وفيها ابن قريعة القاضي البغدادي، أبو بكر، محمد بن عبد الرحمن. أخذ عن أبي بكر بن الأنباري وغيره، وكان ظريفا مزّاحا، صاحب نوادر وسرعة جواب، وكان نديما للوزير المهلّبي. ولي قضاء بعض الأعمال، وقد نيّف على الستين.
قال ابن خلّكان [١] : كان قاضي السّندية وغيرها من أعمال بغداد، ولّاه أبو السائب عتبة بن عبيد الله القاضي، وكان من [٢] إحدى عجائب الدّنيا في سرعة البديهة في الجواب عن جميع ما يسأل عنه، في أفصح لفظ، وأملح سجع، وله مسائل وأجوبة مدوّنة في كتاب مشهور بأيدي الناس، وكان رؤساء ذلك العصر وفضلاؤه يداعبونه ويكتبون إليه المسائل الغريبة المضحكة، فيكتب الجواب من غير توقف ولا تلبث، مطابقا لما سألوه، وكان الوزير المهلبي يغري به جماعة يضعون له من الأسئلة الهزلية معان شتى من النوادر الظريفة [٣] ليجيب عنها بتلك الأجوبة، فمن ذلك ما كتب إليه العبّاس بن المعلى الكاتب: ما يقول القاضي- وفقه الله تعالى- في يهودي زنى بنصرانية، فولدت ولدا جسمه للبشر ووجهه للبقر، وقد قبض عليهما، فما يرى القاضي فيهما، فكتب جوابه بديها: هذا من أعدل الشهود على [الملاعين] [٤] اليهود بأنهم أشربوا العجل في صدورهم حتّى خرج من أيورهم، وأرى أن يناط برأس اليهودي رأس العجل، ويصلب على عنق النصرانية السّاق مع الرجل، ويسحبا على الأرض، وينادى عليهما ظلمات بعضها فوق بعض، والسلام.
ولما قدم الصاحب بن عبّاد إلى بغداد، حضر مجلس الوزير أبي محمد
стр. 1647
المهلبي، وكان في المجلس القاضي أبو بكر المذكور، فرأى من ظرفه وسرعة أجوبته مع لطافتها ما عظم منه تعجبه، فكتب الصاحب إلى أبي الفضل بن العميد كتابا يقول فيه: وكان في المجلس شيخ خفيف الرّوح، يعرف بالقاضي ابن قريعة، جاراني في مسائل خفّتها [١] تمنع من ذكرها، إلا أني سأطرفك [٢] من كلامه، وقد سأله رجل بحضرة الوزير أبي محمد عن حدّ القفا، فقال: ما اشتمل [٣] عليه جربّانك [ومازحك فيه إخوانك] [٤] وأدّبك فيه سلطانك، وباسطك فيه غلمانك.
وجربّان: بضم الجيم والراء، وتشديد الباء الموحدة، وبعدها ألف، ثم نون لينة، وهي الخرقة العريضة التي فوق القبّ، وهي التي تستر القفا، والجربان لفظ فارسي معرب.
وجميع مسائله على هذا الأسلوب. انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا.
وقال ابن حمدون في «تذكرته» [٥] : كان ابن قريعة في مجلس المهلّبي، فوردت عليه رقعة فيها: ما يقول القاضي أعزّه الله، في رجل دخل الحمّام، فجلس في الأبزن لعلة كانت به، فخرجت منه ريح، فتحول الماء زيتا، فتخاصم الحمّامي والضارط، وادّعى كل واحد منهما أنه يستحق جميع الزيت لحقه فيه، فكتب القاضي في الجواب: قرأت هذه الفتيا الظريفة في
стр. 1648
هذه القصة السخيفة، وأخلق بها أن تكون عبثا باطلا وكذبا ماحلا، وإن كان ذلك كذلك فهو [من] أعاجيب الزمان وبدائع الحدثان، والجواب وبالله التوفيق، أن للضارط [١] نصف الزيت لحق وجعاته، وللحمامي نصف الزيت لحق مائه، وعليهما أن يصدقا المبتاع منهما عن خبث أصله وقبح فصله، حتّى يستعمله في مسرجته ولا يدخله في أغذيته. انتهى.
وقريعة: بضم القاف وفتح الراء وسكون الياء التحتية بعدها عين مهملة وهو لقب جدّه، كذا حكاه السمعاني.
وفيها أبو بكر بن القوطيّة- بضم القاف وكسر الطاء، وتشديد الياء المثناة من [٢] تحت- نسبة إلى قوط بن حام بن نوح ﵇، نسبت إليه جدّة أبي بكر هذا وهي أم إبراهيم بن عيسى، واسمها سارة بنت المنذر بن حطية من ملوك القوط بالأندلس، وقوط أبو السودان، والهند والسّند أيضا. واسم أبي بكر هذا محمد بن عمر بن عبد العزيز بن إبراهيم بن عيسى بن مزاحم الأندلسي الإشبيلي الأصل القرطبي المولد. كان رأسا في اللغة والنحو، حافظا للأخبار وأيام الناس، فقيها محدّثا متقنا، كثير التصانيف، صاحب عبادة ونسك. كان أبو علي القالي يبالغ في تعظيمه، توفي في شهر ربيع الأول، وقد روى عن سعيد بن جابر، وطاهر بن عبد العزيز، وطبقتهما، وسمع بإشبيلية من محمد بن عبيد الزّبيدي، وبقرطبة من أبي الوليد الأعرج، وكان من أعلم أهل زمانه باللغة والعربية، وأروى الناس للأشعار وأدركهم للآثار، لا يدرك [٣] شأوه ولا يشق غباره، وكان مضطلعا بأخبار الأندلس مليئا برواية سير أمرائها وأحوال فقهائها وشعرائها عن ظهر قلب.
стр. 1649
قال ابن خلّكان [١] : وكانت كتب اللغة أكثر ما تقرأ عليه وتؤخذ عنه، ولم يكن بالضابط لروايته في الحديث والفقه، ولا كانت له أصول يرجع إليها، وكان ما يسمع عليه من ذلك إنما يحمل على المعنى لا على اللفظ، وكان كثيرا ما يقرأ عليه ما لا رواية له به على جهة التصحيح، وطال عمره فسمع الناس منه [٢] طبقة بعد طبقة، وروى عنه الشيوخ والكهول، وكان قد لقي مشايخ عصره بالأندلس وأخذ عنهم، وأكثر من النقل من فوائدهم.
وصنّف الكتب المفيدة في اللغة، منها: كتاب «تصاريف الأفعال» وهو الذي فتح هذا الباب، فجاء من بعده ابن القطّاع [٣] وتبعه، وله كتاب «المقصور والممدود» جمع فيه ما لا يحدّ ولا يوصف، ولقد أعجز من يأتي بعده وفاق من تقدّمه.
وكان مع هذه الفضائل من العبّاد النّساك، وكان جيد الشعر، صحيح الألفاظ، واضح المعاني، حسن المطالع والمقاطع، إلا أنه ترك ذلك [ورفضه] [٤] .
