وقال ابن شهبة [١] : تفقه على سليم بن أيوب الرازي، وصحبه بصور أربع سنين، وعلّق عنه تعليقه- قال الذهبي في ثلاثمائة جزء- وسمع الحديث الكثير وأملى وحدّث. أقام بالقدس مدة طويلة، ثم قدم دمشق سنة ثمانين فسكنها وعظم شأنه، مع العبادة، والزهد الصادق، والورع، والعلم، والعمل.
قال الحافظ ابن عساكر: لم يقبل من أحد صلة بدمشق، قال: وحكى بعض أهل العلم قال: صحبت إمام الحرمين، ثم صحبت الشيخ أبا إسحاق، فرأيت طريقته أحسن طريقة، ثم صحبت الشيخ نصر، فرأيت طريقته أحسن منها.
ولما قدم الغزالي دمشق اجتمع به واستفاد منه، وتفقه به جماعة من دمشق وغيرها، ودفن بباب الصغير، وقبره ظاهر يزار.
قال النووي [٢] : سمعنا الشيوخ يقولون: الدعاء عند قبره يوم السبت مستجاب.
ومن تصانيفه «التهذيب» و «التقريب» وكتاب «المقصود» له وهو أحكام مجردة وكتاب «الكافي» وله شرح متوسط على كتاب «الإشارة» لشيخه سليم، وله كتاب «الحجّة على تارك المحجّة» وغير ذلك، ﵀.
وفيها أبو القاسم يحيى بن أحمد السّيبي [٣] القصري، المقرئ ببغداد، وله مائة وسنتان، قرأ القرآن على أبي الحسن الحمّامي، وسمع أبا
стр. 2207
الحسن بن الصّلت، وأبا الحسين بن بشران، وجماعة، وختم عليه خلق، وكان خيّرا، ثقة، توفي في ربيع الآخر، وكان يمشي ويتصرف في مصالحه في هذا السنّ.
стр. 2208
سنة إحدى وتسعين وأربعمائة
فيها خرج الفرنج في ألف ألف وحاصروا أنطاكية سبعة أشهر، وأخذوها [١] عنوة، وخرج إليهم المسلمون وانكسروا، وتبعهم الفرنج إلى المعرّة، وقتلوا، وفتكوا، وأقاموا بها، وقتلوا فيها مائة ألف مسلم، وبعد أربعين يوما ساروا إلى حمص، فصالحهم أهلها، ثم توجهوا إلى القدس.
وفيها توفي أبو العبّاس أحمد بن عبد الغفّار بن أشته الأصبهاني.
روى عن علي بن ميلة، وأبي سعيد النقاش، وطائفة، وعاش اثنتين وثمانين سنة.
وفيها سهل بن بشر، أبو الفرج الإسفراييني، ثم الدمشقي، الصّوفى المحدّث. سمع بدمشق من ابن سلوان وطائفة، وبمصر من الطفّال وطبقته.
ولد ببسطام في سنة تسع وأربعمائة، ومات بدمشق في ربيع الأول.
وفيها أبو الفوارس، طرّاد بن محمد بن علي، النقيب الكامل، الهاشمي العبّاسي الزّينبي البغدادي، نقيب النقباء، ومسند العراق. روى عن هلال الحفّار، وابن رزقويه، وأبي نصر النّرسي، وجماعة، وأملى مجالس كثيرة، وازدحموا عليه، ورحلوا إليه، وكان أعلى الناس منزلة عند الخليفة، توفي في شوال، وله ثلاث وتسعون سنة.
стр. 2209
وفيها أبو الحسن الكرجي [١] مكّي بن منصور بن محمد بن علّان الرئيس [السّلّار] ، نائب [٢] الكرخ ومعتمدها، توفي بأصبهان في جمادى الأولى، عن بضع وتسعين سنة. رحل، وسمع من الحيري، والصّيرفي، وأبي الحسين بن بشران، وجماعة، وكان محمود السيرة، وافر الحرمة.
وفيها هبة الله بن عبد الرزاق، أبو الحسن الأنصاري البغدادي، رئيس، جليل، خيّر، توفي في ربيع الآخر، عن تسع وثمانين سنة. روى عن هلال وجماعة، وهو آخر من حدّث عن أبي الفضل عبد الواحد التميمي.
وفيها محمد بن الحسين بن محمد الجرمي أبو سعد المكّي، نزيل هراة، كان إماما، حافظا، من العلماء، قدوة، معدودا من الأولياء.
قال ابن ناصر الدّين في «بديعته» :
محمد فتى الحسين الجرمي ... تم صلاح أمره الأشم
стр. 2210
سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة
فيها انتشرت دعوة الباطنية بأصبهان وأعمالها، وقويت شوكتهم، وأخذت الفرنج بيت المقدس، بكرة الجمعة لسبع بقين من شعبان، بعد حصار شهر ونصف.
قال ابن الأثير [١] : قتلت الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا.
وقال ابن الجوزي في «الشذور» : أخذوا من عند الصخرة نيفا وأربعين قنديلا فضة، كل قنديل وزنه ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا تنّور فضة وزنه أربعون رطلا، وأخذوا نيفا وعشرين قنديلا من ذهب.
وفيها توفي أبو الحسين أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف البغدادي اليوسفي. ثقة جليل القدر، روى عن ابن شاذان وطبقته، وتوفي في شعبان، وله إحدى وثمانون سنة.
وفيها أبو القاسم الخليلي، أحمد بن [محمد] الدّهقان [٢] ، عن مائة سنة وسنة، حدّث ببلخ بمسند الهيثم بن كليب، عن أبي القاسم الخزاعي عنه، وتوفي في صفر.
стр. 2211
وفيها أبو تراب المراغي، عبد الباقي بن يوسف، نزيل نيسابور.
قال السمعاني: عديم النظير في فنه، بهي النظر، سليم النفس، عامل بعلمه، نفّاع للخلق، ففيه النفس، قوي الحفظ، تفقه ببغداد على القاضي أبي الطيب [١] وسمع أبا علي بن شاذان، وكان شافعيا، وتوفي في ذي القعدة، وله إحدى وتسعون سنة.
وفيها القاضي الخلعي، أبو الحسن، علي بن الحسن المصري، الفقيه الشافعي، وله ثمان وثمانون سنة. سمع عبد الرحمن بن عمر النحّاس، وأبا سعيد الماليني وطائفة، وانتهى إليه علو الإسناد بمصر.
