← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

تلميذ أبي إسحاق الثعلبي، وأحمد من برع في العلم، وكان شافعي المذهب. روى في كتبه عن ابن محمش، وأبي بكر الحيري، وطائفة، وكان رأسا في اللغة والعربية. [توفي في جمادى الآخرة، وكان من أبناء السبعين.] قال ابن قاضي شهبة [١] : كان فقيها إماما في النحو واللغة] [٢] وغيرهما، شاعرا، وأما التفسير، فهو إمام عصره فيه. أخذ التفسير عن أبي إسحاق الثعلبي، واللغة عن أبي الفضل العروضي صاحب أبي منصور الأزهري، والنحو عن أبي الحسن القهندزي- بضم القاف والهاء وسكون النون، وفي آخره زاي- الضرير. صنّف الواحدي «البسيط» في نحو ستة عشر مجلدا، والوسيط في أربع مجلدات، و «الوجيز» [٣] ومنه أخذ الغزّالي هذه الأسماء. و «أسباب النزول» وكتاب «نفي التحريف عن القرآن الشريف» وكتاب «الدعوات» وكتاب «تفسير أسماء النّبيّ ﷺ » [٤] وكتاب «والمغازي» وكتاب «الإغراب في الإعراب» و «شرح ديوان المتنبي» . وأصله من ساوة، من أولاد التجار، وولد بنيسابور ومات بها بعد مرض طويل في جمادى الآخرة، سنة ثمان وستين. ونقل عنه في «الروضة» في مواضع من كتاب السير، في الكلام على السلام [٥] . وفيها ابن عليّك، أبو القاسم، علي بن عبد الرحمن بن الحسن النيسابوري. روى عن أبي نعيم الإسفراييني وجماعة.

стр. 2102

وقال ابن نقطة: حدّث عن أبي الحسين الخفّاف، ومات في رجب بتفليس. وفيها أبو بكر الصّفّار محمد بن القاسم بن حبيب بن عبدوس النيسابوري الشافعي، أحد الكبار المتقنين، تفقه على أبي محمد الجويني، وجلس بعده في حلقته، وروى عن أبي نعيم الإسفراييني وطائفة، وتوفي في ربيع الآخر. قال الإسنوي [١] : وهو جدّ الفقهاء المعروفين في نيسابور بالصّفّارين. كان إماما فاضلا ديّنا خيّرا، سليم الجانب، محمود الطريقة، مكثرا من الحديث والإملاء، حسن الاعتقاد والخلق، بهي المنظر، متجملا، مع قلة ذات اليد، وكان من أبناء المشايخ والبيوتات والمياسير. انتهى. وفيها علي بن الحسين بن أحمد بن إبراهيم بن جدّا، أبو الحسن العكبري. ذكره ابن شافع [٢] في «تاريخ» فقال: هو الشيخ الزاهد الفقيه، الأمّار بالمعروف، والنّهاء عن المنكر. سمع أبا علي بن شاذان، والبرقاني، وأبا القاسم الخرقي، وابن بشران، وغيرهم. وكان فاضلا، خيّرا، ثقة، صيّنا، شديدا في السّنّة، على مذهب أحمد. وقال القاضي [٣] الحسين وابن السمعاني: كان شيخا، صالحا، ديّنا، كثير الصلاة، حسن التلاوة للقرآن [٤] ذا لسن وفصاحة في المجالس والمحافل، وله في ذلك كلام منثور وتصنيف مذكور مشهور.

стр. 2103

وفيها أبو القاسم المهرواني، يوسف بن محمد الهمذاني [١] الصوفي، العبد الصالح، الذي خرّج له الخطيب خمسة أجزاء. روى عن أبي أحمد الفرضي، وأبي عمر بن مهدي، ومات في ذي الحجة. وفيها يوسف بن محمد بن يوسف أبو القاسم الخطيب، محدّث همذان وزاهدها. روى عن أبي بكر بن لال، وأبي أحمد الفرضي، وأبي عمر بن مهدي، وطبقتهم. وجمع ورحل، وعاش سبعا وثمانين سنة. وفيها البيّاضي الشاعر، أبو جعفر [٢] مسعود بن عبد العزيز بن المحسّن بن الحسن بن عبد الرزاق المشهور، وهو من الشعراء المجيدين في المتأخرين، وديوان شعره صغير، وهو في غاية الرّقة، وليس فيه من المديح إلّا اليسير، فمن أحسن شعره قصيدته القافية التي أولها: إن غاض دمعك والركاب تساق ... مع ما بقلبك فهو منك نفاق لا تحبسن ماء الجفون فإنّه ... لك يا لديغ هواهم ترياق [٣] واحذر مصاحبة العذول فإنّه ... مغر فظاهر عذله إشفاق لا يبعدن زمن مضت أيّامه ... وعلى متون غصونها أوراق أيام نرجسنا العيون ووردنا ... حمر الخدود وخمرنا الأرياق ولنا بزوراء العراق مواسم ... كانت تقام لطيبها أسواق فلئن بكت عيني دما شوقا إلى ... ذاك الزّمان فمثله يشتاق إن الأغيلمة الأولى لولاهم ... ما كان طعم هوى الملاح يذاق وكأنّما أرماحهم بأكفّهم ... أجسامهم ونصولها الأحداق

стр. 2104

شنّوا الإغارة في القلوب بأعين ... لا يرتجى لأسيرها إطلاق واستعذبوا ماء الجفون فعذّبوا ال ... أسراء [١] حتّى ذرت الآماق ونمى الحديث بأنّهم نذروا دمي ... أولي دم يوم الفراق يراق وشعره كله على هذا الأسلوب، وقيل له البيّاضي، لأن أحد أجداده كان في مجلس بعض الخلفاء مع جماعة من العبّاسيين، وكانوا قد لبسوا سوادا ما عداه، فإنه لبس بياضا، فقال الخليفة: من ذلك البيّاضي؟ فثبت الاسم عليه، واشتهر به. وفيها ابن جابار [٢] ، مكي بن عبد الله الدّينوري، أبو بكر، اجتهد في هذا الشأن، وهو حافظ. قاله ابن ناصر الدّين [٣] .

стр. 2105

سنة تسع وستين وأربعمائة فيها توفي أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد السّلمي، أحد رؤساء دمشق وعدولها. روى عن جدّه أبي بكر محمد بن أحمد بن عثمان، وجماعة. وسمع بمكّة من ابن جهضم، توفي في ربيع الأول، في عشر التسعين. قاله في «العبر» [١] . وفيها حاتم بن محمد بن الطرابلسي أبو القاسم التميمي القرطبي المحدّث المتقن، مسند الأندلس، في ذي القعدة، وله إحدى وتسعون سنة. روى عن عمر بن نابل [٢] وأبي المطرّف بن فطيس، وطبقتهما. ورحل فأكثر عن أبي الحسن القابسي، وسمع بمكّة من ابن فراس العبقسي، وكان فقيها مفتيا. وفيها حيّان بن خلف بن حسين بن حيّان، أبو مروان القرطبي الأديب، مؤرخ الأندلس ومسندها. توفي في ربيع الأول، وله اثنتان وتسعون سنة. سمع من عمر بن نابل، وله كتاب «المبين في تاريخ الأندلس» ستون مجلدا، وكتاب «المقتبس» في عشر مجلدات، وقد رؤي في النوم، فسئل