حكى الشاعر أبو بكر [يحيى] بن هذيل التميمي أنه توجه يوما إلى ضيعة له بسفح جبل [٥] قرطبة، وهي من بقاع الأرض الطيبة المؤنقة، فصادف أبا بكر بن القوطية المذكور صادرا عنها، وكانت له أيضا هناك ضيعة، قال:
فلما رآني عرّج عليّ واستبشر بلقائي، فقلت له: على البديهة [٦] مداعبا له:
стр. 1650
من أين أقبلت يا من لا شبيه له ... ومن هو الشّمس والدّنيا له فلك [١]
قال فتبسم وأجاب بسرعة:
من منزل تعجب النّسّاك خلوته ... وفيه ستر عن الفتّاك إن فتكوا [١]
قال: فما تمالكت أن قبّلت يده، إذ كان شيخي، ومجدته ودعوت له.
انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.
وفيها أبو الطاهر الوزير، نصير الدولة محمد بن محمد بن بقيّة بن علي، أحد الرؤساء والأجواد، تنقلت به الأحوال، ووزر لمعز الدولة بختيار، وقد كان أبوه فلاحا، ثم عزل وسمل، ولما تملك عضد الدولة قتله وصلبه في شوال، ورثاه محمد بن عمر الأنباري بقوله [٢] :
علوّ في الحياة وفي الممات ... لحقّ أنت إحدى المعجزات
كأنّ النّاس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيّام الصّلات
كأنّك قائم فيهم خطيبا ... وكلّهم قيام للصّلاة
مددت يديك نحوهم احتفاء ... كمدّكها [٣] إليهم بالهبات
فلما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضمّ علاك من بعد الممات
أصاروا الجوّ قبرك واستنابوا ... عن الأكفان ثوب السّافيات
لعظمك في النّفوس تبيت ترعى ... بحفّاظ وحرّاس ثقات
وتشعل عندك النّيران ليلا ... كذلك كنت أيام الحياة
ركبت مطيّة من قبل زيد ... علاها في السّنين الماضيات
وتلك فضيلة فيها تأسّ ... تباعد عنك تعيير العداة
стр. 1651
فلم أر قبل جذعك قطّ جذعا ... تمكن من عناق المكرمات
أسأت إلى النوائب فاستثارت ... فأنت قتيل ثأر النّائبات
وهي طويلة.
ولم يزل ابن بقيّة مصلوبا إلى أن توفي عضد الدولة، فأنزل عن الخشبة، ودفن في موضعه.
قال الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» : لما صنع أبو الحسن المرثية التائية، كتبها ورماها في شوارع بغداد، فتداولتها الأدباء إلى أن وصل الخبر إلى عضد الدولة، فلما أنشدت بين يديه، تمنى أن يكون هو المصلوب دونه، وقال: عليّ بهذا الرجل، فطلب سنة كاملة، واتصل الخبر بالصاحب بن عبّاد وهو بالرّيّ، فكتب له الأمان، فلما سمع أبو الحسن ذلك قصد حضرته، فقال له: أنت القائل هذه الأبيات؟ قال: نعم، قال: أنشدنيها من فيك، فلما أنشد:
ولم أر قبل جذعك قطّ جذعا ... تمكن من عناق المكرمات
قام إليه الصاحب وقبّل فاه، وأنفذه إلى عضد الدولة، فلما مثل بين يديه قال: ما الذي حملك على رثاء عدوي؟ فقال: حقوق سلفت وأياد مضت، فقال: هل يحضرك شيء في الشموع؟ والشموع تزهر بين يديه، فأنشأ يقول:
كأنّ الشّموع وقد أظهرت ... من النّار في كلّ رأس سنانا
أصابع أعدائك الخائفين ... تضرّع تطلب منك الأمانا
فلما سمعها خلع عليه وأعطاه فرسا وردّه. انتهى.
وكان ابن بقيّة في أول أمره قد توصل إلى أن صار صاحب مطبخ معز الدولة والد عزّ الدولة، ثم انتقل إلى غيرها من الخدم، ولما مات معز الدولة
стр. 1652
وأفضى الأمر إلى عزّ الدولة حسنت حاله عنده، ورعى له خدمته لأبيه، وكان فيه توصل وسعة صدر، وتقدم إلى أن استوزره عز الدولة يوم الاثنين سابع ذي القعدة، سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، ثم إنه قبض عليه لسبب يوم الاثنين سابع عشر ذي الحجة، سنة ست وستين بمدينة واسط، وسمل عينيه، ولزم بيته.
قال ابن الهمذاني في كتابه «عيون السير» : لما استوزر عز الدولة بن بقيّة بعد أن كان يتولى أمر المطبخ، قال الناس: من الغضارة إلى الوزارة، ولكن ستر كرمه عيوبه، وخلع يوما عشرين ألف خلعة. انتهى.
وتقدم أنه كان راتبه من الشمع في كل شهر ألف من، فكم يكون غيره مما تشتد الحاجة إليه، فسبحان المعز المذل، وعاش ابن بقيّة نيفا وخمسين سنة.
وفيها يحيى بن عبد الله بن يحيى بن الإمام يحيى بن يحيى اللّيثي القرطبي، أبو عيسى، الفقيه المالكي، راوي «الموطأ» عاليا.
стр. 1653
سنة ثمان وستين وثلاثمائة
فيها كما قال السيوطي في «تاريخ الخلفاء» [١] : أمر الطائع بأن تضرب الدبادب على باب عضد الدولة في وقت الصبح، والمغرب، والعشاء، وأن يخطب له على منابر الحضرة.
قال ابن الجوزي: وهذان أمران لم يكونا من قبله، ولا أطلقا لولاة العهود، وما حظي عضد الدولة بذلك إلا لضعف الخلافة [٢] .
وفيها توفي أبو بكر القطيعي، أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك البغدادي، مسند العراق، وكان يسكن بقطيعة الدّقيق [٣] ، فنسب إليها. روى عن عبد الله بن الإمام أحمد «المسند» وسمع من الكديمي، وإبراهيم الحربي والكبار، توفي في ذي الحجة، وله خمس وتسعون سنة، وكان شيخا صالحا.
وفيها السّيرافي، أبو سعيد، الحسن بن عبد الله بن المرزبان، صاحب العربية، كان أبوه مجوسيا فأسلم [٤] ، وسمّي عبد الله، سمّاه به ابنه المذكور،
стр. 1654
وكان اسمه أولا [١] بهزاد [٢] ، تصدّر أبو سعيد لإقراء القراءات، والنحو، واللغة، والعروض، والفقه، والحساب، وكان رأسا في النحو، بصيرا بمذهب الإمام أبي حنيفة، قرأ القرآن على ابن مجاهد، وأخذ اللغة عن ابن دريد، والنحو عن ابن السّراج، وكان ورعا يأكل من النسخ، وكان ينسخ الكراس بعشرة دراهم لبراعة خطه، ذكر عنه الاعتزال ولم يظهر منه، ومات في رجب عن أربع وثمانين سنة.
قال ابن خلّكان [٣] : أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السّيرافي النحوي المعروف بالقاضي. سكن بغداد وتولى القضاء بها نيابة عن أبي محمد بن معروف، وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، وشرح «كتاب سيبويه» فأجاد فيه، وله كتاب «ألفات الوصل والقطع» وكتاب «أخبار النحويين البصريين» وكتاب «الوقف والابتداء» وكتاب «صنعة الشعر والبلاغة» و «شرح مقصورة ابن دريد» وكان الناس يشتغلون عليه بعدة فنون، القرآن الكريم، والقراءات، وعلوم القرآن، والنحو، واللغة، والفقه، والفرائض، والحساب، والكلام، والشعر، والعروض، والقوافي، وكان نزها عفيفا، جميل الأمر، حسن الأخلاق، وكان معتزليا، ولم يظهر منه شيء، وكان كثيرا ما ينشد في مجالسه:
اسكن إلى سكن تسرّ به ... ذهب الزّمان وأنت منفرد
ترجو غدا وغد كحاملة ... في الحيّ لا يدرون ما تلد
وتوفي يوم الاثنين ثاني رجب ببغداد، وعمره أربع وثمانون سنة، ودفن بمقابر [٤] الخيزران.
