← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

قال ابن رجب: ولد يوم السبت لثمان عشرة من شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وسمع الحديث من أبي البركات العاقولي، وأبي علي الثّككيّ [١] وغيرهما، وأجازه الحريري صاحب «المقامات» ودرّس وناظر في شبيبته، وكان ذا ذكاء مفرط وذهن ثاقب وفصاحة وحسن عبارة [٢] ، ظهر علمه في الآفاق، ورأى من تلاميذه من ناظر ودرّس وأفتى في حياته. ومما كتبه [٣] إلى بعض العلماء: فلو أن للكرم [٤] مقلة لكان هو إنسانها، أو للمجد [٥] لغة لكان هو لسانها، أو للسؤدد دهرا لكان هو ربيع أزمانه، وللشرف عمرا لكان [هو] صفو ريعانه، وللأجواد شهبا لكان هو الشمس التي إذا ظهرت خفيت الكواكب لظهورها، وإذا تأمّلها الراؤون ردّت أبصارهم عن شعاعها ونورها. ولابن الجوزي فيه مدائح كثيرة، وله مصنفات كثيرة، منها: «المفردات» و «التعليقة» في مسائل الخلاف، و «شرح المذهب» وكتاب «النّكت والإشارات» . وقرأ عليه المذهب جماعة كثيرة، منهم أبو إسحاق الصقّال، وأبو العبّاس القطيعي، وأبو البقّال العكبري، ويحيى بن الرّبيع الشافعي، وسمع منه جماعة كثيرة أيضا، وتوفي ليلة السبت سحر خامس جمادى الأولى. وفيها أبو طالب العلويّ الشريف محمد بن محمد بن محمد بن أبي

стр. 2557

زيد الحسني البصري [١] ، نقيب الطالبيين بالبصرة. روى عن أبي علي التّستري، وجعفر العبّاداني، وجماعة، واستقدمه [٢] ابن هبيرة لسماع «السنن» [٣] . توفي في ربيع الأول عن إحدى وتسعين سنة. وفيها أبو الحسن بن التلميذ، أمين الدولة هبة الله بن صاعد المصري البغدادي، شيخ قومه وقسّيسهم- لعنهم الله- وشيخ الطب وجالينوس العصر، وصاحب التصانيف. مات في ربيع الأول وله أربع وتسعون سنة. قاله في «العبر» [٤] . وقال صاحب «أنموذج الأعيان» : كان شيخا زيني المنظر، عذب المجتلى والمجتنى، لطيف الرّوح، ظريف الشخص، مصنّف الفكر، حازم الرأي، والله يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يريد بعدله، وله لغز في ميزان: ما واحد مختلف الأسماء ... يعدل في الأرض وفي السماء يحكم بالقسط بلا مراء [٥] ... أعمى يري الإرشاد كل راء أخرس لا من علّة وداء ... يغني عن التصريح بالإيماء يجيب إن ناداه ذو امتراء ... بالخفض والرّفع عن النداء يفصح إن علّق في الهواء وقوله مختلف الأسماء: يعني ميزان الشمس الأسطرلاب، وميزان الكلام النحو، وميزان الشعر العروض.

стр. 2558

وفيها ياغي [١] أرسلان بن الداشمند صاحب ملطية، جرى بينه وبين جاره قلج أرسلان حروب عديدة، ثم مات وولى بعده ابن أخيه إبراهيم بن محمد، فصالح قلج أرسلان. وفيها الوزير عون الدّين أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد الشيباني [٢] وزير المقتفى وابنه. ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة بالسواد، ودخل بغداد شابا فطلب العلم وتفقّه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وسمع الحديث، وقرأ القراءات، وشارك في الفنون، وصار من فضلاء زمانه. ثم احتاج فدخل في الكتابة، وولي مشارفة الخزانة، ثم ترقّى وولي ديوان الخواص [٣] ثم استوزره المقتفي، فبقي وزيرا إلى أن مات، وكان شامة بين الوزراء لعدله ودينه وتواضعه ومعرفته. روى عن أبي عثمان بن ملّة وجماعة، ولما ولّاه المقتفي امتنع من لبس خلعة الحرير وحلف أن لا يلبسها، وذا شيء لا يفعله قضاة زماننا ولا خطباؤهم [٤] وكان مجلسه معمورا بالعلماء والفقهاء، والبحث وسماع الحديث، شرح «صحيحي» البخاري ومسلم، وألّف كتاب «العبادات في مذهب أحمد» ومات شهيدا مسموما في جمادى الأولى، ووزر بعده شرف الدّين أبو جعفر بن البلدي. قاله في «العبر» . وقال ابن رجب [٥] : صحب أبا عبد الله محمد بن يحيى الزّبيدي الواعظ الزاهد من حداثته، وكمّل عليه فنونا من العلوم الأدبية وغيرها، وأخذ عنه التأله والعبادة، وانتفع بصحبته حتّى إن الزبيدي كان يركب جملا ويعتم

стр. 2559

بفوطة، ويلويها تحت حنكه، وعليه جبّة صوف، وهو مخضوب بالحناء، فيطوف بأسواق بغداد ويعظ الناس، وزمام جمله بيد [أبي المظفّر] بن هبيرة، وهو أيضا معتم بفوطة من قطن، قد لواها تحت حنكه، وعليه قميص قطن خام، قصير الكم والذيل، وكلما وصل الزّبيدي موضعا أشار ابن هبيرة بمسبحته، ونادى برفيع صوته: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. وقال ابن الجوزي: كانت له معرفة حسنة بالنحو، واللغة، والعروض، وصنّف في تلك العلوم، وكان شديدا في اتباع السّنّة وسير السلف. وقال ابن رجب: صنّف الوزير أبو المظفّر كتاب «الإفصاح عن معاني الصحاح» في عدة مجلدات، وهو شرح «صحيحي» البخاري ومسلم، ولما بلغ فيه إلى حديث: «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين» [١] شرح الحديث، وتكلّم على معنى الفقه، وآل به الكلام إلى ذكر [٢] مسائل الفقه المتفق عليها والمختلف فيها بين الأئمة الأربعة المشهورين، وقد أفرده الناس من الكتاب وجعلوه بمفرده مجلدة وسموه بكتاب «الإفصاح» وهو قطعة منه، وهذا الكتاب صنّفه في ولايته الوزارة، واعتنى به، وجمع عليه أئمة المذاهب، وأوفدهم من البلدان إليه لأجله، بحيث أنفق على ذلك مائة ألف دينار، وثلاثة عشر ألف دينار، وحدّث به، واجتمع الخلق العظيم لسماعه عليه.

стр. 2560

واشتغل به الفقهاء في ذلك الزمان على اختلاف مذاهبهم. واستدعاه المقتفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة إلى داره، وقلّده الوزارة، وخلع عليه، وخرج في أبهة عظيمة، ومشى أرباب الدولة وأصحاب المناصب كلهم [١] بين يديه، وهو راكب. وحضر القراء والشعراء، وكان يوما مشهودا. وقرئ عهده، وخوطب فيه بالوزير العالم العادل عون الدّين جلال الإسلام صفي الإمام، شرف الأنام، معزّ الدولة، مجير الملّة، عماد الأمة مصطفى الخلافة، تاج الملوك والسلاطين، صدر الشرق والغرب، سيد الوزراء. وقال يوما: لا تقولوا في ألقابي سيد الوزراء، فإن الله تعالى سمّى هارون وزيرا، وجاء عن النّبيّ ﷺ «أنّ وزيريه من أهل السّماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر» [٢] . وقال مرّة في وزارته: والله لقد كنت أسأل الله الدنيا لأخدم بما يرزقنيه منها العلم وأهله. وكان سبب هذا أنه ذكر في مجلسه مفردات الإمام أحمد، التي تفرّد

