وانتخبت منه التراجم الظريفة، الحاوية للنّكت والفوائد الشريفة، وحذفت منه نحو النّصف، وذلك طلبا لتسهيل المراجعة والمطالعة، وتقريب الوصول إلى المقصود، بإعانة ربّنا الواحد المعبود، وضممت إليه بعض نكت وحكايات وتراجم وجدتها في بعض كتب التاريخ، ميّزتها بقولي في أولها: قلت، وفي آخرها: انتهى» .
وتتألف مخطوطة «منتخب شذرات الذهب» من ثلاثمائة وإحدى وثلاثين ورقة، وقد جاء في آخرها ما نصه: «نقلت من نسخة غالبها من خطّ المؤلّف- ﵀ أفقر العباد أبي الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد [بن] العماد، غفر الله له ولمن ستر عيبا رآه، وأصلح فيه خللا أبصرته عيناه. وقد اختصره قريبة الفقير عبد الرحيم بن الشيخ مصطفى بن أحمد بن محمد [بن] شقدة إلى نحو نصفه بعد أن نخبه ونقّاه، وسمّاه منتخب شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لطلب تسهيل المراجعة والمطالعة، وذلك في أواخر شعبان سنة أربعين ومائة وألف» .
وأما مؤلّف «المنتخب» العلّامة المؤرخ البارع الشيخ عبد الرحيم بن مصطفى ابن شقدة الدّمشقي الصّالحي [١]- فهو كشيخه ابن العماد- لا يمكن التعريف به تعريفا وافيا إلّا من خلال استقراء شامل لكتابه، بل لمجمل آثاره [٢] .
وختاما أسأل الله- أن يعينني على الانتهاء من تحقيق بقيّة الكتاب، وأن يمدّني ويمدّ والدي [٣]- المشرف على تحقيق الكتاب- بعونه وتأييده، إنه نعم المولى ونعم النّصير.
دمشق الشام في التاسع عشر من شهر ربيع الأول لعام ١٤١٠ هـ.
محمود الأرناؤوط
стр. 2242
راموز الصفحة الأولى من منتخب شذرات الذهب
стр. 2243
راموز الصفحة الأخيرة من منتخب شذرات الذهب
стр. 2244
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سنة إحدى وخمسمائة
فيها كانت وقعة كبيرة بالعراق، بين سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس، أمير العرب، وبين السلطان محمّد، فالتقيا، فقتل صدقة يوم الجمعة، سلخ جمادى الآخرة، وقتل معه ثلاثة آلاف فارس، وأسر ابنه دبيس، وصاحب جيشه سعيد بن حميد، وكان صدقة شيعيّا له محاسن، ومكارم، وحلم، وجود، ملك العرب بعد أبيه اثنتين وعشرين سنة، وهو الذي اختطّ الحلّة السيفية [١] سنة خمس وتسعين وأربعمائة، ومات جده دبيس سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة.
وفيها توفي تميم بن المعزّ بن باديس، السلطان أبو يحيى الحميري، صاحب القيروان، ملك بعد أبيه، وكان حسن السّيرة، محبا للعلماء، مقصدا للشعراء، كامل الشجاعة، وافر الهيبة، عاش تسعا وسبعين سنة، وامتدت أيّامه، وكانت دولته ستا وخمسين سنة، وخلّف أكثر من مائة ولد، وتملّك بعده ابنه يحيى. قاله في «العبر» [٢] .
وساق العماد الكاتب في «الخريدة» [٣] نسبه إلى نوح ﵇.
стр. 2245
وقال ابن خلّكان [١] : ملك إفريقية وما والاها بعد أبيه المعزّ، وكان حسن السيرة، محمود الآثار.
ومن شعره:
إن نظرت مقلتي لمقلتها ... تعلم ممّا أريد نجواه
كأنّها في الفؤاد ناظرة ... تكشف أسراره وفحواه
[١] وله أيضا:
سل المطر العام الذي عمّ أرضكم ... أجاء بمقدار الذي فاض من دمعي
[٢]
إذا كنت مطبوعا على الصدّ والجفا ... فمن أين لي صبر فأجعله طبعي
وله:
فكّرت في نار الجحيم وحرّها ... يا ويلتاه ولات حين مناص
فدعوت ربّي أنّ خير وسيلتي ... يوم المعاد شهادة الإخلاص
وأشعاره وفضائله كثيرة، وكان يجيز الجوائز السنية، ويعطي العطاء الجزل [٣] ، وكانت ولادته بالمنصورية، التي تسمى صبرة [٤] من بلاد إفريقية، يوم الاثنين ثالث عشر رجب، سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وفوّض إليه أبوه ولاية المهديّة في صفر، سنة خمس وأربعين، ولم يزل بها إلى أن توفي والده في شعبان، سنة خمس وأربعين، فاستبد بالملك، ولم يزل إلى أن توفي ليلة السبت، منتصف رجب، وخلّف من البنين أكثر من مائة، ومن البنات ستين، على ما ذكره حفيده عبد العزيز بن شدّاد في كتاب «أخبار القيروان» .
стр. 2246
وفيها أبو علي التّككيّ، الحسن بن محمد بن عبد العزيز البغدادي، في رمضان. روى عن أبي علي بن شاذان.
وفيها أبو محمد الدّوني- بضم المهملة، نسبة إلى دون قرية بهمذان [١]- عبد الرحمن بن حمد [٢] الصوفي، الرجل الصالح، راوي «السنن» [٣] عن أبي نصر الكسّار. كان زاهدا عابدا، سفيانيّ المذهب، توفي في رجب.
وفيها أبو سعد الأسديّ، محمد بن عبد الملك بن عبد القاهر بن أسد البغدادي المؤدّب. روى عن أبي علي بن شاذان، وضعّفه ابن ناصر.
وفيها أبو الفرج القزويني، محمد ابن العلّامة أبي حاتم محمود بن حسن الأنصاري، فقيه صالح، استملى عليه السّلفي مجلسا مشهورا، وتوفي في المحرم.
стр. 2247
سنة اثنتين وخمسمائة
فيها قتلت الباطنية بهمذان قاضي قضاة أصبهان عبيد الله بن علي الخطيبي.
وقتلت بأصبهان يوم عيد الفطر أبا العلاء صاعد بن محمد البخاري، وقيل: النيسابوري الحنفي المفتي، أحد الأئمة عن خمس وخمسين سنة.
وقتلت بجامع آمل يوم الجمعة في المحرم فخر الإسلام القاضي أبا المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الرّوياني، شيخ الشافعية، وصاحب التصانيف، وشافعيّ الوقت. أملى مجالس عن أبي غانم الكراعي، وأبي حفص بن مسرور، وطبقتهما، وعاش سبعا وثمانين سنة.
قال ابن قاضي شهبة [١] : كانت له الوجاهة والرئاسة والقبول التام عند الملوك فمن دونها. أخذ عن والده وجدّه، وبميّافارقين عن محمد بن بيان [الكازروني] ، وبرع في المذهب، حتّى كان يقول: لو احترقت كتب الشافعيّ لأمليتها من حفظي، ولهذا كان يقال له: شافعي زمانه. ولي قضاء طبرستان، وبنى مدرسة بآمل، وكان فيه إيثار للقاصدين إليه.