قال ابن سكرة: فقيه له تصانيف، ولي القضاء، وحكم يوما واستعفى، وانزوى بالقرافة، توفي في ذي الحجة.
وكان يوصف بدين وعبادة [٢] .
وقال ابن قاضي شهبة [٣] : ذكروا له كرامات وفضائل، وأنه كان لا يبالي بالحرّ، ولا بالبرد، بسبب منام رآه.
قال ابن الأنماطي: قبره بالقرافة يعرف بإجابة الدعاء عنده، وخرّج له أبو نصر الشيرازي عشرين جزءا وسمّاها «الخلعيات» ومن تصانيفه «المغني» في الفقه، في أربعة أجزاء، وهو حسن.
وفيها- أو في التي قبلها، وجزم به ابن رجب- عبد الوهاب بن رزق الله بن عبد الوهاب أبو الفضل التميمي.
стр. 2212
ذكره ابن السمعاني فقال: كان حنبليا، فاضلا، متقنا، واعظا، جميل المحيا. سمع أبا طالب بن غيلان.
وذكر أبو الحسين في «الطبقات» [١] أنه كان يحضر بين يدي أبيه في مجالس وعظه، بمقبرة الإمام أحمد، وينهض بعد كلامه قائما على قدميه، ويورد فصولا مسجوعة [٢] .
وفيها أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أيّوب البزاز [٣] ببغداد، في يوم عرفة، عن اثنتين وثمانين سنة. روى عن أبي علي بن شاذان، والحرفي [٤] .
وفيها مكّي بن عبد السلام أبو القاسم بن الرّميلي المقدسي الحافظ، أحد من استشهد بالقدس. رحل، وجمع، وعني بهذا الشأن، وكان ثقة، متحريا. روى عن محمد بن يحيى بن سلوان المازني، وأبي عثمان بن ورقاء، وعبد الصمد بن المأمون وطبقتهم، وعاش ستين سنة.
стр. 2213
سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة
فيها توفي العبّاداني، أبو طاهر جعفر بن محمد القرشي البصري.
روى عن أبي عمر الهاشمي أجزاء ومجالس، وكان شيخا، صالحا، أميّا، معمّرا.
وفيها النّعالي، أبو عبد الله، الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة البغدادي الحمّامي، رجل عاميّ من أولاد المحدّثين، عمّر دهرا، وانفرد بأشياء، وروى عن أبي عمر بن مهدي، وأبي سعد الماليني، وطائفة، وتوفي في صفر.
وفيها زياد [بن علي] بن هارون أبو القاسم الجيلي الفقيه الحنبلي [١] ، نزيل بغداد.
سمع بها من أبي مسلم اللّيثي البخاري، وحدّث عنه بكتاب «الوجيز» لابن خزيمة. سمعه منه أبو الحسن الزّعفراني [٢] ، وأبو الحسين بن الأبنوسي، وتوفي زياد هذا في طاعون.
وفيها سليمان بن عبد الله بن الفتى أبو عبد الله النّهرواني [٣] النحوي
стр. 2214
اللغوي، صاحب التصانيف، من ذلك كتاب «القانون» في اللغة، عشر مجلدات، وكتاب في التفسير، تخرّج به أهل أصبهان، وروى عن أبي طالب بن غيلان وغيره، وهو والد الحسن مدرّس النظامية.
وفيها عبد الله بن جابر بن ياسين أبو محمد الحنّائي الحنبلي، تفقه على القاضي أبي يعلى، وروى عن أبي علي بن شاذان، وكان ثقة نبيلا. قاله في «العبر» [١] .
وفيها عبد الباقي بن حمزة بن الحسين الحداد الحنبلي الفرضي أبو الفضل.
ولد سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
قال ابن السمعاني: شيخ صالح خيّر، كان قد قرأ الفقه، وكانت له يد في الفرائض، والحساب. سمع أبا محمد الجوهري وغيره.
وقال ابن ناصر: هو ثقة خيّر، وروى عنه سعيد بن الرزّاز الفقيه، وسبط الخيّاط، وغيرهم، وتوفي يوم السبت، رابع عشر شعبان، وله كتاب «الإيضاح» في الفرائض، صنّفه على مذهب أحمد، وحرّر فيه نقل المذهب تحريرا جيدا، ومما ذكر فيه في باب توريث ذوي الأرحام في ثلاث عمّات مفترقات المال بينهم [٢] على خمسة، قال: وهذا هو المنصوص عن أحمد.
وفيها عبد القاهر بن عبد السلام أبو الفضل العبّاسي النقيب المكّي المقرئ. أخذ القراءات عن أبي عبد الله الكارزيني، وتصدّر للإقراء ببغداد.
وفيها أبو الفضل عبد الكريم بن المؤمّل السّلمي الكفر طابي، ثم الدمشقي البزاز. روى جزءا عن عبد الرحمن بن أبي نصر.
стр. 2215
وفيها عميد الدولة أبو منصور، محمد بن فخر الدولة محمد بن محمد بن جهير، الوزير ابن الوزير [وزر للمقتدي بالله سنة اثنتين وسبعين، ثم عزل بعد خمس سنين بالوزير] [١] أبي شجاع، ثم وزر سنة أربع وثمانين إلى أن مات، وكان رئيسا، كافيا، شجاعا، مهيبا، فصيحا، مفوّها، أحمق، صودر قبل موته وحبس، ثم قتل سرّا. قاله في «العبر» [٢] وقد تقدم ذكره عند ذكر أبيه.
стр. 2216
سنة أربع وتسعين وأربعمائة
فيها كثرت الباطنية بالعراق والجبل، وزعيمهم الحسن بن صباح، فملكوا القلاع، وقطعوا السبيل، وأهمّ النّاس شأنهم، واستفحل أمرهم لاشتغال أولاد ملكشاه بنفوسهم.
وفيها حاصر كند فري [١]- الذي أخذ القدس- عكّا، فأصابه سهم فقتله.
وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن علي بن الفضل بن طاهر بن الفرات الدّمشقي. روى عن عبد الرحمن بن أبي نصر وجماعة، ولكنه رافضيّ معتزلي، وله كتب موقوفة بجامع دمشق. قاله في «العبر» [٢] .
وفيها أبو الفرج الزّاز- بالزاي المكررة- عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن زاز بن حميد الأستاذ السرخسي، ثم المروزي، فقيه مرو، وتلميذ القاضي حسين.
مولده سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وتفقه على القاضي حسين.