стр. 2106

عن التاريخ الذي عمله، فقال: لقد ندمت عليه، إلّا أنّ الله غفر لي بلطفه، وأقالني. وقال ابن خلّكان [١] : ذكره أبو علي الغسّاني فقال: كان عالي السنّ، قوي المعرفة، متبحرا في الآداب، بارعا فيها، صاحب لواء التاريخ بالأندلس، أفصح الناس فيه وأحسنهم نظما له، لزم ابن الحباب النحوي، وصاعد [بن الحسن] الرّبعي، وأخذ عنه كتابه المسمى ب «الفصوص» وسمع الحديث، وسمعته يقول: التهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودّة، والتعزية بعد ثلاث إغراء بالمصيبة. وتوفي يوم الأحد لثلاث بقين من ربيع الأول، ووصفه الغسّاني بالصدق فيما حكاه في «تاريخه» . انتهى ملخصا. وفيها حيدرة بن علي الأنطاكي، أبو المنجّا المعبّر. حدّث بدمشق عن عبد الرحمن بن أبي نصر وجماعة. قال ابن الأكفاني: كان يذكر أنه يحفظ في علم التعبير [٢] عشرة آلاف ورقة وأكثر [٣] . وفيها أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ المصري الجوهري النحوي، صاحب التصانيف. دخل بغداد تاجرا في الجوهر، وأخذ عن [٤] علمائها، وخدم بمصر في ديوان الإنشاء، وكان كتّاب الإنشاء لا يتقدمون بكتبهم حتّى تعرض عليه، وله مرتب على ذلك، ثم تزهد ورغب عن الخدمة، واستغنى بالله تعالى ولزم بيته، فكان ملطوفا به حتّى مات، وسببه أنه شاهد سنّورا أعمى في سطح الجامع يرقى إليه بقوته سنّور آخر ويخدمه،

стр. 2107

فكان له فيه عبرة، ومن تصانيفه «المقدّمة» وشرحها، و «شرح الجمل» و «شرح كتاب الأصول» لابن السرّاج، ومسودّات. توفي قبل تمامها قريب من خمسة عشر مجلدا، قيل: إنه مات مترديا من غرفة، وأصله من الدّيلم. وبابشاذ: كلمة أعجمية يتضمن معناها السرور والفرح. وفيها، وجزم ابن ناصر الدّين في التي قبلها [١] ، عمر بن علي بن أحمد بن اللّيث اللّيثي البخاري، أبو مسلم الحافظ الجوّال. تكلم يحيى بن مندة فيه [٢] ، وكان فيه تدليس وعجب بنفسه وتيه. وفيها أو في التي قبلها- وهو الصحيح- أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زكريا الجرجاني الزّنجي، كان حافظا ثقة. قاله ابن ناصر الدّين [٣] . وفيها كرّكان الزاهد القدوة، أبو القاسم عبد الله بن علي الطّوسي، شيخ الصوفية، وصاحب «الدّويرة والأصحاب» . روى عن حمزة المهلّبي وجماعة، ومات في ربيع الأول. وفيها أبو محمد الصّريفيني، عبد الله بن محمد بن عبد الله بن هزار مرد [٤] ، المحدّث، خطيب صريفين، توفي في جمادى الآخرة، عن خمس وثمانين سنة. روى عن أبي القاسم بن حبابة، وأبي حفص الكتّاني، وكان ثقة.

стр. 2108

وفيها عبيد الله بن الحسين الفراء أبو القاسم بن القاضي أبي يعلي، ذكره أخوه في «الطبقات» [١] وأنه ولد يوم السبت سابع شعبان، سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة. وقرأ بالروايات على أبي بكر الخيّاط، وابن البنّا، وأبي الخطّاب الصّوفي، وغيرهم. وسمع الحديث من والده وجدّه لأمه جابر بن ياسين وغيرهم، ورحل في طلب الحديث والعلم إلى واسط، والبصرة، والكوفة، وعكبرا، والموصل، والجزيرة، وآمد، وغير ذلك. وكان يتكلم مع شيوخ عصره، وكان والده يأتمّ به في صلاة التراويح إلى أن توفي، وكان أكبر أولاد القاضي أبي يعلى، وكان ذا عفة، وديانة وصيانة، حسن التلاوة للقراءة، كثير الدرس، له معرفة بعلومه، وله معرفة بالجرح والتعديل، وأسماء الرجال والكنى، وغير ذلك من علوم الحديث. وله خط حسن، ولما وقعت فتنة ابن القشيري، خرج إلى مكّة، فتوفي في مضيّه إليها بموضع يعرف بمعدن النّقرة [٢] ، أواخر ذي القعدة، وله ست وعشرون سنة وثلاثة أشهر ونيّف وعشرون يوما تقريبا، رحمه الله تعالى. وفيها أبو الحسن البرداني محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن الحسين بن هارون الفرضي الأمين، والد الحافظ أبي علي. ولد بالبردان، وسمع الكثير من ابن رزقويه، وابن بشران، وابن شاذان، والبرقاني، وخلق، وروى عنه ولداه أبو علي وأبو ياسر. قال ابن النجار: كان رجلا، صالحا، صدوقا، حافظا لكتاب الله

стр. 2109

تعالى، عالما بالفرائض وقسمة التركات، كتب بخطه الكثير، وخرّج تخاريج، وجمع فنونا من الأحاديث وغيرها. وقال ابن الجوزي: كان ثقة عالما صالحا أمينا، وتوفي يوم الخميس تاسع عشري ذي القعدة، وله كتاب «فضيلة الذكر والدعاء» .

стр. 2110

سنة سبعين وأربعمائة فيها توفي أبو صالح المؤذّن، أحمد بن عبد الملك بن علي النيسابوري الحافظ، محدّث خراسان في زمانه. روى عن أبي نعيم الإسفراييني، وأبي الحسن العلوي، والحاكم، وخلق، ورحل إلى أصبهان، وبغداد، ودمشق، في حدود الثلاثين وأربعمائة، وله ألف حديث عن ألف شيخ، وثّقه الخطيب وغيره، ومات في رمضان، عن اثنتين وثمانين سنة، وله تصانيف ومسوّدات. وفيها أبو الحسين بن النّقور، أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي البزّاز، المحدّث الصدوق. روى عن علي الحربي، وأبي القاسم بن حبابة، وطائفة. وكان يأخذ على نسخة طالوت دينارا، أفتاه بذلك الشيخ أبو إسحاق، لأن الطلبة كانوا يفوتونه الكسب لعياله، مات في رجب عن تسعين سنة. وفيها أبو نصر بن طلّاب الخطيب، الحسين بن أحمد بن محمد القرشي مولاهم الدمشقي، خطيب دمشق. روى عن ابن جميع «معجمة» [١] ، وعن أبي بكر بن أبي الحديد. وكان صاحب مال وأملاك، وفيه عدالة وديانة، توفي في صفر، وله إحدى وتسعون سنة.

