[المجلد الاول]
تقديم الكتاب
بقلم الأستاذ الدّكتور خالد عبد الكريم جمعة مدير معهد المخطوطات العربيّة الحمد لله وحده لا شريك له، والصّلاة والسّلام على رسوله النّبيّ العربي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فحين طلب إليّ الأستاذ محمود الأرناؤوط أن أقدم لهذا الكتاب- الذي يقوم بتحقيقه، وتتولى طبعه دار ابن كثير بدمشق- وجدت نفسي في حيرة شديدة، فماذا يمكنني أن أقول في كتاب بذل محققه ما استطاع من جهد في ضبط نصه والتعليق عليه، وقدم له بمقدمة وافية تحدث فيها عن المؤلّف والكتاب باسطا القول فيهما، فلم يترك زيادة لمستزيد.
إنّ خير ما يمكن قوله: إنّ هذا العمل يزكّي نفسه، فهو عمل سار فيه محققه وفق منهج واضح في التحقيق والتعليق، فبدأ بنسخ الكتاب ومقابلة المخطوطة بالنسخة المطبوعة، ثم أخذ في قراءته على والده مرة أخرى، فضبط الأعلام وخاصة ما يحتاج منها إلى ضبط، وخرّج الآيات القرآنية والأشعار. ثم أضاف في مواطن عديدة- وفي هوامش الكتاب- بعض ما يحتاج إليه القارئ من مهمات الحوادث التي فات المؤلّف ذكرها، مع تتبع للنصوص المنقولة للتأكد من صحتها، وفعل ذلك كله في أناة وصبر ودقة.
وما أحوجنا في هذه الأيام إلى نشر نصوص تراثنا بهذه الطريقة، بعد أن كثر نشر النصوص بصورة سيئة على أيدي بعض المحققين من حملة الشهادات. وقد رأيت من بعض هؤلاء عجبا، حيث يشوهون النصّ تشويها،
стр. 2
ولو أنهم تركوه في خزائن المكتبات مخطوطا لكان خيرا لنا ولهم.
وما أحوجنا أيضا إلى نشر كتب التاريخ الإسلامي التي ما زالت مخطوطة وإعادة نشر ما نشر منها غير محقّق، لما لهذه الكتب من أثر في فهم تاريخنا وتحليل أحداثه تحليلا سليما، بعيدا عن روح العصبية والتحامل.
إن قيام الأستاذ محمود الأرناؤوط بنشر هذا الكتاب يعدّ خدمة جليلة للمهتمين بالتراث العربي الإسلامي، وإسهاما منه في تقديم نصّ ذي قيمة علمية كبيرة إلى قرّاء العربية.
أما والد المحقق الأستاذ المحدّث الشيخ عبد القادر الأرناؤوط- المشرف على تحقيق الكتاب- فقد خرّج أحاديث الكتاب وفق الأسس العلمية الصحيحة في تخريج الحديث، ولا غرو فهو أحد المحدّثين المتمكنين القلائل في أيامنا، وقد يعجز مثلي عن أن يفيه ما يستحقّ من الثناء، فكفاه فخرا أن يكون محقق «جامع الأصول في أحاديث الرسول» لابن الأثير، وأحد محقّقي «زاد المعاد في هدي خير العباد» لابن قيم الجوزية، فجزاه الله كل خير على ما قدم إلى الإسلام وأهله.
وإني لآمل أن يستمر محقق هذا الكتاب الأستاذ محمود الأرناؤوط في بذل الجهد لنشر نصوص أخرى، خدمة لتراثنا العربي الإسلامي.
والحمد لله رب العالمين الكويت: ٢٧/ ربيع الأول/ ١٤٠٦ هـ الموافق ٩/ ديسمبر/ ١٩٨٥ م الدّكتور خالد عبد الكريم جمعة
стр. 3
بسم الله الرّحمن الرّحيم مقدّمة المحقّق
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ٣: ١٠٢ (آل عمران: ١٠٢) .
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً، وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسائَلُونَ به وَالْأَرْحامَ، إِنَّ الله كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ٤: ١ (النساء: ١) .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً ٣٣: ٧٠- ٧١ (الأحزاب:
٧٠، ٧١) .
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أحمدك اللهمّ، يا من حبّبت إلى نفسي طلب العلم، ويسّرت لي أسباب المعرفة بفضلك وكرمك.
стр. 4
وأصلّي وأسلّم على رسولنا محمد، معلّم النّاس الخير، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.
وبعد: فإن من عظيم فضل الله عليّ، أن ولدت في بيت من البيوت التي يذكر فيها اسم الله تعالى صباح مساء، ويتداول العلم في جنباته دراسة وتدريسا آناء الليل وأطراف النهار، وعلى الخصوص من ذلك كتاب الله ، وسنّة نبيّه المطهرة، مما كان له أكبر الأثر في منهجي وتوجهي في الحياة.
وعميد هذا البيت رجل جنّد نفسه للعمل في خدمة مصنفات علماء الأمة الأقدمين ذات الصلة بكتاب الله ، وسنّة نبيّه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، والتصدّي لنصح الناس في المساجد والمجالس في الحلّ والترحال منذ أكثر من ثلاثين عاما، فكنت أينما دخلت في حجرات دارنا- وأنا طفل صغير- ألتقي بكتب والدي، وأوراقه، وأقلامه.
وما من مرة اصطحبني معه فيها إلا وكانت وجهتنا إلى إحدى المكتبات، العامة منها أو الخاصة، وكذلك الحال في زيارة أصدقائه وزملائه، فقد كان معظمهم من أهل العلم والفضل.
ولقد فرض واقع وفاة أمي- ولمّا أبلغ الرابعة من عمري- على أبي أن يجعل منّي رفيقا صغيرا له، وذلك لعدم وجود إخوة لي في تلك الحقبة من الزمن ألهو معهم وأمرح، فلم تخلف أمي سواي، رحمها الله تعالى وأسكنها فسيح جنانه، ولم يكن في الدار غير جدتي لأبي، وكانت متقدمة في السن، فكان حرص أبي على عدم إرهاقها بخدمتي يحمله على اصطحابي معه إلى مكتبه الذي كنت ألتقي فيه مع أعداد أخرى كبيرة من الكتب تآلفت هنا وهناك في المكتبات الجدارية المنتشرة في كل غرفة من غرفه.
وفي ذلك المكتب أيضا التقيت بعدد كبير من العلماء والباحثين والطلبة من زملاء والدي وأصدقائه ومساعديه، وفي مقدمتهم صاحبه وزميله ورفيق دربه
стр. 5
الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط، الذي كان في طليعة من أسهم في تعليمي وتثقيفي وإرشادي وتوجيهي في مراحل مختلفة من الحياة، جزاه الله تعالى خير الجزاء وأحسن مثوبته يوم الدّين.
وكل هذه الأسباب جعلتني أقترب من الكتاب أكثر فأكثر، حتى أصبحت أسيرا طيّعا له، فكنت لا أبرح كتابا، حتى أتناول غيره، ولا أغادر مجلة، حتى أتناول غيرها، وكنت أشغل وقتي في أثناء ركوبي في السيارات والحافلات بقراءة الصحف في أكثر الأحيان.
وكانت أسعد الأوقات في حياتي، هي تلك الساعات التي كنت أقضيها في مساعدة والدي حفظه الله بتصحيح تجارب الطبع لبعض الكتب التي عني بتحقيقها منذ سنوات طويلة.
ثم شدّتني الصحافة إليها، فنشرت عددا من المقالات المنوعة في عدد من المجلات في سورية وغيرها من الأقطار، ثم صنّفت من مجموع ما تخيّرته من تلك المقالات ثلاثة كتب، هي: «الكشكول الصغير» ، و «عناقيد ثقافية» ، و «زهرات الياسمين» .
وكنت في أثناء هذه الفترة التي قضيتها في الاهتمام بالصحافة وما يتصل بها، أعدّ العدّة للعمل بين يدي أبي في خدمة كتب التراث العزيز.
ولما تأكد لأبي حسن نيّتي في الإقدام على ولوج عالم التراث، وجّهني نحو خدمة كتاب «النصيحة في الأدعية الصحيحة» للإمام الحافظ عبد الغني المقدسي، ولا تسأل عن السعادة التي غمرتني وأنا أعمل به، فقد شعرت بأن أحلامي قد تحققت مرة واحدة، وقد صدر الكتاب فيما بعد عن مؤسسة الرسالة في بيروت، وبذلك انتقلت إلى مرحلة جديدة في الحياة، مرحلة الانقطاع الكامل إلى العمل في خدمة كتب التراث. ولقد كانت سعادة أبي في انصرافي إلى العمل في خدمة كتب التراث أعظم من سعادتي، وكيف لا يكون سعيدا من يرى ولده الأكبر يسير على الطريق ذاتها التي سار عليها من قبل؟ الأمر الذي يجعله على يقين بأن الراية التي حملها لن تسقط- بإذن الله- من بعده.
стр. 6
ثم تابعت رحلتي في عالم التراث، فأخرجت كتاب «إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين» لابن طولون محققا للمرة الأولى، وتبعه «عمدة الأحكام» للحافظ عبد الغني المقدسي، و «الأمصار ذوات الآثار» للذهبي، و «شرح الأربعين النووية» ، فكان عملي في هذه الكتب على صغرها قد متّن صلتي بفن التحقيق، وجعلني أنطلق إلى آفاق بعيدة من التفكير في خدمة مصنفات أكبر منها حجما، وأبعد منها أثرا، فكان أن وقع اختياري على هذا الكتاب- «شذرات الذهب» - لجملة أسباب:
أولها: لأنه من كتب التاريخ، وهو الفن الذي أحببته منذ الصغر، وازداد حبّي له أثناء خدمتي لكتاب «إعلام السائلين» ، ومن ثم «الأمصار ذوات الآثار» .
