← История

История · id 12397

تاريخ الإسلام - ت تدمري

شمس الدين الذهبي

Полный текст (24 229 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

٤٦٧- يوسف بن بُهْلُولٍ التميميّ الأنباريّ [١] . عن: شَرِيك، ويحيى بن زكريّا بن أبي زائدة، وأبي خالد الأحمر. وعنه: خ.، وأحمد بن حنبل، وإبراهيم بن الهيثم البَلَديّ، وأبو زرعة، وحنبل بن إسحاق، وطائفة. وثقة مطين [٢] . توفي بالكوفة سنة ثمان عشرة [٣] . ٤٦٨- يوسف بن المنازل التّيميّ الكوفيّ [٤]- ن. ق. - أبو يعقوب.

стр. 8052

عن: عبد الله بن إدريس، وحفص بن غِياث، وجماعة. وعنه: عبّاس الدُّوريّ، وإبراهيم الحربيّ، وأبو حاتم الرازيّ، وأحمد بن أبي خَيْثمة، وعدّة. وثّقه ابن معين [١] .

стр. 8053

[الكنى] ٤٦٩- أبو عبّاد الكاتب [١] . وزير المأمون. طوّل ابن النّجّار [٢] ترجمة هذا. وقال: ثابت بن يحيى بن يَسَار: أبو عبّاد الرازيّ كاتب المأمون كان من الكُفَاة. قلت: هو مشهور بالكنْية. ذكره الصُّوليّ، ومحمد بن عبْدوس الْجَهْشياريّ في «أخبار الوزراء» . وملّخص أمره أنّه كَانَ خبيرا بالحساب وبالكتابة، بارعا في التصرّف،

стр. 8054

ناهضًا في أمور المأمون عَلَى أتمّ ما يكون. ثمّ إنّه عجز من النُّقْرُس [١] واسْتَعْفَى. وكان جوادًا نبيلًا لكنه كان شرسًا عَبُوسًا. قال الصُّوليّ: مات في المحرَّم سنة عشرين ومائتين عن خمسٍ وستّين سنة. ٤٧٠- أبو العتاهية [٢] . الشاعر المشهور. هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سُوَيْد بن كَيْسان العَنَزيّ، مولاهم الكوفيّ، نزيل بغداد، وأصله من سَبْي عين التّمر.

стр. 8055

ولقبوه بأبي العَتَاهية لاضطّرابٍ كان فيه [١] وقيل بل كَانَ يحبّ الخَلاعة فكُنّي بأبي العَتَاهية لعُتُوِّه. وهو أحد مَن سار قولُهُ وانتشرَ شِعره. ولم يجتمع لأحدٍ ديوان شِعره لكثرته. وقد نَسَكَ بآخره. وقال في الزُّهْد والمواعظ، فأحسَنَ وأبلغ. وكان أبو نُوَاس يُعَظّمه ويخضع لَهُ، ويقول: واللَّهِ ما رأيته إلّا توهّمت أنّه سماويّ وأنّي أرضيّ [٢] . وقد مدح أبو العتاهية الخلفاءَ والبَرَامكَةَ والكِبار. ومِن شِعره قوله: ولقد طربت إليك حتّى ... صِرْتُ من فَرْط التَّصابي يَجد الجليسُ إذا دنا ... رِيحَ الصّبَابَة من ثيابي [٣] وله: إنّ المطايا تشتكيك لأنّها ... تطوي [٤] إليك سَبَاسِبًا [٥] ورِمالا فإذا رحَلْنَ بنا رَحَلْن مُخِفَّةً ... وإذا رجِعْنَ بنا رجعن ثِقالا [٦] وله أُرْجُوزة فائقة يقولُ فيها: هي المقادير فلمني أو فدر ... إنْ كنتُ أخطأتُ فما أخطأ القَدَرْ لكلّ ما يؤذي وإنْ قَلّ أَلَمْ ... ما أطول اللّيل عَلَى مَن لم يَنَمْ إنَّ الشَّباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أيّ مفسدة

стр. 8056

حَسْبُكَ ممّا تبتغيه القُوتُ ... ما أكثر القُوتُ لمن يموت [١] وله فيما أنشدنا أبو عليّ بْن الخلّال: أَنَا ابن المقيّر، أخْبَرَتْنا شُهْدَة: أَنَا النّعاليّ، أَنَا محمد بْن عُبَيد اللَّه، ثنا عثمان بْن السَّمّاكَ، ثنا إسحاق الخُتليّ: حدّثني سليمان بْن أَبِي شيخ: أنشدني أبو العتاهية: نُنَافِسُ في الدُّنيا ونحن نَعِيبُها ... لقد حَذَّرْتناها لَعَمْري خطوبُها وما نَحْسِبُ السّاعاتِ تقطعُ مدّةً ... عَلَى أنّها فينا سريعٌ دَبِيبُها كأنّي بَرَهْطي يَحمِلون جَنَازتي ... إلى حُفْرةٍ يُحْثي عليَّ كثيبُها وداعيةٍ حَرَّى تُنادي وإنّني ... لَفِي غَفْلَةٍ عَنْ صَوْتها لَا أجيبُها وإنّي لَمِمَّن يكره الموتَ والبِلى ... ويُعْجبُهُ ريحُ الحياةِ وطِيبُها أيا هادم اللذات ما منك مهرب ... تحاذر منك النفس ما سيصيبها رأيتُ المنايا قُسِّمت بين أَنْفُسٍ ... ونَفْسي سيأتي بعدهُنَّ نَصِيبُها ومن شعره: لِدُوا للموت وابْنُوا للخَراب ... فكُلُّكُم يصير إلى ذَهاب [٢] لِمن نبني ونحنُ إلى تُرابٍ ... نصير كما خُلِقنا من ترابِ ألا يا موتُ لم أرَ منكَ بُدًّا ... أتيتَ فما تَحيفُ ولا تُحابي كأنّك قد هجمت عَلَى مَشِيبي ... كما هَجَمَ المَشِيبُ عَلَى شبابي ويا دُنيايَ ما لي لَا أراني ... أسدّ بمنزلٍ إلّا نَبَا بي وما لي لَا أُلِحّ عليكِ إلّا ... بعثت الهمّ من كلّ بابِ أراكِ وإنْ ظلمتِ بكلّ لونٍ ... كحُلْم النَّومِ أو لَمْع السَّراب وهذا الخلْقُ منكِ عَلَى وَقارٍ ... وأرجُلُهم جميعًا في الرِّكاب تقلّدتَ العظامَ من الخطايا ... كأنّك قد أمِنْتَ من العقابِ فمهما دُمتَ في الدُّنيا حريصًا ... فإنَّكَ لَا تُوَفَّق للصوابِ سَأُسأَلُ عَنْ أمورٍ كنتُ فيها ... فما عذري هناك وما جوابي؟

