← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وفيها محمد بن أحمد بن علي بن أسد البردعي [١] الأسدي بن حرارة، وحرارة لقب أبيه. وكان محمد هذا حافظا كبيرا، نقّادا، مكثرا. والبردعي: بفتح الباء والدال المهملة، وسكون الراء، نسبة إلى بردعة بلد بأذربيجان. وفيها أبو بكر محمد بن جعفر الأدمي القارئ بالألحان. حدّث عن أحمد بن عبيد بن ناصح وجماعة، وقيل: إنه خلّط قبل موته.

стр. 1542

سنة تسع وأربعين وثلاثمائة قال في «الشذور» : وفي هذه السنة أسلم من التّرك مائتا ألف حزكاه [١] . انتهى. وفيها أوقع نجا، غلام سيف الدولة بالرّوم، فقتل وأسر، وفرح المسلمون. وفيها تمت وقعة هائلة ببغداد، بين السّنّة والرافضة، وقويت الرافضة ببني هاشم، وبمعز الدّولة، وعطّلت الصلوات في الجوامع، ثم رأى معز الدولة المصلحة في القبض على جماعة من الهاشميين، فسكنت الفتنة. وفيها حشد سيف الدولة، ودخل الرّوم، فأغار، وقتل، وسبى، فرجعت إليه [٢] جيوش الرّوم، فعجز عن لقائهم، وكرّ في ثلاثمائة، ونهبت خزانته، وقتل جماعة من أمرائه، والله المستعان. وفيها توفي أبو الحسين أحمد بن عثمان الأدمي العطشي- بفتحتين ومعجمة، نسبة إلى سوق العطش ببغداد- توفي في ربيع الآخر، وله أربع وتسعون سنة. روى عن العطاردي، وعبّاس الدّوري، والكبار. وفيها أبو الفوارس الصّابوني.

стр. 1543

قال في «حسن المحاضرة» [١] : أبو الفوارس الصابوني أحمد بن محمد بن حسين بن السّندي، الثقة المعمّر، مسند ديار مصر. عن يونس بن عبد الأعلى، والمزني، والكبار، وآخر من روى عنه ابن نظيف. مات في شوال. وله مائة وخمس سنين. وفيها العلّامة أبو الوليد حسّان بن محمد القرشي الأموي النيسابوري الفقيه، شيخ الشافعية بخراسان، وصاحب ابن سريج. صنّف التصانيف، وكان بصيرا بالحديث وعلله. خرّج كتابا على «صحيح مسلم» . روى عن محمد بن إبراهيم البوشنجي وطبقته. وعنه: الحاكم وغيره، وهو ثقة. أثنى عليه غير واحد، وهو صاحب وجه في المذهب. وقال فيه الحاكم: هو إمام أهل الحديث بخراسان، وأزهد من رأيت من العلماء وأعبدهم. توفي في ربيع الأول عن اثنتين وتسعين [٢] سنة. وفيها أبو علي الحافظ، الحسين بن علي بن يزيد بن داود النيسابوري الثقة، أحد الأعلام. توفي في جمادى الأولى بنيسابور، وله اثنتان وسبعون سنة. قال الحاكم: هو واحد عصره، في الحفظ، والإتقان، والورع، والمذاكرة، والتصنيف. سمع إبراهيم بن أبي طالب وطبقته، وفي الرحلة من النّسائي، وأبي خليفة، وطبقتهما، وكان باقعة [٣] في الحفظ، كان ابن عقدة يخضع لحفظه. وفيها عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم الخراساني، أبو محمد

стр. 1544

المعدّل [١] وكان ابن عم أبي القاسم البغوي. سمع أحمد بن ملاعب، ويحيى بن أبي طالب وطبقتهما. قال الدارقطني: ليّن. وفيها أبو طاهر بن أبي هاشم [شيخ] [٢] القرّاء بالعراق، وهو عبد الواحد بن عمر بن محمد البغدادي، صاحب التصانيف، وتلميذ ابن مجاهد. روى عن محمد بن جعفر القتّات وطائفة، ومات في شوال، عن سبعين سنة. وفيها أبو أحمد العسّال القاضي، واسمه محمد بن أحمد بن إبراهيم، قاضي أصبهان. سمع محمد بن أسد المديني، وأبا بكر بن أبي عاصم وطبقتهما، ورحل وجمع وصنّف، وكان من أئمة هذا الشأن. قال أبو نعيم الحافظ: كان من كبار الحفاظ. وقال ابن مندة: كتبت عن ألف شيخ، لم أر فيهم أتقن من أبي أحمد العسّال. وقال ابن ناصر الدّين: كان حافظا كبيرا متقنا. وقال في «العبر» [٣] : قلت: توفي في رمضان، وله نحو من ثمانين سنة أو أكثر. وقال ابن بردس [٤] : وروى عنه أولاده أبو عامر، وأبو جعفر أحمد، وإبراهيم، والعبّاس، وأبو بكر عبد الله، وابن مندة، وأبو نعيم الحافظ. وهو أحد الأئمة في الحديث فهما، وإتقانا، وأمانة.

стр. 1545

وقال أبو بكر بن علي: هو ثقة مأمون. قال أبو يعلى في «الإرشاد» له: أبو أحمد العسّال، حافظ متقن، عالم بهذا الشأن. انتهى ما قاله ابن بردس [١] . وفيها الحافظ ابن سعد البزّاز الحاجي، واسمه عبد الله بن أحمد بن سعد بن منصور، أبو محمد، النيسابوري الحاجي البزّاز، الحافظ الثبت. روى عن محمد البوشنجي، وإبراهيم بن أبي طالب، والسرّاج وطبقتهم، وعنه أبو عبد الله الحاكم وغيره. قال الحاكم: كتب الكثير، وجمع الشيوخ، والأبواب [٢] ، والملح، ووثقه ابن شيرويه. وفيها ابن علم الصفّار، أبو بكر محمد بن عبد الله بن عمرويه البغدادي، صاحب الجزء المعروف المشهور. قال الخطيب [٣] : جميع ما عنده [عنهما] [٤] جزء، ولم أسمع أحدا [من أصحابنا] [٥] يقول فيه إلّا خيرا. قال في «العبر» [٦] : سمع محمد بن إسحاق الصاغاني وغيره، ومات في شعبان، ويقال: إنه جاوز المائة. انتهى.

