سنة أربع وخمسين وخمسمائة
فيها كما قال في «الشذور» وقع في قرى بغداد برد كان في البردة خمسة أرطال، ووزنوا واحدة فبلغت تسعة أرطال، وانفتح القورج [١] وجاء الماء فأحاط بالسور، ثم فتح فتحة ودخل فأغرق كثير من محال من نهر معلّى [٢] ، وهدم ما لا يحصى من الدّور، وغرقت مقبرة الإمام أحمد بن حنبل، وكانت آية عجيبة.
وفيها سار عبد المؤمن في مائة ألف، فنازل المهديّة برّا وبحرا فأخذها من الفرنج بالأمان، ولكن ركبوا البحر، وكان شتاء، فغرق أكثرهم.
وفيها أقبلت الرّوم في جموع عظيمة وقصدوا الشام، فالتقاهم المسلمون وانتصروا، ولله الحمد، وأسر ابن أخت ملك الرّوم.
وفيها توفي ابن قفرجل أبو القاسم أحمد بن المبارك بن عبد الباقي
стр. 2522
البغدادي الذّهبي القطّان. روى عن عاصم بن الحسن وجماعة.
وفيها أبو جعفر العبّاسي أحمد بن محمد بن عبد العزيز المكّي [١] ، نقيب الهاشميين بمكّة. روى عن أبي علي الشافعي، وحدّث ببغداد وأصبهان، وكان صالحا متواضعا فاضلا مسندا، توفي في شعبان عن ست وثمانين سنة وثلاثة أشهر، وسماعه في الخامسة من أبي علي.
وفيها أحمد بن معالي- ويسمى عبد الله أيضا- ابن بركة الحربي الحنبلي [٢] .
تفقّه على أبي الخطّاب الكلوذاني، وبرع في النظر.
قال ابن الجوزي: كان له فهم حسن وفطنة في المناظرة. وسمعت درسه مدة، وكان قد انتقل إلى مذهب الشافعي، ثم عاد إلى مذهب أحمد ووعظ.
وقال صدقة [بن الحسين] : كان شيخا كبيرا قد نيف [٣] على الثمانين، فقيها مناظرا عارفا، له مخالطة مع الفقهاء، ومعاشرة مع الصوفية، وكان يتكلم كلاما حسنا إلّا أنه كان متلونا في المذهب.
توفي يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى، وصلى عليه الشيخ عبد القادر [٤] ، ودفن بمقبرة باب حرب.
стр. 2523
وكان سبب موته أنه ركب دابة فانحنى في مضيق [١] ليدخل، فاتكأ بصدره على قربوس السّرج فأثّر فيه، وانضم إلى ذلك إسهال فضعفت القوة، وكان مرضه يومين أو ثلاثة، رحمه الله تعالى.
وله تعليقة في الفقه.
وفيها أحمد بن مهلهل بن عبيد الله بن أحمد البرداسي [٢] الحنبلي.
قال ابن النجار: هو من قرية برداس [٣]- بسكون الراء من بلد إسكاف- المقرئ الزاهد الضرير، أبو العبّاس. كان من أهل القرآن والزهد والعبادة.
روى عن أبي طالب اليوسفي وغيره، وكان أبو الحسن بن البرداسي [٤] يقول:
كان هذا الشيخ يصلي في كل يوم أربعمائة ركعة.
وتوفي يوم الخميس غرة جمادى الأولى، ودفن بباب حرب.
وقال ابن النجار: كان منقطعا في مسجده [٥] لا يخالط أحدا، مشتغلا بالله ، وكان الإمام المقتفي يزوره، وكذلك وزيره ابن هبيرة. والناس كافة يتبركون به، وكان قد قرأ طرفا صالحا من الفقه على أبي الخطّاب الكلوذاني، ثم على أبي بكر الدّينوري، وسمع الحديث من أبي غالب الباقلاني وغيره، وحدّث باليسير، وروى عنه ابن شافع والباقداري. قاله ابن رجب.
