وفيها أبو محمد النّحاس، عبد الرحمن بن عمر المصري البزّاز [١] ، في عاشر صفر، وكان مسند الدّيار المصرية ومحدّثها، عاش بضعها وتسعين سنة، وسمع بمكّة من ابن الأعرابي، وبمصر من أبي الطاهر المديني، وعلي بن عبد الله بن أبي مطر، وطبقتهما، وأول سماعه في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.
وفيها أبو الحسن التّهامي [٢] ، علي بن محمد الشاعر، له «ديوان» مشهور [٣] ، دخل مصر بكتب من حسّان بن مفرج، فظفروا به وقتلوه سرّا في جمادى الأولى.
قال ابن بسام الأندلسي في كتاب «الذخيرة» [٤] في حقه: كان متميّز [٥] الإحسان، ذرب اللسان، مخلّى بينه وبين ضروب البيان، يدل شعره على فوز [٦] القدح، دلالة النسيم على الصبح، ويعرب عن مكانه من العلوم إعراب الدّمع عن سرّ الهوى المكتوم.
وقال ابن خلّكان [٧] : له ديوان شعر صغير، أكثره نخب، ومن لطيف نظمه قوله من جملة قصيدة طويلة يمدح بها الوزير أبا القاسم:
قلت لخلّي وثغور الربا ... مبتسمات وثغور الملاح
أيّهما أحلى ترى منظرا؟ ... فقال: لا أعلم، كلّ أقاح
стр. 1892
وله مرثية في ولده وكان قد مات صغيرا، وهي في غاية الحسن، ولم يمنعني من الإتيان بها إلا أن الناس يقولون: هي محذورة [١] فتركتها، ولكن من جملتها بيتان في الحسّاد ومعناهما غريب:
إني لأرحم حاسديّ لحرّ ما ... ضمّت صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم ... في جنّة وقلوبهم في نار
ومنها في ذمّ الدّنيا:
جبلت [٢] على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأقذاء والأكدار
ومكلّف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما ... تبني الرجاء على شفير هار
ومنها:
جاورت أعدائي وجاور ربّه ... شتّان بين جواره وجواري
وتلهّب الأحشاء شيّب مفرقي ... هذا الشعاع شواظ تلك النار
وله بيت بديع من قصيدة وهو:
وإذا جفاك الدّهر وهو أبو الورى ... طرّا فلا تعتب على أولاده
ورآه بعض أصحابه بعد موته [في النوم] [٣] ، فقال له: ما فعل الله بك؟
قال: غفر لي، قال: بأي الأعمال؟ قال: بقولي في مرثية ولدي:
جاورت أعدائي وجاور ربّه ... شتّان بين جواره وجواري
انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.
стр. 1893
وفيها أبو بكر القطّان، محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله [١] الطائي الداراني، المعروف أيضا بابن الخلّال [٢] . كان زاهدا صالحا ثقة، روى عن خيثمة وجماعة كثيرة.
وفيها أبو عبد الله بن الحذاء [٣] القرطبي محمد بن يحيى التميميّ [٤] المالكيّ المحدّث، عاش ثمانين سنة، وروى عن أبي عيسى اللّيثي، وأحمد بن ثابت، وطبقتهما، وحجّ، فأخذ عن أبي القاسم عبد الرحمن الجوهري، وأبي بكر [بن] المهندس وطبقتهما، وتفقّه على أبي محمد الأصيلي، وألّف في تعبير الرؤيا كتاب «البشرى» في عشرة أسفار، وولي قضاء إشبيلية وغيرها.
وفيها مشرّف الدولة، السلطان أبو علي بن السلطان بهاء الدولة بن السلطان عضد الدولة الدّيلمي [٥] ، ولي مملكة بغداد، وكان يرجع إلى دين وتصوف وحياء، عاش ثلاثا وعشرين سنة وثلاثة أشهر، وكان مدة ملكه خمسة أعوام، وخطب بعده لجلال الدولة بن بويه، ثم نودي بعد أيام بشعار أبي كاليجار.
стр. 1894
سنة سبع عشرة وأربعمائة
فيها توفي قاضي العراق ابن أبي الشوارب، أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن العبّاس [بن محمد] [١] بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي [٢] .
قال الخطيب: كان نزها عفيفا، سمع من عبد الباقي بن قانع، ولم يحدّث، وعاش ثمانيا وثمانين سنة، وقد ولي القضاء أربعة وعشرون نفسا من أولاد محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، منهم ثمانية ولّوا قضاء القضاة، هذا آخرهم.
وفيها أبو العلاء، صاعد بن الحسن الرّبعي البغدادي [٣] اللّغوي الأديب، نزل الأندلس، وصنّف الكتب، وروى عن أبي بكر القطعي وطائفة.
قال ابن بشكوال: كان يتّهم بالكذب.
وقال ابن خلّكان: صاعد بن الحسن بن عيسى الرّبعي البغدادي
стр. 1895
اللّغوي، صاحب كتاب «الفصوص» روى بالمشرق عن أبي سعيد [١] السّيرافي، وأبي علي الفارسي، وأبي سليمان الخطابي، ودخل الأندلس في أيام هشام بن الحكم، وولاية المنصور بن [أبي] عامر، في حدود ثمانين وثلاثمائة. وأصله من بلاد الموصل، ودخل بغداد، وكان عالما باللغة والأدب والأخبار، وسريع الجواب، حسن الشعر، طيب المعاشرة، [ممتعا] ، فأكرمه المنصور وزاد في الإحسان إليه والإفضال عليه، وكان مع ذلك محسنا للسؤال، حاذقا في استخراج الأموال، وجمع كتاب «الفصوص» نحا فيه منحى القالي في «أماليه» وأثابه عليه خمسة آلاف دينار، وكان يتّهم بالكذب في نقله، فلهذا رفض الناس كتابه.
ولما دخل مدينة دانية وحضر مجلس الموفق مجاهد بن عبد الله العامري أمير [٢] البلد، وكان في المجلس أديب [٣] يقال له بشار، وكان أعمى فقال [٤] : يا أبا العلاء، فقال: لبّيك، فقال: ما الجرنفل في كلام العرب فعرف أبو العلاء أنه وضع هذه الكلمة وليس لها أصل في اللغة، فقال له بعد أن أطرق ساعة، هو الذي يفعل بنساء العميان ولا يفعل بغيرهنّ، ولا يكون الجرنفل جرنفلا حتّى لا يتعداهنّ إلى غيرهنّ، فخجل بشار [وانكسر] ، وضحك من كان [حاضرا] [٥] ، وتوفي صاعد بصقلية، ولما ظهر للمنصور كذبه في النقل وعدم تثبته، رمى كتاب «الفصوص» في البحر [٦] ، لأنه قيل له: جميع ما فيه لا صحة له، فعمل فيه بعض شعراء عصره:
стр. 1896
قد غاص في البحر كتاب الفصوص ... وهكذا كلّ ثقيل يغوص
فلما سمع صاعد هذا البيت أنشد:
عاد إلى عنصره إنما ... يخرج من قعر البحور الفصوص
وله أخبار كثيرة في الامتحان. انتهى ملخصا.
