شيخه القاضي أبي يعلى، ويلقي مسائل الخلاف درسا، وكان إليه المنتهى في العبادة، والزهد، والورع.
وذكره ابن السمعاني في «تاريخه» فقال: من أعيان فقهاء الحنابلة وزهّادهم، كان قد أجهد نفسه في الطاعة والعبادة، واعتكف في بيت الله خمسين سنة، وكان يواصل الطاعة ليله بنهاره، وكان قارئا للقرآن [١] ، فقيها، ورعا، خشن العيش. انتهى.
وكانت له كرامات ظاهرة، ذكر ابن شافع في ترجمة صاحبه أبي الفضل بن العالمة الإسكاف المقرئ، أنّه كان يحكي من كرامات الشيخ أبي الوفاء أشياء عجيبة، منها أنه قال: كنت أحمل معي رغيفين كل يوم فأعبر- يعني في السفينة- برغيف، وأمشي إلى مسجد الشيخ فأقرأ، ثم أعود ماشيا إلى ذلك الموضع، فأنزل بالرغيف الآخر، فلما كان يوم من الأيام أعطيت الملاح الرغيف، فرمى به واستقله، فألقيت إليه الرغيف الآخر، وتشوش قلبي لما جرى، وجئت إلى الشيخ، فقرأت عليه عادتي، وقمت على العادة، فقال لي: قف، ولم تجر عادته قطّ بذلك، ثم أخرج من تحت وطائه قرصا فقال:
أعبر بهذا.
وفيها عبد الوهاب [٢] بن أحمد بن عبد الوهاب بن جلبة البغدادي ثم الحرّاني، الخزّاز أبو الفتح، قاضي حرّان. اشتغل ببغداد، وتفقه بها على القاضي أبي يعلى، وسمع الحديث من البرقاني، وأبي طالب العشاري، وأبي على بن شاذان، وغيرهم. ثم استوطن حرّان، وصحب بها الشريف أبا القاسم الزيدي، وأخذ عنه، وتولى بها القضاء.
стр. 2137
قال عنه ابن السمعاني: كان فقيها، واعظا، فصيحا.
وقال ابن أبي يعلى [١] : كان يلي قضاء حرّان من قبل الوالد، كتب له عهدا بولاية القضاء بحرّان. وكان ناشرا للمذهب، داعيا إليه، وكان مفتي حرّان، وواعظها، وخطيبها، ومدرّسها.
وقال ابن رجب [٢] : له تصانيف كثيرة. وسمع منه جماعة، منهم: هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي، ومكّي الرّميلي وغيرهما. وفي زمانه كانت حرّان لمسلم بن قريش صاحب الموصل، وكان رافضيا، فعزم القاضي أبو الفتح على تسليم حرّان إلى جبق [٣] أمير التّركمان لكونه سنيا، فأسرع ابن قريش إلى حرّان، وحصرها، ورماها بالمجانيق، وهدم سورها، وأخذها، ثم قتل القاضي أبا الفتح، وولديه، وجماعة من أصحابه، وصلبهم على السور، وقبورهم بحرّان تزار، رحمة الله عليهم.
وذكر ابن تيمية في «شرح العمدة» أن أبا الفتح بن جلبة كان يختار استحباب مسح الأذنين بماء جديد، بعد مسحهما بماء الرأس، وهو غريب جدا.
وفيها أبو محمد عبد الله بن عطاء بن عبد الله بن أبي منصور بن الحسن بن إبراهيم الإبراهيمي الهروي، المحدّث الحافظ، أحد الحفّاظ المشهورين الرّحالين. سمع بهراة من عبد الواحد المليحي، وشيخ الإسلام الأنصاري، وببوشنج من أبي الحسن الدّاوودي، وبنيسابور من أبي القاسم القشيري وجماعة، وببغداد من ابن النّقور وطبقته، وبأصبهان من عبد الوهاب، وعبد الرحمن ابني مندة، وجماعة. وكتب بخطه الكثير، وخرّج
стр. 2138
التاريخ للشيوخ، وحدّث، وروى عنه أبو محمد سبط الخيّاط، وابن الزعفراني، وآخر من روى عنه أبو المعالي بن النّحاس، ووثّقه طائفة، منهم:
المؤتمن السّاجي.
وقال شهردار الدّيلمي عنه: كان صدوقا، حافظا، متقنا، واعظا، حسن التذكير [١] ، وقد تكلم فيه هبة الله السقطي- والسقطيّ مجروح لا يقبل قوله- وقد ردّ قوله ابن السمعاني، وابن الجوزي، وغيرهما، وتوفي في طريق مكّة بعد عوده منها، على يومين من البصرة.
وفيها أبو الخطّاب، علي بن أحمد بن عبد الله المقرئ الصّوفي المؤدب البغدادي.
ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وقرأ على أبي الحسن الحمّامي وغيره بالسبع، وقرأ عليه خلق كثير، منهم أبو الفضل بن المهتدي، وروى عنه الحديث أبو بكر بن عبد الباقي وغيره، وله مصنف في السبعة [٢] ، وقصيدة في السنّة، وقصيدة في عدد الآي، وكان من شيوخ الإقراء ببغداد المشهورين، ومن حنابلتها المجتهدين، وكان سابقا شافعيا، ثم رأى الإمام أحمد، وسأله عن أشياء، وأصبح وقد تحنبل، وصنّف في معتقدهم.
وفيها أبو حكيم [٣] الخبري- نسبة إلى خبر بنواحي شيراز- كان فقيها صالحا، وكان يكتب في مصحف، فألقى القلم من يده واستند، وقال: والله إن هذا هو موت هنيّ طيب ثم مات، رحمه الله تعالى. قاله ابن الأهدل.
وفيها البكري، أبو بكر، المغربي [٤] الواعظ، من دعاة الأشعرية،
стр. 2139
وفد على نظام الملك بخراسان، فنفق عليه، وكتب له سجلا أن يجلس بجوامع بغداد، فقدم وجلس ووعظ، ونال من الحنابلة سبّا وتكفيرا، ونالوا منه، ولم تطل مدته. قاله في «العبر» [١] .
وفيها أبو طاهر، محمد بن أحمد بن محمد أبي الصّقر اللّخمي الأنباري الخطيب، في جمادى الآخرة، وله ثمانون سنة. سمع بالحجاز، والشام، ومصر، وأكبر مشايخه ابن أبي نصر التميمي.
وفيها مقرئ الأندلس في زمانه، أبو عبد الله محمد بن شريح [٢] الرّعيني الإشبيلي المقرئ، مصنف كتاب «الكافي» وكتاب «التذكير» توفي في شوال، وله أربع وثمانون سنة، وقد حجّ وسمع من أبي ذرّ الهروي، وجماعة [٣] .
стр. 2140
سنة سبع وسبعين وأربعمائة
فيها توفي إسماعيل بن مسعدة بن إسماعيل بن الإمام أبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الجرجاني أبو القاسم، صدر، عالم، نبيل، وافر [١] ، له يد في النظم والنثر. روى عن حمزة السّهمي وجماعة، وعاش سبعين سنة، وروى «الكامل» لابن عدي.
وفيها بيبى [٢] بنت عبد الصمد بن علي أمّ الفضل، وأمّ عزّى [٣] الهرثميّة الهرويّة، لها جزء مشهور، ترويه عن عبد الرحمن بن أبي شريح، توفيت في هذه السنة أبو في التي بعدها، وقد استكملت تسعين سنة.
وفيها أبو سعد، عبد الله بن الإمام عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري، أكبر الإخوة، في ذي القعدة، وله أربع وستون سنة. روى عن القاضي أبي بكر الحيري، وجماعة، وعاشت أمّه فاطمة بنت أبي علي الدّقّاق بعده أربعة أعوام.
