← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وفيها محمد بن أسد الخشني [١]- بالضم والفتح، نسبة إلى خشن قرية بإفريقية- القيرواني، أبو عبد الله، الحافظ، نزيل قرطبة. صنّف كتاب «الاختلاف والافتراق في مذهب مالك» وكتاب «الفتيا» وكتاب «تاريخ الأندلس» وكتاب «تاريخ إفريقية» وكتاب «النسب» .

стр. 1612

سنة اثنتين وستين وثلاثمائة فيها كما قال في «الشذور» قتل رجل من أصحاب المعونة في الكرخ، فبعث أبو الفضل الشيرازي، صاحب معز الدولة، من طرح النار في النحّاسين إلى السمّاكين، فاحترقت سبعة عشر ألف وثلاثمائة وعشرين دارا، أجرة ذلك في الشهر ثلاثة وأربعون ألف دينار، ودخل في الجملة ثلاثة وثلاثون مسجدا، وهلك خلق كثير من الناس في الدّور والحمامات. انتهى. وفيها كما قال في «العبر» [١] أخذت الرّوم نصيبين، واستباحوها، وتوصل من نجا إلى بغداد، وقام معهم المطوّعة، واستنفروا الناس، ومنعوا من الخطبة، وحاولوا الهجوم على المطيع، وصاحوا عليه بأنه عاجز مضيّع [٢] لأمر الإسلام، فسار العسكر من جهة الملك عز الدّولة بختيار، فالتقوا الرّوم، فنصروا عليهم، وأسروا جماعة من البطارقة، ففرح المسلمون. وفي رمضان، قدم المعزّ أبو تميم العبيدي [٣] مصر، ومعه توابيت آبائه، ونزل بالقصر بداخل القاهرة المعزّية، التي بناها مولاه جوهر، لما افتتح الإقليم، وقويت شوكة الرّفض شرقا وغربا، وخفيت السّنن، وظهرت البدع، نسأل الله تعالى العافية.

стр. 1613

وفيها عالم البصرة، أبو حامد المرورّوذي- بفتح الميم والواو الأولى، وضم الراء الثانية المشددة، آخره معجمة، نسبة إلى مرو الرّوذ، أشهر مدن خراسان- أحمد بن عامر بن بشر [١] الشافعي، صاحب التصانيف، وصاحب أبي إسحاق المروزي، وكان إماما لا يشق غباره، تفقه به أهل البصرة. قال الإسنوي [٢] : أحمد بن بشر بن عامر العامري، المروروذي [أخذ عن أبي إسحاق المروزي] [٣] ونزل البصرة، وأخذ عنه فقهاؤها، وكان إماما لا يشق غباره، وشرح «مختصر المزني» وصنّف «الجامع» في المذهب، وهو كتاب جليل، وصنّف في أصول الفقه، ومات سنة ثنتين وستين وثلاثمائة. ذكره الشيخ [٤] في «طبقاته» [٥] والنووي في «تهذيبه» [٦] وكذلك ابن الصلاح، إلا أنه لم يؤرّخ وفاته، ونبّه على أن الشيخ أبا إسحاق جعل عامرا أباه، وبشرا جدّه، قال: والصواب العكس، أي أحمد بن بشر بن عامر. وكان له ولد يقال له: أبو محمد، ذكره الشيخ في «طبقاته» [٧] فقال: جمع بين الفقه والأدب، وله كتب كثيرة، وكان واحد [٨] عصره في صناعة القضاء، قال: وأظنه أخذ الفقه عن أبيه. انتهى. وفيها أحمد بن محمد بن عمارة أبو الحارث اللّيثي الدمشقي. روى عن زكريا خيّاط السّنّة، وطائفة، وعمّر دهرا.

стр. 1614

وفيها أبو إسحاق المزكّي، إبراهيم بن محمد بن يحيى النيسابوري. قال الحاكم: هو شيخ نيسابور في عصره، وكان من العبّاد المجتهدين الحجّاجين المنفقين على الفقراء والعلماء. سمع ابن خزيمة، وأبا العبّاس السرّاج، وخلقا كثيرا، وأملى عدة سنين. وكان يحضر مجلسه أبو العبّاس الأصم، ومن دونه. وكان مثريا متموّلا، عاش سبعا وستين سنة، توفي بعد خروجه من بغداد، ونقل إلى نيسابور فدفن بها. وفيها إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال [١] الأمير، أبو العبّاس، الأديب الممدوح ب «مقصورة ابن دريد» ، وتلميذ ابن دريد، وكان أبوه إذ ذاك متولى الأهواز للمقتدر، فأسمعه من عبدان الجواليقي. وفيها أبو بحر البربهاري- نسبة إلى بيع البربهار، وهو ما يجلب من الهند- محمد بن الحسن بن كوثر في جمادى الأولى، وله ست وتسعون سنة، وهو ضعيف. روى عن الكديمي، ومحمد بن الفرج الأزرق، وطبقتهما. قال الدارقطني: اقتصروا من حديثه على ما انتخبته فحسب [٢] . وفيها سعيد بن القاسم بن العلاء أبو عمر البردعي [٣]- بفتح الباء وسكون الراء وفتح الدال المهملة، نسبة إلى بردعة، بلد بأذربيجان- وهو نزيل طراز [٤] من بلاد الأتراك، وهو من الحفاظ المعتبرين. وفيها محمد بن عبد الله بن محمد أبو جعفر البلخيّ الهندوانيّ، الذي

стр. 1615

كان من براعته في الفقه، يقال له: أبو حنيفة الصغير، توفي ببخارى، وكان شيخ تلك الديار في زمانه، وقد روى الحديث، عن محمد بن عقيل البلخي وغيره. والهندواني: بكسر الهاء وضم الدال المهملة، نسبة إلى باب هندوان، محلة ببلخ. وفيها أبو عمر محمد بن موسى بن فضالة، المحدّث الأموي، مولاهم الدمشقي، في ربيع الآخر. روى عن الحسن بن الفرج الغزّي، وأبي قصي العذري. قال عبد العزيز الكتاني: تكلموا فيه. وفيها أبو الحسن، وأبو القاسم، محمد بن هانئ، حامل لواء الشعراء بالأندلس، قيل: إنه ولد يزيد بن حاتم، وكان أبوه هانئ من قرية من قرى المهدية بإفريقية، وكان شاعرا أديبا، وانتقل إلى الأندلس، فولد له محمد المذكور بها، بمدينة إشبيلية ونشأ بها، واشتغل، وحصل له حظ وافر من الأدب، وعمل الشعر فبهر فيه، وكان حافظا لأشعار العرب وأخبارهم، واتصل بصاحب إشبيلية، وحظي عنده، وكان كثير الانهماك في الملاذ، متهما بمذهب الفلاسفة، ولما اشتهر عنه ذلك نقم عليه أهل إشبيلية، وساءت المقالة في حق الملك بسببه، واتهم بمذهبه أيضا، فأشار الملك عليه بالغيبة عن البلد مدة ينسى فيها خبره، فانفصل عنها وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة، فخرج إلى عدوة المغرب ولقي جوهر القائد، ثم رحل إلى جعفر ويحيى ابني علي وكانا بالمسيلة [١] وهي مدينة الزاب، وكانا والييها، فبالغا في إكرامه والإحسان إليه، ونمى خبره إلى معز أبي تميم معدّ بن المنصور العبيدي وطلبه منهما، فلما انتهى إليه بالغ في الإنعام عليه.