ولد في ذي الحجة سنة خمس عشرة وأربعمائة، واستشهد بجامع آمل
стр. 2248
عند ارتفاع النهار بعد فراغه من الإملاء يوم الجمعة حادي عشر المحرم، ومن تصانيفه «البحر» وهو بحر كاسمه، و «الكافي» و «الحلية» مجلد متوسط، فيه اختيارات كثيرة، وكثير منها يوافق [١] مذهب مالك، وكتاب «المبتدي» - بكسر الدال- وكتاب «القولين والوجهين» مجلدان. انتهى ملخصا.
وعظم الخطب بهؤلاء الملاعين، وخافهم كل أمير وعالم، لهجومهم على الناس.
وفيها أبو القاسم الرّيفي علي بن الحسين الفقيه الشافعي المعتزلي، ببغداد. روى عن أبي الحسن بن مخلد، وابن بشران، وتوفي في رجب عن ثمان وثمانين سنة.
وفيها محمد بن عبد الكريم بن خشيش أبو سعد البغدادي، في ذي القعدة، عن تسع وثمانين سنة. روى عن ابن شاذان.
وفيها أبو زكريا التّبريزيّ الخطيب، صاحب اللغة، يحيى بن علي ابن محمد الشيباني، صاحب التصانيف. أخذ اللغة عن أبي العلاء المعرّي، وسمع من سليم بن أيوب بصور، وكان شيخ بغداد في الأدب. توفي في جمادي الآخرة عن إحدى وثمانين سنة.
وقال ابن خلّكان [٢] : سمع الحديث من سليم الرّازي وغيره من الأعيان، وروى عنه الخطيب الحافظ البغدادي، صاحب «تاريخ بغداد» والحافظ ابن ناصر، وغيرهما من الأعيان، وتخرّج عليه خلق كثير وتلمذوا له.
ذكره الحافظ أبو سعد السمعاني في كتاب «الذيل» وكتاب «الأنساب» وعدّد فضائله، ثم قال: سمعت أبا منصور محمد بن عبد الملك بن الحسن بن خيرون المقرئ يقول: أبو زكريا يحيى بن علي التّبريزي ما كان بمرضيّ
стр. 2249
الطريقة، وذكر عنه أشياء، ثم قال: وتذاكرت [١] أنا مع أبي الفضل محمد بن ناصر الحافظ بما ذكره ابن خيرون المقرئ، فسكت وكأنه ما أنكر ما قال، ثم قال: ولكن كان ثقة في اللغة، وما كان ينقله. وصنّف في الأدب كتبا مفيدة، منها: «شرح الحماسة» و «شرح ديوان المتنبي» و «شرح سقط الزّند» و «شرح اللّمع» لابن جني، و «شرح مقصورة ابن دريد» [٢] و «شرح المعلقات السبع» وله «تهذيب غريب الحديث» و «تهذيب الإصلاح» و «الملخص في إعراب القرآن» في أربع مجلدات، وغير ذلك من الكتب الحسنة المفيدة.
وكان، قد دخل مصر في عنفوان شبابه، فقرأ عليه بها ابن بابشاذ النحوي شيئا من اللغة، ثم عاد إلى بغداد واستوطنها إلى الممات، وكان يروي عن أبي الحسن محمد بن المظفر بن نحرير [٣] البغدادي جملة من شعره، فمن ذلك قوله- وهي من أشهر أشعاره-:
خليليّ ما أحلى صبوحي بدجلة ... وأطيب منه بالصّراة غبوقي
شربت على الماءين من ماء كرمة ... فكانا كدرّ ذائب وعقيق
على قمري أفق وأرض تقابلا ... فمن شائق حلو الهوى ومشوق
فما زلت أسقيه وأشرب ريقه ... وما زال يسقيني ويشرب ريقي
وقلت لبدر التّمّ تعرف ذا الفتى؟ ... فقال: نعم هذا أخي وشقيقي.
وهذه الأبيات من أملح الشعر وأظرفه.
وكانت ولادة يحيى هذا سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وتوفي فجاءة [٤] يوم الثلاثاء ثامن عشري جمادى الآخرة ببغداد.
стр. 2250
سنة ثلاث وخمسمائة
فيها أخذت الفرنج طرابلس [١] بعد حصار سبع سنين.
وفيها توفي أحمد بن علي بن أحمد العلثي [٢] أبو بكر الزاهد الحنبلي.
قال ابن الجوزي في «طبقاته» [٣] : هو أحد المشهورين بالزهد والصلاح، سمع الحديث على القاضي أبي يعلى، وقرأ عليه شيئا من المذهب. وكان يعمل بيده تجصيص [٤] الحيطان، ثم ترك ذلك، ولازم المسجد يقرئ القرآن ويؤم الناس، وكان عفيفا لا يقبل من أحد شيئا، ولا يسأل أحدا حاجة لنفسه من أمر الدّنيا، مقبلا على شأنه ونفسه، مشتغلا بعبادة
стр. 2251
ربّه، كثير الصوم والصلاة، مسارعا إلى قضاء حوائج المسلمين، مكرّما عند الناس أجمعين.
وكان يذهب بنفسه كل ليلة إلى دجلة، فيأخذ في كوز له ماء يفطر عليه.
وكان يمشي بنفسه في حوائجه ولا يستعين بأحد، وكان إذا حجّ يزور القبور بمكّة، ويجيء إلى قبر الفضيل بن عياض، ويخطّ بعصاه، ويقول:
يا ربّ هاهنا، يا ربّ ها هنا، فاتفق أنه خرج في سنة ثلاث وخمسمائة إلى الحجّ، وكان قد وقع من الجمل في الطريق دفعتين، فشهد عرفة محرما ومعه بقية من ألم الوقوع.
وتوفي عشية ذلك اليوم- يوم الأربعاء، يوم عرفة- في أرض عرفات، فحمل إلى مكّة، فطيف به البيت، ودفن يوم النحر إلى جنب قبر الفضيل بن عياض، ﵄.
وممن روى عنه ابن ناصر، والسّلفي. قاله ابن رجب [١] .
وفيها أبو بكر أحمد بن المظفّر بن سوسن التمّار، ببغداد. روى عن الحرفي [٢] ، وابن شاذان، وضعفه شجاع الذّهلي، وتوفي في صفر عن اثنتين وتسعين سنة.
وفيها أبو الفتيان عمر بن عبد الكريم الدّهستاني- بكسر الدال المهملة والهاء وسكون المهملة وفوقية، نسبة إلى دهستان مدينة عند مازندران [٣]- الحافظ الرّوّاسي.
стр. 2252
طوّف خراسان، والعراق، والشام، ومصر، وكتب ما لا يوصف، وروى عن أبي عثمان الصّابوني وطبقته، وتوفي بسرخس.