стр. 1546

سنة خمسين وثلاثمائة فيها كما قال في «الشذور» وقع برد كل بردة أوقيتان وأكثر، فقتل البهائم والطيور. انتهى. وفيها بنى معزّ الدولة ببغداد دار السلطنة في غاية الحسن والكبر، غرم عليها ثلاثة عشر ألف ألف درهم [١] وقد درست آثارها في حدود الستمائة، وبقي مكانها دحلة [٢] يأوي إليها الوحش، وبعض أساسها موجود، فإنه حفر لها في الأساسات نيّفا وثلاثين ذراعا. وفيها توفي أبو حامد، أحمد بن علي بن الحسن بن حسنويه النيسابوري التاجر. سمع أبا عيسى الترمذي، وأبا حاتم الرّازي وطبقتهما. قال الحاكم: كان من المجتهدين في العبادة، ولو اقتصر على سماعه الصحيح لكان أولى به، لكنه حدّث عن جماعة أشهد بالله أنه لم يسمع منهم. وفيها أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة، القاضي، أبو بكر، البغدادي، تلميذ محمد بن جرير، وصاحب التصانيف في الفنون، ولي قضاء

стр. 1547

الكوفة، وحدّث عن محمد بن سعد العوفي وطائفة، وعاش تسعين سنة. توفي في المحرم. قال الدارقطني: ربما حدّث من حفظه بما ليس في كتابه، أهلكه العجب، وكان يختار لنفسه، ولم يقلّد أحدا [١] . وقال ابن رزقويه: لم تر عيناي مثله. وقال في «المغني» [٢] : أحمد بن كامل القاضي، بغدادي حافظ. قال الدارقطني: كان متساهلا. انتهى. وفيها أبو سهل القطّان، أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد البغدادي، المحدّث الأخباري الأديب، مسند وقته. روى عن العطاردي، ومحمد بن عبيد الله المنادي، وخلق، وفيه تشيّع قليل. وكان يديم التهجّد والتلاوة والتعبّد، وكان كثير الدّعابة. قال البرقاني: كرهوه لمزاح فيه، وهو صدوق. توفي في شعبان، وله إحدى وتسعون سنة. وفيها أبو محمد الخطبيّ، إسماعيل بن علي بن إسماعيل البغدادي، الأديب الأخباري، صاحب التصانيف. روى عن الحارث بن أبي أسامة وطائفة، وكان يرتجل الخطب ولا يتقدّمه فيها [٣] أحد، فلذا نسب إليها. وفيها أبو علي الطبري، الحسن بن القاسم، شيخ الشافعية ببغداد، درّس الفقه بعد شيخه أبي علي بن أبي هريرة، وصنّف التصانيف، ك «المحرّر» و «الإفصاح» و «العدة» وهو صاحب وجه.

стр. 1548

قال الإسنوي [١] : وصنّف في الأصول، والجدل والخلاف، وهو أول من صنّف في الخلاف المجرّد، وكتابه فيه يسمى «المحرّر» . سكن بغداد ومات بها. والطبريّ: نسبة إلى طبرستان، بفتح الباء الموحدة، وهو إقليم متّسع، مجاور لخراسان، ومدينته آمل، بهمزة ممدودة وميم مضمومة، بعدها لام. وأما الطبرانيّ: فنسبة إلى طبرية الشام. انتهى ملخصا. وفيها أبو جعفر بن بريه الهاشمي، خطيب جامع المنصور، عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن المنصور، أبي جعفر، في صفر، وله سبع وثمانون سنة، وهو في طبقة الواثق في النسب. روى عن العطاردي، وابن أبي الدّنيا. وفيها توفي خليفة الأندلس، وأول من تلقب بأمير المؤمنين من أمراء الأندلس، الناصر لدين الله، أبو المطرّف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله [الأموي] [٢] المرواني، وكانت دولته خمسين سنة، وقام بعده ولده المستنصر بالله [٣] ، وكان كبير القدر كثير المحاسن، أنشأ مدينته الزهراء، وهي عديمة النظير في الحسن، غرم عليها من الأموال ما لا يحصى. قاله في «العبر» [٤] . وقال الشيخ أحمد المقّري [٥] المتأخّر في كتابه «أزهار الرياض في أخبار عياض» [٦] : وكانت سبتة مطمح همم ملوك العدوتين، وقد كان للناصر

стр. 1549

المرواني صاحب الأندلس عناية واهتمام بدخولها في إيالته، حتّى حصل له ذلك. ومنها ملك المغرب، وكان تملكه إيّاها سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وبها اشتد سلطانه وملك البحر بعدوية، وصار المجاز في يده، ومن غريب ما يحكى أنه أراد الفصد، فقعد في المجلس الكبير المشرف بأعلى مدينته بالزهراء، واستدعى الطبيب لذلك، وأخذ الطبيب المبضع وجسّ يد الناصر، فبينما هو كذلك، إذ طل زر زور، فصعد على إناء من ذهب بالمجلس، وأنشد: أيّها الفاصد مهلا ... بأمير المؤمنينا إنما تفصد عرقا ... فيه محيا العالمينا وجعل يكرر ذلك المرة بعد المرة، فاستظرف أمير المؤمنين الناصر ذلك غاية الاستظراف، وسرّ به غاية السرور، وسأل من أين اهتدى إلى ذلك؟ ومن علّم الزر زور، فذكر له، أن السيدة الكبيرة مرجانة، أمّ ولي عهده الحاكم المستنصر بالله صنعت ذلك، وأعدّته لذلك الأمر، فوهب لها ما ينوف على ثلاثين ألف دينار. والناصر المذكور هو الباني لمدينة الزهراء العظيمة المقدار، ولما بنى قصر الزهراء المتناهي في الجلالة، أطبق الناس على أنه لم يبن مثله في الإسلام البتّة، وكل من رآه قطع أنه لم ير مثله ولم يبصر له شبها، بل لم يسمع بمثله، بل لم يتوهم كون مثله. وذكر المؤرخ أبو مروان بن حيّان، صاحب الشرطة، أن مباني قصر الزهراء اشتملت على أربعة آلاف سارية، ما بين كبيرة وصغيرة، حاملة ومحمولة، ونيّف على ثلاثمائة سارية زائدة، وأن مصارع أبوابها صغارها وكبارها كانت تنيف على خمسة عشر ألف باب، وكان عدد الفتيان بالزهراء ثلاثة عشر ألف فتى وسبعمائة وخمسون فتى، وعدة النساء بقصر الزهراء

стр. 1550

الصغار والكبار وخدم الخدمة ثلاثة آلاف وثلاثمائة امرأة وأربع عشرة. وذكر بعض أهل الخدمة في الزهراء أنه قدر النفقة فيها في كل يوم بثلاثمائة ألف دينار، مدة خمسة وعشرين عاما. قال القاضي أبو الحسن: ومن أخبار منذر بن سعيد البلوطي المحفوظة له مع الخليفة الناصر في إنكاره عليه الإسراف في البناء، أن الناصر كان اتخذ لسطح القبة التي كانت على الصرح الممرد المشهور شأنه بقصر الزهراء قراميد مغشاة ذهبا وفضة، أنفق عليها مالا جسيما، وقد مدّ سقفها به، تستلب الأبصار بأشعة أنوارها، وجلس فيها أثر تمامها يوما لأهل مملكته، فقال لقرابته من الوزراء وأهل الخدمة، مفتخرا بما صنعه من ذلك: هل رأيتم أو سمعتم ملكا كان قبلي فعل مثل فعلي هذا وقدر عليه؟ فقالوا: لا يا أمير المؤمنين، وإنك لأوحد في شأنك كله، وما سبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه، ولا انتهى إلينا خبره، فأبهجه قولهم وسرّه، وبينما هو كذلك إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد واجما ناكس الرأس، فلما أخذ مجلسه، قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السقف المذهب، واقتداره عليه، وعلى إبداعه، فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته، وقال له: والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الشيطان- لعنه الله تعالى- يبلغ منك هذا المبلغ، ولا أن تمكنه من قلبك هذا التمكين، مع ما آتاك الله من فضله ونعمته، وفضّلك به على العالمين، حتّى ينزلك منازل الكافرين. قال: فانفعل عبد الرحمن لقوله وقال له: انظر ما تقول، وكيف أنزلتني منزلتهم؟ فقال له: نعم، أليس الله تعالى يقول: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً من فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ٤٣: ٣٣ [الزّخرف: ٣٣] . فوجم الخليفة، واطّردت عيناه، وأطرق مليا ودموعه تتساقط خشية وخشوعا لله تعالى، ثم أقبل على منذر، فقال له: جزاك الله يا قاضي عنّا وعن نفسك خيرا، وعن الدّين والمسلمين أجمل جزائه، وكثّر في الناس أمثالك، فالذي قلت هو الحق، وقام من