стр. 1616

ثم توجه المعزّ إلى الديار المصرية، فشيعه ابن هانئ، ورجع إلى المغرب لأخذ عياله والالتحاق به، فتجهز وتبعه، فلما وصل إلى برقة أضافه شخص من أهلها، فأقام عنده أياما في مجلس الأنس، فيقال: إنهم عربدوا عليه، فقتلوه، وقيل: خرج من تلك الدار وهو سكران، فنام على الطريق، فأصبح ميتا، ولم يعلم سبب موته، وقيل: وجد في سانية [١] من سواني برقة، مخنوقا بتكة سراويله، وكان ذلك في بكرة نهار الأربعاء ثالث عشري رجب من هذه السنة، وعمره ست وثلاثون سنة، وقيل: اثنتان وأربعون. ولما بلغ المعز وفاته، تأسف عليه كثيرا، وقال: كنّا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق، فلم يقدّر لنا ذلك. وقال ابن خلكان [٢] : وديوانه كبير [٣] ، ولولا ما فيه من الغلو [في المدح] والإفراط المفضي إلى الكفر لكان من أحسن الدواوين، وليس في المغاربة من هو في طبقته، لا من متقدميهم، ولا متأخريهم، بل هو أشعرهم على الإطلاق، وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة، وكانا متعاصرين، وإن كان في المتنبي وأبي تمام من الاختلاف ما فيه. انتهى. وقال ابن الأهدل: وكنية ابن هانئ أبو نواس بكنية الحسن بن هانئ الحكمي العراقي، وكان معاصرا للمتنبي، ويقال: إنهما اجتمعا حين أراد المتنبي دخول المغرب فردّه أبو الحسن بن هانئ بنوع حيلة. انتهى. والحيلة التي ذكرها، قال بعضهم: هي أن المتنبي أراد مدح فاتح قابس، فضجر لذلك، وقال: شاعر لم يرضه عطاء كافور، كيف يرضه عطائي؟

стр. 1617

فتكفل له ابن هانئ بردّه، فيقال: إنه خرج في زيّ أعرابي فقير على راحلة هزيلة، وأمامه شاة هزيلة، فمرّ بهذا الزيّ على المتنبي، وكان على مرحلة من قابس، فلما رآه المتنبي أراد العبث به، فقال له: من أين أتيت؟ قال: من عند الملك، قال: فيما كنت عنده؟ قال: امتدحته بأبيات فأجازني هذه الشاة، فأضمر في نفسه أن الملك من لطفه كونه أجازه بها يظن شعره على قدرها، فقال له: ما قلت فيه؟ قال: قلت [١] : ضحك الزمان وكان قدما عابسا ... لمّا فتحت بعزم سيفك قابسا أنكحتها بكرا وما أمهرتها ... إلّا قنا وصوارما وفوارسا من كان بالسمر العوالي خاطبا ... فتحت له البيض الحصون عرائسا فتحير المتنبيّ وأمر بتقويض خيامه، وآلى أن لا يمتدحه، إذ جائزته على مثل هذا بمثل هذه. ومن غرر المدائح ونخب الشعر قوله في مدح المعز العبيدي المذكور: هل من أعقّة [٢] عالج يبرين ... أم منهما بقر الحدوج [٣] العين ولمن ليال ما ذممنا عهدها ... مذ كنّ إلّا ما لهن شجون المشرقات كأنهنّ كواكب ... والناعمات كأنهنّ غصون بيض وما ضحك الصباح وإنها [٤] ... بالمسك من طرر [٥] الحسان لجون أدمى لها المرجان صفحة خدّه ... وبكى عليه اللؤلؤ المكنون أعدى الحمام تأوّهى من بعدها ... فكأنّه فيما سجعن رنين [٦]

стр. 1618

بانوا سراعا للهوادج زفرة [١] ... مما رأين وللمطيّ حنين فكأنما صبغوا الضّحى بقبابهم [٢] ... أو عصفرت فيه الخدود عيون ماذا على حلل الشقيق لو أنها ... عن لابسيها في الخدود تبين ولأعطشنّ الروض بعدهم فلا ... يرويه لي دمع عليه هتون أأعير لحظ العين بهجة منظر ... وأخونهم؟ إني إذا لخؤون لا الجوّ جوّ مشرق ولو اكتسى ... زهرا ولا الماء المعين معين لا يبعدنّ إذ العبير له ثرى [٣] ... والتاج دوح [٤] والشموس قطين أيام فيه العبقريّ مفوّف [٥] ... والسّابريّ [٦] مضاعف موضون والزاغبيّة شرّع والمشرف ... ة لمّع [٧] والمقربات صفون والعهد من لمياء [٨] إذ لا قومها [٩] ... خزر ولا الحرب الهؤون زبون حزنى لذاك الجوّ وهو أسنة ... وكذا لذاك الخشف وهو عرين هل يدنينّي منه أجرد سابح ... مرح وجائلة السريح [١٠] أمون ومهنّد فيه الفرند كأنه ... دله له خلف الغرار أنين عضب المضارب مقفر من أعين ... لكنّه من أنفس مسكون قد كان رشح حديده أجلا وما ... صاغت مضاربه الرقاق قيون وكأنما يلقى الضريبة دونه ... بابن المعزّ واسمه المخزون

стр. 1619

وهي طويلة. قال في «العبر» [١] : كان منغمسا في اللذات والمحرمات، متهما بدين الفلاسفة، شرب ليلة عند ناس، فأصبح مخنوقا، وهو في عشر الخمسين. انتهى.

стр. 1620

سنة ثلاث وستين وثلاثمائة فيها ظهر ما كان المطيع يستره من الفالج، وثقل لسانه، فدعاه الحاجب سبكتكين- وهو صاحب السلطان عز الدولة- إلى خلع نفسه، وتسليم الخلافة إلى ولده الطائع لله، ففعل ذلك في ذي القعدة، وأثبت خلعه على قاضي القضاة أبي الحسن بن أم شيبان. وفيها أقيمت الدعوة بالحرمين للمعزّ العبيدي، وقطعت خطبة بني العبّاس، ولم يحجّ ركب العراق، لأنهم وصلوا إلى سميراء، فرأوا هلال ذي الحجة، وعلموا أن لا ماء في الطريق، فعدلوا إلى مدينة النّبيّ، ﷺ ، ثم قدموا الكوفة في أول المحرم. وفيها مات ثابت بن سنان بن ثابت بن قرّة الصابئ الحرّاني، الطبيب المؤرخ، صاحب التصانيف. كان صابئي النحلة، وكان ببغداد في أيام معز الدولة بن بويه، وكان طبيبا عالما [١] نبيلا تقرأ عليه كتب بقراط، وجالينوس، وكان فكّاكا للمعاني، وكان قد سلك مسلك جدّه ثابت في نظره في الطب، والفلسفة، والهندسة، وجميع الصناعات الرياضية للقدماء، وله تصنيف في التاريخ أحسن فيه.