وفيها أبو بكر القفّال المروزي [١] ، [عبد الله بن] [٢] أحمد، شيخ الشافعية بخراسان، صار إمام الخراسانيين، كما أن القفّال الكبير الشاشي شيخ طريقة العراقيين، لكن المروزي أكثر ذكرا في كتب الفقه، ويذكر مطلقا، وإذا ذكر الكبير قيّد بالشاشي.
قال ابن قاضي شهبة: عبد الله بن أحمد بن عبد الله المروزي، الإمام الجليل، أبو بكر القفّال الصغير، شيخ طريقة خراسان، وإنما قيل له:
القفّال، لأنه كان يعمل الأقفال في ابتداء أمره، وبرع في صناعتها، حتّى صنع قفلا بآلاته ومفتاحه، وزن أربع حبّات، فلما كان ابن ثلاثين سنة، أحسّ من نفسه ذكاء، فأقبل على الفقه، فاشتغل به على الشيخ أبي زيد وغيره، وصار إماما يقتدى به فيه، وتفقّه عليه خلق من أهل خراسان، وسمع الحديث، وحدّث وأملى.
قال الفقيه ناصر العمري: لم يكن في زمان أبي بكر القفّال أفقه منه، ولا يكون بعده مثله، وكنّا نقول: إنه ملك في صورة إنسان.
وقال الحافظ أبو بكر السمعاني في «أماليه» أبو بكر القفّال وحيد زمانه، فقها، وحفظا، وورعا، وزهدا، وله في المذهب من الآثار ما ليس لغيره من
стр. 1897
أهل عصره، وطريقته المهذبة في مذهب الشافعي، التي حملها عنه أصحابه أمتن طريقة وأكثرها تحقيقا. رحل إليه الفقهاء من البلاد، وتخرّج به أئمة.
وذكر القاضي الحسين: أن أبا بكر القفّال كان في كثير من الأوقات يقع عليه البكاء في الدرس، ثم يرفع رأسه ويقول [١] : ما أغفلنا عما يراد بنا.
وقال الشيخ أبو محمد: أخرج القفّال يده، فإذا على كفّه آثار، فقال:
هذا آثار عملي في ابتداء شبيبتي، وكان مصابا بإحدى عينيه. انتهى ما أورده ابن شهبة ملخّصا.
وفيها الحافظ أبو حازم عمر [٢] بن أحمد المسعودي الهذلي النيسابوري الأعرج [٣] يوم عيد الفطر، وكان صدوقا، كتب عن عشرة أنفس عشرة آلاف جزء. قاله ابن الأهدل.
وقال الخطيب: كان ثقة، صادقا، حافظا، عارفا. انتهى.
وفيها أبو محمد السّكّري عبد الله بن يحيى بن عبد الجبّار البغداديّ [٤] صدوق مشهور. روى عن إسماعيل الصفّار وجماعة، وتوفي في صفر.
وفيها أبو الحسن الحمّامي، مقرئ العراق، علي بن أحمد بن عمر البغدادي [٥] . قرأ القراءات على النقّاش، وعبد الواحد بن أبي هاشم، وبكّار، وزيد بن أبي بلال، وطائفة، وبرع فيها، وسمع من عثمان بن السّماك
стр. 1898
وطبقته، وانتهى إليه علو الإسناد في القرآن، وعاش تسعا وثمانين سنة، وتوفي في شعبان.
وفيها أبو حفص العكبري [١] ، عمر بن أحمد بن عثمان البزاز. روى عن محمد بن يحيى الطائي وجماعة، وعاش سبعا وتسعين سنة، ووثّقه الخطيب.
وفيها أبو نصر بن الجندي، محمد بن أحمد بن هارون الغسّاني الدمشقي [٢] ، إمام الجامع [٣] ، ونائب الحكم، ومحدّث البلد، روى عن خيثمة، وعلي بن أبي العقب، وجماعة.
قال الكتّاني: كان ثقة مأمونا، توفي في صفر.
стр. 1899
سنة ثماني عشرة وأربعمائة
قال في «الشذور» : جاء فيها برد وزن البردة رطلان وأكثر.
وفيها اجتمعت الحاشية ببغداد، وصمموا على الخليفة، حتّى عزل أبا كاليجار، وأعدت الخطبة لجلال الدولة أبي طاهر.
وفيها ورد كتاب الملك محمود بن سبكتكين بما فتحه من بلاد الهند، وكسره صنم سومنات، وأنهم فتنوا به، وكانوا يأتونه من كل فجّ عميق، ويقرّبون له القرابين، حتّى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية، وامتلأت خزانة الصنم بالأموال، وله ألف نفس يخدمونه، وثلاثمائة يحلقون [رؤوس] [١] حجّاجه [ولحاهم] [١] ، وثلاثمائة [رجل وخمسمائة امرأة] [١] يغنون [ويرقصون عند بابه] [١] ، فاستخار العبد [٢] [الله] في الانتداب له، ونهض في شعبان، سنة ست عشرة وأربعمائة في ثلاثين ألف فارس، سوى المطوّعة، ووصلنا إلى بلد الصنم وملكنا الصنم والبلد، وأوقدت النيران على الصنم، حتّى تقطع، وقتلنا خمسين ألفا من أهل البلد، وتقدم طرف من ذلك في سنة عشر [٣] .
وفيها توفي أبو إسحاق الإسفراييني، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن
стр. 1900
مهران [١] الأصولي المتكلّم الشافعي، أحد الأعلام، وصاحب التصانيف.
روى عن دعلج وطبقته، وأملى مجالس، وكان شيخ خراسان في زمانه، توفي يوم عاشوراء وقد نيّف على الثمانين، وهو شيخ خراسان، يقال: إنه بلغ رتبة الاجتهاد، وله المصنفات الكثيرة، منها «الجامع في أصول الدّين» خمس مجلدات و «تعليقة» في أصول الفقه وغير ذلك، وخرّج له أبو عبد الله الحاكم عشرة أجزاء، وذكره في «تاريخه» لجلالته، وقد مات الحاكم قبله، قال في حقه: قد أقرّ له العلماء بالتقدّم، قال: وبني له مدرسة لم يبن مثلها فدرّس بها، وبه تفقّه القاضي أبو الطيب الطبري، والقشيري، والبيهقي، وكان يقول: أشتهي أن أموت بنيسابور ليصلي عليّ جميع أهلها، فتوفي بها يوم عاشوراء، ثم نقل إلى بلده إسفرايين ودفن في مشهده المعروف.
وفيها أبو القاسم المغربي الوزير، واسمه حسين بن علي الشيعي [٢] ، لما قتل الحاكم بمصر أباه وعمّه وإخوته، هرب وقصد حسّان بن مفرّج الطائي ومدحه، فأكرم مورده، ثم وزر لصاحب ميّافارقين أحمد بن مروان الكردي، وله شعر رائق، وعدّة تآليف، عاش ثمانيا وأربعين سنة، وكان من أدهى البشر وأذكاهم.
