← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

١٨- السّمعاني هو عبد الكريم بن محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار بن الفضل بن الربيع بن مسلم بن عبد الله السّمعاني، أبو سعد، تاج الإسلام، الإمام المؤرّخ الكبير، صاحب كتاب «الأنساب» وصاحب التصانيف الكثيرة، والفوائد الغزيرة، والرحلة الواسعة. ولد بمرو يوم الإثنين الحادي والعشرين من شعبان سنة ست وخمسمئة. رحل في طلب العلم إلى عدد كبير من الأمصار، منها بلاد خراسان، وأصبهان، وما وراء النهر، والعراق، والحجاز، والشام، وطبرستان، وزار بيت المقدس وهو بأيدي النصارى، وحجّ مرتين. وعمل معجم شيوخه في عشر مجلدات كبار. قال ابن النجار: سمعت من يذكر أن عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا شيء لم يبلغه أحد ... وسرد تصانيفه [١] . وذكر المعلمي بعض شيوخه، منهم: أبو بكر عبد الغفار بن محمد بن الحسين الشيروي النيسابوري المتوفى سنة (٥١٠) هـ. وأبو العلاء عبيد بن محمد بن عبيد القشيري التاجر النيسابوري المتوفى سنة (٥١٢) هـ. وأبو القاسم سهل بن إبراهيم السبعي المسجدي النيسابوري المتوفى سنة (٥٢٢) هـ. وأبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي المتوفى سنة (٥٣٠) هـ.

стр. 37

وأبو القاسم تميم بن أبي سعيد الجرجاني مسند هراة المتوفى سنة (٥٣١) هـ. وأبو الفرج بن أبي الرجاء الأصبهاني المتوفى سن (٥٣٢) هـ. وأبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري النيسابوري المتوفى سنة (٥٣٢) هـ. وأبو نصر أحمد بن محمد بن عمر الغازي الأصبهاني المتوفى سنة (٥٣٢) هـ. وأبو الحسن محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر الكرجي الفقيه المتوفى سنة (٥٣٢) هـ. ثم عاد إلى مرو وألقى عصا الترحال بعد ما شقّ الأرض شقّا، وأقبل على التصنيف، والإملاء، والوعظ، والتدريس، ونشر العلم. توفي في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وستين وخمسمئة. وقد أثنى عليه عدد كبير من أهل العلم والفضل. قال صديقه وزميله الحافظ ابن عساكر الدمشقي: كان متصونا، عفيفا، حسن الأخلاق ... وهو الآن شيخ خراسان غير مدافع عن صدق ومعرفة وكثرة سماع لأجزاء وكتب مصنفة. وقال ابن النجار: كان مليح التصانيف، كثير النشوار والأناشيد، لطيف المزاح، ظريفا، حافظا، واسع الرحلة، ثقة، صدوقا، ديّنا، سمع منه مشايخه وأقرانه. وقال الذهبي: كان ذكيا، فهما، سريع الكتابة، مليحها، درّس وأفتى، ووعظ وأملى، وكتب عمّن دبّ ودرج. وكان ثقة، حافظا، حجة، واسع الرحلة، عدلا، ديّنا، جميل السيرة، حسن الصحبة، كثير المحفوظ. قلت: وقد قامت شهرة السمعاني على كتابه «الأنساب» الذي هو بحق

стр. 38

الكتاب الوحيد الجامع في هذا الفن، وقد نشر هذا الكتاب في العصر الحاضر على أيدي عدد من العلماء والأساتذة، فقد قام الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني بتحقيق الأجزاء الستة الأولى منه، ونشرت في الهند، ثم قام الأستاذ محمد عوامة بتحقيق الجزء السابع، وقد أشرف على القسم الأول منه- وهو الذي يضم تراجم حرف السين بكاملها- والدي الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، ثم صدر الجزء الثامن بتحقيق الأستاذ محمد عوامة أيضا، والجزء التاسع بتحقيق الأستاذين محمد عوامة، ورياض عبد الحميد مراد، والجزء العاشر بتحقيق الدكتور عبد الفتاح الحلو، والجزء الحادي عشر بتحقيق الأستاذين رياض عبد الحميد مراد، ومحمد مطيع الحافظ، والجزء الثاني عشر- وهو الأخير- بتحقيق صديقنا الفاضل الأستاذ أكرم البوشي، وقد صدرت الأجزاء الستة الأخيرة منه عن منشورات أمين دمج في بيروت خلال السنوات العشر الأخيرة [١] . ١٩- ابن عساكر الدمشقي هو علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله، الملقب بثقة الدين، والمعروف بابن عساكر، الإمام الحافظ المؤرّخ الكبير، صاحب «تاريخ مدينة دمشق» وغير ذلك من المصنفات الكثيرة. ولد في دمشق سنة (٤٩٩) هـ، ومن هنا عرف بالدمشقي نسبة إلى هذه المدينة العظيمة التي يجمع المؤرخون على أنها من أقدم مدن العالم، إن لم تكن أقدمها على الإطلاق. وبيت ابن عساكر من البيوت الدمشقية المشهورة بالعلم والفضل، وقد اشتهر أبناؤه بالتقوى والتصدّي لنفع الناس في دينهم. وقد أخذ ابن عساكر شيئا من العلم عن أهله، وانتفع بصحبة جده أبي

стр. 39

الفضل في النحو، كما تفقّه في حداثة سنّه على الفقيه العالم أبي الحسن السّلمي. ثم رحل، وطوّف، وجاب البلاد، ولقي المشايخ، وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم السّمعاني في الرحلة. سمع في بغداد سنة عشرين وخمسمئة من أصحاب البرمكي، والتنوخي، والجوهري. ثم رجع إلى دمشق. ثم رحل إلى خراسان، ودخل نيسابور، وهراة، وأصبهان، والجبال. وأخذ عن شيوخ مكّة، والمدينة، ومنى، والكوفة، وسرخس، والجزيرة، وغير ذلك من البلاد. وذكر بعض المؤرخين بأن عدّة الشيوخ الذين سمع منهم ألف وثلاثمائة شيخ، وثمانون امرأة. ولم يخرج ابن عساكر عن إطار الحديث، والفقه، والتاريخ، والأخبار، والأدب، وهي الموضوعات التي خاض عبابها، وما كان اعتماده على النقل فقط، بل كان يستعمل العقل أيضا، يدلّ على ذلك مذهبه في المصنفات التي خلّفها، فهو معنيّ بحل المشاكل، يناقش ويجادل بعيدا عن التعصب لمذهبه الشافعي، وكان إلى الاجتهاد أقرب منه إلى التقليد والجمود والوقوف عند أقوال من كان قبله، ولا غرو فالتاريخ يوسّع العقل، ويورث صاحبه نورا لا يستضيء بمثله عقل من لم يرزق حظا من النظر فيه. توفي في الحادي عشر من شهر رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمئة، وله من العمر ثنتان وسبعون سنة، وحضر السلطان صلاح الدين جنازته، وصلى عليه الشيخ قطب الدين النيسابوري، ودفن في مقابر الباب الصغير. قال السّمعاني: كان كثير العلم غزير الفضل، حافظا، متقنا، ديّنا، خيّرا، حسن السمت، جمع بين المتون والأسانيد، متثبتا، محتاطا. وقال ابن خلكان: كان محدّث الشام في وقته، ومن أعيان فقهاء

стр. 40

الشافعية، غلب عليه الحديث فاشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره. وقال ابن كثير: أحد أكابر حفّاظ الحديث، وممّن عني به سماعا، وجمعا، وتصنيفا، واطّلاعا، وحفظا لأسانيده ومتونه، وإتقانا لأساليبه وفنونه، صنّف «تاريخ الشام» في ثمانين مجلدة، فهي باقية بعده مخلّدة، وقد ندر من تقدمه من المؤرخين، وأتعب من يأتي بعده من المتأخرين، فحاز فيه قصب السبق، ومن نظر فيه وتأمله رأى ما وصفه فيه وأصله، وحكم بأنه فريد دهره في التواريخ، وأنه الذروة العليا من الشماريخ. وقال ابن النجار: هو إمام المحدّثين في وقته، انتهت إليه الرياسة في الحفظ والإتقان، والثقة، والمعرفة التامة، وبه ختم هذا الشأن. قلت: وقد قامت شهرة ابن عساكر على كتابه العظيم «تاريخ مدينة دمشق» الذي قال فيه العلّامة الأستاذ محمد كرد علي الرئيس الأول لمجمع اللغة العربية بدمشق: يقع في ثمانين مجلدة، لم يترك شيئا عن دمشق إلا وذكره فيه، ولا نعرف مدينة من مدن الدنيا حظيت بمثله، ففي المجلدتين الأولى والثانية تكلّم عن تخطيط دمشق وسورها وأبوابها وخططها، وأنهارها، وتخطيطها، وقد ترجم ابن عساكر في بقية المجلدات لكل من يصحّ أن يترجم له من أهل دمشق، وخلفائها، وأمرائها، وحكامها، وقضاتها، وعلمائها، وأدبائها، منذ الفتح الإسلامي وإلى زمانه. قلت: يقوم مجمع اللغة العربية العامر بدمشق منذ أكثر من ثلاثين عاما بطبع هذا الكتاب العظيم، وقد صدرت منه عشر مجلدات بتحقيق عدد كبير من العلماء والباحثين منذ ذلك الوقت وحتى الآن. وقد اختصر الإمام ابن منظور هذا الكتاب العظيم، و «مختصره» يطبع الآن بتحقيق عدد من الأساتذة الأفاضل، وقد صدرت منه حتى الآن ثمانية أجزاء، ويتوالى صدور الأجزاء الأخرى تباعا خلال هذا العام والذي يليه، وهو من منشورات دار الفكر بدمشق.