стр. 2111

وفيها عبد الله بن الخلّال [١] أبو القاسم بن الحافظ أبي محمد الحسن بن محمد البغدادي. سمّعه أبوه من أبي حفص الكتّاني، والمخلّص، ومات في صفر، عن خمس وثمانين سنة. قال الخطيب [٢] : كان صدوقا. وفيها أبو جعفر بن أبي موسى، شيخ الحنابلة، عبد الخالق بن عيسى بن أحمد. كان ورعا، زاهدا، علّامة، كثير الفنون، رأسا في الفقه، شديدا على المبتدعة، نافذ الكلمة. روى عن أبي القاسم بن بشران، وقد أخذ في فتنة ابن القشيري، وحبس أياما. قاله في «العبر» [٣] . وقال ابن السمعاني: كان إمام الحنابلة في عصره بلا مدافعة، مليح التدريس، حسن الكلام في المناظرة، ورعا، زاهدا، متقنا، عالما بأحكام القرآن والفرائض، مرضي الطريقة. وقال ابن عقيل: كان يفوق الجماعة من مذهبه وغيرهم في علم الفرائض، وكان عند الإمام- يعني الخليفة- معظما، حتّى إنّه وصّى عند موته بأن يغسله تبركا به، وكان حول الخليفة ما لو كان غيره لأخذه، وكان ذلك كفاية عمره، فو الله ما التفت إلى شيء منه، بل خرج ونسي مئزره، حتّى حمل إليه، قال: ولم يشهد منه أنه شرب ماء في حلقته مع شدة الحرّ، ولا غمس يده في طعام أحد من أبناء الدّنيا. وقال ابن رجب: له تصانيف عدّة، منها «رؤوس المسائل» و «شرح

стр. 2112

المذهب» وله جزء في أدب الفقه، وفي فضائل أحمد وترجيح مذهبه، وتفقه عليه طائفة من أكابر المذهب، كالحلواني، والقاضي أبي الحسين، وغيرهم. وكان معظما عند الخاصة والعامة، زاهدا في الدنيا إلى الغاية، قائما في إنكار المنكرات بيده ولسانه، مجتهدا في ذلك. وتوفي ﵀ ليلة الخميس سحرا، خامس شهر صفر، وصلّي عليه يوم الجمعة ضحى بجامع المنصور، وأمّ الناس أخوه الشريف أبو الفضل، ولم يسع الجامع الخلق، ولم يتهيأ لكثير منهم الصلاة، ولم يبق رئيس ولا مرؤوس إلّا حضره إلّا من شاء الله، ودفنوه في قبر الإمام أحمد، وما قدر أحد أن يقول للعوام: لا تنبشوا قبر الإمام أحمد، وادفنوه بجنبه. فقال أبو محمد التميمي- من بين الجماعة-: كيف تدفنونه في قبر الإمام أحمد، وبنت أحمد مدفونة معه؟ فإن جاز دفنه مع الإمام لا يجوز دفنه مع ابنته. فقال بعض العوام: اسكت، فقد زوّجنا بنت أحمد من الشريف، فسكت التميمي. ولزم الناس قبره، فكانوا يبيتون عنده كل ليلة أربعاء، ويختمون الختمات، فيقال: إنه قرئ على قبره تلك الأيام عشرة آلاف ختمة. ورآه بعضهم في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: لما وضعت في قبري، رأيت قبة من درّة بيضاء، لها ثلاثة أبواب، وقائل يقول: هذه لك، أدخل من أيّ أبوابها شئت. وفيها أبو القاسم بن مندة، عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن إبراهيم بن الوليد بن مندة بن بطة بن استندار، واسمه الفيرزان بن جهان بخت العبدي الأصبهاني، الإمام الحافظ، ابن الحافظ الكبير أبي عبد الله بن مندة. ومندة لقب إبراهيم جدّه الأعلى. ذكره ابن الجوزي في «طبقات الحنابلة» وترجمه في «تاريخه» [١] فقال:

стр. 2113

ولد سنة ثلاث وثمانين [١] وثلاثمائة، وسمع أباه، وأبا بكر بن مردويه، وخلقا كثيرا، وكان كثير السماع، كبير الشأن، سافر [إلى] البلاد، وصنّف التصانيف، وخرّج التخاريج، وكان ذا وقار وسمت وأتباع، فيهم كثرة، وكان متمسكا بالسّنّة، معرضا عن أهل البدع، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم. وقال ابن السمعاني: كان كبير الشأن، جليل القدر، كثير السماع، واسع الرواية، سافر إلى الحجاز، وبغداد، وهمذان، وخراسان، وصنّف التصانيف. وقال سعد بن محمد الزّنجاني: حفظ الله الإسلام برجلين، أحدهما بأصبهان، والآخر بهراة، عبد الرحمن بن مندة، وعبد الله الأنصاري. وقال يحيى بن مندة: كان عمي سيفا على أهل البدع، وهو أكبر من أن ينبّه عليه مثلي، كان والله آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، وفي الغدو والآصال ذاكرا، ولنفسه في المصالح قاهرا، أعقب الله من ذكره بالشرّ الندامة، وكان عظيم الحلم، كبير العلم، قرأت عليه قول شعبة: من كتبت عنه حديثا فأنا له عبد، فقال: من كتب عنّي حديثا، فأنا له عبد. وقال ابن تيمية: وكان أبو القاسم بن مندة من الأصحاب، وكان يذهب إلى الجهر بالبسملة في الصلاة. وقال ابن مندة في كتابه «الرد على الجهمية» : التأويل عند أصحاب الحديث نوع من الكذب. وقال في «العبر» [٢] : كان ذا سمت ووقار، وله أصحاب وأتباع، وفيه

стр. 2114

تسنّن مفرط، أوقع بعض العلماء في الكلام في معتقده، وتوهّموا فيه التّجسيم، وهو بريء منه فيما علمت، ولكن لو قصّر من شأنه لكان أولى به، أجاز له زاهر بن أحمد السرخسي، وروى الكثير عن أبيه، وأبي جعفر الأبهري، وطبقتهما، وسمع بنيسابور من أصحاب الأصمّ، وبمكّة من ابن جهضم، وبهمذان، والدّينور، وشيراز، وبغداد، وعاش تسعا وثمانين سنة. انتهى كلام «العبر» . وفيها أبو بكر بن حمّدوية [١] ، أحمد بن محمد بن أحمد بن يعقوب الرزّاز [٢] المقرئ الزاهد. ذكره ابن الجوزي في «الطبقات» و «التاريخ» [٣] . ولد يوم الأربعاء لثمان عشرة ليلة خلت من صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وحدّث عن خلق كثير، منهم: ابن بشران، وابن القوّاس، وهو آخر من حدّث عن أبي الحسين بن سمعون، وتفقه على القاضي أبي يعلى [٤] ، وكان ثقة زاهدا متعبدا، حسن الطريقة، وحدّث عنه الخطيب في «تاريخه» [٥] وتوفي يوم السبت رابع عشري ذي الحجة. قال ابن نقطة [٦] : حمّدوية: بضم الحاء والميم المشددة أيضا وبالياء.

стр. 2115

سنة إحدى وسبعين وأربعمائة فيها توفي أبو علي بن البنّا، الفقيه الزاهد، الحسن [١] بن أحمد بن عبد الله الحنبلي البغدادي، الإمام، المقرئ، المحدّث، الفقيه، الواعظ، صاحب التصانيف. ولد سنة ست وتسعين وثلاثمائة، وقرأ القراءات السبع على أبي الحسن الحمامي وغيره، وسمع الحديث على القاضي أبي يعلى، وهو من قدماء أصحابه، وحضر عند ابن أبي موسى، وناظر في مجلسه، وتفقه أيضا على أبي الفضل التميمي، وأخيه أبي الفرج، وقرأ عليه القرآن جماعة، مثل عبد الله البارع، وأبي العز القلانسي، وغيرهما. وسمع منه الحديث خلق كثير، وقرأ عليه الحافظ الحميدي كثيرا. ودرّس الفقه كثيرا، وأفتى زمانا طويلا، وصنّف كتبا في الفقه، والحديث، والفرائض، وأصول الدّين، وفي علوم مختلفات. قال ابن الجوزي: ذكر عنه أنه قال: صنّفت خمسمائة مصنّف. وتراجم كتبه مسجوعة. وقال ابن شافع: كتبت الحديث عن نحو من ثلاثمائة شيخ، ما رأيت فيهم من كتب بخطه أكثر من ابن البنّا. قال: وقال لي هو ﵀: ما رأيت