وفيها أبو القاسم السرّاج، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القرشي النيسابوري [٣] الفقيه. روى عن الأصم وجماعة، وكان من جلّة العلماء، توفي في صفر.
وفيها عبد الوهاب بن الميداني [٤] محدّث دمشق، وهو أبو
стр. 1901
الحسين بن جعفر بن علي. [روى عن] [١] أبي علي بن هارون، واتّهم في روايته عنه، وروى عن أبي عبد الله بن مروان وخلق.
قال الكتاني: ذكر أبو الحسين أنه كتب بقنطار حبر، وكان فيه تساهل.
وفيها أبو بكر النّسائي [٢] ، محمد بن زهير، شيخ الشافعية بنسإ، وخطيب البلد. روى عن الأصمّ، وأبي سهل بن زياد القطّان، وطبقتهما.
وفيها أبو الحسن محمد بن محمد بن أحمد بن الرّوزبهان البغدادي [٣] . روى عن السّتوري، وابن السماك وجماعة، وتوفي في رجب.
قال الخطيب: صدوق.
وفيها معمر بن أحمد بن محمد بن زياد، أبو منصور الأصبهاني [٤] الزاهد، شيخ الصوفية في زمانه بأصبهان. روى عن الطبراني، وأبي الشيخ، ومات في رمضان.
وفيها مكّي بن محمد بن الغمر، أبو الحسن التميمي الدمشقي [٥] المؤدّب، مستملي القاضي الميانجي. أكثر عنه وعن أحمد بن البراثي [٦] ، وهذه الطبقة، ورحل إلى بغداد، فلقي القطيعي، وكان ثقة.
وفيها أبو القاسم اللّالكلائي، هبة الله بن الحسن الطبري [٧] الحافظ
стр. 1902
الفقيه الشافعي، محدّث بغداد، تفقّه على الشيخ أبي حامد، وسمع من المخلص وطبقته، وبالرّيّ من جعفر بن فنّاكي.
قال الخطيب [١] : كان يحفظ ويفهم، صنّف كتابا في شرح السّنّة في مجلدين، وكتاب «رجال الصحيحين» ثم خرج في آخر أيامه إلى الدّينور، فمات بها في رمضان كهلا.
стр. 1903
سنة تسع عشرة وأربعمائة
فيها توفي ابن العالي، أبو الحسين، أحمد بن محمد بن [١] منصور البوشنجي [٢] خطيب بوشنج. روى عن محمد بن أحمد بن ديسم [٣] ، وأبي أحمد بن عدي، وطبقتهما، بهراة، وجرجان، ونيسابور، توفي في رمضان.
وفيها عبد المحسن بن محمد الصّوري [٤] ، شاعر محسن، بديع القول.
قال ابن خلّكان [٥] : أبو محمد عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب الصّوري، الشاعر المشهور، أحد المتقنين الفضلاء المجيدين الأدباء، شعره بديع الألفاظ، حسن المعاني، رائق الكلام، مليح النظام، من محاسن أهل الشام، له ديوان شعر أحسن فيه كل الإحسان، فمن محاسنه:
أترى بثأر أم بدين ... علقت محاسنها بعيني
في لحظها وقوامها ... ما في المهنّد والرّديني
وبوجهها ماء الشبا ... ب خليط نار الوجنتين
بكرت عليّ وقالت اخ- ... - تر خصلة من خصلتين
إما الصدود أو الفرا ... ق فليس عندي غير ذين
стр. 1904
فأجبتها ومدامعي ... تنهلّ فوق الوجنتين [١]
لا تفعلي، إن حان [٢] ص- ... - دّك أو فراقك حان حيني
فكأنما [٣] قلت انهضي ... فمضت مسارعة لبيني
ثم استقلّت أين حلّ- ... ت عيسها رميت بأين
ونوائب أظهرن أيّا ... مي إليّ بصورتين
سوّدنها وأطلنها [٤] ... فرأيت يوما ليلتين
ومنها:
هل بعد ذلك من يع ... - رّفني النّضار من اللّجين
فلقد جهلتهما لبع- ... - د العهد بينهما وبيني
متكسبا بالشعر يا ... بئس البضاعة في اليدين
كانت كذلك قبل أن ... يأتي عليّ بن الحسين
فاليوم حال الشعر ثا ... لثة كحال الشعرتين
أغنى وأعفى مدحه ال- ... - عافين عن كذب ومين
وهذه القصيدة عملها عبد المحسن في علي بن الحسين والد الوزير أبي القاسم المغربي، ولها حكاية شريفة، وهي أنه كان بمدينة عسقلان رئيس يقال له ذو المنقبتين، فجاءه [٥] بعض الشعراء وامتدحه بهذه القصيدة، وجاء في مديحها:
ولك المناقب كلّها ... فلم اقتصرت على اثنتين؟
стр. 1905
فأصغى الرئيس إلى إنشاده واستحسنها، وأجزل جائزته، فلما خرج من عنده قال له بعض الحاضرين: هذه القصيدة لعبد المحسن، فقال،: أعلم هذا وأحفظ القصيدة، ثم أنشدها، فقيل له: كيف عملت معه هذا العمل من الإقبال عليه والجائزة السنيّة؟ فقال: لم أفعل ذلك إلّا لأجل البيت الذي ضمنها وهو قوله:
ولك المناقب كلّها ... فلم اقتصرت على اثنتين؟
فإن هذا البيت ليس لعبد المحسن، وأنا ذو المنقبتين، فأعلم قطعا أن هذا البيت ما عمل إلّا في، وهو في نهاية الحسن.
واجتاز الصّوري يوما بقبر صديق له فأنشد:
عجبا لي وقد مررت على قب- ... رك كيف اهتديت قصد الطريق
أتراني نسيت عهدك يوما؟ ... صدقوا ما لميّت من صديق
انتهى ملخصا.
ومن شعره:
بالذي ألهم تعذى- ... - بي ثناياك العذابا
ما الذي قالته عينا ... ك لقلبي فأجابا
وفيها أبو الحسن الرزّاز، علي بن أحمد بن محمد بن داود البغدادي [١] توفي في ربيع الآخر، وله أربع وثمانون سنة. روى عن أبي عمرو بن السّمّاك وطبقته، وقرأ [القرآن] على أبي بكر بن مقسم [بحرف حمزة] .
قال الخطيب: كان كثير السماع والشيوخ، وإلى الصدق ما هو.
وفيها أبو بكر الذّكواني، محمد بن أبي علي أحمد بن عبد الرحمن.