قال ابن الأهدل: الإمام الكبير البارع، أبو سعيد [٤] . كانت فيه أوصاف قلّ أن يحتويها إنسان، أو يعبّر عنها لسان، وكان أبوه يحترمه ويعامله معاملة الأقران لما ظهر له منه.
стр. 2141
وفيها عبد الرحمن بن محمد بن عفيف البوشنجي، آخر أصحاب عبد الرحمن بن أبي شريح [الهروي] موتا [١] ، وهو من كبار شيوخ أبي الوقت.
وفيها أبو نصر بن الصّبّاغ، عبد السيّد بن محمد بن عبد الواحد البغدادي الشافعي، أحد الأئمة، ومؤلّف «الشامل» [٢] كان نظير الشيخ أبي إسحاق [٣] ، ومنهم من يقدّمه على أبي إسحاق في نقل المذهب، وكان ثبتا، حجّة، ديّنا، خيّرا، ولي النظامية بعد أبي إسحاق، ثم كفّ بصره. وروى عن محمد بن الحسين القطّان، وأبي علي بن شاذان، وكان مولده في سنة أربعمائة، توفي في جمادى الأولى ببغداد، ودفن في داره. قاله في «العبر» [٤] .
وقال ابن شهبة [٥] . كان ورعا، نزها، ثبتا، صالحا، زاهدا، فقيها، أصوليا، محقّقا.
قال ابن عقيل: كملت له شرائط الاجتهاد المطلق.
وقال ابن خلّكان: كان ثبتا، صالحا، له كتاب «الشامل» وهو من أصح كتب أصحابنا وأتقنها أدلة.
قال ابن كثير [٦] : وكان من أكابر أصحاب الوجوه، ومن تصانيفه كتاب «الكامل» في الخلاف بيننا وبين الحنفية، وكتاب «الطريق السالم» و «العمدة في أصول الفقه» .
стр. 2142
وفيها أبو علي الفارمذي- بفتح الفاء والراء والميم ومعجمة [١] نسبة إلى فارمذ قرية بطّوس- الفضل بن محمد الزاهد، شيخ خراسان.
قال عبد الغافر: هو شيخ الشيوخ في عصره، المنفرد بطريقته في التذكير، التي لم يسبق إليها في عبارته وتهذيبه، وحسن أدائه، ومليح استعارته، [ودقيق إشارته] ورقة ألفاظه.
دخل نيسابور، وصحب القشيري، وأخذ في الاجتهاد البالغ، إلى أن قال: وحصل له عند نظام الملك [قبول] [٢] خارج عن الحدّ. روى عن أبي عبد الله بن باكويه، وجماعة، وعاش سبعين سنة. توفي في ربيع الآخر.
قاله في «العبر» [٣] .
وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في «طبقات الأولياء» : كان عالما، شافعيا، عارفا بمذاهب السّلف، ذا خبرة بمناهج الخلف، وأما التصوف فذاك عشّه الذي منه درج، وغابه الذي ألفه ليثه ودخل وخرج، تفقه على الغزالي الكبير، وأبى عثمان الصّابوني، وغيرهما، وأخذ عنه حجّة الإسلام، وجدّ واجتهد، وكان ملحوظا من القشيري بعين العناية، موفرا عليه منه طريق الهداية، حتّى فتح عليه لوامع من أنواع المجاهدة، وصار من مذكوري الزمان ومشهوري المشايخ، وكان لسان الوقت.
وقال السمعاني [٤] : كان لسان خراسان، وشيخها، وصاحب الطريقة الحسنة في [٥] تربية المريدين، وكان مجلس وعظه روضة ذات أزهار.
стр. 2143
وفيها محمد بن عمّار أبو بكر المهري، ذو الوزارتين، شاعر الأندلس، كان هو وابن زيدون كفرسي رهان وكان ابن عمّار قد اشتمل عليه المعتمد وبلغ الغاية، إلى أن استوزره، ثم جعله نائبا على مرسية، فخرج عليه، ثم ظفر به المعتمد فقتله.
قال ابن خلّكان [١] : وكانت ملوك الأندلس تخاف ابن عمّار لبذاءة لسانه وبراعة إحسانه، لا سيما حين اشتمل عليه المعتمد على الله بن عبّاد صاحب غرب الأندلس، وأنهضه جليسا وسميرا، وقدّمه وزيرا ومشيرا، ثم رجّع إليه [٢] خاتم الملك، ووجهه أميرا، وقد أتى عليه حين من الدّهر لم يكن شيئا مذكورا، فتبعته المواكب، والمضارب، والجنائب، والنجائب، والكتائب، وضربت خلفه الطبول، ونشرت على رأسه الرايات والبنود، فملك مدينة تدمير [٣] وأصبح راقي منبر وسرير، مع ما كان فيه من عدم السياسة وسوء التدبير، ثم وثب على مالك رقّه، ومستوجب شكره ومستحقه، فبادر إلى عقوقه وبخس [٤] حقوقه، فتحيّل المعتمد عليه، وسدّد سهام المكائد إليه، حتّى حصل في يده قنيصا [٥] ، وأصبح لا يجد له محيصا، إلى أن قتله المعتمد بيده ليلا في قصره بمدينة إشبيلية.
وكانت ولادته في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، ولما قتله المعتمد، رثاه صاحبه ابن وهبون الأندلسي بقوله من جملة قصيدة:
عجبا له أبكيه ملء مدامعي ... وأقول: لا شلّت يمين القاتل
стр. 2144
ومن مشاهير قصائد ابن عمّار:
أدر الزجاجة فالنّسيم قد انبرى ... والنّجم قد صرف العنان عن السّرى
والصّبح قد أهدى لنا كافوره ... لما استردّ اللّيل منّا العنبرا
ومن مديحها [١] وهي في المعتمد بن عبّاد:
ملك إذا ازدحم الملوك بمورد ... ونحاه لا يردون حتّى يصدرا
أندى على الأكباد من قطر النّدى ... وألذ في الأجفان من سنة الكرى
قدّاح زند المجد لا ينفك عن [٢] ... نار الوغى إلّا إلى نار القرى
ومن جملة ذنوبه عند المعتمد بيتان هجاه وهجا ابنه المعتضد بهما وهما:
مما يقبّح عندي ذكر أندلس ... سماع معتضد فيها ومعتمد
أسماء مملكة في غير موضعها ... كالهرّ يحكي انتفاخا صولة الأسد
وكان أقوى الأسباب على قتله أنه هجاه بشعر ذكر فيه أم بنيه المعروفة بالرّميكية، منها:
تخيّرها [٣] من بنات الهجان ... رميكيّة [٤] لا تساوي عقالا
فجاءت بكلّ قصير الذراع ... لئيم النّجارين [٥] عمّا وخالا
وهذه الرّميكيّة [٤] كانت سريّة المعتمد، اشتراها من رميك بن حجّاج، فنسبت إليه، وكان قد اشتراها في أيام أبيه المعتضد، وأفرط في الميل إليها،
стр. 2145
وغلبت عليه، واسمها اعتماد، وهي التي أغرت المعتمد على قتل ابن عمّار لكونه هجاها.
وفيها مسعود بن ناصر السّجزي [١] أبو سعيد الرّكّاب، الحافظ، رحل، وصنّف، وحدّث عن أبي حسّان المزكّي، وعلي بن بشر بن اللّيثي، وطبقتهما، ورحل إلى بغداد، وإصبهان.
قال الدّقاق: ولم أر [في المحدّثين] [٢] أجود إتقانا ولا أحسن ضبطا منه.
توفي بنيسابور في جمادى الأولى.