وثانيها: لاحتوائه على تراجم مشاهير المحدّثين وغيرهم من أعيان الزمان، وأنا من المغرمين بدراسة سير الرجال، لما فيها من العبر والفوائد.
وثالثها: لكونه يؤرّخ بإيجاز لفترة زمنية طويلة تمتد لعشرة قرون، الأمر الذي يجعله من أفضل التواريخ المختصرة في نظري.
فعرضت رغبتي في خدمة الكتاب على والدي حفظه الله، وشرحت له رأيي بالكيفية التي يمكن أن يخرج الكتاب على أساسها، فأعجب بالفكرة، وشجعني على المضيّ في تنفيذها، فقلت له: إن انتقال فكرة تحقيق الكتاب إلى حيّز التنفيذ يتوقف على موافقتك على الإشراف على تحقيقه، ومراجعته، وتخريج ما يرد فيه من الأحاديث، فوافق حفظه الله على القيام بذلك، ومن ثم تفضل بالنظر في المنهج الذي وضعته لتحقيق الكتاب فأقرّه بعد مناقشة تناولت عددا من الفقرات فيه.
وكان من توفيق الله تعالى ورعايته، أن قيّض لهذا الكتاب ناشرا فاضلا، عمل في طبع كتاب الله ونشره لفترة طويلة، وأسهم في انتشار عدد كبير من كتب التراث، هو الأستاذ علي مستو صاحب «دار ابن كثير» ، الذي قدّم لنا كلّ ما يمكن أن يسهم في ظهور الكتاب على أفضل وجه، جزاه الله تعالى خير الجزاء، وجعل تجارته رابحة في الدّنيا والآخرة.
стр. 7
وحين تم تحقيق هذا المجلد من الكتاب، طلبت من والدي أن يتولى كتابة مقدمة التحقيق، فاعتذر وقال: إن الكلام عن تحقيق الكتاب من مهام محقّقه، وهو أعلم الناس بما تم من العمل فيه، ولا يليق بالمشرف أن يضع يده على أيّ من حقوق المحقّق، ولو كان ابنه، أو أحد تلامذته المقرّبين.
وأمام واقع الحال هذا توجهت إلى الله تعالى بالسؤال، أن يعينني على كتابة مقدمة تليق بهذا الكتاب العظيم وصاحبه.
وقد رأيت من المفيد أن تتضمن هذه المقدمة نبذة عن أهم المؤرّخين الذين نقل عنهم المؤلف مباشرة، أو بالواسطة، والتعريج على دراسة حياة المؤلف، ثم الكلام عن القيمة الفنية لهذا الكتاب، والمنهج الذي اتبع في تحقيقه، وذلك بالتشاور مع والدي حفظه الله.
ومن ثم قسّمت المقدمة إلى أربعة فصول هي:
١- مشاهير المؤرخين السابقين لابن العماد.
٢- ابن العماد.
٣- القيمة الفنية لكتاب شذرات الذهب.
٤- عملنا في تحقيق الكتاب.
وقد استعنت في إعداد هذه المقدمة بكتب جمهرة من العلماء من متقدمين ومحدثين.
فأسأل الله أن يجعل عملنا هذا متقبلا، وأن يكتب فيه النفع للناس جميعا، وأن يعيننا على إتمام تحقيق بقية الكتاب، إنه خير مسؤول
.
стр. 8
الفصل الأول مشاهير المؤرخين السّابقين لابن العماد
لعلّ أهم ما ينبغي عليّ التأكيد عليه في مستهل هذا الفصل، أن الكلام محصور فيه على المشاهير من علماء التاريخ عند المسلمين ممّن تقدموا ابن العماد واستفاد منهم.
وليس المطلوب أن نستقصي جميع المؤرخين من أصحاب المصنفات التي نقل عنها المؤلف، وإلّا لطال الكلام، وتشعب الموضوع، وخرج بنا عن البرنامج المعدّ لهذه المقدمة بعد دراسة مطولة.
وليس المطلوب من هذا الفصل أيضا أن يحدّث القارئ عن علم التاريخ كفنّ من الوجهة التاريخية، ففي بعض ما كتب في هذين الجانبين من الدراسات والمصنفات كفاية لمن يريد التوسّع في دراسة هذا الموضوع [١] .
وقبل المضي في الكلام عن مشاهير المؤرخين موضوع حديثنا، لا بدّ لنا من الوقوف قليلا عند بعض ما قاله عدد من العلماء المتخصصين في فن التأريخ، وذلك لتقديم إلمامة سريعة بهذا الفن للقارئ الكريم.
стр. 9
قال ابن منظور: التأريخ: تعريف الوقت، والتوريخ مثله، أرّخ الكتاب ليوم كذا: وقّته، والواو فيه لغة، وزعم يعقوب [١] أن الواو بدل من الهمزة، وقيل: إن التأريخ الذي يؤرخه الناس ليس بعربي محض، وإن المسلمين أخذوه عن أهل الكتاب، وتأريخ المسلمين أرّخ من زمن هجرة سيدنا رسول الله ﷺ ، كتب في خلافة عمر ﵁، فصار تاريخا إلى اليوم [٢] .
وقال ابن خلدون: اعلم أن فن التأريخ فن عزيز المذهب، جمّ الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه [٣] في أحوال الدّين والدّنيا، فهو محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثّبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكبان به [٤] عن المزلّات والمغالط، لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثّا أو سمينا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلّوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات، إذ هي مظنّة الكذب، ومطيّة الهذر، ولا بدّ
стр. 10
من ردّها إلى الأصول، وعرضها على القواعد [١] .
وقال السخاوي: [التاريخ] في الاصطلاح: التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال، من مولد للرواة والأئمة، ووفاة، وصحة، وعقل، وبدن، ورحلة، وحج، وحفظ، وضبط، وتوثيق، وتجريح، وما أشبه هذا، مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم ... ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة، من ظهور ملمّة، وتجديد فرض، وخليفة، ووزير، وغزوة، وملحمة، وحرب، وفتح بلد وانتزاعه من متغلّب عليه، وانتقال دولة، وربما يتوسع فيه لبدء الخلق، وقصص الأنبياء، وغير ذلك من أمور الأمم الماضية، وأحوال القيامة ومقدّماتها مما سيأتي، أو دونها كبناء جامع، أو مدرسة، أو قنطرة، أو رصيف، أو نحوها مما يعمّ الانتفاع به مما هو شائع مشاهد، أو خفي سماوي، كجراد، وكسوف، وخسوف، أو أرضي، كزلزلة، وحريق، وسيل، وطوفان، وقحط، وطاعون، وموتان، وغيرها من الآيات العظام، والعجائب الجسام.
والحاصل: أنه فنّ يبحث عن وقائع الزمان، من حيثية التعيين والتوقيت، بل عمّا كان في العالم.
وأما موضوعه، فالإنسان والزمان، ومسائلة أحوالهما المفصّلة للجزئيات تحت دائرة الأحوال العارضة الموجودة للإنسان، وفي الزمان.
وأما فائدته، فمعرفة الأمور على وجهها. ومن أجلّ فوائده أنه أحد الطرق التي يعلم بها النسخ في أحد الخبرين المتعارضين، المتعذّر الجمع بينهما [٢] .
وقال الدكتور شاكر مصطفى: تلك العوامل والحاجات التي أوجدت علم التاريخ في الإسلام لم تأت كلها مجتمعة في وقت واحد، ولكن سبق بعضها بعضا، وتعاون بعضها مع بعض على مدى يزيد على قرنين، ما بين أواسط القرن الأول الهجري، حتى أواسط القرن الثالث، كما أنها لم تكن متساوية في
стр. 11
التأثير، فبعضها لعب دوره في ناحية من نواحي التاريخ، وبعضها لعب الدور في نواح أخرى، وبعضها كان واضح الأثر في عصر بذاته، أو تحت ضغط حادث معين، أو بنتيجة عمل أحد الرواة أو الرجال، أو مجموعة منهم، وبعضها كان دائم التأثير متكرّر الحاجة خلال القرون الأولى للهجرة كلها وفيما بعدها من القرون أيضا. ولم تكن تلك المؤثرات والعوامل من نوع واحد، فإنها كانت تصدر عن جذور سياسية ودينية، صدورها عن أسباب اقتصادية، وقومية، واجتماعية، وبعض هذه العوامل كان ينشئ فروعا من التاريخ من منابع جديدة، وبعضها كان يزيد في خصبه، أو يضيف إليه روافد أخرى مستحدثة، أو من ألوان شتى، وعلى هذا، فإن ظهور التاريخ نشأ عن ميول موجودة في المجتمع الإسلامي، أضيفت إليها مع تطور الزمن دوافع جديدة بعد دوافع، وقد أخذ شكله وتطوره نتيجة عدد كبير متغيّر من العوامل والمؤثرات المتفاوتة في طول الأعمال والتأثير المختلفة في الأنواع أيضا اختلافا واسعا، وقد نجم عن ذلك كله، أن الحصاد التاريخي لفترة نشوء التاريخ قد تميز بعدد من الملامح، ولعلّنا قبل أن نعرض لها مضطرون لأن نقف عند نقطة إشكالية أحاطت بداية التدوين التاريخي والعلمي عامّة عند العرب بالكثير من الغموض، وأوجدت الوهم العلمي الشائع بأن التاريخ والحديث والعلوم الأخرى إنما كانت تروى في البدء الرواية الشفهية، وأنها لم تكتب وتدوّن حتى أواسط القرن الثاني الهجري، والسبب في هذا الوهم المغلوط هو الخلط ما بين ثلاث عمليات متتالية كانت تمرّ بها المعلومات والمعارف التي يتداولها الناس، وتشكّل بالتدريج تراثهم الثقافي، والتحليل هو الذي يكشف عنها.