стр. 1906
ابن محمد الهمذاني الأصبهاني [١] المعدّل المحدّث الصّدوق. عاش ستا وثمانين سنة، ورحل إلى البصرة، والكوفة، والأهواز، والرّيّ، والنواحي، وروى عن أبي محمد بن فارس، وأبي أحمد القاضي العسّال، وفاروق الخطابي، وطبقتهم، وله «معجم» وتوفي في شعبان.
وفيها أبو عبد الله بن الفخّار، محمد بن عمر بن يوسف القرطبي [٢] الحافظ، شيخ المالكية، وعالم أهل الأندلس. روى عن أبي عيسى اللّيثي.
وطائفة، وكان زاهدا، عابدا، متألّها [٣] ، عارفا بمذاهب العلماء، واسع الدائرة، حافظا ل «المدوّنة» عن ظهر قلب، و «النوادر» لابن أبي زيد، مجاب الدعوة.
قال القاضي عياض [٤] : كان أحفظ الناس، وأحضرهم علما، وأسرعهم جوابا، وأوقفهم على اختلاف العلماء وترجيح المذاهب [٥] ، حافظا للحديث والأثر [٦] ، مائلا إلى الحجّة والنظر.
وقال الذهبي: عاش ستا وسبعين سنة.
وفيها أبو الحسن محمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد البزّاز [٧] ببغداد في ربيع الأول، وله تسعون سنة، وهو آخر من حدّث عن الصّفّار، وابن البختري، وعمر الأشناني.
قال الخطيب: كان صدوقا، جميل الطريقة، له أنسة بالعلم و [معرفة بشيء من] الفقه على مذهب أبي حنيفة، والله أعلم.
стр. 1907
سنة عشرين وأربعمائة
فيها وقع برد عظام إلى الغاية، كل واحدة رطل وأكثر، حتّى قيل:
إن بردة وجدت تزيد على قنطار، وقد نزلت في الأرض نحوا من ذراع، فكانت كالثور البارك، وذلك بالنّعمانيّة [١] من العراق، وهبّت ريح لم يسمع بمثلها، قلعت الأصول العاتية من الزيتون والنخيل.
وفيها توفي أبو بكر المنقّي، أحمد بن طلحة البغدادي [٢] في ذي الحجة، وكان ثقة. روى عن النّجاد، وعبد الصمد الطّستي.
وفيها أبو الحسن بن البادا [٣] أحمد بن علي بن الحسن بن الهيثم البغدادي، في ذي الحجة. روى عن أبي سهل بن زياد، وابن قانع، وطائفة.
قال الخطيب: كان ثقة [فاضلا] من أهل القرآن، والأدب، والفقه، على مذهب مالك.
وفيها صالح بن مرداس، أسد الدولة الكلابي [٤] ، كان من أمراء العرب.
стр. 1908
قال ابن خلّكان: كان من عرب البادية، وقصد مدينة حلب.
وبها مرتضى الدولة بن [لؤلؤ] الجراحي [١] غلام أبي الفضائل بن سعد الدولة نصر [٢] بن سيف الدولة [بن حمدان] نيابة عن الظاهر بن الحاكم العبيدي، صاحب مصر، فاستولى عليها وانتزعها منه، وكان ذا بأس وعزيمة وأهل وعشيرة وشوكة، وكان تملّكه لها في ثالث عشر ذي الحجة، سنة سبع عشرة وأربعمائة، واستقر بها، ورتب أمورها، فجهز إليها الظاهر المذكور أمير الجيوش أنوشتكين [٣] الدّزبري في عسكر كثيف- والدّزبري بكسر الدال المهملة، والباء الموحدة، وبينهما زاي، وفي الآخر راء، نسبة إلى دزبر بن دويتم الدّيلمي، وهو بالدال والياء أيضا- وكان بدمشق نائبا عن الظاهر، وكان ذا شهامة وتقدمة ومعرفة بأسباب الحرب، فخرج متوجها إليه، فلما سمع صالح الخبر خرج إليه، وتقدم حتّى تلاقيا على الأقحوانة، فتصافّا، وجرت بينهما مقتلة انجلت عن قتل صالح المذكور في جمادى الأولى، وهو أول ملوك بني مرداس المتملكين بحلب.
والأقحوانة: بضم الهمزة، بلدة بالشام من أعمال فلسطين، بالقرب من طبرية. انتهى ملخصا.
وفيها الحسين بن علي بن محمد البرذعي الهمذاني [٤] ، سكن سمرقند، وكان أحد محدّثيها، وكان سنوطا، والسنوط الذي لا لحية له أصلا.
قال ابن ناصر الدّين: لم يكن للبرذعي في وجهه شعرة سوى حاجبيه وأشفار عينيه.
стр. 1909
وفيها أبو القاسم الطرسوسي، عبد الجبّار بن أحمد، شيخ الإقراء بالديار المصرية، وأستاذ مصنّف «العنوان» . قرأ على أبي أحمد السّامري وجماعة، وألّف كتاب «المجتبى في القراءات» وتوفي في ربيع الآخر.
وفيها أبو محمد التميمي، عبد الرحمن بن أبي نصر، عثمان بن القاسم بن معروف الدمشقي [١] رئيس البلد، ويعرف بالشيخ العفيف. روى عن إبراهيم بن أبي [٢] ثابت، وخيثمة، وطبقتهما، وعاش ثلاثا وتسعين سنة [٣] .
قال أبو الوليد الدّربندي: كان خيرا من ألف مثله إسنادا وإتقانا وزهدا مع تقدّمه.
وقال رشأ بن نظيف: شاهدت سادات، فما رأيت مثل أبي محمد بن أبي نصر، كان قرّة عين.
وقال عبد العزيز الكتّاني: توفي في جمادى الآخرة، فلم أر أعظم من جنازته، حضرها جميع أهل البلد، حتّى اليهود والنصارى، وكان عدلا مأمونا ثقة، لم ألق شيخا مثله زهدا وورعا وعبادة ورئاسة، رحمه الله تعالى.
وفيها ابن العجوز، عبد الرحيم بن أحمد الكتامي [٤] المالكي.
قال القاضي عياض: كان من كبار قومه [٥] ، وإليه كانت الرحلة بالمغرب، وعليه دارت الفتوى، وفي عقبه أئمة نجباء. أخذ عن ابن أبي زيد، وأبي محمد الأصيلي، وغيرهما.
стр. 1910
وفيها عبد الرحمن بن أحمد الشّيرنخشيري [١] وشيرنخشير [٢] من قرى مرو. قاله ابن الأهدل أيضا.
وفيها أبو الحسن الرّبعي [٣] علي بن عيسى البغدادي [٤] شيخ النحو ببغداد. أخذ عن أبي سعيد السّيرافي، وأبي علي الفارسي، وصنّف «شرح الإيضاح» لأبي علي، وشرح «مختصر الجرمي» ونيّف على التسعين، وقيل:
إن أبا علي قال: قولوا لعلي [٥] البغدادي: لو سرت من المشرق إلى المغرب، لم تجد أحدا أنحى منك، وكان قد لازمه بضع عشرة سنة.