стр. 2524
وفيها أبو زيد جعفر بن زيد بن جامع الحموي الشامي [١] مؤلّف رسالة «البرهان» التي رواها عنه ابن الزّبيدي، وكان صالحا عابدا، صاحب سنّة وحديث، روى عن ابن الطيوري، واليوسفي، وغيرهما، وتوفي في ذي الحجة، وقد شاخ.
وفيها أبو علي الحسن بن جعفر بن عبد الصمد بن المتوكل على الله العبّاسي الهاشمي [٢] المقرئ الأديب الحنبلي.
ولد في حادي عشر شوال سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وقرأ القرآن، وسمع قديما من أبي غالب البقّال الباقلاني [٣] وابن العلّاف، وغيرهما، وكان فيه لطف وظرف وأدب، ويقول الشعر الحسن، مع دين وخير، وجمع سيرة المسترشد وسيرة المقتفي، وجمع لنفسه مشيخة، وجمع كتابا سمّاه «سرعة الجواب ومداعبة الأحباب» أحسن فيه.
وقال ابن النجار: كان أديبا فاضلا صالحا متدينا صدوقا. روى عنه ابن الأخضر وغيره.
وذكره ابن السمعاني [وقال: كان صالحا، فاضلا، له معرفة بالأدب والشعر] [٤] ومن شعره ما كتبه:
أجزت للسادة الأخيار ما سألوا ... فليرووا عنّي بلا بخس ولا كذب
стр. 2525
مما [١] أحبوه من شعر ومن خبر ... ومن جميع سماعاتي من الكتب
وليحذروا السّهو والتصحيف من غلط ... ويسلكوا سنّة الحفّاظ في الأدب
ومن شعره أيضا:
يا ذا الذي أضحى يصول ببدعة ... وتشيّع وتمشعر [٢] وتمعزل
لا تنكرنّ تحنبلي وتسنّني [٣] ... فعليهما يوم المعاد معوّلي
إن كان ذنبي حبّ مذهب أحمد ... فليشهد الثقلان أني حنبلي
قاله ابن رجب.
وفيها أبو عبد الله سعيد بن الحسين بن شنيف بن محمد الدّيلمي الدّارقزي [٤] الأمين الحنبلي.
ولد سنة تسع وسبعين وأربعمائة. وسمع من أبي عبد الله الحسين بن محمد السرّاج الفقيه، والحسين بن طلحة النّعالي [٥] وابن الطيوري، وغيرهم، لا من أبي الخطّاب الكلوذاني.
وسمع الحديث من أبي غالب الباقلاني وغيره، وحدّث باليسير.
وروى عنه ابن شافع، وتفقّه في المذهب، وكان إماما بجامع دار القز، وأمينا للقاضي بمحلته [٦] [وما يليها] ، وكان شيخا صالحا ثقة، وروى عنه جماعة، منهم، ابنه أبو عبد الله الحسين.
стр. 2526
وتوفي ليلة السبت رابع عشر ذي الحجة، ودفن من الغد بمقبرة باب حرب، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو الحسن بن أبي البركات محمد بن أحمد بن علي بن عبد الله بن الأبرادي البغدادي [١] الفقيه الحنبلي. تفقّه على ابن عقيل، وسمع منه، ومن أبيه، وابن الفاعوس وحدّث باليسير.
وسمع من أبي الفضل بن شافع.
وتوفي يوم الجمعة خامس شعبان، وقد اشتبه على بعض الناس وفاته بوفاة أبيه.
وفيها محمد شاه بن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه، أخو ملكشاه السلجوقي [٢] توفي بعلة السلّ، وله ثلاث وثلاثون سنة، وكان كريما عاقلا، وهو الذي حاصر بغداد من قريب، واختلف الأمراء من بعده، فطائفة لحقت بأخيه ملكشاه، وطائفة لحقت بسليمان شاه.