стр. 1621

وفيها جمح بن القاسم [١] ، أبو العبّاس، المؤذن بدمشق. روى عن عبد الرحمن بن الرّواس، وطائفة. وفيها أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد الحنبلي، صاحب الخلّال، وشيخ الحنابلة وعالمهم المشهور، وصاحب التصانيف. روى عن موسى بن هارون، وأبي خليفة الجمحي، وجماعة. توفي في شوّال وله ثمان وسبعون سنة، وكان صاحب زهد وعبادة وقنوع. قاله في «العبر» [٢] . وقال ابن أبي يعلى في «طبقاته» [٣] : عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد بن معروف، أبو بكر، المعروف بغلام الخلّال. حدّث عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وموسى بن هارون، ومحمد بن الفضل، وأبي خليفة الفضل بن الحباب [٤] البصري، وخلائق. وروى عنه أبو إسحاق بن شاقلا، وأبو عبد الله بن بطة، وأبو الحسن التميمي، وأبو عبد الله بن حامد، وغيرهم، وكان أحد أهل الفهم، موثوقا به في العلم، متسع الرواية، مشهورا بالديانة، موصوفا بالأمانة، مذكورا بالعبادة، وله المصنفات في العلوم المختلفات: «الشافي» «المقنع» «تفسير القرآن» «الخلاف مع الشافعي» «كتاب القولين» «زاد المسافر» «التنبيه» وغير ذلك. حدّثنا جعفر بن محمد بن سليمان الخلّال، حدّثنا محمد بن عوف الحمصي قال: سمعت أحمد بن حنبل- وسئل عن التفضيل؟ - فقال: من قدّم عليا على أبي بكر، فقد طعن على رسول الله، ﷺ ، ومن قدّمه على عمر، فقد طعن على رسول الله ﷺ وعلى أبي بكر، ومن قدّمه على عثمان،

стр. 1622

فقد طعن على أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلى أهل الشورى، والمهاجرين [١] والأنصار. وبه حدّثنا محمد بن الحسن بن هارون بن بدينا، قال: سألت أبا عبد الله عن الاستثناء في الإيمان؟ فقال: نعم، الاستثناء على غير معنى الشك [٢] ، مخافة واحتياطا للعمل، وقد استثنى ابن مسعود وغيره، وهو مذهب الثوري. ولما مات أبو بكر عبد العزيز اختلف أهل باب الأزج في دفنه، فقال بعضهم: يدفن في قبر أحمد، وقال بعضهم: يدفن عندنا، وجردوا السيوف والسكاكين، فقال المشايخ: لا تختلفوا [٣] ، نحن في حريم السلطان- يعنون المطيع لله- فما يأمر نفعل، قال: فلفوه في نطع مشدود بالشراريف [٤] ، خوفا أن يمزق الناس أكفانه، وكتبوا رقعة إلى الخليفة، فخرج الجواب: مثل هذا الرجل، لا نعدم بركاته، أن يكون في جوارنا، وهناك موضع يعرف بدار الفيلة [٥] ، وهو ملك لنا، ولم يكن فيه دفن، فدفن فيه رحمه الله تعالى. وحكى أبو العبّاس بن أبي عمرو الشرابي قال: كان لنا ذات ليلة خدمة، أمسيت لأجلها، ثم إني خرجت منها نومة الناس، وتوجهت إلى داري بباب الأزج، فرأيت عمود نور من جوف السماء [٦] إلى جوف المقبرة، فجعلت أنظر إليه ولا ألتفت، خوفا أن يغيب عنّي، إلى أن وصلت إلى قبر

стр. 1623

أبي بكر عبد العزيز، فإذا أنا بالعمود من جوف السماء إلى القبر، فبقيت متحيرا، ومضيت وهو على حاله. انتهى ملخصا. وفيها أبو بكر بن النابلسي، محمد بن أحمد بن سهل الرّملي الشهيد، سلخه صاحب مصر، المعزّ [لدين الله] ، وكان قد قال: لو كان معي عشرة أسهم، لرميت الرّوم سهما ورميت بني عبيد تسعة، فبلغ القائد جوهر، فلما قرّره [١] اعترف، وأغلظ لهم، فقتلوه، وكان عابدا صالحا زاهدا، قوّالا بالحق. وفيها أبو الحسن الآبري محمد بن الحسين السجستاني [٢] مؤلف كتاب «مناقب الشافعي» . وآبر: بمد الهمزة، وضم الموحدة، ثم راء خفيفة، قرية بسجستان. رحل إلى الشام، وخراسان، والجزيرة، وروى عن ابن خزيمة وطبقته. قال ابن ناصر الدّين: الآبري: محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم السجستاني، أبو الحسن، كان حافظا مجودا، ثبتا مصنفا. انتهى. وفيها محدّث الشام، الحافظ أبو العبّاس، محمد بن موسى بن الحسين بن السمسار، الدمشقي. روى عن محمد بن خريم، وابن جوصا، وطبقتهما، وعنه تمّام الرّازي وغيره، وكان ثقة نبيلا حافظا جليلا، كتب القناطير، وحدّث باليسير. قاله الكتاني. وارتحل إلى مصر وإلى بغداد. وفيها الغزّال الزعفراني، الحافظ الإمام المقرئ، أبو عبيد الله، محمد بن عبد الرحمن بن سهل الأصبهاني. [روى] عن محمد بن علي

стр. 1624

الفرقدي، وعبدان الأهوازي. وعنه المالينيّ، وأبو نعيم الحافظ، وقال: هو أحد من يرجع إلى حفظه ومعرفته [١] ، وله مصنفات. قاله ابن بردس [٢] . وفيها المظفّر بن حاجب بن أركين الفرغاني، أبو القاسم، توفي بدمشق في هذا العام أو بعده. رحل به أبوه، وسمع من جعفر الفريابي، والنسائي، وطبقتهما. وفيها النّعمان بن محمد بن منصور القيرواني القاضي، أبو حنيفة، الشّيعي ظاهرا، الزنديق باطنا، قاضي قضاة الدولة العبيدية، صنّف كتاب «ابتداء الدعوة» وكتابا في فقه الشيعة، وكتبا كثيرة، تدل على انسلاخه من الدّين، يبدّل فيها معاني القرآن ويحرّفها، مات بمصر في رجب، وولي بعده ابنه.

стр. 1625

سنة أربع وستين وثلاثمائة قال في «الشذور» : فيها تزوج الطائع شاهزنان بنت عز الدولة، على صداق مبلغه مائة ألف دينار، وخطب خطبة النكاح أبو بكر بن قريعة القاضي. انتهى. وفيها توفي أبو بكر بن السنّي الحافظ، أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الدّينوري، صاحب كتاب «عمل اليوم والليلة» ، ورحل وكتب الكثير، وروى عن النسائي، وأبي خليفة [١] وطبقتهما. قال ابن ناصر الدّين: اختصر سنن النسائي وسمّاه «المجتبى» . قال ابنه أبو علي الحسن: كان أبي، ﵀، يكتب الأحاديث فوضع القلم في أنبوبة المحبرة، ورفع يديه يدعو الله ، فمات. انتهى. وفيها ابن الخشّاب أحمد بن القاسم بن عبد الله [٢] بن مهدي، أبو الفرج البغدادي. كان أحد الحفّاظ المتقدمين. قاله ابن ناصر الدّين.

стр. 1626

وفيها أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد بن رجاء النيسابوري الورّاق الأبزاري- بالباء الموحدة والزاي والراء، نسبة إلى أبزار قرية بنيسابور- توفي في رجب، وله ست وتسعون سنة. رحل وطوّف الكثير، وعني بالحديث، وروى عن مسدّد بن قطن، والحسن بن سفيان، وإنما رحل عن كبر. وفيها سبكتكين حاجب معز الدولة، كان الطائع قد خلع عليه خلعة الملوك، وطوّقه وسوّره، ولقبه نصر الدولة، فلم تطل أيامه، توفي في المحرم، وخلّف ألف ألف دينار، وعشرة آلاف ألف درهم، وصندوقين فيهما جوهر، وستين صندوقا فيها أواني ذهب وفضة وبلور، ومائة وثلاثين مركبا ذهبا، منها خمسون، وزن كل واحد ألف مثقال، وستمائة مركب فضة، وأربعة آلاف ثوب ديباجا، وعشرة آلاف ثوب ديبقي وعتابي، وداره، هي دار السلطان اليوم. قاله في «الشذور» [١] . وفيها أبو هاشم، عبد الجبار بن عبد الصمد بن إسماعيل السّلمي الدمشقي المؤدّب. قرأ القرآن على أبي عبيدة ولد ابن ذكوان، وروى عن محمد بن المعافى الصيداوي، وأبي شيبة داود بن إبراهيم وطبقتهما، ورحل وتعب وجمع، وكان ثقة. قال ابن ناصر الدّين: كان من الأعيان، وكتب القناطير. انتهى. وفيها علي بن أحمد بن علي المصّيصي. روى عن أحمد بن خليد [٢] الحلبي وغيره.