وفيها أبو نصر العكبري، محمد بن أحمد بن الحسين البقّال [٦] والد أبي منصور محمد بن محمد. روى عن أبي علي بن الصوّاف، وجماعة، وهو ثقة.
وفيها أبو بكر الرّباطي [٧] ، محمد بن عبد الله بن أحمد. روى عن أبي أحمد العسّال، والجعابي، وطائفة، وأملى مجالس، وتوفي في شعبان.
وفيها المسبّحي الأمير المختار، عزّ الملك محمد بن عبيد الله [٨] بن
стр. 1911
أحمد الحرّاني [١] الأديب العلّامة، صاحب التآليف، وكان رافضيا جاهلا، له كتاب «القضايا الصائبة في التنجيم» في ثلاثة آلاف ورقة، وكتاب «الأديان والعبادات» في ثلاثة آلاف وخمسمائة ورقة، وكتاب «التلويح والتصريح» في الشعر ثلاث مجلدات، وكتاب «تاريخ مصر» وكتاب «أنواع الجماع» في أربع مجلدات، وعاش أربعا وخمسين سنة. قاله في «العبر» .
стр. 1912
سنة إحدى وعشرين وأربعمائة
فيها توفي القاضي أبو بكر الحيري، أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حفص الحرشي [١] النيسابوري الشافعي، في رمضان، وله ست وتسعون سنة، وكان رئيسا محتشما، إماما في الفقه. انتهى إليه علو الإسناد، فروى عن أبي علي الميداني، والأصم، وطبقتهما، وأخذ ببغداد عن أبي سهل القطّان، وبمكّة عن الفاكهي، وبالكوفة، وجرجان، وتفقه على أبي الوليد الفقيه، وحذق في الأصول والكلام، وولي قضاء نيسابور. روى عنه الحاكم في «تاريخه» [٢] وآخر من حدّث عنه الشيروي [٣] وقد صمّ بأخرة، حتّى بقي لا يسمع شيئا، ووافق شيخه الأصم، وصنّف في الأصول والحديث.
وفيها أبو الحسين السّليطي- بفتح المهملة وكسر اللام، نسبة إلى سليط جدّ- أحمد بن محمد بن الحسين النيسابوري [٤] العدل والنحوي، في جمادى الأولى. روى عن الأصمّ وغيره.
стр. 1913
وفيها أبو عمر بن درّاج، أحمد بن محمد بن العاص بن أحمد بن سليمان بن عيسى بن درّاج الأندلسي القسطلّي [١]- بفتح القاف وسكون المهملة وفتح الطاء وتشديد اللام، نسبة إلى مدينة بالأندلس، يقال لها:
قسطلّة [٢]- الشاعر الكاتب الأديب، شاعر الأندلس، الذي قال فيه ابن حزم:
لو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلّا أحمد بن درّاج لما تأخر عن شأو «حبيب» و «المتنبي» وكان من كتّاب الإنشاء في أيام المنصور بن أبي عامر.
وقال الثعالبي: كان بصقع [٣] الأندلس، كالمتنبي بصقع [٣] الشام، ومن نظمه قصيدته الرائية التي عارض بها أبا نواس، وأول قصيدة ابن درّاج:
ألم تعلمي أن الثّواء هو النّوى ... وأن بيوت العاجزين قبور
[ولم تزجري طير السرى بحروفها ... فتنبيك إن يمّنّ فهو سرور] [٤]
يخوّفني [٥] طول السّفار وإنه ... لتقبيل كفّ العامريّ سفير
دعيني [٦] أرد ماء المفاوز آجنا ... إلى حيث ماء المكرمات نمير
[واختلس الأيام خلسة فاتك ... إلى حيث لي من عدوهن خفير] [٧]
فإن خطيرات المهالك ضمّن ... لراكبها أن الجزاء خطير
ومنها في وصف وداعه لزوجته وولده الصغير:
ولما تدانت للوداع وقد هفا ... بصبري منها أنّه وزفير
تناشدني عهد المودّة والهوى ... وفي المهد مبغوم النداء صغير
стр. 1914
عييّ بمرجوع الخطاب ولحظه [١] ... بموقع [٢] أهواء النفوس خبير
تبوّأ ممنوع القلوب ومهّدت ... له أذرع محفوفة ونحور
فكل مفدّاة الترائب مرضع ... وكل محيّاة المحاسن ظير [٣]
عصيت شفيع النّفس فيه وقادني ... رواح لتدآب السّرى وبكور
وطار جناح البين بي وهفت بها ... جوانح من ذعر الفراق تطير
لئن ودّعت مني غيورا فإنني ... على عزمتي [٤] من شجوها لغيور
ولو [٥] شاهدتني والهواجر [٦] تلتظي ... عليّ ورقراق السراب يمور
أسلّط حرّ الهاجرات إذا سطا ... على حرّ وجهي والأصيل هجير
وأستنشق النكباء وهي لوافح [٧] ... واستوطئ [٨] الرمضاء وهي تفور
وللموت في عين الجبان تلوّن ... وللذّعر في سمع الجريء صفير
لبان لها أنّي من البين جازع ... وأنّي على مضّ الخطوب صبور
أمير على غول النتائف ماله ... إذا ريع إلّا المشرفيّ وزير [٩]
ولو بصرت بي [١٠] والسّرى جلّ عزمتي ... وجرسي لجنّان الفلاة سمير
ودارت نجوم القطب حتّى كأنها ... كؤوس مها [١١] والى بهنّ مدير
وقد خيّلت طرق المجرّة أنها ... على مفرق الليل البهيم قتير
وثاقب عزمي والظلام مروّع ... وقد غض أجفان النّجوم فتور [١٢]
стр. 1915
لقد أيقنت أنّ المنى طوع همّتي ... وأنّي بعطف العامريّ جدير
وهي طويلة، وغالب شعره مستحسن، و «ديوانه» في مجلدين، وكانت ولادته في المحرم سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، ومات ليلة الأحد لست عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة.
وفيها أبو إبراهيم إسماعيل بن ينال المروزي المحبوبي [١] ، نسبة إلى جدّه محبوب. سمع «جامع الترمذي» من أستاذهم محمد بن أحمد بن محبوب، وهو آخر من حدّث عنه، توفي في صفر عن سبع وثمانين سنة.
قال أبو بكر السمعاني: كان ثقة عالما، أدركت نفرا من أصحابه.
وفيها أبو عبد الله المعاذي، الحسن بن أحمد بن محمد بن يحيى النيسابوري الأصم [٢] .
والمعاذي: بضم الميم وبالذال المعجمة نسبة إلى معاذ جدّ.
سمع من أبي العبّاس الأصم مجلسين فقط، ومات في جمادى الأولى.
قال الذهبي: وقع لنا حديثه من طريق شيخ الإسلام [الأنصاري] [٣] .
وفيها أبو عبد الله الجمّال [٤] الحسين بن إبراهيم الأصبهاني. روى عن أبي محمد بن فارس وجماعة، ومات في ربيع الأول، وله جزء معروف.