стр. 8057

بأيَّةِ حُجّةٍ تَحْتَجُّ نفسي ... إذا دُعيت إلى طُول الحسابِ هُما أَمْرانِ يوضح لي مقامي ... هنالك حين أنظر في كتابي فإمّا أنْ أُخَلّدُ في نعيمٍ ... وإمّا أن أُخَلّدَ في عذاب [١] ومن شعره: أنساك محياك الممتا ... فطَلَبْتَ في الأرضِ الثَّباتا أَوَثِقْتَ بالدُّنيا وأنت ... ترى جماعَتَها شَتَاتا وعَزَمْتَ ويْك عَلَى الحياة ... وطُولِها عَزْمًا ثَبَاتا دارٌ تَواصُلُ أهلِها ... سيعود نَأْيًا وانْبِتاتا إنّ الإلهَ يُميتُ من أحيا ... ويُحيي مَن أماتا يا مَن رَأَى أبَوَيْه في ... مَن قد رَأَى كانا فماتا هل فيهما لك عِبْرةٌ ... أم خِلْتَ أَنَّ لك انْفِلاتا ومَن الّذي طلب التَّفَلُّتَ ... من مَنِيّته ففاتا كُلٌّ تُصَبِّحه المَنِيّة ... أو تبيّته بَيَاتا [٢] تُوُفّي أبو العَتَاهية في جُمادَى الآخرة سنة إحدى عشرة ومائتين عَنْ نَيّفٍ وثمانين سنة، وقيل: تُوُفّي سنة ثلاث عشرة [٣] . مدح المهديَّ فمن دونه من الخلفاء. أخبرنا سنقر الكلبيّ بها: أَنَا يحيى بْن جعفر، أَنَا أَبِي، أَنَا أحمد بْن علي بْن سوار، أَنَا محمد بْن عبد الواحد، أَنَا أبو سعيد السِّيرافيّ، أَنَا محمد بْن أَبِي الأزهر: أنشدنا الزُّبير بْن بكّار، عَنْ أَبِي العَتَاهية: أيا ربِّ إنّ النّاسَ لَا يُنْصِفونني ... فكيف وإنْ أنصفتُهم ظلموني؟ وإنْ كَانَ لي شيء تَصَدّوا لأَخْذِهِ ... وإنْ جئتُ أبغي شَيْئهم منعوني وإنْ نالَهم بَذْلي فلا شُكْرَ عندهم ... وإنْ أنا لم أبذل لهم شتموني

стр. 8058

وإنْ طَرَقَتْني نائبةٌ فَكِهُوا بها ... وإنْ صَحِبَتْني نعمةٌ حسدوني سأمنعُ قَلْبي أنْ يَحِنّ إليهم ... وأَحْجبُ منهم ناظري وجُفوني وله: أيا مَن خَلْفَهُ الأصلُ وَمَن قُدّامَه الأَمَلُ ... أما واللَّهِ ما يُنْجِيك إلّا الصِّدقُ والعملُ سَلِ الأيَّامَ عَنْ أملاكِها الماضينَ ما فعلوا ... أما شُغِلوا بأنفُسِهم فصار بها لهم شُغلُ وصاروا في بُطُونِ الأرضِ وارْتَهَنُوا بما عمِلوا ... وما دفع المنيَّةَ عَنْهُمْ جاهٌ ولا حَوْلُ وكانوا قبل ذاك ذَوِي المَهَابة أين ما نزلوا ... وكانوا يأكلون أطائب الدُّنيا فقد أُكِلوا ذكرتُ الموتَ فالتبسَتْ عليَّ بذِكره السُّبُلُ ومن شِعره: المرءُ في تَأْخير مُدَّته ... كالثَّوبِ يَبْلَى بعد جِدّتِه عَجَبًا لِمُتَنبّهٍ يضيّع ما ... يحتاج فيه ليوم رَقْدتِهِ [١] وله: حسناءُ لَا تبتغي حُلْيًا إذا برزت ... كأنّ خالقها بالحُسْن حلّاها قامت تمشي فلَيتَ اللَّهَ صَيَّرني ... ذاك التُّرابَ الَّذِي مَسّتهُ رِجلاها وله: وإني لَمَعْذُورٌ عَلَى طولِ حُبّها ... لأنَّ لها وجهًا يَدُلّ عَلَى عُذْري إذا ما بَدَتْ والبدْرُ ليلةَ تَمِّهِ ... رأيتَ لها فَضْلا مُبينًا عَلَى البدرِ وتهتزُّ مِن تحت الثّيابِ كأنَّها ... قضيب من الرّيحان في ورق خضر

стр. 8059

أبى اللَّهُ إلَّا أَنْ أموتَ صَبَابَةً ... بِساحرةِ العينينِ طيّبة النَّشْرِ [١] ذكر الصُّوليّ أنّ أبا العتاهية جلس ليُذلّ نفسه ويتزهّد، وكان يحجم الأيتام. فقال لَهُ بَكْر بْن المُعْتَمِر: أتعرف مَن يحتاج إلى إخراج الدّم من هَؤُلّاءِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أتعرف مقدار ما تخرج من الدم؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فأنت تريد أن تتعلَّم عَلَى أكتافهم ما تريد الأجر. قَالَ أبو تمّام: خمسة أبيات لأبي العتاهية ما تهيّأ لأحدٍ مثلها: قوله: النّاسُ في غَفَلاتِهِمْ ... وَرَحَى المَنِيّةِ تَطْحَنُ [٢] . وقوله: ألم تَرَ أنّ الفقرَ يُرجَى لَهُ الغِنَى ... وأنّ الغِنَى يُخشى عَلَيْهِ مِن الفقرِ [٣] وقوله في موسى الهادي: ولما استقلُّوا بأثقالهمْ ... وقد أَزْمَعُوا للّذي أزمعوا قرنْتُ التفاتِي بآثارهمْ ... وأَتْبَعْتُهُم مُقْلَةً تَدْمَعُ [٤] وقوله: هَبِ الدُّنيا تُسَاقُ إليك عَفْوًا ... أَلَيْسَ مصيرُ ذاك إلى زوال [٥] ؟

стр. 8060

(بعون الله وتوفيقه، تمّ إنجاز تحقيق هذا الجزء من «تاريخ الإسلام» للحافظ المؤرّخ الذهبي- ﵀ وتخريج أحاديثه، وأشعاره، وضبط نصّه، وتوثيق حوادثه ووفياته، والإحالة إلى المصادر والمراجع، على يد طالب العلم وخادمه الحاج الأستاذ الدكتور أبي غازي عمر عبد السلام تدمري، الطرابلسي مولدا وموطنا، الحنفيّ مذهبا، أستاذ التاريخ الإسلامي في الجامعة اللبنانية، وذلك عند غروب يوم الخميس الثاني عشر من شهر رجب الفرد ١٤١٠ هجرية، الموافق للثامن من شهر شباط (فبراير) ١٩٩٠ ميلادية، في منزله بساحة النجمة بمدينة طرابلس الشام المحروسة، والحمد للَّه وحده) .