стр. 2116

بعيني من كتب أكثر مني. قال: وكان طاهر الأخلاق، حسن الوجه والشيبة، محبّا لأهل العلم، مكرما لهم، وتوفي ﵀ ليلة السبت خامس رجب، ودفن بباب حرب، ﵀. وفيها أبو يعلى حمزة بن الكيال البغدادي، الفقيه الحنبلي. ذكره ابن [١] أبي يعلي في «طبقاته» [٢] وأنه ممّن تردد إلى والده زمانا مواصلا، وسمع منه علما واسعا، وكان عبدا صالحا. وقيل: إنه كان يحفظ الاسم الأعظم. وقال ابن شافع في «تاريخه» : كان رجلا صالحا ملازما لبيته ومسجده، حافظا للسانه، معتزلا عن الفتن، توفي يوم الأربعاء، سابع عشري شهر رمضان، ودفن بمقبرة باب الدّير. وفيها أبو علي الوخشي- بالفتح والسكون، نسبة إلى وخش، بلد بنواحي بلخ- الحسن بن علي البلخي، الحافظ، الثقة، المكثر الكبير، رحل وطوّف، وجمع وصنّف، وعاش ستا وثمانين سنة. روى عن تمّام الرّازي، وأبي عمر بن مهدي، وطبقتهما، بالشام، والعراق، ومصر، وخراسان، وكان من الثقات. وفيها أبو القاسم الزّنجاني، سعد بن علي بن محمد بن علي بن الحسين، شيخ الحرم والحفّاظ، كان حافظا، قدوة، علما، ثقة، زاهدا، نزيل الحرم، وجار بيت الله. روى عن أبي عبد الله بن نظيف الفرّاء، وعبد الرحمن بن ياسر، وخلق. وسئل محمد بن طاهر المقدسي عن أفضل من رأى؟ فقال: سعد

стр. 2117

الزّنجاني، [وشيخ الإسلام الأنصاري، فقيل له: أيّهما أفضل؟ فقال الأنصاري كان متفننا [١] ، وأما الزّنجاني] [٢] فكان أعرف بالحديث منه. وسئل إسماعيل التّيمي عنه، فقال: إمام كبير، عارف بالسّنة. وقال ابن الأهدل: كان صاحب كرامات وآيات، يزدحم الناس عليه عند الطواف كازدحامهم على الحجر. وقال غيره: توفي في أول سنة إحدى وسبعين، أو في آخر سنة سبعين، عن تسعين سنة. وفيها عبد الباقي بن محمد بن غالب أبو منصور الأزجي العطّار، وكيل القائم والمقتدي، صدوق، جليل، روى عن المخلّص وغيره، وتوفي في ربيع الآخر. وفيها أبو القاسم عبد العزيز بن علي الأنماطي، ابن [بنت السّكّري. روى عن المخلّص. وقال عبد الوهاب الأنماطي: هو ثقة. وآخر من روى عنه ابن الطلاية] [٣] الزاهد، وتوفي في رجب. وفيها عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، أبو بكر النحوي، صاحب التصانيف، منها «المغني في شرح الإيضاح» ثلاثون مجلدا، وكان شافعيا أشعريا. قاله في «العبر» [٤] . وقال ابن قاضي شهبة [٥] : كان شافعي المذهب، متكلما، على طريقة الأشعري، وفيه دين، وله فضيلة تامة في النحو، وصنّف كتبا كثيرة، فمن

стр. 2118

أشهرها كتاب «الجمل» وشرحه [١] ، وكتاب «العمدة» في التصريف وكتاب «المفتاح» و «شرح الفاتحة» في مجلد، وغير ذلك. أخذ النحو بجرجان عن أبي الحسين محمد بن الحسن الفارسي، ابن أخت الشيخ أبي علي الفارسي، وأخذ عنه علي بن أبي زيد الفصيحي. وذكره السّلفيّ في «معجمه» [٢] فقال: دخل عليه لص وهو في الصلاة، فأخذ جميع ما وجد، والجرجانيّ ينظر إليه، ولم يقطع صلاته. وله نظم فمنه: كبّر على العقل لا ترضه [٣] ... ومل إلى الجهل ميل هائم وعش حمارا تعش سعيدا ... فالسعد في طالع البهائم انتهى ملخصا. وفيها أبو عاصم الفضيلي الفقيه، الفضيل بن يحيى الهروي، شيخ أبي الوقت، توفي في جمادى [الأولى] وله ثمان وثمانون سنة. قاله في «العبر» [٤] . وقال الإسنويّ في ترجمة والد هذا [٥] : أبو محمد إسماعيل بن الفضيل الهروي المعروف بالفضيل، نسبة إلى جدّ له يسمى الفضيل، تصغير الفضل. ذكره أبو نصر عبد الرحمن الهروي في «تاريخ هراة» فقال: هو الفحل المقرم [٦] والإمام المقدّم في فنون الفضل وأنواع العلم، توفي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.

стр. 2119

قال: وهو والد الإمام أبي عاصم الصغير الهروي، كذا نقله ابن الصلاح في «طبقاته» وأنشد له: تعوّد أيّها المسكين صمتا [١] ... فنعم جواب من آذاك ذاكا وإن عوفيت مما عبت فافتح ... بحمد للذي عافاك فاكا وذكر الذهبي أن أبا عاصم الفضيلي الفقيه، واسمه الفضيل، ممّن توفي سنة إحدى وسبعين، فإن كان كذلك، فيكون الابن قد مات قبل والده بنحو العشرين. انتهى كلام الإسنوي. قلت: وعلى هذا، فالأب جاوز المائة بلا ريب، والله أعلم. وفيها أبو الفضل القومساني، نسبة إلى قومسان، من نواحي همذان، محمد بن عثمان بن زيرك [٢] ، شيخ عصره بهمذان، فضلا، وعلما، وجلالة، وزهادة، وتفننا في العلوم، مات عن بضع وسبعين سنة. روى عن علي بن أحمد بن عبدان، وجماعة. وفيها محمد بن أبي عمران، أبو الخير المرندي- بفتحتين، وسكون النون ومهملة، نسبة إلى مرند بلد بأذربيجان [٣] الصفّار [٤] آخر أصحاب الكشميهني، ومن به ختم سماع البخاري عاليا، ضعفه ابن طاهر.

стр. 2120

سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة فيها توفي أبو علي الحسين بن عبد الرحمن الشافعي المكّي الحنّاط المعدّل. روى عن أحمد بن فراس العبقسي، وعبيد الله بن أحمد السقطي، وتوفي في ذي القعدة. وفيها محمد بن أبي مسعود عبد العزيز بن محمد، أبو عبد الله الفارسي ثم الهروي. روى جزء أبي الجهم وغير ذلك، عن أبي محمد السّريجي [١] في شوال. وفيها أبو منصور العكبري، محمد بن محمد بن أحمد الأخباري النديم عن تسعين سنة، وهو صدوق. روى عن محمد بن عبد الله الجعفي، وهلال الحفّار، وطائفة، وتوفي في شهر رمضان. وفيها هيّاج بن عبيد، الزاهر القدوة، أبو محمد الخطيبي [٢] ، نسبة إلى جدّ كان خطيبا [٢] . قال هبة الله الشيرازي: أما هيّاج الزاهد الفقيه، ما رأت عيناي مثله في الزهد والورع.