العملية الأولى: عملية استماع الشهادة من الشهود المباشرين للحدث التاريخي، وهي عملية شفهية خالصة كانت تتم بشكل مباشر بين الشاهد الذي هو المصدر الأوّلي والأساسي للمعلومات، وبين جامع تلك المعلومات من الأفواه، ومعظم معلومات التاريخ الإسلامي الأوليّة إنما جاءت عن هذا الطريق الشفوي.
стр. 12
العملية التالية: عملية حفظ المعلومات، ولم تكن تتم عن طريق الذاكرة، ولا بها وحدها أبدا، ولكن [كانت] تتم في الكثرة الساحقة من الأحوال بالتسجيل والتدوين الكتابي الشخصي، وهذه العملية كانت تجري باستمرار منذ عهد الرسالة نفسه، إذ يدوّن المستمع ما يهمّه من المعلومات لنفسه [١] ، ومهمة التدوين هنا هي معونة الذاكرة على دقة النقل وصحته، وحفظ السمعة بذلك خوف التضعيف، أو خيانة الذاكرة.
العملية الأخيرة: عملية نقل المعلومات في التوثيق ومنع الدسّ والتحريف والزيف كانت تدفعهم إلى أن لا يعتبروا المعلومات جديرة بالثقة ما لم تأت بالنقل المباشر والسماع الشخصي عن أصحابها العارفين بها والحافظين لها، وهذا ما كان يؤخر الصحف المكتوبة إلى مستوى الاهتمام الثانوي ويدفع من
стр. 13
جديد بالرواية الشفهية إلى مستوى الاهتمام الأول [١] .
وقال الأساتذة مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ الشلبي:
لم يكن للعرب قبل مبعث النبيّ ﷺ من مادة التاريخ إلا ما توارثوه بالرواية، مما كان شائعا بينهم من أخبار الجاهلية الأولى، كحديثهم عن آبائهم وأجدادهم، وأنسابهم، وما في حياة الآباء من قصص، فيها البطولة، وفيها الكرم، وفيها الوفاء، ثم حديثهم عن البيت، وزمزم، وجرهم [٢] وما كان من أمرها، ثم ما كان من خبر البيوتات التي تناوبت الإمرة على قريش، وما جرى لسدّ مأرب، وما تبعه من تفرّق الناس في البلاد، إلى أمثال هذا مما قامت فيه الذاكرة مقام الكتاب، واللسان مقام القلم، يعي الناس عنه، ويحفظون، ثم يؤدّون [٣] .
ونعود فيما يلي إلى الحديث عن مشاهير المؤرخين الذين نقل عنهم ابن العماد، مع الحديث بإيجاز عن مصنفاتهم التي اشتهروا من خلالها، وذلك مع مراعاة الترتيب الزمني لوفياتهم.
١- ابن إسحاق
هو محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر، وقيل: أبو عبد الله، القرشي المطلبي، مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، من أقدم مؤرخي العرب، وكان بحرا من بحور العلم، ذكيّا، حافظا طلّابة للعلم، أخباريا، نسّابة علّامة، صاحب «السيرة النبوية» ، وكلّ من تكلم في «السيرة» من بعده فعليه اعتماده.
ولد في المدينة المنورة سنة ثمانين، ورأى أنس بن مالك ﵁ بالمدينة، وسعيد بن المسيّب ﵀، وحدّث عن: أبيه، وعمه موسى بن
стр. 14
يسار، وعن أبان بن عثمان- فيما قيل- وعن بشير بن يسار، وسعيد بن أبي هند، وسعيد المقبري، وطائفة من أهل العلم.
وحدّث عنه: يزيد بن أبي حبيب شيخه، ويحيى بن سعد الأنصاري وهما من التابعين وفاقا، وشعبة، والثوري، والحمّادان، وأبو عوانة، وهشيم، وطائفة من أهل العلم.
وقد ترك ابن إسحاق المدينة ورحل إلى غيرها متنقلا في أكثر من بلد، فقصد الاسكندرية، وحدّث عن جماعة من أهل مصر، منهم: عبيد الله بن المغيرة، ويزيد بن أبي حبيب، وثمامة بن شفي، وغيرهم، ثم رحل إلى الكوفة، والجزيرة، والرّيّ، والحيرة، وبغداد، وفي بغداد ألقى عصا الترحال، والتقى بالمنصور، وصنّف لابنه المهدي كتاب «السيرة» ، وعاش ببغداد حتى وافته المنيّة بها ودفن في مقبرة الخيزران، وقد اختلف في سنة وفاته، فقيل:
سنة مائة وخمسين، وقيل: سنة مائة وإحدى وخمسين، وقيل: سنة مائة واثنتين وخمسين، وقيل: سنة مائة وثلاث وخمسين، والله أعلم بالصواب.
قال الذهبي: روى له مسلم في المتابعات، واستشهد به البخاري، وأخرج أصحاب «السنن» له.
قلت: ومعلوم بأن شهرة ابن إسحاق قامت على تصنيفه ل «السيرة النبوية» التي استوعبت التأريخ لأهم مراحل التاريخ الإسلامي، ألا وهي الفترة النبوية التي شهدت أهم الأحداث العظيمة في تاريخ الأمة الإسلامية، وقد طبعت هذه «السيرة» في تركيا بتحقيق الأستاذ الدكتور محمد حميد الله صاحب «مجموعة الوثائق السياسية» - أمدّ الله في عمره- ولكنها بحاجة إلى المزيد من التحقيق والتخريج ولعله يفعل ذلك مستقبلا إن شاء الله.
٢- الواقدي
هو محمد بن عمر بن واقد الأسلمي بالولاء، المدني، أبو عبد الله، من أقدم المؤرخين في الإسلام، ومن أشهرهم، ومن حفّاظ الحديث، وأحد أوعية
стр. 15
العلم على الرغم من ضعفه المتفق عليه، صاحب «المغازي» . ولد بالمدينة المنورة سنة مائة وثلاثين، وطلب العلم عام بضعة وأربعين، وسمع من صغار التابعين فمن بعدهم بالحجاز، والشام، وغير ذلك.
حدّث عن: محمد بن عجلان، وابن جريج، وثور بن يزيد، ومعمر بن راشد، وأسامة بن عثمان الزّيادي، وغيرهم.
استقضاه المأمون سنة أربع ومائتين على الجانب الشرقي من بغداد، وأكرمه، وأمره أن يصلّي الجمعة بالناس في مسجد الرصافة.
قال وكيع: حدّثني أبو سهل الرازي، عن محمد بن سعد قال: رآني الواقديّ مهموما فقال لي: لا تغتمّ فإن الرزق يأتي من حيث لا تحتسب.
وقال الخطيب البغدادي: كان الواقدي كلما ذكرت له وقعة ذهب إلى مكانها فعاينها.
وقال الذهبي: جمع فأوعى، وخلط الغثّ بالسّمين، والخرز بالدّرّ الثمين، فاطّرحوه [١] لذلك، ومع هذا فلا يستغنى عنه في المغازي، وأيام الصحابة وأخبارهم.
وقال ابن حجر: متروك مع سعة علمه.
مات في ذي الحجة سنة سبع ومائتين، ودفن في مقابر الخيزران وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وصلّى عليه محمد بن سماعة.
قلت: وكتابه «المغازي» الذي قامت عليه شهرته، مطبوع في مصر بتحقيق المستشرق الدكتور مارسدن جونس في ثلاث مجلدات تشتمل على فهارس تفصيلية، وله كتب كثيرة أخرى في علوم متنوعة.
٣- ابن هشام
هو عبد الملك بن هشام البصري النحوي الأخباري، أبو محمد، مهذّب «السيرة النبوية» لابن إسحاق.
стр. 16
كان عالما بالأنساب، واللغة، وأخبار العرب، ولد ونشأ في البصرة.
هذّب «السيرة النبوية» ، وسمعها من زياد البكّائي صاحب ابن إسحاق، وخفّف من أشعارها، وروى فيها مواضع عن عبد الوارث بن سعيد، وأبي عبيدة.
وله كتاب في «المغازي» ، وآخر اسمه «التيجان لمعرفة ملوك الزمان» .
وكان ﵀ إماما في النحو، والأنساب، وأخبار العرب، ويذكر لنا الذهبي، وابن كثير، أنه حين جاء إلى مصر اجتمع به الشافعي، وتناشدا من أشعار العرب أشياء كثيرة. وكان علّامة أهل مصر بالعربية، والشعر.
مات سنة ثمان عشرة ومائتين.
قلت: وقد قامت شهرته على تهذيبه ل «السيرة النبوية» التي صنّفها ابن إسحاق، حتى دعيت هذه «السيرة» ب «سيرة ابن هشام» الأمر الذي جعل العامة من الناس في هذا العصر يظنون أنها من تصنيفه، ناسين ما كان لابن إسحاق من الفضل فيها، وهو الرائد الأول في هذا الفن تماما كما أن تهذيب الحافظ المزّي لكتاب «الكمال في أسماء الرجال» الذي صنّفه الحافظ عبد الغني المقدسي قد قضى على فضل المقدسي في الكتاب في نظر البعض، علما بأن المقدسي هو السابق في الفضل لكثير من العلماء في عصره وبعد عصره أيضا في علم الرّجال.