وفيها أبو علي البجّاني- بجّانة الأندلس [٥]- الحسين بن عبد الله بن الحسين بن يعقوب المالكي [٦] ، وله خمس وتسعون سنة. حمل
стр. 1916
عنه ابن عبد البرّ، وأبو إسماعيل العبّاس العذري، والكبار، وكان أسند من بقي بالمغرب في رواية «الواضحة» لعبد الملك بن حبيب. سمعها من سعيد بن فحلون في سنة ست وأربعين وثلاثمائة، عن يوسف المغامي عن المؤلف.
وفيها حمام بن أحمد القاضي أبو بكر القرطبي [١] .
قال ابن حزم: كان واحد عصره في البلاغة وسعة الرواية، ضابطا [لما قيّده] [٢] . أكثر عن أبي محمد الباجي، وأبي عبد الله بن مفرّج، وولي قضاء يابرة، وتوفي في رجب، وله أربع وستون سنة.
وفيها أبو سعيد الصّيرفي، محمد بن موسى بن الفضل النيسابوري [٣] . كان ينفق على الأصمّ ويخدمه بماله، فاعتنى به الأصمّ وسمّعه الكثير، وسمع أيضا من جماعة، وكان ثقة، توفّي في ذي الحجّة.
وفيها السلطان محمود بن سبكتكين [٤] ، سيف الدولة أبو القاسم بن الأمير ناصر الدولة أبي منصور. كان أبوه أميرا للغزاة الذين يغيرون [٥] من بلاد ما وراء النهر، على أطراف الهند، فأخذ عدة حصون وقلاع، وافتتح ناحية بست، وكان كرّاميا، وأما محمود فافتتح غزنة، ثم بلاد ما وراء النهر، ثم استولى على سائر خراسان، وعظم ملكه، ودانت له الأمم، وفرض على نفسه غزو الهند كل سنة، فافتتح منه بلادا واسعة، وكان ذا عزم وصدق في الجهاد.
стр. 1917
قال عبد الغافر الفارسي: كان صادق النّية في إعلاء كلمة الله تعالى، مظفّرا في غزواته، ما خلت سنة من سنّي ملكه عن غزوة أو سفرة، وكان ذكيا، بعيد الغور، موفق الرأي، وكان مجلسه مورد العلماء.
قال ابن خلّكان [١] : وملك بلاد خراسان، وانقطعت الدولة السامانية منها، وذلك في سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، واستتب [٢] له الملك، وسيّر له الإمام القادر بالله خلعة السلطنة، ولقبه بيمين الدولة وأمين الملّة، وتبوأ سرير المملكة، وقام بين يديه أمراء خراسان، سماطين مقيمين برسم الخدمة، وملتزمين حكم الهيبة، وأجلسهم بعد الإذن العام على مجلس الأنس، وأمر لكل واحد منهم [ولسائر غلمانه وخاصّته ووجوه أوليائه] وحاشيته من الخلع والصّلات ونفائس الأمتعة ما لم يسمع بمثله، واتّسقت الأمور عن آخرها في كنف إيالته، واستوثقت الأعمال في ضمن كفالته، ثم إنه ملك سجستان في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، بدخول قوّادها وولاة أمورها في طاعته من غير قتال.
ولم يزل يفتح بلاد الهند إلى أن انتهى إلى حيث لم تبلغه في الإسلام راية. ولم تتل به سورة قطّ ولا آية، فدحض [٣] عنها أدناس الشرك، وبنى بها مساجد وجوامع، وتفصيل حاله يطول شرحه.
وذكر شيخنا ابن الأثير في «تاريخه» أن بعض الملوك بقلاع الهند أهدى له هدايا كثيرة، من جملتها طائر على هيئة القمري من خاصيته أنه إذا حضر الطعام وفيه سم، دمعت عيناه، وجرى منها ماء وتحجّر، فإذا حكّ [٤] ووضع
стр. 1918
على الجراحات الواسعة ألحمها. وذلك في سنة أربع عشرة وأربعمائة.
وذكر إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني في كتابه الذي سمّاه «مغيث الخلق في اختيار الأحق» أن السلطان محمود المذكور، كان على مذهب أبي حنيفة ﵁، كان مولعا بعلم الحديث، وكانوا يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه وهو يسمع، وكان يستفسر الأحاديث، فوجد أكثرها موافقا لمذهب الشافعي ﵁، فوقع في خلده حكمة ذلك فصار، شافعيا، وذكر قصة القفّال في الصلاة بين يديه على كلّ من المذهبين.
وبالجملة فمناقبه كثيرة وسيرته أحسن السّير، ومولده ليلة عاشوراء، سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وتوفي بغزنة وقبره بها يزار ويدعى عنده، وقد صنّف في حركاته وسكناته وأحواله، لحظة لحظة، رحمه الله تعالى، وتوفي في جمادى الأولى.
стр. 1919
سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة
فيها توفي القادر بالله الخليفة أبو العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر [بالله] جعفر بن المعتضد العباسي [١] توفي ليلة الحادي عشر من ذي الحجة، وله سبع وثمانون سنة. وكانت خلافته إحدى وأربعين سنة وثلاثة أشهر، وكان أبيض، كثّ اللحية طويلها، يخضب شيبه.
قال الخطيب: كان من [الستر، و] الديانة، وإدامة التهجد [٢] [بالليل وكثرة [البرّ و] الصدقات على صفة اشتهرت عنه. صنّف كتابا في الأصول [ذكر] فيه فضائل [٣] الصحابة ﵃، وتكفير المعتزلة القائلين بخلق القرآن، فكان يقرأ كل جمعة ويحضره الناس مدة.
وقال أبو الحسن الأبهريّ: أرسلني بهاء الدولة إلى القادر بالله [في رسالة] [٤] فسمعته ينشد:
سبق القضاء بكلّ ما هو كائن ... والله يا هذا لرزقك ضامن
стр. 1920
تعنى بما يفنى وتترك ما به ... تغنى كأنّك للحوادث آمن
أو ما ترى الدّنيا ومصرع أهله ... فاعمل ليوم فراقها يا خائن
واعلم بأنّك لا أبا لك في الذي ... أصبحت تجمعه لغيرك خازن
يا عامر الدّنيا أتعمر منزلا ... لم يبق فيه مع المنيّة ساكن
الموت شيء أنت تعلم أنّه ... حقّ وأنت بذكره متهاون
إنّ المنيّة لا تؤامر من أتت ... في نفسه يوما ولا تستأذن
فقلت: الحمد لله الذي وفّق أمير المؤمنين لإنشاد مثل هذه الأبيات.
فقال: بل لله المنّة إذ ألهمنا [١] لذكره، ووفّقنا لشكره. ألم تسمع قوله الحسن البصريّ في أهل المعاصي؟: هانوا عليه فعصوه، ولو عزّوا عليه لعصمهم.