стр. 1627

وفيها المطيع [لله] [١] ، الخليفة أبو القاسم، الفضل بن المقتدر [بالله] جعفر بن المعتضد [بالله] العبّاسي. ولد في أول سنة إحدى وثلاثمائة، وبويع بالخلافة في سنة أربع وثلاثين بعد المستكفي. قال ابن شاهين: وخلع نفسه غير مكره، فيما صحّ عندي، في ذي القعدة، سنة ثلاث وستين، ونزل عن الأمر لولده الطائع لله عبد الكريم. قال السيوطي في «تاريخ الخلفاء» [٢] : وأثبت خلعه على [٣] القاضي ابن أمّ [٤] شيبان، وصار بعد خلعه يسمى الشيخ الفاضل. قال الذهبي: وكان المطيع وابنه مستضعفين، مع بني بويه، ولم يزل أمر الخلفاء في ضعف إلى أن استخلف المقتفي لله، فانصلح أمر الخلافة قليلا، وكان دست الخلافة لبني عبيد الرافضة بمصر أميز، وكلمتهم أنفذ، ومملكتهم تناطح مملكة العباسيين في وقتهم، وخرج المطيع إلى واسط مع ولده [٥] فمات في محرم، سنة أربع وستين. قال الخطيب: حدّثني محمد بن يوسف القطّان، سمعت أبا الفضل التميمي، سمعت المطيع لله، سمعت شيخي ابن منيع، سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا مات أصدقاء الرجل ذلّ. انتهى كلام السيوطي. وفيها محمد بن بدر الأمير أبو بكر الحمامي الطولوني، أمير بعض بلاد فارس. قال أبو نعيم: ثقة.

стр. 1628

وقال ابن الفرات: كان له مذهب في الرفض. وروى عن بكر بن سهل الدمياطي، والنسائي، وطبقتهما. قال الذهبي في «المغني» [١] : محمد بن بدر الحمامي، سمع بكر بن سهل، صدوق ولكنه يترفض. انتهى. وفيها أبو الحسن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدة التميمي النيسابوري السّليطي- بفتح السين المهملة وكسر اللام، نسبة إلى سليط جدّ- روى عن محمد بن إبراهيم البوشنجي، وإبراهيم بن علي الذهلي وجماعة، وعاش اثنتين وتسعين سنة.

стр. 1629

سنة خمس وستين وثلاثمائة فيها كما قال في «الشذور» جلس قاضي القضاة، أبو محمد بن معروف [١] في دار عز الدولة، ونظر في الأحكام، لأن عز الدولة أحبّ أن يشاهد مجلس حكمه. انتهى. وفيها توفي أحمد بن جعفر بن سلم، أبو بكر الختّلي- بضم أوله والفوقية المشددة، نسبة إلى الختّل قرية بطريق خراسان- المحدّث المقرئ المفسّر، وله سبع وثمانون سنة، كان ثبتا ثقة صالحا. روى عن أبي مسلم الكجّي وطبقته. وفيها الذّارع، أبو بكر أحمد بن نصر البغدادي، أحد الضعفاء والمتروكين. روى عن الحارث بن أبي أسامة. قال في «المغني» [٢] : أحمد بن نصر الذّارع، شيخ بغدادي، له جزء مشهور. قال الدارقطني: دجال. انتهى. وفيها أو بعدها، إسماعيل بن نجيد الإمام، أبو عمرو السّلمي النيسابوري، شيخ الصوفية بخراسان، في ربيع الأول، وله ثلاث وتسعون

стр. 1630

سنة. أنفق أمواله على الزهّاد والعلماء، وصحب الجنيد، وأبا عثمان الحيري، وسمع محمد بن إبراهيم البوشنجي، وأبا مسلم الكجّي، وطبقتهما، وكان صاحب أحوال ومناقب. قال سبطه أبو عبد الرحمن السّلمي: سمعت جدّي يقول: كل حال لا يكون عن نتيجة علم- وإن جلّ- فإن ضرره على صاحبه أكبر من نفعه. قاله في «العبر» [١] . وفيها أبو علي الماسرجسي الحافظ، أحد أركان الحديث بنيسابور، الحسين بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن عيسى بن ماسرجس، النيسابوري، الثقة، المأمون. توفي في رجب، وله ثمان وستون سنة. روى عن جدّه، وابن خزيمة وطبقتهما، ورحل إلى العراق، ومصر، والشام. قال الحاكم: هو سفينة عصره في كثرة الكتابة، صنّف «المسند الكبير» مهذبا معلّلا في ألف وثلاثمائة جزء، وجمع حديث الزهري جمعا لم يسبقه إليه أحد، وكان يحفظه مثل الماء، وصنّف كتابا على البخاري، وآخر على مسلم، ودفن علم كثير بموته. وفيها عبد الله بن أحمد بن إسحاق أبو محمد [٢] الأصبهاني، والد أبي نعيم الحافظ، وله أربع وثمانون سنة. رحل، وعني بالحديث، وروى عن أبي خليفة الجمحي وطبقته، وكانت رحلته في سنة ثلاثمائة. قاله في «العبر» [٣] . وفيها ابن عديّ، الحافظ الكبير، أبو أحمد عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد، ويعرف بابن القطّان الجرجاني، مصنّف «الكامل» .

стр. 1631

قال ابن قاضي شهبة [١] : هو أحد الأئمة الأعلام وأركان الإسلام. طاف البلاد في طلب العلم، وسمع الكبار. له كتاب «الانتصار على مختصر المزني» وكتاب «الكامل في معرفة الضعفاء والمتروكين» وهو كامل في بابه كما سمّي. وقال ابن عساكر: كان ثقة على لحن فيه. وقال الذهبي: كان لا يعرف العربية مع [٢] عجمة فيه، وأما [في] العلل والرجال فحافظ لا يجارى. ولد سنة سبع وسبعين ومائتين، ومات في جمادى الآخرة سنة خمس وستين وثلاثمائة. انتهى كلام ابن قاضي شبهة في «طبقاته» . وقال ابن ناصر الدّين: سمع خلقا يزيدون على ألف. انتهى. وفيها أبو أحمد بن النّاصح، وهو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الناصح بن شجاع بن المفسر الدمشقي، الفقيه الشافعي، في رجب بمصر. روى عن عبد الرحمن الروّاس، وأبي بكر بن علي المروزي، وطائفة. وفيها الشّاشي القفّال الكبير، أبو بكر، محمد [بن علي] [٣] بن إسماعيل الفقيه الشافعي، صاحب المصنفات. رحل إلى العراق، والشام، وخراسان. قال الحاكم: كان عالم [٤] أهل ما وراء النهر بالأصول، وأكثرهم رحلة في الحديث. سمع ابن جرير الطبري، وابن خزيمة، وطبقتهما، وهو صاحب وجه في المذهب. قال الحليمي: كان شيخنا القفّال أعلم من لقيته من فقهاء عصره.