قال ابن ناصر الدّين [١] : كان ثقة في نقله، لكنه حدّث بطوس ب «صحيح مسلم» من غير أصله.
وفيها أبو سعد المطرّز محمد بن محمد بن محمد الأصبهاني [٢] ، في شوال، عن نيف وتسعين سنة. سمع الحسين بن إبراهيم الحمّال، وأبا علي غلام محسن، وابن عبد كويه، وهو أكبر شيخ للحافظ أبي موسى المديني.
سمع منه حضورا.
стр. 2253
سنة أربع وخمسمائة
فيها أخذت الفرنج بيروت بالسيف، ثم أخذوا صيدا بالأمان.
وفيها توفي إسماعيل بن أبي الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي ثم النيسابوري أبو عبد الله. روى عن أبي حسّان [١] المزكّي، وعبد الرحمن ابن حمدان النّصروي، وطبقتهما، ورحل فأدرك أبا محمد الجوهريّ ببغداد.
توفي في ذي القعدة عن إحدى وثمانين سنة.
وفيها أبو يعلى حمزة بن محمّد بن علي البغداديّ، أخو طراد الزّينبي، توفي في رجب، وله سبع وتسعون سنة، والعجب كيف لم يسمع من هلال الحفّار. روى عن أبي العلاء محمد بن علي الواسطي وجماعة.
قاله في «العبر» [٢] .
وفيها أبو الحسن إلكيا الهرّاسي- وإلكيا بهمزة مكسورة ولام ساكنة، ثم كاف مكسورة، بعدها ياء مثناة من تحت، معناه الكبير بلغة الفرس.
والهرّاسي: براء مشدّدة وسين مهملة، لا تعلم نسبته لأي شيء-.
علي بن محمد بن علي الطبرستاني الشافعي عماد الدّين، شيخ
стр. 2254
الشافعية ببغداد، تفقه على إمام الحرمين، وكان فصيحا، مليحا، مهيبا، نبيلا، قدم بغداد، ودرّس بالنّظاميّة وتخرّج به الأصحاب، وعاش أربعا وخمسين سنة.
قال ابن خلّكان [١] : ذكره الحافظ عبد الغافر في «تاريخ نيسابور» فقال:
كان من رؤوس معيدي إمام الحرمين في الدرس، وكان ثاني أبي حامد الغزالي، بل أفضل وأصلح وأطيب في الصوت والنظر، ثم اتصل بخدمة مجد الملك [٢] بركياروق بن ملكشاه السلجوقي، وحظي عنده بالمال والجاه، وارتفع شأنه، وتولى القضاء بتلك الدولة، وكان محدّثا يستعمل الأحاديث في مناظراته ومجالسته.
ومن كلامه: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رؤوس المقاييس في مهابّ الرياح.
وحدّث الحافظ أبو طاهر السّلفي [قال] : استفتيت شيخنا إلكيا الهرّاسي ما يقول الإمام- وفقه الله تعالى- في رجل أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء، أتدخل كتبة الحديث تحت هذه الوصية أم لا؟ فكتب الشيخ تحت السؤال:
نعم، كيف لا، وقد قال النّبيّ ﷺ : «من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما» [٣] .
وسئل إلكيا أيضا عن يزيد بن معاوية فقال: إنه لم يكن من الصحابة، لأنه ولد في أيام عمر بن الخطاب ﵁، وأما قول السّلف، فقيه
стр. 2255
لأحمد قولان، تلويح وتصريح، ولمالك فيه قولان، تلويح وتصريح، ولأبي حنيفة قولان، تلويح وتصريح، ولنا قول واحد، تصريح دون التلويح، وكيف لا يكون كذلك، وهو اللاعب بالنرد، والمتصيد بالفهود، ومدمن الخمر، وشعره في الخمر معلوم ومنه قوله:
أقول لصحب ضمّت الكأس شملهم ... وداعي صبابات الهوى يترنّم
خذوا بنصيب من نعيم ولذة ... وكلّ وإن طال المدى يتصرّم
وكتب فصلا طويلا ثم قلب الورقة وكتب: لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل، وقد أفتى الإمام أبو حامد الغزالي في مثل هذه المسألة بخلاف ذلك.
قال ابن الأهدل: أفتى الغزالي بخلاف جواب إلكيا، وتضمن جوابه، أنه وإن غلب الظن بقرائن حاله أنه رضي قتل الحسين، أو أمر به، فلا يجوز لعنه، ويجعل كمن فعل كبيرة.
وأفتى ابن الصلاح بنحوه، وأقرهما اليافعي.
قلت: الحاصل من ذلك أن يزيد إن صحّ عنه ما جرى منه على الحسين وآله من المثلة وتقلّب [١] الرأس الكريم بين يديه، وإنشاده الشعر في ذلك مفتخرا، فذلك دليل الزندقة والانحلال من الدّين، فإنّ مثل هذا لا يصدر من قلب سليم، وقد كفّره بعض المحدّثين، وذلك موقوف على استحلاله لذلك، والله أعلم.
وقال الإمام التّفتازاني: أمّا رضا يزيد بقتل الحسين وإهانته أهل بيت رسول الله ﷺ ، فمما يقطع به، وإن كان تفصيله آحادا فلا يتوقف في كفره، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه. انتهى كلام ابن الأهدل.
стр. 2256
وقال ابن خلّكان: كانت ولادة إلكيا في ذي القعدة، سنة خمسين وأربعمائة، وتوفي يوم الخميس وقت العصر، مستهل المحرم، سنة أربع وخمسمائة ببغداد، ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وحضر دفنه الشريف أبو طالب الزّينبي، وقاضي القضاة أبو الحسن بن الدامغاني، وكانا مقدّمي الطائفة الحنفية، وكان بينه وبينهما في حال الحياة منافسة، فوقف أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال ابن الدامغانيّ متمثلا:
وما تغني النّوادب والبواكي ... وقد أصبحت مثل حديث أمس
وأنشد الزّينبيّ متمثلا:
عقم النساء فلم [١] يلدن شبيهه ... إنّ النّساء بمثله عقم
انتهى ملخصا.
وقال السبكي [٢] : له كتاب «شفاء المسترشدين» و «نقض مفردات [الإمام] أحمد» وكتب [٣] في أصول الفقه.
وفيها أبو الحسين الخشّاب، يحيى بن علي بن الفرح المصري، شيخ [الإقراء] [٤] . قرأ بالروايات على ابن نفيس، وأبي الطاهر إسماعيل بن خلف، وأبي الحسين الشيرازي، وتصدر للإقراء.
стр. 2257
سنة خمس وخمسمائة
فيها توفي أبو محمد بن الآبنوسي، عبد الله بن علي البغدادي، الوكيل المحدّث، أخو الفقيه أحمد بن علي. سمع من أبي القاسم التّنوخي، والجوهري، وتوفي في جمادى الأولى.
وفيها أبو الحسن العلّاف، علي بن محمد بن علي بن محمد البغدادي، الحاجب، مسند العراق، وآخر من روى عن الحمّامي، وكان يقول: ولدت في المحرم سنة ست وأربعمائة، وسمعت من أبي الحسين بن بشران، وتوفي في المحرم عن مائة إلّا سنة، وكان أبوه واعظا مشهورا.