стр. 2561

بها [١] عن الثلاثة [٢] فادعى أبو محمد الأشيري [٣] المالكي: أنها رواية عن مالك، ولم يوافقه على ذلك أحد، وأحضر الوزير كتب مفردات أحمد، وهي منها، والمالكي مقيم على دعواه، فقال له الوزير: بهيمة أنت؟ أما تسمع هؤلاء يشهدون بانفراد أحمد بها، والكتب المصنّفة، وأنت تنازع، وتفرّق المجلس، فلما كان المجلس الثاني، واجتمع الخلق للسماع، أخذ ابن شافع في القراءة، فمنعه الوزير، وقال: كان الفقيه أبو محمد جريء في مسألة أمس على ما لا يليق به من العدول عن الأدب والانحراف عن نهج النظر، حتى قلت تلك الكلمة- أي قوله أنت بهيمة- وها أنا فليقل لي كما قلت له، فلست بخير منكم، ولا أنا إلّا كأحدكم، فضج المجلس بالبكاء، وارتفعت الأصوات بالدعاء والثناء، وأخذ الأشيري يعتذر ويقول: أنا المذنب والأولى بالاعتذار من مولانا الوزير، ويقول القصاص القصاص، فقال يوسف الدمشقي: إذا فالفداء، فقال له الوزير: له حكمه، فقال الأشيري: نعمك عليّ كثيرة، فأيّ حكم بقي لي؟ فقال: قد جعل الله لك الحكم علينا، فقال: على بقية دين منذ كنت بالشام، فقال الوزير: يعطى مائة دينار لإبراء ذمته وذمتي، فأحضرت له. وقال ابن الجوزي: كان يتحدث بنعم الله عليه، ويذكر في منصبه شدة فقره القديم، فيقول: نزلت يوما إلى دجلة، وليس معي رغيف أعبر به. ودخل عليه يوما تركي، فقال لحاجبه: أما قلت [٤] لك: أعط هذا

стр. 2562

عشرين دينارا، وكرّا [١] من الطعام، وقل له: لا تحضر هاهنا فقال: قد أعطيناه. فقال: عد وأعطه، وقل له: لا تحضر، ثم التفت إلى الجماعة فقال: هذا كان شحنة [٢] في القرى، فقتل قتيل قريبا [٣] من قريتنا، فأخذ مشايخ القرى وأخذني مع الجماعة، وأمشاني مع الفرس، وبالغ في أذاي وأوثقني ثم أخذ من [كل] واحد شيئا وأطلقه، ثم قال لي: أي شيء معك؟ قلت: ما معي شيء [٤] [، فانتهرني، وقال: اذهب. فأنا لا أريد اليوم أذاه، وأبغض رؤيته، وذكر: أن الوزير قال:] [٥] وما نقمت عليه إلّا أني سألته في الطريق أن يمهلني حسبما أصلي الفرض، فما أجابني وضربني [على رأسي وهو مكشوف عدة مقارع] [٦] . وقال ابن الجوزي: كنا نجلس إلى ابن هبيرة فيملي علينا كتابه «الإفصاح» فبينا نحن كذلك إذ قدم علينا رجل ومعه رجل ادعى عليه أنه قتل أخاه، فقال له عون الدّين [٧] : أقتلته؟ قال: نعم. جرى بيني وبينه كلام فقتلته، فقال الخصم: سلّمه إلينا حتّى نقتله فقد أقرّ بالقتل، فقال عون الدّين: أطلقوه ولا تقتلوه، قالوا: كيف ذلك، وقد قتل أخانا؟ قال: فتبيعونيه، فاشتراه منهم بستمائة دينار، وسلّم الذهب إليهم وذهبوا، وقال للقاتل: اقعد عندنا

стр. 2563

لا تبرح. قال: فجلس عندهم وأعطاه الوزير خمسين دينارا. قال: فقلنا للوزير: لقد أحسنت إلى هذا وعملت معه أمرا عظيما وبالغت في الإحسان إليه. فقال الوزير: منكم أحد يعلم أن عيني اليمنى لا أبصر بها شيئا؟ فقلنا: معاذ الله، فقال: بلى والله. أتدرون ما سبب ذلك؟ قلنا: لا. قال: هذا الذي خلّصته من القتل جاء إليّ وأنا في الدور ومعي كتاب من الفقه أقرأ فيه ومعه سلّة فاكهة، فقال: احمل هذه السلّة، قلت له: ما هذا شغلي فاطلب غيري، فشاكلني، ولكمني، فقلع عيني ومضى، ولم أره بعد ذلك إلى يومي هذا. فذكرت ما صنع بي فأردت أن أقابل إساءته إليّ بالإحسان مع القدرة. وقال صاحب سيرته: كنا عنده يوما والمجلس غاص بولاة الدّين والدّنيا، والأعيان [١] الأماثل، وابن شافع يقرأ عليه الحديث، إذ فجأنا من باب السّتر وراء ظهر الوزير صراخ بشع وصياح مرتفع، فاضطرب له المجلس، فارتاع الحاضرون والوزير ساكن ساكت، حتى أنهى ابن شافع قراءة الإسناد ومتنه، ثم أشار الوزير إلى الجماعة أن على رسلكم، وقام ودخل السّتر، ولم يلبث أن خرج فجلس وتقدم بالقراءة، فدعا له ابن شافع والحاضرون، وقالوا: قد أزعجنا ذلك الصياح، فإن رأى مولانا أن يعرّفنا سببه؟ فقال الوزير: حتى ينتهي المجلس، وعاد ابن شافع إلى القراءة حتّى غابت الشمس وقلوب الجماعة متعلقة بمعرفة الحال، فعاودوه، فقال: كان لي ابن صغير مات حين سمعتم الصياح عليه ولولا تعين الأمر عليّ بالمعروف في الإنكار عليهم ذلك الصياح لما قمت عن مجلس رسول الله ﷺ ، فعجب الحاضرون من صبره. وقال في كتابه «الإفصاح» في الخضر الذي لقيه موسى ﵇:

стр. 2564

قيل: كان ملكا وقيل بشرا وهو الصحيح، ثم قيل: إنه عبد صالح ليس بنبيّ وقيل: بل نبيّ هو الصحيح. والصحيح عندنا أنه حيّ، وأنه يجوز أن يقف على باب أحدنا مستعطيا له، أو غير ذلك. وقال ابن الجوزي: أنشدنا لنفسه: يلذّ بهذا العيش من ليس يعقل ... ويزهد فيه الألمعيّ المحصّل ما عجب نفس أن ترى الرأي إنما ال ... عجيبة نفس مقتضى الرأي تفعل إلى الله أشكو همّة دنيوية ... ترى النصّ إلّا أنها تتأوّل ينهنهها موت الشباب فترعوي ... ويخدعها روح الحياة فتغفل وفي كل جزء ينقضي من زمانها ... من الجسم جزء مثله يتحلل فنفس الفتى في سهوها وهي تنقضي ... وجسم الفتى في شغله وهو يعمل قال: وأنشدنا لنفسه: والوقت أنفس ما عنيت بحفظه ... وأراه أسهل ما عليك يضيع قال: وأنشدنا لنفسه أيضا: الحمد لله هذا العين لا الأثر ... فما الذي باتّباع الحقّ ينتظر وقت يفوت وأشغال معوّقة ... وضعف عزم ودار شأنها الغير والنّاس ركضى إلى مهوى مصارعهم ... وليس عندهم من ركضهم خبر تسعى بها خادعات من سلامتهم ... فيبلغون إلى المهوى وما شعروا والجهل أصل فساد النّاس كلهم ... والجهل أصل عليه يخلق البشر وإنما العلم عن ذي الرشد يطرحه ... كما عن الطفل يوما تطرح السّرر وأصعب الداء داء لا يحس به ... كالدّقّ يضعف حسّا وهو يستعر وإنما لم يحسّ المرء موقعها [١] ... لأن أجزاءه قد عمّها الضرر