стр. 2527
سنة خمس وخمسين وخمسمائة
فيها تملّك سليمان شاه همذان، وذهب ملكشاه إلى أصبهان فمات بها.
وفيها توفي [١] المقتفي لأمر الله، أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بالله عبد الله بن الأمير محمد بن القائم العبّاسي، أمير المؤمنين. كان عالما فاضلا دينا حليما شجاعا مهيبا خليقا للإمارة، كامل السؤدد، كان لا يجري في دولته أمر وإن [٢] صغر إلّا بتوقيعه، وكتب أيام خلافته ثلاث ربعات، ووزر له علي بن طراد، ثم أبو نصر بن جهير، ثم علي ابن صدقة، ثم ابن هبيرة، وحجبه أبو المعالي بن الصاحب ثم جماعة بعده، وكان أدم اللون بوجهه أثر جدري، مليح الشيبة، عظيم الهيبة، ابن حبشية.
كانت دولته خمسا وعشرين سنة. توفي في ربيع الأول عن ست وستين سنة، وقد جدّد باب الكعبة، واتخذ لنفسه من العقيق تابوتا دفن فيه. قاله في «العبر» [٣] .
وقال السيوطي في «تاريخ الخلفاء» [٤] : بويع له بالخلافة عند خلع أخيه وعمره أربعون سنة، وسبب تلقبه بالمقتفي أنه رأى في منامه قبل أن يستخلف
стр. 2528
بستة أيام رسول الله، ﷺ ، وهو يقول له: «سيصل هذا الأمر إليك فاقتف بي» فلقب المقتفي لأمر الله.
وبعث السلطان مسعود [١] بعد أن أظهر العدل ومهد بغداد، فأخذ جميع ما في دار الخلافة من دوابّ وأثاث وذهب وستور وسرادق، ولم يترك في إصطبل الخلافة سوى أربعة أفراس وثمانية أبغال برسم الماء، فيقال: إنهم بايعوا المقتفي على أن لا يكون عنده خيل ولا آلة سفر.
وكان صاحب سياسة، جدد معالم الإمامة، ومهّد رسوم الخلافة، وباشر الأمور بنفسه، وغزا غير مرّة، وامتدت أيامه.
وقال أبو طالب عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع الهاشمي في كتاب «المناقب العباسية» : كانت أيام المقتفي نضرة بالعدل، زهرة بفعل الخيرات، وكان على قدم من العبادة قبل إفضاء الأمر إليه، وكان في أول أمره متشاغلا بالدّين، ونسخ العلوم، وقراءة القرآن، ولم ير مع سماحته ولين جانبه ورأفته بعد المعتصم خليفة، في شهامته وصرامته وشجاعته، مع ما خص به من زهده وورعه وعبادته، ولم تزل جيوشه منصورة حيث يممت.
وقال ابن الجوزي: من أيام المقتفي عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء، ولم يبق لها منازع، وقبل ذلك من دولة المقتدر إلى وقته كان الحكم للمتغلبين من الملوك وليس للخليفة معهم إلّا اسم الخلافة. ومن سلاطين دولته السلطان سنجر صاحب خراسان، والسلطان نور الدّين الشهيد محمود صاحب الشام، وكان شجاعا كريما، محبا للحديث وسماعه، معتنيا بالعلم، مكرما لأهله. ولما دعا المقتفي الإمام أبا منصور بن الجواليقي النحوي ليجعله إماما يصلي به، دخل عليه فما زاد على أن قال: السلام على
стр. 2529
أمير المؤمنين ورحمة الله، وكان ابن التلميذ النصراني الطبيب قائما فقال:
ما هكذا يسلّم على أمير المؤمنين يا شيخ، فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي، وقال: يا أمير المؤمنين، سلامي هو ما جاءت به السّنّة النبوية. وروى الحديث، ثم قال: لو حلف حالف أن نصرانيا أو يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه لما لزمته كفّارة، لأن الله ختم على قلوبهم، ولن يفك ختم الله إلّا الإيمان. فقال المقتفي: صدقت وأحسنت، وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع غزارة أدبه [١] .