وقد طبع تهذيب «السيرة النبوية» المشار إليه عدة مرات، أفضلها التي نشرت بتحقيق الأساتذة الأفاضل مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي، وصدرت في مصر.
٤- ابن سعد
هو محمد بن سعد بن منيع البغدادي، أبو عبد الله، كاتب الواقدي، مؤرّخ من حفّاظ الحديث، صاحب «الطبقات الكبرى» .
ولد سنة (١٦٨ هـ) بالبصرة، وطلب العلم في صباه، ولحق الكبار، وكان من أوعية العلم.
стр. 17
سمع من: هشيم بن بشير، وابن عيينة، وأبي معاوية، وابن أبي فديك، ووكيع، وأنس بن عياض، وغيرهم.
وحدّث عنه: أبو بكر بن أبي الدّنيا، والحارث بن أبي أسامة، والحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن فهم، وغيرهم.
رحل إلى بغداد وأقام فيها ملازما لأستاذه الواقدي يكتب له، حتى عرف ب «كاتب الواقدي» ، وكانت له رحلة إلى المدينة، والكوفة، ولا ريب في أن رحلته إلى المدينة تمّت قبل سنة (٢٠٠) هـ، فهو يذكر أنه لقي فيها بعض الشيوخ عام (١٨٩) هـ كما أن أكثر الذين روى عنهم من أهلها أدركتهم المنيّة قبل مطلع القرن الثالث، وفي أثناء حلّه وترحاله كان شغله الشاغل هو لقاء الشيوخ، وكتابة الحديث، وجمع الكتب، ولذلك اتصل بأعلام عصره من المحدّثين، فروى عنهم، وقيد مرويّاته، وأفاد منها في تصنيف كتبه.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن ابن سعد فقال: صدوق، رأيته جاء إلى القواريري وسأله عن أحاديث فحدّثه.
وقال الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» : محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة، وحديثه يدلّ على صدقه، فإنه يتحرّى في كثير من مرويّاته.
مات ببغداد يوم الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة (٢٣٠) هـ، وهو ابن اثنتين وستين سنة.
قلت: وقد قامت شهرته على كتابه «الطبقات الكبرى» المعروف أيضا ب «طبقات ابن سعد» ، وقد نشر هذا الكتاب على أيدي مجموعة من المستشرقين الألمان، ولكن هذه النشرة تفتقر إلى التحقيق ودراسة الأسانيد الواردة فيها.
٥- خليفة بن خيّاط
هو خليفة بن خياط العصفري البصري، أبو عمرو، المقلب ب «شباب»
стр. 18
الإمام المؤرخ العلّامة، صاحب «التاريخ» و «الطبقات» .
نشأ في البصرة في بيت علم، فقد كان جده أبو هبيرة خليفة بن خياط من أهل الحديث، سمع الحديث من عمرو بن شعيب، وحميد الطويل، وروى عنه محدّثون كبار، مثل: عمرو بن منصور، ووكيع بن الجراح، وأبي الوليد الطيالسي، وذكر البخاري أن مسلما حدّث عنه، ولعلّه مسلم بن إبراهيم الفراهيدي البصري، أحد شيوخ البخاري المتوفى سنة (٢٢٢) هـ.
وذكر خليفة في «الطبقات» أن جدّه خليفة مات سنة (١٦٠) [١] .
وقد سمع خليفة المترجم من أبيه، ويزيد بن زريع، وزياد بن عبد الله البكّائي، وسفيان بن عيينة، وغيرهم.
وحدّث عنه: البخاريّ بسبعة أحاديث أو أزيد في «صحيحه» ، وبقيّ بن مخلد، وحرب الكرماني، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأبو بكر بن أبي عاصم، وغيرهم.
وكان صدوقا، نسّابة، عالما بالسّير، والأيام، والرجال كما قال الذهبي.
وقال ابن عدي: هو صدوق من متيقظي الرواة.
وقال ابن حبّان: كان متقنا عالما بأيام الناس وأنسابهم.
وقال ابن خلّكان: كان حافظا عارفا بالتواريخ وأيام الناس، غزير الفضل.
ووصفه ابن كثير بأنه أحد أئمة التاريخ.
مات سنة (٢٤٠) هـ.
قلت: وقد قامت شهرته على كتابيه «التاريخ» و «الطبقات» ، وكلاهما قام بتحقيقه الأستاذ الدكتور سهيل زكّار، ثمّ الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري، وهما من الكتب الرائدة في التاريخ والرجال، ولقد عرفت لهذا المؤرّخ الكبير فضله لدى رجوعي إلى كتابة «التاريخ» أثناء تحقيقي لهذا المجلد من الكتاب،
стр. 19
فقد تأكد لي بأن اختصاره للتدوين يعود إلى أمانته وحذره ﵀.
٦- البخاريّ
هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري، أبو عبد الله، الإمام الكبير، صاحب «الصحيح» و «التاريخ الكبير» وغيرهما.
ولد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة (١٩٤) هـ، ورحل في طلب العلم إلى جميع محدّثي الأمصار، وكتب بخراسان، والجبال، والعراق، والحجاز، والشام، ومصر، وأخذ الحديث عن مشاهير الحفّاظ، منهم: مكّي بن إبراهيم البلخي، وعبدان بن عثمان المروزي، وعبيد الله بن موسى العبسي، وأبو عاصم الشيباني، وورد على المشايخ وله إحدى عشرة سنة، وطلب العلم وله عشر سنين. وأخذ عنه الحديث خلق كثير في كل بلدة حدّث بها.
ولما قدم بغداد، وسمع أصحاب الحديث بقدومه، اجتمعوا، وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، لكل رجل عشرة أحاديث، فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال لا أعرفه، حتى فرغ من العشرة، والبخاري يقول: لا أعرفه، فأما العلماء فعرفوا بإنكاره أنه عارف، وأمّا غيرهم فلم يدركوا ذلك منه. ثم انتدب رجل آخر من العشرة، فكان حاله معه كذلك، ثم انتدب آخر بعد آخر إلى تمام العشرة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه. فلما فرغوا، التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك، فهو كذا، والثاني كذا، على النسق إلى آخر العشرة، فردّ كلّ متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، ثم فعل بالباقين مثل ذلك، فأقرّ الناس له بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل. وقال: خرّجت كتاب «الصحيح» من زهاء ستمائة ألف حديث، وما وضعت
стр. 20
فيه حديثا إلا صلّيت ركعتين، وهو أول من وضع في الإسلام كتابا على هذا النحو.
مات ليلة الفطر سنة (٢٥٦) هـ. وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يوما.
قلت: وقد قامت شهرته على كتابه «الصحيح» كما هو معلوم، ويأتي بالمنزلة الثانية بعد «الصحيح» من كتبه كتابه «التاريخ الكبير» وقد تكلم فيه عن رواة الحديث والآثار فأجاد وأفاد، جزاه الله تعالى عن المسلمين خير الجزاء، وقد طبع بعناية العلّامة المحقّق الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني ﵀، وطبع في تركيا بدار مكتبة أزدمير بمدينة ديار بكر، وقد صدرت هذه الطبعة في تسع مجلدات بعناية الدكتور محمد عبد المعيد خان.
٧- ابن قتيبة
هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوري، وقيل المروزي، أبو عبد الله، الإمام العلّامة الكبير، ذو الفنون، صاحب «المعارف» ، و «عيون الأخبار» ، و «أدب الكاتب» ، وغير ذلك من المصنفات العديدة المفيدة.
ولد ببغداد سنة (٢١٣) هـ، وأخذ العلم بها عن: إسحاق بن راهويه، ومحمد بن زياد بن عبيد الله الزيادي، وزياد بن يحيى الحساني، وأبي حاتم السجستاني، وطائفة.
وأخذ العلم عنه: ابنه القاضي أحمد بن عبد الله، بديار مصر، وعبيد الله السّكّري، وعبيد الله بن أحمد بن بكر، وعبد الله بن جعفر بن رستويه النّحوي، وغيرهم.
قال الذهبي: ليس ابن قتيبة بصاحب حديث، وإنما هو من كبار العلماء المشهورين، عنده فنون جمّة، وعلوم مهمة.
وقال قاسم بن أصبغ: كنا عند ابن قتيبة، فأتوه وبأيديهم المحابر، فقال:
стр. 21
اللهمّ سلّمنا منهم. فقعدوا، ثم قالوا: حدّثنا- رحمك الله- قال: ليس أنا ممّن يحدّث، إنما هذه الأوضاع، فمن أحبّ؟ قالوا له: ما يحلّ لك هذا، فحدّثنا بما عندك عن إسحاق بن راهويه، فإنه لا نجد فيه إلا طبقتك، وأنت عندنا أوثق.
قال: لست أحدّث. ثم قال لهم: تسألوني أن أحدّث وببغداد ثمان مائة محدّث، كلهم مثل مشايخي!، لست أفعل. فلم يحدّثهم بشيء.
وكان موته فجاءة، وذلك سنة ست وسبعين ومائتين، وقيل: إنه أكل هريسة، فأصابته حرارة، فصاح صيحة شديدة ثم أغمي عليه، ثم أفاق، فما زال يتشهد حتى مات.