стр. 2565

وذكر ياقوت الحموي في «معجمه» بإسناد له أن الوزير عرضت عليه جارية فائقة الحسن، وأظهر له في المجلس من أدبها وحسن كتابتها وذكائها وظرفها ما أعجبه، فأمر فاشتريت له بمائة وخمسين دينارا، وأمر أن يهيأ لها منزل وجارية، وأن يحمل لها من الفرش والآنية والثياب ما تحتاج إليه، ثم بعد ثلاثة أيام جاءه الذي باعها وشكا له ألم فراقها، فضحك وقال له: لعلك تريد ارتجاع الجارية؟ قال: إي والله، وهذا الثمن بحاله لم أتصرف فيه وأبرزه، فقال الوزير: ولا نحن تصرفنا في المثمّن، ثم قال لخادمه: ادفع إليه الجارية وما عليها وجميع ما في حجرتها، ودفع إليه الخرقة التي فيها الثمن، وقال استعينا به على شأنكما، فأكثرا من الدعاء له، فأخذها وخرج. وحكي عنه أنه كان إذا مدّ السماط أكثر ما يحضره الفقراء والعميان، فلما كان ذات يوم وأكل الناس وخرجوا، بقي رجل ضرير يبكي ويقول: سرقوا متاعي وما لي غيره، وو الله ما أقدر على ثمن مداس، فقام الوزير من مجلسه، ولبس مداسه وجاء إلى الضرير، فوقف عنده وخلع مداسه والضرير لا يعرف، وقال له: البس هذا وأبصره قدر رجلك؟ فلبسه وقال: نعم كأنه مداسي، ومضى الضرير ورجع الوزير إلى مجلسه وهو يقول: سلمت منه أن يقول: أنت سرقته. وأخبار الوزير- رحمه الله تعالى- ومناقبه كثيرة جدا. وقد مدحه الشعراء فأكثروا. منهم الحيص بيص، وابن بختيار الأبله، وابن التّعاويذي، والعماد الكاتب، وخلق كثير. قال ابن الجوزي: كان الوزير يتأسف على ما مضى من زمانه، ويندم على ما دخل فيه، ثم صار يسأل الله الشهادة، ونام ليلة الأحد ثالث عشر جمادى الأولى في عافية، فلما كان وقت السحر، حضر طبيب كان يخدمه، فسقاه شيئا، فيقال: إنه سمّ فمات، وسقي الطبيب بعده بنحو ستة

стр. 2566

أشهر سما، فكان يقول: سقيت كما سقيت. وحملت جنازة الوزير إلى جامع القصر وصلّي عليه، ثم حمل إلى مدرسته التي أنشأها بباب البصرة، فدفن بها، وغلّقت يومئذ أسواق بغداد، وخرج جمع لم نره لمخلوق قطّ، وكثر البكاء عليه، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

стр. 2567

سنة إحدى وستين وخمسمائة فيها ظهر ببغداد الرفض والسبّ وعظم الخطب. وفيها أخذ نور الدّين من الفرنج حصن صافيتا [١] . وفيها توفي القاضي الرشيد أبو الحسن أحمد بن القاضي الرشيد أبي الحسن علي الغسّاني الأسواني- بضم الهمزة على الصحيح-[٢] الشافعي كان من ذوي الفضل والرئاسة- وأسوان قرية بصعيد مصر- وله ديوان شعر ومصنفات، ولأخيه القاضي المهذّب ديوان شعر أيضا، والمهذّب أشعر، والرشيد أعلم بسائر الفنون. قتله الوزير شاور ظلما، وذلك أنه لما دخل اليمن رسولا، مدح ملوكها فقال في علي بن حاتم الهمداني قصيدته التي يقول فيها: وإن جهلت حقّي زعانف خندف ... فقد عرفت فضلي غطاريف همدان

стр. 2568

فكتب بذلك داعي الإسماعيلية إلى صاحب مصر، فأخذ جميع موجودة ثم قتله شاور. وفيها الحسن بن علي القاضي المهذّب [١] ، صنّف كتاب «الأنساب» في عشرين مجلدا، ومن شعره: أقصر فديتك عن لومي وعن عذلي ... أولا فخذ لي أمانا من ظبا المقل من كلّ طرف مريض الجفن ينشد لي [٢] ... يا ربّ رام بنجد من بني ثعل إن كان فيه لنا وهو السقيم شفا ... فربما صحّت الأجساد بالعلل وفيها الحسن بن العبّاس [٣] الأصفهاني [٤] ، الشيخ الصالح، كان كثير البكاء، ولم يكن بأصبهان أزهد منه. قال: وقفت على علي بن ماشاذه [٥] وهو يتكلم على الناس، فلما كان الليل رأيت ربّ العزة في المنام، فقال: يا حسن [٦] ! وقفت على مبتدع وسمعت كلامه، لأحرمنك النظر في الدّنيا، فاستيقظ وعيناه مفتوحتان لا يبصر بهما شيئا، ومات. قال الحميدي: سمعت الفضيل بن عياض يقول: من وقّر صاحب بدعة

стр. 2569

أورثه الله تعالى العمى قبل موته. وفيها الحسن بن عبّاس الأصبهاني [١] ، الفقيه الشافعي، مسند أصبهان. سمع أبا عمرو ابن مندة، ومحمود الكوسج، وطائفة، وتفرّد ورحل إليه، وكان زاهدا ورعا بكاء خاشعا فقيها مفتيا [٢] محقّقا، تفقّه به جماعة. وفيها عبد الله بن رفاعة بن غدير الشافعي أبو محمد السّعدي المصري [٣] قاضي الحيرة. كان فقيها ماهرا في الفرائض والمقدرات، صالحا ديّنا، تفقّه على القاضي الخلعي ولازمه، وهو آخر من حدّث عنه، ثم ترك القضاء واعتزل في القرافة مشتغلا بها بالعبادة. قال في «العبر» : توفي في ذي القعدة، عن أربع وتسعين سنة كاملة، وقد ولي القضاء بمصر وطلب أن يعفى فأعفي. وفيها أبو محمد الأشيري- كالكريمي، نسبة إلى أشير، حصن بالمغرب- عبد الله بن محمد المقرئ الصنهاجي [٤] الفقيه المالكي الحافظ. روى عن أبي الحسن الجذامي، والقاضي عياض، وكان عالما بالحديث وطرقه، وبالنحو، واللغة، والنسب، كثير الفضائل، وقبره ظاهر ببعلبك. وفيها أبو طالب بن العجمي، عبد الرحمن بن الحسن الحلبي [٥] ، الفقيه الشافعي، تفقّه ببغداد على الشّاشي، وأسعد الميهني، وسمع من ابن بيان، وله بحلب مدرسة كبيرة، عاش إحدى وثمانين سنة، ومات في شعبان. وفيها الشيخ عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست بن أبي عبد الله [بن] عبد الله بن يحيى بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله

стр. 2570

ابن موسى الحوزي بن عبد الله المحصن بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب الجيلاني [١] ، نسبة إلى جيل، وهي بلاد متفرقة من وراء طبرستان، وبها ولد، ويقال لها أيضا جيلان وكيلان. وهو سبط أبي عبد الله الصومعي من جلّة مشايخ جيلان، أمّه أم الخير بنت أبي عبد الله، وأخوه الشيخ أبو أحمد عبد الله أصغر منه سنا، نشأ في العلم والخير، ومات بجيلان شابا وعمته الصالحة أم عائشة استسقى بها أهل جيلان فلم يسقوا، فكنست رحبة بيتها وقالت: يا ربّ كنّست رحبة بيتي فرّش أنت، فمطروا كأفواه القرب. كان شيخ الشيوخ الشيخ عبد القادر نحيف الجسم، عريض الصدر، عريض اللّحية، أسمر، مدور الحاجبين، ذا صوت جهوريّ وسمت بهيّ. ولما ترعرع وعلم [٢] أن طلب العلم فريضة، شمّر ساق الاجتهاد في تحصيله، وسارع في تحقيق فروعه وأصوله، بعد أن اشتغل بالقرآن حتّى أتقنه. ثم تفقّه في مذهب الإمام أحمد بن حنبل، على أبي الوفاء بن عقيل، وأبي الخطّاب، وأبي الحسين محمد بن القاضي أبي يعلى، والمبارك المخرّمي. وسمع الحديث من جماعة، وعلوم الأدب من آخرين. وصحب حماد الدبّاس، وأخذ عنه علم الطريقة بعد أن لبس الخرقة من