стр. 8061

[المجلد السادس عشر (سنة ٢٢١- ٢٣٠) ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الطبقة الثالثة والعشرون دخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين وفيها تُوُفّي: أبو اليَمَان الحمصيّ، وعاصم بن عليّ بن عاصم، والقَعْنَبيّ، وعَبَدان المَرْوَزِيّ، واسمه عبد الله بن عثمان، وهشام بن عُبَيْد الله الرّازيّ، [الوقعة بين الخُرَّميّة والمسلمين] وفيها كانت وقعة هائلة بين الخُرَّميّة وبين المسلمين وأميرها بُغَا الكبير، فانكسر ثمّ ثبت وأُمِدَّ بالجيوش، والتقى الخُرَّميّة فهزمهم [١] . [ذكر فتنة الجمحيّ] وفيها ولي إمرة مكّة محمد بن داود بن عيسى العبّاسيّ، فبعث رجلًا من بني جُمَح لعَدّ المواشي وقال: هاتوا كلّ فريضةٍ دينارًا. فامتنعوا عليه وقالوا: تريد أن تَغْصِبنَا أموالَنا. إنّما في عمدك أن تأخذ الفريضة شاة. فحاربهم وحاربوه

стр. 8062

وقُتِل طائفة، وقُتِل الْجُمَحيّ. فجهّز محمد بن داود أخا الْجُمَحيّ، فقتل وبدّع وعاث جيشه [١] . قال الفَسَويّ [٢] : سَمِعْتُ بعض السُّفَهاء الذين كانوا معه يقول: افتضضْنا أكثر من عشرين ألف عذراء [٣] . [ذِكر كسوة البيت] وفيها حجّ حنبل بن إسحاق، فيما حَدَّث أبو بكر الخلّال، عن عصمة بن عصام، عنه، قال: رأيت كِسْوَة البيت الدِّيباج وهي تخفُق في صحن المسجد، وقد كُتِب في الدّارات: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء، وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبير. فلمّا قدِمت أخبرت أحمدَ بنَ حنبل، فقال: قاتَلَه الله، الخبيثَ عمد إلى كتاب الله فغيَّره، يعني ابن أبي دؤاد، فإنّه أمر بذلك [٤] . [بناء سامِرّاء] وفيها تكامل بناء سامرّاء [٥] .

стр. 8063

ثمّ دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين وتُوُفّي فيها: عمر بن حفص بن غِياث، وخالد بن نِزار الأَيْليّ، وأحمد بن محمد الأزرقيّ الذي ذكرناه في الطبقة الماضية، وعليّ بن عبد الحميد المعْنيّ، ومسلم بن إبراهيم، والوليد بن هاشم العِجْليّ، [الوقعة بين الأفشين وبابَك الخُرَّميّ] قال شبابُ العُصْفُريّ [١] : فيها كانت وقعة الأفشين بالكافر بابَك الخُرَّميّ، فهزمه الأفشين واستباح عسكَرَه، وهرب بابَك، ثمّ أسروه بعد فُصُولٍ طويلة. وكان من أبطال زمانه وشُجعانهم المذكورين. عاثَ وأفسدَ وأخافَ الإسلامَ وأهلَه. غَلَب على أذْرِبَيّجَان وغيرها، وأراد أن يُقيم مِلّة المَجُوس. وظهر في أيّامه المازيار القائم بمِلّة المَجُوس بطَبَرِسّتان، فعظُم شَرَّه وبلاؤه. وكان المعتصم في أول هذه السنة قد بعث نفقات الجيوش إلى الأفشين،

стр. 8064

فكانت ثلاثين ألف ألف درهم [١] . [فتح البَذَّ مدينة بابَك] وفي رمضان فُتِحَتِ الْبَذَّ [٢] مدينة بابَك، لعنه الله، بعد حصارٍ طويل صعْب [٣] ، وكان بها بابَك قد عصى بعد أن عمل غير مُصَافٍّ مع المسلمين. فلما أُخِذَتِ اختفى في غَيْضَةٍ بالحصْن، وأُسِرَ أَهْلُه وأولادُه. ثم جاء كتاب المعتصم بأمانه، فبعث به إليه الأفشين مع رجُلين، وكتب معهما: ولدُ بابَك يشيرُ على أبيه بالدخول في الأمان فهو خير [٤] . فلمّا دخلا في الغيضة إلى بابَك قتل أحدهما، وقال للآخر: اذهب إلى ابن الفاعلة ابني وقُل له: لو كنتَ ابني للحِقْتَ بي. ثمّ خرّق كتاب الأمان، وخرج من الغَيْضَة وصعِد الجبَل في طريقٍ وعرة يعرفها [٥] . وكان الأفشين قد أقام الكُمَناء في المضايق، فأفلت بابَك منهم، وصار إلى جبال أرمينية، فالتقاه رجل يقال له سهْل [٦] البِطْريق، فقال له: الطّلبُ وراءَك فانزِلْ عندي. فنزل عنده. وبعث سهل إلى الأفشين يخبره. فجاء أصحاب الأفشين فأحاطوا به وأخذوه [٧] . وكان المعتصم قد جعل لمن جاء به حيًّا ألفيْ [٨] ألف درهم، ولمن جاء

стр. 8065

برأسه ألف ألف درهم، فأعطى سهل ألفي ألف [١] ، وحطّ عنه خَراج عشرين سنة، ثمّ قتل بابك سنة ثلاث وعشرين. [رواية السمعودي عن هرب بابك] قال السمعوديّ [٢] : هربَ بابَك متنكّرًا بأخيه وأهله وولده ومَنْ تَبِعَهُ من خاصّته، وتزيّوا بزيّ التُّجّار السَّفّارة، فنزل بأرض أرمينية بعمل سهل بن سِنْبَاط، فابتاعوا شاةً من راعٍ [٣] فنكِرَهم وذهب إلى سهلٍ فأخبره. فقال: هذا بابَك ولا شكّ. وكانت قد جاءته كُتُب الأفشين بأن لا يَفُوته بابَك إن مرّ به. فركب سَهْل في أجناده حَتّى أتى بابَك، فترجّل لبابَك وسلّم عليه بالمُلْك وقال: قمْ إلى قصرك وأنا معك. فسارَ معه، وقُدِّمت الموائد، فقعد سَهْل يأكل معه، فقال بابَك بعُتوٍّ وجهلٍ: أمِثْلُكَ يأكل معي، فقام سهل واعتذر وغاب، وجاء بحدّاد ليقيّده، فقال بابَك: أَغَدْرًا يا سهل؟ فقال: يا ابن الخبيثة إنّما أنت راعي بقر. وقيّد من كان مَعه، وكتب إلى الأفشين، فجهّز إليه أربعة آلاف فتسلَّموه، وجاءوا ومعهم سهل، فخلع عليه الأفشين وتوّجه، وأسقط عنه الخراج، وبُعثت بطاقة إلى المعتصم بالفتح، فانقلبت بغداد بالتكبير والضجيج، فلله الحمد رب العالمين.