стр. 2146
سنة ثمان وسبعين وأربعمائة
فيها أخذ الأذفونش [١] لعنه الله، مدينة طليطلة من الأندلس، بعد حصار سبع سنين، فطغى وتمرد، وحملت إليه ملوك الأندلس الضريبة، حتّى المعتمد بن عبّاد، ثم استعان المعتمد على حربه بالملثّمين، وأدخلهم الأندلس.
وفيها توفي أبو العبّاس العذري، أحمد بن عمر بن أنس بن دلهاث الأندلسي الدّلائي- ودلايه من عمل المريّة- كان حافظا، محدّثا، متقنا، مات في شعبان، وله خمس وثمانون سنة. حج سنة ثمان وأربعمائة مع أبويه، فجاوروا ثمانية أعوام، وصحب هو أبا ذرّ، فتخرّج به، وروى عن أبي الحسن بن جهضم وطائفة، ومن جلالته أن إمامي الأندلس ابن عبد البرّ، وابن حزم، رويا عنه، وله كتاب «دلائل النبوة» .
وفيها أبو سعد المتولّي، عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري، شيخ الشافعية، وتلميذ القاضي الحسين، وهو صاحب «التّتمة» تمم به «الإبانة» لشيخه أبي القاسم الفوراني، تفقه بمرو على الفوراني، وبمرو الرّوذ على القاضي حسين، وببخارى على أبي سهل الأبيوردي، وبرع في الفقه، والأصول، والخلاف.
стр. 2147
قال الذهبي: كان فقيها محقّقا، وحبرا مدقّقا.
وقال ابن كثير [١] : هو أحد أصحاب الوجوه في المذهب، وصنّف «التتمة» ولم يكمله، وصل فيه إلى القضاء، وأكمله غير واحد، ولم يقع شيء من تكملتهم على نسبته، وصنّف كتابا في أصول الدّين، وكتابا في الخلاف، ومختصرا في الفرائض، ومولده بنيسابور، سنة ست. وقيل: سبع وعشرين وأربعمائة، وتوفي ببغداد في شوال.
قال ابن خلّكان [٢] : ولم أقف على المعنى الذي سمّي به المتولّي.
وفيها أبو المعالي أحمد بن مرزوق بن عبد الرزاق الزّعفراني [٣] الحنبلي، المحدّث. سمع الكثير، وطلب بنفسه، وكتب بخطّه.
قال أبو علي البرداني: كان همّه [٤] جمع الحديث وطلبه، حدّث باليسير عن أحمد بن عمر بن الأحصر، وأبي الحسين العكبري وغيرهم، وروى عنه البرداني، وقال: إنه مات ليلة الثلاثاء، مستهل المحرم.
وفيها أبو معشر الطبري، عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري القطّان المقرئ، نزيل مكّة، وصاحب كتاب «التلخيص» وغيره. قرأ بحرّان على أبي القاسم الزّيدي، وبمكّة على الكارزيني، وبمصر على جماعة، وروى عن أبي عبد الله بن نظيف، وجلس للإقراء بمكّة.
وفيها إمام الحرمين، أبو المعالي الجويني، عبد الملك بن أبي محمد عبد الله بن يوسف، الفقيه الشافعي ضياء الدّين. أحد الأئمة الأعلام.
стр. 2148
قال ابن الأهدل: تفقه على والده في صباه، واشتغل به مدته، فلما توفي والده، أتى على جميع مصنّفاته، ونقلها ظهرا لبطن، وتصرّف فيها، وخرّج المسائل بعضها على بعض، ولم يرض بتقليد والده من كل وجه، حتى أخذ في تحقيق المذهب والخلاف، وسلك طريق المباحثة والمناظرة، وجمع الطرق بالمطالعة، حتّى أربى على المتقدمين، وأنسى مصنّفات الأولين. توفي والده وهو دون العشرين سنة، فأقعد مكانه للتدريس، وكان يتردد إلى المشايخ في أنواع العلوم، حتى ظهرت براعته، ولما ظهر التعصب بين الأشعرية والمبتدعة، خرج مع المشايخ إلى بغداد، فلقي الأكابر، وناظر، فظهرت فطنته، وشاع ذكره، ثم خرج إلى مكة، فجاور بها أربع سنين ينشر العلم، ولهذا قيل له: إمام الحرمين، ثم رجع بعد مضي نوبة التعصب إلى نيسابور في ولاية ألب أرسلان السّلجوقي، ثم قدم بغداد، فتولى تدريس النظامية، والخطابة، والتذكير، والإمامة، وهجرت له المجالس، وانغمر ذكر غيره من العلماء، وشاعت مصنفاته وبركاته، وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو ثلاثمائة رجل، من الطلبة، والأئمة، وأولاد الصدور، وحصل له من القبول عند السلطان ما هو لائق بمنصبه، بحيث لا يذكر غيره والمقبول من انتمى إليه وقرأ عليه، وصنّف النظامي والغيّاثي، فقوبل بما يليق به من الشكر، والخلع الفائقة، والمراكب الثمينة، ثم قلّد رعاية الأصحاب، ورئاسة الطائفة، وفوّض إليه أمر الأوقاف، وسار إلى أصبهان بسبب مخالفة الأصحاب، فقابله نظام الملك بما هو لائق بمنصبه، وعاد إلى نيسابور، وصار أكثر عنايته ب- «نهاية المطلب في دراية المذهب» وأودعه من التدقيق والتحقيق ما تعلم به مكانته من العلم والفهم، واعترف أهل وقته بأنه لم يصنّف في المذهب مثله، وصنّف «الشامل في أصول الدّين» و «الإرشاد» و «العقيدة النظامية» و «غياث الأمم» في الإمامة، و «مغيث الخلق في اختيار
стр. 2149
الأحق» و «البرهان في أصول الفقه» وغيرها، وكان مع رفعة قدره وجلالته، له حظ وافر من التواضع، فمن ذلك أنه لما قدم عليه أبو الحسن المجاشعي، تلمذ له، وقرأ عليه كتاب «إكسير الذهب في صناعة الأدب» من تصنيفه، وقد تقدم أنه حمل بين يدي الشيخ أبي إسحاق الغاشية، وقد أثنى عليه علماء وقته بما يطول شرحه، من ذلك قول الشيخ أبي إسحاق: تمتعوا بهذا الإمام، فإنه نزهة هذا الزمان.
وقال له في أثناء كلامه: يا مفيد أهل المشرق والمغرب، أنت إمام الأئمة اليوم.
وقال المجاشعي: ما رأيت عاشقا للعلم في أيّ فنّ كان مثل هذا الإمام، وكان لا يستصغر أحدا، حتى يسمع كلامه، ولا يستنكف أن يعزو الفائدة إلى قائلها، ويقول: استفدتها من فلان، وإذا لم يرض كلامه زيّفه، ولو كان أباه.
وقال في اعتراض على والده، وهذه زلّة من الشيخ ﵀، وكان إذا شرع في حكايات الأحوال، وعلوم الصوفية، ومجالس [١] الواعظ والتذكير، بكى طويلا، حتّى يبكي غيره لبكائه، وربما زعق ولحقه الاحتراق العظيم، لا سيما إذا أخذ في التفكّر.
وسمع الحديث من جماعة كثيرة، وأجاز له أبو نعيم صاحب «الحلية» وسمع «سنن الدارقطني» من ابن عليك، وكان يعتمد تلك الأحاديث في مسائل الخلاف، ويذكر الجرح والتعديل في الرواية.