стр. 1632

وقال ابن قاضي شهبة: كان إماما، وله مصنفات كثيرة ليس لأحد مثلها، وهو أول من صنّف الجدل الحسن من الفقهاء، وله كتاب حسن في أصول الفقه، وله «شرح الرسالة» وعنه انتشر فقه الشافعي فيما وراء النهر. وقال النووي في «تهذيبه» [١] : إذا ذكر القفّال الشاشي، فالمراد هذا، وإذا ورد القفّال المروزي فهو الصغير، ثم إن الشاشي يتكرر ذكره في [كتب] التفسير، والأصول والحديث والكلام، والمروزي يتكرر ذكره في الفقهيات. ومن تصانيف الشاشي «دلائل النبوة» و «محاسن الشريعة» و «آداب القضاء» جزء كبير، و «تفسير» كبير [٢] . مات في ذي الحجة. انتهى ملخصا. وقال ابن الأهدل: هو شيخ الشافعية في عصره، كان فقيها محدّثا أصوليا متقنا [٣] ذا طريقة حميدة وتصانيف نافعة، وله شعر جيد، ولم يكن للشافعية بما وراء النهر مثله. أخذ عن ابن سريج وطبقته، وابن جرير الطبري، وإمام الأئمة ابن خزيمة، وغيرهم. وأخذ عنه الحاكم أبو عبد الله، وابن مندة، والحليمي، وأبو عبد الرحمن السّلمي، وغيرهم، وهو والد القاسم صاحب «التقريب» [٤] وهو منسوب إلى شاش، مدينة وراء نهر جيحون. واعلم أن لنا قفّالا غير شاشي، وشاشيا غير قفّال، وثلاثتهم يكنّون

стр. 1633

بأبي بكر، ويشترك اثنان في اسمهما، واثنان في اسم أبيهما، دون اسمهما، فالقفّال غير الشاشي هو المروزي، شيخ القاضي حسين، وأبي محمد الجويني، وسيأتي في سنة سبع وخمسمائة. انتهى كلام ابن الأهدل. وفيها المعز لدين الله، أبو تميم، معدّ بن المنصور [١] إسماعيل بن القائم بن المهدي العبيدي، صاحب المغرب، الذي ملك الديار المصرية. ولي الأمر بعد أبيه سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، ولما افتتح له مولاه جوهر سجلماسة، وفاس، وسبتة، وإلى البحر المحيط، جهّزه بالجيوش والأموال، فأخذ الديار المصرية، وبنى مدينة القاهرة المعزّية، وكان مظهرا للتّشيّع، معظما لحرمات الإسلام، حليما، كريما، وقورا، حازما، سريّا، يرجع إلى عدل وإنصاف في الجملة، توفي في ربيع الآخر، وله ست وأربعون سنة. قاله في «العبر» [٢] . وقال ابن خلّكان [٣] : بويع بولاية العهد في حياة أبيه المنصور بن إسماعيل، ثم جددت له البيعة بعد وفاته، فدبر الأمور وساسها، وأجراها على أحسن أحكامها إلى يوم الأحد، سابع ذي الحجة، سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، فجلس يومئذ على سرير ملكه، ودخل عليه الخاصة وكثير من العامة، وسلموا عليه بالخلافة، وتسمى بالمعز، ولم يظهر على أبيه حزنا. ثم خرج إلى بلاد إفريقية يطوف بها، ليمهد قواعدها، ويقرر أسبابها، فانقاد له العصاة من أهل تلك البلاد ودخلوا في طاعته، وعقد لغلمانه وأتباعه على الأعمال، واستندب لكل ناحية من يعلم كفايته وشهامته. ثم جهز أبا الحسن جوهر القائد، ومعه جيش كثيف ليفتح

стр. 1634

ما استعصى [١] من بلاد المغرب، فسار إلى فاس، ثم منها إلى سجلماسة ففتحها، ثم توجه إلى البحر المحيط وصاد من سمكه وجعله في قلال الماء، وأرسله إلى المعز. ثم رجع إلى المعز ومعه صاحب سجلماسة، وصاحب فاس أسيرين في قفصي حديد، وقد وطن له البلاد من باب إفريقية إلى البحر المحيط في جهة الغرب، وفي جهة الشرق من باب إفريقية إلى أعمال مصر، ولم يبق بلد من هذه البلاد إلا أقيمت فيه دعوته، وخطب له في جميعه جمعته وجماعته، إلا مدينة سبتة، فإنها بقيت لبني أمية أصحاب الأندلس. ولما وصل الخبر إلى المعز- المذكور- بموت كافور الإخشيذي صاحب مصر، تقدم إلى القائد جوهر ليتجهز للخروج إلى مصر، فخرج أولا لإصلاح أموره، وكان معه جيش عظيم وجميع [٢] قبائل العرب الذين يتوجه بهم إلى مصر. وخرج المعز بنفسه في الشتاء إلى المهدية، فأخرج من قصور آبائه خمسمائة حمل دنانير وعاد إلى قصره. ولما عاد جوهر بالرجال والأموال، وكان قدومه على المعز يوم الأحد سابع عشري محرم، سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، أمره المعز بالخروج إلى مصر، فخرج ومعه أنواع القبائل، وأنفق المعز في العسكر المسيّر صحبته أموالا كثيرة، حتّى أعطى من ألف دينار إلى عشرين دينارا، وغمر [٣] الناس بالعطاء. وتفرقوا [٤] في القيروان وصبرة [٥] في شراء حوائجهم، ورحل معه

стр. 1635

ألف حمل من المال والسلاح، ومن الخيل والعدد ما لا يوصف، وكان بمصر في تلك السنة غلاء عظيم ووباء، حتّى مات فيها وفي أعمالها في تلك المدة ستمائة ألف إنسان على ما قيل. ولما كان منتصف رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وصلت البشارة إلى المعز بفتح الديار المصرية ودخول عساكره إليها، وكانت كتب جوهر ترد [١] إلى المعز باستدعائه إلى مصر، ويحثّه كل وقت على ذلك، ثم سيّر إليه يخبره بانتظام الحال بمصر والشام والحجاز، وإقامة الدعوة له بهذه المواضع، فسرّ بذلك سرورا عظيما، ثم استخلف على إفريقية بلكين بن زيري الصنهاجي، وخرج متوجها إليها بأموال جليلة المقدار، ورجال عظيمة الأخطار، وكان خروجه من المنصورية دار ملكه يوم الاثنين ثاني عشري شوال، سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. ولم يزل في طريقه يقيم بعض الأوقات في بعض البلاد أياما ويجدّ السير في بعضها، وكان اجتيازه على برقة، ودخل الإسكندرية رابع عشري شعبان من السنة المذكورة، وركب فيها، ودخل الحمام، وقدم عليه بها قاضي مصر أبو طاهر محمد بن أحمد، وأعيان أهل البلاد، وسلموا عليه، وجلس لهم عند المنارة، وأخبرهم أنه لم يرد دخول مصر لزيادة في ملكه ولا لمال، وإنما أراد إقامة الحق والجهاد والحج، وأن يختم عمره بالأعمال الصالحة، ويعمل بما أمر به جدّه، ﷺ ، ووعظهم وأطال، حتّى بكى بعض الحاضرين، وخلع على القاضي وجماعة وودعوه وانصرفوا، ثم رحل منها في أواخر شعبان. ونزل يوم السبت ثاني رمضان على ساحل مصر بالجيزة، فخرج إليه القائد جوهر وترجل عند لقائه، وقبّل الأرض بين يديه، واجتمع به بالجيزة

стр. 1636

أيضا الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات، وأقام المعز هناك ثلاثة أيام، وأخذ العسكر في التعدية بأثقالهم إلى ساحل مصر، ولما كان يوم الثلاثاء خامس رمضان، عبر المعز النيل ودخل القاهرة، ولم يدخل مصر، وكانت قد زيّنت له، وظنوا أنه يدخلها، وأهل القاهرة لم يستدعوا للقائه لأنهم بنوا الأمر على دخوله مصر أولا، ولما دخل القاهرة ودخل القصر ودخل مجلسا فيه [١] خرّ ساجدا [لله تعالى] ثم صلى فيه ركعتين، وانصرف الناس عنه. وكان المعز عاقلا، حازما، سريا، أديبا حسن النظر في النجامة، وينسب إليه من الشعر: لله ما صنعت بنا ... تلك المحاجر في المعاجر أمضى وأقضى في النفو ... س من الخناجر في الحناجر انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا.