وفيها توفي الفائز صاحب مصر، وأقيم بعده العاضد [٢] .
وفيها أبو بكر أحمد بن غالب بن أحمد بن غالب بن عبد الله الحربي [٣] الفقيه الحنبلي الفرضي المعدل.
سمع الحديث من ابن قريش وغيره، وتفقّه وبرع في المذهب.
قال ابن النجار: كان أحد الفقهاء، حافظا لكتاب الله تعالى، له معرفة بالفرائض، والحساب، والنجوم، وأوقات الليل والنهار، وشهد عند قاضي القضاة الزّينبي، وتولى قضاء دجيل مدة، ثم عزل. حدّث باليسير، وسمع منه عبد المغيث الحربي وغيره.
وتوفي يوم الأحد يوم عيد الأضحى، ودفن بمقبرة الإمام أحمد.
وفيها العميد بن القلانسي [٤] صاحب «التاريخ» أبو يعلى حمزة بن راشد التميمي الدمشقي الكاتب، صاحب «تاريخ دمشق» [٥] . انتهى به إلى هذه
стр. 2530
السنة. حدّث عن سهل بن بشير الإسفراييني، وولي رئاسة البلد مرتين، وكان يسمى أيضا المسلم. توفي في ربيع الأول عن بضع وثمانين سنة.
وفيها أبو يعلي بن الحبوبي [١] حمزة بن علي بن هبة الله الثعلبي [٢] الدمشقي البزّاز. سمع أبا القاسم المصيصي، ونصر المقدسي. مات في جمادى الأولى عن بضع وثمانين سنة، وكان لا بأس به. قاله في «العبر» [٣] .
وفيها ثقة الملك الحلبي الحسن بن علي بن عبد الله بن أبي جرادة [٤] . سافر إلى مصر وتقدم عند الصالح بن زرّيك [٥] وناب فيها.
ومن شعره قوله من أبيات:
يفنى الزّمان وآمالي مصرّمة ... ومن أحبّ على مطل وإملاق
واضعية العمر لا الماضي انتفعت به ... ولا حصلت على شيء من الباقي
وفيها خسر شاه، سلطان غزنة، تملّك بعد أبيه بهرام شاه بن مسعود ابن إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين، وكان عادلا سايسا مقربا للعلماء، وكانت دولته تسع سنين، وتملّك بعده ولده ملكشاه.
وفيها أبو جعفر الثقفي، قاضي العراق، عبد الواحد بن أحمد بن محمد، وقد ناهز الثمانين. ولي قضاء الكوفة مدة، وسمع من أبي النّرسي [٦] ، ثم ولّاه المستنجد في هذا العام قضاء القضاة [٧] فتوفي في آخر العام، وولي بعده ابنه جعفر.
стр. 2531
وفيها الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن الظافر إسماعيل بن الحافظ عبد المجيد بن محمد بن المستنصر العبيدي. أقيم في الخلافة بعد قتل أبيه وله خمس سنين. فحمله الوزير عبّاس على كتفه. وقال: يا أمراء، هذا ولد مولاكم، وقد قتل مولاكم أخواه فقتلتهما كما ترون، فبايعوا هذا الطفل. فقالوا: سمعنا وأطعنا. وضجّوا ضجة واحدة. ففزع الصبيّ وبال واختل عقله، فيما قيل: من تلك الضجة، وصار يتحرّك ويصرع، وتوفي في رجب في هذه السنة. وكان الحلّ والرّبط لعبّاس، فلما هرب عبّاس وقتل، كان الأمر للصالح طلائع بن رزّيك.
وفيها علوي الإسكاف [١] الحنبلي. كان شيخا صالحا من أصحاب أبي الحسن بن الزّاغوني، وكان يقرأ في كتاب الخرقي. توفي في يوم الجمعة رابع عشري جمادى الآخرة.