стр. 8066

ودخلت سنة ثلاثٍ وعشرين ومائتين فيها تُوُفّي: عبد الله بن صالح كاتب الَّليْث، وخالد بن خِداش، ومحمد بن سِنَان العَوْفيّ، ومحمد بن كثير العَبْديّ، وموسى بن إسماعيل التَّبُوذَكيّ، ومُعَاذ بن أسد المَرْوَزِيّ، [قدوم الأفشين بغداد] وفيها قَدِم الأفشين بغداد، في ثالث صفر ببابَك الخُرَّميّ وأخيه [١] . وكان المعتصم يبعث إلى الأفشين منذ فَصَلَ عن بَرْزَنْد [٢] كلّ يوم بفَرَسٍ وخِلْعة، كلّ ذلك من فَرَحه بأسْر بابَك [٣] . [ذكر ما رتبه المعتصم من البريد] ومن عناية المعتصم بأمرِ بابك أنّه رتّب البريد من سامرّاء إلى الأفشين

стр. 8067

بحيث أنّ الخبر يأتيه في أربعة أيّام من مسيرة شهر. فلمّا قدِم ببابَك أنزلوه بالمطيرة [١] . [تنكُّر المعتصم لرؤية بابَك] فلمّا كان في جَوْف الليل أتى أحمد بن أبي دؤاد متنكرًا، فنظر إلى بابَك وشاهدَهُ، وَرَدّ إلى المعتصم فأخبره. فلم يَصْبر المعتصم حَتّى أتي متنكرًا، فتأمّلهُ وبابَك لا يعرفه [٢] . [ديانة بابَك] وكان، لعنه الله، ثَنَويًّا على دِين ماني، ومَزْدَكْ، يقول بتناسُخ الأرواح، ويَسْتَحِلّ البنت وأُمَّها. وقيل كان وَلَدَ زِنا، وكانت أمّه عَوْراء تُعْرَف برمية العِلْجَة [٣] . وكان عليّ بن مَزْدكان يزعمُ أنّه زنى بها، وأنّ بابَك منه. وقيل: كانت فقيرة من قُرى آذْرَبَيْجان، فزنى بها نَبَطيّ، فحملت منه بابَك، ورُبّي بابَك أجيرًا في قريته [٤] . وكان بتلك الجبال قومٌ من الخُرَّميّة ولهم مُقَدَّمان: جاوِنْدان [٥] وعِمران. فتفرَّس جاوِنْدان في بابَك الشجاعة، فأستأجره من أُمّهِ، فأحبّته امرأة جاوِندان، وأطلعتْه على أمور زوجها، ثمّ قُتِل جاوِنْدان في وقعة بينه وبين ابن عمٍّ لهُ، فزعمت امرأته أنّه استخلف بابَك، فصدّقها الْجُنْد وانقادوا له، فأمرهم أن يقتلوا بالّليل مَن وجدوا من رجلٍ أو صبيّ. فأصبح خلقٌ مُقَتَّلين. ثمّ انضم إليه طائفة من قُطّاع الطريق، وطائفة مِن الفلّاحين والشُّطّار. ثمّ استفحل أمره، وعظُم شرُّه، وصار معه عشرون ألف مقاتل. وأظهر مذهب الباطنيّة، واستولى على حصون ومدائن، وقتل وسبى إلى أن أظفر الله به [٦] . فأركبه

стр. 8068

المعتصم فيلًا، وألبسه قِباءً من ديباج، وقَلَنْسُوَة سَمُّور [١] مثل الشَّرْبُوش [٢] ، وخَضَبوا الفِيل بالحِنّاء، وطافوا به [٣] . [قطع أطراف بابَك وقتله] ثمّ أمَر المعتصم بأربعته فقُطِّعَت، ثمّ قُطع رأسه وطِيف به بسامرّاء [٤] . وبعث بأخيه إلى بغداد، ففُعِل به نحو ذلك، واسمه عبد الله [٥] . ويُقال إنّه كان أشجع من بابَك. فيقال إنّه قال لأخيه بابَك قُدّام الخليفة: يا بابَك قد عملتَ ما لم يعملْه أحد، فأصبِرْ صبرًا لم يصبرْه أحد. فقال: سوف ترى صبري. فلمّا قُطِعت يدُه مسح بالدَّم وجهه [٦] ، فقالوا: لِمَ فعلتَ هذا؟ قال: قولوا للخليفة إنّك أمرتَ بقطع أربعتي وفي نفسك أنّك لا تكويهما وتدع دمي ينزف، فخشيت إذا خرج الدّم أن يصفرّ وجهي، فترون أنّ ذلك من جَزَع الموت. فغطّيت وجهي بالدم لهذا. فقال المعتصم: لولا أنّ أفعاله لا تُوجِب الصَّنيعة والعَفْوَ لكان حقيقًا بالاستبقاء. ثمّ ضُرِبت عُنُقه، وأُحْرِقت جُثّته، وفُعِل ذلك بأخيه، فما منهما من صاح.

стр. 8069

ويقال إنّ بابَك قتل مائةً وخمسين ألفًا [١] ، وما ذلك ببعيد. [ما وجده المؤلّف بخط ابن جماعة] ووجدتُ بخطّ رفيقنا ابن جماعة الكِنانيّ أنّه وجد بخطّ ابن الصّلاح، ﵀، قال: اجتمع قومٌ مِن الأُدباء، فأحصَوا أنّ أبا مسلم قتل ألفي ألف، وأنّ قتلى بابك بلغوا ألف ألف وخمسمائة ألف. [الحرب بين الأفشين وطاغية الروم] وفيها سار الأفشين بالجيوش، فالتقى طاغيةَ الروم، فاقتتلوا أيّامًا، وثبت كِلا الفريقين، وقُتِل خلقٌ منهما، ثمّ انهزم الطّاغية ونزل النّصْر. وكان هذا الكلب قد حَصرَ زِبَطْرة [٢] وافتتحها عَنْوةً، وقتل وسبى، وحرقّ الجامع [٣] . [فتح عمّورية] وفيها خرّب المعتصم أَنْقِرة وغيرها، وأنكى في بلاد الروم وأوطأهم خوفًا وذُلًّا، وافتتح عَمُّورية [٤] كما هو مذكور في ترجمته. وكانت نكايته في الروم مما