стр. 2571

أبي سعد المبارك المخرّمي، وفاق أهل وقته في علوم الديانة، ووقع له القبول التّام، مع القدم الراسخ في المجاهدة وقطع دواعي الهوى والنفس. ولما أراد الله إظهاره أضيف إلى مدرسة أستاذه أبي سعد [١] المخرّمي، فعمرها وما حولها، وأعانه الأغنياء بأموالهم والفقراء بأنفسهم، فكملت في سنة ثمان وعشرين، ثم تصدّر فيها للتدريس، والوعظ، والتذكير، وقصد بالزيارات والنذور من الآفاق، وصنّف وأملى، وسارت بفضله الركبان، ولقب بمجمع الفريقين، وموضح الطريقين، وكريم الجدّين، ومعلّم العراقين، وتلمذ له أكثر الفقهاء في زمنه، ولبس منه الخرقة المشايخ الكبار، وصار قطب الوجود، وأكبر شيوخ اليمن وغيرها تنتسب إليه، وكراماته تخرج عن الحدّ وتفوت الحصر والعدّ، وله نظم فائق رائق. وتاب على يده معظم أهل بغداد، وأسلم معظم اليهود والنصارى على يديه. قال الشيخ موفق الدّين- وقد سئل عن الشيخ عبد القادر-: أدركناه في آخر عمره، فأسكننا مدرسته، إلى أن قال: ولم أسمع عن أحد يحكى عنه من الكرامات أكثر مما يحكى عنه، ولا رأيت أحدا يعظمه الناس من أجل الدّين أكثر منه. وقال الشيخ عز الدّين بن عبد السّلام: ما نقلت إلينا كرامات أحد بالتواتر إلّا الشيخ عبد القادر. وقال ابن النجار: قال الشيخ عبد القادر: فتشت الأعمال كلها، فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام، أودّ لو كانت الدّنيا بيدي فأطعمها الجياع. وقال: الخلق حجابك عن نفسك، ونفسك حجاب عن ربّك، ما دمت

стр. 2572

ترى الخلق لا ترى نفسك، وما دمت ترى نفسك لا ترى ربّك. وقال ابن السمعاني: هو إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح ديّن خيّر، كثير الذّكر، دائم الفكر، سريعة الدمعة، كتبت عنه، وكان يسكن بباب الأزج في المدرسة التي بنيت له. وقال ابن رجب [١] : ظهر الشيخ عبد القادر للناس، وجلس للوعظ بعد العشرين وخمسمائة، وحصل له القبول التام من الناس، واعتقدوا ديانته وصلاحه، وانتفعوا [به و] بكلامه، وانتصر أهل السّنّة بظهوره، واشتهرت أحواله وأقواله وكراماته ومكاشفاته، وهابه الملوك فمن دونهم. وصنّف الشّطنوفي [٢] المصري في أخبار عبد القادر ومناقبه ثلاث مجلدات، ذكر فيه بإسناده إلى موسى ابن الشيخ عبد القادر قال: سمعت والدي يقول: خرجت في بعض سياحاتي إلى البرّيّة ومكثت أياما لا أجد ماء فاشتد بي العطش، فأظلّتني سحابة ونزل عليّ منها شيء يشبه النّدى فرويت، ثم رأيت نورا أضاء به الأفق، وبدت لي صورة، ونوديت منها يا عبد القادر أنا ربّك وقد حللّت لك المحرمات- أو قال ما حرّمت على غيرك- فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اخسأ يا لعين، فإذا ذلك النور ظلام وتلك الصورة دخان، ثم خاطبني وقال: يا عبد القادر نجوت مني بعلمك بحكم ربّك وقوتك في أحوال منازلاتك، ولقد أضللت بهذه الواقعة سبعين من أهل

стр. 2573

الطريق، فقلت: لربّي الفضل والمنّة. قال: فقيل له: كيف علمت أنه شيطان؟ قال: بقوله: قد حلّلت لك المحرمات. وذكر فيه أيضا الحكاية المعروفة عن الشيخ عبد القادر أنه قال قدمي هذه على رقبة كل وليّ لله، ساقها عنه من طرق متعددة. قال ابن رجب: أحسن ما قيل في هذا الكلام ما ذكره السهروردي في «عوارفه» أنه من شطحات الشيوخ التي لا يقتدى بهم فيها، ولا تقدح في مقاماتهم ومنازلهم، فكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلّا المعصوم [ ﷺ ] . وقال ابن رجب أيضا: وكان الشيخ عبد القادر متمسكا في مسائل الصفات والقدر ونحوهما بالسّنّة، مبالغا في الردّ على من خالفها. قال في كتابه «الغنية» [١] المشهور: وهو بجهة العلو، مستو على العرش، محتو على الملك، يحيط [٢] علمه بالأشياء إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ٣٥: ١٠ [فاطر: ١٠] . يُدَبِّرُ الْأَمْرَ من السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ٣٢: ٥ [السجدة: ٥] ولا يجوز وصفه بأنه في كلّ مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش، كما قال: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ٢٠: ٥ [طه: ٥] وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش. قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كلّ نبيّ أرسل بلا كيف. وذكر كلاما طويلا، وذكر نحو هذا في سائر الصفات. وذكر الشيخ أبو زكريا يحيى بن يوسف الصّرصري، الشاعر المشهور،

стр. 2574

عن شيخه العارف علي بن إدريس، أنه سأل الشيخ عبد القادر فقال: يا سيدي هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟ فقال: ما كان، ولا يكون. انتهى ما أورده [١] ابن رجب. ونقل عن الشيخ عبد القادر أنه قال: كنت أقتات الخرنوب والشوك، وقامة البقل، وورق الخس من جانب النهر والشطّ، وبلغت بي الضائقة في غلاء نزل ببغداد إلى أن بقيت أياما لم آكل فيها طعاما، بل كنت أتتبع المنبوذات أطعمها، فخرجت يوما من شدة الجوع إلى الشطّ لعلي أجد ورق الخس أو البقل أو غير ذلك، فأتقوت به، فما ذهبت إلى موضع إلّا وغيري قد سبقني إليه، وإذا وجدت الفقراء يتزاحمون عليه فأتركه حياء، فرجعت أمشي وسط البلد فلا أدرك منبوذا إلّا وقد سبقت إليه، حتى وصلت إلى مسجد بسوق الريحانيين ببغداد، وقد أجهدني الضعف وعجزت عن التماسك، فدخلت إليه وقعدت في جانب منه، وقد كدت أصافح الموت، إذ دخل شاب أعجمي ومعه خبز رصافي وشواء، وجلس يأكل، فكنت أكاد كلما رفع يده باللقمة أن أفتح في من شدة الجوع، حتّى أنكرت ذلك على نفسي وقلت: ما هذا! إذ التفت إليّ العجمي فرآني، فقال: باسم الله يا أخي، فأبيت، فأقسم عليّ، فبادرت نفسي فخالفتها، وأقسم أيضا فأجبته، فأكلت، فأخذ يسائلني من أين أنت وبمن تعرف؟ فقلت: أنا متفقّه من جيلان، فقال: وأنا من جيلان، فهل تعرف شابا جيلانيا يسمى عبد القادر يعرف بأبي عبد الله الصومعي الزاهد؟ فقلت: أنا هو، فاضطرب وتغير وجهه، وقال: والله لقد وصلت إلى بغداد ومعي بقية نفقة لي، فسألت عنك فلم يرشدني أحد، ونفدت نفقتي، ولي ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتي إلّا مما كان لك معي، وقد حلّت لي الميتة، وأخذت من وديعتك هذا الخبز والشواء، فكل طيبا، فإنما هو لك وأنا ضيفك