قلت: وقد قامت شهرة ابن قتيبة على مجموعة من كتبه، ومن أهمها الكتب المنوّه عنها في صدر الترجمة. وقد طبع الأول منها مرتين، الأولى بعناية الأستاذ محمد إسماعيل عبد الله الصاوي، وهي طبعة تجارية تفتقر إلى التحقيق والضبط والتصحيح. والثانية بتحقيق وتقديم الأستاذ الدكتور ثروة عكاشة، وهي طبعة جيدة. وطبع الثاني في دار الكتب المصرية، وهي طبع جيدة، ولكنها تفتقر إلى المزيد من الخدمة والتحقيق. وطبع الثالث منها عدة مرات، أفضلها التي صدرت عن مؤسسة الرسالة في بيروت بتحقيق الأستاذ محمد أحمد الدالي.
٨- الفسوي
هو يعقوب بن سفيان بن جوان الفسوي، أبو يوسف، أحد الأئمة الكبار، محدّث بلاد فارس في عصره. صاحب «المعرفة والتاريخ» ، و «المشيخة» .
ولد في حدود سنة تسعين ومائة في دولة الرشيد ببلدة فسا [١] ، وهي
стр. 22
حاضرة مقاطعة دارابجرد في إقليم فارس، ولم تكن مدينة فسا من المراكز العلمية في دراسة الحديث النبوي وعلومه في عصره، الأمر الذي جعله يرحل إلى مراكز العلم في سنّ مبكرة رغبة في سماع الحديث من أعلام المحدّثين في أمصار مختلفة، فسمع من أبي عاصم النبيل، وعبيد الله بن موسى، ومكّي بن إبراهيم، وأبي عبد الرحمن المقرئ، وغيرهم.
وحدّث عنه: أبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن النسائي، وإبراهيم بن أبي طالب، والحسن بن سفيان الفسوي، وغيرهم.
وحدّث عنه: أبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن النسائي، وإبراهيم بن أبي طالب، والحسن بن سفيان الفسوي، وغيرهم.
وقد حظي بتقدير العلماء، وكبار النقاد من أعصر مختلفة وبيئات عديدة، فقال أبو زرعة الدمشقي: كان نبيلا جليل القدر. ووصفه ابن حبّان البستي بالورع والنسك والصلابة في السّنّة. وقال عنه أبو عبد الله الحاكم النيسابوري صاحب «المستدرك» : هو إمام أهل الحديث بفارس. ووثّقه ابن حجر في «التقريب» . وقال ابن العماد: كان ثقة بارعا عارفا ماهرا.
مات سنة سبع وسبعين ومائتين.
قلت: وقد طبع كتابه «المعرفة والتاريخ» طبعة متقنة بتحقيق الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري في ثلاثة مجلدات في العراق أول الأمر، ثم صدرت طبعته الثانية عن دار مؤسسة الرسالة في بيروت منذ سنوات قليلة.
٩- أبو زرعة الدّمشقي
هو عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان بن عمرو النّصري الدمشقي، أبو زرعة، الإمام الصادق، محدّث الشام في عصره، صاحب «التاريخ» ، وغير ذلك من التصانيف.
ولد قبل سنة مائتين، وروى عن أبي نعيم الفضل بن دكين، وهوذة بن خليفة، وعفان بن مسلم، وأبي مسهر الغسّاني، وغيرهم.
وحدّث عنه: أبو داود في «سننه» ، ويعقوب الفسوي، وأحمد بن المعلّى
стр. 23
القاضي، وأبو بكر بن أبي داود، وغيرهم.
وقد جمع، وصنّف، وذاكر الحفّاظ، وتميّز، وتقدّم على أقرانه لمعرفته وعلوّ سنده.
قال الذهبي: لمّا قدم أهل الرّيّ إلى دمشق أعجبهم علم أبي زرعة، فكنّوا صاحبهم الحافظ عبيد الله بن عبد الكريم بكنيته.
وقال ابن ناصر الدين: علم، حافظ، ثبت.
مات سنة إحدى وثمانين ومائتين [١] .
قلت: و «تاريخه» منشور في «مجمع اللغة العربية» بدمشق في مجلدين بتحقيق الأستاذ شكر الله بن نعمة الله القوجاني، وهي نشرة جيدة متقنة.
١٠- أبو حنيفة الدّينوري
هو أحمد بن داود بن ونند الدينوري، أبو حنيفة، الإمام المؤرّخ، المهندس، النباتي، أحد نوابغ الدهر، صاحب «الأخبار الطوال» ، وغير ذلك من المصنفات.
ولد في مدينة الدينور من أعمال الجبال بأرض فارس [٢] ، ونشأ في أسرة من أصل فارسي، وقد عاش معظم حياته في تلك المدينة، وأمضى شبابه في الرحلات، وقادته هذه الرحلات إلى بلاد ما بين النهرين، ثم امتدت به أسفاره إلى المدينة المنورة، وإلى بيت المقدس، وإلى شواطئ الجزيرة العربية من جهة الخليج، فعاش في هذه البلدان فترات مختلفة، ثم انتقل إلى أصفهان سنة (٢٣٥) هـ وعاش بها مدة، اشتغل فيها برصد الكواكب.
قال أبو حيّان: الذي أقوله وأعتقده، وآخذ به، وأستهام عليه، أني لم أجد
стр. 24
في جميع من تقدم وتأخر إلا ثلاثة، لو اجتمع الثّقلان على تقريظهم ومدحهم ونشر فضائلهم في أخلاقهم، وعلمهم، ومصنفاتهم، ووسائلهم مدى الدّنيا إلى أن يأذن الله بزوالها، لما بلغوا آخر ما يستحقه كل واحد منهم، أحدهم عمرو بن بحر، والثاني أبو حنيفة بن داود الدينوري، فإنه من نوادر الرجال، جمع بين حكمة الفلاسفة، وبيان العرب، له في كل فنّ ساق وقدم، ورواء وحكم.
وأما الثالث فهو أبو زيد البلخي.
نعم لقد كان أبو حنيفة عالما في شتى العلوم والمعارف، حباه الله بعقلية علمية واسعة، واستوعبت معارف كثيرة انفرد بها عن علماء فترته وما تلاها ممّن كان لهم شأن في تاريخ الأدب العربي، وعلوم اللغة، فلقد كان أبو حنيفة عالما في كثير من فروع العلم، وكان دائما مجدّدا، وظل مع كل هذا مبدعا دون تكرار عن أسلافه ومعاصريه.
مات سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
وكتابه «الأخبار الطوال» من أهم المصادر التاريخية الأولى، وغاية في سرد حوادث الحياة المعاشية، والسياسية، والحربية عند الفرس، وفي الإبانة عن الأحداث الدقيقة في الدولة الإسلامية حتى عهد الخليفة العباسي المعتصم بالله، وقد طبع في مصر بتحقيق الأستاذ عبد المنعم عامر، ومراجعة الدكتور جمال الدين الشيّال، وهي طبعة جيدة متقنة منتشرة.
١١- الطّبري
هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، أبو جعفر، الإمام المؤرّخ المفسّر الكبير صاحب «التفسير» ، و «التاريخ» .
ولد في آمل [١] طبرستان سنة أربع وعشرين ومائتين، وطلب العلم بعد
стр. 25
الأربعين ومائتين، وأكثر الترحال، ولقي نبلاء الرّجال، وكان من أفراد الدّهر علما، وذكاء، وكثرة تصانيف، قلّ أن ترى العيون مثله.
وسمع من محمد بن عبد الملك بن أبي الشّوارب، وإسماعيل بن موسى السّدّي، وإسحاق بن أبي إسرائيل، ومحمد بن أبي معشر، وغيرهم.
وحدّث عنه: أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحرّاني- وهو أكبر منه-، وأبو القاسم الطّبراني، وأحمد بن كامل القاضي، وأبو بكر الشّافعي، وأبو أحمد بن عدي، وغيرهم كثير.
واستقرّ في أواخر أمره ببغداد، وكان من كبار أئمة الاجتهاد.
قال الخطيب البغدادي: كان محمد بن جرير أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظا لكتاب الله تعالى، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسّنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، عارفا بأيام الناس وأخبارهم [١] .
وقال الذهبي: كان ثقة، صادقا، حافظا، رأسا في التفسير، إماما في الفقه والإجماع والاختلاف، علّامة في التاريخ وأيام الناس، عارفا بالقراءات وباللغة، وغير ذلك.
قال ابن خزيمة: ما أعلم على الأرض أعلم من محمد بن جرير.
ووصفه ابن العماد بالحبر، البحر، الإمام.
مات سنة عشر وثلاثمائة، وقد رثاه ابن دريد بقصيدة مطوّلة، منها قوله:
لو تعلم الأرض من وارت لقد خشعت ... أقطارها لك إجلالا وترحيبا
стр. 26
إن يندبوك فقد ثلّت عروشهم ... وأصبح العلم مرثيّا ومندوبا
ومن أعاجيب ما جاء الزّمان به ... وقد يبين لنا الدّهر الأعاجيبا
أن قد طوتك غموض الأرض في لحف ... وكنت تملأ منها السّهل واللّوبا
قلت: وقد قامت شهرته على كتابيه «التاريخ» ، و «التفسير» ، وقد طبع الأول منهما في مصر طبعة متقنة في دار المعارف بتحقيق المحقق المعروف الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم.
وطبع من الثاني ستة عشر مجلدا في دار المعارف أيضا، وقد تولى تحقيقها العالم المحقّق الأستاذ محمود محمد شاكر، بإشراف شقيقه العلّامة المحقّق الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀ في أجزائه الأولى، ثم انفرد بتحقيقه في بقيتها. ونسأل الله أن يلهم محقّقه متابعة تحقيق ما بقي من أجزائه، إنه تعالى خير مسؤول.