стр. 1551

مجلسه ذلك، وأمر بنقض سقف القبة، وأعاد قرمدها ترابا على صفة غيرها. وحكى غير واحد أنه وجد بخط الناصر رحمه الله تعالى أيام السرور التي صفت له دون تكدير، يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، ويوم كذا من كذا، وعدّت تلك الأيام، فكان فيها أربعة عشر يوما، فاعجب أيّها العاقل لهذه الدّنيا وعدم صفائها، وبخلها بكمال الأحوال لأوليائها، هذا الخليفة الناصر حلف السعود، المضروب به المثل في الارتقاء في الدّنيا، ملكها خمسين سنة وستة أو سبعة أشهر، وثلاثة أيام، ولم يصف له إلا أربعة عشر يوما، فسبحان ذي العزّة العالية القائمة، والمملكة الباقية الدائمة، تبارك اسمه وتعالى جدّه، لا إله إلّا هو. انتهى ما أورده المقّري مختصرا. وفيها القاضي أبو السائب، عتبة بن عبيد الله الهمذانيّ الشافعيّ الصوفيّ تزهد أولا، وصحب الكبار، ولقي الجنيد، ثم كتب الفقه، والحديث، والتفسير، وولي قضاء أذربيجان، ثم قضاء همذان، ثم سكن بغداد ونوّه باسمه، إلى أن ولي قضاء القضاة، وكان أول من ولي قضاء القضاة من الشافعية. وفيها فاتك المجنون، أبو شجاع الرّومي الإخشيذي. قال ابن خلّكان [١] : كان روميا، أخذ صغيرا، هو وأخوه، وأخت لهما من بلد الرّوم، من موضع قرب حصن يعرف بذي الكلاع، فتعلّم الخطّ بفلسطين، وهو ممّن أخذه الإخشيذ من سيده كرها بالرّملة بلا ثمن، فأعتقه صاحبه، وكان معهم حرّا في عدة المماليك، وكان كريم النفس بعيد الهمّة شجاعا كثير الإقدام، ولذلك قيل له «المجنون» وكان رفيق الأستاذ كافور في خدمة الإخشيذ، فلما مات مخدومهما، وتقرر كافور في خدمة ابن الإخشيذ أنف فاتك من الإقامة بمصر كيلا يكون كافور أعلى رتبة منه، ويحتاج أن

стр. 1552

يركب في خدمته، وكانت الفيوم وأعمالها إقطاعا له، فانتقل إليها واتخذها سكنا له، وهي بلاد وبيئة كثيرة الوخم، فلم يصح له بها جسم، وكان كافور يخافه ويكرمه [فزعا منه] [١] وفي نفسه منه ما فيها، فاستحكمت العلة في جسم فاتك، وأحوجته إلى دخول مصر للمعالجة، فدخلها وبها أبو الطيب المتنبي ضيفا للأستاذ كافور، وكان يسمع بكرم فاتك وكثرة سخائه، غير أنه لا يقدر على قصد خدمته خوفا من كافور، وفاتك يسأل عنه ويراسله بالسلام، ثم التقيا بالصحراء مصادفة من غير ميعاد، وجرى بينهما مفاوضات، فلما رجع فاتك إلى داره حمل لأبي الطيب في ساعته هدية قيمتها ألف دينار، ثم أتبعها بهدايا بعدها، فاستأذن المتنبي الأستاذ كافور في مدحه، فأذن له، فمدحه بقصيدته المشهورة وهي من غرر القصائد التي أولها: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النّطق إن لم تسعد [٢] الحال وما أحسن قوله فيها: كفاتك ودخول الكاف منقصة ... كالشمس [٣] ولّت وما للشّمس أمثال ثم توفي فاتك المذكور عشية الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمسين وثلاثمائة بمصر، فرثاه المتنبي، وكان قد خرج من مصر بقصيدته التي أولها: الحزن يقلق والتجمّل يردع ... والدّمع بينهما عصيّ طيّع [٤] وما أرق قوله فيها: إني لأجبن من فراق أحبّتي ... وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع

стр. 1553

ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلمّ بي عتب الصّديق فأجزع تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عمّا مضى منها وما يتوقّع ولمن يغالط في الحقيقة نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها [١] الفناء فتتبع وهي من المراثي الفائقة، وله فيه غيرها. انتهى ملخصا. وفيها مسند بخارى، أبو بكر، محمد بن أحمد بن خنب [٢] البغدادي الدّهقان الفقيه المحدّث، في رجب، وله أربع وثمانون سنة. روى عن يحيى بن أبي طالب، وابن أبي الدّنيا، والكبار، واستوطن بخارى، وصار شيخ تلك الناحية.

стр. 1554

سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة فيها كما قال ابن الجوزي في «الشذور» وقع برد في الحامدة [١] كل بردة رطل ونصف، ورطلان. وفيها ورد الخبر بورود الرّوم عين زربة [٢] في مائة وستين ألفا، فقتل ملكهم الدّمستق خلقا كثيرا، وأوقع أربعين ألف نخلة، وهدم سور البلد والجامع، وكسر المنبر، وورد إلى حلب بغتة ومعه مائتا ألف، فانهزم منه سيف الدولة، فظفر بداره، فوجد فيها ثلاثمائة وسبعين بدرة دراهم، فأخذها، وأخذ ما لا يحصى من السلاح، وأحرق الدار، وأخذ خلقا كثيرا كانوا أسرى عند المسلمين، بضعة عشر ألف صبي وصبية، وأخذ من النساء ما أراد، وعمد إلى جباب الزيت، فصبّ فيها الماء، حتّى فاض الزيت. انتهى. وفيها كما قال في «العبر» [٣] رفعت المنافقون رؤوسها ببغداد، وقامت الدولة الرافضية، وكتبوا على أبواب المساجد لعنة معاوية، ولعنة من غصب

стр. 1555

فاطمة حقّها [١] ، ولعنة من نفى أباذرّ، فمحته أهل [٢] السّنّة في الليل، فأمر معز الدولة بإعادته، فأشار عليه الوزير المهلّبيّ، أن يكتب: ألا لعنة الله على الظالمين [لآل محمّد] [٣] ولعنة معاوية فقط. انتهى. وفيها توفي أبو العبّاس أحمد بن إبراهيم بن جامع السكّري، بمصر. روى عن علي بن عبد العزيز البغوي وطائفة [٤] . وفيها أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي الموت المكّي. روى عن عليّ البغوي، وأبي يزيد القراطيسي وطائفة، وعاش تسعين سنة. وفيها أحمد بن محمد أبو الحسين النيسابوري، قاضي الحرمين، وشيخ الحنفية في عصره. ولي قضاء الحجاز مدّة، ثم قدم نيسابور، وولي قضاءها. تفقّه على أبي الحسن الكرخي، وبرع في الفقه، وعاش سبعين سنة. قال في «العبر» [٥] : وروى عن أبي خليفة الجمحي، وكان القاضي أبو بكر الأبهري، شيخ المالكية يقول: ما قدم علينا من الخراسانيين أفقه من أبي الحسين. وفيها أبو إسحاق الهجيمي مصغرا- نسبة إلى بني الهجيم، بطن من