стр. 2575

الآن بعد أن كنت ضيفي، فقلت له: وما ذاك؟ فقال: أمّك وجهت لك معي ثمانية دنانير، فاشتريت منها هذا للاضطرار وأنا معتذر إليك، فسكّنته وطيّبت نفسه، ودفعت إليه باقي الطعام وشيئا من الذهب برسم النفقة فقبله وانصرف. قال: وكنت أشتغل بالعلم فيطرقني الحال فأخرج إلى الصحارى ليلا أو نهارا وأصرخ وأهج على وجهي، فصرخت ليلة فسمعني العيّارون ففزعوا، فجاؤوا فعرفوني، فقالوا: عبد القادر المجنون أفزعتنا، وكان ربما أغشي عليّ فيلفوني ويحسبون أني مت من الحال التي تطرقني. وربما أردت الخروج من بغداد فيقال لي: ارجع فإن للناس فيك منفعة. وقال ابن النجار: سمعت عبد الرزاق [١] بن الشيخ عبد القادر يقول: ولد والدي تسعا وأربعين ولدا، سبع وعشرون ذكورا، والباقي إناث. ومات الشيخ عبد القادر رحمه الله تعالى بعد عتمة ليلة السبت عاشر ربيع الآخر، وفرغ من تجهيزه ليلا، وصلى عليه ولده عبد الوهاب في جماعة من حضر من أولاده وأصحابه وتلامذته، ثم دفن في رواق مدرسته ولم يفتح باب المدرسة حتّى علا النهار، وأهرع الناس للصلاة على قبره وزيارته، وكان يوما مشهودا. انتهى. وبلغ تسعين سنة.

стр. 2576

سنة اثنتين وستين وخمسمائة فيها سار أسد الدّين شيركوه المسير الثاني إلى مصر بمعظم جيش نور الدّين، فنازل الجزيرة شهرين، واستنجد وزير مصر شاور بالفرنج، فدخلوا في النيل من دمياط، والتقوا، فانتصر أسد الدّين وقتل ألوف من الفرنج. قال ابن الأثير [١] : هو من أعجب ما ورّخ، أنّ ألفي فارس تهزم عساكر مصر والفرنج. وقال في «العبر» : ثم استولى أسد الدّين على الصعيد وتقوّى بخراجها، وأقامت الفرنج بالقاهرة حتى استراشوا [٢] ، ثم قصدوا الإسكندرية وقد أخذها صلاح الدّين، فحاصروه أربعة أشهر، ثم كرّ أسد الدّين منجدا له، فترحلت الملاعين [بعد أن استقرّ لهم بالقاهرة شحنة وقطيعة مائة ألف دينار في العام] [٣] وصالح شاور أسد الدّين على خمسين ألف دينار أخذها ونزل إلى الشام. وفيها على الصحيح، توفي أحمد بن علي الغسّاني الأسواني، عرف

стр. 2577

بالرشيد- وتقدم الكلام عليه في السنة الماضية [١] والصحيح وفاته هنا- الكاتب الشاعر الفقيه، النحويّ اللغويّ، المنطقي المهندس، الطبيب الموسيقي المنجم. كان مفتيا وألّف تآليف التحق فيها بالأوائل، منها كتاب «منية الألمعي وبينة المدّعي» يشتمل على علوم كثيرة، ومنها «المقامات» على نسق «مقامات» الحريري، وغير ذلك. قال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : وكان مع جلالته أسود الجلد، ذا شفة غليظة، سمج الخلق، قصيرا. حكى ياقوت عنه أنه انقطع عن أصحابه يوما، فحكى لهم أنه مرّ بموضع وإذا امرأة شابة حسنة نظرت إليه نظر مطمع له في نفسها، فتوهم أنه وقع منها بموقع، فأشارت إليه بطرفها، فتبعها حتى دخلت دارا، وأشارت إليه فدخل، وكشفت عن وجهها، فإذا هي كالقمر ليلة تمامه، ثم نادت يا ست الدّار، فنزلت إليها طفلة كفلقة القمر، فقالت لها: إن عدت تبولين في الفراش خلّيت سيدنا القاضي يأكلك، ثم قالت: لا أعدمني الله فضلك يا سيدنا القاضي، فخرجت وأنا خزيان. قال فيه محمود بن قادوس: إن قلت من نار خلق ... ت وفقت كلّ النّاس فهما قلنا صدقت فما الذي ... أطفاك [٢] حتّى صرت فحما ذهب رسولا إلى اليمن فأقام وتولى القضاء بها، وضربت له السكة على الوجه الواحد قل هو الله أحد وعلى الآخر الإمام أبو الخير [٣] أحمد، ثم قبض عليه وأنفذ مكبلا في الحديد إلى قوص، فحبسه ابن طرخان في المطبخ، ثم ورد كتاب الصالح بالإحسان إليه وأحضره مكرّما، فلما نزل شيركوه

стр. 2578

بالإسكندرية خرج بين يدي صلاح الدّين وقاتل بين يديه، وبلغ ذلك شاور فطلبه، فلما حضر أركبه على جمل وعلى رأسه طرطور ووراؤه نفاط ينادي عليه والرشيد ينشد: إن كان عندك يا زمان بقيّة ... ممّا تهين به الكرام فهاتها ثم يتلو القرآن، ثم أمر به أن يصلب شنقا، فلما أحضر للشنق جعل يقول للذي تولى [١] ذلك عجّل عجّل فلا رغبة لكريم في حياة بعد هذه الحال، فصلب ثم بعد حين قتل شاور، فلما أرادوا دفنه حفروا له قبرا فوجدوا الرشيد مدفونا فيه، فدفنا معا، ثم نقل كل واحد منهما إلى تربة بالقرافة. وكان الساعي في صلبه الفقيه عمارة اليمني، وقال: هذا أبو الفتن، ثم إن الفقيه عمارة صلب كما سيأتي، فإن المجازاة من جنس العمل، والمرء مقتول بما قتل به، ولما كان باليمن كتب إليه أخوه المهذّب: يا ربع أين ترى الأحبة يمموا ... هل أنجدوا من بعدنا أم أتهموا نزلوا من العين السّواد وإن نأوا ... ومن الفؤاد مكان ما أتكلّم رحلوا وفي القلب المعنّى بعدهم ... وجد على مرّ الزّمان مخيم رحلوا وقد لاح الصّباح وإنّما ... تسري إذا جنّ الظّلام الأنجم وهي طويلة. فأجابه الرشيد: رحلوا فلا خلت المنازل منهم ... ونأوا فلا سلت الجوانح عنهم وسروا وقد كتموا الغداة مسيرهم ... وضياء نور الشّمس ما لا يكتم وتبدّلوا أرض العقيق عن الحمى ... روّت جفوني أي أرض يمّموا نزلوا العذيب وإنما هي مهجتي ... نزلوا وفي قلبي المعنّى خيّموا

стр. 2579

ما ضرّهم لو ودّعوا من أودعوا ... نار الغرام وسلّموا من أسلموا هم في الحشا إن أعرقوا أو أشأموا ... أو أيمنوا أو أنجدوا أو أتهموا لا ذنب لي في البعد أعرفه سوى ... أني حفظت العهد لمّا خنتم فأقمت حين ظعنتم وعدلت لم ... اجرتم وسهرت لمّا بنتم وفيها خطيب دمشق أبو البركات الخضر بن شبل بن عبد الحارثي الدمشقي [١] الفقيه الشافعي. درّس بالغزالية والمجاهدية، وبنى له نور الدّين مدرسته التي عند باب الفرج، فدرّس بها، وتعرف الآن بالعمادية لأنه درّس بها بعده العماد الكاتب فاشتهرت به. قرأ على أبي الوحش سبيع، صاحب الأهوازي، وسمع من أبي الحسن بن الموازيني، وأخذ عنه ابن عساكر، وقال: كان سديد الفتوى، واسع الحفظ، ثبتا في الرواية، ذا مروءة [٢] ظاهرة. وكان عالما بالمذهب ويتكلم في الأصول والخلاف. مولده سنة ست وثمانين وأربعمائة، وتوفي في ذي القعدة، ودفن بباب الفراديس. وفيها عبد الجليل بن أبي أسعد الهروي أبو محمد المعدّل [٣] ، مسند هراة، تفرّد بالرواية عن عبد الرحمن كلار، وغيره، وعاش اثنتين وتسعين سنة، وهو أكبر شيخ للحافظ عبد القادر الرّهاوي. وفيها الحافظ أبو سعد السّمعاني تاج الإسلام عبد الكريم بن محمد ابن منصور المروزي [٤] الشافعي، محدّث المشرق، وصاحب التصانيف