وفيها الشريف الخطيب أبو المظفّر محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن التّريكي [٢] العبّاسي الهاشمي الحنبلي المعدّل.
كان مولده سنة سبعين وأربعمائة، وروى عن طراد، وأبي نصر الزّينبي، والعاصمي، وغيرهم، وحدّث، وسمع منه جماعة، وكان جليل القدر من رجالات الهاشميين، ذا أدب وعلم، وله نظم. قاله ابن رجب [٣] .
وفيها أبو الفتوح الطائي، محمد بن أبي جعفر محمد بن علي
стр. 2532
الهمذاني [١] صاحب «الأربعين» سمع فيد بن عبد الرحمن الشعراني، وإسماعيل بن الحسن الفرائضي، وطائفة، بخراسان، والعراق، والجبال، وتوفي في شوال عن خمس وثمانين سنة.
стр. 2533
سنة ست وخمسين وخمسمائة
فيها توفي أبو حكيم النّهرواني إبراهيم بن دينار بن أحمد بن الحسين بن حامد بن إبراهيم النّهرواني الرزّاز [١] ، الفقيه الحنبلي، الفرضي الزاهد، الحكيم الورع.
ولد سنة ثمانين وأربعمائة، وسمع الحديث من أبي الحسن بن العلّاف، وأبي عثمان بن ملّة، وأبي الخطّاب، وبرع في المذهب، والخلاف، والفرائض، وأفتى وناظر. وكانت له مدرسة بناها بباب الأزج، وكان يدرّس ويقيم بها، وفي آخر عمره فوضت إليه المدرسة التي بناها ابن الشمحل [٢] بالمأمونية ودرّس بها أيضا. وقرأ عليه العلم خلق كثير وانتفعوا به، منهم: ابن الجوزي، وقال: قرأت عليه القرآن والمذهب والفرائض.
وممن قرأ عليه السّامري صاحب «المستوعب» ونقل عنه في تصانيفه.
قال ابن الجوزي: وكان زاهدا، عابدا، كثير الصوم، يضرب به المثل في الحلم والتواضع، من العلماء العاملين مؤثرا للخمول، ما رأينا له نظيرا
стр. 2534
في ذلك. يقوم الليل ويصوم النهار، ويعرف المذهب والمناظرة، وله الورع العظيم. وكان يكسب [١] بيده وإذا خاط ثوبا فأعطي الأجرة مثلا قيراطا، أخذ منه حبّة ونصفا وردّ الباقي، وقال: خياطتي لا تساوي أكثر من هذا [٢] . ولا يقبل من أحد شيئا.
وقال ابن رجب: صنّف تصانيف في المذهب والفرائض، وشرح «الهداية» كتب منه تسع مجلدات، ولم يكمله.
وحدّث، وسمع منه جماعة، منهم: ابن الجوزي، وعمر بن علي القرشي الدمشقي، وله نظم حسن منه، قوله:
يا دهر إن جارت صروفك واعتدت ... ورميتني في ضيقة وهوان
أنّى أكون عليك يوما ساخطا ... وقد استفدت معارف الإخوان
وتوفي يوم الثلاثاء بعد الظهر، ثالث عشر جمادى الآخرة، ودفن قريبا من بشر الحافي، رحمهما الله تعالى.
وفيها علاء الدّين الحسين بن الحسين الغوري [٣] سلطان الغور، وتملّك بعده ولده سيف الدّين محمد.
وفيها سليمان شاه بن السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي [٤] . كان أهوج أخرق فاسقا بل زنديقا يشرب الخمر في نهار رمضان، قبض [٥] عليه الأمراء في العام الماضي، ثم خنق في ربيع الآخر من السنة.