стр. 1655
وقال ولده أبو محمد يوسف: أصل أبي من سيراف، ومضى إلى عسكر مكرم، وأقام عند أبي محمد بن عمر المتكلم، وكان يقدمه، ويفضله [١] على جميع أصحابه، ودخل بغداد، وخلف القاضي أبا محمد بن معروف على قضاء الجانب الشرقي [ثم] [٢] في الجانبين.
والسّيرافي: بكسر السين المهملة، وبعد الراء والألف فاء، نسبة إلى سيراف، وهي من بلاد فارس، على ساحل البحر، مما يلي كرمان، خرج منها جماعة من العلماء.
وفيها أبو القاسم الآبندوني- بألف ممدودة وفتح الباء الموحدة، وسكون النون، وضم المهملة، نسبة إلى آبندون من قرى جرجان- واسمه عبد الله بن إبراهيم بن يوسف الجرجاني الحافظ. سكن بغداد، وحدّث عن أبي خليفة، والحسن بن سفيان، وطبقتهما، وهو ثقة ثبت.
قال الحاكم: كان أحد أركان الحديث.
وقال البرقاني: كان محدّثا، زاهدا، متقلّلا من الدّنيا، لم يكن يحدّث غير واحد [منفرد] [٣] ، لسوء أدب الطلبة وحديثهم وقت السماع، عاش خمسا وتسعين سنة، وممّن حدّث عنه البرقاني [٤] ، وأبو العلاء الواسطي.
وفيها الرّخّجيّ- بالضم وتشديد المعجمة المفتوحة وجيم، نسبة إلى الرّخّجية، قرية ببغداد- القاضي أبو الحسين عيسى بن حامد البغدادي [٥]
стр. 1656
الفقيه، أحد تلامذة ابن جرير [١] . روى عن محمد بن جعفر القتّات وطبقته، ومات في ذي الحجة، عن سن عالية.
وفيها الحافظ النبيل أحمد بن موسى بن عيسى بن أحمد بن عبد الرّحمن، الوكيل الفرضي، أبو الحسن [٢] بن أبي عمر الجرجاني. كان حافظا نبيها غير أنه كان يضع الحديث، نسأل الله العافية.
وفيها أبو أحمد الجلودي- بضمتين، وقيل بفتح الجيم نسبة إلى الجلود- محمد بن عيسى بن عمرويه [٣] النيسابوري، راوية «صحيح مسلم» عن ابن سفيان الفقيه. سمع من جماعة، ولم يرحل.
قال الحاكم: هو من كبار عبّاد الصوفية، وكان ينسخ بالأجرة، ويعرف مذهب سفيان [٤] وينتحله. توفي في ذي الحجة، وله ثمانون سنة.
وفيها أبو الحسين الحجّاجي- نسبة إلى جدّ- محمد بن محمد بن يعقوب النيسابوري، الحافظ الثقة المقرئ، العبد الصالح الصدوق، في ذي الحجة، عن ثلاث وثمانين سنة. قرأ على ابن مجاهد، وسمع عمر بن أبي غيلان، وابن خزيمة، وهذه الطبقة، بمصر، والشام، والعراق، وخراسان، وصنّف العلل، والشيوخ، والأبواب.
قال الحاكم: صحبته نيّفا وعشرين سنة، فلم [٥] أعلم أن الملك كتب
стр. 1657
عليه خطيئة، وسمعت أبا عليّ الحافظ يقول: ما في أصحابنا أفهم ولا أثبت منه، وأنا ألقّبه بعفّان لثبته، رحمه الله تعالى.
وفيها هفتكين التّركي الشرابي [١] ، خرج عن بغداد خوفا من عضد الدولة، ونزل الشام، فتملك دمشق بإعانة أهلها في سنة أربع وستين، وردّ الدعوة العبّاسية، ثم صار إلى صيدا، وحارب المصريين، فقدم لحربه القائد جوهر، وحاصره بدمشق سبعة أشهر، ثم ترحل عنه، فساق وراء جوهر، فالتقوا بعسقلان، فهزم جوهرا، وتحصّن جوهر بعسقلان، فحاصره هفتكين بها خمسة عشر شهرا، ثم أمّنه، فنزل وذهب إلى مصر، فصادف العزيز صاحب مصر قد جاء في نجدته، فردّ معه، فكانوا سبعين ألفا، فالتقاهم هفتكين، فأخذوه أسيرا، في أول سنة ثمان هذه، ثم من عليه العزيز، وأعطاه إمرة، فخاف منه ابن كلّس الوزير وقتله، سقاه سمّا، وكان يضرب بشجاعته المثل.
стр. 1658
سنة تسع وستين وثلاثمائة
فيها ورد رسول العزيز صاحب مصر والشام، إلى عضد الدولة، ثم ورد رسول آخر، فأجابه بما مضمونه، صدق الطّوية وحسن النيّة.
وفيها توفي أحمد بن عطاء [الرّوذباري] [١] أبو عبد الله الزاهد، شيخ الصوفية، نزيل صور [٢] . روى عن أبي القاسم البغوي وطبقته.
قال القشيري: كان شيخ الشام في وقته، وضعّفه بعضهم، فإنه روى عن إسماعيل الصفّار مناكير، تفرّد بها. قاله في «العبر» [٣] .
ومن كلامه: ما من قبيح إلا وأقبح منه صوفي شحيح.
وقال: الخشوع في الصلاة علامة فلاح المصلّي قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ٢٣: ١- ٢ [المؤمنون: ١- ٢] .
وقال: مجالسة الأضداد ذوبان الرّوح [٤] ، ومجالسة الأشكال تلقيح العقول.
стр. 1659
وقال الخطيب [١] : نشأ ببغداد وأقام بها دهرا طويلا [٢] ، ثم انتقل فنزل صور من ساحل بلاد الشام [٣] ، وتوفي في قرية يقال لها منواث من عمل عكا، وحمل إلى صفد فدفن بها.
وفيها ابن شاقلا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البغدادي البزّاز، شيخ الحنابلة، وتلميذ أبي بكر عبد العزيز، توفي كهلا في رجب، وكان صاحب حلقة للفتيا والإشغال بجامع المنصور.
وفيها الجعل، واسمه حسين بن علي البصري الحنفي العلّامة، صاحب التصانيف، وله ثمانون سنة، وكان رأس المعتزلة. قاله أبو إسحاق في «طبقات الفقهاء» [٤] .
وفيها ابن ماسي المحدّث، أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي البزّاز ببغداد، في رجب، وله خمس وتسعون سنة.
قال البرقاني وغيره: ثقة، ثبت. روى عن أبي مسلم الكجّي وطائفة.
وفيها الحسن بن محمد بن علي الأصفهاني أبو سعيد الحافظ المتقن. روى عن أبي قاسم البغوي، وأبي محمد بن صاعد، وهذه الطبقة.
وعنه: أبو نعيم وغيره، ووصفه أبو نعيم بالمعرفة والإتقان.