стр. 1556

تميم، وإلى محلة لهم بالبصرة- إبراهيم بن علي البصري في آخر السنة، وقد قارب المائة. روى عن جعفر بن محمد بن شاكر، والكديمي، وطائفة. وفيها دعلج بن أحمد [بن دعلج] [١] أبو محمد السّجزي [٢] المعدّل، وله نيّف وتسعون سنة. رحل وطوّف، وأكثر، وسمع من هشام السّيرافي، وعلي البغوي وطبقتهما. قال الحاكم: أخذ عن ابن خزيمة مصنفاته، وكان يفتي [٣] بمذهبه. وقال الدارقطني: لم أر في مشايخنا أثبت من دعلج. وقال الحاكم: لم يكن في الدّنيا أيسر منه، اشترى بمكة دار العباس [٤] بثلاثين ألف دينار، وكان الذهب في داره بالقفاف، وكان كثير المعروف والصّلات، توفي في جمادى الآخرة. قاله في «العبر» [٥] . وقال ابن ناصر الدّين: دعلج بن أحمد بن دعلج، أبو محمد السجستاني ثم البغدادي، أحد المشهورين بالبرّ، والصدقات، والأفضال. قال الحاكم- وهو ممّن روى عنه-: لم يكن في الدّنيا أيسر منه، كان الذهب بالقفاف في داره. انتهى. وفيها أبو محمد عبد الله بن جعفر بن محمد الورد البغدادي، بمصر، راوي «السّيرة» عن ابن البرقي في رمضان. وفيها أبو الحسين عبد الباقي بن قانع بن مرزوق الحافظ، ببغداد،

стр. 1557

في شوال، وله ست وثمانون سنة. سمع الحارث بن أبي أسامة، وإبراهيم بن الهيثم البلدي، وطبقتهما وصنّف التصانيف. قال الدارقطني: كان يخطئ ويصرّ على الخطأ. وقال ابن ناصر الدّين: وثقه جماعة، واختلط قبل موته بنحو سنتين. انتهى. وفيها أبو أحمد الحبّيني [١] ، علي بن محمد المروزي. سمع سعيد بن مسعود المروزي وطبقته، وكان صاحب حديث. قال الحاكم: كان يكذب [٢] . والحبّيني: بالضم وكسر الموحدة المشددة وتحتية ونون، نسبة إلى سكة حبّين بمرو. وفيها أبو بكر النقّاش، محمد بن الحسن بن محمد بن زياد الموصلي ثم البغدادي، المقرئ المفسّر، صاحب التصانيف، في التفسير والقراءات. روى عن أبي مسلم الكجّي وطائفة، وقرأ على أصحاب ابن ذكوان، والبزّي، ورحل ما بين مصر إلى ما وراء النهر، وعاش خمسا وثمانين سنة، ومع جلالته في العلم ونبله فهو ضعيف متروك الحديث. قال الذهبي في «المغني» [٣] : مشهور، اتّهم بالكذب، وقد أتى في تفسيره بطامّات وفضائح، وهو في القراءات أمثل. انتهى.

стр. 1558

وفيها أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشّيباني الكوفي، مسند الكوفة في زمانه. روى عن إبراهيم بن عبد الله القصّار، وأحمد بن أبي غرزة [١] وجماعة. وفيها يحيى بن منصور القاضي، أبو محمد النيسابوري، ولي قضاء نيسابور بضع عشرة سنة. روى عن علي بن عبد العزيز البغوي، وأحمد بن سلمة، وطبقتهما.

стр. 1559

سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة فيها يوم عاشوراء، ألزم معز الدولة أهل بغداد بالنّوح والمآتم، على الحسين، ﵁، وأمر بغلق الأسواق، وعلّقت عليها المسوح، ومنع الطباخين من عمل الأطعمة، وخرجت نساء الرافضة منشّرات الشعور، مضمّخات [١] الوجوه، يلطمن، ويفتنّ الناس، وهذا أول ما نيح عليه، اللهمّ ثبت علينا عقولنا. قاله في «العبر» [٢] . وفيها في ثامن عشر ذي الحجة، عملت الرافضة عيد الغدير، [غدير] خمّ [٣] ، ودقّت الكوسات، وصلّوا بالصحراء صلاة العيد. قاله في «العبر» أيضا [٤] . وفيها بعث صاحب إرمينية إلى ناصر الدولة رجلين ملتصقين خلفة من جانب واحد، فويق الحقو [٥] إلى دوين الإبط، ولدا كذلك ولهما بطنان، وسرّتان، ومعدتان، ولم يمكن فصلهما، وكان ربما يقع بينهما تشاجر،

стр. 1560

فيختصمان، ويحلف أحدهما لا يكلّم الآخر أياما، ثم يصطلحان، فمات أحدهما قبل الآخر، فلحق الحيّ الغمّ من نتن الرائحة، فمات. قاله في «الشذور» [١] . وفيها توفي الوزير المهلّبي، أبو محمد الحسن بن محمد الأزدي، من ذرية المهلّب بن أبي صفرة، وزير معز الدولة بن بويه. كان من رجال الدّهر حزما، وعزما، وسؤددا، وعقلا، وشهامة، ورأيا. توفي في شعبان، وقد نيّف على الستين، وكان فاضلا، شاعرا، فصيحا، حليما، جوادا، صادر معز الدولة أولاده من بعده، ثم استوزر أبا الفضل بن الحسين [٢] الشيرازي واسمه العباس. قال ابن خلّكان [٣] : وكان الوزير المهلّبي قبل اتصاله بمعز الدولة في شدة عظيمة من الضرورة والضائقة، وكان قد سافر مرّة، ولقي في سفره مشقة صعبة، واشتهى اللّحم فلم يقدر عليه، فقال ارتجالا: ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه ألا موت لذيذ الطّعم يأتي ... يخلّصني من العيش الكريه إذا أبصرت قبرا من بعيد ... وددت بأنّني مما يليه ألا رحم المهيمن نفس حرّ ... تصدّق بالوفاة على أخيه وكان معه رفيق يقال له: أبو عبد الله الصوفي، وقيل: أبو الحسن العسقلاني، فلما سمع الأبيات اشترى له بدرهم لحما وطبخه وأطعمه، وتفارقا. وتنقلت بالمهلّبي الأحوال، وتولى الوزارة ببغداد لمعز الدولة، وضاقت الأحوال برفيقه في السفر الذي اشترى له اللحم، وبلغه وزارة