стр. 1637

سنة ست وستين وثلاثمائة فيها كما قال في «الشذور» حجّت جميلة بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان، فاستصحبت أربعمائة جمل عليها محامل عدّة، فلم يعلم في أيّها كانت، فلما شاهدت الكعبة، نثرت عليها عشرة آلاف دينار، وأنفقت الأموال الجزيلة. انتهى [١] . وفيها مات ملك القرامطة، الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنّابي القرمطي. والجنّابي: بفتح الجيم، وقيل: بضمها، وتشديد النون، آخره موحدة، نسبة إلى جنّابة، بلد بالبحرين. وكان الحسن هذا قد استولى على أكثر الشام وهزم جيش المعزّ، وقتل قائدهم جعفر بن فلاح، وذهب إلى مصر وحاصرها شهورا، قبل مجيء المعزّ، وكان يظهر طاعة الطائع لله، وله شعر وفضيلة. ولد بالأحساء، ومات بالرملة. قاله في «العبر» [٢] . والقرمطي: بكسر القاف [٣] وسكون الراء، وكسر الميم، وبعدها طاء مهملة.

стр. 1638

والقرمطة في اللغة تقارب الشيء بعضه من بعض، ويقال: خط مقرمط ومشي مقرمط، إذا كان كذلك، لأن أبا سعيد، والد هذا المذكور، كان قصيرا مجتمع الخلق، أسمر كريه المنظر، فلذلك قيل له: قرمطي، ونسبت إليه القرامطة. وفيها ركن الدولة، الحسين بن بويه، أبو علي، والد عضد الدولة، ومؤيد الدولة، وأخو معز الدولة، وعماد الدولة. كان الحسين هذا صاحب أصبهان، والرّي، وعراق العجم [١] وكان ملكا، جليلا، عاقلا، نبيلا، بقي في الملك خمسا وأربعين سنة، ووزر له ابن العميد، ووزر لولده الصاحب بن عبّاد، ومات الحسين هذا بالقولنج، وقسم الممالك على أولاده، فكلهم أقام بنوبته أحسن قيام. وفيها المستنصر بالله [٢] أبو مروان الحكم، صاحب الأندلس، وابن صاحبها الناصر لدّين الله، عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني، ولي ستة عشر سنة، وعاش ثلاثا وستين سنة، وكان حسن السيرة، محبّا للعلم، مشغوفا بجمع الكتب والنظر فيها، بحيث إنه جمع منها ما لم يجمعه أحد قبله ولا جمعه أحد بعده، حتّى ضاقت خزائنه عنها، وسمع من قاسم بن أصبغ وجماعة، وكان بصيرا بالأدب والشعر، وأيام الناس، وأنساب العرب، متسع الدائرة، كثير المحفوظ، ثقة فيما ينقله، توفي في صفر بالفالج. وفيها أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن زياد النيسابوري

стр. 1639

المعدّل. سمع من مسدّد بن قطن، وابن شيرويه [١] ، وفي الرحلة من الهيثم بن خلف، وهذه الطبقة. وحدّث بمسند إسحاق بن راهويه، وعاش ثلاثا وثمانين سنة. وفيها أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي بن المرزبان، صاحب أبي الحسين بن القطّان، أحد أئمة المذهب الشافعي وأصحاب الوجوه. قال الخطيب البغدادي [٢] : كان أحد الشيوخ الأفاضل. قال: ودرس عليه الشيخ أبو حامد [الإسفراييني] أول قدومه بغداد. وقال الشيخ أبو إسحاق [٣] : وكان فقيها ورعا، حكي عنه أنه قال: ما أعلم أنّ لأحد عليّ مظلمة، وقد كان فقيها يعرف [٤] أن الغيبة من المظالم، ودرّس ببغداد، وعليه درس الشيخ أبو حامد [الإسفراييني] . توفي في رجب بعد شيخه ابن القطّان بسبع سنين. والمرزبان: معناه كبير الفلاحين. نقل عنه الرافعي في مواضع محصورة، منها: أن الآجرّ المعجون بالروث يطهر ظاهره بالغسل. قاله ابن قاضي شهبة. وفيها أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن الحسن الجرجاني [٥] القاضي بجرجان، ثم بالرّيّ. ذكره الشيخ أبو إسحاق في «طبقاته» [٦] فقال: كان فقيها، أديبا، شاعرا. وذكره الثعالبي في «اليتيمة» [٧] فقال: حسنة جرجان، وفرد الزمان،

стр. 1640

ونادرة الملك [١] ، وإنسان حدقة العلم، ودرّة تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، جمع [٢] خط ابن مقلة، ونثر الجاحظ، ونظم البحتري، وفيه يقول الصاحب بن عبّاد: إذا نحن سلّمنا لك العلم كلّه ... فدع هذه الألفاظ ننظم شذورها [٣] ومن شعره [٤] : يقولون لي فيك انقباض وإنّما ... رأوا رجلا عن موقف الذّلّ أحجما أرى النّاس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزّة النّفس أكرما وما كلّ برق لاح لي يستفزّني ... ولا كلّ من لاقيت [٥] أرضاه منعما وإني إذا ما فاتني الأمر لم أبت ... أقلب كفي إثره متندما [٦] ولم أقض حقّ العلم إن كان كلّما ... بدا طمع صيّرته لي سلّما إذا قيل هذا منهل [٧] قلت قد أرى ... ولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظّما ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما أأشقى به غرسا وأجنيه ذلّة ... إذا فاتباع الجهل قد كان أحزما ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه في النّفوس تعظّما ولكن أذلوه فهان [٨] ودنّسوا ... محياه بالأطماع حتّى تجهّما

стр. 1641

وطاف المذكور في صباه الأقاليم، ولقي العلماء، وصنّف كتاب «الوساطة بين المتنبي وخصومه» أبان فيه عن فضل كبير، وعلم غزير. ذكر الحاكم في «تاريخ نيسابور» أنه مات بها في سلخ صفر سنة ست وستين وثلاثمائة [١] ، وحمل تابوته إلى جرجان. ودفن بها. قاله الإسنوي في «طبقاته» . ومن شعره أيضا: ما تطعّمت لذّة العيش حتّى ... صرت للبيت والكتاب جليسا ليس شيء أعزّ عندي من العل ... م فلا تبتغي [٢] سواه أنيسا إنّما الذّلّ في مخالطة النّا ... س فدعهم وعش عزيزا رئيسا وفيها أبو الحسن محمد بن الحسن بن أحمد بن إسماعيل النيسابوري السرّاج المقرئ، الرجل الصالح. رحل وكتب عن مطيّن، وأبي شعيب الحرّاني، وطبقتهما. قال الحاكم: قلّ من رأيت أكثر اجتهادا وعبادة منه، وكان يقرئ القرآن، توفي يوم عاشوراء. وفيها أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيّويه النيسابوري ثم المصري، القاضي. سمع بكر بن سهل الدمياطي، والنسائي، وطائفة. توفي في رجب وهو في عشر التسعين أو جاوزها.