وفيها الإمام الحافظ الثبت الثقة، أبو الشيخ، وأبو محمد، عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيّان الأصبهاني، صاحب التصانيف، في سلخ المحرم، وله خمس وتسعون سنة، وأول سماعه في سنة أربع وثمانين ومائتين، من
стр. 1660
إبراهيم بن سعدان، وابن أبي عاصم، وطبقتهما، ورحل في حدود الثلاثمائة، وروى عن أبي خليفة وأمثاله، بالموصل، وحرّان، والحجاز، والعراق، وممّن روى عنه أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي، والماليني، وأبو نعيم، وابن مردويه.
وقال ابن مردويه: هو ثقة مأمون، وصنّف «التفسير» والكتب الكثيرة في الأحكام وغير ذلك.
وقال الخطيب [١] : كان حافظا ثبتا متقنا.
وقال غيره: كان صالحا عابدا قانتا لله، كبير القدر.
وفيها الإمام أبو سهل محمد بن سليمان العجلي الصعلوكي النيسابوري، الحنفي نسبا والشافعي مذهبا، الفقيه، شيخ الشافعية بخراسان.
قال فيه الحاكم: أبو سهل الصعلوكي الشافعي اللغوي المفسّر النحوي المتكلم المفتي الصوفي، حبر زمانه [٢] وبقية أقرانه. ولد سنة تسعين ومائتين، واختلف إلى ابن خزيمة، ثم إلى أبي علي الثقفي، وناظر وبرع، وسمع من أبي العبّاس السّراج وطبقته.
وقال الصاحب بن عبّاد: ما رأى أبو سهل مثل نفسه، ولا رأينا مثله، وهو صاحب وجه في المذهب.
وسئل أبو الوليد حسّان بن محمد الفقيه، عن أبي بكر القفّال، وأبي سهل الصعلوكي أيّهما أرجح، فقال: ومن يقدر أن يكون مثل أبي سهل.
وعنه أخذ ابنه أبو الطيب وفقهاء نيسابور.
وقال أبو عبد الرحمن السّلمي: سمعته يقول ما عقدت على شيء قطّ،
стр. 1661
وما كان لي قفل ولا مفتاح، وما حرزت [١] على فضّة ولا على ذهب قطّ.
قال: وسمعته يقول: من قال لشيخه لم؟ لا يفلح أبدا [٢] .
ومن غرائبه وجوب النيّة لإزالة النجاسة، وأن من نوى غسل الجنابة والجماع [٣] لا يجزئه لواحد منهما، وتوفي في ذي القعدة.
وفيها ابن أمّ شيبان، قاضي القضاة، أبو الحسن محمد بن صالح بن علي الهاشمي العبّاسي العيسوي الكوفي. روى عن عبد الله بن زيدان [٤] البجلي وجماعة، وقدم بغداد مع أبيه، فقرأ على ابن مجاهد، وتزوج بابنة قاضي القضاة، أبي عمر محمد بن يوسف.
قال طلحة الشاهد: هو رجل عظيم القدر، واسع العلم، كثير الطّلب، حسن التصنيف، متوسط في مذهب مالك، متفنّن.
وقال ابن أبي الفوارس: نهاية في الصدق، نبيل فاضل، ما رأينا في معناه مثله. توفي فجأة في جمادى الأولى، وله بضع وسبعون سنة. قاله في «العبر» [٥] .
وفيها النقّاش المحدّث، لا المقرئ، أبو بكر محمد بن علي بن
стр. 1662
الحسن المصري الحافظ، نزيل تنّيس، وله سبع وثمانون سنة. روى عن شيخ النّسائي محمد بن جعفر الإمام، ورحل، فسمع من النّسائي، وأبي يعلى، وعبدان، وخلائق، ورحل إليه الدارقطني، وكان من الحفاظ والعلماء بهذا الشأن [١] .
وفيها أبو عمرو، محمد بن محمد بن صابر البخاري، المؤذّن، صاحب صالح جزرة، الحافظ مسند أهل بخارى وعالمها.
وفيها الباقرحيّ- بفتح القاف، وسكون الراء، ثم [حاء] مهملة، نسبة إلى باقرحا من قرى بغداد- أبو علي مخلد بن جعفر الفارسي الدقاق، صاحب «المشيخة» ببغداد في ذي الحجة. روى عن يوسف بن يعقوب القاضي وطبقته، ولم يكن يعرف شيئا من الحديث، فأدخلوا عليه فأفسدوه.
قاله في «العبر» [٢] .
стр. 1663
سنة سبعين وثلاثمائة
فيها رجع عضد الدولة من همذان، فلما وصل إلى بغداد، بعث إلى الطائع لله ليتلقاه، فما وسعه التخلّف، ولم تجر عادة بذلك أبدا، وأمر قبل دخوله، أن من تكلم أو دعا له قتل، فما نطق مخلوق، فأعجبه ذلك. وكان عظيم الهيبة، شديد العقوبة على الذنب الصغير.
وفيها توفي الرّازي، أبو بكر أحمد بن علي الفقيه، شيخ الحنفية ببغداد، وصاحب أبي الحسن الكرخي، في ذي الحجة، وله خمس وستون سنة. انتهت إليه رئاسة المذهب، وكان مشهورا بالزهد والدّين، عرض عليه قضاء القضاة فامتنع، وله عدة مصنفات. روى فيها عن الأصم وغيره.
وفيها اليشكري، أحمد بن منصور الدّينوري الأخباري، مؤدّب الأمير حسن بن عيسى بن المقتدر. روى عن ابن دريد وطائفة، وله أجزاء منسوبة إليه رواها الأمير حسن.
وفيها أبو سهل بشر بن أحمد الإسفراييني الدهقان المحدّث الجوّال.
روى عن إبراهيم بن علي الذّهلي، وقرأ على الحسن بن سفيان مسنده، ورحل إلى بغداد، والموصل، وأملى زمانا، وتوفي في شوال، عن نيّف وتسعين سنة.
وفيها أبو محمد السّبيعي- بفتح السين المهملة، نسبة إلى سبيع بطن
стр. 1664
من همدان- وهو الحافظ الحسن [بن أحمد] [١] بن صالح الحلبي. روى عن عبد الله بن ناجية وطبقته، ومات في آخر السنة في الحمام، وكان شرس الأخلاق.
قال ابن ناصر الدّين: كان على [٢] تشيّع فيه ثقة.
وفيها الحسن بن رشيق العسكري، أبو محمد المصري الحافظ، في جمادى الآخرة، وله ثمان وثمانون سنة.
قال يحيى بن الطحّان: روى عن النّسائي، وأحمد بن حمّاد زغبة، وخلق لا أستطيع ذكرهم، ما رأيت عالما أكثر حديثا منه.
وفيها ابن خالويه، الأستاذ أبو عبد الله [٣] الحسين بن أحمد الهمذاني النحوي اللغوي صاحب التصانيف وشيخ أهل حلب. أخذ عن ابن مجاهد، وأبي بكر بن الأنباري، وأبي عمر الزاهد.
قال ابن الأهدل: انتقل عن بغداد إلى حلب فاستوطنها، ومات بها، وكان بنو حمدان يعظّمونه، دخل على سيف الدولة، فقال له: اقعد، ولم يقل: اجلس، فاتخذت فضيلة لسيف الدولة، وذلك لأن القائم يقال له:
اقعد، والنائم والساجد: اجلس، وله مواقف مع المتنبي في مجلس سيف الدولة، ومن شعره:
إذا لم يكن صدر المجالس سيّدا ... فلا خير فيمن صدّرته المجالس
وكم قائل: ما لي رأيتك راجلا؟ ... فقلت له: من أجل أنك فارس [٤]
انتهى.