١٢- ابن أبي حاتم
هو عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الرّازي الحنظلي الغطفاني، أبو محمد، المعروف بابن أبي حاتم، لأن كنية أبيه أبو حاتم. صاحب كتاب «الجرح والتعديل» ، وغير ذلك من المصنفات المشهورة.
ولد سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومائتين بالرّيّ، ولم يدعه أبوه الإمام العالم الكبير أبو حاتم الرازي يطلب الحديث حتى قرأ القرآن على الفضل بن شاذان، وهو من العلماء المقرئين، ثم شرع في الطلب على أبيه، وعلى الإمام أبي زرعة الرازي، وغيرهما من محدّثي بلده الرّي.
قال أبو الحسن علي بن إبراهيم الرازي في ترجمة عملها لابن أبي حاتم:
стр. 27
كان ﵀ قد كساه الله نورا وبهاء، يسرّ من ينظر إليه. سمعته يقول: رحل بي أبي سنة خمس وخمسين ومائتين، وما احتلمت بعد، فلما بلغنا ذا الحليفة احتلمت، فسرّ أبي، حيث أدركت حجة الإسلام، فسمعت في هذه السنة من محمد بن أبي عبد الرحمن المقرئ.
قال الذهبي: وسمع من أبي سعيد الأشج، والحسن بن عرفة، والزعفراني، ويونس بن عبد الأعلى ... وخلائق من طبقتهم وممّن بعدهم بالحجاز، والعراق، والعجم، ومصر، والشام، والجزيرة، والجبال.
وروى عنه: ابن عدي، وحسين بن علي التميمي، والقاضي يوسف الميانجي، وأبو الشيخ بن حيّان، وأبو أحمد الحاكم، وعلي بن عبد العزيز بن مردك ... وخلق سواهم.
وقال أبو يعلى الخليلي: أخذ أبو محمد علم أبيه، وأبي زرعة، وكان بحرا في العلوم ومعرفة الرّجال. وقال أيضا: يقال: إن السّنّة بالرّي ختمت بابن أبي حاتم.
قال الذهبي: ومن كلامه قال: وجدت ألفاظ التعديل والجرح مراتب، فإذا قيل: ثقة، أو متقن، احتجّ به، وإن قيل: صدوق، أو محلّه الصدق، أو لا بأس به، فهو ممّن يكتب حديثه، وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية، وإذا قيل: شيخ، فيكتب حديثه، وهو دون ما قبله، وإذا قيل: صالح الحديث، فيكتب حديثه وهو دون ذلك يكتب حديثه للاعتبار، وإذا قيل: ليّن، فدون ذلك، وإذا قالوا:
ضعيف الحديث، فلا يطرح حديثه، بل يعتبر به، فإذا قالوا: متروك الحديث، أو ذاهب الحديث، أو كذّاب، فلا يكتب حديثه.
مات سنة سبع وعشرين وثلاث مائة بالرّي، وله بضع وثمانون سنة.
قلت: وقد قامت شهرته على كتابه «الجرح والتعديل» وهو مطبوع في حيدر أباد بالهند في تسع مجلدات بعناية العلّامة المحقّق الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني طيّب الله ثراه
.
стр. 28
١٣- المسعودي
هو علي بن الحسين بن علي المسعودي، أبو الحسن، من ذريّة عبد الله بن مسعود ﵁، صاحب «أخبار الزمان ومن أباده الحدثان» و «مروج الذهب» وغير ذلك من المصنفات التاريخية المتنوعة.
ولد في بغداد [١] وأخذ العلم فيها وفي غيرها من الأمصار. ورحل في الآفاق إلى أن حطّت رحاله في مصر، فأقام فيها إلى أن مات.
قال الذهبي: وكان أخباريّا، صاحب ملح وغرائب وعجائب وفنون، وكان معتزليا، أخذ العلم عن أبي خليفة الجمحي، ونفطويه، وعدّة.
وقال ابن حجر: ذكره ابن دحية في «كتاب صفين» فقال: مجهول لا يعرف، ونكرة لا يتعرف، كذا قال ولم يصب.
قال الذهبي: مات في جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وثلاث مائة.
وذكر غيره بأنه مات سنة ست وأربعين وثلاث مائة.
قلت: وقد قامت شهرة المسعودي على كتابيه المشار إليهما في صدر الترجمة، وقد ذكر الزركلي ﵀ بأن كتابه «أخبار الزمان» يقع في ثلاثين مجلدا بقي منه الجزء الأول مخطوطا، ولم يذكر مكان وجوده. وأما كتابه «مروج الذهب» فقد طبع أول مرة في باريس بفرنسا في تسع مجلدات من الحجم الصغير، ولكن آفة هذه الطبعة أنها قدمت إلى القرّاء وكتبت هوامشها باللغة الفرنسية الأمر الذي قلل من إمكانية الفائدة منها. وطبع للمرة الثانية في بيروت بتحقيق المستشرق شارل بلا، وقد صدرت هذه الطبعة في أربعة مجلدات. ثم طبع في المكتبة التجارية الكبرى في مصر بتحقيق العلّامة المحقق الشيخ محمد محيي الدّين عبد الحميد رحمه الله تعالى، وقد صدرت هذه الطبعة في أربعة مجلدات أيضا، وهي أفضل طبعة صدرت من الكتاب، وهذا الكتاب هو أحد مصادر ابن العماد في كتابه.
стр. 29
١٤- ابن حبّان
هو محمد بن حبّان بن أحمد بن حبّان التميمي البستي، أبو حاتم، الإمام العلّامة، شيخ خراسان في عصره، صاحب «الصحيح» ، و «مشاهير علماء الأمصار» ، وغيرهما من المصنفات المشهورة. ولد سنة بضع وسبعين ومائتين في بست من إقليم سجستان، وتنقل في الأقطار، فرحل إلى خراسان، والشام، ومصر، والعراق، والجزيرة، ونيسابور، والبصرة، وغير ذلك من الأمصار.
وأكبر شيخ لقيه أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، سمع منه بالبصرة، ومن زكريا السّاجي، وسمع بمصر من أبي عبد الرحمن النسائي، وإسحاق بن يونس المنجنيقي، وعدّة، وبالموصل من أبي يعلى أحمد بن علي، وبنسإ من الحسن بن سفيان، وبجرجان من عمران بن موسى بن مجاشع السّختياني، وببغداد من أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصّوفي وطبقته، وبدمشق من جعفر بن أحمد، ومحمد بن خريم، وخلق، وفي غير ذلك من الأمصار.
وحدّث عنه: أبو عبد الله بن مندة، وأبو عبد الله الحاكم، ومنصور بن عبد الله الخالدي، وأبو معاذ عبد الرحمن بن محمد بن رزق الله السجستاني، وغيرهم.
قال أبو سعد الإدريسي: كان على قضاء سمرقند زمانا، وكان من فقهاء الدّين، وحفّاظ الآثار، عالما بالطب، والنجوم، وفنون العلم، صنّف «المسند الصحيح» [١] ، وكتاب «التاريخ» ، وكتاب «الضعفاء» ، وفقّه الناس بسمرقند.
وقال الحاكم: كان ابن حبّان من أوعية العلم في الفقه، واللغة، والحديث، والوعظ، ومن عقلاء الرجال.
وقال الخطيب البغدادي: كان ابن حبّان ثقة نبيلا فهما.
وقال ابن العماد: كان حافظا، ثبتا، إماما، حجّة، أحد أوعية العلم.
стр. 30
قال السمعاني: مات في شوّال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، ودفن ببست في الصّفّة التي ابتناها بقرب داره التي هي اليوم مدرسة لأصحابه، ولهم جرايات يستنفقونها.
قلت: وقد قامت شهرته عند أهل العلم على كتابه «المسند الصحيح» الذي رتبه الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي المتوفى سنة (٧٣٩) هـ، وهو الذي يطبع في مؤسسة الرسالة في بيروت، وقد صدر المجلد الأول منه بتحقيق الأستاذ حسين سليم الأسد، والشيخ شعيب الأرناؤوط.
وعلى كتابه الآخر «مشاهير علماء الأمصار» المطبوع بعناية المستشرق الألماني الدكتور مانفريد فلايشهمر، وهي طبعة سقيمة تفتقر إلى الضبط، والتحقيق، وجمال الإخراج، وقد صدرت في مصر.
١٥- أبو نعيم الأصبهاني
هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران المهراني الأصبهاني، أبو نعيم، الإمام الحافظ المؤرّخ الكبير، صاحب «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» ، و «دلائل النبوة» ، و «معرفة الصحابة» ، وغير ذلك من المصنفات المفيدة النافعة.
ولد في أصبهان سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وأخذ العلم عن جمهرة كبيرة من العلماء الأعلام، وأخذ العلم عنه طائفة كبيرة من أهل العلم.
وقد تضاربت الآراء فيما يتصل بتوثيقه وضعفه عند أصحاب السّير والتراجم، وإليك البعض مما قالوه:
قال ابن ناصر الدّين: لا يلتفت إلى قول من تكلم فيه لأنه صدوق عمدة.
وقال الخطيب البغدادي: لم أر أحدا أطلق عليه اسم الحفظ غير أبي نعيم، وأبي حازم.
وقال مردويه: لم يكن في أفق من الآفاق أحفظ ولا أسند منه.
стр. 31
وقال ابن العماد: تفرّد في الدّنيا بعلو الإسناد، مع الحفظ والاستبحار في الحديث وفنونه.