стр. 2121

وقال ابن طاهر [١] : بلغ من زهده، أنه يوالي [بالصوم] ثلاثة أيام، لكن يفطر على ماء زمزم، فإذا كان اليوم الثالث من أتاه بشيء أكله، وكان قد نيّف على الثمانين، وكان يعتمر في كل يوم ثلاث عمر على رجليه، ويدرّس عدة دروس لأصحابه، وكان يزور النّبيّ ﷺ في كل سنة من مكّة حافيا ذاهبا وراجعا. روى عن أبي ذر الهروي وطائفة. وقال السخاوي في «طبقاته» : هيّاج بن عبيد بن الحسين أبو محمد الفقيه الحطّيني الزاهد المقيم بالحرم. كان أوحد عصره في الزهد والورع، وكان يصوم ويفطر بعد ثلاث، ولم يكن يدّخر شيئا، ولا يملك غير ثوب واحد، وكان يزور النّبيّ ﷺ في كل سنة ماشيا حافيا، وكذلك عبد الله بن عبّاس بالطائف، ويأكل بمكّة أكلة وبالطائف أخرى. ولم يلبس نعلا منذ دخل الحرم، وأقام بالحرم نحو أربعين سنة، لم يحدّث بالحرم، وإنما كان يحدّث بالحلّ حين يخرج للإحرام بالعمرة، وكان قد ناف على مائة سنة. استشهد بمكة في وقعة وقعت بين أهل السّنّة والرافضة، فحمله أميرها محمد بن هاشم وضربه ضربا شديدا على كبر السنّ، ثم حمل إلى منزله بمكّة، فمات. قيل: إنه مات يوم الأربعاء بين الصلاتين. انتهى ملخصا.

стр. 2122

سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة فيها توفي أبو القاسم الفضل بن عبد الله المحب، الواعظ النيسابوري، آخر أصحاب أبي الحسين الخفّاف موتا. روى عن العلويّ وغيره. وفيها أبو الفتيان بن حيّوس، الأمير مصطفى الدولة، محمد بن سلطان بن محمد بن حيّوس بن محمد بن المرتضى بن محمد بن القاسم بن عثمان، اللّغوي الشاعر المشهور. كان يدعى بالأمير، لأن أباه كان من أمراء العرب، وهو من فحول الشعراء الشاميين المجيدين. له ديوان شعر كبير. لقي جماعة من الملوك والأكابر، ومدحهم وأخذ جوائزهم، وكان منقطعا إلى بني مرداس أصحاب حلب، وله فيهم قصائد نفيسة، وكان قد أثرى وحصلت له نعمة ضخمة من بني مرداس فبنى دارا بمدينة حلب وكتب على بابها من شعره: دار بنيناها وعشنا بها ... في نعمة من آل مرداس قوم نفوا بؤسي ولم يتركوا ... عليّ للأيام من باس قل لبني الدّنيا ألا هكذا ... فليصنع النّاس مع النّاس ومن غرر قصائده السائرة قوله من قصيدة: هو ذاك ربع المالكية فاربع ... واسأل مصيفا عافيا عن مربع واستسق للدّمن [١] الخوالي بالحمى ... غرّ السحائب واعتذر عن أدمعي فلقد فنين أمام دان هاجر ... في قربه، ووراء ناء مزمع

стр. 2123

لو تخبر الركبان عني حدّثوا ... عن مقلة عبرى وقلب موجع ردّي لنا زمن الكثيب فإنّه ... زمن متى يرجع وصالك يرجع لو كنت عالمة بأدنى لوعة ... لرددت أقصى نيلك المسترجع بل لو قنعت من الغرام بمظهر ... عن مضمر بين الحشا والأضلع أغنيت إثر تعتّب ووصلت غ ... - بّ [١] تجنّب وبذلت بعد تمنّع ولو انني أنصفت نفسي صنتها ... عن أن أكون كطالب لم ينجع إني دعوت ندى الكرام فلم يجب ... فلأشكرنّ ندى أجاب وما دعي ومن العجائب والعجائب جمّة ... شكري بطيء عن ندى متسرع وله بيت مفرد في شرف الدولة سالم بن قريش: أنت الذي نفق الثناء بسوقه ... وجرى الندى بعروقه قبل الدّم ولما وصل ابن الخيّاط الشاعر إلى حلب، كتب لأبي الفتيان المذكور: لم يبق عندي ما يباع بدرهم ... وكفاك مني منظري عن مخبري إلّا بقية ماء وجه صنتها ... عن أن تباع وقد وجدتك مشتري فقيل له: لو قال: وأنت نعم المشتري كان أحسن. وكانت ولادة ابن حيّوس يوم السبت سلخ صفر، سنة أربع وسبعين [٢] وثلاثمائة، فيكون عمّر تسعة وتسعين سنة [٣] وهو شيخ ابن الخيّاط الشاعر المشهور. وحيّوس: بالحاء المهملة، والياء التحتية المشددة، وفي شعراء المغاربة ابن حبّوس بالباء الموحدة.

стр. 2124

سنة أربع وسبعين وأربعمائة فيها توفي أبو الوليد الباجي، سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب التّجيبي القرطبيّ [١] بالمريّة في رجب، عن إحدى وسبعين سنة. روى عن يونس بن عبد الله بن مغيث، ومكّي بن أبي طالب، وجاور ثلاثة أعوام، ولازم أبا ذرّ الهروي، وكان يمضي معه إلى السراة، ثم رحل إلى بغداد، وإلى دمشق. وروى عن عبد الرّحمن بن الطّبيز [٢] وطبقته بدمشق، وابن غيلان وطبقته ببغداد، وتفقه على أبي الطيب الطبري وجماعة، وأخذ الكلام بالموصل عن أبي جعفر السّمناني، وسمع الكثير، وبرع في الحديث، والفقه، والأصول، والنظر، وردّ إلى وطنه بعد ثلاث عشرة سنة بعلم جمّ، مع الفقر والقناعة، وكان يضرب ورق الذهب للغزل، ويعقد الوثائق، ثم فتحت عليه الدّنيا، وأجزلت صلاته، وولي قضاء أماكن، وصنّف التصانيف الكثيرة. قال أبو علي بن سكّرة: ما رأيت أحدا على سمته وهيئته وتوقير مجلسه. قاله في «العبر» [٣] .

стр. 2125

وقال ابن خلّكان [١] : كان من علماء الأندلس وحفّاظها. سكن شرق الأندلس، ورحل إلى المشرق سنة ست وعشرين وأربعمائة، فأقام بمكّة مع أبي ذرّ الهروي ثلاثة أعوام، وحجّ فيها أربع حجج، ثم رحل إلى بغداد وأقام بها ثلاثة أعوام يدرّس الفقه، ويملي الحديث، ولقي بها سادة من العلماء، كأبي الطيب الطبري، وأبي إسحاق الشيرازي، وأقام بالموصل مع أبي جعفر السّمناني عاما يدرس عليه الفقه، وكان مقامه بالمشرق نحو ثلاثة أعوام، وروى عن الحافظ أبي بكر الخطيب، وروى الخطيب أيضا عنه. وقال أنشدني أبو الوليد الباجي لنفسه: إذا كنت أعلم علما يقينا ... بأنّ جميع حياتي كساعه فلم لا أكون ضنينا بها ... وأجعلها في صلاح وطاعة؟! وصنّف كتبا كثيرة، منها «التعديل والتجريح فيمن روى عنه البخاري في الصحيح» وغير ذلك. وممّن أخذ عنه أبو عمر بن عبد البرّ صاحب «الاستيعاب» . وبينه وبين ابن حزم الظاهري مناظرات ومجالس. انتهى ملخصا. وقال ابن ناصر الدّين [٢] : أنكروا عليه في [إثباته] قصة الحديبية [٢] الكتابة وشنعوا عليه ذلك وقبحوا عند العامة جوابه، وقال قائلهم: برئت ممّن شرى دنيا بآخرة ... وقال: إنّ رسول الله قد كتبا انتهى. وفيها أبو القاسم بن البسري، علي بن أحمد البغدادي البندار.