стр. 1665
وفيها القبّاب [١] وهو الذي يعمل المحابر [٢] أبو بكر، عبد الله بن محمد بن محمد بن فورك بن عطاء الأصبهاني المقرئ، وله بضع وتسعون سنة. قرأ على ابن شنبوذ، وروى عن محمد بن إبراهيم الجيراني [٣] ، وعبد الله بن محمد بن النّعمان، والكبار، وصار شيخ ناحيته، توفي في ذي القعدة.
وفيها الإمام الإسماعيلي، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العبّاس، أبو بكر، الجرجاني [٤] ، أحد الحفاظ الأعيان. كان شيخ المحدّثين والفقهاء، وأجلّهم في المروءة والسخاء. قاله ابن ناصر الدّين.
وفيها العلّامة الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي اللغوي النحوي الشافعي، صاحب «تهذيب اللغة» وغيره من المصنفات الكبار، الجليلة المقدار، مات بهراة [٥] ، في شهر ربيع الآخر، وله ثمان وثمانون سنة. روى عن البغوي، ونفطويه، وأبي بكر بن السرّاج، وترك الأخذ عن ابن دريد تورعا، لأنه رآه سكران، وقد بقي الأزهري في أسر القرامطة مدة طويلة. قاله في «العبر» [٦] .
стр. 1666
وقال ابن قاضي شهبة: ولد بهراة سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وكان فقيها صالحا، غلب عليه علم اللغة، وصنّف فيه كتابه «التهذيب» الذي جمع فيه فأوعى، في عشر مجلدات، وصنّف في التفسير كتابا سمّاه «التقريب» .
انتهى ملخصا.
وقال ابن خلّكان [١] : وحكى بعض الأفاضل أنه رأى بخطه، قال:
امتحنت بالأسر سنة عارضت القرامطة الحاجّ [٢] بالهبير، وكان القوم الذي وقعت في سهمهم عربا نشؤوا في البادية يتتبعون مساقط الغيث أيام النجع، ويرجعون إلى أعداد المياه في محاضرهم زمان القيظ، ويرعون النعم ويعيشون بألبانها، وكنّا نشتّي بالدهناء، ونرتبع بالصّمّان، ونقيظ بالسّتارين، واستفدت من محاورتهم ومخاطبة بعضهم بعضا ألفاظا جمّة، ونوادر كثيرة، أوقعت أكثرها في كتابي- يعني «التهذيب» -. انتهى.
وفيها الحافظ الكبير، أبو بكر غندر، محمد بن جعفر البغدادي الورّاق الثقة. كان رحّالا جوّالا، توفي بأطراف خراسان غريبا. سمع بالشام، والعراق، ومصر، والجزيرة. وروى عن الحسن بن شبيب المعمري، ومحمد بن محمد الباغندي، وطبقتهما. وعنه: الحاكم، وأبو نعيم، وغيرهما.
قال الحاكم: دخل إلى أرض التّرك، وكتب من الحديث ما لم يتقدمه فيه أحد كثرة.
وفيها أبو زرعة اليمني الإستراباذي، محمد بن إبراهيم الحافظ [٣] .
روى عن علي بن الحسين بن معدان، والسّراج، وأبي عروبة الحرّاني.
وعنه: الإدريسي، وحمزة السهمي، وهو ثقة. قاله ابن بردس.
стр. 1667
وممّن كان بعد الستين وثلاثمائة:
الرّفّاء الشاعر، أبو الحسن السّريّ بن أحمد الكندي الموصلي، صاحب الديوان المشهور. مدح سيف الدولة، والوزير المهلّبي والكبار.
قال ابن خلّكان [١] : كان في صباه يرفو ويطرز في دكان بالموصل، وهو مع ذلك يتولع بالأدب وينظم الشعر، ولم يزل حتّى جاد شعره ومهر فيه، وقصد سيف الدولة بن حمدان بحلب، وأقام عنده مدة ثم انتقل بعد وفاته إلى بغداد، ومدح الوزير المهلّبي وجماعة من رؤسائها، ونفق شعره وراج، وكان [٢] بينه وبين أبي بكر محمد، وأبي عثمان سعيد بن هاشم الخالديين الموصليين الشاعرين المشهورين معاداة، فادّعى عليهما سرقة شعره، وشعر غيره.
وكان السّريّ مغرى بنسخ «ديوان كشاجم» الشاعر المشهور، وهو إذ ذاك ريحان الأدب بتلك البلاد، والسّريّ في طريقه يذهب، فكان يدسّ فيما يكتبه من شعره أحسن شعر الخالديين ليزيد في حجم ما ينسخه، وينفق سوقه، ويعلى شعره [٣] بذلك عليهما، ويغضّ منهما. فمن هذه الجهة وقفت
стр. 1668
في بعض النسخ من «ديوان كشاجم» على زيادات ليست في الأصول المشهورة.
وكان شاعرا مطبوعا، عذب الألفاظ، مليح المأخذ، كثير الافتتان في [التشبيهات و] الأوصاف [١] ، ولم يكن له رواء ولا منظر، ولا يحسن من العلوم غير قول الشعر.
ومن شعر السّري المذكور:
وكانت الإبرة فيما مضى ... صائنة وجهي وأشعاري
فأصبح الرزق بها ضيقا ... كأنه من ثقبها جاري
ومن محاسن شعره في المديح قوله من [٢] جملة قصيدة:
يلقى الّندى برقيق وجه مسفر ... فإذا التقى الجمعان عاد صفيقا
رحب المنازل ما أقام فإن سرى ... في جحفل ترك الفضاء مضيقا
وذكر له الثعالبي في كتابه «المنتحل» :
ألبستني نعما رأيت بها الدّجى ... صبحا وكنت أرى الصباح بهيما
فغدوت يحسدني الصديق وقبلها ... قد كان يلقاني العدو رحيما
ومن غرر شعره في التشبيب:
بنفسي من أجود له بنفسي ... ويبخل بالتّحية والسّلام
وحتفي كامن في مقلتيه ... كمون الموت في حدّ الحسام
وله كتاب «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» [٣] وكانت وفاته سنة نيف وستين وثلاثمائة. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.
стр. 1669
وفاروق بن عبد الكبير، أبو حفص الخطّابي البصري، محدّث البصرة ومسندها. روى عن الكجّي، وهشام بن [علي] [١] السّيرافي، ومحمد بن يحيى القزّاز، وكان حيّا في سنة إحدى وستين.
وابن مجاهد المتكلم، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي، صاحب الأشعري، ذو التصانيف الكثيرة في الأصول. قدم من البصرة، فسكن بغداد، وعنه أخذ القاضي أبو بكر الباقلّاني، وكان ديّنا صيّنا خيّرا.
والنّقوي [٢] أبو عبد الله، محمد بن عبد الله الصنعاني، آخر من روى في الدّنيا عن إسحاق بن إبراهيم. رحل المحدّثون إليه في سنة سبع وستين وثلاثمائة.
