماعيل بْن محمد بْن الْفَضْلُ الحافظ يَقُولُ: أحفظ مِن رَأَيْت محمد بْن طاهر.
وقال يحيى بْن مَنْدَهْ في «تاريخه» : كَانَ أحد الحُفّاظ، حسن الاعتقاد، جميل الطّريقة، صدوقًا، عالمًا بالصّحيح والسّقيم، كثير التّصانيف، لازمًا للأثَر.
وقال السّلَفيّ: سَمِعْتُ ابن طاهر يَقُولُ: كتبت «صحيح الْبُخَارِيّ» «ومسلم» «وابن داود» سبْعٍ مرّات بالوراقة، وكتبت «سُنَن ابن ماجه» بالوراقة عشر مرّات، سوى التّفاريق بالرَّيّ.
وقال ابن السّمعانيّ: سَأَلت أبا الْحَسَن محمد بْن أَبِي طَالِب عَبْد المُلْك الفقيه بالْكَرَج، عَنْ محمد بْن طاهر، فقال: ما كَانَ عَلَى وجه الأرض لَهُ نظير.
وعظَّمَ أمره، ثمّ قَالَ: كَانَ داوديَّ المذهب.
قَالَ لي: اخترت مذهب داود.
فقلت: لَهُ: ولم؟
قَالَ: كذا اتّفق.
فسألته عَنْ أفضل مِن رَأَى، فقال: سعد الزنجاني، وعبد الله بن محمد الأنصاريّ.
وقال أبو مسعود الحاجّيّ: سَمِعْتُ ابْن طاهر يَقُولُ: بُلْتُ الدَّم في طلب الحديث مرَّتين. مرَّة ببغداد، ومرّة بمكّة. وذاك أنّي كنت أمشي حافيا في حرّ
стр. 16603
الهواجر، فلحِقَني ذَلِكَ. وما ركبتُ دابّةً قطّ في طلب الحديث. وكنتُ أحمل كُتُبي عَلَى ظهري، إلى أن استوطنت البلاد. وما سَأَلت في حال الطّلب أحدًا.
وكنت أعيش عَلَى ما يأتي مِن غير مسألة [١] .
وقال ابن السّمعانيّ يَقُولُ: سَمِعْتُ بعض المشايخ يَقُولُ: كَانَ ابن طاهر يمشي في ليلة واحدة قريبًا مِن سبعة عشر فرسخًا. وكان يمشي عَلَى الدّوام باللّيل والنّهار عشرين فرسخًا [٢] .
أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ الأَسَدِيُّ، أَنَا ابْنُ خَلِيلٍ، أَنَا خليل بْن أَبِي الرجاء الرازانيّ، نا محمد بْن عَبْد الواحد الدّقّاق قَالَ: محمد بْن طاهر كَانَ صوفيا مَلامتّيا، سكن الرَّيّ، ثمّ هَمَذَان. لَهُ كتاب «صَفْوة الصُّوفيّة» [٣] . لَهُ أدنى معرفة بالحديث في باب شيوخ الْبُخَارِيّ ومسلم، وغيرهما [٤] . شاهدناه بجرجان، ونيسابور. ذكر لي عَنْهُ حديث الإباحة، أسأل الله أن يُجَنّبنا منها، وممن يَقُولُ بها من الرجال والنساء، والأخابث الكحلية من جوانية زماننا، وصوفيّة وقتنا، وأن ينقذنا مِن المعاصي كلّها، وهم قومٌ ملاعين، لهم رموز ورَطَانات، وضلالة، وخذْلان، وإباحات، إنّ قولهم عند فعل الحرام المنع شؤم، والسّراويل حجاب. وحال
стр. 16604
المذنبين مِن شربة الخمور والظَّلَمة، يعني خير منهم.
وقال ابن ناصر: محمد بْن طاهر ممّن لَا يُحْتَجّ بِهِ. صنَّف كتابًا في جواز النَّظر إلى المُرْد [١] ، أورد فيه حكاية يحيى بْن مَعِين أنّه قَالَ: رَأَيْت جارية بمصر مليحة صلّي الله عَليْهَا.
فقيل لَهُ: تصلّي عليها؟! فقال: صلّى الله عليها وعلى كلّ مليح.
ثمّ قَالَ ابن ناصر: كَانَ يذهب مذهب الإباحة [٢] . يعني في النَّظَر إلى المِلاح. وإلّا فلو كَانَ يذهب إلى إباحة مطلَقَة لكان كافرًا، والرجل مُسْلم متَّبِع للأثر، سيّئ. وإن كَانَ قد خالف في أمورٍ مثل جواز السّماع، وقد صنَّف فيه مصنّفًا ليته لَا صنّفه.
وقال ابن السّمعانيّ: سألت عَنْهُ إسماعيل الحافظ، فتوقّف، ثمّ أساء الثّناء عَليْهِ [٣] . وسمعت أبا القاسم بْن عساكر يَقُولُ: جمع ابن طاهر أطراف الصّحيحين، وأبي داود، والتّرْمِذيّ، والنَّسَائيّ، وابن ماجه، وأخطأ فيه في مواضع خطأ فاحشًا. رَأَيْته يخطّ عند أَبِي العلاء العطّار.
وقال ابن ناصر: محمد بْن طاهر كَانَ لُحَنَة وكان يصحّف. قرأ: وإنّ جبينه
стр. 16605
لَيَتَقَصَّدُ عَرَقًا. بالقاف [١] ، فقلتُ: بالفاء، فكابَرَني.
وقال السّلَفيّ: كَانَ فاضلًا يعرف، ولكنه كَانَ لُحَنَة. حكى لي المؤتمن قَالَ: كنّا بهَرَاة عند عَبْد الله الأنصاريّ، وكان ابن طاهر يقرأ ويَلْحَن، فكان الشَّيْخ يحرّك رأسه ويقول: لَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه.
وَقَالَ ابن طاهر: وُلِدتُ في شوّال سنة ثمانٍ وأربعين ببيت المقدس، وأوّل ما سَمِعْتُ سنة ستّين [٢] . ورحلت إلى بغداد سنة سبْعٍ وستّين. ثمّ رجعت إلى بيت المقدس، فأحرمت مِن ثَمّ إلى مكّة.
وقال ابن عساكر: [٣] كَانَ ابن طاهر لَهُ مصنَّفات كثيرة، إلّا أنّه كثير الوهْم، وله شِعْر حسن، مَعَ أنّه كَانَ لَا يُحسن النَّحْو. وله كتاب «المختلف والمؤتلف» [٤] .