وفيها الإمام [الغزّالي] [١] زين الدّين، حجّة الإسلام، أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطّوسي [٢] الشافعي، أحد الأعلام. تلمذ لإمام الحرمين، ثم ولّاه نظام الملك تدريس مدرسته ببغداد، وخرج له أصحاب، وصنّف التصانيف، مع التصوّن والذكاء المفرط والاستبحار في
стр. 2258
العلم، وبالجملة ما رأى الرجل مثل نفسه. توفي في رابع عشر جمادى الآخرة بالطّابران، قصبة بلاد طوس، وله خمس وخمسون سنة.
والغزّالي: هو الغزّال، وكذا العطّاري والخبّازي [١] ، على لغة أهل خراسان. قاله في «العبر» [٢] .
وقال الإسنوي في «طبقاته» [٣] : الغزّالي إمام باسمه تنشرح الصدور، وتحيا النفوس، وبرسمه تفتخر المحابر وتهتزّ الطّروس، وبسماعه تخشع الأصوات وتخضع الرؤوس.
ولد بطوس، سنة خمسين وأربعمائة، وكان والده يغزل الصّوف ويبيعه في حانوته، فلما احتضر أوصى به وبأخيه أحمد إلى صديق له صوفي صالح، فعلمهما الخطّ وأدبهما، ثم نفد منه ما خلّفه أبوهما، وتعذّر عليه القوت، فقال: لكما أن تلجئا إلى المدرسة، قال الغزالي: فصرنا إلى المدرسة نطلب الفقه لتحصيل القوت، فاشتغل بها مدة ثم ارتحل إلى أبي نصر الإسماعيلي بجرجان، ثم إلى إمام الحرمين بنيسابور، فاشتغل عليه ولازمه، حتّى صار أنظر أهل زمانه، وجلس للإقراء في حياة إمامه، وصنّف. وكان الإمام في الظاهر يظهر التبجح به، وفي الباطن عنده منه شيء لما يصدر منه من سرعة العبارة وقوة الطبع. وينسب إليه تصنيفان ليسا له بل وضعا عليه، وهما «السرّ المكتوم» و «المضنون به على غير أهله» وينسب إليه شعر، فمن ذلك ما نسبه إليه ابن السمعاني في «الذيل» والعماد الأصبهاني في «الخريدة» :
حلّت عقارب صدغه في خدّه ... قمرا فجلّ به عن التّشبيه
ولقد عهدناه يحلّ ببرجها ... فمن العجائب كيف حلّت فيه
стр. 2259
وأنشد العماد له أيضا:
هبني صبوت كما ترون بزعمكم ... وحظيت منه بلثم ثغر أزهر
إني اعتزلت فلا تلوموا أنّه ... أضحى يقابلني بوجه أشعري
فلما مات إمامه خرج إلى العسكر وحضر مجلس نظام الملك [وكان مجلسه محطّ رحال العلماء، ومقصد الأئمة والفصحاء، فوقع للغزّاليّ أمور تقتضي علو شأنه من ملاقاة الأئمة ومجاراة الخصوم اللّد، ومناظرة الفحول، ومناطحة الكبار، فأقبل عليه نظام الملك وحلّ منه] [١] محلا عظيما، فعظمت منزلته، وطار اسمه في الآفاق، وندب للتدريس بنظاميّة بغداد، سنة أربع وثمانين، فقدمها في تجمل كبير، وتلقاه النّاس، ونفذت كلمته، وعظمت حشمته، حتّى غلبت على حشمة الأمراء والوزراء، وضرب به المثل، وشدت إليه الرّحال، إلى أن شرفت نفسه عن رذائل الدّنيا فرفضها واطّرحها، وأقبل على العبادة والسياحة، فخرج إلى الحجاز في سنة ثمان وثمانين، فحجّ ورجع إلى دمشق واستوطنها عشر سنين بمنارة الجامع، وصنّف فيها كتبا، يقال إن «الأحياء» منها، ثم صار إلى القدس والإسكندرية، ثم عاد إلى وطنه بطوس، مقبلا على التصنيف والعبادة، وملازمة التّلاوة، ونشر العلم، وعدم مخالطة الناس.
ثم إن الوزير فخر الدّين بن نظام الملك حضر إليه وخطبه إلى نظامية نيسابور، وألحّ عليه كل الإلحاح، فأجاب إلى ذلك، وأقام عليه مدة، ثم تركه وعاد إلى وطنه، على ما كان عليه، وابتنى إلى جواره خانقاه للصوفية، ومدرسة للمشتغلين، ولزم الانقطاع، ووظف أوقاته على وظائف الخير، بحيث لا يمضي لحظة منها إلّا في طاعة من التلاوة، والتدريس،
стр. 2260
والنظر في الأحاديث، خصوصا البخاري، وإدامة الصيام، والتهجّد، ومجالسة أهل القلوب، إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى، وهو قطب الوجود، والبركة الشاملة لكل موجود، وروح خلاصة أهل الإيمان، والطريق الموصلة إلى رضا الرحمن، يتقرب إلى الله تعالى به كل صديق، ولا يبغضه إلّا ملحد أو زنديق، قد انفرد في ذلك العصر عن أعلام الزمان كما انفرد في هذا الفصل، فلم يترجم فيه معه في الأصل لإنسان. انتهى كلام الإسنوي [١] .
وقال ابن قاضي شهبة [٢] : ومن تصانيفه «البسيط» وهو كالمختصر للنهاية، و «الوسيط» ملخص منه، وزاد فيه أمورا من «الإبانة» للفوراني، ومنها أخذ هذا الترتيب الحسن الواقع في كتبه، وتعليق القاضي حسين، و «المهذّب» واستمداده منه كثير، كما نبّه عليه في المطلب، ومن تصانيفه أيضا «الوجيز» و «الخلاصة» مجلد دون «التنبيه» وكتاب «الفتاوى» له مشتمل على مائة وتسعين مسألة، وهي غير مرتبة وله فتاوى أخرى غير مشهورة، أقل من تلك، وصنّف في الخلاف المآخذ جمع مأخذ [٣] ، ثم صنّف كتابا آخر في الخلاف سماه «تحصيل المأخذ» [٤] وصنّف في المسألة السريجية مصنفين، اختار في أحدهما عدم وقوع الطلاق وفي الآخر الوقوع، وكتاب «الإحياء» وهو الأعجوبة العظيم الشأن، و «بداية الهداية» في التصوف، و «المستصفى» في أصول الفقه، و «إلجام العوام عن علم الكلام» ، و «الرد على الباطنية» ، و «مقاصد الفلاسفة» ، و «تهافت الفلاسفة» و «جواهر القرآن» و «شرح الأسماء
стр. 2261
الحسنى» ، و «مشكاة الأنوار» و «المنقذ من الضلال» وغير ذلك. انتهى.