стр. 2535
وفيها طلائع بن رزّيك الأرمني ثم المصري [١] ، الملك الصالح، وزير الدّيار المصرية. غلب على الأمور في سنة تسع وأربعين، وكان أديبا شاعرا فاضلا شيعيا جوادا ممدّحا. ولما بايع العاضد زوّجه بابنته ونقّص أرزاق الأمراء، فعملوا عليه بإشارة العاضد وقتلوه في الدهليز في رمضان، وكان في نصر التشيع كالسكة المحماة. كان يجمع الفقهاء ويناظرهم على الإمامة وعلى القدر. وله مصنّف في ذلك سمّاه «الاجتهاد في الردّ على أهل العناد» قرر فيه قواعد الرفض [٢] ، وجامع الصالح الذي بباب زويلة منسوب إليه، وبنى آخر بالقرافة وتربة إلى جانبه، وهو مدفون بها.
ومن شعره:
ومهفهف ثمل القوام سرت إلى ... أعطافه النّشوات من عينيه
ماضي اللحاظ كأنّما سلّت يدي ... سيفي غداة الروع من جفنيه
قد قلت إذ خطّ العذار بمسكة ... في خده ألفين [٣] لا لاميه
ما الشّعر دبّ بعارضيه وإنما ... أصداغه نفضت على خدّيه
النّاس طوع يدي وأمري نافذ ... فيهم وقلبي الآن طوع يديه
فاعجب لسلطان يعمّ بعدله ... ويجوز سلطان الغرام عليه
والله لولا اسم الفرار وأنّه ... مستقبح لفررت منه إليه
وفيها أبو الفتح بن الصّابوني عبد الوهاب بن محمد المالكي [٤] المقرئ الخفّاف، من قرية المالكية [٥] . روى عن النّعالي، وابن البطر،
стр. 2536
وطبقتهما، وكتب، وحصّل، وجمع أربعين حديثا. وقرأ القراءات على [ابن] بدران [١] الحلواني، وتصدّر للإقراء، وكان قيّما بالفنّ. توفي في صفر عن أربع وسبعين سنة.
وفيها الوزير جلال الدّين أبو الرضا محمد بن أحمد بن صدقة [٢] ، وزر للراشد بالله، وكان فيه خير ودين. توفي في شعبان، عن ثمان وخمسين سنة.
وفيها ابن المادح [٣] أبو محمد، محمد بن أحمد بن عبد الكريم التميمي البغدادي. روى عن أبي نصر الزّينبي وجماعة، وتوفي في ذي القعدة.
وفيها الخاقان محمود بن محمد التّركي [٤] سلطان ما وراء النهر، وابن بنت السلطان ملكشاه السلجوقي. سار بالغزّ في وسط السنة، وغزا نيسابور شهرين، وكان كالمقهور مع الغزّ، فهرب منهم إلى صاحب نيسابور المؤيد ثم خلّاه المؤيّد قليلا وسملة وحبسه.
стр. 2537
سنة سبع وخمسين وخمسمائة
فيها توفي أبو يعلى حمزة بن أحمد بن فارس بن كروّس السّلمي الدمشقي [١] . روى عن نصر المقدسي، ومكّي الرّميلي وجماعة، وكان شيخا مباركا حسن السمت. توفي في صفر عن أربع وثمانين سنة، وتفرّد برواية «الموطأ» .
وفيها زمرّد خاتون المحترمة [٢] صفوة الملوك بنت الأمير جاولي، أخت الملك دقاق صاحب دمشق لأمه، وزوجة تاج الملك بوري، وأمّ ولديه شمس الملوك إسماعيل، ومحمود. سمعت من أبي الحسن بن قبيس، واستنسخت الكتب، وحفظت القرآن، وبنت المدرسة الخاتونية بصنعاء دمشق، ثم تزوّجها أتابك زنكي، فبقيت معه تسع سنين، فلما قتل حجّت وجاورت بالمدينة ودفنت بالبقيع، وهي التي ساعدت على قتل ولدها إسماعيل، لما كثر فساده وسفكه للدماء ومواطأته الفرنج على بلاد المسلمين، ولما جاورت بالمدينة المنورة قلّ ما بيدها، فكانت تغربل القمح والشعير، وتطحن وتتقوت بأجرتها، وكانت كثيرة البرّ، والصدقة، والصوم، والصلاة، رحمها الله تعالى.