وقال ابن طاهر في «المنثور» [٥] : رحلت مِن مصر إلى نَيْسابور، لأجل أَبِي القاسم الْفَضْلُ بْن المحبّ صاحب أَبِي الحُسَيْن الْخَفّاف، فلمّا دخلت عَليْهِ قرأت في أوّل مجلس جزءين مِن حديث أَبِي العبّاس السَّرَّاج فلم [أجد] [٦] لذلك حلاوة، واعتقدتُ أنّي نلته بغير تعبٍ، لأنّه لم يمتنع علي، ولا طالبني بشيء، وكل حديث من الجزءين يَسْوَى رحلة.
وقال: لمّا قصدت الإسكندرية كَانَ في القافلة مِن رشد إليها رجلٌ مِن أهل الشّام، ولم أدْرِ ما قصْده في ذَلِكَ. فلمّا كانت اللّيلة الّتي كُنَّا في صبيحتها
стр. 16606
ندخل الإسكندريّة رحلنا باللّيل، وكان شهر رمضان، فمشيت قُدّام القافلة، وأخذتُ في طريق غير الجادّة، فلمّا أصبح الصّبّاح، كنت عَلَى غير الطّريق بين جبال الرّمْل، فرأيتُ شيخًا في مِقْثأة، فسألته عَنِ الطّريق، فقال: تصعد هذا الرمل، وتنظر البحر وتقصده، فإنّ الطريق عَلَى شاطئ البحر. فصعدت الرمل، ووقعت في قصب الأقلام، وكنت كلّما وجدت قلما مليحا اقتلعته، إلى أن اجتمع مِن ذَلِكَ حزْمة عظيمة، وحمِيَت الشمس وأنا صائم، وكان الصَّيْف.
فتعبت، فأخذت أنتقي الجيّد، وأطرح سواه، إلى أن بقي معي ثلاثة أقلام لم أر مثلها، طول كلّ عُقْدة شِبْرين وزيادة: فقلت إنّ الْإنْسَان لَا يموت مِن حمل هذه. ووصلتُ إلى القافلة المغرب، فقام إليَّ ذَلِكَ الرجل وأكرمني. فلمّا كَانَ في بعض اللّيل رحلت القافلة، فقال لي: إنّ في هذه اللّيلة مُكس، ومعي هذه الفضّة، وعليها العُشر، فإنْ قدرت وحملتها معك، لعلّها تَسْلَم، فعلتَ في حقّي جميلًا.
فقلت: أفعل.
قَالَ: فحملتها ووصلت الإسكندرية وسلمت، ودفعتها إِليْهِ فقال: تحبّ أن تكون عندي، فإنّ المساكنة تتعذّر.
فقلت: أفعل.
فلمّا كَانَ المغرب صلّيت، ودخلت عَليْهِ، فوجدته قد أخذ الثّلاثة الأقلام، وشقّ كلّ واحدٍ منها نصفين، وشدّها شدّة واحدة، وجعلها شبه المسرَجَة وأقعد السَّرَّاج عليها. فلحِقَني مِن ذَلِكَ مِن الغمّ شيءٌ لم يمكنيّ أن آكل الطّعام معه، واعتذرت إليه، وخرجت إلى المسجد، فلمّا صلّيت التّراويح، أقمت في المسجد، فجاءني القيّم وقال: لم تجر العادة لأحدٍ أن يبيت في المسجد.
فخرجت وأغلق الباب، وجلست عَلَى باب المسجد، لا أدري إلى أَيْنَ أذهب، فبعد ساعةٍ عبر الحارس، فأبصرني، فقال لي: مِن أنت؟
فقلت: غريب مِن أهل العِلْم، وحكيت لَهُ القصّة.
فقال: قُم معي. فقمت معه، فأجلسني في مركزه، وثمَّ سراجٌ جيّد، وأخذ يطوف ويرجع إلى عندي، واغتنمت أَنَا السَّرَّاج، فأخرجت الأجزاء، وقعدت
стр. 16607
أكتب إلى وقت السَّحَر، فأخرج إليَّ شيئًا مِن المأكول، فقلت: لم تجر لي عادة السُّحُور.
وأقمتُ بعد هذا بالإسكندرية ثلاثة أيّام، أصوم النّهار، وأبيت عنده، واعتذر إليه وقت السَّحَر، ولا يعلم إلى أن سهَّل الله بعد ذَلِكَ وفتح.
وقال: أقمت بِتّنيس مدّةً عَلَى أبي محمد بْن الحدّاد ونُظَرائه، فضاق بي، ولم يبق معي غير درهم، وكنت في ذَلِكَ أحتاج إلى خبز، وأحتاج إلى كاغَذ، فكنت أتردّد إنْ صرفته في الخبز لم يكن لي كاغذ، وإنْ صرفتُهُ في الكاغَذْ لم يكن لي خبز، ومضى على هذا ثلاثة أيّام ولياليهنّ لم أُطْعَم فيها، فلمّا كَانَ بُكْرَةَ اليوم الرابع قلت في نفسي: لو كَانَ لي اليوم كاغَذ لم يمكن أن أكتب فيه شيئًا لما بيَ مِن الْجُوع، فجعلت الدّرهم في فمي، وخرجتُ لأشتري الخبز، فبلغته، ووقع عليّ الضَّحك، فلِقيني أبو طاهر بْن حطامة الصّائغ، المواقيتيّ بها وأنا أصحك، فقال لي، ما أضحك؟
فقلت: خير.
فألحَّ علي وأبيت، فحلف بالطّلاق لَتَصْدُقَنّي لم تضحكْ؟ فأخبرته. وأخذ بيدي، وأدخلني منزله، وتكلَّف لي ذَلِكَ اليوم أطعمة، فلمّا كَانَ وقت صلاة الظُّهر خرجت أَنَا وهو إلى الصّلاة، فاجتمع بِهِ بعض وكلاء عامل تِنّيس، فسأله عنّي، فقال: هُوَ هذا. فقال: إنّ صاحبي منذ شهر أمرني أن أوصل إِليْهِ في كلّ يوم عشرة دراهم، قيمتها ربع دينار، وسهوت عَنْهُ.
قَالَ: فأخذ منه ثلاثمائة درهم، وجاءني وقال: قد سهّل الله رزقًا لم يكن في الحساب. وأخبرني بالقصّة، فقلت: تكون عندك، ونكون عَلَى ما نَحْنُ من الاجتماع إلى وقت الخروج، فإنني وحدي. ففعل. وكان بعد ذَلِكَ يصِلُني ذَلِكَ القدر، إلى أن خرجت مِن البلد إلى الشّام.
وقال: رحلت مِن طوس إلى إصبهان لأجل حديث أبي زُرْعة الرّازيّ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْهُ في «الصّحيح» [١] ، ذاكَرَني بِهِ بعض الرّحّالة باللّيل، فلمّا
стр. 16608
أصبحت شددت عليَّ، وخرجت إلى إصبهان، فلم أحلُلْ عنّي حتّى دخلت عَلَى الشَّيْخ أَبِي عَمْرو، فقرأته عَليْهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْر القطّان، عَنْ أَبِي زُرْعة، ودفع إليَّ ثلاثة أرغفة وكُمّثْراتَيْن، ثمّ خرجتُ مِن عنده إلى الموضع الَّذِي نزلت فيه، وحَللْت عنّي [١] .