стр. 2580

الكثيرة، والفوائد الغزيرة، والرحلة الواسعة، عمل معجم شيوخه في عشر مجلدات كبار. قال ابن النجار: سمعت من يذكر أن عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا شيء لم يبلغه أحد. قال: وكان ظريفا حافظا، واسع الرحلة، صدوقا ثقة، ديّنا، جميل السيرة، مليح التصانيف. وسرد ابن النجار تصانيفه، وذكر أنه وجدها بخطه، فمنها «الذيل على تاريخ الخطيب» أربعمائة طاقة، «تاريخ مرو» خمسمائة طاقة، «طراز الذّهب في أدب الطلب» مائة وخمسون طاقة، وغير ذلك. انتهى. ولد في شعبان سنة ست وخمسمائة، وتوفي في غرّة ربيع الأول بمرو. وفيها أبو شجاع البسطاميّ عمر بن محمد بن عبد الله [١] الحافظ المفسّر الواعظ المفتي الأديب المتفنّن، وله سبع وثمانون سنة. سمع أبا القاسم أحمد بن محمد الخليلي وجماعة، وانتهت إليه مشيخة بلخ، وتفقّه عليه جماعة، مع الدّين والورع. تفرّد برواية «الشمائل» و «مسند الهيثم ابن كليب [٢] » . ومن تصانيفه كتاب «لقطات العقول» . وفيها قيس بن محمد بن عاصم السّويقي الأصبهاني [٣] المؤذن الصوفي. رحل وسمع ببغداد من أبي غالب بن الباقلاني، وابن الطيوري، وجماعة. وفيها ابن اللحّاس أبو المعالي محمد بن محمد بن محمد بن

стр. 2581

الجبّان [١] الحريمي العطّار [٢] . سمع من طراد وطائفة، وهو آخر من روى بالإجازة عن أبي القاسم بن البسري، وكان صالحا ثقة ظريفا لطيفا، توفي في ربيع الآخر، وله أربع وتسعون سنة. وفيها محمد بن الحسن بن حمدون [٣] صاحب «التذكرة الحمدونية» . ولّاه المستنجد ديوان الزّمام، ووقف المستنجد على كتابه فوجد فيه حكايات توهم غضاضة من الدولة، فأخذ من دست منصبه وحبس إلى أن رمس [٤] . وفيها أبو طالب بن خضير المبارك بن علي البغدادي الصّيرفيّ [٥] المحدّث. كتب الكثير عن أبي الحسن بن العلّاف وطبقته، وبدمشق عن هبة الله بن الأكفاني، وعاش ثمانين سنة، وتوفي في ذي الحجة. وفيها مسند الآفاق مسعود الثقفيّ الرئيس المعمّر أبو الفرج بن الحسن بن الرئيس المعتمد أبي عبد الله القاسم بن الفضل الأصبهاني [٦] رحلة العصر [٧] ، توفي في رجب وله مائة سنة. أجاز له عبد الصمد بن المأمون، وأبو بكر الخطيب، وسمع من جدّه، وعبد الوهاب بن مندة، وطبقتهما. وفيها هبة الله الحسن بن هلال الدقّاق [٨] مسند العراق البغدادي. سمع عاصم بن الحسن، وأبا الحسن الأنباري، وعمّر نحوا من تسعين سنة. توفي في المحرم، وكان شيخا لا بأس به، متدينا. قاله في «العبر» .

стр. 2582

وفيها الصائن العساكري [١] هبة الله بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله ابن الحسين الدمشقي [٢] الحافظ الفقيه الشافعي. كان ثقة عمدة، وجزم ابن ناصر الدّين بوفاته في التي بعدها. قال في «بديعته» : ساد الفقيه الصّاين العساكري ... ثناؤه ذا جامع المآثر [٣]

стр. 2583

سنة ثلاث وستين وخمسمائة فيها أعطى نور الدّين حمص وأعمالها لنائبه أسد الدّين، فبقيت بيد أولاده مائة سنة. وفيها توفي الباجسرائي- بكسر الجيم وسكون المهملة، نسبة إلى باجسرا، بلد بنواحي بغداد- التّاني- بمثناة فوقية وبالنون، نسبة إلى التنائية [١] ، وهي الدهقنة، ويقال لصاحب الضياع والعقار- أحمد بن عبد الغني بن محمد بن حنيفة [٢] . روى عن أبي البطر وطائفة، توفي في رمضان وكان ثقة. وفيها أبو العبّاس أحمد بن عمر بن الحسين بن خلف القطيعي [٣] الفقيه الحنبلي الواعظ. ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة تقريبا، وسمع الحديث بنفسه بعد ما كبر من عبد الخالق بن يوسف، والفضل بن سهل الإسفراييني، وابن ناصر الحافظ، وغيرهم، وتفقّه على القاضي أبي حازم ولازمه، حتّى برع في الفقه، وأفتى، وناظر، ووعظ ودرّس، وأشغل الطلبة وأفاد.

стр. 2584

وقال ابن النجار: برع في الفقه وتكلّم في مسائل الخلاف، وكان حسن المناظرة، جريئا في الجدل، ويعظ الناس على المنبر. توفي يوم الأربعاء ثامن عشر رمضان، ودفن بالحلّة شرقي بغداد، وهو والد أبي الحسن القطيعي صاحب «التاريخ» ولم يسمع من والده هذا إلّا حديثا واحدا، وذكر أن له مصنفات كثيرة. قال ابن رجب: منها كتاب «الشمول [١] في [أسباب] النزول» . وفيها أبو بكر أحمد بن المقرّب الكرخي [٢] . روى عن النّعالي، وطراد، وطائفة، وكان ثقة متودّدا. توفي في ذي الحجة، وله ثلاث وثمانون سنة. وفيها قاضي القضاة أبو البركات جعفر بن قاضي القضاة أبي جعفر عبد الواحد بن أحمد الثقفي [٣] . ولي قضاء العراق سبع سنين، ولما مات ابن هبيرة ناب في الوزارة مضافا إلى القضاء، فاستفظع ذلك، وقد روى عن أبي الحصين، وعاش ستا وأربعين سنة، وتوفي في جمادى الآخرة. وفيها شاكر بن أبي الفضل الأسواري الأصبهاني [٤] . سمع أبا الفتح السّوذرجاني [٥] ، وأبا مطيع، وجماعة، وتوفي في أواخر رمضان. وفيها أبو محمد الطّامذي عبد الله بن علي الأصبهاني [٦] المقرئ

стр. 2585

العالم الزاهد المعمّر. روى عن طراد، وجعفر بن محمد العبّاداني، والكبار، وتوفي في شعبان. والطّامذي: بفتح الطاء المهملة والميم وبمعجمة، نسبة إلى طامذ قرية بأصبهان. وفيها أبو النّجيب السّهرورديّ [١] عبد القاهر بن عبد الله محمد بن عموية- والسّهروردي، بضم السين المهملة، وسكون الهاء، وفتح الراء والواو، وسكون الراء الثانية ومهملة، نسبة إلى سهرورد، بلد عند زنجان- الصوفيّ القدوة الواعظ العارف الفقيه الشافعي، أحد الأعلام. قدم بغداد، وسمع علي بن نبهان وجماعة، وكان إماما في الشافعية وعلما في الصوفية. قال ابن الأهدل: هو البكريّ القرشيّ، بينه وبين أبي بكر الصّدّيق إثنا عشر رجلا، بلغ مبلغا في العلم حتّى لقّب مفتي العراقين، وقدوة الفريقين، وكان شرح أحوال القوم، ويتطيلس ويلبس لباس العلماء، ويركب البغلة، وترفع بين يديه الغاشية، مرّ يوما على جزار وقد علّق شاة مسلوخة، فوقف الشيخ وقال: إن هذه الشاة تقول إنها ميتة، فغشي على الجزار وتاب على يد الشيخ. انتهى. وقال ابن قاضي شهبة [٢] : حرّر المذهب، وأفتى وناظر، وروى الحديث عن جماعة، ثم مال إلى المعاملة، فصحب الشيخ حماد الدبّاس، وأحمد الغزالي، وبنى ببغداد رباطا ومدرسة، واشتغل بالوعظ والتذكير والدعاء إلى الله تعالى والتحذير [٣] ودرّس بالنظامية سنتين، وكانت له محافيظ جيدة في التفسير وفي الفقه وأصوله وأصول الدّين. وأخذ عنه خلائق. مولده