وذكر الشيخ علاء الدّين علي بن الصيرفي في كتابه «زاد السالكين» أن القاضي أبا بكر بن العربي قال: رأيت الإمام الغزالي في البريّة وبيده عكازة، وعليه مرقعة، وعلى عاتقه ركوة، وقد كنت رأيته ببغداد يحضر مجلس درسه نحو أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم، يأخذون عنه العلم. قال:
فدنوت منه وسلّمت عليه، وقلت له: يا إمام! أليس تدريس العلم ببغداد خير من هذا؟ قال: فنظر إلي شزرا [١] وقال: لما طلع بدر السعادة في فلك الإرادة- أو قال سماء الإرادة- وجنحت شمس الوصول في مغارب الأصول:
تركت هوى ليلى وسعدى [٢] بمعزل ... وعدت إلى تصحيح أول منزل
ونادت بي الأشواق مهلا فهذه ... منازل من تهوى رويدك فانزل
غزلت لهم غزلا دقيقا فلم أجد ... لغزلي نسّاجا فكسّرت مغزلي
انتهى.
стр. 2262
سنة ست وخمسمائة
فيها توفي أبو غالب أحمد بن محمد بن أحمد الهمذاني العدل.
روى عن أبي سعيد عبد الرحمن بن شبانة [١] وجماعة، أو توفي في العام الآتي. قاله في «العبر» [٢] .
وفيها أبو القاسم إسماعيل بن الحسن السّنجبستي- بفتح السين [٣] المهملة والجيم والموحدة، وسكون النون والمهملة الثانية وفوقية، نسبة إلى سنجبست، منزل بين نيسابور وسرخس- الفرائضي. توفي في صفر بسنجبست. روى عن أبي بكر الحيري، وأبي سعيد الصيرفي، وعاش خمسا وتسعين سنة.
وفيها الفضل بن محمد بن عبيد القشيري النيسابوريّ الصّوفيّ العدل. روى عن أبي حسّان المزّكّي، وعبد الرحمن بن النّصرويي [٤] ، وطائفة، وعاش خمسا وثمانين سنة، وهو أخو عبيد القشيري.
وفيها أبو سعد المعمّر بن علي بن المعمّر بن أبي عمامة [٥] البقّال
стр. 2263
البغدادي، الحنبلي، الفقيه، الواعظ، ريحانة البغداديين.
ولد سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وسمع من ابن غيلان، والخلّال، والجوهري، والأزجي، وغيرهم.
وكان فقيها مفتيا واعظا بليغا فصيحا، له قبول تام، وجواب سريع، وخاطر حاد، وذهن بغداديّ، وكان يضرب به المثل في حدة الخاطر، وسرعة الجواب بالمجون، وطيب الخلق، وله كلمات في الوعظ حسنة، ورسائل مستحسنة، وجمهور وعظه [١] حكايات السلف، وكان يحصل بوعظه نفع كثير [٢] ، وكان في زمن أبي علي بن الوليد شيخ المعتزلة، يجلس في مجلسه، ويلعن المعتزلة.
وخرج مرة فلقي مغنية قد خرجت من عند تركي، فقبض على عودها، وقطّع أوتاره، فعادت إلى التّركي فأخبرته، فبعث من كبس دار أبي سعد وأفلت هو، فاجتمع بسبب ذلك الحنابلة، وطلبوا من الخليفة إزالة المنكرات كلها، فأذن لهم في ذلك.
وكان أبو سعد يعظ بحضرة الخليفة [المستظهر] والملوك، ووعظ يوما نظام الملك الوزير بجامع المهدي، فقال من جملة ما قال: لما تقلدت أمور البلاد وملكت أزمّة العباد، اتخذت الأبواب والبواب، والحجاب والحجّاب، ليصدّوا عنك القاصد، ويردّوا عنك الوافد؟ فاعمر قبرك كما عمّرت قصرك، وانتهز الفرصة ما دام الدهر [أمّرك، فلا تعتذر، فما ثمّ من] يقبل عذرك.
وهذا ملك الهند، وهو عابد صنم، ذهب سمعه، فقال: ما حسرتي (١٩/ ٤٥١) و «ذيل طبقات الحنابلة» (١/ ١٠٧) .
стр. 2264
لذهاب هذه الجارحة من بدني، ولكن تأسفي لصوت المظلوم لا أسمعه فأغيثه [١] ثم قال: إن كان ذهب سمعي فما ذهب بصري، فليؤمر كل ذي ظلامة أن يلبس الأحمر حتّى، إذا رأيته عرفته فأنصفته [٢] . وهذا أنوشروان، قال له رسول الرّوم: لقد أقدرت عدوك عليك بتسهيل الوصول إليك، فقال:
إنما أجلس هذا المجلس لأكشف ظلامة، وأقضي حاجة. وأنت يا صدر الإسلام أحق بهذه المأثره، وأولى بهذه وأحرى، فأعدّ جوابا [٣] لتلك المسألة، فإن السائل الله تعالى، الذي تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ١٩: ٩٠ [مريم: ٩٠] في موقف ما فيه إلّا خاشع، أو خاضع، أو مقنع، فينخلع فيه القلب، ويحكم فيه الرّب، ويعظم فيه الكرب، ويشيب فيه الصغير، ويعزل فيه الملك والوزير، يوم يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ٨٩: ٢٣ [الفجر: ٢٣] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ من خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ من سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ٣: ٣٠ [آل عمران: ٣٠] . وقد استجلبت لك الدعاء، وخلدت لك الثناء، مع براءتي من التهمة، فليس لي- بحمد الله تعالى- في أرض الله ضيعة ولا قرية، ولا بيني وبين أحد خصومة، ولا بي بحمد الله فقر ولا فاقة.
فلما سمع، نظام الملك هذه الموعظة بكى بكاء شديدا، وأمر له بمائة دينار، فأبى أن يأخذها، [وقال: أنا في ضيافة أمير المؤمنين، ومن يكن في ضيافة أمير المؤمنين يقبح عليه أن يأخذ عطاء غيره] ، فقال [له] : فصلها [٤] إلى الفقراء، فقال هم على بابك أكثر منهم على بابي، ولم يأخذ شيئا.
стр. 2265
وتوفي أبو سعد يوم الاثنين ثامن عشري ربيع الأول، ودفن من الغد بمقبرة باب حرب، رحمه الله تعالى.
وفيها جعفر بن الحسن الدّرزيجاني- بفتح الدال المهملة وسكون الراء وكسر الزاي، وتحتية ساكنة، وجيم، نسبة إلى درزيجان، قرية ببغداد- المقرئ الفقيه الزاهد.
ذكره القاضي أبو الحسين [١] فيمن تفقه على أبيه، وسمع الحديث.
وقال ابن شافع: هو الأمّار بالمعروف، والنهّاء على المنكر، ذو المقامات المشهودة في ذلك، والمهيب بنور الإيمان واليقين لدى الملوك والمتصرفين.
صحب القاضي أبا يعلى، وتفقه عليه، ثم تمّم على صاحبه الشريف أبي جعفر، وختم عليه القرآن خلق لا يحصون كثرة.