وقال: كنت ببغداد في أوّل الرحلة الثّانية مِن الشّام، وكنت أنزل برباط الزّوزنيّ وكان بِهِ صوفيّ يُعرف بأبي النّجم، فمضى علينا ستّة أيام لم نطْعَم فيها، فدخل عليَّ الشَّيْخ أبو عليّ المقدسيّ الفقيه، فوضع دينارًا وانصرف، فدعوتُ بأبي النّجم وقلت: قد فتح الله بهذا، أيّ شيء نعمل بِهِ؟.
فقال: تعبر ذاك الجانب، وتشتري جبزا [٢] ، وشِواءً، وحلْواء، وباقِلَّى [٣] أخضر، ووردًا [٤] ، وخسًا [٥] بالجميع، وترجع. فتركت الدّينار في وسط مجلَّدة معي وعبرت، ودخلت عَلَى بعض أصدقائنا، وتحدّثت عنده ساعة، فقال لي:
لأيّ شيءٍ عبرت؟.
فقلت له.
فقال: وأين الدّينار؟
стр. 16609
فظننت أني قد تركته في جيبي، فطلبته فلم أجده، فضاق صدري ونمت، فرأيتُ في المنام كأنّ قائلًا يَقُولُ لي: أليس قد وضعته في وسط المجلَّدة؟ فقمت مِن النّوم، وفتحت المجلَّدة، وأخذت الدّينار، واشتريت جميع ما طلب رفيقي، وحملته عَلَى رأسي، ورجعت إِليْهِ وقد أبطأتُ عليه، فلم أُخبره بشيءٍ إلى أن أكلت، ثمّ أخبرته، فضحك وقال: لو كَانَ هذا الأكل لكنت أبكي.
وقال: كنت ببغداد في سنة سبْعٍ وستّين، فلمّا كَانَ عشيّة اليوم الَّذِي بويع فيه المقتدي بأمر الله دخلنا عَلَى الشَّيْخ أَبِي إِسْحَاق جماعة مِن أهل الشّام، وسألناه عَنِ الْبَيْعة، كيف كانت؟ فحكى لنا ما جرى، ثمّ نظر إليَّ، وأنا يومئذٍ مختطّ، وقال: هُوَ أشبهُ النّاس بهذا. وكان مولد المقتدي في الثاني عشر مِن جمادي الأولى سنة ثمانٍ وأربعين وأربعمائة، ومولدي في سادس شوّال مِن هذه السّنة.
قَالَ أبو زُرْعة طاهر بْن محمد بْن طاهر: أنشدني أَبِي لنفسه:
لمّا رَأَيْت فتاة الحيّ قد برزَتْ ... مِن الحِطَم تَرُوم السَّعيَ في الظُّلمِ
ضوءُ النّهار بدا مِن ضوء بهجتها ... وظُلْمةُ اللّيل مِن مسْوَدّها الفحمِ
خدعتها بكلامِ يُستلَذُّ بِهِ ... وإنّما يُخْدع الأحرارُ بالكلمِ
وقال المبارك بْن كامل الخفّاف: أنشدنا ابن طاهر لنفسه:
ساروا بها كالبدر في هودجٍ ... يميس محفوفًا بأترابه
فاستعبرتْ تبكي، فعاتَبْتُها ... خوفًا مِن الواشي وأصحابه
فقلت: لَا تبكِ عَلَى هالكٍ ... بعدَكِ ما [١] يبقى عَلَى ما بِهِ
للموت أبواب، وكلّ الورى ... لا بدّ أن تدخل [٢] مِن بابه
وأحسنُ الموتِ بأهل الهوى ... مِن مات مِن فُرْقة أحبابه
وله:
خلعتُ العِذارَ بلا مِنّةٍ ... عَلَى مِن خلعت عليه العذارا
стр. 16610
وأصبحت حَيْران لَا أرتجي ... جَنانًا، ولا أتّقي فيه نارًا [١]
وقال شِيرَوَيْه في «تاريخ هَمَذَان» : محمد بْن طاهر سكن هَمَذَان، وبنى بها دارًا. وكان ثقة، صدوقًا، حافظًا، عالمًا بالصّحيح والسّقيم، حسن المعرفة بالرجال والمُتُون، كثير التّصانيف، جيّد الخطّ، لازمًا للأثر، بعيدًا مِن الفُضول والتّعصُّب، خفيف الرّوح، قويّ السَّير في السَّفَر، كثير الحجّ والعُمْرة. كتب عَنْ عامّة مشايخ الوقت [٢] .
стр. 16611
قَالَ شجاع الذُّهْليّ: مات ابن طاهر عند قدومه بغداد من الحجّ يوم الجمعة في ربيع الأوّل [١] .
وقال أبو المُعَمَّر: تُوُفّي يوم الجمعة النّصف من ربيع الأوّل ببغداد [٢] .
стр. 16612
١٩٦- محمد بْن أَبِي الْعَبَّاس أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إسحاق [١] .
الرئيس أبو المظفَّر الأُمَويّ، الْمَعَاويّ، الأبِيَوَرْدِيّ، اللُّغَويّ، الشّاعر المشهور، مِن أولاد عَنْبَسة بْنِ أَبِي سُفْيَان بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ [٢] .
كَانَ أوحد عصره، وفريد دهره في معرفة اللُّغة والأنساب، وغير ذَلِكَ. وله تصانيف كثيرة مثل «تاريخ أَبِيَوردْ ونَسَا» .
وكان حَسَن السّيرة، جميل الأمر، مَنْظرانيا مِن الرجال، وكان فيه تيه
стр. 16613
وتكبُّر. وكان يفتخر بنسَبِه ويكتب: الْعَبْشَميّ الْمَعَاويّ، لا أنّه مِن وُلِد معاوية بْن أبي سُفْيان، بل مِن وُلِد معاوية بْن محمد بْن عثمان بْن عَنْبَسة بْن أَبِي سُفْيان [١] .
وله شِعْرٌ فائق، وقسَّم ديوان شِعْره إلى أقسام، منها العراقيّات، ومنها النَّجْديّات [٢] ، ومنها الْوَجْديّات.
وأثنى عليه أبو زكريّا بْن مَنْدَهْ في «تاريخه» بحُسن العقيدة، وحميد الطّريقة، وكمال الفضيلة.
وقال ابن السّمعانيّ: صنَّف كتاب «المختلف» ، وكتاب «طبقات العِلْم» ، «وما اختلف وائتلف مِن أنساب العرب» [٣] .
وله في اللُّغة مصنَّفات ما سُبِق إليها.