стр. 1561

المهلّبي، فقصده وكتب إليه: ألا قل للوزير فدته نفسي ... مقالة مذكّر ما قد نسيه أتذكر إذ تقول لضنك عيش ... ألا موت يباع فأشتريه فلما وقف عليها تذكر [١] وهزّته أريحيّة الكرم، فأمر له في الحال بسبعمائة درهم، ووقّع في رقعته: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ في سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَالله يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ ٢: ٢٦١ [البقرة: ٢٦١] ، ثم دعا به، فخلع عليه، وقلّده عملا يرتفق به. ولما ولي المهلّبي الوزارة بعد تلك الإضافة عمل: رقّ الزمان لفاقتي ... ورثى لطول تحرّقي فأنالني ما أرتجي ... هـ وحاد عمّا أتّقي فلأصفحن عمّا أتا ... هـ من الذنوب السّبّق حتّى جنايته بما ... فعل [٢] المشيب بمفرقي وكان لمعز الدولة مملوك تركي في غاية الجمال، يدعى تكين الجامدار، وكان شديد المحبة له، فبعث سريّة لمحاربة بعض بني حمدان، وجعل المملوك المذكور مقدّم الجيش، وكان الوزير المهلّبي يستحسنه ويرى أنه من أهل الهوى لا من أهل مدد الوغى [٣] ، فعمل فيه: طفل يرقّ الماء في ... وجناته [٤] ويرفّ عوده ويكاد من شبه العذا ... رى فيه أن تبدو نهوده

стр. 1562

ناطوا بمعقد خصره ... سيفا ومنطقة تؤوده جعلوه قائد عسكر ... ضاع الرعيل ومن يقوده وكان كذلك، فإنه ما أنجح [في تلك الحركة] [١] وكانت الكرة عليهم. ومن شعره النادر في الرّقة قوله: تصارمت الأجفان لمّا صرمتني ... فما تلتقي [٢] إلّا على عبرة تجري انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا. وفيها أبو القاسم خالد بن سعد الأندلسي القرطبي الحافظ، كان ينظّر بيحيى بن معين، وكان أحد أركان الحديث بالأندلس. سمع بعد سنة ثلاثمائة من جماعة، منهم: محمد بن فطيس، وسعيد بن عثمان الأعناقي. ومنه: قاسم بن محمد وغيره، وكان إماما حجّة مقدّما على حفّاظ زمانه، عجبا في معرفة الرجال والعلل، وقيل: كان يحفظ الشيء من مرّة، ورد أن المنتصر بالله الحكم قال: إذا فاخرنا أهل المشرق بيحيى بن معين، فاخرناهم بخالد بن سعد. وفيها أبو بكر الإسكافي، محمد بن محمد بن أحمد بن مالك، ببغداد، في ذي القعدة. روى عن موسى بن سهل الوشّاء وجماعة، وله جزء مشهور [٣] . وفيها أحمد بن محمد بن السّري بن يحيى بن السّري التميمي الكوفي، أبو بكر بن أبي دارم. قال ابن ناصر الدّين في «بديعته» :

стр. 1563

ابن أبي دارم الضعيف ... شيعهم برفضه نحيف أي كان رافضا، فضعّف بسبب رفضه. روى عن إبراهيم بن عبد الله القصّار، وأحمد بن موسى الحمار، ومطين، وعنه الحاكم، وابن مردويه وآخرون، وكان محدّث الكوفة وحافظها، وجمع في الحطّ على الصحابة، وقد اتّهم في الحديث. وفيها أحمد بن عبيد بن إسماعيل الحافظ الثقة أبو الحسن البصري الصّفّار. روى عن الكديمي، ومحمد بن غالب تمتام. وروى عنه الدارقطني، وابن جميع. قال الدارقطني: ثقة ثبت ذكره ابن بردس [١] . وفيها علي بن أحمد بن أبي قيس الرفاعي البغدادي، أبو الحسن [٢] روى عن زوج أمّه أبي بكر بن أبي الدّنيا، وهو ضعيف جدا [٣] .

стр. 1564

سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة فيها كما قال في «الشذور» بعث الهجريون [١] إلى سيف الدولة، فاستهدوا حديدا، فقلع أبواب الرّقة، وأخذ كل ما يقدر عليه من الحديد، حتّى صنجات البالوعة، فبعثها إليهم. وفيها نازل الدّمستق المصّيصة وحاصرها، وغلت الأسعار بها، ثم ترحّل عنها للغلاء الذي أصاب جيشه، ثم جاء لطرسوس. وفيها توفي أبو سعيد بن أبي عثمان الحيري، واسمه أحمد بن محمد بن الزاهد أبي عثمان سعيد الحيريّ النيسابوري، شهيدا بطرسوس، وله خمس وستون سنة. روى عن الحسن بن سفيان وطبقته، وصنّف «التفسير الكبير» و «الصحيح» على رسم مسلم، وغير ذلك. قال ابن ناصر الدّين: كان حافظا، شجاعا، له «التفسير الكبير» و «الصحيح» على [رسم] مسلم. خرج يعسكر للجهاد مريدا، فقتل بطرسوس شهيدا. انتهى. وفيها أبو إسحاق إبراهيم بن حمزة الحافظ، وهو إبراهيم بن

стр. 1565

محمد بن حمزة بن عمارة، بأصبهان، في رمضان، وهو في عشر الثمانين. قال أبو نعيم: لم ير بعد عبد الله بن مظاهر في الحفظ مثله، جمع الشيوخ والسند. وقال أبو عبد الله بن مندة الحافظ: لم أر أحفظ منه. وقال ابن عقدة: قلّ من رأيت مثله. روى عن مطين، وأبي شعيب الحرّاني. وفيها أبو عيسى بكّار بن أحمد البغدادي، شيخ المقرئين في زمانه. قرأ على جماعة من أصحاب الدّوري، وسمع من عبد الله بن أحمد بن حنبل، وتوفي في ربيع الأول وقد قارب الثمانين. وفيها جعفر بن محمد بن الحكم الواسطي المؤدّب. روى عن الكديمي وطبقته، وكان من العارفين البارعين الخيّرين. وفيها أبو علي بن السّكن، الحافظ الكبير، سعيد بن عثمان بن سعيد بن السّكن المصري، صاحب التصانيف، وأحد الأئمة. سمع بالعراق، والشام، والجزيرة، وخراسان، وما وراء النهر، من أبي القاسم البغوي وطبقته، كالفربري، وابن جوصا. وممّن روى عنه ابن مندة، وعبد الغني بن سعيد، وكان ثقة حجّة، توفي في المحرم، وله تسع وخمسون سنة. وفيها أبو الفوارس شجاع بن جعفر الورّاق الواعظ ببغداد، وقد قارب المائة. روى عن العطاردي، وأبي جعفر بن المنادي وطائفة، وكان أسند من بقي. وفيها أبو محمد عبد الله بن الحسن بن بندار المديني [١] الأصبهاني. سمع أسيد بن عاصم، ومحمد بن إسماعيل الصائغ وجماعة.