وروي أن والده في ابتداء أمره، كان ينسخ بالأجرة، حتّى اجتمع له شيء، فاشترى به جارية صالحة، ووطئها فلما وضعت إمام الحرمين، أوصاها
стр. 2150
أن لا ترضعه من غيرها، فأرضعته يوما جارة لهم، فاجتهد الشيخ في تقييئها، حتّى تقايأها، وكان ربما لحقته فترة بعد إمامته، فيقول: لعل هذه من بقايا تلك الرضعة، ولما مات لحق الناس عليه ما لا يعهد لغيره، وغلقت أبواب البلد، وكشفت الرؤوس، حتّى ما اجترأ أحد من الأعيان يغطي رأسه، وصلى عليه ولده أبو القاسم بعد جهد عظيم من الزحام، ودفن في داره بنيسابور، ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين، وكسر منبره في الجامع، وقعد الناس للعزاء أياما، وكان طلبته نحو أربعمائة يطوفون في البلد نائحين عليه، وكان عمره تسعا وخمسين سنة، وآثاره في الدّين باقية، وإن انقطع نسله ظاهرا، فنشر علمه يقوم مقام كل نسب.
ومن كلامه في كتابه «الرسالة النظامية» [١] : اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آي الكتاب، وما يصحّ من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الربّ. قال:
والذي نرتضيه رأيا، وندين لله [٢] به عقدا، اتباع سلف الأمة، والدليل السمعيّ القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجّة متبعة، وهو مستند الشريعة، وقد درج صحب رسول الله ﷺ على ترك التعرّض لمعانيها، ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملّة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مشروعا أو محتوما، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم على الإضراب عن التأويل، كان ذلك هو الوجه المتبع، فحق على كل ذي دين أن يعتقد تنزيه الباري عن
стр. 2151
صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الربّ، فليجر آية الاستواء والمجيء، وقوله: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ٣٨: ٧٥ [ص:
٧٥] وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ٥٥: ٢٧ [الرحمن: ٢٧] وقوله:
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا ٥٤: ١٤ [القمر: ١٤] . وما صحّ من أخبار الرسول، كخبر النزول وغيره كما ذكرنا، انتهى بحروفه.
ومن شعر أبي المعالي:
نهاية إقدام العقول عقال ... وغاية آراء الرّجال ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال
وذكر المناوي في شره على «الجامع الصغير» [١] ما نصه: وقال السمعاني في «الذيل» عن الهمداني: سمعت أبا المعالي- يعني إمام الحرمين- يقول: قرأت خمسين ألفا في خمسين ألفا، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى [٢] أهل الإسلام عنه، كل ذلك في طلب الحقّ، وهربا من التقليد [٣] ، والآن [قد] رجعت من العمل إلى كلمة الحقّ «عليكم بدين العجائز» [٤] فإن لم يدركني الحقّ بلطفه، وأموت على دين العجائز، ويختم عاقبة أمري [عند الرحيل] على الحق، وكلمة الإخلاص، لا إله إلا الله [٥] ، فالويل لابن الجويني. انتهى بحروفه، فرحمه الله ورضي عنه.
стр. 2152
وفيها أبو علي بن الوليد، شيخ المعتزلة، محمد بن أحمد بن عبد الله ابن أحمد بن الوليد الكرخي، وله اثنتان وثمانون سنة. أخذ عن أبي الحسين البصري، وغيره، وبه انحرف ابن عقيل عن السّنّة قليلا، وكان ذا زهد، وورع، وقناعة، وتعبد، وله عدة تصانيف، ولما افتقر جعل ينقض داره ويبيع خشبها ويتقوت [به] ، وكانت من حسان الدّور ببغداد. قاله في «العبر» [١] .
وفيها قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني، محمد بن علي بن محمد الحنفي، تفقه بخراسان ثم ببغداد، على القدوري، وسمع من الصّوري وجماعة، وعاش ثمانين سنة. وكان نظير القاضي أبي يوسف في الجاه، والحشمة، والسؤدد، وبقي في القضاء دهرا، ودفن في القبة إلى جانب الإمام أبي حنيفة، رحمهما الله تعالى.
وفيها مسلم، الملك شرف الدولة، أبو المكارم بن الملك أبي المعالي قريش بن بدران بن مقلّد العقيلي، صاحب الجزيرة وحلب، وكان رافضيا اتسعت ممالكه، ودانت له العرب، وطمع في الاستيلاء على بغداد عند موت طغرلبك، وكان شجاعا، فاتكا، مهيبا، داهية [٢] ، ماكرا، التقى هو والملك سليمان بن قتلمش [٣] السلجوقي، صاحب الرّوم، على باب أنطاكية، فقتل في المصاف.
стр. 2153
سنة تسع وسبعين وأربعمائة
فيها كانت وقعة الزلّاقة بين الأذفونش [١] والمعتمد بن عبّاد، ومعه الملثّمون، فأتوا الزلّاقة من عمل بطليوس، فالتقى الجمعان، فوقعت الهزيمة على الملاعين، وكانت ملحمة عظيمة، في أول جمعة من رمضان، وجرح المعتمد عدّة جراحات سليمة، وطابت الأندلس للملثّمين، فعمل أميرهم ابن تاشفين على ملكها [٢] .
وفيها أعيدت الخطبة العبّاسية بالحرمين، وقطعت خطبة العبيديين.
وفيها كما قال السيوطي في «تاريخ الخلفاء» [٣] أرسل يوسف بن تاشفين صاحب سبتة ومراكش إلى المعتمد أن يسلطنه، وأن يقلده ما بيده من البلاد، فبعث إليه الخلع، والأعلام، والتقليد، ولقبه بأمير المؤمنين، ففرح بذلك، وسرّ به فقهاء المغرب، وهو الذي أنشأ مدينة مراكش.
وفيها توفي أبو سعد النيسابوري، شيخ الشيوخ ببغداد، أحمد بن محمد بن دوست، كان كبير الحرمة في الدولة، له رباط مشهور ومريدون، وكان نظام الملك يعظّمه.
стр. 2154
وفيها أبو القاسم إسماعيل بن زاهر النّوقاني- بالفتح والسكون كما قال السيوطي [١] : وبالضم كما قال الإسنوي [١] نسبة إلى نوقان، مدينة بطوس- النيسابوري الشافعي الفقيه، وله اثنتان وثمانون سنة. روى عن أبي الحسن العلوي، وعبد الله بن يوسف، وابن محمش، وطائفة، ولقي ببغداد أبا الحسن [٢] بن بشران وطبقته، وأملى وأفاد.
وفيها طاهر بن محمد أبو عبد الرحمن الشّحّامي المستملي، والد زاهر [٣] . روى عن الحيري، وطائفة، وكان فقيها صالحا، ومحدّثا عارفا. له بصر تام بالشروط، توفي في جمادى الآخرة، وله ثمانون سنة.
وفيها أبو علي التّستري، علي بن أحمد بن علي البصري السّقطي، راوي «السنن» [٤] عن أبي عمر الهاشمي.
وفيها أبو الحسن علي بن فضّال المجاشعي القيراوني، صاحب المصنفات في العربية، والتفسير، توفي في ربيع الأول، وكان من أوعية العلم، تنقل بخراسان، وصحب نظام الملك.
وفيها أبو الفضل محمد بن عبيد الله الصّرّام [٥] النيسابوري، الرجل الصالح. روى عن أبي نعيم الإسفراييني، وأبي الحسن العلوي، وطبقتهما، وتوفي في شعبان.
وفيهما مسند العراق، أبو نصر الزّينبي [٦] محمد بن محمد بن علي
стр. 2155
الهاشمي العبّاسي آخر أصحاب المخلّص، ومحمد بن عمر الورّاق [١] توفي في جمادى الآخرة، وله اثنتان وتسعون سنة وأربعة أشهر، وكان ثقة خيّرا.
وفيها القاضي أبو علي ناصر بن إسماعيل النّوقاني الحاكم.
قال عبد الغافر: كان فاضلا كبيرا من وجوه أصحاب الشافعي، حسن الكلام في المناظرة، درّس سنين بنوقان، وأجرى بها القضاء على وجهه، وقتل بها شهيدا. قاله الإسنوي [٢] .