وقال ابن كثير: قال الخطيب البغدادي: كان أبو نعيم يخلط المسموع له بالمجاز، ولا يوضّح أحدهما من الآخر.
وقال أيضا: قال عبد العزيز النّخشبي: لم يسمع أبو نعيم «مسند الحارث بن أبي أسامة» من أبي بكر بن خلّاد بتمامه، فحدّث به كله.
وقال ابن الجوزي: سمع الكثير، وصنّف الكثير، وكان يميل إلى مذهب الأشعري في الاعتقاد ميلا كثيرا.
توفي في الثامن والعشرين من المحرم سنة ثلاثين وأربعمائة.
قلت: وقد قامت شهرة الرجل على كتابه الكبير الشهير «حلية الأولياء» الذي قال فيه ابن ناصر الدّين: لما صنّف [أبو نعيم] كتاب «الحلية» حملوه إلى نيسابور، فبيع بأربعمائة دينار.
وقال ابن كثير: دلّت «حلية الأولياء» على اتساع روايته، وكثرة مشايخه، وقوة اطّلاعه على مخارج الحديث، وشعب طرقه.
وقد طبعت «الحلية» منذ عهد بعيد طبعة تجارية تفتقر إلى التحقيق والتخريج والإخراج اللائق بها، وقد صوّرت تلك الطبعة مرات كثيرة فيما بعد.
وأما كتابه «دلائل النبوّة» فقد طبع مرتين، الأولى طبعة تجارية في مجلد واحد، والثانية علمية جيدة، تولى تحقيقها الدكتور محمد رواس قلعجي، وخرّج أحاديثها الأستاذ عبد البرّ عباس، وقد صدرت مصوّرة جديدة عن هذه الطبعة عن دار ابن كثير بدمشق، والمكتبة العربية بحلب.
وأما كتابه «معرفة الصحابة» فهو مخطوط، قال الزركلي: بقيت منه مخطوطة في مجلدين، عليها قراءة سنة (٥٥١ هـ) في مكتبة أحمد الثالث بطوبقبو سراي باستانبول رقم (٤٩٧) كما في مذكرات الميمني.
стр. 32
١٦- ابن حزم
هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، أبو محمد، عالم الأندلس في عصره، وأحد الأئمة الإسلام، صاحب «المحلّى» ، و «جمهرة أنساب العرب» ، وغيرهما من المصنفات الكثيرة النافعة.
ولد بقرطبة من بلاد الأندلس في شهر رمضان سنة (٣٨٤) هـ، ونشأ في نعمة سابغة، وجاه عريض، وكانت له ولأبيه من قبله رياسة الوزارة وتدبير المملكة، فزهد بها وانصرف إلى العلم والتأليف، فكان من صدور الباحثين، فقيها، حافظا، يستنبط الأحكام من الكتاب والسّنّة، بعيدا عن المصانعة.
وكان إليه المنتهى في الذكاء، والعربية، والآداب، والمنطق، والشعر، مع الصدق، والديانة، والحشمة، والسؤدد، والرياسة، والثروة، وكثرة الكتب.
قرأ ابن حزم على أبي عمر أحمد بن الحسين، ويحيى بن مسعود، وأبي الخيار مسعود بن سليمان الظاهري، ويونس بن عبد الله القاضي، ومحمد بن سعيد بن ساني، عبد الله بن الربيع التميمي، وعبد الله بن يوسف بن نامي، وغيرهم.
وروى عنه أبو عبد الله الحميدي صاحب «جذوة المقتبس» فأكثر الرواية عنه، كما روى عنه بالإجازة سريج بن محمد بن سريج المقبري، فكان خاتمة من روى عنه.
ونشر علمه بالمشرق ولده أبو رافع، كما روى عنه ابناه: أبو أسامة يعقوب، وأبو سليمان المصعب، وممّن تتلمذ له الوزير الإمام أبو محمد بن المغربي، صحبه سبعة أعوام سمع فيها جلّ مصنفاته، واستمرت قراءته عليه إلى سنة وفاته.
قال الغزالي: وجدت في أسماء الله تعالى كتابا لأبي محمد بن حزم يدلّ على عظم حفظه، وسيلان ذهنه.
وقال ابن صاعد في «تاريخه» : كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة
стр. 33
لعلوم الإسلام، وأوسعهم مع توسّعه في علم اللسان، والبلاغة، والشعر، والسّير، والأخبار.
وقال ابن خلّكان: كان حافظا، عالما بعلوم الحديث، مستنبطا للأحكام من الكتاب، والسّنّة ... وكان متفننا في علوم جمّة، عاملا بعلمه، زاهدا في الدّنيا بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير الملك، متواضعا ذا فضائل وتآليف كثيرة.
ولكنه كان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين، لا يكاد أحد يسلم من لسانه، فنفرت عنه القلوب، واستملل من فقهاء وقته، فمالوا على بغضه، وردّوا قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنّعوا عليه، وحذّروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامّهم عن الدنوّ إليه، والأخذ عنه، فأقصته الملوك، وشرّدته عن بلاده.
وقال ابن العريف: كان لسان ابن حزم، وسيف الحجّاج شقيقين.
مات مشردا عن بلده من قبل الدولة ببادية لبلة [١] بقرية له، ليومين بقيا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة.
قلت: وقد أشتهر ابن حزم بكتابيه «المحلى» وهو في الفقه، وقد نشر في مصر، وقام بتحقيقه العلّامة الشيخ أحمد محمد شاكر، والشيخ عبد الرحمن الجزيري، وأتمه الشيخ محمد منير الدمشقي، وقد صدر في أحد عشر مجلدا.
و «جمهرة أنساب العرب» وهو من خيرة كتب الأنساب، وقد نشر في دار المعارف بمصر عام ١٣٨٢ هـ بتحقيق الأستاذ المحقّق عبد السلام محمد هارون، وهي طبعة جيدة متقنة مفهرسة.
١٧- الخطيب البغدادي
هو أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، أبو بكر،
стр. 34
المعروف، بالخطيب [١] ، أحد الأئمة الأعلام، وصاحب التآليف المنتشرة في الإسلام، وأشهرها «تاريخ بغداد» و «الكفاية في علم الرواية» ، و «شرف أصحاب الحديث» ، و «اقتضاء العلم العمل» ، وغير ذلك من المصنفات.
ولد في شهر جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة في غزية بمنتصف الطريق بين الكوفة ومكة، ونشأ في بغداد، ورحل إلى البصرة، وأصبهان، وخراسان، والحجاز، والشام، والكوفة، والدينور، وغير ذلك من الأمصار، وشيوخه أكثر من أن يذكروا، منهم القاضي أبو الطيب الطبري، وأبو الحسن المحاملي، وأبو عمر بن مهدي، وابن الصلت الأهوازي.
قال السّمعاني: كان إمام عصره بلا مدافعة، وحافظ وقته بلا منازعة، صنّف قريبا من مائة مصنّف صارت عمدة لأصحاب الحديث.
وقال الأمير ابن ماكولا: كان أحد الأعيان ممّن شاهدناه: معرفة، وحفظا، وإثباتا، وضبطا لحديث رسول الله ﷺ ، وتفننا في علله وأسانيده، وعلما بصحيحه وغريبه، وفرده ومنكره، قال: ولم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثله.
وقال ابن الأهدل: تصانيفه قريب من مائة مصنف في اللغة، وبرع فيها، ثم غلب عليه الحديث والتأريخ.
وقال أبو علي البرداني: لعلّ الخطيب لم ير مثل نفسه.
قال ابن عساكر: سمعت الحسين بن محمد يحدّث عن أبي الفضل بن خيرون أو غيره، أن الخطيب ذكر أنه لما حجّ شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله ثلاث حاجات، أخذا بالحديث: «ماء زمزم لما شرب له» [٢] .
الحاجة الأولى: أن يحدّث بتاريخ بغداد بها [٣] .
стр. 35
الثانية: أن يملي الحديث بجامع المنصور.
الثالثة: أن يدفن عند بشر الحافي.
فقضى الله له ذلك.
وقال أبو الحسن الهمذاني: مات هذا العلم [١] بوفاة الخطيب، وقد كان رئيس الرؤساء [٢] تقدم إلى الوعاظ والخطباء ألّا يرووا حديثا حتى يعرضوه على أبي بكر، وأظهر بعض اليهود كتابا بإسقاط النبيّ ﷺ الجزية عن الخيابرة، وفيه شهادة الصحابة، فعرضه الوزير على أبي بكر فقال: هذا مزوّر، قيل: من أين قلت هذا؟ قال: فيه شهادة معاوية، وهو أسلم عام الفتح بعد خيبر، وفيه شهادة سعد بن معاذ، ومات قبل خيبر بسنين.
ومات الخطيب في السابع من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربع مائة.
قلت: وقد قامت شهرته على كتابه «تاريخ بغداد» وهو كتاب عظيم جليل القدر يضمّ سبعة آلاف وثمانمائة وثلاثة وستين ترجمة كما ذكر الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري في مؤلفه النافع «موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد» ص (٨٧) ، وقد طبع «تاريخ بغداد» في مطبعة السعادة في مصر سنة (١٣٤٩) هـ، وصدر في أربعة عشرة مجلدا [٣] .
стр. 36
١٨- السّمعاني
هو عبد الكريم بن محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار بن الفضل بن الربيع بن مسلم بن عبد الله السّمعاني، أبو سعد، تاج الإسلام، الإمام المؤرّخ الكبير، صاحب كتاب «الأنساب» وصاحب التصانيف الكثيرة، والفوائد الغزيرة، والرحلة الواسعة.