стр. 41

وقام بتهذيبه العلّامة المحدّث المؤرخ الشيخ عبد القادر بدران الدوماني الدمشقي المتوفى سنة (١٣٤٦) هـ، وقد نشرت المكتبة العربية بدمشق سبعة أجزاء منه، خمسة منها نشرت في حياته، واثنان نشرا بعد وفاته بعناية الأستاذ أحمد عبيد. ٢٠- السّهيلي هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي الأندلسي المالقي السّهيلي، أبو القاسم، وأبو زيد، الإمام الحافظ النحوي المؤرّخ، صاحب «الروض الأنف» ، و «التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام» ، وغير ذلك من المصنفات المفيدة. ولد بوادي سهيل من إقليم مالقه بالأندلس سنة (٥٠٨) هـ، وسمع من ابن العربي، وطائفة، وأخذ النحو والأدب عن ابن الطّراوة، والقراءات عن أبي داود الصغير سليمان بن يحيى. وعمي وعمره سبعة عشرة سنة. ولما نبغ، اتصل خبره بصاحب مراكش فطلبه إليها وأكرمه، فأقام يصنف كتبه إلى أن توفي بها سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وكان إماما في لسان العرب، واسع المعرفة، غزير العلم، نحويا متقدما لغويا، عالما بالتفسير، وصناعة الحديث، عارفا بالرّجال وبالتاريخ، ذكيا نبيها، صاحب استنباطات. وهو صاحب الأبيات: يا من يرى ما في الضّمير ويسمع ... أنت المعدّ لكلّ ما يتوقّع يا من يرجّى للشّدائد كلّها ... يا من إليه المشتكى والمفزع يا من خزائن رزقه في قول كن ... أمنن فإنّ الخير عندك أجمع

стр. 42

ما لي سوى فقري إليك وسيلة ... وبالافتقار إليك فقري أدفع ما لي سوى قرعي لبابك حيلة ... فلئن رددت فأيّ باب أقرع من ذا الّذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يمنع حاشا لجودك أن تقنّط عاصيا ... الفضل أجزل والمواهب أوسع ثمّ الصّلاة على النّبيّ وآله ... خير الأنام ومن به يتشفّع قلت: وقد قامت شهرة السّهيلي على كتابه الفذ «الروض الأنف» الذي شرح فيه «السيرة النبوية» التي صنفها ابن إسحاق، وهذبها ابن هشام، وقد طبع كتابه المذكور عدة مرات، أفضلها الطبعة التي حقّقها الأستاذ عبد الرحمن الوكيل، المنشورة في مصر. وأما كتابه الآخر «التنبيه والإعلام» فإني أقوم بتحقيقه بالاشتراك مع والدي وأستاذي الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، وسيصدر عن دار ابن كثير قريبا إن شاء الله تعالى. ٢١- ابن الجوزي هو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، أبو الفرج الإمام الحافظ المؤرخ الواعظ الكبير، صاحب «المنتظم في تاريخ الأمم» ، و «زاد المسير في علم التفسير» ، و «أخبار الأذكياء» ، وغير ذلك من المصنفات المختلفة ذات النفع العظيم. ولد في بغداد سنة (٥١١) هـ، وشرع في طلب العلم وهو صغير، فأخذ العلم عن جمهرة من أفاضل العلماء في عصره، منهم: أبو بكر الدّينوري، والقاضي أبو يعلى، والقاضي أبو بكر الأنصاري، وأبو القاسم الحريري، وأبو السعادات المتوكلي، وأبو عبد الله البارع، وأبو الحسن علي بن أحمد الموحد،

стр. 43

وأبو غالب الماوردي، وأبو القاسم السّمرقندي، وأبو القاسم علي الهروي، وأبو منصور القزّاز، وعلي بن عبد الله الزّاغوني، ومحمد بن ناصر السّلامي، وابن الباقلّاني، وسواهم. وحلّق في مختلف فروع العلم، وبلغ في صناعة الوعظ شهرة عمّت الآفاق، والقصص التي تروى عن براعته في هذا الفن تدخل تحت باب الإعجاز، فمجلسه في الوعظ كان يحضره الخلفاء، والوزراء، والأعيان، والعلماء، وأقل ما كان يحضر مجلسه عشرة آلاف، وربما حضره مائة ألف، وقد شهد مجلسه الرحالة الشهير ابن جبير، وأطنب في الكلام عنه في «رحلته» . وكان ﵀ من أحسن الناس كلاما وأتمّهم نظاما، وأعذبهم لسانا، وأجودهم بيانا، وكان مكثرا من التصنيف في شتى فروع العلم، فقد تجاوزت مؤلفاته أربعمائة مؤلف، بعضها يقع في عدة مجلدات، والآخر في مجلد أو رسالة. توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة، فاجتمعت جموع غفيرة جدا من أهل بغداد في تشييعه، وغلقت الأسواق، وحملت جنازته على رؤوس الناس إلى مقبرة باب حرب، فدفن فيها إلى جوار قبر الإمام أحمد بن حنبل ﵀. قلت: وقد قامت شهرة ابن الجوزي على جملة من مؤلفاته، ومن أهمها كتبه الثلاثة المنوّه عنها في صدر الترجمة، وقد طبع القسم الموجود منه في الهند، وهو من الكتب التي تحتاج إلى الطبع طبعات محققة متقنة نظرا لما فيه من الفوائد النفيسة. والثاني منها وهو «زاد المسير في علم التفسير» قام بتحقيقه والدي الأستاذ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط بالاشتراك مع زميله الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط، وصدر عن المكتب الإسلامي بدمشق في تسع مجلدات، وهي الطبعة الوحيدة منه، وقد صدرت بين عامي (١٣٨٤- ١٣٨٨) هـ[١] .

стр. 44

وأما الثالث منها فقد طبع طبعات كثيرة متعددة في مصر والشام ولبنان، وخير طبعة صدرت منه هي التي قام بتحقيقها الدكتور محمد مرسي الخولي ﵀، وقد صدرت في مصر عام ١٣٩٠ هـ. ٢٢- المقدسي هو عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر الجمّاعيلي [١] المقدسي ثم الدمشقي، أبو محمد، الإمام المحدّث، المحقّق، المؤرّخ، حافظ عصره، صاحب «الكمال في أسماء الرجال» ، و «عمدة الأحكام» [٢] ، و «النصيحة في الأدعية الصحيحة» [٣] ، وغير ذلك من المصنفات النافعة. ولد بجمّاعيل سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وقدم مع أسرته من بيت المقدس إلى الشام، فسكنوا في مسجد أبي صالح خارج الباب الشرقي لمدينة دمشق أول الأمر، ثم انتقلوا إلى سفح جبل قاسيون، فبنوا دارا كبيرة احتوت على عدد كبير من الحجرات دعيت فيما بعد بدار الحنابلة، ثم شرعوا في بناء أول مدرسة في جبل قاسيون، وهي المعروفة ب «المدرسة العمرية» [٤] ، وقد عرفت تلك الضاحية التي سكنوها بالصالحيّة فيما بعد نسبة إليهم، لأنهم كانوا من أهل العلم والصلاح. وقد تتلمذ الحافظ عبد الغني في صغره على عميد أسرته العلّامة الفاضل

стр. 45

الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، ثم تتلمذ على شيوخ دمشق وعلمائها، فأخذ عنهم الفقه وغيره من العلوم، ثم قصد بغداد سنة (٥٦٠) هـ ونزل عند الإمام الشيخ عبد القادر الجيلاني، فقرأ عليه شيئا من الفقه والحديث، وأقام عنده نحو أربعين يوما، بعدها مات الشيخ الجيلاني، فأخذ عن الشيخ أبي الفتح بن المني الفقه والخلاف، ثم رحل إلى أصبهان فمكث فيها وقتا طويلا يدرس ويدرّس إلى أن عاد إلى بغداد مرة ثانية سنة (٥٧٨) هـ، فحدّث بها، وانتقل من ثمّ إلى دمشق، فأخذ يقرأ الحديث في رواق الحنابلة من مسجد دمشق الأموي، فاجتمع الناس عليه، وكان رقيق القلب سريع الدمعة، فحصل له قبول من الناس عظيم. ثم ضيّق عليه البعض، فرحل إلى بعلبك، ومنها إلى مصر، فنزل عند الطحانين، وصار يقرأ الحديث، فنفق بها سوقه، وصار له حشد وأصحاب، فثار عليه الفقهاء بمصر أيضا، وكتبوا إلى الوزير صفي الدين بن شكر فأقرّ نفيه إلى المغرب، غير أن الحافظ عبد الغني مات قبل وصول كتاب النفي إليه، وذلك سنة ست مائة من هجرة رسولنا محمد ﷺ . وقد وصفه جمع من مشاهير العلماء بأوصاف كثيرة تنبئ عن تمكنه من علم الحديث، وتحليقه في إطار علم الرّجال، وصفاء سريرته، وقوة اعتقاده، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وغضبه لانتهاك حدود الله . قال ضياء الدين المقدسي: كان لا يسأل عن حديث إلا ذكره وبيّنه، وذكر صحته أو سقمه، وكان يقال: هو أمير المؤمنين في الحديث، جاء إليه رجل فقال: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث، فقال: لو قال أكثر من هذا العدد لصدق. وقال تاج الدّين الكندي: لم ير الحافظ عبد الغني مثل نفسه، ولم يكن بعد الدارقطني مثله. وقال ابن النجار: حدّث بالكثير، وصنّف في الحديث تصانيف حسنة، وكان غزير الحفظ من أهل الإتقان والتجويد، قيّما بجميع فنون الحديث.

стр. 46

وقال موفق الدين بن قدامة المقدسي: كان رفيقي، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدع وقيامهم عليه، وقد رزق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة، إلّا أنه لم يعمّر حتى يبلغ غرضه في روايتها ونشرها. قلت: وقد قامت شهرة الحافظ عبد الغني المقدسي على عدد من كتبه وأهمها «الكمال في أسماء الرجال» الذي ترجم فيه لرجال الكتب الستة المشهورة في علم الحديث، التي عليها المعوّل عند المحدّثين المتقدمين والمحدثين، وهو من الكتب الرائدة في هذا الباب، وقد استفاد العلماء المسلمون من هذا الكتاب العظيم لسنوات طويلة امتدت لقرابة قرن ونصف، إلى أن قام الإمام الحافظ جمال الدين أبو الحجاج يوسف المزّي المتوفى سنة (٧٤٢) هـ بتهذيب هذا الكتاب، وسمّى كتابه «تهذيب الكمال في أسماء الرّجال» الأمر الذي جعل العلماء فيما بعد يميلون إلى اعتماد «تهذيب» المزي لما تضمنه من الزيادة والترتيب والضبط عن «الكمال» نتيجة لتقدم العلم وأساليب البحث والتصنيف عند علماء المسلمين في الفترة الفاصلة بين وفاة الحافظ عبد الغني، وعصر الإمام المزي. ولكن تجدر الإشارة إلى أن عمل المزي في «تهذيب الكمال» لا يلغي بالضرورة ما للحافظ عبد الغني من فضل في جمع مادة الكتاب أصلا، لأن من المسلّم به أنّ الأفضلية من جهة الدراية في العلوم هي للسابق لا للاحق، وهو الأمر الذي بدت مقدمة محقّق «تهذيب الكمال» الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف وكأنها تصرّ على تجاوزه!. ولا أقول هذا لأقلّل من قيمة «تهذيب بالكمال» الذي صنّفه المزّي، فإني من أسعد الناس بظهوره بهذا الإتقان الذي اتّسمت به المجلدات الخمس الأولى الصادرة منه حتى الآن، ولكن الإنصاف هو الذي دعاني إلى التشديد على فضل الحافظ عبد الغني المقدسي في وجود أصل الكتاب [١] .