سَمِعَ: إسماعيل بْن مَسْعدة الإسماعيليّ، وأبا بَكْر بْن خلف الشّيرازيّ، ومالك بْن أحمد البانياسي، وعبد القاهر الْجُرْجانيّ النَّحْويّ.
وسمعتُ غير واحد من شيوخي يقولون: إنّه كَانَ إذا صلّي يَقُولُ: اللَّهمّ ملّكني مشارق الأرض ومغاربها [٤] .
وذكره عَبْد الغافر فقال: فَخْر العرب، أبو المظفّر الأبِيَوَرْدِيّ، الكوفنيّ، الرئيس، الأديب، الكاتب، النَّسّابة، مِن مفاخر العصر، وأفاضل الدهر. لَهُ الفضائل الرّائقة، والفصول الفائقة، والتّصانيف المعجزة، والتّواليف المعجبة،
стр. 16614
والنَّظْم الَّذِي نسخ أشعار المحدثين، ونسج فيه عَلَى منْوال الْمَعَرّي ومن فوقه مِن المفلِقين. رَأَيْته شابًا قام في درس إمام الْحَرَمَيْن مِرارًا، وأنشأ فَيه قصائد طِوالًا كبارًا، يلفظها كما يشاء زَبَدًا مِن بحر خاطره، كما نشأ ميسّر لَهُ الإنشاء، طويل النَّفَس، كثير الحِفْظ، تلتفت في أثناء كلامه إلى النّثْر والوقائع والاستنباطات الغريبة. خرج إلى العراق، وأقام مدّة يجذب فضله بطبعه، ويشتهر بين الأفاضل كمال فضله، ومتانة طبْعه حتّى ظهر أمره، وعلا قَدره، وحصل لَهُ مِن السّلطان مكانة ونعمة.
ثمّ كَانَ يرشح مِن كلامه نوعُ تشبُّث بالخلافة، ودعوةٌ إلى أتّباع فضله، ادّعاء استحقاق الإمامة. تبيض وساوس الشّيطان في رأسه وتفرّخ، ويرفع الكِبْرَ بأنفه، ويَشْمُخ [١] ، فاضطّره الحال إلى مفارقة بغداد، ورجع إلى هَمَذَان، فأقام بها يدرّس ويفيد، ويصنَّف مدّة.
ومن شِعْره:
وهَيْفاء لَا أُصغي إلى مِن يَلُومُني ... عليها، ويُغْريني أن يَعيبَها [٢]
أميل بإحدى مُقْلَتَيَّ إذا بَدَتْ ... إليها، وبالأُخْرى أُراعي رقيبَها
وقد غَفَلَ الواشي فلم يدْرِ أنّني ... أخَذْتُ لعيني مِن سُلَيْمَى نصيبَها [٣]
وله:
أكوكبٌ ما أرى يا سَعْد أمْ نارُ ... تشُبُّهَا سَهْلَةُ الْخَدَّين مِعْطارُ
بيضاءُ إنّ نَطَقَتْ في الحيّ أو نَظَرَتْ ... تَقَاسَمَ الشَّمْس أسماعٌ وأبصارُ
والرَّكْبُ يسيرون والظَّلْماءُ راكدةٌ ... كأنَّهُمْ في ضمير اللّيل أسرارُ
فاسْرَعُوا وطُلا الأعناقِ مائلةٌ ... حيثُ الوسائدُ للنُّوَّام أكوارُ [٤]
عَنْ حمّاد الْحَرّانيّ قَالَ: سمعت السّلفيّ يقول: كان الأبيورديّ- والله-
стр. 16615
مِن أهل الدّين والخير والصَّلاح والعِفّة [١] ، قَالَ لي: والله ما نمت في بيتٍ فيه كتاب الله، أو حديثُ رسول الله، احترامًا لهما أن يبدو منّي شيء لَا يجوز.
أنشدنا أبو الحُسَيْن النُّوبيّ، أَنَا جعفر، نا السّلَفيّ: أنشدنا الأبِيَوَرْدِيّ لنفسه:
وشادنٍ زارني عَلَى عَجَلٍ ... كالبدر في صَفْحة الدُّجا لَمَعَا
فلم أزلْ مُوهِنًا لحديثه [٢] ... والبدْرُ يُصْغي إليّ مُسْتَمِعا
وصلْتُ خدّي بخدّه شَغَفًا ... حتى التقى الرَّوْض والغدِيرُ معًا [٣]
وقال أبو زكريّا بْن مَنْدَهْ: سُئل الأديب أبو المظفَّر الأبِيَوَرْدِيّ عَنْ أحاديث الصّفات، فقال: نُقِرَّ ونَمُرّ [٤] .
وقال أبو الْفَضْلُ بْن طاهر المقدسيّ: أنشدنا أبو المظفَّر الأبِيَوَرْدِيّ لنفسه:
يا مِن يُساجِلُني وُلّيس بمُدْرِكٍ ... شأوي، وأين لَهُ جلالةُ مَنْصبي
لا تَتْعَبَنّ فدُونَ ما حاوَلْتَهُ ... خَرْطُ الْقَتَادة وامتطاءِ الكواكبِ
والمجدُ يعلمُ أيُّنَا خيرٌ أبًا ... فأسالْهُ يعلم [٥] أيُّ ذي حَسَبٍ أَبِي
جدّي مُعاويةُ الأَغَرّ سَمَتُ بِهِ ... جُرثُومةٌ مِن طِينها خُلِق النَّبِيّ
ورّثْتُهُ [٦] شرَقًا رفعتُ مَنَاره ... فبنو أُمَيَّة يفخرون بِهِ وبي [٧]
وَقِيلَ: إِنَّهُ كتب رقعة إلى الخليفة المستظهر باللَّه، وَعَلَى رأسها: المملوك المعاوي، فحك الخليفة الميم، فصار العاوي، ورد إِلَيْهِ الرقعة [٨] .
стр. 16616
ومن شِعْره:
تنكَّر لي دهري ولم يدر أنّني ... أعزّ وأحداث الزّمان تَهُونُ
فبات يُريني الخطْب كيف اعتداؤه ... وبِتُّ أريه الصَّبْرَ كيف يكون [١]
ومن شِعْره:
نزلنا بنُعْمان الأراكِ وللنَّدَى ... سَقيطٌ بِهِ ابتلَّتْ علينا المطارفُ
فبِتُّ أُعاني الوجْدَ والركْبُ نُوَّمُ ... وقد أخَذَتْ منّا السّرَى والتّنائفُ
وإذا خُودًا إنْ دَعاني عَلَى النَّوَى ... هواهَا أجابتْهُ الدّموعُ الذَّوارفُ
لها في مَغَاني ذَلِكَ الشّعْبِ منزلٌ ... لئنْ أنْكَرَتْه العينُ فالقلبُ عارفُ [٢]
وقفتُ بِهِ والدَّمْع أكثرُهُ دَمٌ ... كأنيّ مِن جَفْني بنُعمان راعِفُ [٣]
أنشدنا أبو الحُسَيْن ببَعْلَبَكّ: أنشدنا أبو الْفَضْلُ الْهَمَذَانيّ: أنشدنا السّلَفيّ: أنشدنا الأبِيَوَرْدِيّ لنفسه:
مِن رَأَى أشباحَ تِبْرٍ ... حُشيَتْ رِيقةَ نَحلهْ
فجمعناها بُذُورًا ... وقَطَعْناها أهِلَّهْ [٤]
توفّي بأصبهان في ربيع الأوّل مسموما [٥] .