ولد بمرو يوم الإثنين الحادي والعشرين من شعبان سنة ست وخمسمئة.
رحل في طلب العلم إلى عدد كبير من الأمصار، منها بلاد خراسان، وأصبهان، وما وراء النهر، والعراق، والحجاز، والشام، وطبرستان، وزار بيت المقدس وهو بأيدي النصارى، وحجّ مرتين.
وعمل معجم شيوخه في عشر مجلدات كبار.
قال ابن النجار: سمعت من يذكر أن عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا شيء لم يبلغه أحد ... وسرد تصانيفه [١] .
وذكر المعلمي بعض شيوخه، منهم:
أبو بكر عبد الغفار بن محمد بن الحسين الشيروي النيسابوري المتوفى سنة (٥١٠) هـ.
وأبو العلاء عبيد بن محمد بن عبيد القشيري التاجر النيسابوري المتوفى سنة (٥١٢) هـ.
وأبو القاسم سهل بن إبراهيم السبعي المسجدي النيسابوري المتوفى سنة (٥٢٢) هـ.
وأبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي المتوفى سنة (٥٣٠) هـ.
стр. 37
وأبو القاسم تميم بن أبي سعيد الجرجاني مسند هراة المتوفى سنة (٥٣١) هـ.
وأبو الفرج بن أبي الرجاء الأصبهاني المتوفى سن (٥٣٢) هـ.
وأبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري النيسابوري المتوفى سنة (٥٣٢) هـ.
وأبو نصر أحمد بن محمد بن عمر الغازي الأصبهاني المتوفى سنة (٥٣٢) هـ.
وأبو الحسن محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر الكرجي الفقيه المتوفى سنة (٥٣٢) هـ.
ثم عاد إلى مرو وألقى عصا الترحال بعد ما شقّ الأرض شقّا، وأقبل على التصنيف، والإملاء، والوعظ، والتدريس، ونشر العلم.
توفي في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وستين وخمسمئة.
وقد أثنى عليه عدد كبير من أهل العلم والفضل.
قال صديقه وزميله الحافظ ابن عساكر الدمشقي: كان متصونا، عفيفا، حسن الأخلاق ... وهو الآن شيخ خراسان غير مدافع عن صدق ومعرفة وكثرة سماع لأجزاء وكتب مصنفة.
وقال ابن النجار: كان مليح التصانيف، كثير النشوار والأناشيد، لطيف المزاح، ظريفا، حافظا، واسع الرحلة، ثقة، صدوقا، ديّنا، سمع منه مشايخه وأقرانه.
وقال الذهبي: كان ذكيا، فهما، سريع الكتابة، مليحها، درّس وأفتى، ووعظ وأملى، وكتب عمّن دبّ ودرج. وكان ثقة، حافظا، حجة، واسع الرحلة، عدلا، ديّنا، جميل السيرة، حسن الصحبة، كثير المحفوظ.
قلت: وقد قامت شهرة السمعاني على كتابه «الأنساب» الذي هو بحق
стр. 38
الكتاب الوحيد الجامع في هذا الفن، وقد نشر هذا الكتاب في العصر الحاضر على أيدي عدد من العلماء والأساتذة، فقد قام الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني بتحقيق الأجزاء الستة الأولى منه، ونشرت في الهند، ثم قام الأستاذ محمد عوامة بتحقيق الجزء السابع، وقد أشرف على القسم الأول منه- وهو الذي يضم تراجم حرف السين بكاملها- والدي الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، ثم صدر الجزء الثامن بتحقيق الأستاذ محمد عوامة أيضا، والجزء التاسع بتحقيق الأستاذين محمد عوامة، ورياض عبد الحميد مراد، والجزء العاشر بتحقيق الدكتور عبد الفتاح الحلو، والجزء الحادي عشر بتحقيق الأستاذين رياض عبد الحميد مراد، ومحمد مطيع الحافظ، والجزء الثاني عشر- وهو الأخير- بتحقيق صديقنا الفاضل الأستاذ أكرم البوشي، وقد صدرت الأجزاء الستة الأخيرة منه عن منشورات أمين دمج في بيروت خلال السنوات العشر الأخيرة [١] .
١٩- ابن عساكر الدمشقي
هو علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله، الملقب بثقة الدين، والمعروف بابن عساكر، الإمام الحافظ المؤرّخ الكبير، صاحب «تاريخ مدينة دمشق» وغير ذلك من المصنفات الكثيرة.
ولد في دمشق سنة (٤٩٩) هـ، ومن هنا عرف بالدمشقي نسبة إلى هذه المدينة العظيمة التي يجمع المؤرخون على أنها من أقدم مدن العالم، إن لم تكن أقدمها على الإطلاق.
وبيت ابن عساكر من البيوت الدمشقية المشهورة بالعلم والفضل، وقد اشتهر أبناؤه بالتقوى والتصدّي لنفع الناس في دينهم.
وقد أخذ ابن عساكر شيئا من العلم عن أهله، وانتفع بصحبة جده أبي
стр. 39
الفضل في النحو، كما تفقّه في حداثة سنّه على الفقيه العالم أبي الحسن السّلمي.
ثم رحل، وطوّف، وجاب البلاد، ولقي المشايخ، وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم السّمعاني في الرحلة.
سمع في بغداد سنة عشرين وخمسمئة من أصحاب البرمكي، والتنوخي، والجوهري. ثم رجع إلى دمشق.
ثم رحل إلى خراسان، ودخل نيسابور، وهراة، وأصبهان، والجبال.
وأخذ عن شيوخ مكّة، والمدينة، ومنى، والكوفة، وسرخس، والجزيرة، وغير ذلك من البلاد.
وذكر بعض المؤرخين بأن عدّة الشيوخ الذين سمع منهم ألف وثلاثمائة شيخ، وثمانون امرأة.
ولم يخرج ابن عساكر عن إطار الحديث، والفقه، والتاريخ، والأخبار، والأدب، وهي الموضوعات التي خاض عبابها، وما كان اعتماده على النقل فقط، بل كان يستعمل العقل أيضا، يدلّ على ذلك مذهبه في المصنفات التي خلّفها، فهو معنيّ بحل المشاكل، يناقش ويجادل بعيدا عن التعصب لمذهبه الشافعي، وكان إلى الاجتهاد أقرب منه إلى التقليد والجمود والوقوف عند أقوال من كان قبله، ولا غرو فالتاريخ يوسّع العقل، ويورث صاحبه نورا لا يستضيء بمثله عقل من لم يرزق حظا من النظر فيه.
توفي في الحادي عشر من شهر رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمئة، وله من العمر ثنتان وسبعون سنة، وحضر السلطان صلاح الدين جنازته، وصلى عليه الشيخ قطب الدين النيسابوري، ودفن في مقابر الباب الصغير.
قال السّمعاني: كان كثير العلم غزير الفضل، حافظا، متقنا، ديّنا، خيّرا، حسن السمت، جمع بين المتون والأسانيد، متثبتا، محتاطا.
وقال ابن خلكان: كان محدّث الشام في وقته، ومن أعيان فقهاء
стр. 40
الشافعية، غلب عليه الحديث فاشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره.
وقال ابن كثير: أحد أكابر حفّاظ الحديث، وممّن عني به سماعا، وجمعا، وتصنيفا، واطّلاعا، وحفظا لأسانيده ومتونه، وإتقانا لأساليبه وفنونه، صنّف «تاريخ الشام» في ثمانين مجلدة، فهي باقية بعده مخلّدة، وقد ندر من تقدمه من المؤرخين، وأتعب من يأتي بعده من المتأخرين، فحاز فيه قصب السبق، ومن نظر فيه وتأمله رأى ما وصفه فيه وأصله، وحكم بأنه فريد دهره في التواريخ، وأنه الذروة العليا من الشماريخ.
وقال ابن النجار: هو إمام المحدّثين في وقته، انتهت إليه الرياسة في الحفظ والإتقان، والثقة، والمعرفة التامة، وبه ختم هذا الشأن.
قلت: وقد قامت شهرة ابن عساكر على كتابه العظيم «تاريخ مدينة دمشق» الذي قال فيه العلّامة الأستاذ محمد كرد علي الرئيس الأول لمجمع اللغة العربية بدمشق: يقع في ثمانين مجلدة، لم يترك شيئا عن دمشق إلا وذكره فيه، ولا نعرف مدينة من مدن الدنيا حظيت بمثله، ففي المجلدتين الأولى والثانية تكلّم عن تخطيط دمشق وسورها وأبوابها وخططها، وأنهارها، وتخطيطها، وقد ترجم ابن عساكر في بقية المجلدات لكل من يصحّ أن يترجم له من أهل دمشق، وخلفائها، وأمرائها، وحكامها، وقضاتها، وعلمائها، وأدبائها، منذ الفتح الإسلامي وإلى زمانه.
قلت: يقوم مجمع اللغة العربية العامر بدمشق منذ أكثر من ثلاثين عاما بطبع هذا الكتاب العظيم، وقد صدرت منه عشر مجلدات بتحقيق عدد كبير من العلماء والباحثين منذ ذلك الوقت وحتى الآن.
وقد اختصر الإمام ابن منظور هذا الكتاب العظيم، و «مختصره» يطبع الآن بتحقيق عدد من الأساتذة الأفاضل، وقد صدرت منه حتى الآن ثمانية أجزاء، ويتوالى صدور الأجزاء الأخرى تباعا خلال هذا العام والذي يليه، وهو من منشورات دار الفكر بدمشق.