وكان من عباد الله الصالحين، لا تأخذه في الله لومة لائم، مهيبا، وقورا، له حرمة عند الملوك والسلاطين، ولا يتجاسر أحد أن يقدم عليه إذا أنكر منكرا.
وله المقامات المشهودة في ذلك، مداوما للصيام والتهجد والقيام، وله ختمات كثيرة جدا، كل ختمة منها في ركعة واحدة. وسمع الحديث من أبي علي بن البناء، وتوفي في الصلاة ساجدا في شهر ربيع الآخر بدرزيجان، رحمه الله تعالى.
стр. 2266
سنة سبع وخمسمائة
فيها توفي أبو بكر الحلواني أحمد بن علي بن بدران، ويعرف بخالوه [١] . ثقة زاهد متعبد. روى عن القاضي أبي الطّيب الطبري وطائفة.
وفيها رضوان، صاحب حلب ابن تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان السلجوقي، ومنه أخذت الفرنج أنطاكية، وملك بعده ابنه ألب أرسلان الأخرس.
وفيها الحافظ شجاع بن فارس أبو غالب الذّهلي السّهروردي- بضم السين المهملة وسكون الهاء وفتح الراء والواو وسكون الراء ومهملة، نسبة إلى سهرورد بلد عند زنجان [٢]- ثم البغدادي، وله تسع وسبعون سنة. نسخ ما لا يدخل تحت الحصر من التفسير، والحديث، والفقه، لنفسه وللناس، حتّى إنه كتب شعر ابن الحجّاج سبع مرّات، وروى عن ابن غيلان، وعبد العزيز الأزجي، وخلق، وتوفي في جمادى الأولى.
قال ابن ناصر الدّين [٣] : هو حافظ عمدة إمام.
стр. 2267
وفيها عبد الله بن مرزوق أبو الخير الأصم الهروي، مولى شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري. كان من الحفّاظ الزهّاد المتقنين. قاله ابن ناصر الدّين [١] .
وفيها الشّاشي المعروف بالمستظهري، فخر الإسلام أبو بكر محمد ابن أحمد بن الحسين، شيخ الشافعية. ولد بميّافارقين سنة تسع وعشرين، وتفقه على محمد بن بيان الكازروني، ثم لزم ببغداد الشيخ أبا إسحاق [٢] ، وابن الصباغ، وصنّف وأفتى، وولي تدريس النظامية، وتوفي في شوال، ودفن عند الشيخ أبي إسحاق، وقيل: معه في قبر واحد. ومن تصانيفه «حلية العلماء» وسماه «المستظهري» وغيره، وانتهت إليه رئاسة الشافعية بعد انقراض مشايخه، فكان ينشد:
خلت الدّيار فسدت غير مسوّد ... ومن العناء تفرّدي بالسؤدد
[٣] ذكره في بعض دروسه ووضع المنديل على عينيه وبكى بكاء شديدا.
قال ابن شهبة [٤] : كان مهيبا، وقورا، متواضعا، ورعا، وكان يلقب بين الطلبة في حداثته بالجنيد، لشدة ورعه، وله شعر حسن. وقع بينه وبين الدامغاني، فأنشأ فيه الشاشي:
حجاب [٥] وإعجاب وفرط تصلف ... ومدّ يد نحو العلا بتكلّف
ولو كان هذا من وراء كفاية ... لهان ولكن من وراء تخلّف
стр. 2268
ومن تصانيفه «الشافي في شرح الشامل» في عشرين مجلدا، ومات وقد بقي منه نحو الخمس [١] وكتاب «الحلية» في مجلدين، وذكر فيه خلافا كثيرا للعلماء، صنفه للخليفة المستظهر بالله، ولذلك يلقب بالمستظهري، وتصنيف لطيف في [المسألة] السريجية واختار فيه عدم الوقوع. انتهى ملخصا.
وفيها أبو منصور علي بن محمد بن علي بن إسماعيل الأنباري، القاضي الفقيه الحنبلي الواعظ.
ولد يوم الخميس خامس عشري ذي الحجة، سنة خمس وعشرين وأربعمائة، وقرأ القرآن على ابن الشّرمقاني [٢] .
وسمع الحديث من أبي طالب بن غيلان، والجوهري وأبي إسحاق البرمكي، وأبي بكر بن بشران، وغيرهم.
وسمع من القاضي أبي يعلى، وتفقه عليه حتّى برع في الفقه، وأفتى ووعظ، وكان مظهرا للسّنّة في مجالسه.
وشهد عند ابن [٣] الدامغاني، وأبي بكر السّامي، وغيرهما. وولي القضاء بباب الطاق، وحدّث وانتشرت الرواية عنه. روى عنه عبد الوهاب الأنماطي، والسّلفي، وغيرهما، وتوفي يوم السبت رابع عشري جمادى الآخرة، ودفن من الغد بمقبرة باب حرب، وتبعه من الخلق ما لا يحصى كثرة، ولا يعدّهم إلّا أسرع الحاسبين. قاله ابن رجب [٤] .
стр. 2269
وفيها أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي بن أحمد الشيباني المقدسي الحافظ القيسراني، ذو الرحلة الواسعة، والتصانيف والتعاليق، عاش ستين سنة، وسمع بالقدس أولا من ابن ورقاء، وببغداد من أبي محمد الصّريفيني، وبنيسابور من الفضل بن المحب، وبهراة من بيبى [١] ، وبأصبهان، وشيراز، والرّي، ودمشق، ومصر، من هذه الطبقة، وكان من أسرع الناس كتابة، وأذكاهم وأعرفهم بالحديث، والله يرحمه ويسامحه. قاله الذهبي [٢] .
وقال إسماعيل محمد بن الفضل الحافظ: أحفظ من رأيت محمد بن طاهر.
وقال السّلفي: سمعت ابن طاهر يقول: كتبت البخاريّ، ومسلم، وأبا داود، وابن ماجة سبع مرات بالوراقة.
وقال الحافظ ابن ناصر الدّين [٣] : كان حافظا، مكثرا، جوّالا في البلاد، كثير الكتابة، جيد المعرفة، ثقة في نفسه، حسن الانتقاد ولولا ما ذهب إليه من إباحة السماع لا نعقد على ثقته الإجماع.
وفيها أبو المظفّر الأبيوردي- بفتح الهمزة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء التحتية وفتح الواو وسكون الراء وبعدها دال مهملة، نسبة إلى أبيورد، ويقال لها: أبا ورد وباورد، وهي بلدة بخراسان [٤]- محمد بن أبي العبّاس أحمد بن إسحاق الأموي المعاوي اللّغوي الشاعر الأخباري النسابة، صاحب
стр. 2270
التصانيف والبلاغة والفصاحة، وكان رئيسا عالي الهمة، ذا بأو وتيه وصلف، توفي [١] بأصبهان مسموما. قاله في «العبر» [٢] .