стр. 16617
_________
[ () ]
وقال: حتّى م تؤذيني فإن سنحت ... حوائج لك فاركبني إلى الباس
(المنتظم) ، (الكامل في التاريخ ١٠/ ٥٠٠) .
وقال ابن الهبّارية الشاعر في موت الأبيوردي:
قد نزلت بي نزلة صبعة ... أصبحت منها اليوم في جهد
يسيل من أنفي على شاربي ... شيء ولا عرض أبي سعد
وقال أيضا:
كأنّ في رأسي، ولا رأس لي، ... من نتنه شعر الأبيوردي
(خريدة القصر- قسم العراق- ج ٢/ ٨٧) .
وحكي أنه كان من أبيورد، ولم يعرف له هذا النسب، وأنه كان ببغداد في خدمة مؤيّد الملك ابن نظام الملك، فلما عادى مؤيّد الملك عميد الدولة بن منوجهر ألزمه أن يهجوه ففعل، فسعى عميد الدولة إلى الخليفة بأنه قد هجاك ومدح صاحب مصر، فأبيح دمه، فهرب إلى همذان واختلق هذا النسب حتى ذهب عنه ما قرف به من مدح صاحب مصر.
وسمع سنقر كفجك بخبره، فأراد أن يجعله طغرائيّ الملك أحمد، فمات أحمد، فرجع إلى أصفهان بحال سيّئة، وبقي سنين يعلّم أولاد زين الملك برسق، ثم شرح سنقر الكفجك للسلطان محمد ذلك، وأعطاه أشراف المملكة، وكان يدخل مع الخطير، وأبي إسماعيل، والمعين، وشرف الدين. (معجم الأدباء ١٧/ ٢٣٤، ٢٣٥) .
وقال العماد الأصبهاني في (خريدة القصر) :
الأبيوردي، تولّي في آخر عمره أشراف مملكة السلطان محمد بن ملك شاه، فسقوه السّمّ وهو واقف عند سرير السلطان، فخانته رجلاه، فسقط وحمل إلى منزله، فقال:
وقفنا بحيث العدل مدّ رواقه ... وخيّم في أرجائه الجود والبأس
وفوق السرير ابن الملوك محمد ... تخرّ له من فرط هيبته الناس
فخامرني ما خانني قدمي له ... وإن ردّ عيني نفرة الجأش إيناس
وذاك مقام لا نوفّيه حقّه ... إذا لم ينب فيه عن القدم الرأس
لئن عثرت رجلي فليس لمقولي ... عثار وكم زلّت أفاضل أكياس
قال العماد: وكان- ﵀ عفيف الذيل، غير طفيف الكيل، صائم النهار، قائم الليل، متبحّرا في الأدب، خبرا بعلم النسب.
وقال ياقوت: «وله تصانيف كثيرة منها: كتاب تاريخ أبيورد ونسا، كتاب المختلف والمؤتلف، كتاب قبسة العجلان في نسب آل أبي سفيان، كتاب نهزة الحافظ، كتاب المجتبى من المجتنى في رجال، كتاب أبي عبد الرحمن النسائي في السنن المأثورة وشرح غريبه، كتاب ما اختلف وائتلف في أنساب العرب، كتاب طبقات العلم في كل فن، كتاب كبير في الأنساب، كتاب تعلّة المشتاق إلى ساكني العراق، كتاب كوكب المتأمّل يصف فيه الخيل، كتاب تعلّة المقرور في وصف البرد والنيران وهمذان، كتاب الدرّة الثمينة، كتاب صهلة القارح، رد فيه على المعرّي وسقط الزند» .
وقال أبو الفتح محمد بن علي النطنزي: سمعت الأبيوردي يقول: كنت ببغداد عشرين سنة
стр. 16618
١٩٧- مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الواحد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الواحد بْن عَبْد الله بْن محمد بْن الحجاج بْن مندوَيْه [١] .
أبو منصور الإصبهاني، الشُّرُوطيّ، المعدّل.
سَمِعَ: أبا نُعَيْم.
روى عَنْهُ: أبو موسى الْمَدِينيّ، وقال: تُوُفّي في الثّامن، وقيل السّادس، والعشرين مِن جُمَادَى الآخرة.
١٩٨- محمد بْن عيسى بْن محمد اللَّخْميّ [٢] .
أبو بَكْر الأندلسيّ، الشّاعر، المعروف بابن اللّبّانة الدّانيّ.
كَانَ مِن جِلّة الأُدباء وفحول الشّعراء، مَعِين الطّبع، واسع الذَّرْع، عزيز الأدب، قويّ العارضة، متصرّفًا في البلاغة.
لَهُ تصانيف. لَهُ كتاب «مناقل الفتنة» ، وكتاب «نَظْم السُّلوك في وعظ الملوك» ، وكتاب «سقيط الدّرّ ولقيط الزّهر» في شِعْر ابن عبّاد، ونحو ذلك. وديوان شعره موجود.
стр. 16619
أخذ عَنْهُ: أبو عَبْد الله بْن الصَّفّار.
وتُوُفّي بمَيُورقَة.
وقد سُقْتُ من شِعْره في ترجمة المعتمد بْن عبّاد. وكان مِن كبراء دولة محمد بن صمادح.
وهو القائل في صاحب مَيُورقَة مبشّر العامريّ:
وضَحتْ وقد فضحتْ ضياءَ النّيّر ... فكأنّما التحفتُ ببشِرْ مبشّر
وتبسّمتْ عَنْ جوهرٍ فحسِبْتُهُ ... ما قلّدته محامدي مِن جوهر
وتكلَّمتْ فكان طِيبُ حديثها ... متعب منه بطيب مسك وأذفر
هزّت بنَغَمة لفْظِها نفسي، كما ... هزّت بذِكراه أعالي المِنْبرِ
ولثمت فاها فاعتقدت بأنّني ... مِن كفّه سوّغت لثْم الخِنْصَر
بمعاطِف تحت الذّوائب خِلْتُها ... تحت الخوافق ما لَهُ مِن سمْهَرِي
ملك أزِرّة بُردِه ضُمّت عَلَى ... بأس الوصيّ وعزْمة الإسكندر
وهي طويلة [١] .