стр. 2217
قال ابن السمعاني في «الذيل» : كان أحد أئمة الإسلام، وممّن يضرب به المثل في الآفاق في حفظ مذهب الشافعي، رحلت إليه الأئمة من كل جانب، وكان ديّنا، ورعا، محتاطا في المأكول والملبوس. قال: وكان لا يأكل الأرز لأنه يحتاج إلى ماء كثير، وصاحبه قلّ أن لا يظلم غيره، ومن تصانيفه كتاب «الأمالي» .
قال الإسنوي في «المهمات» : إن غالب نقل الرافعي من ستة تصانيف غير كلام الغزالي المشروح، «التهذيب» و «النهاية» و «التتمة» و «الشامل» و «تجريد ابن كج» و «أمالي أبي الفرج السرخسي» يعني صاحب الترجمة.
وفيها أبو سعيد عبد الواحد بن الأستاذ أبي القاسم القشيري، كان صالحا، عالما، كثير الفضل. روى عن علي بن محمد الطرازي وجماعة، وسماعه حضورا في الرابعة من الطرازي، توفي في جمادى الآخرة.
وفيها أبو الحسن المديني علي بن أحمد بن الأخرم النيسابوري، المؤذن الزاهد، أملى مجالس عن أبي زكريا المزكّي، وأبي عبد الرحمن السّلمي، وأبي بكر الحيري، وتوفي في المحرم.
وفيها أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك [١] بن منصور الجيلي، القاضي المعروف بشيذلة، الفقيه الشافعي الواعظ. كان فقيها، فاضلا، واعظا، ماهرا، فصيح اللسان، حلو العبارة، كثير المحفوظات، صنّف في الفقه، وأصول الدّين، والوعظ، وجمع كثيرا من أشعار العرب، وتولى القضاء بمدينة بغداد بباب الأزج، وكانت في أخلاقه حدّة، وسمع الحديث الكثير من جماعة كثيرة، وكان يناظر بمذهب الأشعري، ومن كلامه: إنما قيل لموسى
стр. 2218
عليه السلام: لَنْ تَرانِي ٧: ١٤٣، لأنه لما قيل له: انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ٧: ١٤٣ نظر إليه، فقيل له:
يا طالب النظر إلينا لم تنظر إلى سوانا:
يا مدّعي بمقاله ... صدق المحبة والإخاء
لو كنت تصدق في المقا ... ل لما نظرت إلى سوائي
فسلكت سبل محبتي ... واخترت غيري في الصّفاء
هيهات أن يهوى الفؤا ... د محبتين على استواء
وقال أنشدني والدي عند خروجه من بغداد إلى الحج:
مددت إلى التّوديع كفّا ضعيفة ... وأخرى على الرمضاء فوق فؤادي
فلا كان هذا العهد آخر عهدنا ... ولا كان ذا التّوديع آخر زادي
وتوفي يوم الجمعة سابع عشر صفر. قاله ابن خلّكان [١] .
وفيها أبو الخطّاب نصر بن أحمد بن عبد الله بن البطر [٢] البزّاز، مسند بغداد. روى عن أبي محمد بن البيّع، وابن رزقويه، وطائفة، وتوفي في ربيع الأول، عن ست وتسعين سنة، وكان صحيح السماع، انفرد برواية عن جماعة.
стр. 2219
سنة خمس وتسعين وأربعمائة
فيها توفي المستعلي بالله أبو القاسم، أحمد بن المستنصر صاحب مصر، ولي الأمر بعد أبيه ثماني سنين، ومات في صفر وله تسع وعشرون سنة، وفي أيامه انقطعت دولته من الشام، واستولى عليها الأتراك والفرنج، ولم يكن له مع الأفضل حلّ ولا ربط، بل كان الأفضل أمير الجيوش، هو الكلّ، وفي أيامه هرب أخوه نزار، الذي تنسب إليه الدعوة النّزارية بقلعة الألموت [١] ، فدخل الإسكندرية وبايعه أهلها، وساعده قاضيها ابن عمّار، ومتولّيها أفتكين، فنازلهم الأفضل، فبرز لحربه أفتكين وهزمه، ثم نازلهم ثانيا، وظفر بهم، ورجع إلى القاهرة بأفتكين ونزار، فذبح أفتكين، وبنى على نزار حائطا فهلك.
وفيها أبو العلاء صاعد بن سيّار الكنانيّ قاضي هراة [٢] .
روى عن أبي سعيد الصّيرفي، والطرازي، وطائفة.
وفيها سعيد بن هبة الله أبو الحسن، شيخ الأطباء بالعراق، وكان صاحب تصانيف في الفلسفة، والطب، والمنطق، وله عدة أصحاب.
وفيها عبد الواحد بن عبد الرحمن الزّبيري الوركي الفقيه.
قال السمعاني: عمر مائة وثلاثين سنة، وكتب إملاء عن أبي ذرّ
стр. 2220
عمّار بن محمد، صاحب يحيى بن محمد بن صاعد، وقال: زرت قبره بوركة على فرسخين من بخارى.
وقال الذهبي [١] : ما كان في الدنيا له نظير، في علو الإسناد، ولم يضعّفه أحد. انتهى.
وفيها أبو عبد الله الكامخي، محمد بن أحمد بن محمد. روى عن أبي بكر الحيري، وهبة الله اللّالكائي، وطائفة، وتوفي بها ظنا. قاله في «العبر» [٢] .
وفيها أبو ياسر الخيّاط [٣] محمد بن عبد العزيز البغدادي، رجل خيّر. روى عن أبي علي بن شاذان، وجماعة، وتوفي في جمادى الآخرة.
وفيها أبو الحجّاج يوسف بن سليمان الأعلم النحوي [٤] . رحل إلى قرطبة، وأخذ عن جماعة، ورحل إليه الناس من كل وجه، وممّن أخذ عنه أبو علي الحسين بن محمد الغسّاني الجيّاني، وشرح «جمل الزجاجي» وشرح شعره شرحا مفردا، وكفّ بصره في آخر عمره، وسمّي الأعلم لكونه مشقوق الشفّة العليا، ويقال لمشقوق السفلى: أفلح، وكان عنترة العبسي المشهور يلقب بالفلحاء لفلحة كانت به، وإنما أنّثوا لأنهم أرادوا الشفة، وكان سهيل بن عمرو أعلم، ولذلك قال عمر: يا رسول الله، دعني أنزع ثنيته، فلا يقوم عليك خطيبا بعده، لأنه كان مشقوق الشفة العليا، وإذا نزعت ثنيته تعذّر كلامه مع الفصاحة. قاله ابن الأهدل.