стр. 1566

وفيها أبو محمد الفاكهي، عبد الله بن محمد بن العبّاس المكّي، صاحب أبي يحيى بن أبي ميسرة، وكان أسند من بقي بمكّة. وفيها أبو القاسم علي بن يعقوب بن أبي العقب الدمشقي المحدّث المقرئ. روى عن أبي زرعة الدمشقي وطائفة. توفي في ذي الحجّة عن ثلاث وتسعين سنة. وفيها أبو علي محمد بن هارون بن شعيب الأنصاري الدمشقي الحافظ، أحد الرحّالة. سمع بالشام، ومصر، والعراق، وأصبهان، وروى عن بكر بن سهل الدمياطي، وأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، وطبقتهما. قال عبد العزيز الكتّاني [١] : كان يتهم [٢] . وعاش سبعا وثمانين سنة.

стр. 1567

سنة أربع وخمسين وثلاثمائة فيها بنى الدّمستق نقفور مدينة بالرّوم، وسمّاها قيساريّة، وقيل: قيصريّة [١] ، وسكنها [ليغير كل وقت] [٢] ، وجعل أباه بالقسطنطينيّة، فبعث إليه أهل طرسوس، والمصّيصة يخضعون له، ويسألونه أن يقبل منهم القطيعة كل سنة، وينفذ إليهم نائبا له عليهم، فأجابهم، ثم علم ضعفهم وشدّة القحط عليهم، وأن أحدا لا ينجدهم، وأن كلّ يوم يخرج من طرسوس ثلاثمائة جنازة، فرجع عن الإجابة، وخاف إن تركهم حتّى تستقيم أحوالهم أن يمتنعوا عليه، فأحرق الكتاب على رأس الرسول، فاحترقت لحيته، وقال: امض، ما عندي إلّا السيف، ثم نازل المصّيصة، فأخذها بالسيف واستباحها، ثم فتح طرسوس بالأمان، وجعل جامعها اصطبلا لخيله، وحصّن البلدين وشحنهما [٣] بالرجال. وفيها توفي أبو بكر بن الحدّاد، وهو أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن عطية البغدادي المصري [٤] . مات بديار مصر. روى عن أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، وبكر بن سهل الدمياطي وطبقتهما.

стр. 1568

وفيها المتنّبيّ، شاعر العصر، أبو الطيب، أحمد بن الحسين بن الحسن الجعفيّ الكوفيّ، في رمضان، بين شيراز والعراق، وله إحدى وخمسون سنة. قال في «العبر» [١] : وليس في العالم [أحد] أشعر منه أبدا، وأمّا مثله فقليل. وقال ابن الأهدل: قدم الشام في صباه، واشتغل بفنون الأدب [٢] ، ومهر فيها، وتضلع من علم اللغة. قال له أبو علي الفارسي، صاحب «الإيضاح» و «التكملة» : كم لنا من الجموع على وزن فعلى؟ فقال له: المتنّبيّ سريعا: حجلى وظربى، قال الفارسي: ففتشت كتب اللغة ثلاث ليال، فلم أجد لهما ثالثا. حجلى جمع حجل، وهو الطائر المسمى بالقبج، وظربى جمع ظربان، كقطران، وهي دابة منتنة الرائحة. ومن الناس كثير يرجحون المتنبي على أبي تمام. ومن بعده. ورزق سعادة في شعره، واعتنى العلماء بديوانه فشرحوه أكثر من أربعين شرحا. مدح جماعة من الملوك، ووصله ابن العميد بثلاثين ألفا، وأتاه من عضد الدولة صاحب شيراز مثلها. وسمي المتنّبيّ لأنه ادّعى النبوّة في بادية السماوة، وتبعه خلق كثير من كلب وأخرج [إليه] [٣] لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيذية فأسره واستتابه، وتفرّق أصحابه، وكان كافور الإخشيذي يقول لما هجاه: من ادّعى النبوّة، أما يدعي الملك.

стр. 1569

وكان العلماء يحضرون مجلس سيف الدولة، ويتناظرون كل ليلة، فوقع بين المتنبي وابن خالويه ليلة كلام، فوثب ابن خالويه على المتنبي، فضرب وجهه بمفتاح فشجّه، فخرج ودمه يسيل على وجهه، فغضب وخرج إلى كافور، فلما صدر منه قصد بلاد فارس بالمشرق، ومدح عضد الدولة الديلمي، فأجزل جائزته، فلما رجع من عنده عرض له فاتك بن أبي جهل، فقتل المتنبيّ، وابنه محسّد، وغلامه مفلح بالقرب من النّعمانية على ميلين من دير العاقول. ثم رأى المتنبيّ [١] الغلبة ففرّ، فقال له الغلام: لا يتحدث عنك بفرار وأنت القائل: الخيل واللّيل والبيداء تعرفني ... والطّعن والضّرب والقرطاس والقلم فكرّ راجعا فقتل. ويحكى أن المعتضد صاحب قرطبة أنشد يوما بيت المتنبي: إذا ظفرت منك العيون بنظرة ... أثاب بها معيي المطيّ ورازمه [٢] وجعل يردده فأنشده ابن وهبون الأندلسي بديها: لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما ... تجيد العطايا واللها تفتح اللها تنبّأ عجبا بالقريض ولو درى ... بأنك تروى شعره لتألّها أي لادّعى الألوهية. انتهى ما أورده ابن الأهدل.

стр. 1570

وروى له الشيخ تاج الدّين الكندي [١] بالسند الصحيح بيتين لا يوجدان في «ديوانه» وهما: أبعين مفتقر إليك نظرتني ... فأهنتني وقذفتني من حالق لست الملوم أنا الملوم لأنني ... أنزلت آمالي بغير الخالق ولما كان بمصر مرض، وكان له صديق يغشاه في علّته، فلما شفي، انقطع عنه، فكتب إليه: وصلتني وصلك الله معتّلا وقطعتني مبلّا فإن رأيت أن لا تحبّب العلة إليّ، ولا تكدر الصحة عليّ فعلت، إن شاء الله تعالى. وقال الناميّ الشاعر: كان قد بقي من الشعر زاوية دخلها المتنبي، وكنت أشتهي أن أكون قد سبقته إلى معنيين قالهما، ما سبق إليهما، أحدهما قوله: رماني الدّهر بالأرزاء حتّى ... فؤادي في غشاء من نبال فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسّرت النّصال على النّصال والآخر قوله: في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان وقال أبو الفتح بن جني النحوي: قرأت ديوان أبي الطيب عليه، فلما بلغت قوله في كافور القصيدة التي أولها: أغالب فيك الشوق والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب حتّى بلغت إلى قوله: ألا ليت شعري هل أقول قصيدة ... ولا أشتكي فيها ولا أتعتّب وبي ما يذود الشعر عني أقلّه ... ولكنّ قلبي يا ابنة القوم قلّب