وقال ابن خلّكان [٣] : كان من الأدباء المشاهير، راوية، نسابة، شاعرا ظريفا، قسم ديوانه إلى أقسام، منها: «العراقيات» ومنها «الوجديات» ، ومنها «النجديات» وغير ذلك، وكان من أخبر الناس بعلم الأنساب، نقل عنه الحفاظ الأثبات الثقات.
وقد روى عنه أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في غير موضع من كتابه الذي وضعه في «الأنساب» [٤] وقال في حقه في ترجمة المعاوي [٥] : إنه كان أوحد أهل زمانه في علوم عدّة، وقد أوردنا عنه في غير موضع من هذا الكتاب أشياء، وكان يكتب في نسبه [٦] المعاوي، وأليق ما وصف به بيت أبي العلاء المعري:
وإنّي وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل
انتهى كلام المقدسي.
وذكره أبو زكريا بن مندة في «تاريخ أصبهان» فقال: فخر الرؤساء أفضل الدولة، حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، يتصرف [٧] ، في فنون جمة من العلوم، عارف بأنساب العرب، فصيح الكلام، حاذق في تصنيف الكتب، وافر العقل، كامل الفضل، فريد دهره ووحيد عصره. وكان فيه تيه وكبر وعزة
стр. 2271
نفس، وكان إذا صلى يقول: اللهم ملكني مشارق الأرض ومغاربها.
وذكر عنه ابن السمعاني أنه كتب رقعة إلى أمير المؤمنين المستظهر بالله، وعلى رأسها الخادم المعاوي، فكره الخليفة النسبة إلى معاوية، فحكّ الميم ورد الرقعة إليه، فصار العاوي.
ومن محاسن شعره:
ملكنا أقاليم البلاد فأذعنت ... لنا رغبة أو رهبة عظماؤها
فلما انتهت أيامنا علقت بنا ... شدائد أيام قليل رخاؤها
[١]
وكان إلينا في السّرور ابتسامها ... فصار علينا في الهموم بكاؤها
وصرنا نلاقي النائبات بأوجه ... رقاق الحواشي كاد يقطر ماؤها
إذا ما هممنا أن نبوح بما جنت ... علينا الليالي لم يدعنا حياؤها
وقوله أيضا:
تنكّر بي دهري ولم يدر أنني ... أعزّ وأحداث الزّمان تهون
فبات يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبتّ أريه الصّبر كيف يكون
ومن شعره:
وهيفاء لا أصغي إلى من يلومني ... عليها ويغريني بها أن أعيبها
أميل بإحدى مقلتيّ إذا بدت ... إليها وبالأخرى أراعي رقيبها
وقد غفل الواشي فلم يدر أنني ... أخذت لعيني من سليمى نصيبها
ومن معانيه البديعة قوله من جملة أبيات في وصف الخمرة:
ولها من ذاتها طرب ... فلهذا يرقص الحبب
وله من قصيدة:
стр. 2272
فسد الزمان فكلّ من صاحبته ... راج [١] ينافق أو مداج خاشي
وإذا اختبرتهم ظفرت بباطن ... متجهّم [٢] وبظاهر هشّاش
وله تصانيف كثيرة، منها «تاريخ أبيورد ونسا» و «المختلف والمؤتلف» [و «طبقات كل فنّ» و «ما اختلف وائتلف] في أنساب العرب» .
وله في اللغة مصنفات لم يسبق إلى مثلها، وكان حسن السيرة، جميل الأثر [٣] .
وكانت وفاته يوم الخميس بين الظهر والعصر عشري ربيع الأول مسموما بأصبهان. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.
وفيها ابن اللّبانة، أبو بكر محمد بن عيسى اللّخمي الأندلسي الأديب، من جلّة [٤] الأدباء وفحول الشعراء، له تصانيف عديدة في الآداب، وكان من شعراء دولة المعتمد بن عبّاد. قاله في «العبر» [٥] .
وفيها المؤتمن بن أحمد بن علي بن نصر الرّبعي البغدادي الحافظ، ويعرف بالسّاجي، حافظ محقّق، واسع الرحلة، كثير الكتابة، متين الورع والديانة. روى عن أبي الحسين بن النّقور، وأبي بكر الخطيب، وطبقتهما بالشام، والعراق، وأصبهان، وخراسان، وتفقه وكتب «الشامل» عن مؤلّفه ابن الصبّاغ، وتوفي في صفر عن اثنتين وستين سنة، وكان قانعا متعففا.
وفيها كما قال السيوطيّ في «تاريخ الخلفاء» [٦] : جاء صاحب الأندلس
стр. 2273
مودود بعسكر ليقاتل ملك الفرنج، الذي بالقدس، فوقع بينهم معركة هائلة، ثم رجع مودود إلى دمشق، فصلى الجمعة يوما في الجامع، وإذا بباطني وثب عليه فجرحه فمات من يومه، فكتب ملك الفرنج إلى صاحب دمشق كتابا فيه: وإنّ أمّة قتلت عميدها في يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها. انتهى كلام السيوطي.
ومودود هذا غير مودود الأعرج صاحب الموصل أيضا، فإن ذاك توفي سنة خمس وستين وخمسمائة، كما يأتي إن شاء الله تعالى [١] .
стр. 2274
سنة ثمان وخمسمائة
فيها كما قال في «الشذور» ورد كتاب أنه حدث زلزلة، فوقع من سور الرّها ثلاثة عشر برجا وبعض سور حرّان، وخسف بسميساط، وتساقط في بالس نحو مائة دار، وقلب نصف القلعة.
وفيها هلك بغدوين صاحب القدس من جراحة أصابته يوم مصافّ طبريّة.
وفيها مات أحمديل [١] ، صاحب مراغة، وكان شجاعا جوادا، وعسكره خمسة آلاف، فتكت به الباطنية.
وفيها أحمد بن محمد بن غلبون، أبو عبد الله، الخولاني القرطبي ثم الإشبيلي، وله تسعون سنة. سمّعه أبوه معه من عثمان بن أحمد القيشاطي [٢] وطائفة، وأجاز له يونس بن عبد الله بن مغيث، وأبو عمر
стр. 2275
الطّلمنكي، وأبو ذرّ الهروي، والكبار [١] ، وكان صالحا خيّرا، عالي الإسناد، منفردا.
وفيها أبو حازم إسماعيل بن المبارك [٢] بن أحمد بن محمد بن وصيف البغدادي [٣] ، الفقيه الحنبلي.
ولد سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. وقرأ الفقه على القاضي أبي يعلى، وسمع من ابن العشاري [٤] والجوهري، وروى عنه أبو معمر [٥] الأنصاري وبالإجازة ابن كليب، وتوفي في رجب.
وفيها أبو العباس المخلّطي- بالضم وفتح الخاء واللام المشددة، نسبة إلى بيع المخلّط، وهو الفاكهة اليابسة- أحمد بن الحسن بن أحمد البغدادي [٦] ، الفقيه الحنبلي. صحب القاضي أبا يعلى، وتفقه عليه، ولازمه، وسمع منه الحديث، وكتب الخلاف وغيره من تصانيفه.