стр. 2586

في صفر سنة تسعين وأربعمائة تقريبا، وتوفي في جمادى الآخرة. انتهى. وقال الإسنوي [١] : ظهرت بركته على أصحابه، وصار شيخ العراق في وقته، وبنى الخربة التي كان يأوي إليها رباطا وسكّنه جماعة من صالحي أصحابه، وبنى إلى جانبه مدرسة، وصار ملاذا يعتصم به الخائف من الخليفة فمن دونه [٢] وتوجه إلى الشام سنة سبع وخمسين وخمسمائة لزيارة بيت المقدس، فلم يتفق له ذلك لانفساخ [٣] الهدنة بين المسلمين والفرنج- خذلهم الله تعالى- فأقام بدمشق مدة يسيرة، وعقد له مجلس الوعظ، وأكرم الملك العادل مورده، وعاد إلى بغداد، فتوفي بها يوم الجمعة وقت العصر سابع جمادى الآخرة، ودفن بكرة الغد في مدرسته. انتهى. وفيها زين الدّين صاحب إربل علي كوجك [٤] بن بكتكين التركماني [٥] الفارس المشهور، والبطل المذكور، ولقّب بكوجك وهو بالعربي اللطيف القدّ والقصير، وكان مع ذلك معروفا بالقوّة المفرطة والشهامة، وهو ممن حاصر المقتفي وخرج عليه، ثم حسنت طاعته، وكان جوادا معطاء، فيه عدل وحسن سيرة. ويقال: إنه تجاوز المائة، وتوفي في ذي الحجّة [٦] .

стр. 2587

وفيها أبو الحسن بن تاج القرّاء علي بن عبد الرحمن الطّوسي ثم البغدادي [١] . روى عن أبي عبد الله البانياسي وجماعة، وكان صوفيا كبيرا، توفي في صفر عن سنّ عالية. وفيها أبو الحسن بن الصابئ محمد بن إسحاق بن محمد بن هلال ابن المحسّن [٢] البغدادي [٣] من بيت كتابة وأدب. سمع النّعالي وغيره، وكان ثقة، توفي في ربيع الأول عن اثنتين وثمانين سنة. وفيها أبو الفتح محمد بن عبد الحميد [٤] السّمرقندي، صاحب «التعليقة» و «المعترض والمختلف» على مذهب أبي حنيفة، وكان من فرسان الكلام، شحيحا بكلامه، كانوا يوردون عليه الأسئلة وهو عالم بجوابها، فلا يذكره شحا لئلا يستفاد منه، وينقطع ولا يذكرها، ترك المناظرة إلى أن مات. وفيها الجيّاني أبو بكر محمد بن علي بن عبد الله بن ياسر الأنصاريّ الأندلسيّ [٥] . تفقّه بدمشق على نصر الله المصّيصي وأدّب بها. قال ابن عساكر: ثم زاملني إلى بغداد، وسمع من ابن الحسين، وبمرو من أبي منصور الكراعي، وبنيسابور من سهل المسجدي [٦] وطائفة، ثم سكن

стр. 2588

في الآخر حلب، وكان ذا معرفة جيدة بالحديث. وفيها الشريف الخطيب أبو الفتوح ناصر بن الحسن [١] الحسيني المصري [٢] شيخ الإقراء. قرأ [٣] على أبي الحسين الخشّاب وغيره، وتصدّر للإقراء، وحدّث عن محمد بن عبد الله بن أبي داود الفارسي. توفي [٤] يوم عيد الفطر، وله إحدى وثمانون سنة. وفيها نفيسة البزّازة، واسمها أيضا فاطمة بنت محمد بن علي البغدادية [٥] . روت عن النّعالي، وطراد، وتوفيت في ذي الحجّة. وفيها الصائن أبو الغنائم [٦] هبة الله بن محفوظ بن صصرى الدمشقي التّغلبي. سمع الكثير ومات بدمشق، ودفن بباب توما عند أهله، وكان صالحا ثقة. وفيها هبة الله بن أبي عبد الله بن كامل بن حبيش البغدادي [٧] الصوفي الفقيه الحنبلي أبو علي. سمع من القاضي أبي بكر بن عبد الباقي وغيره، وتفقّه على أبي علي بن القاضي، وتقدم على جماعة من المتصوفة، وكان من أهل الدّين. توفي في المحرم ودفن بمقبرة الإمام أحمد قريبا من بشر الحافي. ذكره ابن الجوزي وغيره.

стр. 2589

سنة أربع وستين وخمسمائة فيها سار أسد الدّين سيره الثالث إلى مصر، وذلك أن الفرنج قصدوا الدّيار المصرية وملكوا بلبيس واستباحوها، ثم حاصروا القاهرة، وأخذوا كلّ ما كان خارج السور. فبذل شاور لملك الفرنج مرّي ألف ألف دينار ويعجّل له بعضها. فأجاب، فحمل إليه مائة ألف دينار، وكاتب نور الدّين واستصرخ به وسوّد كتابه، وجعل في طيّه ذوائب نساء القصر، وواصل الكتب يستحثّه، وكان بحلب، فساق إليه أسد الدّين من حمص، فأخذ يجمع العساكر، ثم توجّه في عسكر لجب، يقال كانوا سبعين ألفا من بين فارس وراجل، فتقهقر الفرنج، ودخلوا القاهرة في ربيع الآخر، وجلس أسد الدّين في دست الملك [١] ، وخلع عليه العاضد خلع السلطنة، وعهد إليه بوزارته، وقبض على شاور، فأرسل إليه العاضد يطلب رأس شاور، فقطع وأرسل إليه، فلم ينشب [أن مات] أسد الدّين شيركوه- ومعناه بالعربي الجبل- بن شادي بن مروان الملك المنصور بعد شهرين. أقام في الوزارة شهرين وأياما، وكان أحد الأبطال، يضرب بشجاعته المثل، وكان الفرنج يهابونه، ولقد حاصروه ببلبيس ولها سور، فلم يجسروا أن يناجزوه خوفا منه، وكان كثير الأكل للحوم الغليظة، فكانت تورث عليه التخم والخوانيق، فاعتراه خانوق فمات منه فجأة، ودفن بظاهر القاهرة إلى أن توفي أخوه نجم الدّين أيوب، فحملا جميعا إلى مدينة النّبيّ- ﷺ

стр. 2590

وقلّد العاضد منصبه ابن أخيه صلاح الدّين يوسف [١] بن نجم الدّين ولقّبه بالملك الناصر. وفيها آبق الملك المظفّر محيي الدّين صاحب دمشق قبل نور الدّين، وابن صاحبها جمال الدّين محمد بن تاج الملوك بوري التّركي ثم الدمشقي. ولد ببعلبك في إمرة أبيه عليها، وولي دمشق بعد أبيه خمس عشرة سنة، وملّكوه وهو دون البلوغ، وكان المدبّر لدولته أنر، فلما مات أنر انبسطت يد آبق ودبّر الأمور الوزير الرئيس أبو الفوارس المسيّب بن علي بن الصوفي، ثم غضب عليه وأبعده إلى صرخد، واستوزر أخاه أبا البيان حيدرة مدة، ثم أقدم عطاء بن حفاظ من بعلبك وقدّمه على العسكر، وقتل حيدرة، ثم قتل عطاء. ولما انفصل عن دمشق توجّه إلى بالس، ثم إلى بغداد، فأقطعه المقتفي خبزا وأكرم مورده. وفيها شاور بن مجير بن نزار [الهوازني] [٢] السعدي أبو شجاع، ولّاه ابن رزّيك إمرة الصعيد فتمكن، وكان شهما شجاعا مقداما، ذا هيبة، فحشد وجمع، وتوثب على مملكة الديار المصرية، وظفر بالعادل رزّيك بن الصالح طلائع بن رزّيك، وزير العاضد فقتله، ووزر بعده، فلما خرج عليه ضرغام فرّ إلى الشام، فأكرمه نور الدّين وأعانه على عوده إلى منصبه، فاستعان بالفرنج على دفع أسد الدّين عنه، وجرت له أمور طويلة، وفي الآخر وثب عليه جرديك [٣] النّوري فقتله في جمادى الأولى، لأن أسد الدّين تمارض فعاده شاور، فقبضوا عليه وقتلوه كما تقدم.