стр. 2156
سنة ثمانين وأربعمائة
فيها توفي مقرئ الأندلس، عبد الله بن سهل الأنصاري المرسي.
أخذ القراءات عن أبي عمر الطّلمنكي، وأبي عبد الله محمد بن سفيان، ومكّي، وجماعة.
وفيها شافع بن صالح بن حاتم بن أبي عبد الله الجيلي أبو محمد، قدم بغداد بعد الثلاثين وأربعمائة، وسمع من أبي علي بن المذهب، والعشاري، وابن غيلان، والقاضي أبي يعلى، وعليه تفقه وكتب معظم تصانيفه في الأصول والفروع، ودرّس الفقه بمسجد الشريف أبي جعفر وخلفه أولاده من بعده في ذلك، حتّى عرف المسجد بهم.
قال ابن الجوزي: كان متعففا متقشفا، ذا صلاح.
وقال ابن السمعاني: كتب التصانيف في مذهب الإمام أحمد كلها، ودرّس الفقه، وتوفي يوم الثلاثاء سادس عشري صفر.
وفيها عبد الله بن نصر الحجازي أبو محمد الزاهد.
قال ابن الجوزي [١] : سمع الحديث، وصحب الزّهاد، وتفقه على مذهب أحمد، وكان خشن العيش متعبدا، وحجّ على قدميه بضع عشرة حجة، وتوفي في ربيع الأول.
стр. 2157
وفي آخر يوم من هذه السنة- وهو يوم الأحد سلخ ذي الحجة- أبو بكر محمد بن علي بن الحسين بن القيّم الخزاز [١] الحريمي الحنبلي، ودفن بباب حرب. طلب الحديث، وسمع من أبي الغنائم بن المأمون، والعشاري، وغيرهما، وكتب بخطه الحديث والفقه، وحدّث باليسير، وسمع منه أبو طاهر بن الرّحبي القطّان، وأبو المكارم الظاهري.
وفيها فاطمة بنت الشيخ أبي علي الحسن بن علي الدّقاق الزاهد [٢] ، زوجة القشيري، كانت كبيرة القدر، عالية الإسناد، من عوابد زمانها. روت عن أبي نعيم الإسفراييني، والعلوي، والحاكم، وطائفة. توفيت في ذي القعدة، عن تسعين سنة.
وفيها فاطمة بنت الحسن بن علي الأقرع، أمّ الفضل، البغدادية الكاتبة، التي جوّدوا على خطّها، وكانت تنقل طريقة ابن البوّاب، حكت أنها كتبت ورقة للوزير الكندري، فأعطاها ألف دينار، وقد روت عن أبي عمر بن مهدي الفارسي.
وفيها السيد المرتضى، ذو الشرفين. أبو المعالي محمد بن محمد بن زيد العلوي الحسيني الحافظ، قتله الخاقان بما وراء النهر مظلوما، وله خمس وسبعون سنة. روى عن أبي علي بن شاذان وخلق، وتخرّج بالخطيب ولازمه، وصنّف التصانيف، وحدّث بسمرقند، وأصبهان، وبغداد، وكان متموّلا، معظّما، وافر الحشمة، كان يفرّق في العام نحو العشرة آلاف دينار، ويقول: هذه زكاة مالي.
стр. 2158
سنة إحدى وثمانين وأربعمائة
فيها توفي أبو بكر الغورجي- بالضم وفتح الراء وجيم [نسبة] إلى غورة، قرية بهراة- أحمد بن عبد الصمد الهروي، راوي «جامع الترمذي» عن الجرّاحي. توفي في ذي الحجة.
وفيها أبو إسحاق الطيّان، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأصبهاني القفّال، صاحب إبراهيم بن خرّشيذ [١] قوله، توفي في صفر.
وفيها أبو إسماعيل الأنصاري، شيخ الإسلام، عبد الله بن محمد بن علي الهروي، الصّوفي القدوة الحنبلي الحافظ، أحد الأعلام، توفي في ذي الحجة وله ثمانون سنة وأشهر. سمع من عبد الجبار الجرّاحي، وأبي منصور محمد بن محمد الأزدي، وخلق كثير، وبنيسابور من أبي سعيد الصّيرفي، وأحمد السليطي، صاحبي الأصم، وكان قذى في أعين المبتدعة، وسيفا على الجهمية، وقد امتحن مرات، وصنّف عدة مصنفات، وكان شيخ خراسان في زمانه غير مدافع. قاله في «العبر» [٢] .
ومن شعره:
سبحان من أجمل الحسنى لطالبها ... حتّى إذا ظهرت في عبده مدحا
ليس الكريم الذي يعطي ليمدحه ... إنّ الكريم الذي يثني بما منحا
стр. 2159
وفيها عثمان بن محمد بن عبيد الله المحمي- كالمرمي نسبة إلى محم جدّ- أبو عمرو المزكّي بنيسابور، في صفر. روى عن أبي نعيم الإسفراييني، والحاكم.
وفيها ابن ماجة الأبهري أبو بكر، محمد بن أحمد بن الحسن الأصبهاني، وأبهر أصبهان قرية، وأما أبهر زنجان، فمدينة- عاش خمسا وتسعين سنة، وتفرّد في الدّنيا بجزء لوين عن ابن المرزبان الأبهري.
стр. 2160
سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة
فيها توفي أحمد بن محمد بن صاعد بن محمد أبو نصر الحنفي، رئيس نيسابور وقاضيها وكبيرها. روى عن جدّه، والقاضي أبي [بكر] الحيري [١] وطائفة، وكان يقال له: شيخ الإسلام، وكان مبالغا في التعصب في المذهب، فأغرى بعضا ببعض، حتّى لعنت الخطباء أكثر الطوائف في دولة طغرلبك، فلما مات طغرلبك خمد هذا ولزم بيته مدة، ثم ولي القضاء.
وفيها أبو إسحاق الحبّال، الحافظ إبراهيم بن سعيد النّعماني، مولاهم المصري، عن تسعين سنة. سمع أحمد بن ثرثال [٢] ، والحافظ عبد الغني، ومنير بن أحمد، وطبقتهم، وكان يتجر في الكتب، وكانت بنو عبيد قد منعوه من التحديث في أواخر عمره، وكان ثقة، صالحا، حجّة، ورعا، كبير القدر.
وفيها الحسن بن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن عثمان بن الوليد بن أبي الحديد أبو عبد الله السّلمي الدمشقي الخطيب، نائب الحكم بدمشق. روى عن عبد الرحمن بن الطّبيز [٣] وطائفة، وعاش ستا وستين سنة.
стр. 2161
وفيها القاضي أبو منصور بن شكرويه [١] محمد بن أحمد بن علي الأصبهاني، الحافظ المكثر. توفي في شعبان، وله تسع وثمانون سنة، وهو آخر من روى عن أبي علي البغدادي، وابن خرّشيذقوله، ورحل وأخذ بالبصرة عن أبي عمر الهاشمي بعض «السنن» [٢] أو كله، وفيه ضعف.
وفيها أبو الخير محمد بن أحمد بن عبد الله بن ورا [٣] الأصبهاني.
روى عن عثمان البرجي وطبقته، وكان واعظا زاهدا، وأمّ مدة بجامع أصبهان.
وفيها الطبسي- بفتح الطاء المهملة والموحدة التحتية ومهملة، نسبة إلى طبس مدينة بين نيسابور، وأصبهان، وكرمان- محمد بن أحمد بن أبي جعفر المحدّث، مؤلّف كتاب «بستان العارفين» روى عن الحاكم وطائفة، توفي في شهر رمضان، وكان صوفيا، عابدا، ثقة، صاحب حديث وسنّة.