стр. 47

٢٣- ابن الأثير هو علي بن محمد بن محمد [١] بن عبد الكريم بن الواحد الشّيباني الجزري، أبو الحسن، المعروف بابن الأثير، الإمام المؤرّخ الأديب، صاحب «الكامل» ، و «أسد الغابة» ، و «اللباب في تهذيب الأنساب» ، وغير ذلك من المصنفات النافعة. ولد بجزيرة ابن عمر سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ونشأ بها، ثم سار إلى الموصل مع والده وأخويه مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير صاحب «جامع الأصول» [٢] المتوفى سنة (٦٠٦) هـ، وضياء الدين أبي الفتح نصر الله بن محمد بن الأثير صاحب «المثل السائر» ، المتوفى سنة (٦٣٧) هـ، وسمع بها من أبي الفضل عبد الله بن أحمد الخطيب الطوسي، ومن طبقته، وقدم بغداد مرارا، وسمع بها من الشيخين أبي القاسم يعيش بن صدقة الفقيه الشافعي، وأبي أحمد عبد الوهاب بن علي الصوفي، وغيرهما، ثم رحل إلى الشام، والقدس، وسمع هناك من جماعة، ثم عاد إلى الموصل ولزم بيته منقطعا إلى العلم والتصنيف، وكان بيته مجمع الفضل لأهل الموصل والواردين عليها. وكان إماما في حفظ الحديث ومعرفته، وحافظا للتاريخ، وخبيرا بأنساب العرب، وأخبارهم، وأيامهم، ووقائعهم. وقد روى عنه ابن الدبيثي، وخلق. توفي في الخامس والعشرين من شعبان من سنة ثلاثين وستمائة. قال ابن خلّكان: كان بيته بالموصل مجمع الفضلاء. اجتمعت به في حلب فوجدته مكمّل الفضائل، والتواضع، وكرم الأخلاق، فترددت إليه.

стр. 48

وقال الذهبي: كان صدرا معظّما كثير الفضائل، وبيته مجمع الفضلاء. وقال ابن العماد: كان إماما، نسّابة، مؤرّخا، أخباريا، أديبا، نبيلا، محتشما. قلت: وقد قامت شهرته على كتبه الثلاثة المشار إليها في صدر الترجمة، وجميعها، تندرج في إطار علم التأريخ، فكتابه «الكامل» صنّفه مرتبا على السنين، وهو من خيرة التواريخ، ابتدأ فيه من أول الزمان، وانتهى به إلى سنة تسع وعشرين وستمائة، وهو مطبوع ومنتشر، ولكنه يفتقر إلى التحقيق والضبط، والتخريج. وكتابه «أسد الغابة» قال عنه ابن العماد: جمع فيه بين كتاب ابن مندة، وكتاب أبي نعيم، وكتاب ابن عبد البر، وكتاب أبي موسى، وزاد وأفاد، وهو مطبوع في مصر طبعة متقنة في سبعة مجلدات بدار الشعب. وكتابه «اللباب في تهذيب الأنساب» قال عنه ابن العماد: اختصر [فيه] «الأنساب» لأبي سعد السّمعاني، وهذّبه، وأضاف فيه أشياء وهو في مقدار نصف أصله. وهو مطبوع في ثلاثة مجلدات، ولكنه يحتاج إلى تحقيق متقن. ٢٤- المنذري هو عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعد المنذري، أبو محمد، الإمام الحافظ المؤرّخ الكبير، صاحب «التكملة لوفيات النقلة» و «الترغيب والترهيب» ، و «مختصر صحيح مسلم» وغير ذلك من المصنفات النافعة. ولد في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة في مصر. سمع من الأرياحي، وأبي الجود، وابن طبرزد، وخلق، وتخرّج بأبي الحسن علي بن الفضل ولزمه مدة. وتفقّه على الإمام أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد القرشي الوراق، وسمع من عبد المجيب بن زهير، ومحمد بن سعيد المأموني، والمطهر بن أبي بكر البيهقي، والحافظ الكبير علي بن الفضل المقدسي، وبه تخرّج.

стр. 49

ورحل في طلب العلم إلى مكة، وسمع الحديث من أبي عبد الله بن البنّا وطبقته، ثم قصد دمشق وسمع فيها من عمر بن طبرزد، ومحمد بن وهب بن الشريف، والخضر بن كامل، وأبي اليمن الكندي، وخلق، ثم سمع بحرّان، والرّها، والإسكندرية، وغيرها. مات سنة ست وخمسين وستمائة في الرابع من شهر ذي القعدة. قال ابن ناصر الدّين: كان حافظا كبيرا، حجة، ثقة، عمدة. وقال: ابن قاضي شهبة: برع في العربية، والفقه، وسمع الحديث بمكة، ودمشق، وحرّان، والرّها، والإسكندرية، وروى عنه الدمياطي، وابن دقيق العيد، والشريف عز الدين، وأبو الحسين اليونيني، وخلق، وتخرّج به العلماء في فنون من العلم، وبه تخرّج الدمياطي، وابن دقيق العيد، والشريف عزّ الدين وطائفة في علوم الحديث. وقال الشريف عزّ الدين: كان عديم النظير في معرفة علم الحديث على اختلاف فنونه، عالما بصحيحه، وسقيمه، ومعلوله، وطرقه، متبحرا في معرفة أحكامه ومعانيه ومشكله، قيّما بمعرفة غريبة وإعرابه، واختلاف ألفاظه، ماهرا في معرفة رواته وجرحهم، وتعديلهم، ووفياتهم، ومواليدهم، وأخبارهم، إماما، حجّة، ثبتا، ورعا، متحريا فيما يقوله، متثبتا فيما يرويه. قلت: وقد قامت شهرة المنذري على كتبه الثلاثة المنوّه عنها في صدر الترجمة. وقد طبع الأول منها في أربع مجلدات كبيرة بتحقيق الأستاذ الدكتور بشّار عوّاد معروف، وصدر في طبعته الثانية المتقنة عن مؤسسة الرسالة، ولهذا الكتاب «صلة» من تصنيف العلّامة أحمد بن محمد الحسيني تلميذ المنذري المتوفى سنة (٦٩٥) هـ. وطبع الثاني منها في أربع مجلدات في مصر بتحقيق الأستاذ مصطفى محمد عمارة، وهي طبعة جيدة، وقد صدرت عن شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ويقوم الأستاذ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بفصل الصحيح من أحاديث هذا الكتاب عن الضعيف، وقد صدر جزء من الصحيح من طبعته، وجزء من الضعيف أيضا.

стр. 50

وكان العلّامة الشيخ يوسف النبهاني ﵀ قد أفرد من هذا الكتاب الأحاديث التي وردت في «الصحيحين» فقط في جزء صغير، وقد طبع منذ سنوات طويلة في مصر [١] . وطبع الثالث منها في مجلد كبير في الكويت بتحقيق الأستاذ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وهي طبعة جيدة نافعة، وقد صدرت فيما بعد عن المكتب الإسلامي ببيروت. ٢٥- النّووي هو يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام النووي الدمشقي، أبو زكريا، الإمام الحافظ المؤرّخ الفقيه، صاحب «روضة الطالبين» ، و «تهذيب الأسماء واللغات» ، و «الأذكار» ، و «الأربعين» ، وغير ذلك من المصنفات المفيدة النافعة. ولد في نوى من أرض حوران في الجنوب الغربي من سورية، وذلك في العشر الأوسط من شهر الله المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ونشأ نشأة صالحة، وشرع بحفظ القرآن الكريم وهو صغير، ولما بلغ التاسعة عشرة من عمره قدم به والده إلى دمشق لطلب العلم، فسكن المدرسة الرواحية، وأخذ العلم عن جمهرة غفيرة من العلماء الكبار في الشام آنذاك، منهم الرضي بن البرهان، وشيخ الشيوخ عبد العزيز بن محمد الأنصاري، وزين الدين عبد الدائم، وعماد الدين بن عبد الكريم الحرستاني، وزين الدين أبي البقاء خالد بن يوسف المقدسي النابلسي، والشيخ المحقّق إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي، والقاضي التفليسي، وقرأ على ابن مالك كتابا من تصنيفه، ولازم الاشتغال والتصنيف ونشر العلم والعبادة والذكر، والصبر على العيش الخشن في المأكل، والملبس بما لا مزيد عليه. وتخرّج به جماعة من العلماء، منهم