стр. 2591

وفيها أبو محمد عبد الخالق بن أسد الدمشقي الحنفي المحدّث، مدرّس الصادرية والمعينيّة [١] . روى عن عبد الكريم بن حمزة، وإسماعيل بن السمرقندي، وطبقتهما، ورحل إلى بغداد وأصبهان، وخرّج لنفسه «المعجم» . ومن شعره: قال العواذل ما اسم من ... أضنى فؤادك قلت أحمد قالوا أتحمده وقد ... أضنى فؤادك قلت أحمد [٢] وفيها سعد الله بن نصر بن سعيد، المعروف بابن الدجّاجي، وبابن الحيواني [٣] الفقيه الحنبلي المقرئ الواعظ، الصوفي الأديب، أبو الحسن، ويلقّب مهذّب الدّين. ولد في رجب سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وقرأ بالروايات على أبي الخطاب الكلوذاني وغيره، وتفقّه على أبي الخطّاب حتّى برع. وروى عن ابن عقيل كتاب «الانتصار لأهل السّنّة» . قال ابن الخشاب: هو فقيه واعظ، حسن الطريقة، سمعت منه. وقال ابن الجوزي: تفقّه ودرّس، وناظر ووعظ، وكان لطيف الكلام حلو الإيراد، ملازما لمطالعة العلم إلى أن مات. وقال ابن نقطة: حدثنا عنه جماعة من شيوخنا، وكان ثقة.

стр. 2592

وقال ابن الجوزي: سئل في مجلس وعظه- وأنا أسمع- عن أخبار الصفات، فنهى عن التعرض [لها] ، وأمر بالتسليم، وأنشد: أبى العاتب [١] الغضبان يا نفس أن يرضى ... وأنت التي صيّرت طاعته فرضا فلا تهجري من لا تطيقين هجره ... وإن همّ بالهجران خدّيك والأرضا ومن شعره: ملكتم مهجتي بيعا ومقدرة ... فأنتم اليوم أغلالي وأغلى لي علوت فخرا ولكني ضنيت هوى ... وأنتم اليوم أعلالي وأعلى لي أوصى لي البين أن أسقى بحبكم ... فقطّع البين أوصالي وأوصى لي توفي يوم الاثنين ثاني عشر شعبان، ودفن بمقبرة الرباط، ثم نقل بعد خمسة أيام فدفن على والديه بمقبرة الإمام أحمد. وفيها أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن هذيل البلنسيّ [٢] شيخ المقرئين بالأندلس. ولد سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وقرأ القراءات على ابن داود ولازمه أكثر من عشر سنين، وكان زوج أمّه، فأكثر عنه، وهو أثبت الناس فيه. وروى «الصحيحين» و «سنن أبي داود» وغير ذلك. قال [ابن] الأبّار: كان منقطع القرين في الفضل والزهد والورع، مع العدالة والتواضع والإعراض عن الدّنيا والتقلل منها، صوّاما قوّاما، كثير الصّدقة، انتهت إليه الرئاسة في صناعة الإقراء، وحدّث عن جلّة لا يحصون، وتوفي في رجب.

стр. 2593

وفيها القاضي زكيّ الدّين أبو الحسن علي بن القاضي المنتجب [١] أبو المعالي، محمد بن يحيى القرشي [٢] قاضي دمشق، هو وأبوه وجدّه، واستعفى من القضاء فأعفي، وسار فحجّ من بغداد وعاد إليها فتوفي بها، وله سبع وخمسون سنة. وفيها أبو الفتح بن البطّي الحاجب محمد بن عبد الباقي بن أحمد ابن سليمان البغدادي [٣] ، مسند العراق، وله سبع وثمانون سنة، أجاز له أبو نصر الزّينبي، وتفرّد بذلك، وبالرواية عن البانياسي، وعاصم بن الحسن، وعلي بن محمد بن محمد الأنباري، والحميدي، وخلق. وكان ديّنا، عفيفا، محبا للرواية، صحيح الأصول، توفي في جمادى الأولى. وفيها أبو عبد الله الفارقي الزاهد محمد بن عبد الملك [٤] نزيل بغداد. كان يعظ ويذكّر من [غير] كلفة. وللناس فيه اعتقاد [عظيم] وكان صاحب أحوال وكرامات، ومجاهدات ومقامات، عاش ثمانين سنة. وفيها القاضي أبو المعالي محمد بن علي بن الحسن القرشي العثماني [٥] صاحب الفنون في أنواع العلم. هنأ صلاح الدّين بن أيوب بفتح حلب بقصيدة هائلة، منها: وفتحك القلعة الشهباء في صفر ... مبشّر بفتوح القدس في رجب فكان كما قال. قاله ابن الأهدل.

стр. 2594

وفيها محمد بن المبارك بن الحسين [١] بن إسماعيل البغدادي [٢] الفقيه الحنبلي القاضي، أبو البركات، المعروف بابن الحصري. ذكره ابن الجوزي وقال: صديقنا، ولد سنة عشر وخمسمائة، وقرأ القرآن، وسمع الحديث من ابن البناء وغيره، وتفقّه على القاضي أبي يعلى، وناظر، وولّي القضاء بقرية عبد الله من واسط. توفي- رحمه الله تعالى- فجأة في رجب. وفيها معمر بن عبد الواحد الحافظ أبو أحمد بن الفاخر القرشي العبشمي الأصبهاني [٣] المعدّل. عاش سبعين سنة. سمع من أبي الفتح الحدّاد، وأبي المحاسن الرّوياني وخلق، وببغداد من أبي الحصين، وعني بالحديث وجمعه، ووعظ بأصبهان وأملى، وقدم بغداد مرّات يسمّع [٤] أولاده، وتوفي في ذي القعدة بطريق الحجاز، وكان ذا قبول ووجاهة.

стр. 2595

سنة خمس وستين وخمسمائة في شوال منها كانت الزلزلة العظمى بالشام، وقع معظم دمشق وشرفات جامع بني أميّة، ووقع نصف قلعة حلب والبلد، وهلك من أهلها ثمانون ألفا، ووقعت قلعة حصن الأكراد، ولم يبق لسورها أثر. وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن صالح بن شافع الجيلي ثم البغدادي [١] الحافظ الفقيه الحنبلي، أحد العلماء المعدّلين والفضلاء والمحدّثين. سمع قاضي المارستان وطبقته، وقرأ القراءات على أبي محمد سبط الخيّاط وغيره، ولازم أبا الفضل الحافظ ابن ناصر، وكان يقتفي أثره ويسلك مسلكه. قال ابن النجار: كان حافظا، متقنا، ضابطا، محقّقا، حسن القراءة، صحيح النقل، ثبتا، حجّة، نبيلا، ورعا، متدينا، تقيا، متمسكا بالسّنّة على طريق السلف، صنّف «تاريخا» على السنين، بدأ فيه بالسنة التي توفي فيها أبو بكر الخطيب، وهي سنة ثلاث وستين وأربعمائة، إلى بعد الستين وخمسمائة. انتهى. وتوفي يوم الأربعاء بعد الظهر ثالث شعبان، وكان مرضه البرسام [٢]
следующие страницы →