стр. 8070

لم يُسْمع لخليفةٍ بمثله، فإنّه قد شتّت جُموعهم، وخرّب ديارهم، وكان ملكهم تُوفيل بن ميخائيل بن جرجس قد نزل على زِبَطْرة في مائة ألف، ثمّ أغار على مَلْطِية، وعَمّ بلاؤه. وفي ذلك يقول إبراهيم بن المهديّ: يا غيرةَ الله [١] قد عانيتِ فانتقمي [٢] ... هَتَك النّساء وما منهنّ يرتكبُ هَبِ الرجالَ على أجرامها قُتِلَتْ ... ما بالُ أطفالها بالذَّبْح تُنْتَهَبُ؟ فلمّا سمِع المعتصم هذا الشِّعْر خرج لوقته إلى الجهاد [٣] ، وجرى ما جرى. وكان على مقدّمته أشناس التُّرْكيّ، وعلى مَيْمنته إيْتاخ التُّركيّ، وعلى المَيْسَرة جعفر بن دينار، وعلى السّاقة بغا الكبير [٤] ، وعلى القلب عُجَيْف [٥] ودخل من الدُّروب الشّاميّة، وكان في مائتي ألف على أقلّ ما قيل، والمكثر يقول: كان في خمسمائة ألف [٦] . ولما افتتح عَمُّورية صمّم على غزو القُسْطنطينيّة، فأتاه ما أزعجه من أمر العبّاس ابن المأمون، وأنّه قد بُويع، وكاتبَ طاغية الروم، فَقَفَلَ المعتصم، وقبض على العبّاس ومُتَّبعيه وسجنهم [٧] .

стр. 8071

سنة أربعٍ وعشرين ومائتين فيها تُوُفّي: إبراهيم بن المهديّ، وإبراهيم بن سويد الذّارع، بصْري، وسعيد بن أبي مريم، وبكّار بن محمد السِّيرينيّ، وسليمان بن حرب، وأبو معمر عبد الله بن عَمْرو المِنْقَريّ المُقْعَد، وعبد السّلام بن مطهّر، وعبد الغفّار بن داود الحَرّانيّ، وعليّ بن محمد المدائنيّ، وأبو عُبَيْد القاسم بن سلّام، وعَمْرو بن مرزوق، وقُرّة بن حبيب، وأبو الْجَمَاهر محمد بن عثمان الكفرسوسيّ، ومحمد بن عيسى بن الطّبّاع الحافظ، ومحمد بن الفضل عارِم، ويزيد بن عبد ربّه الحمصيّ، والعبّاس بن المأمون بن الرشيد.

стр. 8072

[إظهار المازيار الخلاف بطبرستان] وفيها أظهر مازيار بن قارن الخلاف بطَبرِسْتان [١] وحارب، وكان مُبَاينًا لآل طاهر. وكان المعتصم يأمره بحمل الخراج إليهم فيقول: لا أحمله إلّا إلى أمير المؤمنين [٢] . وكان الأفشين يسمع أحيانًا من المعتصم ما يدلّ على أنّه يريد عَزْل عبد الله بن طاهر. فلمّا ظفر ببابَك ونزل من المعتصم المنزلة الرفيعة، طمع في إمرة خُراسان. وبلغه منافرة المازيار لابن طاهر، فترجّى أن يكون ذلك سببًا لعزل ابن طاهر [٣] . ثمّ إنّه دسّ كُتُبًا إلى المازيار يقوّي عزْمه. وبعث المعتصم لمحاربة المازيار جيشًا عليهم الأفشين. وجبى المازيار الأموال، وعَسَفَ [٤] . وأخرب أسوار آمل والرَّيّ وجُرْجَان [٥] ، وهرب النّاس إلى نَيْسابور [٦] . فأرسل ابنُ طاهر جيشًا، عليهم عمُّه الحَسَن بن الحسين [٧] . وجرت حروب وأمور، ثمّ اختلف أصحاب المازيار عليه [٨] . ثمّ قُتِل بعد أن أهلك الحرث والنّسل.

стр. 8073

ومن سنة خمسٍ وعشرين ومائتين فيها تُوُفّي: أصبغ بن الفَرَج الفقيه، وأبو عمر الحَوْضيّ، وسَعْدَوَيْه الواسطيّ، وشاذ بن فَيّاض، وأبو عمر الْجَرْميّ، وعمر بن سعيد الدّمشقيّ الأعور، وفَرْوَةُ بن أبي المَغْراء، وأبو دُلَف الأمير، ومحمد بن سلّام البِيكَنْديّ، ويحيى بن هاشم السمسار. [وزارة الزّيّات] وفيها استوزر المعتصم محمدَ بنَ عبد الملك الزّيّات [١] . [القبض على الأفشين] وفيها قبض المعتصم على الأفشين [٢] لعداوته لعبد الله بن طاهر،

стр. 8074

ولأحمد بن أبي دُؤَاد، فعملا عليه، وما زالا حَتّى القيا في قلب المعتصم أنّ الأفشين يريد قتله. ونَقَلَ إليه ابن أبي دُؤَاد أنّه يكاتب المازيار. فطلب المعتصم كاتبه وتهدّده بالقتل، فاعترف وقال: كتبتُ إليه بأمره يقول: لم يبق غيري وغيرك وغير بابَك. وقد مضى بابَك، وجيوش الخليفة عند ابن طاهر، ولم يبق عند الخليفة سواي، فإنْ هزمت ابنَ طاهر كفيتُك أنا المعتصم، وتخلص لنا الدّين الأبيض، يعني المَجُوسية. وكان يُتَّهَم بها. فَوَهب المعتصم للكاتب مالًا وأحسن إليه، وقال: إن أخبرتَ أحدًا قتلتُك. فَرُوِيَ عن أحمد بن أبي دُؤَاد قال: دخلت على المعتصم وهو يبكي ويُقلق، فقلت: لا أبكى اللَّهُ عينيك، ما بك؟ قال: يا أبا عبد الله، رجلٌ أنفقتُ عليه ألف ألف دينار، ووهبتُ له مثلها يريد قتلي. قد تصدّقتُ للَّه بعشرة آلاف ألف درهم، فخُذْها ففرّقْها. وكان الكَرْخُ قد احترق، فقلت: نفرّق نصف المال في بناء الكَرْخ، والباقي في أهل الحَرَمَيْن. قال: افعل. وكان الأفشين قد سيّر أموالًا عظيمة إلى مدينة أَشْرُوسَنةَ، وهمّ بالهرب إليها، وأحسّ بالأمر. ثمّ هيّا دعوةً ليسُمّ المعتصم وقُوّاده [١] ، فإن لم يَجِب دعا لها الأتراك مثل إيتاخ، وأشناس فيسمّهم ويذهب إلى أرمينية، ويدور إلى أشْرُوسَنَة. فطال به الأمر، ولم يتهيّأ له ذلك [٢] ، فأخبر بعضُ خَوَاصّه المعتصمَ بعزمه، فقبض حينئذ المعتصم عليه وحبسه، وكتب إلى ابن طاهر بأن يقبض على ولده الحسن بن الأفشين [٣] .