стр. 2221
سنة ست وتسعين وأربعمائة
فيها توفي ابن سوّار، مقرئ العراق، أبو طاهر أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن سوّار، مصنّف «المستنير في القراءات» . كان ثقة مجوّدا، أقرأ خلقا، وسمع الكثير، وحدّث عن ابن غيلان، وطبقته.
وفيها أبو داود سليمان بن نجاح الأندلسي، مولى المؤيد بالله الأموي، مقرئ الأندلس، وصاحب أبي عمرو الدّاني، وهو أنبل أصحابه، وأعلمهم، وأكثرهم تصانيف، توفي في رمضان، عن ثلاث وثمانين سنة.
وفيها أبو الحسن بن الرّوش، علي بن عبد الرحمن الشّاطبي المقرئ. قرأ القراءات على أبي عمرو الدّاني، وسمع من ابن عبد البرّ، وتوفي في شعبان.
وفيها أبو الحسين بن البيّاز [١] يحيى بن إبراهيم بن أبي زيد المرسي. قرأ على أبي عمرو الدّاني، ومكّي.
قال ابن بشكوال [٢] : لقي بمصر القاضي عبد الوهاب، وأخذ عنه كتابه
стр. 2222
«التلقين» وأقرأ الناس [القرآن] وعمّر، وأسنّ، وسمعت بعضهم ينسبه إلى الكذب.
توفي في المحرم، وقد اختلط في آخر عمره، وعاش تسعين سنة.
وفيها أبو العلاء محمد بن عبد الجبّار الفرساني الأصبهاني. روى عن أبي بكر بن أبي علي المعدّل، وجماعة.
وفيها الفانيدي، أبو سعد الحسين بن الحسين البغدادي. روى عن أبي علي بن شاذان، وتوفي في شوال.
وفيها أبو ياسر، محمد بن عبيد الله بن كادش الحنبلي المحدّث.
كتب الكثير وتعب، وكان قارئ أهل بغداد بعد ابن الخاضبة. روى عن أبي محمد الجوهري، وخلق.
وفيها أبو البركات محمد بن المنذر بن طيبان الكرخي، كذّبه [١] ابن ناصر، وقد روى عن عبد الملك بن بشران، ومات في صفر. قاله في «العبر» [٢] .
стр. 2223
سنة سبع وتسعين وأربعمائة
فيها أخذت الفرنج جبيل [١] صلحا، ونكثوا وأخذوا عكّا بالسيف، وهرب متولّيها زهر الدولة بنا الجيوشي [٢] ، وهرب في البحر، ونزلت [٣] الفرنج حرّان، فالتقاهم سقمان [٤] ومعه عشرة آلاف، فانهزموا وتبعهم الفرنج فرسخين، ثم نزل النصر، وكبّر المسلمون، فقتلوهم كيف شاءوا، وكان فتحا عظيما.
وفيها توفي أبو ياسر أحمد بن بندار البقال، أخو ثابت. روى عن بشرى الفاتني وطائفة، ومات في رجب. قاله في «العبر» [٥] .
وفيها أبو بكر الطّريثيثي- بضم المهملة أوله، وفتح الراء وسكون التحتية، ومثلثتين، بينهما تحتية، نسبة إلى طريثيث، ناحية بنيسابور- أحمد بن علي بن حسين بن زكريا، ويعرف بابن زهراء [٦] الصّوفي البغدادي،
стр. 2224
من أعيان الصوفية ومشاهيرهم. روى عن أبي الفضل القطّان، واللالكائي، وطائفة، وهو ضعيف، عاش ستا وثمانين سنة.
وفيها أبو علي الجاجرمي- بفتح الجيمين وسكون الراء، نسبة إلى جاجرم، بلد بين نيسابور وجرجان- إسماعيل بن علي النيسابوري، الزاهد، القدوة، الواعظ، وله إحدى وتسعون سنة. روى عن عبد الله بن باكويه وعدة.
قال السخاوي: حضر درس زين الإسلام القشيري وخدمه مدة، ثم اشتغل بالعزلة، وكان يجلس في الأسبوع يوما للتذكير.
قال إسماعيل: كان والدي دعا بمكة اللهمّ ارزقني ولدا لا يكون وصيا، ولا صاحب وقف، ولا قاضيا، ولا خطيبا. قال: فقلت له: يا أبت، وما للخطيب؟ قال: يا بني أليس يدعو للظلمة.
وتوفي إسماعيل في عصر يوم الخميس ثامن عشر المحرم، وصلّي عليه يوم الجمعة العصر تاسع عشرة، ودفن في مشهد الإمام محمد بن خزيمة.
وفيها دقاق، شمس الملوك أبو نصر بن تاج الدولة تتش بن السلطان ألب أرسلان السّلجوقي، صاحب دمشق، ولي دمشق بعد أبيه عشر سنين، ومرض مدة، ومات في رمضان، وقيل: سمّوه في عنب، ودفن بخانكاه الطواويس.
وفيها أبو عبد الله بن البسري، الحسين بن علي بن أحمد بن محمد البندار [البغدادي] [١] توفي في جمادى الآخرة وله ثمان وثمانون سنة.
قال السّلفي: لم يرو لنا عن عبد الله بن يحيى السّكّريّ سواه.
стр. 2225
وفيها أبو ياسر الطباخ، طاهر بن أسد الشيرازي ثم البغدادي المواقيتي. روى عن عبد الملك بن بشران وغيره، وتوفي في رجب.
وفيها أحمد بن بشرويه الأصبهاني. كان صالحا من الأعيان.
قال ابن ناصر الدّين في «بديعته» :
وأحمد بن بشرويه صالح ... ذا الأصبهاني زانه تصافح
وفيها أبو مسلم السّمناني عبد الرحمن بن عمر، شيخ بغدادي. روى عن أبي علي بن شاذان، ومات في المحرم.
وفيها أبو الخطّاب بن الجرّاح، علي بن عبد الرحمن بن هارون البغدادي الشافعي، المقرئ الكاتب الرئيس. روى عن عبد الملك بن بشران، وكان لغوي زمانه له منظومة في القراءات، توفي في ذي الحجة، وقد قارب التسعين.
وفيها أبو مكتوم، عيسى بن الحافظ أبي ذرّ عبد الرحمن بن أحمد الهروي ثم السّروي الحجازي.
ولد سنة خمس عشرة بسراة بني شبابة، وروى عن أبيه «صحيح البخاري» وعن أبي عبد الله الصنعاني جملة من تآليف عبد الرزاق.