والنّجيرمي- بفتح النون والراء، وكسر الجيم، نسبة إلى نجيرم، محلة بالبصرة- أبو يعقوب، يوسف بن يعقوب البصري. حدّث في سنة خمس وستين عن أبي مسلم، ومحمد بن حيّان المازني.
стр. 1670
سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة
فيها كما قال ابن الجوزي في «الشذور» مات عضد الدولة، والصحيح أنه مات في التي بعدها كما يأتي.
وفيها الإسماعيلي، الحبر الإمام الجامع، أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العبّاس الجرجاني [١] الحافظ الفقيه الشافعي، ذو التصانيف الكبار في الحديث والفقه بجرجان، في غرّة رجب، وله أربع وتسعون سنة. أول سماعه في سنة تسع وثمانين، ورحل في سنة أربع وتسعين، وسمع من يوسف بن يعقوب القاضي وإبراهيم بن زهير الحلواني وطبقتهما، وعنه: الحاكم، والبرقاني، وحمزة اليمني.
قال الحاكم: كان الإسماعيلي أوحد عصره وشيخ المحدّثين والفقهاء، وأجلّهم في الرئاسة والمروءة والسخاء. انتهى.
وقال الذهبي [٢] : كان ثقة حجة كثير العلم. انتهى.
وفيها المطّوّعي، أبو العبّاس الحسن بن سعيد بن جعفر العبّاداني المقرئ، نزيل إصطخر، وأسند من في الدّنيا في القراءات. قرأ القراءات [٣]
стр. 1671
على أصحاب الدّوري، وخلف، وابن ذكوان، والبزّي، وحدّث عن أبي خليفة، والحسن بن المثنّى، وضعّفه ابن مردويه.
وقال أبو نعيم: ليّن في روايته.
وقال في «العبر» [١] : عاش مائة سنة وسنتين، قال الخزاعي: كان أبوه سعيد واعظا محدّثا.
وفيها أبو محمد السّبيعي، واسمه الحسن بن أحمد بن صالح الهمداني الحلبي [٢] .
قال ابن ناصر الدّين: كان على تشيع فيه ثقة، ومات في الحمام.
انتهى.
وفيها الزّبيبي [٣] عبد الله بن إبراهيم بن جعفر، أبو الحسين البغدادي البزّار، في ذي القعدة، وله ثلاث وتسعون سنة. روى عن الحسن بن علّويه القطّان، والفريابي، وطائفة.
وفيها ابن التبّان، شيخ المالكية بالمغرب، أبو محمد عبد الله بن إسحاق القيرواني.
قال القاضي عياض: ضربت إليه آباط الإبل من الأمصار [لذبّه عن مذهب أهل المدينة] [٤] ، وكان حافظا بعيدا من التصنّع والرّياء فصيحا [كبير القدر] [٤] .
وفيها أبو زيد المروزي الإمام الشافعي القاشاني- بفاء وشين معجمة
стр. 1672
ونون، نسبة إلى فاشان قرية من قرى مرو- واسمه محمد بن أحمد بن عبد الله الزاهد. حدّث بالعراق، ودمشق، ومكّة، وروى الصحيح عن الفربري ومات بمرو في رجب، وله سبعون سنة.
قال الحاكم: كان من أحفظ الناس لمذهب الشافعي، وأحسنهم نظرا، وأزهدهم في الدّنيا، سمعت أبا بكر البزّار يقول: عادلت [١] الفقيه أبا زيد من نيسابور إلى مكّة، فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة. انتهى.
وقال الخطيب [٢] : حدّث ب «صحيح البخاري» عن الفربري، وأبو زيد أجلّ من روى ذلك الكتاب.
وعنه أخذ أبو بكر القفّال المروزي وفقهاء مرو، وكان من أزكى النّاس قريحة، جاور بمكة سبع سنين.
وقال ابن الأهدل: كان أول أمره فقيرا، ثم بسطت عليه الدّنيا عند كبره، وسقوط أسنانه، وانقطاعه عن الجماع، فقال مخاطبا لها: لا أهلا بك ولا سهلا، أقبلت حين لا ناب ولا نصاب، ومات وله تسعون سنة. انتهى.
وفيها محمد بن خفيف أبو عبد الله الشّيرازي، شيخ إقليم فارس، وصاحب الأحوال والمقامات. روى عن حمّاد بن مدرك وجماعة.
قال السّلمي: هو اليوم شيخ المشايخ، وتاريخ الزمان، لم يبق للقوم أقدم منه سنّا ولا أتم حالا، متمسّك [٣] بالكتاب والسّنّة فقيه على مذهب الشافعي، كان من أولاد الأمراء فتزهد، توفي في ثالث رمضان عن خمس وتسعين سنة، وقيل: عاش مائة سنة وأربع سنين. قاله في «العبر» [٤] .
стр. 1673
قال ابن خفيف [١] : قدم علينا بعض أصحابنا، فاعتلّ بعلة البطن، فكنت أخدمه وآخذ من تحته الطست طول الليل، فغفوت [٢] عنه مرة، فقال لي: نمت! لعنك الله! فقيل له: كيف وجدت نفسك عند قوله: لعنك الله؟
قال: كقوله: رحمك الله.
ومن كلامه: التوكّل [هو] [٣] الاكتفاء بضمانه، وإسقاط التّهمة عن قضائه.
وقال: الأكل مع الفقراء قربة إلى الله .
وقال أحمد بن يحيى الشيرازي: ما أرى التصوف إلا يختم بأبي عبد الله بن خفيف.
وقال السبكي [٤] : شيخ المشايخ، وذو القدم الراسخ في العلم والدّين، كان سيدا جليلا وإماما حفيلا، يستمطر الغيث بدعائه، ويؤوب المصرّ بكلامه عن إغوائه، من أعلم المشايخ بعلوم الظاهر، وممّن اتفقوا على عظيم تمسّكه بالكتاب والسّنّة.
وكانت له أسفار وبدايات، وأحوال عاليات ورياضات، لقي من النّسّاك شيوخا ومن السّلّاك طوائف، رسخ قدمهم في الطريق رسوخا، وصحب من أرباب الأحوال أحبارا وأخيارا، وشرب من منهل الطريق كاسات كبارا، وسافر مشرقا ومغربا، وصابر النفس حتّى انقادت له، فأصبح مثنى الثناء عليها، معربا ذا صبر على الطاعة لا يعصيه فيه قلبه، واستمرار على المراقبة، شهيد [٥] عليه ربّه، وجنب لا يدري القرار، ونفس لا تعرف المأوى إلا البيداء، ولا مسكن [٦] إلا القفار.
стр. 1674
وكان من أولاد الأمراء فتزهّد، حتّى قال: كنت أذهب وأجمع الخرق من المزابل، وأغسلها وأصلح منها [١] ما ألبسه.
وروى عنه القاضي أبو بكر بن الباقلاني وغيره، ورحل إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري، وأخذ عنه، وهو من أعيان تلامذته، وصنّف من الكتب ما لم يصنّفه أحد، وعمّر حتّى عمّ نفعه البلدان، وازدحم الناس على جنازته، وصلّي عليه نحو مائة مرة. انتهى ملخصا.