стр. 2162
سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة
فيها كانت فتنة هائلة لم يسمع بمثلها بين السّنّة والرافضة، وقتل بينهم عدد كثير، وعجز والي البلد، واستظهرت السّنّة بكثرة من معهم من أعوان الخليفة، واستكانت الشيعة وذلّوا ولزموا التقية، وأجابوا إلى أن كتبوا على مساجد الكرخ خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر.
وفيها توفي خواهر زاده الحنفي، شيخ الطائفة بما وراء النهر، وهو أبو بكر محمد بن الحسين البخاري القديديّ [١]- مصغرا نسبة إلى قديد بين مكّة والمدينة شرّفهما الله تعالى- روى عن منصور الكاغذي وطائفة، وبرع في المذهب، وفاق الأقران، وطريقته أبسط طريقة للأصحاب، وكان يحفظها، وتوفي في جمادى الأولى ببخارى.
وفيها عاصم بن الحسن أبو الحسين العاصمي الكرخي، الشاعر المشهور. روى عن ابن المتيّم، وعن أبي عمر بن مهدي، وكان شاعرا، محسنا، ظريفا، صاحب ملح ونوادر، مع الصلاح والعفّة والصدق، مرض في آخر عمره، فغسل ديوان شعره، ومات في جمادى الآخرة، عن ست وثمانين سنة.
стр. 2163
وفيها أبو نصر التّرياقي، عبد العزيز بن محمد الهروي، راوي الترمذي [١] سوى آخر جزء منه، عن الجرّاحي [٢] ، كان ثقة، أديبا، عاش أربعا وتسعين سنة.
وترياق: من قرى هراة.
وفيها أبو الحسن علي بن حمد [٣] بن علي بن عبد الله بن محمد بن الحسين الطبري الرّوياني. نزل بخارى وبها مات، وكان حافظا، مكثرا، أحد النقاد. قاله ابن ناصر الدّين.
وفيها أبو بكر التّفلسي- بفتح فسكون، وبعد اللام سين مهملة، نسبة إلى تفلس بلد بأذربيجان [٤]- محمد بن إسماعيل بن محمد النيسابوري المولد الصّوفي المقرئ. روى عن حمزة المهلّبي، وعبد الله بن يوسف الأصبهاني، وطائفة، ومات في شوال.
وفيها العلّامة أبو بكر الخجندي- بخاء معجمة مضمومة، ثم جيم مفتوحة، وسكون النون، ومهملة، نسبة إلى خجندة، مدينة بطرف سيحون- محمد بن ثابت بن الحسن الشافعي الواعظ، نزيل أصبهان، ومدرّس نظاميتها، وشيخ الشافعية بها ورئيسها، كان إليه المنتهى في الوعظ، توفي في ذي القعدة.
стр. 2164
قال الإسنوي [١] : له يد باطشة في النظر والأصول، انتشر علمه في الآفاق، وتخرّج به وبكلامه جماعة، وتفقه على أبي سهل الأبيوردي، وسمع الحديث من جماعة، وحدّث عنهم، وكان حسن السيرة، من رؤساء الأئمة، ذا حشمة ونعمة.
وكان له ولد يقال له أبو سعيد أحمد، تفقّه على والده، حتّى برع في المذهب، وسمع وحدّث، ولما مات أبوه فوّض تدريس النظامية إلى غيره، فلزم بيته إلى أن مات في شعبان، سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، عن عثمان وثمانين سنة. قاله ابن السمعاني [٢] .
وفيها أبو نصر محمد بن سهل السّرّاج الشّاذياخي- بشين معجمة وسكون الذال المعجمة وتحتية وخاء معجمة، نسبة إلى قرية بنيسابور أو إلى شاذياخ [٣] ببلخ- آخر أصحاب أبي نعيم عبد الملك الإسفراييني. روى عن جماعة، وكان ظريفا، نظيفا، لطيفا، توفي في صفر عن تسعين سنة.
وفيها أبو الغنائم بن أبي عثمان محمد بن علي بن حسن [الدقاق] [٤] ، بغدادي، متميّز، صدوق. روى عن أبي عمر بن مهدي وجماعة.
وفيها فخر الدولة بن جهير الوزير، أبو نصر محمد بن محمد بن جهير الثّعلبي، ولي نظر حلب، ثم وزر لصاحب ميّافارقين، ثم وزر للقائم بأمر الله مدّة، وكان من رجال العالم ودهاة بني آدم، وكان رئيسا جليلا، خرج من بيتهم جماعة من الوزراء والرؤساء ومدحهم أعيان الشعراء، فمنهم صرّدرّ
стр. 2165
المتقدم ذكره [١] وهي من غرر قصائده ومشاهيرها، وأولها:
لجاجة قلب ما يفيق غرورها ... وحاجة نفس ليس يقضى يسيرها
وقفنا صفوفا في الدّيار كأنّها ... صحائف [٢] ملقاة ونحن سطورها
يقول خليلي والظّباء سوانح ... أهذا الذي تهوى؟ فقلت: نظيرها
لئن شابهت أجيادها وعيونها ... لقد خالفت أعجازها وصدورها
فيا عجبا منها يصدّ [٣] أنيسها ... ويدنو على ذعر إلينا نفورها
وما ذاك إلّا أن غزلان عامر ... تيقنّ أن الزائرين صقورها
ألم يكفها ما قد جنته شموسها ... على القلب حتّى ساعدتها بدورها
نكصنا على الأعقاب خوف إناثها ... فما بالها تدعو نزال ذكورها
وو الله ما أدري غداة نظرننا ... أتلك سهام أم كؤوس تديرها
فإن كنّ من نبل فأين حفيفها ... وإن كنّ من خمر فأين سرورها
أيا صاحبيّ استأذنا لي خمارها ... فقد أذنت لي في الوصول خدورها
فلا تحسبا قلبي طليقا فإنما ... لها الصّدر سجن وهو فيه أسيرها
أراك الحمى قل لي بأيّ وسيلة ... توسلت حتّى قبّلتك ثغورها؟
أعدت إلى جسم الوزارة روحه ... وما كان يرجى بعثها ونشورها
أقامت زمانا عند غيرك طامثا [٤] ... وهذا رعاك الله وقت طهورها
من الحقّ أن يحبى بها مستحقها ... وينزعها مردودة مستعيرها
إذا ملك الحسناء من ليس كفأها ... أشار عليها بالطّلاق مشيرها
وكانت ولادة فخر الدولة المذكور سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة
стр. 2166
بالموصل، وتوفي بها في رجب، وقيل: في المحرم، ودفن في تل التوبة، وهو تل قبالة الموصل، يفصل بينهما عرض الشطّ.
وأما ولده عميد الدولة فقد ذكره محمد بن عبد الملك الهمذاني في «تاريخه» فقال: انتشر عنه الوقار، والهيبة، والعفّة، وجودة الرأي، وخدم ثلاثة من الخلفاء، ووزر لاثنين منهم، وكان عليه رسوم كثيرة وصلات جماعة، وكان نظام الملك يصفه دائما بالأوصاف العظيمة، ويشاهده بعين المكافئ الشهم، ويأخذ رأيه في أهم الأمور، ويقدّمه على الكفاة والصدور، ولم يكن يعاب بأشد من الكبر الزائد، فإنّ كلماته كانت محفوظة مع ضنّه بها، ومن كلّمه بكلمة قامت عنده مقام بلوغ الأمل، فمن جملة ذلك أنه قال لولد الشيخ الإمام أبي نصر بن الصباغ: اشتغل وادأب وإلا كنت صبّاغا بغير أب. انتهى كلام ابن الهمذاني.
وكان نظام الملك قد زوّجه بنته زبيدة، وكان قد عزل عن [١] الوزارة ثم أعيد إليها بسبب المصاهرة، وفي ذلك يقول الشريف أبو يعلى بن الهبّارية:
قل للوزير ولا تفزعك هيبته ... وإن تعاظم واستولى لمنصبه
لولا ابنة الشيخ ما استوزرت ثانية ... فاشكر حرّا صرت مولانا الوزير به [٢]
ولعميد الدولة شعر ذكره في «الخريدة» لكنه غير مرضي.