стр. 2538
وأما خاتون بنت أنر زوجة الملك نور الدّين، فتأخرت، ولها مدرسة بدمشق وخانقاه معروفة على نهر بانياس [١] .
وفيها عبد الرحمن بن سالم التّنوخي، الواعظ، اجتمعت له الفصاحة والصباحة، ومواعظه مبكية مضحكة، وكلماته بالوعد والوعيد مهلكة، إذا وعظ كانت عباراته أرق من عبرات الباكين، وإذا أنشد كانت غرره مثل ثغور الضاحكين، فهو كما قال الحريري يقرّع الأسماع بزواجر وعظه، ويطبع الأسجاع بجواهر لفظه، وكان شحاذا حوّاشا قلما يخلو شركه من صيد، حتّى لو رآه الحريري لم يذكر أبا زيد.
أنشد في عزاء صدر الدّين إسماعيل شيخ الشيوخ ببغداد:
يا أخلّائي وحقّكم ... ما بقا من بعدكم فرح
أيّ صدر في الزّمان لنا ... بعد صدر الدّين ينشرح
قال ابن عساكر: كان أبوه منجما، وكان عبد الرحمن ينشد الشعر في الأسواق، خرج إلى بغداد وأظهر الزهد وعاد إلى دمشق، وصعد إليه على المنبر طفل فأمده على يديه وقال:
هذا صغير ما جنى صغيرة ... فهل كبير يركب الكبائرا
فضج الناس بالبكاء، مات بدمشق، ودفن بقاسيون. قاله ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» .
وفيها أبو مروان عبد الملك بن زهر [٢] بن عبد الملك الإشبيلي، طبيب عبد المؤمن وصاحب التصانيف. أخذ عن والده وبرع في الصناعة، وهو الذي صنّف «الدرياق السبعيني» صنّفه لعبد المؤمن.
стр. 2539
وفيها الشيخ عديّ بن مسافر بن إسماعيل الشامي ثم الهكّاري الزاهد، قطب المشايخ وبركة الوقت، وصاحب الأحوال والكرامات، صحب الشيخ عقيلا المنبجي [١] ، والشيخ حمّاد الدبّاس، وعاش تسعين سنة، ولأصحابه فيه عقيدة تتجاوز الحدّ. قاله في «العبر» [٢] .
وقال ابن الأهدل: له كرامات عظيمة، منها أنه إذا ذكر على الأسد وقف، وإذا ذكر على موج البحر سكن.
وإلى ذلك أشار الشيخ العارف الصّدّيق أبو محمد، المقرئ المعروف والده بالمدوّخ في «وسيلته الجامعة» فقال:
بجاه عديّ ذلك ابن مسافر ... به تسكن الأمواج في لجج البحر
وإن قلته للّيث لم يخط خطوة ... ولا الشبر من قاع ولا البعض من شبر
[٣] وقال السّخاوي: أصله من قرية بشوف الأكراد تسمى بيت فار. ولد بها، والبيت الذي ولد فيه يزار إلى اليوم، وصحب الشيخ عقيل المنبجي [٤] والشيخ حمّاد الدّباس، وأبا النجيب السهروردي، وعبد القادر الجيلي، وأبا الوفاء الحلواني، وأبا محمد الشنبكي [٥] .
وقال ابن شهبة في «تاريخه» : كان فقيها عالما، وهو أحد أركان الطريقة، سلك في المجاهدة وأحوال البداية طريقا صعبا تعذّر على كثير من المشايخ سلوكه، وكان الشيخ عبد القادر يثني عليه كثيرا ويشهد له بالسلطنة
стр. 2540
على الأولياء، وكان في أوّل أمره في الجبال مجردا سائحا، وانتمى إليه عالم عظيم.