١٩٩- محمد بْن محمد بْن أحمد بْن محمد [٢] .
الآبنُوسي، أبو غالب بن أبي الحسين.
روى عن أبيه.
стр. 16620
وعنه: المُعَمَّر بْن أحمد، وأبو طاهر السّلَفيّ.
مات في شوّال، وله ثمانون سنة.
٢٠٠- محمد بْن مكّيّ بْن دُوَسْت [١] .
أبو بَكْر البغداديّ.
يروي عَنْ: أَبِي محمد الجوهريّ، والقاضي أَبِي الطَّيّب.
وعنه: السّلَفيّ، وابن خُضَيْر [٢] .
٢٠١- محمد بْن وهبان [٣] .
أبو المكارم البغداديّ.
روى عَنْ: أَبِي الطَّيّب الطَّبَريّ، وأبي محمد الجوهريّ.
تُوُفّي في صَفَر.
روى عَنْهُ: المبارك بْن كامل.
٢٠٢- المفضَّل بْن عَبْد الرّزّاق [٤] .
سديد الدّين، أبو المعالي الإصبهانيّ، صاحب ديوان الحسن ببغداد.
ولد بعد الأربعين وأربعمائة.
وتفقه عَلَى: أبي بَكْر محمد بْن ثابت الخُجَنْديّ.
وولي ديوان العرض، ورأى مِن الجاه والمال ما لم يكن لعارض.
قِدم بغداد مع السّلطان بركياروق سنة أربع وتسعين وأربعمائة فأقام بها، فسفر لَهُ أبو نصر بْن الْمَوْصِلايا كاتب الإنشاء في الوزارة، وطلب، وخلع عَليْهِ خِلَع الوزارة.
وكان ابن الْمَوْصلايا يجلس إلى جانبه فيسدّه، لأنه كَانَ لَا يعرف الاصطلاح، ثمّ عُزِل بعد عشرة أشهر. وكانت حاشيته سبعين مملوكًا مِن الأتراك، فاعتُقِل بدار الخلافة سنةً، ثمّ أطلق بشفاعة بركياروق، فتوجّه إلى
стр. 16621
المعسكر، فولّاه السّلطان الاستيفاء، ثمّ صودر، وجَرَت لَهُ أمور.
تُوُفّي في ربيع الأوّل. ورخّه أبو الْحَسَن الْهَمَذَانيّ.
٢٠٣- مَلَكَةُ بنتُ دَاوُد بْن محمد [١] .
الصُّوفيّة، العالمة.
سَمِعْتُ بمصر سنة اثنتين وخمسين مِن الشّريف أحمد بْن إبراهيم بْن ميمون الحُسَينيّ. وبمكة مِن كريمة.
وسكنت مدّة بدُوَيْرة السُّمَيْساطيّ بدمشق.
سَمِعَ منها: غيث بْن عليّ، وقال: سألتها عَنْ مولدها، فذكرت انّه عَلَى ما أخبرتها أمُّها في ربيع الأوّل سنة ثلاث وأربعمائة، بناحية جَنْزة، ونشأت بتَفْلِيس.
توفيت بشوال سنة سبْعٍ، ولها مائة وخمسُ سِنين.
قَالَ ابن عساكر: أجازت لي، وحضرتُ دفْنَها بمقبرة باب الصّغير.
٢٠٤- المؤتمن بْن أحمد بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عبد الله [٢] .
الحافظ أبو نصر الرَّبَعيّ، الدَّيْرعَاقُوليّ، ثمّ البغداديّ، المعروف بالسّاجيّ. أحد أعلام الحديث.
حافظ كبير، متقْن، حُجّة، ثقة، واسع الرحلة، كثير الكتابة، ورع، زاهد.
стр. 16622
سَمِعَ: أبا الحُسَيْن بْن النّقور، وعبد العزيز بْن علي الأنْماطيّ، وأبا القاسم ابن البُسْريّ، وأبا القاسم عَبْد الله بْن الخلّال، وأبا نصر الزَّيْنَبيّ، وإسماعيل بْن مَسْعَدة، وخلْقًا ببغداد.
وأبا بَكْر الخطيب بصور، وأبا عثمان بْن ورقاء ببيت المقدس، والحسن بْن مكّيّ الشّيرازيّ بحلب.
ولم أره سَمِعَ بدمشق، ولا كأنّه رآها. ودخل إلى إصبهان فسمع: أبا عَمْرو عَبْد الوهّاب بْن مَنْدَهْ، وأبا منصور بْن شكروَيْه، وطبقتهما.
وبنَيْسابور: أبا بَكْر بْن خلف.
وبهَراة: أبا إسماعيل الأنصاريّ، وأبا عامر الأزْديّ، وهؤلاء وأبا عليّ التستريّ وجماعة بالبصرة.
ثمّ سَمِعَ ببغداد ما لَا يُحْصَر، ثمّ تزهّد وانقطع.
روى عَنْهُ: سَعْد الخير الأنصاريّ، وأبو الْفَضْلُ بْن ناصر، وأبو المُعَمَّر الأنصاريّ، ومحمد بْن محمد السّنْجيّ، وأبو طاهر السّلَفيّ، وأبو سعد البغداديّ، وأبو بَكْر بْن السّمعانيّ، ومحمد بْن عليّ بْن فولاذ، وطائفة.
قَالَ ابن عساكر: سَمِعْتُ أبا الوقت عَبْد الأوّل يَقُولُ: كَانَ الإمام عَبْد الله بْن محمد الأنصاريّ إذا رَأَى المؤتمن يَقُولُ: لَا يمكن أحد أن يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما دام هذا حيا. حدَّثني أخي أبو الحُسَيْن هبة الله قَالَ: سَأَلت السّلَفيّ، عَنِ المؤتمن السّاجيّ، فقال: حافظ متقن، لم أر أحسن قراءةً منه للحديث، تفقَّه في صباه عَلَى الشَّيْخ أبي إِسْحَاق، وكتب «الشامل» ، عَنِ ابن الصَّبّاغ بخطّه، ثمّ خرج إلى الشّام، فأقام بالقدس زمانًا. وذكر لي أنّه سَمِعَ مِن لفظ أَبِي بَكْر الخطيب حديثًا واحدًا، بصور، غير أَنَّهُ لم يكن عنده نسخة. وكتب ببغداد كتاب «الكامل» لابن عَدِيّ، عَنِ ابن مَسْعَدة الإسماعيليّ، وكتب بالبصرة السُّنَن عَنِ التُّسْتَرِيّ. وانتفعت بصُحبته ببغداد، ونُعي إليَّ وأنا بثغر سَلَمَاس، وصلّينا عَليْهِ صلاة الغائب يوم الجمعة.