وفيها أبو منصور الخياط محمد بن أحمد بن عبد الرزاق، الشيرازي الأصل، البغدادي الصّفّار، الحنبلي المقرئ الزاهد.
ولد سنة إحدى وأربعمائة في شوال- أو في ذي القعدة- وقرأ القرآن [١] على أبي نصر أحمد بن عبد الوهاب بن مسرور وغيره، وسمع الحديث في
стр. 2226
كبره [١] من أبي القاسم بن بشران، وأبي منصور بن السوّاق وغيرهما.
وتفقه على القاضي أبي يعلى، وصنّف كتاب «المهذب في القراءات» وروى الحديث الكثير.
وروى عنه سبطه أبو محمد عبد الله بن علي المقرئ، وأخوه أبو عبد الله بن الحسين، وابن الأنماطي، وابن ناصر السّلفي، وغيرهم.
وكان إماما بمسجد ابن جردة ببغداد، بحريم دار الخلافة. اعتكف فيه مدة طويلة يعلّم العميان القرآن لوجه الله تعالى، ويسأل لهم، وينفق عليهم، فختم عليه القرآن خلق كثير، حتى بلغ عدد من أقرأهم القرآن من العميان سبعين ألفا.
قال ابن النجار: هكذا رأيته بخط أبي نصر اليونارتي الحافظ، وقد زعم بعض الناس أن هذا كلام مستحيل، وأنه من سبق القلم، وإنما أراد سبعين نفسا، وهذا كلام ساقط، فإن أبا منصور قد تواتر عنه إقراء الخلق الكثير في السنين الطويلة.
قال ابن الجوزي: أقرأ الخلق السنين الطويلة، وختم عليه القرآن ألوف من الناس.
وقال القاضي أبو الحسين: أقرأ بضعا وستين سنة، ولقن أمما، وهذا موافق لما قاله أبو نصر. وهذا أمر مشهور عن أبي منصور.
قال ابن الجوزي: كان أبو منصور من كبار الصالحين الزاهدين المتعبدين، كان له ورد بين العشاءين، يقرأ فيه سبعا من القرآن قائما وقاعدا، حتّى طعن في السنّ.
стр. 2227
وقال ابن ناصر عنه: كان شيخا صالحا زاهدا صائما أكثر وقته، ذا كرامات ظهرت له بعد موته.
قال عبد الوهاب الأنماطي: توفي الشيخ الزاهد أبو منصور، في يوم الأربعاء، وقت الظهر، السادس عشر من المحرم.
قال ابن الجوزي: مات وسنّه سبع وتسعون سنة، ممتعا بسمعه وبصره وعقله، وحضر جنازته ما لا يعدّ [١] من الناس.
قال السّلفي: وختم في ثاني جمعة من وفاة الشيخ على قبره مائتان وإحدى وعشرون ختمة، وحكى السّلفي أيضا، أن يهوديا استقبل جنازة الشيخ فرأى كثرة الزحام والخلق، فقال: أشهد أن هذا الدّين هو الحق، وأسلم.
وذكر ابن السمعاني، أن الشيخ أبا منصور الخيّاط رؤي في النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بتعليم الصبيان فاتحة الكتاب.
والصحيح أنه توفي سنة تسع وتسعين وأربعمائة. قاله جميعه ابن رجب [٢] .
وفيها أبو مطيع، محمد بن عبد الواحد المديني المصري الأصل، الصحّاف الناسخ، وانتهى إليه علو الإسناد بأصبهان. روى عن أبي بكر بن مردويه، والنّقاش، وابن عقيل البارودي، وطائفة، وعاش بضعا وتسعين سنة.
وفيها أبو عبد الله بن الطّلّاع محمد بن فرج [٣] ، مولى محمد بن يحيى الطّلّاع القرطبي المالكي، مفتي الأندلس ومسندها، وله ثلاث وتسعون سنة. روى عن يونس بن مغيث، ومكّي [بن أبي طالب] القيسي، وخلق، وكان رأسا في العلم والعمل، قوّالا بالحقّ. رحل الناس إليه من الأقطار لسماع «الموطأ» و «المدونة» .
стр. 2228
سنة ثمان وتسعين وأربعمائة
فيها توفي بركياروق، الملقب ركن الدّين بن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، أحد الملوك السلجوقية. ولي المملكة بعد موت أبيه، وكان أبوه قد ملك ما لم يملكه غيره، وكان بركياروق مسعودا، عالي الهمّة، لم يكن فيه عيب سوى ملازمته للشراب والإدمان عليه، ومولده سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وتوفي في ثاني عشر ربيع الآخر، وقيل: الأول ببروجرد، وأقام في السلطنة اثنتي عشرة سنة. قاله ابن خلّكان [١] .
وفيها الحافظ أبو علي البرداني- بفتحات ودال مهملة، نسبة إلى بردان، قرية ببغداد- أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي، الثقة المصنف الحنبلي، مات عن اثنتين وسبعين سنة في شوال. روى عن ابن غيلان، وأبي الحسن القزويني، وطبقتهما، وكان بصيرا بالحديث، محقّقا، حجّة.
وفيها أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني. روى عن أبي بكر بن أبي علي وطائفة، وكان ثقة نبيلا، حدّث قديما.
стр. 2229
وفيها ثابت بن بندار أبو المعالي البقال، المقرئ ببغداد. روى عن أبي علي بن شاذان وطبقته، وهو ثقة فاضل، توفي في جمادى الآخرة.
وفيها أبو عبد الله الطبري، الحسين بن علي بن الحسين، الفقيه الشافعي، محدّث مكّة ونزيلها، توفي في شعبان، وله ثمانون سنة. روى «صحيح البخاري» عن عبد الغافر بن محمد، وكان فقيها مفتيا، تفقه على ناصر بن الحسين العمري، وجرت له فتن وخطوب مع هيّاج ابن عبيد، وأهل السّنّة بمكّة، وكان عارفا بمذهب الأشعري. قاله في «العبر» [١] .
وقال ابن قاضي شهبة [٢] : تفقه على ناصر العمري بخراسان، وعلى القاضي أبي الطيب الطبري ببغداد، ثم لازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، حتّى برع في المذهب والخلاف، وصار من عظماء أصحابه، ودرّس بنظامية بغداد قبل الغزالي، وكان يدعى إمام الحرمين، لأنه جاور بمكّة نحوا من ثلاثين سنة، يدرّس ويفتي ويسمع، وتوفي بها في شعبان، وكتابه «العدّة» خمسة أجزاء ضخمة.