وقال السيوطي في «تاريخ الخلفاء» [٢] : قال الذهبي: كان في هذا العصر رأس الأشعرية أبو إسحاق الإسفراييني، ورأس المعتزلة القاضي عبد الجبّار، ورأس الرافضة الشّيخ المفيد [٣] ، ورأس الكرامية محمد بن الهيصم [٤] ورأس القرّاء أبو الحسن الحمامي، ورأس المحدّثين الحافظ عبد الغني بن سعيد، ورأس الصوفية أبو عبد الرحمن السّلمي، ورأس الشعراء أبو عمر بن درّاج، ورأس المجودين ابن البوّاب، ورأس الملوك السلطان محمود بن سبكتكين.
قلت [٥] : ويضم إلى هذا رأس الزنادقة الحاكم بأمر الله، ورأس اللّغويين الجوهري، ورأس النّحاة ابن جنّي [ورأس البلغاء البديع، ورأس
стр. 1921
الخطباء ابن نباتة، ورأس المفسرين أبو القاسم بن حبيب النيسابوري] [١] ورأس الخلفاء القادر [بالله] فإنه من أعلامهم، تفقّه وصنّف، وناهيك بأن الشيخ تقي الدّين بن الصّلاح عدّة من الفقهاء الشافعية، وأورده في طبقاتهم، ومدّته في الخلافة من أطول المدد. انتهى ما أورده السيوطي.
وقال الذهبي: لما مات القادر بالله، استخلف ابنه القائم بأمر الله، وله إحدى وثلاثون سنة فبايعه الشريف المرتضى، ثم إن الأمير حسن بن عيسى بن المقتدر قام وقامت الأتراك على القائم بالرسم الذي للبيعة، فقال:
إن القادر لم يخلّف مالا وصدق، لأنه كان من أفقر الخلفاء، وصالحهم على ثلاثة آلاف دينار ليس إلّا، وعرض القائم خانا وبستانا للبيع، وصغر دست الخلافة إلى هذا الحد. انتهى.
وفيها أبو القاسم الكتّاني، طلحة بن علي بن الصقر البغدادي [٢] . كان ثقة صالحا مشهورا، عاش ستا وثمانين سنة، ومات في ذي القعدة، وروى عن النّجاد، وأحمد بن عثمان الأدمي، ودعلج، وجماعة.
وفيها أبو المطرّف بن الحصّار [٣] ، قاضي الجماعة بالأندلس، عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد بن غرسيّة. مات في آخر الكهولة، وكان عالما بارعا ذكيا متفنّنا، ففيه النفس، حاضر الحجّة، صاحب سنّة، توفي في شعبان.
وفيها القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر أبو محمد البغدادي [٤] المالكي، أحد الأعلام. سمع من عمر بن سنبك [٥] وجماعة، وتفقّه على ابن القصّار، وابن الجلّاب، ورأى أبا بكر الأبهري، وانتهت إليه رئاسة المذهب.
стр. 1922
قال الخطيب: لم ألق في المالكية أفقه منه. ولي قضاء بادرايا، وتحول في آخر أيامه إلى مصر فمات بها في شعبان. وقد ساق القاضي ابن خلّكان [١] نسب القاضي عبد الوهاب إلى مالك بن طوق التغلبي [٢] صاحب الرحبة. قاله في «العبر» .
وقال أبو إسحاق الشيرازي [٣] : كلامه في النظر، وكان فقيها متأدبا شاعرا، له كتب كثيرة في كل فنّ. وعاش ستين سنة.
وذكره ابن بسام في كتاب «الذخيرة» [٤] فقال: كان بقية [٥] الناس، ولسان أصحاب القياس، وقد وجدت له شعرا معانيه أجلى من الصبح، وألفاظه أحلى من الظّفر بالنّجح، ونبت به بغداد كعادة البلاد بذوي فضلها، وكحكم الأيام في محسني أهلها، فودّع ماءها وظلّها، وحدّثت أنه شيّعه يوم فصل عنها من أكابرها وأصحاب محابرها، جملة موفورة، وطوائف كثيرة، وأنّه قال لهم: لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كلّ غداة وعشية ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية، وفي ذلك يقول:
سلام على بغداد في كلّ موطن ... وحقّ لها مني سلام مضاعف
فو الله ما فارقتها عن قلى لها [٦] ... وإني بشطّي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت عليّ بأسرها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وكانت كخلّ كنت أهوى دنوّه [٧] ... وأخلاقه تنأى به وتخالف
стр. 1923
واجتاز بطريقه بمعرّة النّعمان، وكان قاصدا مصر، وبالمعرّة يومئذ أبو العلاء، فأضافه، وفي ذلك يقول من أبيات [١] :
والمالكيّ ابن نصر زار في سفر ... بلادنا فحمدنا النأي والسّفرا
إذا تفقّه أحيا مالكا جدلا ... وينشر الملك الضّليل إن شعرا
ثم توجه إلى مصر، فحمل لواءها وملأ أرضها وسماءها واستتبع [٢] ساداتها وكبراءها، وتناهت إليه الغرائب، وانثالت في يديه الرغائب، فمات الأول ما وصلها من أكلة اشتهاها فأكلها، وزعموا أنه قال وهو يتقلب [٣] ونفسه تتصعد وتتصوب [٤] : لا إله إلا الله، إذا عشنا متنا.
وله أشعار رائقة ظريفة فمن ذلك قوله:
ونائمة قبّلتها فتنبهت ... فقالت: تعالوا فاطلبوا اللصّ بالحدّ
فقلت لها: إنّي فديتك غاصب ... وما حكموا في غاصب بسوى الردّ
خذيها وكفّي [٥] عن أثيم ظلامة [٦] ... وإن أنت لم ترضي فألفا على العدّ
فقالت: قصاص يشهد العقل أنه ... على كبد الجاني [٧] ألذّ من الشهد
فباتت يميني وهي هميان خصرها ... وباتت يساري وهي واسطة العقد
فقالت: ألم أخبر بأنّك زاهدا ... فقلت: بلى ما زلت أزهد في الزهد
وكانت ولادته ببغداد يوم الخميس سابع شوال سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وتوفي ليلة الاثنين رابع عشر صفر بمصر، ودفن بالقرافة الصغرى،
стр. 1924
فيما بين قبة الشافعي ﵁، وباب القرافة، وكان أبوه من أعيان الشهود ببغداد.
وكان أخوه أبو الحسن محمد بن علي بن نصر أديبا فاضلا، صنّف كتاب «المفاوضة» للملك العزيز جلال الدولة أبي منصور بن أبي طاهر بن بويه، جمع فيه ما شاهده، وهو من الكتاب الممتعة في ثلاثين كراسة، وله رسائل، ومولده ببغداد في إحدى الجمادين، سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وتوفي يوم الأحمد سابع عشري شهر ربيع الأول، سنة سبع وثلاثين وأربعمائة بواسط، وكان قد أصعد [١] إليها من البصرة فمات بها.