стр. 2126

قال أبو سعد السمعاني: كان صالحا، ثقة، فهما، ورعا، مخلصا، عالما. سمع المخلّص وجماعة، وأجاز له ابن بطة، ونصر المرجي، وكان متواضعا حسن الأخلاق، ذا هيبة ووقار [١] . توفي في سادس رمضان. وفيها- وجزم ابن رجب أنه توفي في التي قبلها- علي بن محمد بن الفرج بن إبراهيم البزّاز الحنبلي، المعروف بابن أخي نصر العكبري. ذكره ابن الجوزي في «الطبقات» وقال: سمع من أبي علي بن بابشاد، والحسن بن شهاب العكبري، وكان له تقدم في القرآن، والحديث، والفقه، والفرائض، وجمع إلى ذلك النّسك والورع. وذكر ابن السمعاني نحو ذلك، ثم قال: كان فقيه الحنابلة بعكبرا، والمفتي بها، وكان خيّرا، ورعا، متزهدا، ناسكا، كثير العبادة. وكان له ذكر شائع في الخير، ومحل رفيع عند أهل بلده. وروى عنه إسماعيل بن السّمرقندي، وأخوه، وغيرهما. وفيها أبو بكر محمد بن المزكّي أبي زكريا يحيى بن إبراهيم بن محمد النيسابوري المزكّي المحدّث، من كبار الطلبة. كتب عن خمسمائة نفس، وأكثر عن أبيه، وأبي عبد الرحمن السّلمي، والحاكم. وروى عنه الخطيب مع تقدمه، وتوفي في رجب، ﵀. وفيها، وجزم ابن خلّكان [٢] وابن الأهدل أنه في التي قبلها. قال ابن الأهدل: وفي سنة ثلاث وسبعين، أبو الحسن علي بن محمد الصّليحي القائم باليمن. كان أبوه قاضيا باليمن سيء العقيدة، وكان الدّاعي عامر بن عبد الله الرّواحي يتردد إليه لرئاسته وصلاحه، فاستمال الدّاعي ولده المذكور، وهو دون البلوغ، قيل: إنه رأى حليته في «كتاب الصور» وتنقل حاله وما يؤول إليه، وهو عندهم من الذخائر القديمة المظنونة، فأطلعه على

стр. 2127

ذلك، وكتمه عن أبيه وأهله، ومات الرّواحيّ على القرب من ذلك، وأوصى له بكتبه، فعكف على درسها مع فطنته، فلم يبلغ الحلم حتى تضلع من علوم الباطنية الضلالية الأوهامية الإسماعيلية متبصرا في علم التأويل المخالف لمفهوم التنزيل، ثم صار يحجّ بالنّاس دليلا في طريق السّررات [١] والطائف خمس عشرة سنة، وشاع في الناس أنه يملك اليمن بأسره، وكان يكره من يقول له ذلك، فلما كان سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ارتقى جبل مسور وهو أعلى جبال اليمن ذروة ومعه ستون رجلا قد حالفهم بمكّة على الموت، فلما صعده لم ينتصف النهار حتّى أحاط به عشرون ألف ضارب، وقالوا: إن نزلت وإلّا قتلناك بالجوع، فقال لهم: لم أفعل ذلك إلّا خشية أن يركبه غيرنا ويملكونكم، فإن تركتموني وإلّا نزلت، فانصرفوا عنه، فبنى فيه بعد هذا واستعد بأنواع العدّة، واستفحل أمره، وكان يدعو للمنتصر العبيدي الباطني صاحب مصر خفية، ويخاف من نجاح صاحب تهامة اليمن ويداريه، حتّى قتله بالسم مع جارية جميلة أهداها له بالكدراء، ثم استأذن المنتصر في إظهار الدعوة فأذن له، فطوى البلاد، وافتتح الحصون سريعا، وقال في خطبته في جامع الجند: في مثل هذا اليوم يخطب على منبر عدن، ولم يكن ملكها بعد، فقال بعض من حضر: سبّوح قدّوس [٢] فالله أعلم، قالها استهزاء أو تعظيما، وكلا الأمرين لا ينبغي، وإن كان أحدهما أهون من الآخر، فكان

стр. 2128

كما قال. فقام ذلك الإنسان، وغلا في القول، ودخل في بيعته ومذهبه، واستقر ملكه في صنعاء، وولّى حصون اليمن غير أهلها، وحلف أن لا يولّي تهامة إلّا من وزن له مائة ألف دينار، فوزنتها زوجته أسماء بنت شهاب عن أخيها سعد بن شهاب، فولّاه، وقال: يا مولاتنا! أَنَّى لَكِ هذا؟ قالَتْ: هُوَ من عِنْدِ الله، إِنَّ الله يَرْزُقُ من يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ٣: ٣٧ [١] ، فتبسم وقال: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا ١٢: ٦٥. وعزم على الحجّ في سنة ثلاث وسبعين في ألف فارس، منهم من آل الصّليحي مائة وستون شخصا، واستخلف ولده أحمد المكّرم، فننزل بقرب المهجم بضيعة تسمى أمّ البهم، وبئر أمّ معبد، فهجمه سعيد الأحول بن نجاح، الذي كان قتله بالسم، ولم يشعر عسكره ونواحي جيشه إلّا وقد قتل، فانزعروا [٢] وفزعوا، وكان أصحاب الأحول سبعين رجلا رجالة، بيد كل واحد منهم جريدة في رأسها مسمار حديد، وتركوا جادة الطريق وسلكوا الساحل، فوصلوا في ثلاثة أيام، وكان الصّليحي قد سمع بهم وأرصد لهم نحو خمسة آلاف من الحبشة، فاختلف طريقهم، ولما رآهم الصّليحيّ مع ما هم فيه من التعب والجوع والحفاء، ظنّ أنهم من جملة عسكره، فقال له أخوه: اركب فهذا والله الأحول، فلم يبرح الصّليحيّ من مكانه، حتّى وصل إليه الأحول، فقتله وقتل أخاه وسائر الصّليحيين، وصالح بقية العسكر، وقال: إنما أخذت بثأري، ثم رفع رأس الصّليحيّ على رأس عود المظلّة، وقرأ القارئ: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ من تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ٣: ٢٦ الآية [آل عمران: ٢٦] ورجع الأحول إلى زبيد سالما غانما.

стр. 2129

وكان قد قام بالدعوة الباطنية قبل الصّليحي علي بن فضل من ولد خنفر بن سبأ [١] سنة سبعين ومائتين، وملك تهامة وجبالها، وطرد الناصر بن الهادي، والله أعلم. انتهى ما أورده ابن الأهدل اليمني في «تاريخه» . وفيها قتيبة العثماني، أبو رجاء النّسفي، قتيبة بن محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان. كان حافظا مشهورا. قاله ابن ناصر الدّين [٢] .