стр. 16623
وقال أبو النَّضْر الفاميّ: [١] أقام المؤتمن بهَرَاة نحو عشر سنين، وقرأ الكثير، وكتب «الجامع» للتّرْمِذيّ ستٌّ كرّات. وكان فيه صَلَفُ نفْسِ، وقناعة، وعفّة واشتغال بما يعنيه.
وقال أبو بَكْر مُحَمَّد بْن مَنْصُور السّمعانيّ: ما رَأَيْت بالعراق من يفهم الحديث غير رجلين: المؤتمن السّاجيّ ببغداد، وإسماعيل بْن محمد التَّيْميّ بإصبهان.
وسمعت المؤتمن يَقُولُ: سَأَلت عَبْد الله بْن محمد الأنصاريّ، عَنْ أَبِي عليّ الخالديّ، فقال: كَانَ لَهُ في الكذب قصّة، ومن الحِفْظ حِصّة.
وقال السّلَفيّ: لم يكن ببغداد أحسن قراءةً للحديث منه، يعني السّاجيّ، كَانَ لَا يملّ قراءته وإن طالت. قرأ لنا عَلَى أَبِي الحُسَيْن بْن الطُّيُوريّ كتاب «الفاضل» [٢] للرّامَهُرْمُزِيّ في مجلس.
وقال يحيى بْن مَنْدَهْ الحافظ: قِدم المؤتمن السّاجيّ إصبهان، وسمع مِن والدي كتاب «معرفة الصّحابة» وكتاب «التّوحيد» و «الأمالي» ، و «حديث ابن عُيَيْنَة» لجدّي، فلمّا أخذ في قراءة «غرائب شُعْبَة» بلغ إلى حديث عُمَر في لبْس الحرير فلمّا انتهى إلى آخر الحديث كَانَ الوالد في حال الانتقال إلى الآخرة، وقضى نحْبه عند انتهاء ذَلِكَ بعد عشاء الآخرة. هذا ما رأينا وشاهدنا وعَلِمْنا. ثمّ قدم أبو الْفَضْلُ محمد بْن طاهر سنة ستّ وخمسمائة، وقرأنا عَليْهِ جزءًا مِن مجموعاته، وقرأ عَليْهِ أبو نصر اليُونارتيّ جزءًا مِن الحكايات فيه. سَمِعْتُ أصحابنا بإصبهان يقولون: إنّما تَمَّم المؤتمن السّاجيّ كتاب «معرفة الصّحابة» عَلَى أَبِي عَمْرو بعد موته، وذلك أنّه كَانَ يقرأ عَليْهِ وهو في النَّزْع، ومات وهو يقرأ عَليْهِ. وكان يُصاح بِهِ: نريد أن نغسّل الشَّيْخ.
قَالَ يحيى: فلمّا سَمِعْتُ هذه الحكاية قلت: ما جرى ذلك، يجب أن
стр. 16624
تصلح هذا، فإنه كذِب وزور. وكتب اليُونارتيّ في الحال عَلَى حاشية النّسخة صورة الحال. وأمّا قراءة «معرفة الصّحابة» فكان قبل موت الوالد بشهرين. وكان المؤتمن والله، متورعًا، زاهدًا، صابرًا عَلَى الفقر، ﵀.
وقال أبو بَكْر محمد بْن فولاذ الطَّبَريّ: أنشدنا المؤتمن لنفسه.
وقالوا كُنْ لنا خَدْنًا وخِلًا ... ولا والله أفعل ما شاءوا
أُحابيهم ببعضي أو بكلّي ... وكيف وجلّهم نعَمٌ وشاءُ
وقال ابن ناصر: سَأَلت المؤتمن عَنْ مولده فقال: في صفر سنة خمس وأربعين وأربعمائة. وتوفّي في صَفَر سنة سبْعٍ. وصلّيت عَليْهِ. وكان عالمًا، فهْمًا، ثقة، مأمونًا [١] .
٢٠٥- مودود بْن ألْتُونكين [٢] .
سلطان الموصل.
стр. 16625
قتل بدمشق في رمضان صائما، كما هو مذكور في الحوادث.
- حرف النون -
٢٠٦- ناصر بْن أحمد بْن بكران [١] .
القاضي أبو القاسم الخُوَيّيّ [٢] .
قِدم بغداد وتفقَّه عَلَى: أَبِي إِسْحَاق الشّيرازيّ.
وسمع: أبا الحُسَيْن بْن النُّقور.
وقرأ العربية وبرع فيها.
روى عَنْهُ: السّلَفيّ، وقال: كتبنا عَنْهُ بخُوَيّ. وكان شيخ الأدب ببلاد أَذرْبَيْجان بلا مدافعة، وله ديوان شِعْر ومصنَّفات. وولي القضاء مدة كأبيه.
تُوُفّي في ربيع الآخر.
٢٠٧- نصر بْن عَبْد الجبّار بْن منصور بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن [٣] .
أَبُو منصور التّميميّ، الْقَزْوينيّ، الواعظ، المعروف بالقُراّئيّ [٤] . مِن أهل قَزْوين.
كَانَ واعظًا، صالحًا، صَدُوقًا، قِدم بغداد.
وسمع: أبا محمد الجوهريّ، وأبا طَالِب العُشَاريّ.
وسمع بقَزْوين مِن: أبي يَعْلَى الخليل بْن عَبْد الله [٥] الحافظ.
روى عَنْهُ: إسماعيل بْن أَبِي الْفَضْلُ النّاصحيّ، وطيّب بْن محمد الأبِيَوَرْدِيّ، وأظنّ السّلَفيّ سَمِعَ منه.
وقد حدث في سنة سبع وخمسمائة، ولا أعلم وفاته.
وقد جمع لنفسه مُعْجَمًا.
стр. 16626
- حرف الهاء -
٢٠٨- هادي بْن إسماعيل بْن الْحَسَن بْن عليّ بْن أَبِي محمد الْحَسَن بْن علي بْن الْحَسَن بْن عليِّ بْن عُمَر بن الحسن بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب [١] .
الشّريف أبو المحاسن الْعَلَويّ، الحُسَيْني، الإصبهانيّ.
قَالَ السّمعانيّ: كان لَهُ تقدُّم ووجاهة، وصيت وشُهْرة ببلده. وَرَدَ بغداد حاجًا، فتُوُفّي بها بعد حَجّة.
روى عَنْ: أَبِي طاهر بْن عَبْد الرحيم، وأبي عثمان العيّار.
روى عَنْهُ: أبو موسى الْمَدِينيّ، وأبو المُعَمَّر الأنصاريّ، وأبو العلاء أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الْفَضْلُ الإصبهانيّ، وعبد الحقّ بْن يوسف.
تُوُفّي في ثالث عشر ربيع الأوّل، وهو أخو داعي.
وقد تقدَّم في سنة تسعين وأربعمائة وفاة سَميّه هادي بْن الْحَسَن العلويّ.