стр. 8075

[أسْر المازيار] وفيها أُسٍر المازيار، وقُدِم به إلى بين يدي المعتصم [١] . [ذِكر الرجلين العاريين عن اللحم] وعن هارون بن عيسى بن المنصور قال: شهدت دار المعتصم وقد أُتيَ بالأفشين، والمازيار، وبمُوبَذ مُوبِذان أحد ملوك السُّغد، وبالمَرْزُبان، وأحضروا رجلين فعُرّيا، فإذا أجنابُهما عارية عن اللّحْم. فقال الوزير ابن الزّيّات: يا حيدر، تعرف الرجلين؟ قال: نعم. هذا مؤّذنٌ، وهذا إمامٌ بَنَيا مسجدًا بأشروسنة، فضربتُ كلّ واحدٍ منهما ألفَ سَوْط. قَالَ: وَلَم؟ قال: [إنّ] بيني وبين ملوك السُّغْد عهدًا، أنْ أترك كلّ قومٍ على دينهم، فوثب هذان على بيتٍ فيه أصنامُ أهلِ أشْرُوسَنَة، فأخرجا الأصنام واتّخذاه مسجِدًا، فضربتهما على تَعَدِّيهما [٢] . [ذكر الحوار بين ابن الزّيّات وحيدر والأفشين والمازيار] فقال ابن الزّيّات: فما كتابٌ عندك قد زينته بالذهب والجوهر، وجعلته في الدّيباج، فيه الكُفْر باللَّه؟ قال: كتابٌ ورِثْتُه عن أبي، فيه آدابٌ وحِكَم من آداب الأكاسرة، فآخُذُ منه الأدب، وأدفع ما سواه، مثل كتاب «كليلة ودِمْنة» ، وما ظننتُ أنّ هذا يُخْرجني عن الإسلام. فقال ابن الزّيّات للموْبِذ: ما تقول؟. فقال: إنْ كان هذا يأكل المخنوقة، ويحملني على أكلها، ويزعم أنّ

стр. 8076

لحمها أرطب لحما من المذبوحة. وقال لي: إنّي قد دخلت لهؤلاء القوم في كلّ ما أكره، حَتّى أكلت الزيت، وركبت الجمل، ولبست النعل، غير أنّي إلى هذا العام [١] لم أسقط عني شعرًا، يعني عانته، ولم أختَتِن [٢] . وكان المُوبِذ مجوسيًّا، ثمّ بعد هذا أسلم على يد المتوكّل. فقال الأفشين: خبّروني عن هذا المتكلّم، أَثِقَةً هو في دينه؟ قالوا: لا. قال: فما معنى قُبُولكم شهادته؟ فتقدّم المرزبان وقال: يا أفشين كيف تكتب إليك أهل مملكتك؟ قال: كما كانوا يكتبون إلى أبي وجَدّي. قال ابن الزّيّات: فكيف كانوا يكتبون؟ قال: كانوا يكتبون إليه بالفارسيّة ما تفسيره بالعربيّة: إلى الإله من عبده. قال: كذا هو؟ قال: نعم. قال: فما أبقيت لِفرْعَوْن؟ [٣] قال: خفت أن يفسدوا عليّ بتغيير ما يعهدونه. فقال له إسحاق بن إبراهيم الأمير: كيف تحلف لنا باللَّه فنصدّقك، وأنت تدّعي ما ادّعى فِرْعَون. فقال: يا إسحاق، هذه سورة قرأها عُجَيْف على عليّ بن هشام، وأنت تقرءوها عليّ، فانظر غدًا من يقرأها عليك. ثمّ تقدّم مازيار، فقالوا له: تعرف هذا؟ قال: نعم. قالوا: هل كاتبته؟

стр. 8077

قال: لا؟ فقالوا للمازيار: هل كتب إليك؟ قال: كتب إليّ أخوه على لسانه أنّه لم يكن يَنْصر هذا الدّين الأبيض غيري وغيرك وغير بابَك. فأمّا بابَك فإنّه بحُمقه قتل نفسه، فانْ خالفتَ لم يكن للخليفة من يؤمر بقتالك، غيري، ومعي الفُرسان وأهل النجدة والبأس. فإن وُجّهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلّا ثلاثة: العرب، والمغاربة، والأتراك. فأمّا العربيّ فبمنزلة الكلب، أطرح له كِسْرة، ثمّ اضرب رأسه بالدّبُّوس. وهؤلاء الذّئاب [١] ، يعني المغاربة، فإنّهم أَكَلَة رأس، وأمّا التُّرْك، فإنّما هي ساعةٌ حَتّى تَنْفَدَ سهامُهُم، ثمّ تَجُول عليهم الخيلُ جَولَةً، فتأتي على أخرهم، ويعود الدّين إلى ما لم يزل عليه أيّام العجم. فقال الأفشين: هذا يدَّعي على أخي [٢] ، ولو كنت كتبت بهذا إليه لأستميله كان غير مستنكَر، لأنّي إذا نصرت أمير المؤمنين بيدي، كنتُ أن أنصره بالحيلة أحرى لآخذ برقبة ذا. فزجره أحمد بن أبي دُؤَاد وقال: أَمُطَهَّرٌ أنت؟ قال: لا. قال: ما منعك من ذلك؟ قال: خفت التَّلَف [٣] . قال: أنت تلقى الحروب وتخاف من قطع قَلْفَة. قال: تلك ضرورة أصبر عليها، وأمّا القلْفَة فلا، ولا أخرُج بها من الإسلام. فقال أحمد: قد بان لكم أمره. قال: فردّ إلى الحبس [٤] .

стр. 8078

[ذِكر الزلزلة بالأهواز] وفيها زلزلت الأهواز، وسقط أكثر البلد والجامع، وهرب النّاس إلى ظاهر البلد، ودامت الزَّلْزَلة أيّامًا، وتَصَدَّعت الجبال منها [١] . [ذِكر ولاية دمشق] وفيها ولي إمرة دمشق دينار بن عبد الله [٢] ، وعُزِل بعد أيام بمحمد بن الْجَهْم السّاميّ [٣] ، وكِلاهما لم يترجمه ابن عساكر، ولم يذكر من أخبارهما شيئًا.