стр. 2130

سنة خمس وسبعين وأربعمائة فيها توفي محدّث أصبهان ومسندها، عبد الوهاب بن الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن مندة، أبو عمرو العبديّ الأصبهاني، الثقة المكثر. سمع أباه، وأبا [إسحاق بن] خرّشيذ قوله [١] وجماعة، وتوفي في جمادى الآخرة. وفيها محمد بن أحمد بن علي السّمسار، أبو بكر الأصبهاني. روى عن إبراهيم بن خرّشيذقوله وجماعة، ومات في شوال وله مائة سنة. وروى عنه خلق كثير. وفيها أبو الفضل المطهّر بن عبد الواحد البزاني [٢] الأصبهاني، توفي فيها أو في حدودها. روى عن ابن المرزبان الأبهري جزء لوين، وعن ابن مندة، وابن خرّشيذقوله. وفيها عبد الرحمن بن محمد بن ثابت النّابتي الخرقي- منسوب إلى خرق، بخاء معجمة مفتوحة ثم راء ساكنة، بعدها قاف، قرية من قرى مرو- المعروف بمفتي الحرمين، تفقه أولا بمرو على البوراني ثم بمرو الرّوذ على

стр. 2131

القاضي الحسين، ثم ببخارى على أبي سهل الأبيوردي، ثم ببغداد على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي. وسمع الحديث وأسمع، ثم حجّ وجاور بمكّة سنة، ثم رجع إلى وطنه، وسكن قريته، واشتغل بالزهد والفتوى، إلى أن مات في شهر ربيع الأول.

стр. 2132

سنة ست وسبعين وأربعمائة فيها عزم أهل حرّان، وقاضيهم ابن جلبة الحنبلي على تسليم حرّان إلى جنق [١] أمير التّركمان، لكونه سنّيّا، وعصوا على [٢] مسلم بن قريش، صاحب الموصل، لكونه رافضيا، ولكونه مشغولا بمحاصرة دمشق مع المصريين. كانوا يحاصرون بها تاج الدولة تتش [٣] فأسرع إلى حرّان، ورماها بالمجانيق، وأخذها، وذبح القاضي وولديه رحمهم الله تعالى. قاله في «العبر» [٤] . وفيها توفي الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآباذي الشافعي، جمال الدّين. أحد الأعلام، وله ثلاث وثمانون سنة. تفقه بشيراز، وقدم بغداد، وله اثنتان وعشرون سنة، فاستوطنها ولزم القاضي أبا الطيب إلى أن صار معيده في حلقته، وكان أنظر أهل زمانه، وأفصحهم وأورعهم، وأكثرهم تواضعا وبشرا، وانتهت إليه رئاسة المذهب في الدّنيا. روى عن أبي علي بن شاذان، والبرقاني، ورحل إليه الفقهاء من الأقطار،

стр. 2133

وتخرّج به أئمة كبار، ولم يحجّ ولا وجب عليه، لأنه كان فقيرا متعفّفا، قانعا باليسير. ودرّس بالنظامية، وله شعر حسن. توفي في الحادي والعشرين من جمادى الآخرة. قاله في «العبر» [١] . وقال ابن قاضي شهبة [٢] : قال الشيخ أبو إسحاق: كنت أعيد كل قياس ألف مرة، فإذا فرغت أخذت قياسا آخر على هذا، وكنت أعيد كل درس مائة مرة، وإذا كان في المسألة بيت يستشهد به، حفظت القصيدة التي فيها البيت. وكانت الطلبة ترحل من الشرق والغرب إليه، والفتاوى تحمل من البرّ والبحر إلى بين يديه. قال ﵀: لما خرجت في رسالة الخليفة إلى خراسان، لم أدخل بلدا ولا قرية إلّا وجدت قاضيها، أو خطيبها، أو مفتيها، من تلامذتي. وبنيت له النظامية ودرّس بها إلى حين وفاته، ومع هذا فكان لا يملك شيئا من الدنيا، بلغ به الفقر حتّى كان لا يجد في بعض الأوقات قوتا ولا لباسا، وكان طلق الوجه، دائم البشر، كثير البسط، حسن المجالسة، يحفظ كثيرا من الحكايات الحسنة والأشعار، وله شعر حسن. قال أبو بكر الشّاشي: الشيخ أبو إسحاق حجّة الله تعالى على أئمة العصر. وقال ابن السمعاني: إن الشيخ أبا إسحاق قال: كنت نائما ببغداد، فرأيت رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر، فقلت [٣] : يا رسول الله، بلغني

стр. 2134

عنك أحاديث كثيرة عن ناقلي الأخبار، وأريد أن أسمع منك خبرا أتشرف به في الدّنيا، وأجعله ذخيرة للآخرة. فقال لي: «يا شيخ» وسمّاني شيخا، وخاطبني به،- وكان يفرح بهذا- ثم قال: «قل عنّي، من أراد السّلامة فليطلبها في سلامة غيره» . وقد أخذ هذا المعنى بعضهم فنظمه في أبيات هي كالشرح لهذا الخبر، فقال: إذا [١] شئت أن تحيا ودينك سالم ... وحظّك موفور وعرضك صين لسانك لا تذكر به عورة امرئ ... فعندك عورات وللنّاس ألسن وعينك إن أبدت إليك معايبا ... لقوم فقل: يا عين للنّاس أعين وصاحب بمعروف وجانب من اعتدى ... وفارق ولكن بالتي هي أحسن وقال ابن الأهدل: لما قدم الشيخ نيسابور رسولا من جهة المقتدر، تلقاه النّاس، وحمل إمام الحرمين الغاشية بين يديه وناظره، فغلبه الشيخ بقوة الجدل قيل: [قال] له: ما غلبتني إلّا بصلاحك. ولما شافهه المقتدر بالرسالة، قال له: وما يدريني أنك الخليفة ولم أرك قبلها، فتبسم، وطلب من عرّفه به، وتراكب الناس عليه في بلاد العجم، حتّى تمسحوا بأطراف ثيابه وتراب نعليه. ومن شعره ﵁: سألت النّاس عن خلّ وفي ... فقالوا ما إلى هذا سبيل تمسّك إن ظفرت بودّ حرّ ... فإنّ الحرّ في الدّنيا قليل وذكر النووي في «تهذيبه» [٢] أن الشيخ أبا إسحاق كان طارحا للتكلف.

стр. 2135

وروي أنه جيء بسؤال وهو عند دكان خباز أو بقّال، فأخذ قلمه ودواته وأجاب على السؤال، ثم مسح بالقلم ثوبه. وعلى الجملة فإنه ممّن أطبق الناس على فضله وسعة علمه، وحسن سمته وصلاحه، مع القبول التام من الخاص والعام، وقد أثنى عليه علماء وقته بما يطول شرحه. وقال فيه عاصم بن الحسين: تراه من الذّكاء نحيف جسم ... عليه من توقّده [١] دليل إذا كان الفتى ضخم المعاني ... فليس يضره [٢] الجسم النّحيل وله مؤلفات كثيرة شهيرة نافعة، رحمه الله تعالى. وفيها أبو الوفاء، طاهر بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن القوّاس البغدادي، الفقيه الحنبلي، الزاهد الورع. ولد سنة تسعين وثلاثمائة، وقرأ القرآن [٣] على أبي الحسن الحمّامي، وسمع الحديث من هلال الحفّار، وأبي الحسين بن بشران، وغيرهما [٤] . وتفقه أولا على القاضي [أبي الطيب الطبري الشافعي، ثم تركه، وتفقّه على القاضي] [٥] أبي يعلى، ولازمه حتّى برع في الفقه، وأفتى ودرّس، وكانت له حلقة بجامع المنصور للفتوى والمناظرة، وكان يلقي المختصرات من تصانيف