وفيها أبو علي الغسّاني الحسين بن محمد الجيّاني- بالفتح والتشديد ونون، نسبة إلى جيّان بلد بالأندلس-، الأندلسي. أحد أركان الحديث بقرطبة. روى عن حكم الجذامي، وحاتم بن محمد، وابن عبد البرّ، وطبقتهم، وكان كامل الأدوات في الحديث، علّامة في اللغة، والشعر، والنّسب، حسن التصنيف، نقّادا، توفي في شعبان عن اثنتين وسبعين سنة، وأصابته في الآخر زمانة.
وفيها سقمان بن أرتق بن أكسب التّركماني، صاحب ماردين، وجدّ
стр. 2230
ملوكها. كان أميرا، جليلا، فارسا، موصوفا، حضر عدة حروب، وتوفي بالشام.
وفيها محمد بن أحمد بن محمد بن قيداس [١] أبو طاهر التّوثي [٢]- بضم الفوقية وآخره مثلثة، نسبة إلى توث، قرية بمرو [٣]- الخطّاب سمع أبا علي بن شاذان، والحرقي، وأجاز له أبو الحسين بن بشران، وتوفي في المحرم.
وفيها محمد بن عبد السّلام الشريف أبو الفضل الأنصاري البزاز، بغدادي، جليل، صالح. روى عن البرقاني، وابن شاذان، وتوفي في ربيع الآخر.
وفيها نصر الله بن أحمد بن عثمان الخشنامي النيسابوري. ثقة صالح، عالي الإسناد. روى عن أبي عبد الرحمن السّلمي، والحيري، وطائفة.
стр. 2231
سنة تسع وتسعين وأربعمائة
فيها ظهر بنهاوند رجل ادّعى النّبوّة، وكان ساحرا، صاحب مخاريق، فتبعه خلق، وكثرت عليهم الأموال، وكان لا يدّخر شيئا، فأخذ وقتل، ولله الحمد.
وفيها ظفر طغتكين بالفرنج مرتين، فأسر وقتل، وزيّنت دمشق.
وفيها أخذت الفرنج [حصن] فامية، وأما طرابلس ففتحت الحصار، وجعل [١] المسلمون يخرجون منها، وينالون من الفرنج، ومرض ملك الفرنج صنجيل [٢] ومات، وحمل ودفن بالقدس، وأقامت الفرنج غيره.
وفيها مات أبو القاسم عبد الله بن علي بن إسحاق الطّوسي، أخو نظام الملك. سمع أبا حسّان المزّكّي، وأبا حفص بن مسرور، وعاش خمسا وثمانين سنة.
وفيها أبو البركات بن الوكيل، محمد بن عبد الله بن يحيى الخبّاز الدبّاس الكرخي الشافعي. قرأ بالروايات على [٣] أبي علي [٤] الواسطي،
стр. 2232
والحسن بن الصّقر، وجماعة، وتفقه على أبي الطّيب الطبري، وسمع من عبد الملك بن بشران، وكان يتّهم بالاعتزال، ثم تاب وأناب، وتوفي في ربيع الأول، عن ثلاث وتسعين سنة. قاله في «العبر» [١] .
وفيها أبو البقاء الحبّال، المعمّر بن محمد بن علي الكوفي الخزّاز.
روى عن جناح [٢] بن نذير المحاربي وجماعة، وتوفي في جمادى الآخرة بالكوفة.
стр. 2233
سنة خمسمائة
فيها غزا السلطان محمد بن ملكشاه الباطنية، وأخذ قلعتهم [١] بأصبهان، وقتل صاحبها أحمد بن عبد الملك بن عطّاش، وكان قد تملكها اثنتي عشرة سنة، وهي من بناء ملكشاه، بناها على رأس جبل، وغرم عليها ألفي ألف دينار.
وفيها غرق قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، صاحب قونية ووجد قد انتفخ.
وفيها توفي أبو الفتح الحداد، أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد الأصبهاني الشافعي التاجر الخوافي- وخواف قرية من أعمال نيسابور- كان ورعا، ديّنا، كثير الصدقات. توفي في ذي القعدة، عن اثنتين وتسعين سنة.
روى عن أبي مظفر الشافعي، وكان من ملازمي الإمام، وبه تفقه، وحظي عنده، وكان إمام الحرمين معجبا بفصاحته وحسن كلامه، ثم درّس في حياة الإمام، وولي قضاء طوس، ثم صرف، وكما رزق الغزالي السعادة في حسن التصنيف، رزق هذا السعادة في المناظرة، والعبارة الحسنة المهذّبة، والتصنيف على الخصم.
стр. 2234
قال الذهبي: وكان أعلم أهل طوس مع الغزالي، وكان من أنظر أهل زمانه.
وفيها أو بعدها الفقيه الإمام الفرضي، إسحاق بن يوسف بن يعقوب الصّردفي [١] نسبة إلى صردف [٢] بلد باليمن. صنّف كتاب «الكافي» في الفرائض، وهو كتاب لم يسبق إلى تدريجه للمبتدئ، وهو من الكتب المباركة النافعة. قيل: اشتري مرة بوزنه، واستغني به عن كتب الفن جميعها، وأصل الشيخ من المعافر، وسكن صردف [٣] وكان له ابنتان، زوّج إحداهما واسمها ملكة الفقيه زيد بن عبد الله اليفاعي، فأولدها هندة [٤] أم محمد بن سالم الإمام بجامع ذي أشرق، ولذلك صارت كتب زيد اليفاعي بأيديهم، لأنه لم يرثه غير أمهم هذه، وتزوّج الأخرى إمام مسجد الجند حسّان بن محمد، فأولدها ولد، فصار إليه بعض كتب جدّه [٥] إسحاق. قاله ابن الأهدل.
وفيها جعفر بن أحمد بن حسين، أبو محمد البغدادي الحنبلي السرّاج، المعروف بالقارئ. كان حافظ عصره، وعلّامة زمانه، وله التصانيف العجيبة، منها: كتاب «مصارع العشاق» وغيره، وحدّث عن أبي علي بن شاذان، وأبي القاسم بن شاهين، والخلّال، والبرمكي، وغيرهم وأخذ عنه خلق كثير، وروى عنه الحافظ أبو طاهر السّلفي، وكان يفتخر بروايته عنه [٦] مع أنه لقي أعيان ذلك الزمان، وأخذ عنهم.