стр. 51

الخطيب صدر الدين سليمان الجعفري، وشهاب الدين الأربدي، وشهاب الدين بن جعوان، وغيرهم. وتولى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق حسبة لوجه الله. وقد أسعف النووي ﵀ بالتأييد، وساعدته المقادير فقرّبت منه كل بعيد، فكان يجد مع الأهلية ثلاثة أشياء: أولها: فراغ البال، واتساع الزمان. وثانيها: جمع الكتب التي يستعان بها على النظر والاطّلاع على كلام العلماء. وثالثها: حسن النيّة وكثرة الورع والزهد والأعمال الصالحة التي أشرقت أنوارها. وكان ﵀ قد اكتال من ذلك بالمكيال الأوفى، فكان ذلك الإنتاج العظيم في عمره القصير الذي لم يتجاوز (٤٥) عاما، ولكنه كان مليئا بالخير والبركة. وسافر آخر عمره إلى بلدته نوى، وزار بيت المقدس، والخليل، ثم رجع إلى نوى، فمرض عند أبويه، وتوفي ليلة الأربعاء لست بقين من شهر رجب سنة ست وسبعين وستمائة، ودفن ببلده وقبره مشهور بها. قلت: وقد قامت شهرة النووي على جملة من كتبه القيّمة، منها كتبه الأربعة التي أشرت إليها في صدر الترجمة، وقد طبع الأول منها في المكتب الإسلامي بدمشق بتحقيق والدي الأستاذ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، بالاشتراك مع زميله الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط، وصدر في (١٢) جزءا. وطبع الثاني في إدارة الطباعة المنيرية في مصر، وصوّرت طبعته من قبل عدد من دور النشر في لبنان، وهو أحد الكتب التي نقل عنها ابن العماد، وهو بأمسّ الحاجة إلى طبعة محققة متقنة وأما الثالث منها فقد طبع عدة مرات من غير تحقيق، ثم طبع في دار

стр. 52

الملاح بدمشق بتحقيق والدي الأستاذ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، وهي أفضل وأشهر طبعة ظهرت منه. وأما الرابع منها وهو «الأربعين» فقد أكرمني الله بشرحه وتخريج أحاديثه، وقام والدي حفظه الله بمراجعته والحكم على أحاديثه، وقد طبع حديثا في دار ابن كثير بدمشق وبيروت. ٢٦- ابن خلّكان هو أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلّكان البرمكي الإربلي، أبو العباس، الإمام المؤرّخ الأديب الحجّة، صاحب «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» وهو من أشهر كتب التراجم ومن أحسنها ضبطا وإحكاما كما يقول الزركلي صاحب «الأعلام» . ولد في إربل بالقرب من الموصل، وذلك في سنة ثمان وستمائة. وسمع من ابن مكرم، وأجاز له المؤيد الطوسي وجماعة، وتفقّه بالموصل على كمال الدين بن يونس، وبالشام على ابن شداد، ولقي كبار العلماء، وبرع في الفضائل، والآداب. ودخل الديار المصرية وسكنها، وناب في القضاء عن القاضي بدر الدين السخاوي مدة طويلة، وأدّى عنده شهادة شيخ المالكية أبو عمر ابن الحاجب، وسأله عن مسألة دخول الشرط على الشرط، ثم قدم الشام على القضاء في ذي الحجة سنة تسع وخمسين منفردا بالأمر، فأضيف إليه مع القضاء نظر الأوقاف، والجامع الأموي، والمارستان، وتدريس سبع مدارس: العادلية، والناصرية، والعذراوية، والفلكية، والركنية، والإقبالية، والبهنسية، وقرئ تقليده يوم عرفة، ويوم جمعة بعد الصلاة بالشباك الكمالي من جامع دمشق، ثم عزل بعز الدين الصائغ في أول سنة تسع وستين، فسافر إلى مصر، فأقام سنين معزولا بمصر، ثم أعيد، وصرف ابن الصائغ في أول سنة سبع وسبعين، ثم عزل في آخر

стр. 53

المحرم سنة وثمانين، وأعيد عز الدين الصائغ، وبقي ابن خلّكان معزولا وبيده الأمينية والنجيبية. مات يوم السبت في السادس عشر من شهر رجب سنة إحدى وثمانين وستمائة ودفن بصالحية دمشق. وقال تاج الدين الفزاري في «تاريخه» : كان [ابن خلّكان] قد جمع حسن الصورة، وفصاحة النطق، وغزارة الفضل، وثبات الجأش، ونزاهة النفس. وقال الذهبي: كان إماما فاضلا، بارعا، متقنا، عارفا بالمذهب، حسن الفتاوى، جيد القريحة، بصيرا بالعربية، علّامة في الأدب والشعر وأيام الناس، كريما جوادا، ممدوحا، من سروات الناس ... ومن محاسنه أنه كان لا يجسر أحد أن يذكر أحدا عنده بغيبة. قلت: وقد قامت شهرة ابن خلّكان على كتابه «وفيات الأعيان» المنوّه عنه في صدر الترجمة، وقد طبع منذ سنوات قليلة في ثمانية مجلدات في بيروت بتحقيق الأستاذ الدكتور إحسان عباس، وهي طبعة جيدة مفهرسة غير أن الضبط فيها قليل لا يتناسب مع قيمة الكتاب العلمية. ٢٧- محبّ الدّين الطّبري هو أحمد بن عبد الله بن محمد الطبري، أبو العباس، الإمام الحافظ الفقيه، صاحب «الرياض النضرة في مناقب العشرة» ، و «الثمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين» وغير ذلك من المصنفات النافعة. ولد بمكة في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة، وسمع من جماعة، وأفتى، ودرّس وتفقّه، وصنف كتابا كبيرا إلى الغاية في «الأحكام» في ست مجلدات، وتعب عليه مدة، ورحل إلى اليمن وأسمعه للسلطان صاحب اليمن. وروى عنه الدمياطي، وابن العطار، وابن الخباز، والبرزالي، وجماعة. وكان شيخ الحرم بمكة. توفي في جمادى الآخرة من سنة أربع وتسعين وستمائة بمكة المكرمة.

стр. 54

قلت: وقد قامت شهرة المترجم على كتابيه المشار إليهما في صدر الترجمة، وقد طبع الأول منهما طبعتين غير متقنتين في مصر، وهو بأمسّ الحاجة إلى طبعه طبعة علمية متقنة، وهو من بين الكتب التي نقل عنها ابن العماد مباشرة في كثير من المواطن في كتابه. وطبع الثاني منهما أكثر من مرة، منها الطبعة الصادرة عن مكتبة الكليات الأزهرية بمصر، وهو الآخر غير محقّق إلى الآن، وينتظر من يمدّ إليه يد الرعاية العلمية. ٢٨- أبو الفداء هو إسماعيل بن علي بن محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب، الملك المؤيد، صاحب حماة، أحد فضلاء زمانه، وعالم كبير من علمائه في التاريخ والأدب، والجغرافية، وعلم الأصول، صنّف مصنفات مختلفة أشهرها «المختصر في تاريخ البشر» ويعرف ب «تاريخ أبي الفداء» ، و «تقويم البلدان» ، وغير ذلك من المصنفات المفيدة النافعة. ولد في شهر جمادى الأولى سنة سبعين وستمائة، وكان أميرا بدمشق، وخدم الملك الناصر لمّا كان بالكرك، وبالغ في ذلك، فوعده بحماة ووفى له بذلك، فأعطاه حماة وجعله سلطانا يفعل فيها ما يشاء من إقطاع وغيره، ليس لأحد من الدولة بمصر من نائب ووزير معه حكم، وأركبه في القاهرة بشعار الملك وأبّهة السلطنة. قال ابن قاضي شهبة: اشتغل أبو الفداء في العلوم وتفنن فيها، وصنّف التصانيف المشهورة ... وكان جوادا ممدحا امتدحه غير واحد. وقال ابن كثير: كان يحبّ العلماء ويشاركهم في فنون كثيرة، وكان من فضلاء بني أيوب. وقال ابن شاكر: كان الملك المؤيد فيه مكارم وفضيلة تامة من فقه، وطبّ، وحكمة، وغير ذلك، وأجود ما كان يعرفه علم الهيئة لأنه أتقنه، وإن

стр. 55

كان قد شارك في سائر العلوم مشاركة جيدة، وكان محبّا لأهل العلم مقرّبا لهم. وقال الإسنوي: كان جامعا لأشتات العلوم، أعجوبة من أعاجيب الدّنيا، ماهرا في الفقه، والتفسير، والأصلين، والنحو، وعلم الميقات، والفلسفة، والمنطق، والطب، والعروض، والتاريخ، وغير ذلك من العلوم، شاعرا، ماهرا، كريما إلى الغاية، صنّف في كل علم تصنيفا أو تصانيف. توفي في المحرم من سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة عن ستين سنة إلا ثلاثة أشهر وأياما. قلت: وقد قامت شهرة أبي الفداء على كتابيه المتقدم ذكرهما، وقد طبع الأول منهما طبعة تجارية ويقع في مجلدين، وهو بأمسّ الحاجة إلى طبعة علمية متقنة، وذكر الزركلي في «الأعلام» بأنه ترجم إلى الفرنسية، واللاتينية، وقسم منه إلى الإنكليزية، وهو من جملة الكتب التي نقل عنها ابن العماد مباشرة. والثاني منهما مطبوع طبعة تجارية أيضا، ويقع في مجلدين، وترجمه إلى الفرنسية المستشرق رينو كما ذكر الزركلي في «الأعلام» . ٢٩- التّبريزي هو محمد بن عبد الله الخطيب العمري التبريزي [١] أبو عبد الله، الإمام الحافظ المؤرّخ، صاحب «مشكاة المصابيح» ، و «الإكمال في أسماء الرّجال» ، وغير ذلك من المصنفات النافعة. لم أقف على ترجمة وافية له فيما بين يدي من المصادر والمراجع، وذكر الزركلي في «الأعلام» أنه مات سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. قلت: وقد قامت شهرة التبريزي على كتابيه المشار إليهما، والأول منهما

стр. 56

وهو «مشكاة المصابيح» كمل فيه «مصابيح السّنة» للبغوي، وذيّل أبوابه، فذكر الصحابي الذي روى الحديث عنه، وذكر الكتاب الذي أخرجه منه، وزاد على كل باب من صحاحه وحسانه- إلا نادرا- فصلا ثالثا، فصار كتابا كاملا فرغ من جمعه آخر يوم الجمعة من رمضان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وقد طبع هذا الكتاب في الهند وفي روسيا، ثم طبع في المكتب الإسلامي بدمشق في ثلاثة مجلدات، وقد تولى الكلام على أحاديثه الأستاذ الشيخ محمد ناصر الدّين الألباني، وله عدة شروح أحسنها «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» لملا علي القاري ﵀. وطبع الكتاب الثاني على هامش الطبعة الهندية من «المشكاة» ، ثم أفرد في آخر الطبعة المطبوعة من «مشكاة المصابيح» في المكتب الإسلامي بدمشق. ٣٠- الذّهبي هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني الذهبي، أبو عبد الله، الإمام المؤرّخ، المحدّث، المحقّق، المتقن الكبير، صاحب «تاريخ الإسلام» ، و «سير أعلام النبلاء» ، و «الأمصار ذوات الآثار» [١] ، وغير ذلك من المصنفات النافعة المفيدة. ولد بدمشق سنة ثلاث وسبعين وستمائة. وحينما بلغ الثامنة عشرة من عمره توجهت عنايته إلى طلب العلم بصورة جدية نحو حقلين رئيسين هما: القراءات، والحديث النبوي الشريف، فتميز في دراسة القراءات وبرع فيها، وعني بالحديث عناية فائقة، وانطلق فيه حتى طغى على كل تفكيره واستغرق كل حياته بعد ذلك، فسمع ما لا يحصى كثرة من الكتب والأجزاء، ولقي العديد من الشيوخ والشيخات، وأصيب بالشّره في سماعه وقراءته.