وذكره ابن السمعاني في كتاب «الذيل» ومدحه خلق كثير من شعراء عصره.
وفيه يقول صرّدرّ قصيدته العينية المشهورة التي أولها:
قد بان عذرك والخليط مودّع ... وهوى النّفوس مع الهوادج يرفع
стр. 2167
لك حيثما سمت الركائب لفتة ... أترى البدور بكل واد تطلع
في الظّاعنين من الحمى بدر له ال ... أحشاء مرعى والمآقي مكرع
ممنوع أطراف الجمال رقيبة ... حذرا عليه من العيون البرقع
عهد الحبائل صائدات شبهه ... فارتاع فهو لكل حبل يقطع
لم يدر حامي سربه أني إذا ... حرم الكلام له لساني الإصبع
وإذا الطّيوف إلى المضاجع أرسلت ... بتحية منه فعيني تسمع
وهي طويلة ومن غرر الشعر.
وعزل عميد الدولة عن الوزارة في شهر رمضان سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة.
وجهير: بفتح الجيم وكسر الهاء، وقال ابن السمعاني: بضم الجيم، وهو غلط. يقال: رجل جهير بيّن الجهارة، أي ذو منظر، ويقال: رجل جهير الصوت، بمعنى جهوري الصوت. قاله ابن خلّكان [١] .
стр. 2168
سنة أربع وثمانين وأربعمائة
فيها توفي أبو الحسين أحمد بن عبد الرحمن الذّكواني الأصبهاني، يوم عرفة، وله تسعون سنة. روى عن جدّه ابن أبي علي، وعثمان البرجي، وطبقتهما، وكان ثقة.
وفيها أبو الحسن طاهر [١] بن مفوّز المعافري الشّاطبي، تلميذ أبي عمر بن عبد البرّ. كان من أئمة هذا الشأن، مع الورع، والتّقي، والاستبحار في العلم. وعدّه ابن ناصر الدّين من الحفّاظ المكثرين الضابطين، وقال: هو أخو عبد الله زاهد زمانه. وتوفي طاهر [١] في شعبان وله خمس وخمسون سنة.
وفيها عبد الملك بن علي بن شغبة أبو القاسم الأنصاري البصري، الحافظ الزاهد. استشهد بالبصرة، وكان يروي جملة من «سنن أبي داود» عن أبي عمر الهاشمي، أملى عدة مجالس، وكان من العبادة والخشوع بمحلّ.
وفيها أبو طاهر بن دات عبد الرحمن بن أحمد بن علك بن دات- بدال مهملة يليها ألف ثم مثناة فوق- الشّاوي الحافظ، إمام أهل الحديث بسمرقند في زمانه. قاله ابن ناصر الدّين [٢] .
стр. 2169
وفيها أبو نصر الكركانجي- بالضم والسكون آخره جيم، نسبة إلى كركانج، وهي مدينة خوارزم- محمد بن أحمد بن علي شيخ المقرئين بمرو ومسند الآفاق، توفي في ذي الحجة، وله أربع وتسعون سنة. وكان إماما في علوم القرآن، كثير التصانيف، متين الديانة. انتهى إليه علو الإسناد، قرأ ببغداد على أبي الحسن الحمّامي، وبحرّان على الشريف الزبيدي، وبمصر على إسماعيل بن عمر الحداد، وبدمشق، والموصل، وخراسان.
وفيها أبو منصور المقوّمي- بالضم والفتح وكسر الواو المشددة- محمد بن الحسين بن الهيثم القزويني، راوي «سنن ابن ماجة» عن القاسم بن المنذر [١] ، توفي فيها أو بعدها عن بضع وثمانين سنة.
وفي رجب قاضي القضاة [أبو بكر] النّاصحي محمد بن عبد الله بن الحسين النيسابوري. روى عن أبي بكر الحيري وجماعة.
قال عبد الغافر: هو أفضل عصره في أصحاب أبي حنيفة، وأعرفهم بالمذهب، وأوجههم في المناظرة، مع حفظ وافر من الأدب والطب، ولم تحمد سيرته في القضاء. قاله في «العبر» [٢] .
وفيها المعتصم، محمد بن معن بن محمد بن صمادح، أبو يحيى التّجيبي الأندلسي صاحب المريّة، توفي وجيش ابن تاشفين محاصرون له.
قال ابن بسام في «الذخيرة» [٣] : كانت بين المعتصم وبين الله [سريرة، أو سلفت له] عند الحمام يد مشكورة، فمات وليس بينه وبين حلول الفاقرة به إلّا أيام يسيرة في سلطانه وبلده، وبين أهله وولده.
стр. 2170
حدّثني من لا أردّ خبره عن أروى بعض [مسانّ] حظايا أبيه قالت: إني لعنده وهو يوصي بشأنه، وقد غلب عليه أكثر يده ولسانه، ومعسكر أمير المؤمنين [١]- يعني يوسف بن تاشفين- يومئذ بحيث نعدّ خيامهم [٢] ، ونسمع اختلاط أصواتهم، إذا سمعت [٣] وجبة من وجباتهم، فقال: لا إله إلّا الله، نغّص علينا كل شيء حتّى الموت! قالت أروى: فدمعت عينيّ، فلا أنسى طرفا إليّ يرفعه، وإنشاده لي [٤] بصوت لا أكاد أسمعه:
ترفّق بدمعك لا تفنه ... فبين يديك بكاء طويل
انتهى كلام ابن بسام.
ومات المعتصم في أثر ذلك عند طلوع الشمس، يوم الخميس ثاني عشري ربيع الأول، بالمريّة، ودفن في تربة له عند باب الخوخة.
стр. 2171
سنة خمس وثمانين وأربعمائة
فيها توفي أبو الفضل جعفر بن يحيى الحكّاك، محدّث مكّة، وكان متقنا، حجّة، صالحا. روى عن أبي ذرّ الهروي وطائفة، وعاش سبعين سنة.
وفيها نظام الملك الوزير أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطّوسي قوام الدّين. كان من جلّة الوزراء.
ذكره ابن السمعاني فقال: كعبة المجد، ومنبع الجود. وكان مجلسه عامرا بالقرّاء والفقهاء، أنشأ المدارس بالأمصار، ورغب في العلم، وأملى وحدّث، وعاش ثماني وسبعين سنة. أتاه شاب صوفيّ الشكل من الباطنية، ليلة عاشر رمضان، فناوله قصّة، ثم ضربه بسكين في صدره، فقضى عليه، فيقال: إن ملكشاه دسّ عليه هذا، والله أعلم.
وقال ابن السمعاني أيضا في كتاب «الأنساب» [١] في ترجمة الرّاذكان:
إنها بليدة صغيرة بنواحي طوس، قيل: نظام الملك كان من نواحيها.
وكان من أولاد الدّهاقين، واشتغل بالحديث والفقه، ثم اتصل بخدمة علي بن شاذان المعتمد عليه بمدينة بلخ- وكان يكتب له- فكان يصادره في كل سنة، فهرب منه، وقصد داود بن ميكائيل بن سلجوق والد السلطان ألب أرسلان، وظهر له منه النصح والمحبة، فسلّمه إلى ولده ألب أرسلان، وقال:
стр. 2172
اتخذه والدا، لا تخالفه فيما يشير به، فلما ملك ألب أرسلان، دبّر أمره، فأحسن التدبير، وبقي في خدمته عشر سنين، فلما مات ألب أرسلان وطّد المملكة لولده ملكشاه، فصار الأمر كله لنظام الملك، وليس للسلطان إلّا التخت والصيد، وأقام على هذا عشر سنين [١] .