стр. 1571

فقلت: يعزّ عليّ، أن يكون [١] هذا الشعر في مدح [٢] غير سيف الدولة؟ فقال: حذرناه وأندرناه، فما نفع. ألست القائل فيه؟: أخا الجود أعط النّاس ما أنت مالك ... ولا تعطينّ الناس ما أنا قائل فهو الذي أعطاني كافورا بسوء تدبيره وقلة تمييزه. مولد المتنبي بالكوفة في سنة ثلاث وثلاثمائة في محلة تسمى كندة، فنسب إليها، وليس هو من كندة التي هي قبيلة، بل هو جعفي القبيلة من مذحج، وقتل يوم الأربعاء لست بقين، أو ليلتين بقيتا، وقيل يوم الاثنين، لثمان بقين من شهر رمضان. وفيها العالم الحبر والعلّامة البحر، أبو حاتم محمد بن حبّان بن أحمد بن حبّان بن معاذ التّميمي البستي الشافعي، صاحب «الصحيح» كان حافظا ثبتا إماما حجة، أحد أوعية العلم، صاحب التصانيف. سمع أبا خليفة الجمحي، والنسائي وطبقتهما، ومنه الحاكم وطبقته، واشتغل بخراسان، والشام، والعراق، ومصر، والجزيرة. وكان من أوعية العلم في الحديث، والفقه، واللغة، والوعظ، وغير ذلك. حتّى الطب، والنجوم، والكلام. ولي قضاء سمرقند، ثم قضاء نساء، وغاب دهرا عن وطنه، ثم ردّ إلى بست، وتوفي بها في شوال، وهو في عشر الثمانين. قال الخطيب [٣] : كان ثقة نبيلا. وقال ابن ناصر الدّين: له أوهام أنكرت، فطعن عليه بهفوة منه بدرت ولها محمل لو قبلت. وقال الإسنوي [٤] : أبو حاتم محمد بن حبّان- بكسر الحاء المهملة،

стр. 1572

بعدها باء موحدة، البستي، بباء موحدة مضمومة وسين مهملة ساكنة، وبالتاء بنقطتين من فوق- الإمام الحافظ، مصنّف «الصحيح» وغيره. رحل إلى الآفاق. كان من أوعية العلم، لغة، وحديثا، وفقها، ووعظا، ومن عقلاء الرجال. قاله الحاكم. وقال ابن السمعاني: كان إمام عصره، تولى قضاء سمرقند مدة، وتفقه به الناس، ثم عاد إلى نيسابور، وبنى بها خانقاه، ثم رجع إلى وطنه، وانتصب بها لسماع مصنفاته، إلى أن توفي ليلة الجمعة لثمان بقين من شوال. انتهى ما أورده الإسنويّ. قلت: وأكثر نقّاد الحديث على أن «صحيحه» أصحّ من «سنن ابن ماجة» والله أعلم. وفيها أبو بكر بن مقسم المقرئ، محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم البغدادي العطّار، وله تسع وثمانون سنة. قرأ على إدريس الحداد، وسمع من أبي مسلم الكجّي وطائفة، وتصدّر للإقراء دهرا. وكان علّامة في نحو الكوفيين. سمع من ثعلب «أماليه» وصنّف عدة تصانيف، وله قراءة معروفة منكرة، خالف فيها الإجماع، وقد وثّقه الخطيب [١] . وفيها أبو بكر الشافعي، محمد بن عبد الله بن إبراهيم البغدادي البزّاز، صاحب «الغيلانيات» في ذي الحجة، وله خمس وتسعون سنة، وهو صاحب «الغيلانيات» . وابن غيلان آخر من روى عنه تلك الأجزاء، التي هي في السماء علوّا. روى عن موسى بن سهل الوشاء، ومحمد بن شدّاد المسمعي، وابن أبي الدّنيا، وأكثر. وعنه: الدارقطني، وعمر بن شاهين، وأبو طالب بن غيلان، وخلق. قال الخطيب: كان ثقة ثبتا [كثير الحديث] حسن التصنيف.

стр. 1573

وقال الدارقطني [١] : هو الثّقة المأمون، الذي لم يغمز بحال. وقال الخطيب أيضا [٢] : لما منعت الدّيلم الناس من ذكر فضائل الصحابة، وكتبوا السبّ على أبواب المساجد، كان يتعمد إملاء أحاديث الفضائل في الجامع، والله أعلم.

стр. 1574

سنة خمس وخمسين وثلاثمائة فيها أخذت بنو سليم ركب مصر والشام، وتمزقوا في البراري. وفيها توفي الحافظ أبو بكر الجعابي، محمد بن عمر بن أحمد بن سلم التميمي البغدادي. سمع يوسف بن يعقوب القاضي، ومحمد بن الحسن بن سماعة وطبقتهما، ومنه الدارقطني، وابن شاهين، وأبو عبد الله الحاكم، وكان حافظا مكثرا، وصنّف الكتب، وتوفي في رجب، وله اثنتان وسبعون سنة. وكان عديم المثل في حفظه. قال القاضي أبو عمر الهاشمي: سمعت الجعابي يقول: أحفظ أربعمائة ألف حديث، وأذاكر ستمائة ألف حديث. قال الدارقطني: ثم خلّط، ثم ذكر أنه كان شيعيا [١] . قيل: كان يترك الصلاة، نسأل الله العفو. وقال ابن ناصر الدّين: كان شيعيا، رمي بالشرب وغيره. وقال ابن بردس [٢] : كان حافظا مكثرا، غير أنه اتهم بقلة الدّين من ترك الصلاة، وليس هذا موضع ذكره، لأن فيه كلاما كثيرا يضيق هذا الموضع عنه. انتهى.

стр. 1575

وقال في «المغني» [١] : مشهور، محقق، لكنه رقيق الدّين، تالف. وفيها أبو الحكم، منذر بن سعيد البلّوطي، قاضي الجماعة بقرطبة. سمع من عبيد الله بن يحيى اللّيثي، وكان ظاهريّ المذهب، فطنا، مناظرا، ذكيا، بليغا، مفوّها، شاعرا كثير التصانيف. قوّالا بالحق، ناصحا للخلق، عزيز المثل، له الخطب المفحمة الخالصة، الخارجة من قلب مخلص سليم، عاش اثنتين وثمانين سنة. وفيها ابن علّان، أبو الحسن، علي بن الحسن بن علّان الحرّاني [٢] ، الحافظ العالم، محدّث حرّان. روى عن أبي يعلى الموصلي وطبقته، وعنه أبو عبد الله بن مندة، وتمام الرّازي وآخرون، وكان ثقة نبيلا. وفيها محمد بن الحسن بن الحسين بن منصور، الحافظ الإمام، أبو الحسن، النيسابوري التاجر. روى عن محمد بن إبراهيم البوشنجي وخلق، وحدّث عنه أبوه وعمه، وأثنى عليه خلق، وهو من الثقات. وفيها محمد بن معمر بن ناصح، أبو مسلم الذّهلي الأديب، بأصبهان. روى عن أبي بكر بن أبي عاصم، وأبي شعيب الحرّاني وطائفة.