وسمع أيضا من أبي الحسين [٧] بن المهتدي، وابن المسلمة، وغيرهم، وحدّث عنهم.
стр. 2276
قال ابن ناصر الحافظ: وسمعت منه، قال: وكان رجلا صالحا من أهل القرآن والسّتر والصيانة، ثقة مأمونا، توفي ليلة الأربعاء ثاني عشر جمادى الأولى، ودفن من الغد بمقبرة باب حرب، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو علي إسماعيل بن محمد بن الحسن بن داود الأصبهاني الخيّاط [١] الفقيه الحنبلي. دخل بغداد سنة سبع وخمسمائة، وحدّث بها عن والده وعن أبي بكر محمد بن أحمد بن الحسن بن ماجة، وأبي مطيع المصري وغيرهم. سمع منه أبو منصور محمد بن ناصر البردني، وقال: كان من الأئمة الكبار، وهو أخو أبي سعد محمد بن أحمد بن داود.
قال ابن النجار: قرأت بخط أخيه أبي سعيد، توفي أخي أبو علي إسماعيل في العشر الآخر من جمادى الآخرة، سنة ثمان وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
وفيها ألب أرسلان، صاحب حلب، وابن صاحبها، رضوان بن تتش السلجوقيّ التركيّ، تملّك وله ست عشرة سنة، فقتل أخويه بتدبير البابا لؤلؤ، وقتل جماعة من الباطنية، وكانوا قد كثروا في دولة أبيه. ثم قدم دمشق ونزل بقلعتها، ثم رجع وفي خدمته طغتكين، وكان سيّئ السيرة، فاسقا، فقتله البابا وأقام أخا له طفلا له ست سنين، ثم قتل البابا سنة عشر.
وفيها أبو الوحش، سبيع بن المسلّم الدّمشقي، المقرئ الضرير، ويعرف بابن قيراط. قرأ لابن عامر على الأهوازيّ، ورشأ، وروى الحديث عنهما، وعن عبد الوهاب بن برهان، وكان يقرئ من السّحر إلى الظهر.
توفي في شعبان عن تسع وثمانين سنة.
وفيها النّسيب أبو القاسم، علي بن إبراهيم بن العبّاس الحسيني
стр. 2277
الدمشقي، الخطيب، الرئيس، المحدّث، صاحب «الأجزاء العشرين» التي خرّجها له الخطيب، توفي في ربيع الآخر، عن أربع وثمانين سنة. قرأ على الأهوازي، وروى عنه، وعن سليم، ورشأ [١] وخلق، وكان ثقة، نبيلا، محتشما، مهيبا، سديدا، شريفا، صاحب حديث وسنّة.
وفيها السلطان علاء الدولة مسعود، صاحب الهند وغزنة، ولد السلطان إبراهيم بن السلطان مسعود بن السلطان الكبير محمود بن سبكتكين، مات في شوال، وتملّك بعده ولده أرسلان شاه.
стр. 2278
سنة تسع وخمسمائة
فيها توفي ابن ملّة [١] أبو عثمان إسماعيل بن محمد الأصبهاني الواعظ المحتسب، صاحب تلك المجالس.
قال ابن ناصر [٢] : وضع حديثا وكان يخلّط.
وقال الذهبي [٣] : روى [٤] عن ابن ريذة وجماعة.
وفيها أبو شجاع الدّيلمي، شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فنّا خسرو- بفاء ونون، وخاء معجمة، وسين وراء مهملتين، بعدهما واو- الهمذاني الحافظ، صاحب كتاب «الفردوس» و «تاريخ همذان» وغير ذلك، توفي في رجب عن أربع وسبعين سنة. وغيره أتقن منه. سمع الكثير من يوسف بن محمد المستملي وطبقته.
وقال ابن شهبة في «طبقات الشافعية» [٥] : وهو من ولد الضحّاك بن فيروز الصحابي.
ذكره ابن الصلاح فقال: كان محدّثا، واسع الرحلة، حسن الخلق
стр. 2279
والخلق، ذكيا، صلبا في السّنّة، قليل الكلام، صنّف تصانيف اشتهرت عنه، منها «كتاب الفردوس» وكتاب في حكايات المنامات، وكتابا في تاريخ همذان.
ولد سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وتوفي في رجب، سنة تسع وخمسمائة. انتهى.
وفيها غيث بن علي أبو الفرج الصّوري [الأرمنازي [١] ، خطيب صور] ومحدّثها.
روى عن أبي بكر الخطيب، ورحل إلى دمشق ومصر، وعاش ستا وستين سنة.
وفيها الشريف أبو يعلى بن الهبّارية [٢]- بفتح الهاء وتشديد الباء الموحدة، وبعد الألف راء، نسبة إلى هبّار جد أبي يعلى المذكور- محمد بن محمد بن صالح الهاشمي، الشاعر المشهور الهجّاء، الملقب نظام الدّين البغدادي. كان شاعرا مجيدا حسن المقاصد، لكنه خبيث اللسان، كثير الهجاء والوقوع في الناس، لا يكاد يسلم من لسانه أحد.
ذكره العماد الكاتب في «الخريدة» فقال: من شعراء نظام الملك، غلب على شعره الهجاء، والهزل، والسخف، وسبك في قالب ابن حجّاج، وسلك أسلوبه، وفاقه في الخلاعة. والنظيف من شعره في غاية الحسن [٣] .
انتهى كلام العماد.
وكان ملازما لخدمة نظام الملك وولده ملكشاه.
стр. 2280
ومن معاني شعره الغريبة قوله:
قالوا أقمت وما رزقت وإنما ... بالسير يكتسب اللّبيب ويرزق
فأجبتهم ما كلّ سير نافعا ... الحظّ ينفع لا الرحيل المقلق
كم سفرة نفعت وأخرى مثلها ... ضرّت [١] ويكتسب الحريص ويخفق
كالبدر يكتسب الكمال بسيره ... وبه إذا حرم السعادة يمحق
وله أيضا:
خذ جملة البلوى ودع تفصيلها ... ما في البرية كلها إنسان
وإذا البياذق في الدّسوت تفرزنت ... فالرأي أن يتبيذق الفرزان
وله على سبيل الخلاعة والمجون:
يقول أبو سعيد إذ رآني ... عفيفا منذ عام ما شربت
على يد أي شيخ تبت قل لي ... فقلت على يد الإفلاس تبت
وله في المعنى أيضا:
رأيت في الليل عرسي وهي ممسكة ... ذقني وفي يدها شيء من الأدم
[٢]
معوّج الشكل مسودّ به نقط ... لكنّ أسفله في هيئة القدم
حتى تنبّهت محمّر القذال ولو ... طال المنام على الشيخ الأديب عمي
وله كتاب «نتائج الفطنة [٣] في نظم كليلة ودمنة» وديوان شعره [كبير] يدخل في أربع مجلدات، ومن غرائب نظمه كتاب «الصادح والباغم» نظمه على أسلوب «كليلة ودمنة» وهو أراجيز، وعدد بيوته ألفا بيت، نظمها في عشر