стр. 8079

ومن سنة ستٍّ وعشرين ومائتين فيها تُوُفّي: إسحاق بن محمد الفرويّ، وإسماعيل بن أبي أُوَيْس، وجندل بن والق، وسعيد بن كثير بن عُفَيْر، وسُنيد بن داود المِصِّيصيّ، وعياش بْنُ الْوَلِيدِ الرقام، وغسان بن الربيع المَوْصِليّ، ومحمد بن مقاتل المَرْوَزِيّ، ويحيى بن يحيى التَّميميّ النَّيْسَابوريّ. [ذِكْر المطر بتَيْمَاء] وفيها في جُمادى الآخرة مُطِرَ أهل تَيْماء، على ما ذكر ابن حبيب الهاشميّ بَرَدًا كالبَيْض، قتل منهم ثلاثمائة وسبعين نفسًا، ونظروا إلى أثر قَدَمٍ طولها نحو ذراع، ومن الخطوة إلى الخطوة نحو خمسة أذرُع. وسمعوا صوتًا: ارحم عبادَك، اعْفُ عن عبادك. [ذِكْر سجن الأفشين وموته] وكان المعتصم قد سجن الأفشين في مكان ضيّق، فذكر حمدون بن إسماعيل قال: بعث معي الأفشين رسالة إلى المعتصم يترقّق له، ويحلف

стр. 8080

ويتنصّل ويتذلّل له، فلم يغن ومنع من الطعام حَتّى مات. ثمّ أخرج وصُلِبَ في شَعْبان [١] . قال الصُّوليّ: أُخْرِج وصُلِبَ، وأُتِيَ بأصنامٍ كانت في داره قد حُمِلَت إليه من أشْرُوسَنَة. فأُحْرِقَتْ وأُحْرِقَ معها [٢] . وقيل: بل تُرِكَ مصلوبًا مدّة. واسمه حيدر بن كاوس من أولاد الأكاسرة، والأفشين لَقَبُ لمن مَلَك أشْرُوسَنَة. وكان موصوفًا بالشّجاعة والرأي والخبرة. وقد مرّ أنّه حارب بابَك وظفر به. وكان أكبر من بقي في دولة المعتصم. [ذِكر المازيار] وأما المازيار صاحب طَبَرِسْتان فاسمه محمد بن قارن. وكان ظَلُومًا غشومًا صادر أهل طَبَرِسْتان وأذلّهم، وجعل السّلاسل في أعناقهم، وخرّب أسوار مدائنهم [٣] . حارب جيوش المعتصم إلى أن انكسر فأُسِرَ، وقُتِلَ أخوه شَهْرَيار. وضُرِبَ هو حَتّى مات، وصُلِبَ إلى جانب بابَك [٤] . وكان عظيمًا عند المأمون يكتب إليه: إلى إِصْبَهْبذ [٥] إصبهان وصاحب طَبَرِسْتان. وكان قد جمع أموالًا لا تُحْصَى. [ذكر عزْل الزُّهْريّ عن قضاء الديار المصرية] وفيها عُزِلَ عن قضاء الدّيار المصرية هارون بن عبد الله الزُّهْريّ الأصمّ،

стр. 8081

ووُلّي محمد بن أبي الَّليْث الحارث بن شدّاد الإياديّ الْجَهْميّ الخوارِزْميّ، وبقي في القضاء نحوًا من عشرِ سنين، ولم يكن محمود السّيرة في أحكامه. وقد امتحن الفقهاء بمصر في القرآن، وحَكَم على بني عبد الله بن عبد الحَكَم بودائع كانت للجرويّ عندهم بألف ألف دينار وأربعمائة ألف دينار، فأقاموا الشُّهود بأن الجرويّ كان قد أبرأهم وأخذ الذي له، فَعَسَفَهم هذا الجهميّ، وعنّتهم [١] .

стр. 8082

سنة سبْعٍ وعشرين ومائتين تُوُفّي فيها: أحمد بن حاتم الطّويل، وأحمد بن عبد الله بن يونس اليَرْبُوعيّ، وإبراهيم بن بشّار الرماديّ، وأبو النَّضْر إسحاق بن إسحاق الفراديسيّ، وإسماعيل بن عَمْرو البَجَليّ، وبِشْر الحافي، وسعيد بن منصور صاحب السنن، وسهل بن بكّار، ومحمد بن حيّان أبو الأزهر، وشُعَيْب بن محرز، ومحمد بن الصّبّاح الدّولابيّ، ومحمد بن عبد الوهّاب الحارثيّ، ومحمد بن هارون المعتصم باللَّه، وأبو الوليد الطَّيَالسيّ، والهيثم بن خارجة، ويحيى بن بِشْر الحريريّ.

стр. 8083

[خروج المبرقع بفلسطين] وفيها خرج بفلسطين أبو حرب [١] ، الذي زعم أنّه السُّفيانيّ، فدعا إلى الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنْكَر أولًا، إلى أن قَوِيَت شوكتهُ، واستفحل أمره. وسبب خروجه أنّ جنديًا أراد النزول في داره فمانَعَتُه أهل المبرقع، فضربها بسَوْطٍ أثّر في ذراعها. فلمّا جاء زوجها بكت وشكت إليه، فذهب إلى الجنديّ وقتله، وهرب. ولبس بُرْقُعًا لئلا يُعرف. ونزل الجبال بجبال الغَوْر [٢] مُبَرْقَعًا، فكان يأتيه الرجل، فيحثّه على الأمر بالمعروف ويعيب الدّولة. فاستجاب له قوم من فلّاحي القُرى، وادّعى أنّه أُمَويّ، وتكاثف الأمر، فسار لحربه رجاء الحصاريّ [٣] أحد قوّاد المعتصم في ألف فارس، فأتاه فوجده في زُهاء مائة ألف. فعسكر بحذائه، ولم يجسر على لقائِه. فلمّا كان أوان الزراعة تفرّق أكثر أولئك في فلاحتهم، وبقي في نحو ألفَين، فواقَعَه رجاء [٤] . وكان المبرقع بطلًا شجاعًا، فحمل على العسكر، فأفرجوا له، ثمّ أحاطوا به، فأسروه وسجنوه، فمات في آخر هذه السنة، وقيل: خنقوه. [ذكر فتنة القيسيّة بدمشق] وفيها بعث المعتصم على دمشق الأمير أبا المغيث الرافقيّ، فخرجت عليه