وله شعر حسن، فمنه:
стр. 2235
بان الخليط فأدمعي ... وجدا عليهم تستهلّ
وحدا بهم حادي الفرا ... ق عن المنازل فاستقلّوا
قل للذين ترحّلوا ... عن ناظري والقلب حلّوا
ودمي بلا جرم أتى ... ت غداة بينهم استحلّوا
ما ضرّهم لو أنهلوا ... من ماء وصلهم وعلّوا
ومن شعره أيضا:
وعدت بأن تزوري كلّ شهر ... فزوري قد تقضّى الشهرزوري
وشقة بيننا نهر المعلى ... إلى البلد المسمّى شهرزور
وأشهر هجرك المحتوم صدق ... ولكن شهر وصلك شهر زور
وأورد له العماد الكاتب:
ومدّع شرخ شباب وقد ... عمّمه الشّيب على وفرته
يخضب بالوشمة [١] عثنونه ... يكفيه أن يكذب في لحيته
وكان مولده ببغداد سنة ست عشرة وأربعمائة، وتوفي بها ليلة الأحد الحادي والعشرين من صفر. قاله ابن خلّكان [٢] .
وفيها أبو غالب الباقلّاني [٣] محمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن البغدادي الفامي، الرجل الصالح. روى عن ابن شاذان، والبرقاني، وطائفة، وتوفي في ربيع الآخر، عن ثمانين سنة.
وفيها أبو الحسين بن الطّيوري، المبارك بن عبد الجبّار بن أحمد بن قاسم الصّيرفي البغدادي المحدّث. سمع أبا علي بن شاذان فمن بعده.
стр. 2236
قال ابن السمعاني: كان مكثرا، صالحا، أمينا، صدوقا، صحيح الأصول، ديّنا، صيّنا، وقورا، كثير الكتابة.
وقال غيره: توفي في ذي العقدة عن تسع وثمانين سنة، وكان عنده ألف جزء بخط الدّارقطني. قاله في «العبر» [١] .
وفيها المبارك بن فاخر أبو الكرم الدبّاس الأديب، من كبار أئمة اللّغة والنحو ببغداد، وله مصنّفات. روى عن القاضي أبي الطّيب الطبري، وأخذ اللغة عن عبد الواحد بن برهان، ورماه ابن ناصر بالكذب في الرواية، وتوفي في ذي القعدة عن سبعين سنة.
وفيها يوسف بن تاشفين أبو يعقوب، أمير المسلمين وملك الملثمين، وهو الذي اختطّ مدينة مرّاكش، وكان عظيم الشأن، كبير السلطان، معتدل القامة، أسمر اللون، نحيف الجسم، خفيف العارضين، دقيق الصوت، وكان يخطب لبني العبّاس، وهو أول من تسمى بأمير المسلمين، ولم يزل على حاله وعزة سلطانه إلى أن توفي يوم الاثنين ثالث محرم هذه السنة، وعاش تسعين سنة، ملك منها خمسين سنة.
قال ابن الأثير في «تاريخه» [٢] : كان حسن السيرة، خيّرا، عادلا، يميل إلى أهل العلم والدّين، ويكرمهم، ويحكّمهم في بلاده ويصدر عن رأيهم، وكان يحبّ العفو والصفح عن الذنوب العظام، فمن ذلك أنّ ثلاثة نفر اجتمعوا، فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر بها، وتمنى الآخر زوجته [٣] وكانت من أحسن النساء، ولها الحكم في بلاده، وتمنى الآخر عملا [يعمل فيه] [٤] ،
стр. 2237
فبلغه الخبر، فأحضرهم، وأعطى متمنّي المال ألف دينار، واستعمل الآخر، وقال للذي تمنّى زوجته: يا جاهل! ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه، ثم أرسله إليها فتركته في خيمة ثلاثة أيام يحمل إليه [١] في كلّها طعام واحد، ثم أحضرته وقالت له: ما أكلت في هذه الثلاثة أيام، فقال: طعاما واحدا، فقالت: كل النساء شيء واحد، وأمرت له بمال وكسوة وأطلقته.
وقال ابن الأهدل: يوسف بن تاشفين أبو يعقوب البربري الملثم. كان أعظم ملوك الدّنيا في عصره، وكان عديم الرفاهية، تملّك الأندلس، واختطّ مرّاكش، وجعلها دار الإمارة، وفي آخر أيامه بعث إليه الخليفة من بغداد الخلع والتقليد واللّواء، فأقيمت الخطبة العباسية بمملكته، وكان أولا مقدّم أبي بكر بن عمر الصنهاجي، وكان الصنهاجي مقدّم الملثمين من ملوك حمير المغرب، واختلف لم سمّوا بذلك. وفيهم يقول الشاعر:
قوم لهم درك العلا في حمير ... وإن انتموا صنهاجة فهم هم
لما علوا أحرار كل قبيلة ... غلب الحياء عليهم فتلثموا [٢]
وعهد ابن تاشفين بالأمر إلى ولده تومرت. انتهى.
وفيها عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد الفارسي الفامي، أبو محمد الفقيه الشافعي المفتي.
ولد سنة أربع عشرة، واشتغل في العلوم، وصنّف سبعين مصنّفا، وله تفسير ضمّنه مائة ألف بيت شعر [على ما ذكر] ، وكان بارعا في معرفة المذهب. قدم بغداد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وقد أملى بجامع القصر،
стр. 2238
وحفظت عليه غلطات في الحديث، وإسقاط رجال، وتصحيف فاحش. أورد منه ابن السمعاني أشياء كثيرة.
وقال يحيى بن مندة: هو أحفظ من رأيناه لمذهب الشافعي.
صنّف كتاب «تاريخ الفقهاء» ومات بشيراز في رمضان. قاله ابن قاضي شهبة [١] .
стр. 2239
تمّ بعون الله تعالى وتوفيقه تحقيقنا للمجلد الخامس من كتاب «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» للإمام ابن العماد الحنبلي الدمشقي في الخامس عشر من شهر شعبان عام (١٤٠٨) هـ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأسأل الله تعالى أن يعيننا على الانتهاء من تحقيق بقية مجلداته بحوله وقوته، إنه خير مسؤول.
محمود الأرناؤوط
стр. 2240
[المجلد السادس]
كلمة حول منتخب شذرات الذهب لابن شقدة
الحمد لله وحده، والصلاة والسّلام على من لا نبيّ بعده.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
وبعد: فقد سبقت الإشارة في الكلمة التي كتبتها بين يدي المجلد الخامس من الكتاب، إلى أنني رمزت للنسخة الخطية المعتمدة في تحقيق الكتاب بحرف «آ» وإلى النسخة المطبوعة سابقا في مصر بحرف «ط» وإلى «منتخب شذرات الذهب» ب «المنتخب» ابتداء من المجلد السادس، وذلك في المواطن التي رجعت فيها إليه للتثبت من حال بعض الألفاظ.