وتوفي أبوهما، أبو الحسن عليّ يوم السبت، ثاني شهر رمضان سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. قاله ابن خلّكان.
وفيها أبو الحسن الطّرازي علي بن محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان البغدادي ثم النيسابوري [٢] الأديب. روى عن الأصمّ، وأبي حامد بن حسنويه وجماعة، وبه ختم حديث الأصمّ، توفي في الرابع والعشرين من ذي الحجة.
وفيها أبو الحسن بن عبد كويه [٣] ، علي بن يحيى بن جعفر، إمام جامع أصبهان في المحرم. حجّ وسمع بأصبهان، والعراق، والحجاز، وحدّث عن أحمد بن بندار الشعّار، وفاروق الخطابي وطبقتهما، وأملى عدة مجالس.
وفيها محمد بن مروان بن زهر [٤] أبو بكر الإيادي الإشبيلي المالكي [٥]
стр. 1925
أحد أركان المذهب. كان واسع الرواية، عالي الإسناد، عاش ستا وثمانين سنة، وحدّث عن محمد بن معاوية القرشي، وأبي علي القالي، وطائفة، وهو والد الطبيب عبد الملك، وجدّ الطبيب العلّامة الرئيس أبي العلاء زهر.
وفيها محمد بن يوسف القطّان الحافظ، أبو أحمد الأعرج النيسابوري [١] مات كهلا ولم ينشر حديثه. روى عن أبي عبد الله الحاكم وطبقته، ورحل إلى العراق، والشام، ومصر.
وفيها أبو نصر المفسّر منصور بن الحسين [٢] بنيسابور، مات قبل الطرازي، وحدّث عن الأصم وغيره.
وفيها يحيى بن عمّار، الإمام أبو زكريا الشيباني السّجستاني [٣] الواعظ، نزيل هراة. روى عن حامد الرّفاء وطبقته، وكان له القبول التام بتلك الدّيار لفصاحته وحسن موعظته وبراعته في التفسير والسّنّة، وخلّف أموالا كثيرة، ومات في ذي القعدة وله تسعون سنة.
стр. 1926
سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة
فيها سار الملك المسعود بن محمود بن سبكتكين، فدخل أصبهان بالسيف، وقتل عالما لا يحصون، وفعل ما لا تفعله الكفرة.
وفيها توفي أبو القاسم الحرفي [١] عبد الرحمن بن عبيد [الله] الحربيّ [٢] المحدّث.
قال الخطيب: كان صدوقا غير أن سماعه في بعض ما رواه عن النّجاد كان مضطربا. مات في شوال وله سبعون وثمانون سنة.
وفيها أبو الحسن النّعيمي، علي بن أحمد بن الحسن بن محمد البصري [٣] الحافظ. روى عن طائفة ومات كهلا.
قال الخطيب: كان حافظا، حاذقا [٤] ، متكلما، شاعرا.
وقال ابن ناصر الدّين: كان شديد العصبية في السّنّة والديانة، واتّهم بوضع حديث في صباه، ثم تاب ولازم الثقة والصيانة.
стр. 1927
وفيها أبو الفضل الكاغذي [١] منصور بن نصر السمرقندي مسند ما وراء النهر. روى عن الهيثم [بن كليب] الشاشي، ومحمد بن محمد بن عبد الله [٢] بن حمزة. توفي بسمرقند في ذي القعدة وقد قارب المائة.
стр. 1928
سنة أربع وعشرين وأربعمائة
فيها- ما قال في «العبر» - اشتد الخطب ببغداد بأمر الحراميّة، وأخذوا أموال الناس عيانا، وقتلوا صاحب الشرطة، وأخذوا لتاجر ما قيمته عشرة آلاف دينار، وبقي النّاس لا يجسرون أن يقولوا: فعل البرجميّ خوفا منه، بل يقولون عنه: القائد أبو علي، واشتهر عنه أنه لا يتعرّض لامرأة، ولا يدع أحدا يأخذ شيئا عليها [١] .
وفيها توفي أبو علي الفشيديزجي [٢]- بفتح الفساء وكسر المعجمة وتحتيتين ساكنتين وفتح المهملة بينهما، والزاي وجيم، نسبة إلى فشيديزة- بلد الحسين بن الخضر البخاري، قاضي بخارى وشيخ الحنفية في عصره. روى عن محمد بن محمد بن صابر [٣] وجماعة. توفي في شعبان وقد خرّج له عدة أصحاب.
وفيها أبو طاهر الدّقّاق [٤] ، حمزة بن محمد بن طاهر الحافظ، أحد أصحاب الدارقطني. كان البرقاني يخضع لمعرفته وعلمه.
стр. 1929
وفيها الإمام أبو محمد بن ذنّين [١] عبد الله بن عبد الرّحمن بن عثمان الصّدفي الطّليطلي. روى عن أبي جعفر بن عون الله وطبقته، وأكثر عن أبي محمد بن أبي زيد القيرواني، وعن أبي بكر [بن] المهندس، وأبي الطيب بن غلبون [٢] بمصر، وكان زاهدا، عابدا، خاشعا، مجاب الدعوة، منقطع القرين، عديم النظير [٣] ، مقبلا على الأثر والسّنّة، أمّارا بالمعروف، لا تأخذه في الله لومة لائم، مع الهيبة والعزّة، وكان يعمل [٤] في كرمه بنفسه.
وفيها أبو بكر الأردستاني [٥]- بفتح الهمزة، فسكون الراء، ففتح المهملة [٦] ، فسكون المهملة، ففتح الفوقية، نسبة إلى أردستان، بلد قرب أصبهان، وقيل: بكسر الهمزة والدال [٧]- محمد بن إبراهيم الحافظ العبد الصالح. روى «صحيح البخاري» عن إسماعيل بن حاجب، وروى عن أبي حفص بن شاهين وهذه الطبقة.
стр. 1930
سنة خمس وعشرين وأربعمائة
فيها كما قال في «الشذور» هبّت ريح سوداء بنصيبين، فقلعت من بساتينها كثيرا، ورمت قصرا مبنيا بآجر، وحجارة، وكلس، ووقع هناك برد في أشكال الأكف، والنامرد [١] ، والأصابع، وزلزلت الرّملة، فهدم نحو من نصفها، وخسف بقرى، وسقط بعض حائط بيت المقدس، وسقطت منارة جامع عسقلان، وجزر البحر نحو ثلاث [٢] فراسخ، فخرج الناس يتتبعون [٣] السمك والصدف، فعاد الماء، فأخذ قوما منهم. انتهى.
وفيها الحافظ الكبير الثقة أبو بكر [٤] البرقاني- بالفتح، نسبة إلى برقان، قريبة بخوارزم- أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي الفقيه الشافعي. مولده بخوارزم، سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وسمع بها بعد الخمسين من أبي العبّاس بن حمدان وجماعة، وببغداد من أبي علي بن الصوّاف وطبقته، وبهراة، وبنيسابور، وجرجان، ومصر، ودمشق.