стр. 57

ورحل في طلب العلم داخل البلاد الشامية منذ سنة ثلاث وتسعين وستمائة، فسمع ببعلبك، وحلب، وحمص، وحماة، وطرابلس، والكرك، والمعرّة، وبصرى، ونابلس، والرملة، والقدس، وتبوك. ورحل إلى البلاد المصرية سنة خمس وتسعين وستمائة فوصلها في رجب، وعاد منها في ذي القعدة. وتوجه إلى البيت الحرام لأداء فريضة الحج، وذلك سنة ثمان وتسعين وستمائة، وسمع هنالك من مجموعة من الشيوخ. توفي يوم الإثنين الثالث من ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة بدمشق، وأضرّ قبل موته بيسير. قال تاج الدين السبكي: اشتمل عصرنا على أربعة من الحفّاظ وبينهم عموم وخصوص، المزّي، والبرزالي، والذهبي، والشيخ الوالد [١] لا خامس لهم في عصرهم، فأما أستاذنا أبو عبد الله [٢] ، فبصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظا، وذهب العصر معنى ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد، فنظرها ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها، وكان محطّ رحال المعنت، ومنتهى رغبات من تعنّت، تعمل المطي إلى جواره، وتضرب البزل المهارى أكبادها فلا تبرح أو تبيد نحو داره، وهو الذي خرّجنا في هذه الصناعة، وأدخلنا في عداد الجماعة، جزاه الله عنّا أفضل الجزاء، وجعل حظّه من عرصات الجنان موفر الأجزاء، وسعده بدرا طالعا في سماء العلوم، يذعن له الكبير والصغير من الكتب، والعالي والنازل من الأجزاء. قلت: وقد قامت شهرة الذهبي على كتابيه «تاريخ الإسلام» و «العبر في خبر

стр. 58

من عبر» ، والأول منهما عقده لتدوين حوادث الزمان وذكر الأعيان من الرجال، منذ العصر النبوي، وإلى أيامه، وقد نشرت بعض الأجزاء من هذا الكتاب العظيم في مصر، وأفضلها هو الجزء الذي قام بتحقيقه الأستاذ الدكتور بشّار عوّاد معروف [١] . ويقوم الآن الدكتور عمر عبد السلام التدمري في لبنان بتحقيق عدد من الأجزاء من هذا الكتاب القيّم، ولا أدري عن أيّ من دور النشر ستصدر [٢] . وأما الثاني- وهو العبر- فقد خصصه للكلام عن حوادث الدّهر وتراجم الأعيان ولكن باختصار. ومن كتب الذهبي المهمة أيضا «سير أعلام النبلاء» ، و «تذكرة الحفاظ» . ٣١- ابن شاكر الكتبي هو محمد بن شاكر بن أحمد بن عبد الرحمن بن شاكر بن هارون بن شاكر الكتبي الداراني ثم الدمشقي، العالم المؤرّخ الكبير، صاحب «عيون التواريخ» ، و «فوات الوفيات» . ولد في داريّا، وسمع من المزّي، وابن الشحنة، وغيرهما من علماء الشام، وتوسعت مداركه وبعد نظره لما اشتغل في صنعة الوراقة والمتاجرة بالكتب، وهي الصنعة التي كانت مزدهرة في عصره. توفي في رمضان من سنة أربع وستين وسبعمائة. قال ابن كثير: كان يحفظ ويذاكر ويفيد ﵀ وسامحه. قلت: وقد قامت: شهرة ابن شاكر على كتابيه المشار إليهما، والأول منهما مخطوط في عشرة أجزاء طبع منها ثلاثة، قال صاحب «كشف الظنون»

стр. 59

ما معناه: إن ابن شاكر تتبع في كتابه «عيون التواريخ» كتاب «البداية والنهاية» لابن كثير، لا سيما في الحوادث، وكثيرا ما ينقل عنه صفحة فأكثر بحروفها. وطبع الثاني منهما وهو «فوات الوفيات» طبعة متقنة في دار صادر ببيروت بتحقيق الأستاذ الدكتور إحسان عبّاس، ويقع في خمسة مجلدات. ٣٢- الصّفدي هو خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي، أبو الصفا، الإمام المؤرّخ الكبير، صاحب «الوافي بالوفيات» وغير ذلك من المصنفات النافعة. ولد في صفد بفلسطين سنة ست أو سبع وتسعين وستمائة. أخذ العلم عن جمهرة من العلماء الأعلام في عصره، كالقاضي بدر الدين بن جماعة، وأبي الفتح بن سيد الناس، وتقي الدين السبكي، والحافظين أبي الحجاج المزّي، وأبي عبد الله الذهبي. وأخذ طرفا من الفقه، وأخذ النحو عن أبي حيّان، والأدب عن ابن نباتة، والشهاب محمود، ولازمه، ومهر في فن الأدب، وكتب الخط المليح، وقال النظم الرائق، وألّف المؤلفات الفائقة، وباشر كتابة الإنشاء بمصر ودمشق، ثم ولي كتابة السر بحلب، ثم وكالة بيت المال بالشام، وتصدى للإفادة بالجامع الأموي، وحدّث بدمشق وحلب وغيرهما. توفي في شهر شوّال من سنة أربع وستين وسبعمائة. وقد ذكره شيخه الإمام الذهبي في «المعجم المختصّ» فقال: الإمام العالم الأديب البليغ الأكمل، طلب العلم وشارك في الفضائل، وساد في علم الرسائل، وقرأ الحديث، وكتب المنسوب، وجمع وصنّف، والله يمدّه بتوفيقه، سمع منّي، وسمعت منه، وله تآليف، وكتب، وبلاغة. قلت: وقد اشتهر الصفدي بكتابه العظيم «الوافي بالوفيات» المنوّه عنه في صدر الترجمة، وقد جمع فيه تراجم الأعيان ونجباء الزمان ممّن وقع عليه

стр. 60

اختياره، فلا يغادر أحدا من أعيان الصحابة والتابعين، والملوك والأمراء، والقضاة والعمال، والقرّاء والمحدّثين، والفقهاء والمشايخ، والصلحاء والأولياء والنحاة، والأدباء والشعراء، والأطباء والحكماء، وأصحاب النّحل والبدع والآراء، وأعيان كل فن ممّن اشتهر أو أتقن إلا وذكره. وقد قامت جمعية المستشرقين الألمان في بيروت بتكليف عدد من الباحثين المختصّين من عرب ومستشرقين بتحقيقه، وقد صدرت منه مجموعة كبيرة من الأجزاء، ولا تزال أجزاء أخرى منه قيد التحقيق، أو تحت الطبع. ٣٣- اليافعي هو عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان بن فلاح اليافعي اليمني ثم المكّي، أبو محمد، العالم المؤرخ المتصوف، صاحب «مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان» وغير ذلك من المصنفات المختلفة. ولد في اليمن سنة (٦٩٨) ، وكان من صغره تاركا لما يشتغل به الأطفال من اللعب، فلما رأى والده آثار الفلاح عليه ظاهرة، بعث به إلى عدن فاشتغل بالعلم، وأخذ عن العلّامة أبي عبد الله البصّال وغيره، وعاد إلى بلاده، وصحب الشيخ علي الطواشي، وهو الذي سلّكه الطريق، ثم لازم العلم وحفظ «الحاوي الصغير» ، و «الجمل» للزجاجي، ثم جاور بمكّة وتزوج بها. وكان ينظم الشعر الحسن، ومن شعره: وقائلة ما لي أراك مجانبا ... أمورا وفيها للتّجارة مربح فقلت لها ما لي بربحك حاجة ... فنحن أناس بالسلّامة نفرح مات في مكة في جمادى الآخرة من سنة ثمان وستين وسبعمائة، ودفن بمقبرة باب المعلى بجوار الفضيل بن عياض.

стр. 61

قال الإسنوي: كان إماما يسترشد بعلومه ويقتدى، وعلما يستضاء بأنواره ويهتدى، صنّف تصانيف كثيرة في أنواع العلوم، إلّا أن معظمها صغير الحجم معقود لمسائل مفردة. قلت: وقد قامت شهرة اليافعي على كتابه المشار إليه في صدر الترجمة، وهو من الكتب التي نقل عنها ابن العماد مباشرة، وقد طبع في الهند طبعة تجارية صدرت في أربعة مجلدات، ويطبع الآن في مؤسسة الرسالة في بيروت بتحقيق الدكتور عبد الله الجبوري، وقد اطّلعت على المجلد الأول من هذه الطبعة أثناء تصحيح تجارب الطبع الثانية من المجلد الأول من هذا الكتاب فاستفدت منه في بعض المواطن، ولكن لفت نظري التسرّع الذي اتصف به عمل المحقّق الأمر الذي أوقعه في أخطاء كثيرة، ناهيك عن افتقاره إلى الضبط، وتفصيل النصوص وفق مناهج التحقيق الحديثة، وخلوه من تخريج الأحاديث الواردة في الكتاب تخريجا علميا، ولا سيما في القسم الذي تحدّث فيه المؤلف عن سيرة النبيّ ﷺ . ٣٤- تاج الدّين السّبكي هو عبد الوهّاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمّام بن يوسف بن موسى بن تمام السّبكي الشافعي، أبو نصر، الإمام الباحث المؤرّخ، صاحب «طبقات الشافعية الكبرى» . ولد في القاهرة سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وسمع بمصر من جماعة، ثم قدم مع والده إلى دمشق في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وسمع بها من جماعة، وقرأ على الحافظ المزّي، ولازم الذهبي وتخرّج به، وطلب بنفسه، ودأب، وأجازه شمس الدين بن النقيب بالإفتاء والتدريس، ولما مات ابن النقيب كان عمره ثماني عشرة سنة، وأفتى ودرس، وصنّف، واشتغل بالقضاء، وولي الخطابة بعد وفاة ابن جملة، ثم عزل، وحصل له فتنة شديدة، وسجن بالقلعة نحو ثمانين يوما، ثم عاد إلى القضاء.