стр. 8084

طائفة من قَيْس، لكونه أخذ منهم خمسة عشر نفسًا فصلبهم. فأغارت قيس على جبل السلطان، وعسكروا بمرج راهط. فوجّه أبو المغيث جيشًا لقتالهم، فقُتِلَ خلْق من الجيش، وثبتت القيسيّة. ثمّ رجعوا على دمشق، فتحصّن بها أبو المغيث، فوقع حصار شديد، فمات المعتصم والأمرُ على ذلك. قال محمد بن عائذ: قدم دمشق رجاء الحصاريّ، فواقَعَ أهلَ المرج، وجَسْرين، وكَفر بطْنًا، وسقيا، في جُمَادَى الأولى، وأصيب من النّاس خلْق [١] . وقال عليّ بن حرب: كتب الواثق إلى الرَّقّة إلى رجاء الحصاريّ يأمره بالمسير إلى دمشق. فقدِمها، ونزل بدير مُرَّان، والقيسيّة معسكرون بمرج راهط. فوجّه إليهم يسألهم الرجوع إلى الطّاعة. فامتنعوا إلّا أن يَعْزِل أبا المغيث عن دمشق. فأنذرهم القتالَ يوم الاثنين، ثمّ كبسهم يوم الأحد بغتةً بكفْر بَطْنا [٢] . وكان جُمهور القيسيّة بدُومَة [٣] ، فوافاهم وقد تفرّقوا، فوضع السّيف فيهم، وقتل منهم ألفا وخمسمائة. وقتلوا الأطفال، وجرّحوا النّساء، ونهبوا. فهرب ابن بَيْهَس ولحق بقومه بحَوْرَان [٤] . وقُتِلَ ابن عمّ رجاء. وقتل من الأجناد نحو الثلاثمائة [٥] وقد عاش رجاء إلى سنة أربعٍ وأربعين ومائتين. [ذِكر بيعة الواثق باللَّه] وبويع للواثق باللَّه هارون في تاسع عشر ربيع الأول، بعد موت أبيه، بعهد منه [٦]

стр. 8085

_________ [ () ] التاريخ ٦/ ٥٢٨، وتاريخ مختصر الدول ١٤١، ونهاية الأرب ٢٢/ ٢٦٢، والمختصر في أخبار البشر ٢/ ٣٥، وخلاصة الذهب المسبوك ٢٢٣، ٢٢٤، والبداية والنهاية ١٠/ ٢٩٧، والإنباء في تاريخ الخلفاء ١١١، والفخري ٢٣٦، ومختصر التاريخ لابن الكازروني ١٤٢، والنجوم الزاهرة ٢/ ٢٥٢.

стр. 8086

سنة ثمانٍ وعشرين ومائتين فيها تُوُفّي: أحمد بن شَبُّويْه المَرْوَزِيّ، وأحمد بن محمد بن أيّوب، صاحب المغازي، وإبراهيم بن زياد، سَبْلان، وأحمد بن عِمران الأخْنَسيّ، وإسحاق بن بِشْر الكاهليّ الكوفيّ، وبشار بن موسى الخفّاف، وحاجب بن الوليد الأعور، وحمّاد بن مالك الحَرَسْتاني، وداود بن عَمْرو الضَّبّيّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِوَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العنبريّ القاضي، وعبد الله بن عبد الوهّاب الحَجَبيّ، وعبد الرحمن بن المبارك، وأبو نصر عبد الملك بن عبد العزيز التّمّار، وعُبَيْد الله العَيْشيّ، وعليّ بن عَثْام الكوفيّ، وأبو الْجَهْم صاحب الجزء، وعيسى بن إبراهيم البِرَكيّ، ومحمد بن جعفر الوَرْكَانيّ، ومحمد بن حسّان السَّمْتيّ،

стр. 8087

وأبو يَعْلَى محمد بن الصَّلْت التُّوَّزِيّ، والعُتْبيّ الإِخباريّ محمد بن عُبَيْد الله، ومحمد بن عِمران بن أبي ليلى، والمُثَنَّى بن مُعَاذ العنبريّ، ومُسدَّد، ونُعَيْم بن الهيصم، ويحيى الحِمّانيّ. [ذكر وقوع قطعة من جبل العقبة] وفيها وقعت قطعة من الجبل الذي عند جَمْرة العَقَبَة، فَقُتِل جماعة من الحاج [١] ، ﵏.

стр. 8088

سنة تسعٍ وعشرين ومائتين وفيها تُوُفّي: أحمد بن شبيب الحَبَطيّ، وإسماعيل بن عبد الله بن زُرَارة الرَّقّيّ، وثابت بْنُ مُوسَى العابد، وخالد بن هياج الهَرَويّ، وخَلَف بن هشام البزّار، وأبو مِكْيَس الذي زعم أنّه سمع من أنس، وأبو نُعَيْم ضِرار بن صُرد، وعبد الله بن محمد المُسْنديّ، وعبد العزيز بن عثمان المَرْوَزِيّ، وعمّار بن نصر، وعَمْرو بن خالد الحَرّانيّ نزيل مصر، ومحمد بن معاوية النَّيْسَابوريّ، ونُعَيْم بن حمّاد الخزاعيّ، ويحيى بن عَبْدَوَيْه صاحب شُعْبَة، ويحيى بن يوسف الزَّمِّيّ، ويزيد بن صالح الفرّاء النَّيْسَابوريّ.

стр. 8089

[ذكر ما صادره الواثق من أهل الدواوين] وفيها صادر الواثق باللَّه الدّواوين وسجنهم، وضرب أحمد بن أبي إسرائيل ألف سَوْط، وأخذ منه ثمانين ألف دينار، وأخذ من سليمان بن وهب كاتب الأمير إيتاخ أربعمائة ألف دينار، ومن أحمد بن الخصيب وكاتبه ألف ألف دينار. فيقال إنَّهُ أخذ من الكُتّاب في هذه النَّوْبة ثلاثة آلاف ألف دينار [١] .

стр. 8090

سنة ثلاثين ومائتين فيها تُوُفّي: أحمد بن جميل المَرْوَزِيّ، وأحمد بن جناب المِصِّيصيّ، وإبراهيم بن إسحاق الصّينيّ، وإبراهيم بن حمزة الزُّبَيْريّ، وإسحاق بن إسماعيل الطّالْقانيّ، وإسماعيل بن سعيد الشّالنجيّ، شيخ أهل طَبَرِسْتان، وإسماعيل بن عيسى العطار، وسعيد بن عَمْرو الأشعثيّ، وسعيد بن محمد الْجَرْميّ، وَعَبْدُ الله بْنُ طاهر الأمير، وعبد الحميد بن صالح البُرْجُميّ، وعبد العزيز بن يحيى المَدنيّ، نزيل نَيْسَابُور، وعليّ بن الْجَعْد، وعليّ بن محمد الطّنَافِسيّ، وعَوْن بن سلّام الكوفيّ، ومحمد بن إسماعيل بن أبي سَمِينَة، ومحمد بن سَعْد كاتب الواقديّ، وأبو غسّان مالك بن عبد الواحد المِسْمَعيّ، ومحبوب بن موسى الأنطاكيّ،
следующие страницы →