ودخل على الإمام المقتدي بالله، فأذن له بالجلوس بين يديه، وقال له:
يا حسن، رضي الله عنك برضا أمير المؤمنين عنك.
وكان مجلسه عامرا بالفقهاء والصوفية، كثير الإنعام على الصوفية، وسئل عن سبب ذلك فقال: أتاني صوفيّ وأنا في خدمة بعض الأمراء، فوعظني وقال: اخدم من تنفعك خدمته، ولا تشتغل بمن تأكله الكلاب غدا، فلم أعلم معنى قوله، فشرب ذلك الأمير من الغد، وكانت له كلاب كالسباع تفترس الغرباء بالليل، فغلبه السكر، فخرج وحده، فلم تعرفه الكلاب، فمزقته، فعلمت أن الرجل كوشف بذلك، فأنا أخدم الصوفية لعلّي أظفر بمثل ذلك.
وكان إذا سمع الأذان أمسك عن جميع ما هو فيه، وكان إذا قدم عليه إمام الحرمين، والإمام القشيري، بالغ في إكرامهما، وأجلسهما في مستنده، وبنى المساجد والرّبط، وهو أول من أنشأ المدارس، فاقتدى الناس به.
وسمع نظام الملك الحديث وأسمعه، وكان يقول: إني أعلم أني لست أهلا لذلك، ولكني أريد أربط نفسي في قطار النّقلة لحديث رسول الله ﷺ .
ويروى له من الشعر قوله:
بعد الثّمانين ليس قوّه ... قد ذهبت شرّة الصّبوّه
كأنني والعصا بكفّي ... موسى ولكن بلا نبوّه
стр. 2173
وكانت ولادة نظام الملك يوم الجمعة، حادي عشري ذي القعدة، سنة ثمان وأربعمائة بنوقان، إحدى مدينتي طوس، وتوجّه صحبة ملكشاه إلى أصبهان، فلما كانت ليلة السبت عاشر رمضان، أفطر وركب في محفته، فلما بلغ إلى قرية قريبة من نهاوند، يقال لها سحنة، قال: هذا الموضع قتل فيه خلق كثير من الصحابة زمن عمر بن الخطاب، فطوبى لمن كان معهم [١] فاعترضه صبيّ ديلميّ على هيئة الصوفية، معه قصّة، فدعا له وسأله تناولها في يده، فمدّ يده ليأخذها، فضربه بسكين في فؤاده، فحمل إلى مضربه فمات، وقتل القاتل في الحال بعد أن هرب، فعثر في طنب [٢] خيمة فوقع، وركب السلطان إلى معسكره، فسكّنهم وعزّاهم، وحمل إلى أصبهان فدفن بها.
وقيل: إن السلطان دسّ عليه من قتله، فإنه سئم طول حياته، واستكثر ما بيده من الإقطاعات، ولم يعش السلطان بعده سوى خمسة وثلاثين يوما، فرحمه الله، فلقد كان من حسنات الدهر.
ورثاه أبو الهيجاء البكري- وكان ختنه، لأن نظام الملك زوّجه ابنته- فقال:
كان الوزير نظام الملك لؤلؤة ... نفيسة صاغها الرّحمن من شرف
عزّت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردّها غيرة منه إلى الصّدف
وقد قيل: إنه قتل بسبب تاج الملك أبي الغنائم المرزبان بن خسرو فيروز، المعروف بابن دارست، فإنه كان عدو نظام الملك، وكان كبير المنزلة عند مخدومه ملكشاه، فلما قتل رتّبه موضعه في الوزارة، ثم إن غلمان نظام الملك وثبوا عليه فقتلوه وقطعوه إربا إربا في ليلة الثلاثاء ثاني عشر المحرم
стр. 2174
[من] سنة ست وثمانين وأربعمائة، وعمره سبع وأربعون سنة، وهو الذي بنى على قبر الشيخ أبي إسحاق الشيرازي. قاله ابن خلّكان [١] .
وفيها أبو عبد الله بن المرابط قاضي المريّة وعالمها، محمد بن خلف بن سعيد الأندلسي. روى عن المهلّب بن أبي صفرة وجماعة، وصنّف شرحا للبخاري، وكان رأسا في مذهب مالك، ارتحل الناس إليه، توفي في شوال. قاله في «العبر» [٢] .
وفيها أبو بكر الشّاشي، محمد بن علي بن حامد، شيخ الشافعية، وصاحب الطريقة المشهورة والمصنفات المليحة. درّس مدة بغزنة، ثم بهراة ونيسابور، وحدّث عن منصور الكاغدي، وتفقه ببلاده على أبي بكر السّنجي، وعاش نيفا وتسعين سنة، وتوفي بهراة.
قال ابن قاضي شهبة [٣] : ولد سنة سبع وتسعين وثلاثمائة، وتفقه في بلاده على السّنجي، وكان من أنظر أهل زمانه، استوطن غزنة- وهي في أوائل الهند- فأقبلوا عليه وأكرموه، وبعد صيته، وحدّث، وصنّف تصانيف كثيرة، ثم استدعاه نظام الملك إلى هراة، فشقّ على أهل غزنة مفارقته، ولكن لم يجدوا بدّا من ذلك، فجهّزوه، فولّاه تدريس النظامية [بها] وتوفي في شوال. انتهى.
وفيها محمد بن عيسى بن فرج أبو عبد الله التّجيبي المغامّي- بالضم [٤] ، نسبة إلى مغامة مدينة بالأندلس- الطّليطلي، مقرئ الأندلس. أخذ عن أبي عمرو الدّاني، ومكّي بن أبي طالب، وجماعة، وأقرأ الناس مدة.
стр. 2175
وفيها أبو عبد الله البانياسي، مالك بن أحمد بن علي بن الفرّاء البغدادي. احترق في الحريق العظيم الذي وقع في هذه السنة ببغداد، واحترق فيه من الناس عدد كثير، وكان في جمادى الآخرة، وتوفي وله سبع وثمانون سنة، وهو آخر من حدّث عن أبي الحسن بن الصّلت المجبر، وسمع من جماعة.
وفيها السلطان ملكشاه، أبو الفتح جلال الدولة بن السلطان ألب أرسلان، محمد بن داود السّلجوقي التّركي، تملك بلاد ما وراء النهر، وبلاد الهياطلة، وبلاد الرّوم، والجزيرة، والشام، والعراق، وخراسان، وغير ذلك.
قال في «العبر» [١] : ملك من مدينة كاشغر الترك إلى بيت المقدس طولا، ومن القسطنطينية وبلاد الخزر إلى نهر الهند [٢] عرضا، وكان حسن السيرة، محسنا إلى الرعية، وكانوا يلقّبونه بالسلطان العادل، وكان ذا غرام بالعمائر والصيد، مات في شوال بعد وزيره النظام بشهر، فقيل: إنه سمّ في خلال، ونقل في تابوت فدفن بأصبهان في مدرسة كبيرة له.
وقال ابن الأهدل: كان مغرما بالصيد، حتّى قيل: إنه صاد بيده عشرة آلاف أو أكثر، حتّى بنى من حوافر الحمر وقرون الظباء منارة على طريق الحاج، تعرف بمنارة القرون، وتصدّق عن كل نسمة صادها بدينار، وقال:
إني أخاف الله من إزهاق النفوس بغير فائدة ولا مأكلة، وكان المقتدر قد تزوج بابنته، وكان السفير في زواجها الشيخ أبو إسحاق، وزفّت إليه سنة ثمانين، ورزق منها ولديه، ولما مات السلطان لم يفعل به كسائر السلاطين، ولم يحضر جنازته أحمد ظاهرا ولم تقطع أذناب الخيل لأجله، ولما