стр. 62

وقد درّس بمصر والشام بمدارس العزيزة، والعادلية الكبرى، والغزالية، والعذراوية، والشاميتين، والناصرية، والأمينية، ومشيخة دار الحديث الأشرفية، وغير ذلك من المدارس. مات شهيدا بالطاعون في شهر ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، ودفن بتربتهم في سفح جبل قاسيون قرب دمشق في ذلك العصر. وقد ذكره الحافظ الذهبي في «المعجم المختصّ» وأثنى عليه. وقال ابن كثير: جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض قبله، وحصل له من المناصب ما لم يحصل لأحد قبله. وقال شهاب الدين بن حجّي: حصّل فنونا من العلم، والأصول- وكان ماهرا فيه- والحديث، والأدب، وبرع وشارك في العربية، وكان له يد في النظم والنثر، جيد البديهة، ذا بلاغة وطلاقة لسان، وجراءة جنان، وذكاء مفرط، وذهن وقّاد، صنّف تصانيف عدّة في فنون مختلفة على صغر سنّه وكثرة اشتغاله، قرئت عليه، وانتشرت في حياته وبعد موته. قلت: وقد اشتهر تاج الدين السبكي بكتابه «طبقات الشافعية الكبرى» المنوّه عنه في صدر الترجمة، وقد استوعب فيه تراجم عدد كبير جدا من علماء المذهب، وقد طبع في مصر بتحقيق الدكتور محمود محمد الطناحي، والدكتور عبد الفتاح الحلو، وهي طبعة متقنة. ٣٥- ابن كثير هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوّ بن كثير القرشي البصروي الدمشقي، الإمام الحافظ المفسّر المؤرّخ الكبير، صاحب «البداية والنهاية» ، و «التفسير» ، وغير ذلك من المصنفات النافعة الماتعة. ولد في قرية صغيرة من قرى مدينة بصرى من أرض حوران في بلاد الشام، اسمها «مجدل» وذلك سنة سبعمائة من الهجرة، لما كان أبوه خطيبا بها.

стр. 63

ولما بلغ السابعة من عمره توفي والده، فتحولت أسرته إلى دمشق، ونزلت في الدار المجاورة للمدرسة النورية. وفي دمشق شرع ابن كثير بطلب العلم على عدد من العلماء الأعلام من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ المزّي، والبرهان الفزاري الشهير بابن الفركاح، وابن قاضي شهبة. وكان كثير الاستحضار قليل النسيان جيد الفهم، حفظ «التنبيه» وعرضه سنة ثمان عشرة، وحفظ «مختصر ابن الحاجب» . ثم أقبل على الحديث، فاشتغل بمطالعة متونه ورجاله، فسمع «الموطأ» للإمام مالك، و «الجامع الصحيح» للإمام البخاري، و «الجامع الصحيح» للإمام مسلم، و «سنن الدارقطني» ، وشيئا من «السنن الكبرى» للبيهقي، وسمع «مسند الشافعي» ، وغير ذلك من المصنفات الحديثية وهو لا يزال في مقتبل العمر. توفي في شهر شعبان من سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ودفن عند شيخه ابن تيمية في مقبرة الصوفية خارج باب النصر من دمشق. قلت: وقد قامت شهرة ابن كثير على كتابيه «البداية والنهاية» و «التفسير» المشار إليهما في صدر الترجمة، وقد طبع الأول منهما في مصر أول الأمر طبعة غير محققة وكثيرة التحريف والتصحيف والسّقط، ثم صوّرت هذه الطبعة في بيروت عدة مرات، أو صفّت حروفها من جديد من غير تحقيق يليق بهذا الكتاب العظيم، وقد تصدّت لنشره نشرة علمية متقنة دار ابن كثير بدمشق وبيروت، وقامت بتكليف مجموعة كبيرة من المحققين المتمرّسين بتحقيقه بالاعتماد على ثلاث من نسخه الخطية، وكلفت والدي الأستاذ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط بمراجعة الكتاب والحكم على الأحاديث التي أوردها المؤلف من خارج «الصحيحين» من جهة الصحة والحسن والضعف، وسوف تصدر هذه الطبعة في عشرين مجلدا من الحجم الكبير تضم فهارس تفصيلية إن شاء الله. وطبع الثاني منهما- وهو «التفسير» - في مصر أيضا في أربع مجلدات من غير تحقيق ولا تدقيق، وقد صوّرت هذه الطبعة عدة مرات في بيروت كما هي .

стр. 64

٣٦- لسان الدّين ابن الخطيب هو محمد بن عبد الله بن سعيد السلماني اللوشي الأصل، الغرناطي الأندلسي، أبو عبد الله، الشهير بلسان الدين ابن الخطيب، الوزير العلّامة المؤرّخ النبيل، صاحب «الإحاطة في تاريخ غرناطة» وغير ذلك من المصنفات المفيدة النافعة. ولد بمدينة لوشة في الخامس والعشرين من رجب سنة (٧١٣) هـ، وتربى في أحضان أسرته التي عرفت بالأصالة علما وجاها، ونشأ في العاصمة «غرناطة» حيث تلقى بها دراسته على أيدي جهابذة العلماء والأدباء في عصره، فقد كانت غرناطة في ذلك العصر أعظم مركز للدراسات العلمية والأدبية في مغرب العالم الإسلامي. وكان من الطبيعي أن يتأثر لسان الدين بالجو المحيط بوالده الذي كان يشغل وقتئذ منصب الوزارة في بلاط ملوك بني نصر، حيث وزر للسلطان يوسف بن إسماعيل بن الأحمر، فلما توفي والده دعي لسان الدين ليشغل منصب أبيه وهو في ريعان الشباب كأمين سر أولا لأستاذه رئيس ديوان الإنشاء أبي الحسن علي بن الجباب، ثم تقلّد ديوان الإنشاء بعد وفاة شاغله، وأظهر من البراعة والكفاءة في هذه المناصب ما جعله أهلا لثقة السلطان المذكور، فقلّده السلطان منصب أمانة السر في ديوانه ولمّا يستكمل مرحلة الشباب، وأرسله سفيرا إلى عدد من الملوك، ثم استنابه بدار الملك، وسلّمه خاتمه، وائتمنه على بيت المال، وسجوف حرمه، ومعقل امتناعه، فكانت هذه الفترة هي الفترة الذهبية في حياة هذا العالم الكبير. ولما توفي السلطان يوسف خلفه ابنه السلطان الغني بالله، فأبقى هذا ابن الخطيب وزيرا له، وهكذا احتل ابن الخطيب مكانة مرموقة في بلاط الغني بالله، حيث جمع في عهده فيما بعد بين وزارة القلم، ووزارة السيف، فلقّب ب «ذي الوزارتين» ، ثم ما لبث السلطان الغني بالله أن انقلب على ابن

стр. 65

الخطيب إثر بعض التقلبات السياسية التي حصلت في فترة لا حقة، الأمر الذي جعل ابن الخطيب يفرّ من وجهه، ثم ما لبث إلا قليلا حتى وقع في أيدي الغني بالله فاتهمه بالزندقة والإلحاد، فأفتى الفقهاء للسلطان بإعدامه، فخنق ثم أحرق، وذلك في أواخر سنة ست وسبعين وسبعمائة من الهجرة. قال المقري في كتابه «تعريف ابن الخطيب» : كان ﵀ مبتلى بداء الأرق، لا ينام من الليل إلّا اليسير جدا، وقد قال في كتابه «الوصول لحفظ الصحة في الفصول» : العجب منّي مع تأليفي لهذا الكتاب الذي لم يؤلّف مثله في الطب، ومع ذلك لا أقدر على داء الأرق الذي بي، ولذا يقال له: ذو العمرين، لأن الناس ينامون وهو ساهر، ومؤلفاته ما كان يؤلفها غالبا إلا بالليل، وقد سمعت بعض الرؤساء بالمغرب يقول: لسان الدين، ذو الوزارتين، وذو العمرين، وذو الميتتين، وذو القبرين. ثم قال المقري: واعلم أن لسان الدّين لما كانت الأيام له مسالمة لم يقدر أحد أن يواجهه بما يدنّس معاليه، أو يطمس معالمه، فلما قلبت الأيام له ظهر مجنّها وعاملته بمنعها بعد منحها، ومنها أكثر أعداؤه في شأنه الكلام، ونسبوه إلى الزندقة والانحلال من ربقة الإسلام، بتنقص النبيّ عليه أفضل الصلاة والسلام، والقول بالحلول والاتحاد، والانخراط في سلك أهل الإلحاد، وسلوك مذاهب الفلاسفة في الاعتقاد، وغير ذلك مما أثاره الحقد والعداوة والانتقاد من مقالات نسبوها إليه خارجة عن السنن السويّ، وكلمات كدروا بها منهل علمه الرويّ، لا يدين بها ويفوه إلا الضالّ والغويّ، والظن أن مقامه رحمه الله تعالى من لبسها بريّ، وجنابه سامحه الله عن لبسها عريّ، وكان الذي تولى كبر محنته وقتله تلميذه ابن زمرك. قلت: وقد اشتهر ابن الخطيب عقب موته بكتابه العظيم «الإحاطة في أخبار غرناطة» وقد بقي هذا الكتاب مخطوطا إلى أن امتدّت إليه يد العالم المؤرّخ الأستاذ محمد عبد الله عنان، فأزاحت الغبار عنه، وأخرجته إلى عالم المطبوعات محقّقا تحقيقا جيدا، وقد صدر في مصر عام ١٣٧٦ هـ، فقدّم بذلك خدمة عظيمة للمكتبة العربية في العصر الحديث .