стр. 1675
سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة
في شوالها مات عضد الدولة، فناخسرو بن الملك ركن الدولة الحسن بن بويه، ولي سلطنة [بلاد] فارس بعد عمّه عماد الدولة علي، ثم حارب ابن عمه عز الدولة كما تقدم، واستولى على العراق، والجزيرة، ودانت له الأمم، وهو أول من خوطب بشاهنشاه [١] في الإسلام، وأول من خطب له على المنابر ببغداد بعد الخليفة، وكان من جملة ألقابه تاج الملّة، وهو الذي أظهر قبر الإمام علي كرّم الله وجهه، بالكوفة، وبنى عليه المشهد الذي هناك، وعمّر النواحي، وحفر الأنهار، وأصلح طريق مكة، وهو الذي بنى على مدينة النّبيّ ﷺ سورا، وبنى المارستان العضدي ببغداد، وأنفق عليه أموالا لا تحصى، وكان أديبا مشاركا في فنون من العلم، حازما لبيبا، إلا أنه كان غاليا في التشيّع، وله صنّف أبو علي «الإيضاح» و «التكملة» وقصده الشعراء من البلاد، كالمتنبي، وأبي الحسن السّلامي، وكان شهما مطاعا، حازما زكيا، متيقظا مهيبا، سفّاكا للدماء [٢] ، له عيون [٣] كثيرة تأتيه بأخبار البلاد القاصية، وليس في بني بويه مثله، وكان قد طلب حساب ما يدخله في العام فإذا هو ثلاثمائة ألف ألف وعشرون ألف ألف درهم، وجدّد مكوسا
стр. 1676
ومظالم، قيل: إنه أنشد أبياتا فلازمه الصرع بعدها إلى أن مات وهي:
ليس شرب الكأس إلا في المطر ... وغناء من جوار في السّحر
غانيات [١] سالبات للنّهى ... ناغمات في تضاعيف [٢] الوتر
[مبرزات الكأس من مطلعها ... ساقيات الراح من فاق البشر]
عضد الدولة وابن ركنها ... ملك الأملاك غلّاب القدر
سهّل الله له بغيته ... في ملوك الأرض ما دار القمر
وأراه الخير في أولاده ... ليساس الملك منهم [٣] بالغرر [٤]
ومات بعلّة الصرع في شوال، ولما نزل به الموت كان يقول: ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ٦٩: ٢٨- ٢٩ [الحاقة: ٢٨- ٢٩] ويردّدها إلى أن مات.
وأنشد في احتضاره قبل ترديده لهذه الآية قول القاسم بن عبيد الله [٥] :
قتلت صناديد الرجال فلم أدع ... عدوّا ولم أمهل على ظنّة [٦] خلقا
[وأخليت دور الملك من كلّ نازل ... وبددتهم غربا وشرّدتهم شرقا] [٧]
فلما بلغت النّجم عزا ورفعة ... وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا
رماني الرّدى سهما فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى
فأذهبت دنياي [٨] وديني سفاهة ... فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى [٩]
стр. 1677
الزاهرة» (٤/ ١٤٢- ١٤٣) . ومات عن سبع وأربعين سنة واحد عشر شهرا، ودفن في دار المملكة، وكتم ذلك، ثم حمل بعد ذلك إلى مشهد علي بن أبي طالب ﵁.
وفيها النضروي، أبو منصور العبّاس بن الفضل بن زكريا بن نضرويه- بضاد معجمة- مسند هراة. روى عن أحمد بن نجدة، ومحمد بن عبد الرحمن الشامي وطائفة، ووثقه الخطيب، ومات في شعبان.
وفيها الغزّي، أبو بكر محمد بن العبّاس بن وصيف، الذي يروي «الموطأ» عن الحسن بن الفرج الغزي، صاحب يحيى بن بكير. ورّخه أبو القاسم بن مندة [١] .
وفيها ابن بخيت، أبو بكر محمد بن عبد الله بن خلف بن بخيت العكبري الدّقّاق [٢] ، ببغداد، في ذي القعدة. روى عن خلف العكبري، والفريابي.
وفيها ابن خميرويه [٣] العدل، أبو الفضل [٤] محمد بن عبد الله بن محمد بن خميرويه [٣] بن سيّار الهروي، محدّث هراة. روى عن علي الجكّاني [٥] ، وأحمد بن نجدة وجماعة.
стр. 1678
سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة
في المحرم أظهرت وفاة عضد الدولة، وكانت أخفيت حتّى أحضروا ولده صمصام الدولة، فجلس للعزاء، ولطموا عليه أياما في الأسواق، وجاء الطائع إلى صمصام الدولة فعزاه، ثم ولّاه الملك، وعقد له لواءين، ولقبه شمس الدولة، وبعد أيّام جاء الخبر بموت مؤيد الدولة أخو عضد الدولة بجرجان، وولي مملكته أخوه فخر الدولة، الذي وزر له إسماعيل بن عبّاد.
وفيها كان القحط الشديد ببغداد، وبلغ حساب الغرارة بأربعمائة درهم.
وفيها توفي أبو بكر الشّذائي، أحمد بن نصر البصري المقرئ [١] ، أحد القرّاء الكبار، تلا على عمر بن محمد الكاغدي، وابن شنبوذ، وجماعة، وتصدّر وأقرأ.
والشّذائي: بفتح المعجمتين، نسبة إلى شذا قرية بالبصرة.
وفيها أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني العدل، المعروف بالقصّار، نزيل نيسابور. روى عن عبد الله بن شيرويه [٢] والسراج، وعدّة، وكان ممّن جاوز المائة.
стр. 1679
وفيها الأمير أبو الفتوح، بلكّين [١]- بضم الباء الموحدة واللام، وتشديد الكاف المكسورة وسكون الياء المثناة من تحت، وبعدها نون- ابن زيري- بكسر الزاي وسكون الياء المثناة من تحت وكسر الراء وبعدها ياء بن مناد الحميري الصنهاجي، ويسمى أيضا يوسف، لكن بلكّين أشهر، وهو الذي استخلفه المعزّ بن المنصور العبيدي على إفريقية عند توجهه إلى الديار المصرية، وكان استخلافه إياه يوم الأربعاء ثالث عشري ذي الحجة، سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وأمر الناس بالسمع والطاعة له، وسلّمه البلاد، وخرجت العمال وجباة الأموال باسمه، وأوصاه المعز بأمور كثيرة، وأكد عليه في فعلها، ثم قال: إن نسيت ما أوصيتك به فلا تنس ثلاثة أشياء: إيّاك أن ترفع الجناية عن أهل البادية، والسيف عن البربر، ولا تولّ أحدا من إخوتك وبني عمّك، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك، وافعل مع أهل الحاضرة خيرا، وفارقه على ذلك، وعاد من وداعه وتصرف في الولاية.
ولم يزل حسن السيرة، تام النظر في مصالح دولته ورعيته، إلى أن توفي يوم الأحد لسبع بقين من ذي الحجة، سنة ثلاث وسبعين بموضع يقال له: واركلان، مجاور إفريقية، وكانت علته القولنج، وقيل: خرجت في يده بثرة فمات منها.
وكان له أربعمائة حظية، حتّى قيل: إن البشائر وفدت عليه في يوم واحد بولادة سبعة عشر ولدا.
وفيها أبو علي الحسين بن محمد بن حبش الدّينوري المقرئ، صاحب موسى بن جرير الرقّي.
стр. 1680
وفيها أبو عثمان [١] المغربي، سعيد بن سلّام [٢] الصوفي، العارف بالله تعالى، نزيل نيسابور.
قال السلمي: لم نر مثله في علو الدرجة والحال [٣] وصون الوقت.