стр. 1576

سنة ست وخمسين وثلاثمائة فيها أقامت الرافضة المأتم على الحسين، على العادة المارّة في هذه السنوات. وفيها مات السلطان معز الدولة، أحمد بن بويه الدّيلمي، وكان في صباه يحتطب، وأبوه يصيد السمك، فما زال إلى أن ملك بغداد، نيّفا وعشرين سنة، ومات بالإسهال [١] عن ثلاث وخمسين سنة، وكان من ملوك الجور والرّفض، ولكنه كان حازما سايسا مهيبا، قيل: إنه رجع في مرضه عن الرفض، وندم على الظلم، وقيل: إن سابور ذا الأكتاف، أحد ملوك الفرس من أجداده، وكان أقطع، طارت يده اليسرى [٢] في بعض الحروب، وتملّك بعده ابنه عزّ الدولة بختيار. وفيها أبو محمد المغفّلي [٣] أحمد بن عبد الله بن محمد المزني الهروي، أحد الأئمة. قال الحاكم: كان إمام أهل خراسان بلا مدافعة. سمع أحمد بن نجدة، وإبراهيم بن أبي طالب، ومطيّنا وطبقتهم، وكان فوق الوزراء، وكانوا يصدرون عن رأيه. وفيها القالي أبو علي، إسماعيل بن القاسم البغدادي اللغوي النحوي

стр. 1577

الأخباري، صاحب التصانيف، ونزيل الأندلس بقرطبة، في ربيع الآخر، وله ست وسبعون سنة. أخذ الآداب عن ابن دريد، وابن الأنباري، وسمع من أبي يعلى الموصلي، والبغوي، وطبقتهما، وألّف كتاب «البارع» في اللغة، في خمسة آلاف ورقة، لكن لم يتمّه. قاله في «العبر» [١] . وقال ابن خلّكان [٢] : طاف البلاد، وسافر إلى بغداد، وأقام بالموصل لسماع الحديث من أبي يعلى الموصلي، ودخل بغداد في سنة خمس وثلاثمائة، وأقام بها إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وكتب بها الحديث، ثم خرج من بغداد قاصدا الأندلس. ودخل قرطبة سابع عشري شعبان، سنة ثلاثين وثلاثمائة، واستوطنها وأملى كتابه «الأمالي» بها وأكثر كتبه بها وضعها، ولم يزل بها إلى أن مات في شهر ربيع الآخر، وقيل: جمادى الأولى، ليلة السبت، لست خلون من الشهر، ومولده بمنازجرد من ديار بكر. والقالي: نسبة إلى قالي قلا [٣] ، من ديار بكر. انتهى. ملخصا. وفيها الرّفاء، أبو حامد بن محمد الهروي، الواعظ المحدّث، بهراة في رمضان. روى عن عثمان الدارمي، والكديمي، وطبقتهما، وكان ثقة صاحب حديث. وفيها الرّافقي [٤] أبو الفضل العبّاس بن محمد بن نصر بن السّريّ. روى عن هلال بن العلاء وجماعة، وتوفي بمصر. قال يحيى بن علي الطّحان: تكلموا فيه.

стр. 1578

وفيها عبد الخالق بن الحسن بن أبي روبا، أبو محمد السقطي، نسبة إلى بيع السّقط [١] ، المعدّل البغدادي، ببغداد. روى عن محمد بن غالب تمتام وجماعة. وسنقة [٢] ، أبو عمرو عثمان بن محمد البغدادي السقطي. سمع الكديمي، وإسماعيل القاضي، ومات في آخر السنة، وله سبع وثمانون سنة. وفيها صاحب الأغاني، أبو الفرج علي بن الحسين الأموي الأصبهاني، الكاتب الأخباري. يروى عن مطيّن فمن بعده، وكان أديبا، نسابة، علّامة، شاعرا، كثير التصانيف. ومن العجائب أنه مرواني يتشيع. توفي في ذي الحجة عن ثلاث وسبعين سنة. قاله في «العبر» [٣] . وقال ابن خلّكان [٤] : جده مروان بن محمد آخر خلفاء بني أميّة، وهو أصفهاني الأصل بغدادي المنشأ، كان من أعيان أدبائها وأفراد مصنفيها، وروى عن عالم كثير من العلماء يطول تعدادهم، وكان عالما بأيام الناس، والأنساب، والسّير. قال التنوخي: ومن المتشيعين الذين شاهدناهم، أبو الفرج الأصبهاني، كان يحفظ [من] الشعر، والأغاني، والأخبار، والآثار، والأحاديث المسندة، والأدب، والنسب [ما] لم أر قطّ من يحفظ مثله، ويحفظ دون ذلك من علوم أخر [٥] ، منها اللغة، والنحو، والخرافات [٦] ، والسير، والمغازي، ومن

стр. 1579

آلة المنادمة شيئا كثيرا، مثل علم الجوارح والبيطرة، وشيء من الطب والنجوم والأشربة، وغير ذلك وله شعر [١] يجمع إتقان العلماء وإحسان ظرفاء الشعر، وله المصنفات المستملحة، منها: كتاب «الأغاني» الذي وقع الاتفاق على أنه لم يعمل في بابه مثله، يقال: إنه جمعه في خمسين سنة، وحمله إلى سيف الدولة بن حمدان، فأعطاه ألف دينار واعتذر إليه. وحكي عن الصاحب بن عبّاد أنه كان في أسفاره يستصحب حمل ثلاثين جملا من كتب الأدب ليطالعها، فلما وصل إليه كتاب «الأغاني» لم يكن بعد ذلك يستصحب سواه، استغناء به عنها. وكان منقطعا إلى الوزير المهلّبي، وله فيه مدائح، منها قوله فيه: ولما انتجعنا لائذين بظله ... أعان وما عنّى ومن وما منا وردنا عليه مقترين فراشنا ... وردنا نداه مجدبين فأخصبنا وكان قد خلّط قبل أن يموت، رحمه الله تعالى. انتهى ما أورده ابن خلّكان مختصرا. وفيها سيف الدولة، علي بن عبد الله بن حمدان بن حمدون التّغلبيّ الجزريّ، صاحب الشام، بحلب، في صفر، وله بضع وخمسون سنة. وكان بطلا شجاعا، كثير الجهاد، جيد الرأي، عارفا بالأدب والشعر، جوّادا، ممدّحا. مات بالفالج، وقيل: بعسر البول، وكان قد جمع من الغبار الذي أصابه في الغزوات ما جاء منه لبنة بقدر الكف، وأوصى أن يوضع خدّه إذا دفن عليها، وتملّك بعده ابنه سعد الدولة خمسا وعشرين سنة. وبعده ولده أبو الفضل، وبموته انقرض ملك بني سيف الدولة.

стр. 1580

قال الثعالبي في «يتيمته» [١] : كان بنو حمدان ملوكا [وأمراء] ، أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعقولهم للرجاحة، وسيف الدولة شهم سادتهم [٢] وواسطة قلادتهم، [ويقال: إنه] [٣] لم يجتمع بباب أحد من الملوك- بعد الخلفاء- ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعراء [٤] وغيرهم، وكان شاعرا يرتاح للشعر وجرت بينه وبين أخيه ناصر الدولة وحشة، فكتب إليه من شعره: لست أجفو وإن جفيت [٥] ولا أت ... رك حقا عليّ في كلّ حال إنما أنت والد والأب الجا ... في يجازى بالصبر والاحتمال وكتب إليه مرة أخرى: رضيت لك [٦] العليا وإن كنت أهلها ... وقلت وهل بيني وبين أخي فرق ولم يك لي [٧] عنها نكول وإنما ... تجافيت عن حقي ليبقى لك الحق ولا بدّ لي من أن أكون مصليّا ... إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق وأخباره كثيرة مع شعراء وقته، كالمتنبي، والسّريّ الرّفّاء، والنّامي، والوأواء، وتلك الطبقة. ويحكى أن ابن عمه أبا فراس كان يوما بين يديه في نفر من ندمائه،
следующие страницы →