стр. 66

٣٧- ابن خلدون هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون الحضرمي الإشبيلي، أبو زيد، فيلسوف التاريخ الإسلامي، والعالم المحقّق الكبير، وأحد نوادر الدهر علما وثقافة وتحصيلا وذكاء، صاحب «التاريخ» الذي اشتهرت منه «المقدمة» شهرة لم تكتب إلا للقلّة من المصنفات الإسلامية في جميع العصور، حتى دعي بصاحب «المقدمة» أو دعيت هي ب «مقدمة ابن خلدون» وكأنه لم يصنّف غيرها. ولد في تونس وذلك يوم الأربعاء أول شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. وفي تونس نشأ ابن خلدون، وأخذ العلم عن جمهرة من علمائها، فقد سمع من العالم الفاضل شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن جابر، المعروف ب الوادي آشي صاحب «البرنامج» المتوفى سنة (٧٤٦) هـ. وقرأ القرآن على عبد الله بن سعد بن نزال إفرادا وجمعا، وأخذ العربية عن أبيه، وأبي عبد الله السايري، وغيرهما، وأخذ الفقه عن قاضي الجماعة ابن عبد السلام، وغيره، وأخذ عن عبد المهيمن الحضرمي، ومحمد بن إبراهيم الإربلي شيخ المعقول بالمغرب، وبرع في العلوم، وتقدم في الفنون، ومهر في الأدب والكتابة، وولي كتابة السر بمدينة فاس لأبي عنان، ولأخيه أبي سالم، ثم تنقل في البلاد متقلدا مناصب مختلفة، ثم رجع إلى تونس فأكرمه سلطانها، ثم حاول نفر من الناس الإساءة إليه عن طريق تأليب السلطان عليه، فعلم بالأمر، فما كان منه إلا أن رحل إلى المشرق، فحطّت به رحاله في القاهرة، فأكرمه سلطان مصر في ذلك العصر السلطان برقوق، وولي قضاء المالكية فيها، ثم عزل، وولي مشيخة المدرسة البيبرسية، ثم عزل عنها أيضا، ثم ولي القضاء مرارا، آخرها في رمضان من سنة ثمان وثمانمائة، فباشره ثمانية أيام، فأدركه أجله، ولم يتزيّ بزيّ القضاة في مصر، محتفظا بزيّ بلاده. وكان فصيحا، جميل الصورة، عاقلا، صادق اللهجة، عزوفا عن الضيم،

стр. 67

طامحا للمراتب العليا، ولما رحل إلى الأندلس اهتزّ له سلطانها، وأركب خاصّته لتلقّيه، وأجلسه في مجلسه. قال لسان الدين ابن الخطيب عنه في «الإحاطة» : رجل فاضل، جمّ الفضائل، رفيع القدر، أسيل المجد، وقور المجلس، عالي الهمّة، قويّ الجأش، متقدّم في فنون عقلية ونقلية، كثير الحفظ، صحيح التصوّر، بارع الخط، حسن العشرة، فخر من مفاخر العرب. قلت: وقد قامت شهرة ابن خلدون على تاريخه المعروف ب «العبر وديوان المبتدإ والخبر» ، وهو مطبوع في مصر في سبعة مجلدات بما في ذلك «المقدمة» التي تعدّ- كما يقول الزركلي- من أصول علم الاجتماع، وقد نقلت هي وأجزاء من الكتاب إلى اللغة الفرنسية، وغيرها، واشتهرت شهرة كبيرة بين المتعلمين من المسلمين منذ عصر ابن خلدون وحتى أيامنا، حتى إنه تكاد لا تخلو منها مكتبة أيّ باحث أو مثقف في ربوع أقطار أمتنا العظيمة، وفي مواطن الاستشراق أيضا. ٣٨- ابن ناصر الدّين هو محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن مجاهد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن علي القيسي الدمشقي، الشهير بابن ناصر الدين، الإمام الحافظ المؤرّخ الأديب، صاحب «توضيح المشتبه» و «الردّ الوافر» ، و «بواعث الفكرة في حوادث الهجرة» ، وغير ذلك من المصنفات النافعة المفيدة. ولد بدمشق في أواسط المحرم من سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وبها نشأ وحفظ القرآن العزيز، وعدة متون، وسمع الحديث في صغره من الحافظ أبي بكر بن المحب، وسمع من خلق منهم بدر الدّين بن قوّام، ومحمد بن عوض، والعزّ الأبناسي، وابن غشم المرداوي، وغيرهم. ومهر في الحديث، وكتب وخرّج، وعرف العالي والنازل، وخرّج لنفسه ولغيره، وصار حافظ الشام في عصره بلا منازع.

стр. 68

واشتهر اسمه، وبعد صيته، وألّف التآليف الجليلة. وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية سنة (٨٣٧) هـ. مات في ليلة الجمعة سادس عشر ربيع الآخر من سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، ودفن بمقبرة باب الفراديس بدمشق. قلت: وقد قامت شهرة ابن ناصر الدين على كتابه «توضيح المشتبه» يعني «مشتبه النسبة» للإمام الذهبي، وجرد منه كتابه «الإعلام بما وقع في مشتبه الذهبي من الأوهام» ، ويقوم الأستاذ الفاضل محمد نعيم العرقسوسي الدمشقي بتحقيق «التوضيح» وقد أنجز منه الجزء الأول كما ذكر لي حفظه الله، وسوف يصدر قريبا عن دار مؤسسة الرسالة في بيروت. وأما كتابه «الردّ الوافر» فقد طبع طبعة تجارية في «مطبعة كردستان العلمية» في مصر، ثم طبع طبعة أخرى أفضل منها في «المكتب الإسلامي» في بيروت، وهو بحاجة إلى التحقيق العلمي المتقن، ولعلّي أقوم بذلك مستقبلا إن شاء الله تعالى. وأما قصيدته «بواعث الفكرة في حوادث الهجرة» فهي مخطوطة لم تنشر بعد، وتحتفظ مكتبة الحرم المكي بنسخة منها. ٣٩- ابن قاضي شهبة هو أبو بكر بن أحمد بن محمد بن عمر الأسدي الشهبي الدمشقي، فقيه الشام، ومؤرخها، وعالمها في عصره، صاحب المصنفات الكثيرة الشهيرة، التي أهمّها كتابه «الإعلام بتاريخ الإسلام» ، وقد اشتهر ابن قاضي شهبة بهذا الاسم، لأن أبا جدّه عمر أقام قاضيا بشهبة إحدى قرى حوران أربعين سنة. ولد سنة (٧٧٩) هـ، وتفقّه بوالده وغيره، وسمع من أكابر أهل عصره وأفتى ودرس، وجمع وصنّف. توفي في دمشق فجأة، وهو جالس يصنّف ويكلّم ولده، وذلك يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة.

стр. 69

قلت: وقد قامت شهرته في المقام الأول على كتابه المنوّه عنه في صدر الترجمة، و «تاريخ» يشتمل على ذكر الحوادث والوفيات من سنة (٧٤١) هـ وما بعدها، وقد نشر مجلد واحد منه في المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق معنونا ب «تاريخ ابن قاضي شهبة» وقام بتحقيقه الأستاذ الدكتور عدنان درويش، وقد علمت من محققه الكريم بأنه أنهى تحقيق تتمة الكتاب، وسوف يطبع قريبا. ٤٠- ابن حجر العسقلاني هو أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، الإمام الحافظ المؤرّخ الحافظ المؤرّخ الكبير، صاحب «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» ، و «الإصابة في تمييز الصحابة» ، و «الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة» ، وغير ذلك من المصنفات النافعة المفيدة القيّمة. ولد في الثاني عشر من شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة في مصر، ومات والده وهو حدث السن، فكفله زكي الدين الخروبي، وهو من كبار التجار، وما إن بلغ التاسعة حتى كان قد حفظ القرآن، وسرعان ما أجاد بسائط الفقه والنحو، ودرس مدة طويلة من الزمن على أعظم علماء عصره، من أمثال البلقيني، وابن الملقن، والعراقي، وعزّ الدين بن جماعة، والتنوخي، ومحبّ الدين بن هشام، والفيروزآبادي، والبرهان الأبناسي، ونور الدين الهيثمي والأبشيطي، والخليلي، والأيكي، وابن سالم، والقلقشندي، وبدر الدين ابن مكي، وغيرهم. وقد رحل إلى عدد من البلاد في سبيل تحصيل العلم والسماع من العلماء المذكورين وسواهم من مشايخه. وأقبل على الاشتغال والإشغال والتصنيف، وبرع في الفقه والعربية، وصار حافظ الإسلام في عصره، وانتهت إليه معرفة الرجال واستحضارهم، ومعرفة العالي والنازل، وعلل الحديث، وغير ذلك، وصار هو المعوّل عليه في

стр. 70

هذا الشأن في سائر الأقطار، وقدوة الأمة، وعلّامة العلماء، وحجّة الأعلام، ومحيي السّنّة، وانتفع به الطلبة، وحضر دروسه وقرأ عليه غالب علماء مصر، ورحل الناس إليه من الأقطار، وولي القضاء، ودرّس في عدد من المدارس الشهيرة في مصر، وصنّف تصانيف كثيرة نافعة في بابها. مات في أواخر ذي الحجة من سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة [١] . قلت: وقد قامت شهرة ابن حجر على عدد كبير من كتبه، وأهمها كتبه الثلاثة «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» ، و «الإصابة في تمييز الصحابة» ، و «الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة» ، وقد طبع الأول منها طبعة مرقمة جيدة في المكتبة السلفية بمصر بإشراف العلّامة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله، وصدر في أربعة عشر مجلدا بما فيها «المقدمة» ، وهي أفضل طبعة من هذا الكتاب. وطبع الثاني منها طبعة مضبوطة متقنة مرقمة في مكتبة الكليات الأزهرية بمصر بتحقيق الأستاذ الدكتور طه محمد الزيني، وصدر في ثلاثة عشرة جزءا، وهي أفضل طبعة من هذا الكتاب. والثالث منها مطبوع في مصر أيضا، وطبعته منتشرة غير أنها تفتقر إلى التحقيق والتصحيح والتدقيق. ٤١- ابن تغري بردي هو يوسف بن الأمير سيف الدين تغري بردي [٢] بن عبد الله الظاهري الحنفي، أبو المحاسن، الإمام الفقيه المؤرّخ البحّاثة، صاحب «المنهل الصافي