стр. 1642

سنة سبع وستين وثلاثمائة فيها كما قال السيوطي في «تاريخ الخلفاء» [١] التقى عز الدولة وعضد الدولة، فظفر عضد الدولة وأخذ عز الدولة أسيرا، وقتله بعد ذلك، وخلع الطائع على عضد الدولة خلع السلطنة، وتوجه بتاج مجوهر، وطوّقه وسوّره، وقلّده سيفا، وعقد له لواءين بيده، أحدهما مفضض على رسم الأمراء، والآخر مذهّب على رسم ولاة العهود، ولم يعقد هذا اللواء الثاني لغيره قبله، وكتب له عهد [٢] ، وقرئ بحضرته، [ولم يبق أحد إلا تعجّب] [٣] ولم تجر العادة بذلك، إنما كان يدفع العهد إلى الولاة بحضرة أمير المؤمنين، فإذا أخذ [٤] قال أمير المؤمنين: هذا عهدي إليك فاعمل به. انتهى. وفيها هلك صاحب هجر، أبو يعقوب يوسف بن الحسن الجنّابي القرمطي. وفيها توفي أبو القاسم النّصرآباذي- بفتح النون والراء الموحدة وسكون الصاد المهملة آخره معجمة، نسبة إلى نصراباذ محلة بنيسابور- واسمه إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمويه النيسابوري، الزاهد الواعظ،

стр. 1643

شيخ الصوفية والمحدّثين. سمع ابن خزيمة بخراسان، وابن صاعد ببغداد، وابن جوصا بالشام، وأحمد العسّال بمصر، وكان يرجع إلى فنون من الفقه، والحديث، والتاريخ، وسلوك الصوفية، ثم حجّ وجاور سنتين، ومات بمكة في ذي الحجة. قاله في «العبر» [١] . وقال السخاوي: كان أوحد المشايخ في وقته علما وحالا، صحب الشّبلي، وأبا علي الرّوذباري، والمرتعش، وغيرهم. قيل له: إن بعض الناس يجالس النسوان ويقول: أنا معصوم في رؤيتهنّ، فقال: ما دامت الأشباح باقية، فإن الأمر والنهي باق، والتحليل والتحريم يخاطب [٢] بهما ولن يجترئ على الشبهات إلا من يتعرض للمحرمات [٣] . وقال: الراغب في العطاء لا مقدار له، والراغب في المعطي عزيز. وقال: العبادات إلى طلب الصّفح، والعفو عن تقصيرها، أقرب منها إلى طلب الأعواض والجزاء [بها] [٤] . وقال: جذبة من الحق تربي على أعمال الثقلين. هذا كله كلام السّلمي [٥] . وقال الحاكم [٦] : الصوفي العارف أبو القاسم النّصرآباذي الواعظ، لسان أهل الحقائق، وقد كان يورّق قديما ثم تركه، غاب عن نيسابور نيّفا

стр. 1644

وعشرين سنة، ثم انصرف إلى وطنه سنة أربعين، وكان يعظ على ستر وصيانة، ثم خرج إلى مكة سنة خمس وستين وجاور بها، ولزم العبادة فوق ما كان من عادته، وكان يعظ ويذكّر، ثم توفي بها في ذي الحجة، ودفن عند تربة الفضيل بن عياض رحمهما الله تعالى ورضي عنهما. انتهى ملخصا. وفيها أبو منصور بختيار، الملقب عز الدولة بن الملك معز الدولة، أحمد بن بويه الدّيلمي. ولي عز الدولة مملكة أبيه بعد موته، وتزوج الإمام الطائع ابنته شاه زمان [١] على صداق مبلغه مائة ألف دينار. وكان عز الدولة ملكا سريّا، شديد القوى، يمسك الثور العظيم بقرنيه فيصرعه، وكان متوسطا في الإخراجات والكلف والقيام بالوظائف، حكى بشر الشمعي ببغداد قال: سئلنا عند دخول عضد الدولة بن بويه، وهو ابن عم عز الدولة المذكور، إلى بغداد لما ملكها بعد قتله عزّ الدولة، عن وظيفة الشمع الموقد بين يدي عز الدولة، فقلنا: كانت وظيفة وزيره أبي طاهر محمد بن بقية ألف من في كل شهر، فلم يعاودوا التقصّي استكثارا لذلك. وكان بين عز الدولة وابن عمه عضد الدولة منافسات في الممالك أدّت إلى التنازع، وأفضت إلى التصافّ والمحاربة، فالتقيا يوم الأربعاء ثامن عشر شوال من هذه السنة، فقتل عز الدولة في المصافّ، وكان عمره ستا وثلاثين سنة، وحمل رأسه في طست [٢] ووضع بين يدي عضد الدولة، فلما رآه وضع منديله على عينيه وبكى. قاله ابن خلّكان [٣] .

стр. 1645

وفيها الغضنفر عدّة الدولة، أبو تغلب بن الملك ناصر الدولة بن حمدان، ولي الموصل بعد أبيه مدّة، ثم قصده عضد الدولة فعجز وهرب إلى الشام، واستولى عضد الدولة على مملكته، ومر الغضنفر بظاهر دمشق، وقد غلب عليها قسّام العيّار، ثم ركب [١] إلى العزيز العبيدي، وسأله أن يوليه نيابة الشام، ثم نزل الرملة في هذه السنة، فالتقاه مفرج الطائي فأسره، وقتله كهلا. وفيها أبو الطاهر الذّهلي محمد بن أحمد بن عبد الله القاضي البغدادي، ولي قضاء واسط، ثم قضاء بعض بغداد، ثم قضاء دمشق، ثم قضاء الدّيار المصرية. حدّث عن بشر بن موسى، وأبي مسلم الكجّي وطبقتهما، وكان مالكي المذهب، فصيحا مفوّها، شاعرا، أخباريا، حاضر الجواب، غزير الحفظ. توفي وقد قارب التسعين. وفيها عمر بن بشران بن محمد بن بشر بن مهران، أبو حفص السّكّري، الحافظ الثقة الضابط، وهو أخو جد أبي الحسين بن بشران. روى عن أحمد بن الحسن الصّوفي، والبغوي. قال الخطيب [٢] : حدّثنا عنه البرقاني، وسألته عنه، فقال: ثقة، ثقة، كان حافظا، عارفا، كثير الحديث. وفيها ابن السّليم، قاضي الجماعة، أبو بكر محمد بن إسحاق بن منذر الأندلسي [٣] ، مولى بني أميّة، وله خمس وستون سنة، وكان رأسا في الفقه، رأسا في الزهد والعبادة. سمع أحمد بن خالد، وأبا سعيد بن الأعرابي الفقيه بمكة، وتوفي في رمضان.

стр. 1646

وفيها ابن قريعة القاضي البغدادي، أبو بكر، محمد بن عبد الرحمن. أخذ عن أبي بكر بن الأنباري وغيره، وكان ظريفا مزّاحا، صاحب نوادر وسرعة جواب، وكان نديما للوزير المهلّبي. ولي قضاء بعض الأعمال، وقد نيّف على الستين. قال ابن خلّكان [١] : كان قاضي السّندية وغيرها من أعمال بغداد، ولّاه أبو السائب عتبة بن عبيد الله القاضي، وكان من [٢] إحدى عجائب الدّنيا في سرعة البديهة في الجواب عن جميع ما يسأل عنه، في أفصح لفظ، وأملح سجع، وله مسائل وأجوبة مدوّنة في كتاب مشهور بأيدي الناس، وكان رؤساء ذلك العصر وفضلاؤه يداعبونه ويكتبون إليه المسائل الغريبة المضحكة، فيكتب الجواب من غير توقف ولا تلبث، مطابقا لما سألوه، وكان الوزير المهلبي يغري به جماعة يضعون له من الأسئلة الهزلية معان شتى من النوادر الظريفة [٣] ليجيب عنها بتلك الأجوبة، فمن ذلك ما كتب إليه العبّاس بن المعلى الكاتب: ما يقول القاضي- وفقه الله تعالى- في يهودي زنى بنصرانية، فولدت ولدا جسمه للبشر ووجهه للبقر، وقد قبض عليهما، فما يرى القاضي فيهما، فكتب جوابه بديها: هذا من أعدل الشهود على [الملاعين] [٤] اليهود بأنهم أشربوا العجل في صدورهم حتّى خرج من أيورهم، وأرى أن يناط برأس اليهودي رأس العجل، ويصلب على عنق النصرانية السّاق مع الرجل، ويسحبا على الأرض، وينادى عليهما ظلمات بعضها فوق بعض، والسلام. ولما قدم الصاحب بن عبّاد إلى بغداد، حضر مجلس الوزير أبي محمد