وفي سنة خمسٍ وتسعين ذُكر والده إسماعيل.
وقال السّلَفيّ في معجم إصبهان: قرأنا عَليْهِ، وعلى أبيه، وأخيه، وهذا فأحسنهم خُلُقًا، وكتابةً، وخطًا. وأنشدنا فيه أبو عَبْد الله النَّضْريّ:
لهادي بْن إسماعيل خلال أربع ... بها غدا مستوجبًا للإمامة
خطابُ ابن عَبّادٍ وخطّ ابن مُقْلَة ... وخلق ابن يعقوب وخُلُق أُمامة.
- حرف الياء -
٢٠٩- يحيى بْن أحمد بْن حُسين [٢] .
أبو زكريّا الْغَضَائريّ [٣] ، الدّرْبَنْديّ.
سَمِعَ بمصر: أبا عَبْد الله القضاعيّ، وبمكّة: كريمة المروزيّة، وبآمد: أبا
стр. 16627
منصور بن أحمد الإصبهانيّ، وبنَيْسابور: أبا القاسم القُشَيْريّ.
روى عَنْهُ: إسماعيل بْن الفُضَيْل بطَبَرِسْتان، وغيره.
وكان عالمًا، فاضلًا، صالحًا، ورعًا، متميزًا.
كَانَ حيا في سنة سبْعٍ.
٢١٠- يحيى بْن عَبْد الله بْن الجدّاء [١] .
أبو بَكْر الفِهْريّ، اللّبْليّ [٢] ، نزيل إشبيلية.
كَانَ جامعًا لفنون مِن العِلْم، وشُوِور في الأحكام بإشبيلية.
وتُوُفّي في جُمَادَى الأولى.
٢١١- يحيى بْن عَبْد الوهّاب بْن عثمان بْن الْفَضْلُ [٣] .
أبو سالم بْن المخْبزيّ، البغداديّ، ابن خال أبي الحُسَيْن بْن الطُّيُوريّ.
صالح، خير. سَمِعَ: أبا الطَّيّب الطَّبَريّ، والجوهريّ.
روى عَنْهُ: عَبْد الوهّاب الأنْماطيّ، والسّلَفيّ، وأبو المُعَمَّر الأنصاريّ، وغيرهم.
ومات في جمادى الأولى.
стр. 16628
سنة ثمان وخمسمائة
- حرف الألف -
٢١٢- أحمد بْن بَغْراج [١] .
أبو نصر البغداديّ.
سَمِعَ: أبا الْحَسَن الْقَزْوينيّ، وغيره، وأبا محمد الخلّال.
تُوُفّي يوم عاشوراء.
روى عَنْهُ: المبارك بْن كامل، وابن ناصر.
وقد قرأ بالروايات عَلَى أبي الخطّاب الصُّوفيّ، وأبي ياسر محمد بْن عليّ الحمّاميّ.
قرأ عَليْهِ يوسف بْن إبراهيم الضّرير.
وكان شيخًا صالحًا، كثير التّلاوة [٢] .
تُوُفّي في المحرَّم، وهو أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد العزيز بْن بغراج.
٢١٣- أحمد بْن الْحَسَن [٣] .
المُخَلَّطِيّ [٤] ، أبو العبّاس الْحَنْبليّ، الفقيه.
стр. 16629
مِن علماء بغداد وثقاتهم.
سَمِعَ مِن: القاضي أبي يَعْلَى [١] .
٢١٤- أحمد بْن خَالِد الطّحّان [٢] .
تُوُفّي في رجب ببغداد.
روى عَنْ: أبي يَعْلَى أيضًا.
٢١٥- أحمد بْن عُبَيْد الله بْن أَبِي الفتح محمد بْن أحمد [٣] .
أبو غالب المُعيّر [٤] ، البغداديّ، المقرئ. ابن خال أَبِي طاهر بْن سوار.
قرأ لابن عمرو على عبد الله بْن مكّيّ السّوّاق، عَنْ أَبِي الْفَرَج الشَّنَبُوذيّ.
قَالَ المبارك بْن كامل: قرأت عَليْهِ برواية أَبِي عَمْرو. وقد سَمِعَ: محمد ابن محمد بْن غَيْلان، ومحمد بْن الحُسَيْن الحرّانيّ، وأبا محمد الخلّال، وأبا الفتح الْمَحَامِليّ، وأحمد بْن عليّ التَّوَّزيّ [٥] ، وجماعة.
روى عَنْهُ: السّلَفيّ، وابن ناصر، وأبو المُعَمَّر الأنصاريّ، وأبو الحُسَيْن عبد الحقّ.
وكان ثقة، مقرئا، صالحا.
وتوفّي في جمادى الأولى، وله ثمانون سنة.
стр. 16630
٢١٦- أحمد بْن محمد بْن أحمد [١] .
أبو نصر البغداديّ، سِبْط الأقفاليّ، الزّاهد.
سَمِعَ: أبا محمد الجوهريّ.
وعنه: السّلَفيّ.
سقط مِن سطح فمات فِي جُمَادَى الأولى.
٢١٧- أَحْمَد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن غلبُون [٢] .
أبو عَبْد الله الْخَوْلانيّ، القُرْطُبيّ، ثمّ الإشبيليّ.
روى عَنْ أبيه الحافظ أَبِي عَبْد الله الْخَوْلانيّ كثيرًا. وسمع معه مِن: أَبِي عُمَر، وعثمان بْن أحمد القشْطاليّ، وأبي عَبْد الله الأحدب، وأبي محمد الشّنْتجاليّ، وعليّ بْن حَمُّوَيْه الشّيرازيّ.
وأجاز لَهُ يونس بْن عَبْد الله القاضي، وأبو عُمَر الطَّلَمَنْكيّ، وأبو عَمْرو المرشاني الَّذِي لَهُ إجازة أَبِي بَكْر الآجُرّيّ، وأبو ذَرْ عَبْد بْن أحمد الْهَرَويّ، وأبو عِمران الفاسيّ، ومكّيّ بْن أبي طَالِب، وأبو عَمْرو الدّانيّ المقرِئان.
قَالَ ابن بَشْكُوال [٣] : وكان شيخًا، فاضلًا، عفيفًا، مُنقبضًا، مِن بيت عِلْم، ودِين، وفضل. ولم يكن عنده كبير عِلْم أكثر مِن روايته عَنْ هَؤلَاءِ الْجِلّة.
وكانت عنده أيضًا أُصُول يلجأ، ويعوّل عليها [٤] .
أخذ عَنْهُ جماعة مِن شيوخه وكبار أصحابنا.
قَالَ لي أبو الوليد بْن الدّبّاغ إنّ هذا وُلِد سنة ثمان عشرة وأربعمائة وتوفّي في شعبان، وله تسعون سنة.