стр. 71

والمستوفي بعد الوافي» ، و «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» ، وغير ذلك من المصنفات المفيدة النافعة. ولد في القاهرة سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، ونشأ يتيما في حجر قاضي القضاة جلال الدين البلقيني المتوفى سنة (٨٢٤) هـ، وتأدب وتفقّه وقرأ الحديث على جمهرة من علماء عصره، وأولع بالتاريخ، فلازم مؤرخي عصره مثل العيني، والمقريزي، واجتهد إلى الغاية، وساعدته جودة ذهنه وحسن تصوّره، وصحة فهمه، ومهر وكتب، وحصّل، وصنّف، وانتهت إليه رئاسة فن التاريخ في عصره. سمع شيئا كثيرا من كتب الحديث، وأجازه جماعات لا تحصى مثل الحافظ ابن حجر، والمقريزي، والعيني. وتوفي في ذي الحجة من سنة أربع وسبعين وثمانمائة في القاهرة. قلت: وقد قامت شهرة ابن تغري بردي على كتابيه المشار إليهما في صدر الترجمة، وقد طبع من الأول المجلد الأول فقط كما ذكر الزركلي في «الأعلام» ، وهو من الكتب الجديرة بالنشر والتحقيق العلمي نظرا لما فيه من الفوائد الكثيرة العديدة. والثاني منهما مطبوع طبعة جيدة بدار الكتب المصرية بالقاهرة. ٤٢- السّخاوي هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السّخاوي، أبو الخير، الإمام الحافظ المؤرّخ الكبير، صاحب «الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع» ، و «الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ أهل التأريخ» ، و «المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة» ، وغير ذلك من المصنفات المفيدة النافعة. ولد في القاهرة في شهر ربيع الأول من سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة،

стр. 72

وحفظ القرآن الكريم وهو صغير، وجوّده، ثم حفظ «المنهاج» و «ألفية ابن مالك» ، و «ألفية العراقي» ، وغالب «الشاطبية» و «النخبة» لابن حجر، ومقدمة «الشاوي» في العروض، وبرع في العربية، والفقه، والقراءات، والحديث، والتاريخ، وشارك في الفرائض، والحساب، والتفسير، وأصول الفقه، والميقات، وغيرها. وأما مقروءاته ومسموعاته، فكثيرة جدا لا تكاد تنحصر، وأخذ عن جماعة لا يحصون، يزيدون على أربعمائة شيخ، وأذن له غير واحد بالإفتاء، والتدريس، والإملاء، وسمع الكثير على شيخه الحافظ ابن حجر، وأقبل عليه بكليته إقبالا يزيد على الوصف، حتى حمل عنه علما جمّا، واختصّ به كثيرا بحيث كان أكثر الآخذين عنه، وأعانه على ذلك قرب منزله من منزله، وكان لا يفوته مما يقرأ عليه إلّا النادر، وقرأ عليه «الإصلاح» بتمامه، وسمع عليه جلّ كتبه، كالألفية وشرحها مرارا، وعلوم الحديث إلا اليسير، وأكثر تصانيفه في الرجال وغيرها، وغير ذلك من المصنفات الأخرى. وقد رحل إلى عدد كبير من الأمصار في سبيل طلب العلم، منها دمشق، وحلب، وبيت المقدس، والخليل، ونابلس، والرملة، وحماة، وبعلبك، وحمص. مات في المدينة المنورة يوم الأحد الثامن والعشرين من شعبان سنة اثنتين وتسعمائة، وصلي عليه بعد صلاة صبح يوم الإثنين، ودفن بالبقيع بقرب الإمام مالك رحمه الله تعالى. قلت: وقد قامت شهرة السّخاوي على عدد من الكتب التي صنّفها، وأهمها كتبه الثلاثة المنوّه عنها في صدر الترجمة. والأول منها مطبوع طبعة تجارية غير محققة. والثاني مطبوع مرتين الأولى على يد الأستاذ حسام الدين القدسي ﵀ في مصر، وهي طبعة غير محققة وفيها الكثير من التحريف والتصحيف، والثانية ضمن كتاب المستشرق الدكتور فرانز روزنثال «علم التأريخ عند

стр. 73

المسلمين» الذي ترجمه الأستاذ الدكتور صالح العلي ونشر في العراق، وهي نشرة جيدة، غير أن المؤلف روزنثال كان قد أخرج من الكتاب رسالة الذهبي «الأمصار ذوات الآثار» التي ساقها السخاوي في الكتاب، فقام المترجم بإعادة هذه الرسالة من «الإعلان» المنشور على يد القدسي بكل ما فيها من السقط، والتحريف، والتصحيف، والخطأ، وهذا ما تأكد لنا لدى تحقيقنا لكتاب «الأمصار ذوات الآثار» للذهبي الصادر عن دار ابن كثير حديثا. والكتاب الثالث وهو «المقاصد الحسنة» مطبوع في دار الكتب العلمية ببيروت بعناية الشيخ عبد الله الصّدّيق، وتقديم الشيخ عبد الوهّاب عبد اللطيف، ولكنها طبعة تفتقر إلى التحقيق والضبط والتخريج. ٤٣- ابن طولون هو محمد بن علي بن أحمد بن حمّارويه بن طولون الدمشقي الصالحي، الإمام المؤرّخ، المحدّث، الفقيه، صاحب «مفاكهة الخلّان في حوادث الزمان» ، و «القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية» ، و «إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين» ، وغير ذلك من الكتب النافعة المفيدة. ولد في شهر ربيع الأول من سنة ثمانين وثمانمائة في صالحية دمشق، ونشأ فاقد الأم، فقد ماتت والدته شهيدة بالطاعون وهو رضيع. وقد تعلم ابن طولون الخط بمكتب المدرسة الحاجبية بالقرب من منزله، ثم حفظ القرآن بمكتب مسجد الكوافي المشهور في عصره بمسجد العساكرة. وسمع وقرأ على جماعة من العلماء منهم: القاضي ناصر الدين أبو البقاء بن رزين، والخطيب سراج الدين الصيرفي، والجمال يوسف بن الهادي المعروف بابن المبرّد، والشيخ أبو الفتح السكندري المزّي، وابن النعيمي في آخرين، وتفقّه بعمّه الجمال بن طولون وغيره، وأخذ عن السيوطي إجازة مكاتبة في جماعة من المصريين وآخرين من أهل الحجاز، وقرأ عددا كبيرا من كتب الفقه، والحديث، وغير ذلك من العلوم.

стр. 74

وكانت أوقاته معمورة بالتدريس والإفادة، والتأليف والعبادة، وقد اشتغل في أثناء حياته بعدد كبير من العلوم وصنّف فيها، وكانت له وظائف عديدة أيضا، وكان متفرغا للعلم والعبادة، فلم تكن له زوجة ولا ولد. مات يوم الأحد الحادي عشر من جمادى الأولى من سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، ودفن بتربة أسرته في صالحية دمشق. قلت: وقد قامت شهرة ابن طولون على عدد من كتبه أهمها كتبه الثلاثة المشار إليها في صدر هذه الترجمة، وقد طبع الأول منها في مصر بتحقيق الأستاذ محمد مصطفى، وهي طبعة غير متقنة. والثاني منها طبع في دمشق مرتين بتحقيق الأستاذ المحقّق الشيخ محمد أحمد دهمان، الأولى نشرها بنفسه، والثانية صدرت عن مجمع اللغة العربية منذ ثلاث سنوات. وأما الثالث وهو «إعلام السائلين» فقد أكرمني الله بتحقيقه، والتقديم له، والتعليق عليه، وقام والدي حفظه الله بقراءته والنظر في تحقيقه قبل دفعه للطبع، وقد صدر عن دار مؤسسة الرسالة في بيروت قبل سنوات [١] . ٤٤- العيدروس هو عبد القادر بن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس، العلّامة المؤرّخ، صاحب «النور السافر عن أخبار القرن العاشر» الذي ينقل عنه ابن العماد كثيرا في تأريخه لحوادث القرن العاشر في كتابه. والمترجم من أهل اليمن، سكن حضرموت، وانتقل إلى مدينة أحمد أباد بالهند فسكن فيها إلى أن توفي سنة (١٠٣٧) هـ كما جاء في حاشية الصفحة (٣٣٤) من «النور السافر» .

стр. 75

وقال الزركلي في «الأعلام» : وفي «المشرع الروي» (٢/ ١٤٧) وفاته سنة (١٠٤٨) هـ، ومثله في «تاريخ شعراء الحضرميين» (١/ ١٢٣) ، ومراجع «تاريخ اليمن» ص (١٧٢) . قلت: وقد اشتهر المترجم بكتابه المنوّه عنه في صدر الترجمة، وهو مطبوع طبعة تجارية سقيمة في مصر دون ذكر اسم الدار الناشرة له، وهو بأمسّ الحاجة إلى التحقيق العلمي المتقن. وله مؤلفات أخرى كثيرة متنوعة ذكرها الزركلي في «الأعلام» (٤/ ٣٩) . ٤٥- الحلبي هو علي بن إبراهيم بن أحمد الحلبي القاهري، أبو الفرج، العلّامة المؤرخ الفقيه، صاحب «إنسان العيون في سيرة الأمين والمأمون» المعروف ب «السيرة الحلبية» و «غاية الإحسان فيمن لقيته من أبناء الزمان» وغير ذلك من المصنفات النافعة. ولد في مصر سنة (٩٧٥) هـ، وأخذ العلم عن عدد من العلماء فيها، ثم انصرف إلى التدريس والتصنيف. توفي في آخر يوم من شهر شعبان سنة (١٠٤٤) هـ بالقاهرة ودفن فيها. قلت: وقد قامت شهرة المترجم على كتابه «السيرة» وهو من بين الكتب التي نقل ابن العماد عنها مباشرة، وقد طبع قديما في مصر طبعة تجارية تفتقر إلى التحقيق والفهرسة، ثم صورت عدة مرات في بيروت دون أن تضاف إليها أية خدمة تذكر. قلت: وهؤلاء المؤرخون المتقدّم ذكرهم هم من أبرز العلماء الذين تقدموا ابن العماد في فروع التأريخ الإسلامي الأربعة «السيرة النبوية» و «علم الأنساب» و «تدوين حوادث الدهر» و «سير الرجال» .
следующие страницы →