стр. 1647

المهلبي، وكان في المجلس القاضي أبو بكر المذكور، فرأى من ظرفه وسرعة أجوبته مع لطافتها ما عظم منه تعجبه، فكتب الصاحب إلى أبي الفضل بن العميد كتابا يقول فيه: وكان في المجلس شيخ خفيف الرّوح، يعرف بالقاضي ابن قريعة، جاراني في مسائل خفّتها [١] تمنع من ذكرها، إلا أني سأطرفك [٢] من كلامه، وقد سأله رجل بحضرة الوزير أبي محمد عن حدّ القفا، فقال: ما اشتمل [٣] عليه جربّانك [ومازحك فيه إخوانك] [٤] وأدّبك فيه سلطانك، وباسطك فيه غلمانك. وجربّان: بضم الجيم والراء، وتشديد الباء الموحدة، وبعدها ألف، ثم نون لينة، وهي الخرقة العريضة التي فوق القبّ، وهي التي تستر القفا، والجربان لفظ فارسي معرب. وجميع مسائله على هذا الأسلوب. انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا. وقال ابن حمدون في «تذكرته» [٥] : كان ابن قريعة في مجلس المهلّبي، فوردت عليه رقعة فيها: ما يقول القاضي أعزّه الله، في رجل دخل الحمّام، فجلس في الأبزن لعلة كانت به، فخرجت منه ريح، فتحول الماء زيتا، فتخاصم الحمّامي والضارط، وادّعى كل واحد منهما أنه يستحق جميع الزيت لحقه فيه، فكتب القاضي في الجواب: قرأت هذه الفتيا الظريفة في

стр. 1648

هذه القصة السخيفة، وأخلق بها أن تكون عبثا باطلا وكذبا ماحلا، وإن كان ذلك كذلك فهو [من] أعاجيب الزمان وبدائع الحدثان، والجواب وبالله التوفيق، أن للضارط [١] نصف الزيت لحق وجعاته، وللحمامي نصف الزيت لحق مائه، وعليهما أن يصدقا المبتاع منهما عن خبث أصله وقبح فصله، حتّى يستعمله في مسرجته ولا يدخله في أغذيته. انتهى. وقريعة: بضم القاف وفتح الراء وسكون الياء التحتية بعدها عين مهملة وهو لقب جدّه، كذا حكاه السمعاني. وفيها أبو بكر بن القوطيّة- بضم القاف وكسر الطاء، وتشديد الياء المثناة من [٢] تحت- نسبة إلى قوط بن حام بن نوح ﵇، نسبت إليه جدّة أبي بكر هذا وهي أم إبراهيم بن عيسى، واسمها سارة بنت المنذر بن حطية من ملوك القوط بالأندلس، وقوط أبو السودان، والهند والسّند أيضا. واسم أبي بكر هذا محمد بن عمر بن عبد العزيز بن إبراهيم بن عيسى بن مزاحم الأندلسي الإشبيلي الأصل القرطبي المولد. كان رأسا في اللغة والنحو، حافظا للأخبار وأيام الناس، فقيها محدّثا متقنا، كثير التصانيف، صاحب عبادة ونسك. كان أبو علي القالي يبالغ في تعظيمه، توفي في شهر ربيع الأول، وقد روى عن سعيد بن جابر، وطاهر بن عبد العزيز، وطبقتهما، وسمع بإشبيلية من محمد بن عبيد الزّبيدي، وبقرطبة من أبي الوليد الأعرج، وكان من أعلم أهل زمانه باللغة والعربية، وأروى الناس للأشعار وأدركهم للآثار، لا يدرك [٣] شأوه ولا يشق غباره، وكان مضطلعا بأخبار الأندلس مليئا برواية سير أمرائها وأحوال فقهائها وشعرائها عن ظهر قلب.

стр. 1649

قال ابن خلّكان [١] : وكانت كتب اللغة أكثر ما تقرأ عليه وتؤخذ عنه، ولم يكن بالضابط لروايته في الحديث والفقه، ولا كانت له أصول يرجع إليها، وكان ما يسمع عليه من ذلك إنما يحمل على المعنى لا على اللفظ، وكان كثيرا ما يقرأ عليه ما لا رواية له به على جهة التصحيح، وطال عمره فسمع الناس منه [٢] طبقة بعد طبقة، وروى عنه الشيوخ والكهول، وكان قد لقي مشايخ عصره بالأندلس وأخذ عنهم، وأكثر من النقل من فوائدهم. وصنّف الكتب المفيدة في اللغة، منها: كتاب «تصاريف الأفعال» وهو الذي فتح هذا الباب، فجاء من بعده ابن القطّاع [٣] وتبعه، وله كتاب «المقصور والممدود» جمع فيه ما لا يحدّ ولا يوصف، ولقد أعجز من يأتي بعده وفاق من تقدّمه. وكان مع هذه الفضائل من العبّاد النّساك، وكان جيد الشعر، صحيح الألفاظ، واضح المعاني، حسن المطالع والمقاطع، إلا أنه ترك ذلك [ورفضه] [٤] . حكى الشاعر أبو بكر [يحيى] بن هذيل التميمي أنه توجه يوما إلى ضيعة له بسفح جبل [٥] قرطبة، وهي من بقاع الأرض الطيبة المؤنقة، فصادف أبا بكر بن القوطية المذكور صادرا عنها، وكانت له أيضا هناك ضيعة، قال: فلما رآني عرّج عليّ واستبشر بلقائي، فقلت له: على البديهة [٦] مداعبا له:

стр. 1650

من أين أقبلت يا من لا شبيه له ... ومن هو الشّمس والدّنيا له فلك [١] قال فتبسم وأجاب بسرعة: من منزل تعجب النّسّاك خلوته ... وفيه ستر عن الفتّاك إن فتكوا [١] قال: فما تمالكت أن قبّلت يده، إذ كان شيخي، ومجدته ودعوت له. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا. وفيها أبو الطاهر الوزير، نصير الدولة محمد بن محمد بن بقيّة بن علي، أحد الرؤساء والأجواد، تنقلت به الأحوال، ووزر لمعز الدولة بختيار، وقد كان أبوه فلاحا، ثم عزل وسمل، ولما تملك عضد الدولة قتله وصلبه في شوال، ورثاه محمد بن عمر الأنباري بقوله [٢] : علوّ في الحياة وفي الممات ... لحقّ أنت إحدى المعجزات كأنّ النّاس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيّام الصّلات كأنّك قائم فيهم خطيبا ... وكلّهم قيام للصّلاة مددت يديك نحوهم احتفاء ... كمدّكها [٣] إليهم بالهبات فلما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضمّ علاك من بعد الممات أصاروا الجوّ قبرك واستنابوا ... عن الأكفان ثوب السّافيات لعظمك في النّفوس تبيت ترعى ... بحفّاظ وحرّاس ثقات وتشعل عندك النّيران ليلا ... كذلك كنت أيام الحياة ركبت مطيّة من قبل زيد ... علاها في السّنين الماضيات وتلك فضيلة فيها تأسّ ... تباعد عنك تعيير العداة
следующие страницы →