وأجدني الآن- وقد أنهيت تحقيق المجلد السادس- مضطرّا إلى تعريف القراء ب «منتخب» ابن شقدة وصاحبه. فكتاب «منتخب شذرات الذهب» ليس بمنتخب لكتاب «شذرات الذهب» وحسب كما قد يتبادر إلى الأذهان، بل إنه يضم في ثناياه إضافات وتعقيبات وفوائد ذوات أهمية كبرى، فقد جاء في مقدمة ابن شقدة له ما نصه: «أما بعد: فإني وقفت على كتاب شذرات الذهب في أخبار من ذهب، للشيخ عبد الحي بن أحمد بن محمد بن العماد، الملقب بأبي الفلاح الحنبلي- سقى الله ثراه طيّب الرّحمة والرّضوان، وأسكنه أعلى فراديس الجنان- فوجدته تاريخا ظريفا، جامعا لذكر من سلف من العلماء، والأولياء، والصالحين، وغيرهم. وبعض قصصهم وأيّامهم ونوادرهم وأخبارهم، ما هو فوق المراد، لكن في حجمه كبر على بعض العباد، فاختصرته إلى نحو نصفه،
стр. 2241
وانتخبت منه التراجم الظريفة، الحاوية للنّكت والفوائد الشريفة، وحذفت منه نحو النّصف، وذلك طلبا لتسهيل المراجعة والمطالعة، وتقريب الوصول إلى المقصود، بإعانة ربّنا الواحد المعبود، وضممت إليه بعض نكت وحكايات وتراجم وجدتها في بعض كتب التاريخ، ميّزتها بقولي في أولها: قلت، وفي آخرها: انتهى» .
وتتألف مخطوطة «منتخب شذرات الذهب» من ثلاثمائة وإحدى وثلاثين ورقة، وقد جاء في آخرها ما نصه: «نقلت من نسخة غالبها من خطّ المؤلّف- ﵀ أفقر العباد أبي الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد [بن] العماد، غفر الله له ولمن ستر عيبا رآه، وأصلح فيه خللا أبصرته عيناه. وقد اختصره قريبة الفقير عبد الرحيم بن الشيخ مصطفى بن أحمد بن محمد [بن] شقدة إلى نحو نصفه بعد أن نخبه ونقّاه، وسمّاه منتخب شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لطلب تسهيل المراجعة والمطالعة، وذلك في أواخر شعبان سنة أربعين ومائة وألف» .
وأما مؤلّف «المنتخب» العلّامة المؤرخ البارع الشيخ عبد الرحيم بن مصطفى ابن شقدة الدّمشقي الصّالحي [١]- فهو كشيخه ابن العماد- لا يمكن التعريف به تعريفا وافيا إلّا من خلال استقراء شامل لكتابه، بل لمجمل آثاره [٢] .
وختاما أسأل الله- أن يعينني على الانتهاء من تحقيق بقيّة الكتاب، وأن يمدّني ويمدّ والدي [٣]- المشرف على تحقيق الكتاب- بعونه وتأييده، إنه نعم المولى ونعم النّصير.
دمشق الشام في التاسع عشر من شهر ربيع الأول لعام ١٤١٠ هـ.
محمود الأرناؤوط
стр. 2242
راموز الصفحة الأولى من منتخب شذرات الذهب
стр. 2243
راموز الصفحة الأخيرة من منتخب شذرات الذهب
стр. 2244
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سنة إحدى وخمسمائة
فيها كانت وقعة كبيرة بالعراق، بين سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس، أمير العرب، وبين السلطان محمّد، فالتقيا، فقتل صدقة يوم الجمعة، سلخ جمادى الآخرة، وقتل معه ثلاثة آلاف فارس، وأسر ابنه دبيس، وصاحب جيشه سعيد بن حميد، وكان صدقة شيعيّا له محاسن، ومكارم، وحلم، وجود، ملك العرب بعد أبيه اثنتين وعشرين سنة، وهو الذي اختطّ الحلّة السيفية [١] سنة خمس وتسعين وأربعمائة، ومات جده دبيس سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة.
وفيها توفي تميم بن المعزّ بن باديس، السلطان أبو يحيى الحميري، صاحب القيروان، ملك بعد أبيه، وكان حسن السّيرة، محبا للعلماء، مقصدا للشعراء، كامل الشجاعة، وافر الهيبة، عاش تسعا وسبعين سنة، وامتدت أيّامه، وكانت دولته ستا وخمسين سنة، وخلّف أكثر من مائة ولد، وتملّك بعده ابنه يحيى. قاله في «العبر» [٢] .
وساق العماد الكاتب في «الخريدة» [٣] نسبه إلى نوح ﵇.
стр. 2245
وقال ابن خلّكان [١] : ملك إفريقية وما والاها بعد أبيه المعزّ، وكان حسن السيرة، محمود الآثار.
ومن شعره:
إن نظرت مقلتي لمقلتها ... تعلم ممّا أريد نجواه
كأنّها في الفؤاد ناظرة ... تكشف أسراره وفحواه
[١] وله أيضا:
سل المطر العام الذي عمّ أرضكم ... أجاء بمقدار الذي فاض من دمعي
[٢]
إذا كنت مطبوعا على الصدّ والجفا ... فمن أين لي صبر فأجعله طبعي
وله:
فكّرت في نار الجحيم وحرّها ... يا ويلتاه ولات حين مناص
فدعوت ربّي أنّ خير وسيلتي ... يوم المعاد شهادة الإخلاص
وأشعاره وفضائله كثيرة، وكان يجيز الجوائز السنية، ويعطي العطاء الجزل [٣] ، وكانت ولادته بالمنصورية، التي تسمى صبرة [٤] من بلاد إفريقية، يوم الاثنين ثالث عشر رجب، سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وفوّض إليه أبوه ولاية المهديّة في صفر، سنة خمس وأربعين، ولم يزل بها إلى أن توفي والده في شعبان، سنة خمس وأربعين، فاستبد بالملك، ولم يزل إلى أن توفي ليلة السبت، منتصف رجب، وخلّف من البنين أكثر من مائة، ومن البنات ستين، على ما ذكره حفيده عبد العزيز بن شدّاد في كتاب «أخبار القيروان» .