стр. 2136

شيخه القاضي أبي يعلى، ويلقي مسائل الخلاف درسا، وكان إليه المنتهى في العبادة، والزهد، والورع. وذكره ابن السمعاني في «تاريخه» فقال: من أعيان فقهاء الحنابلة وزهّادهم، كان قد أجهد نفسه في الطاعة والعبادة، واعتكف في بيت الله خمسين سنة، وكان يواصل الطاعة ليله بنهاره، وكان قارئا للقرآن [١] ، فقيها، ورعا، خشن العيش. انتهى. وكانت له كرامات ظاهرة، ذكر ابن شافع في ترجمة صاحبه أبي الفضل بن العالمة الإسكاف المقرئ، أنّه كان يحكي من كرامات الشيخ أبي الوفاء أشياء عجيبة، منها أنه قال: كنت أحمل معي رغيفين كل يوم فأعبر- يعني في السفينة- برغيف، وأمشي إلى مسجد الشيخ فأقرأ، ثم أعود ماشيا إلى ذلك الموضع، فأنزل بالرغيف الآخر، فلما كان يوم من الأيام أعطيت الملاح الرغيف، فرمى به واستقله، فألقيت إليه الرغيف الآخر، وتشوش قلبي لما جرى، وجئت إلى الشيخ، فقرأت عليه عادتي، وقمت على العادة، فقال لي: قف، ولم تجر عادته قطّ بذلك، ثم أخرج من تحت وطائه قرصا فقال: أعبر بهذا. وفيها عبد الوهاب [٢] بن أحمد بن عبد الوهاب بن جلبة البغدادي ثم الحرّاني، الخزّاز أبو الفتح، قاضي حرّان. اشتغل ببغداد، وتفقه بها على القاضي أبي يعلى، وسمع الحديث من البرقاني، وأبي طالب العشاري، وأبي على بن شاذان، وغيرهم. ثم استوطن حرّان، وصحب بها الشريف أبا القاسم الزيدي، وأخذ عنه، وتولى بها القضاء.

стр. 2137

قال عنه ابن السمعاني: كان فقيها، واعظا، فصيحا. وقال ابن أبي يعلى [١] : كان يلي قضاء حرّان من قبل الوالد، كتب له عهدا بولاية القضاء بحرّان. وكان ناشرا للمذهب، داعيا إليه، وكان مفتي حرّان، وواعظها، وخطيبها، ومدرّسها. وقال ابن رجب [٢] : له تصانيف كثيرة. وسمع منه جماعة، منهم: هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي، ومكّي الرّميلي وغيرهما. وفي زمانه كانت حرّان لمسلم بن قريش صاحب الموصل، وكان رافضيا، فعزم القاضي أبو الفتح على تسليم حرّان إلى جبق [٣] أمير التّركمان لكونه سنيا، فأسرع ابن قريش إلى حرّان، وحصرها، ورماها بالمجانيق، وهدم سورها، وأخذها، ثم قتل القاضي أبا الفتح، وولديه، وجماعة من أصحابه، وصلبهم على السور، وقبورهم بحرّان تزار، رحمة الله عليهم. وذكر ابن تيمية في «شرح العمدة» أن أبا الفتح بن جلبة كان يختار استحباب مسح الأذنين بماء جديد، بعد مسحهما بماء الرأس، وهو غريب جدا. وفيها أبو محمد عبد الله بن عطاء بن عبد الله بن أبي منصور بن الحسن بن إبراهيم الإبراهيمي الهروي، المحدّث الحافظ، أحد الحفّاظ المشهورين الرّحالين. سمع بهراة من عبد الواحد المليحي، وشيخ الإسلام الأنصاري، وببوشنج من أبي الحسن الدّاوودي، وبنيسابور من أبي القاسم القشيري وجماعة، وببغداد من ابن النّقور وطبقته، وبأصبهان من عبد الوهاب، وعبد الرحمن ابني مندة، وجماعة. وكتب بخطه الكثير، وخرّج

стр. 2138

التاريخ للشيوخ، وحدّث، وروى عنه أبو محمد سبط الخيّاط، وابن الزعفراني، وآخر من روى عنه أبو المعالي بن النّحاس، ووثّقه طائفة، منهم: المؤتمن السّاجي. وقال شهردار الدّيلمي عنه: كان صدوقا، حافظا، متقنا، واعظا، حسن التذكير [١] ، وقد تكلم فيه هبة الله السقطي- والسقطيّ مجروح لا يقبل قوله- وقد ردّ قوله ابن السمعاني، وابن الجوزي، وغيرهما، وتوفي في طريق مكّة بعد عوده منها، على يومين من البصرة. وفيها أبو الخطّاب، علي بن أحمد بن عبد الله المقرئ الصّوفي المؤدب البغدادي. ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وقرأ على أبي الحسن الحمّامي وغيره بالسبع، وقرأ عليه خلق كثير، منهم أبو الفضل بن المهتدي، وروى عنه الحديث أبو بكر بن عبد الباقي وغيره، وله مصنف في السبعة [٢] ، وقصيدة في السنّة، وقصيدة في عدد الآي، وكان من شيوخ الإقراء ببغداد المشهورين، ومن حنابلتها المجتهدين، وكان سابقا شافعيا، ثم رأى الإمام أحمد، وسأله عن أشياء، وأصبح وقد تحنبل، وصنّف في معتقدهم. وفيها أبو حكيم [٣] الخبري- نسبة إلى خبر بنواحي شيراز- كان فقيها صالحا، وكان يكتب في مصحف، فألقى القلم من يده واستند، وقال: والله إن هذا هو موت هنيّ طيب ثم مات، رحمه الله تعالى. قاله ابن الأهدل. وفيها البكري، أبو بكر، المغربي [٤] الواعظ، من دعاة الأشعرية،

стр. 2139

وفد على نظام الملك بخراسان، فنفق عليه، وكتب له سجلا أن يجلس بجوامع بغداد، فقدم وجلس ووعظ، ونال من الحنابلة سبّا وتكفيرا، ونالوا منه، ولم تطل مدته. قاله في «العبر» [١] . وفيها أبو طاهر، محمد بن أحمد بن محمد أبي الصّقر اللّخمي الأنباري الخطيب، في جمادى الآخرة، وله ثمانون سنة. سمع بالحجاز، والشام، ومصر، وأكبر مشايخه ابن أبي نصر التميمي. وفيها مقرئ الأندلس في زمانه، أبو عبد الله محمد بن شريح [٢] الرّعيني الإشبيلي المقرئ، مصنف كتاب «الكافي» وكتاب «التذكير» توفي في شوال، وله أربع وثمانون سنة، وقد حجّ وسمع من أبي ذرّ الهروي، وجماعة [٣] .

стр. 2140

سنة سبع وسبعين وأربعمائة فيها توفي إسماعيل بن مسعدة بن إسماعيل بن الإمام أبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الجرجاني أبو القاسم، صدر، عالم، نبيل، وافر [١] ، له يد في النظم والنثر. روى عن حمزة السّهمي وجماعة، وعاش سبعين سنة، وروى «الكامل» لابن عدي. وفيها بيبى [٢] بنت عبد الصمد بن علي أمّ الفضل، وأمّ عزّى [٣] الهرثميّة الهرويّة، لها جزء مشهور، ترويه عن عبد الرحمن بن أبي شريح، توفيت في هذه السنة أبو في التي بعدها، وقد استكملت تسعين سنة. وفيها أبو سعد، عبد الله بن الإمام عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري، أكبر الإخوة، في ذي القعدة، وله أربع وستون سنة. روى عن القاضي أبي بكر الحيري، وجماعة، وعاشت أمّه فاطمة بنت أبي علي الدّقّاق بعده أربعة أعوام. قال ابن الأهدل: الإمام الكبير البارع، أبو سعيد [٤] . كانت فيه أوصاف قلّ أن يحتويها إنسان، أو يعبّر عنها لسان، وكان أبوه يحترمه ويعامله معاملة الأقران لما ظهر له منه.
следующие страницы →