وقال ابن الأهدل: سعيد بن سلم، أو ابن سالم، أو ابن سلّام النيسابوري.
قال اليافعي [٤] : لا أدري أنه الممدوح بقول الشاعر:
ألا قل لساري الليل لا تخش ظلمة [٥] ... سعيد بن سلم ضوء كلّ بلاد
لنا سيد أربى على كل سيّد ... جواد حثا في وجه كل جواد
يعني أنه سبق في الجود، والسابق يحثو التراب بحافر فرسه في وجه المسبوق أو فرسه.
وفيها أبو محمد بن السقّا الحافظ، عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي. روى عن أبي خليفة، وعبدان وطبقتهما. وعنه الدارقطني، وأبو نعيم، وما حدّث إلا من حفظه، توفي في جمادى الآخرة، وكان حافظا متقنا، من كبراء أهل واسط، وأولي الحشمة، رحل به أبوه.
وفيها أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن كيسان الحربي، أخو محمد، وكانا توأمين. روى عن يوسف القاضي، وعاش نيفا وتسعين سنة، فاحتيج إليه، وكان جاهلا.
стр. 1681
قال البرقاني: أعطيته الكتاب ليحدّثنا منه، فلم يدر ما يقول، فقلت له: سبحان الله، حدّثكم يوسف القاضي، فقال: سبحان الله حدّثكم يوسف القاضي.
قال الجوهري: سمعت منه في سنة ثلاث، ولم يؤرخ وفاته الخطيب ولا غيره، وجزم في «العبر» [١] أنه توفي في هذه السنة.
وفيها الفضل بن جعفر أبو القاسم التميمي المؤذّن، الرجل الصالح، بدمشق، وهو راوي نسخة أبي مسهر، عن عبد الرحمن بن القاسم الروّاس، وكان ثقة.
وفيها- أو في التي قبلها كما جزم به ابن الأهدل، أو فيما بعدها- أبو عبد الله الخضري- بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، ولكن لثقل هذا اللفظ قالوها بكسر الخاء وسكون الضاد، وهي نسبة إلى جدّه [٢] . قاله ابن قاضي شهبة.
واسم المترجم محمد بن أحمد أبو عبد الله الخضري المروزي، كان هو وأبو زيد شيخيّ عصرهما بمرو، وكثيرا ما يقول القفّال: سألت أبا زيد والخضري، وممّن نقل عنه القاضي حسين في باب استقبال القبلة في الكلام على تقليد الصبي.
قال ابن باطيش [٣] : أخذ عن أبي بكر الفارسي، وأقام بمرو ناشرا لفقه الشافعي ﵁، مرغّبا فيه، وكان يضرب به المثل في قوة الحفظ وقلّة النسيان، وقال: إنه كان موجودا في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة.
стр. 1682
وقال ابن خلّكان [١] : توفي في عشر الثمانين وثلاثمائة.
ونقل عنه الرافعي في انغماس الجنب في الماء، وفي النجاسات، أنه خرّج هو وأبو زيد قولا: إن النار تؤثر في الطهارة كالشمس والريح.
وقال ابن الأهدل: كان تحته بنت أبي علي الشّبّوبي [٢] ، فسئل يوما عن قلامة ظفر المرأة، هل هو عورة، فتوقف، فقالت له زوجته: سمعت أبي يقول: للأجنبي النظر إلى قلامة اليد دون الرجل، ففرح الخضري، وقال: لو لم أستفد من الاتصال بأهل العلم إلا هذه المسألة لكانت كافية.
وقد قرر فتواها هذه كثير من العلماء لقوله تعالى: إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها ٢٤: ٣١ [النّور: ٣١] وهو مفسر بالوجه والكفّين. انتهى.
وفيها أبو بكر محمد بن حيويه بن المؤمل بن أبي روضة الكرخي النحوي بهمذان، وهو أحد المتروكين في الحديث، ذكر أنه بلغ مائة واثنتي عشرة سنة، وروى عن أسيد بن عاصم، وإبراهيم بن ديزيل، وإسحاق بن إبراهيم الدّبري.
وفيها محمد بن محمد بن يوسف بن مكّي أبو أحمد الجرجاني. روى عن البغوي وطبقته، وحدّث بصحيح البخاري عن الفربري، وتنقل في النواحي.
قال أبو نعيم: ضعّفوه، وسمعت منه «الصحيح» .
стр. 1683
سنة أربع وسبعين وثلاثمائة
فيها توفي إسحاق بن سعد [١] بن الحافظ الحسن بن سفيان، أبو يعقوب النّسوي [٢]- بفتحتين نسبة إلى [٣] مدينة بفارس- روى عن جدّه، وفي الرحلة عن محمد بن المجدر، وطبقتهما.
وفيها عبد الرحمن بن محمد بن حيكا [٤] العلّامة، أبو سعيد الحنفي الحاكم، بنيسابور، في شعبان، وله اثنتان وتسعون سنة. روى عن أبي يعلى الموصلي، والبغداديين، وولي قضاء ترمذ.
وفيها أبو يحيى بن نباتة، خطيب الخطباء، عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نباتة الفارقي اللّخمي [٥] ، العسقلاني المولد، المصري الدار، ولي خطابة حلب لسيف الدولة، وفي خطبه دلالة على قوة علمه وسعته، وقوة
стр. 1684
قريحته، وأجمعوا على أنه ما عمل مثل خطبه قطّ، وهو الذي حثّ سيف الدولة بخطبه في الجهاد على التوسّع فيه وسمع على المتنبي بعض «ديوانه» وكان رجلا صالحا. رأى النّبيّ ﷺ في المنام في المقابر، وقال له: «مرحبا بخطيب الخطباء» وأدناه، وتفل في فيه، فلم تزل رائحة المسك توجد فيه إلى أن مات، وأشار ﷺ بيده إلى المقابر، وقال: «كيف قلت يا خطيب» قال:
قلت: لا يخبرون بما إليه آلوا، ولو قدروا على المقال لقالوا، ثم أخذ يسوقها، فاستيقظ وعلى وجهه نور وبهجة، وعاش بعد ذلك ثمانية وعشرين ليلة، لا يستطعم طعاما ولا شرابا من أجل تلك التفلة وبركتها، والخطبة التي فيها هذه الكلمات، تعرف بالمنامية.
ومولده وموته بميّافارقين، قيل: مات وعمره دون الأربعين، ورؤي بعد موته في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: دفع إليّ رقعة فيها سطران بالأحمر وهما:
قد كان أمن لك [١] من قبل ذا ... واليوم أضحى لك أمنان
والصفح لا يحسن عن محسن ... وإنما يحسن عن جان
فاستيقظ الرائي، وهو يحفظهما.
وفيها علي بن النّعمان بن محمد، قاضي القضاة بالدّيار المصرية.
ولي بعد أبيه، وكان شيعيّا غاليا، وشاعرا مجودا [٢] .
وفيها الحافظ أبو الفتح الأزدي، محمد بن الحسين بن أحمد الموصلي، نزيل بغداد، صنّف في علوم الحديث، وفي الضعفاء، وحدّث عن أبي يعلى، ومحمد بن جرير الطبري، وطبقتهما، وضعّفه البرقاني.
стр. 1685
وفيها أبو بكر الرّبعي، محمد بن سليمان الدمشقي البندار. روى عن أحمد بن عامر، ومحمد بن الفيض الغسّاني، وطبقتهما، وتوفي في ذي الحجة.