قال عمر بن محمد: خدمت الشيخ عدي سبع سنين، شهدت له فيها خارقات، أحدها أني صببت على يديه ماء، فقال لي: ما تريد؟ قلت: أريد تلاوة القرآن ولا أحفظ منه غير الفاتحة وسورة الإخلاص، فضرب بيده في صدري، فحفظت القرآن كله في وقتي وخرجت من عنده وأنا أتلوه بكماله.
وقال لي يوما: اذهب إلى الجزيرة السادسة بالبحر المحيط تجد بها مسجدا فادخله تر فيه شيخا، فقل له: يقول لك الشيخ عدي بن مسافر احذر الاعتراض ولا تختر لنفسك أمرا لك فيه إرادة، فقلت يا سيدي، وأنى لي بالبحر المحيط؟ فدفعني بين كتفي فإذا أنا بجزيرة والبحر محيط بها، وثمّ مسجد، فدخلته فرأيت شيخا مهيبا يفكر، فسلّمت عليه وبلّغته الرسالة، فبكى، وقال: جزاه الله خيرا، فقلت: يا سيدي ما الخبر؟ فقال: اعلم أنّه [١] أحد السبعة الخواص في النزع.
وطمحت نفسي وإرادتي أن أكون مكانه، ولم تكمل خطرتي حتّى أتيتني، فقلت له:
يا سيدي، وأنّى لي بالوصول إلى جبل هكّار، فدفعني بين كتفي، فإذا أنا بزاوية الشيخ عدي، فقال لي: هو من العشرة الخواص. ذكر ذلك القطب اليونيني في «ذيله» [٢] .
وفيها أبو نصر محمد الفرّوخي [٣] الكاتب. كان أديبا فاضلا.
من شعره:
يا ربّ عفوك إنّني في معشر ... لا أبتغي منهم سواك ملاذا
هذا ينافق ذا وذا يغتاب ذا ... ويسبّ هذا ذا ويشتم ذا ذا
стр. 2541
وفيها الشيخ الإمام المحدّث، سيد الحفاظ، سراج الدّين أبو الحسن، علي بن أبي بكر بن حمير اليمني الهمداني [١] . روى عنه الإمام يحيى بن أبي الخير [صاحب «البيان» ] وجماعة من ذي أشرق [٢] «البخاري» و «سنن أبي داود» وانتشر عنه الحديث بقطر اليمن، وعنه أخذ أحمد بن عبد الله القريظي.
قال الإمام يحيى بن أبي الخير: ما رأيت ولا سمعت بمثله، وله كتاب «الزلازل والأشراط» . قاله ابن الأهدل.
وفيها هبة الله بن أحمد الشّبلي بن المظفّر. القصّار المؤذّن. توفي في سلخ السنة، عن ثمان وثمانين سنة، وبه ختم السماع من أبي نصر الزّينبي.
وفيها أبو بكر هبة الله بن أحمد الحفّار. روى عن رزق الله التميمي، وتوفي في شوال كلاهما ببغداد.
стр. 2542
سنة ثمان وخمسين وخمسمائة
فيها سار جيش المستنجد فالتقوا آل دبيس الأسديّين أصحاب الحلّة، فالتقوهم، فخذلت بنو أسد [١] وقتل من العرب نحو أربعة آلاف، وقطع دابرهم، فلم تقم لهم بعدها قائمة.
وفيها سار نور الدّين الشهيد لقتال الفرنج، وكانوا عزموا على حمص، فترفعوا وفرق في يوم مائتي ألف دينار، وكتب إليه النّواب أن الصدقات كثيرة، للفقهاء، والفقراء، والصوفية، فلو استعنت بها ثم تعوضهم عنها، فغضب وكتب إليهم: إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ١٣: ١١ [الرعد: ١١] وهل أرجو النصر إلّا بهؤلاء، و «هَلْ تُنْصَرُونَ إِلَّا بضُعَفَائِكُمْ» [٢] فكتبوا إليه فنقترض من أرباب الأموال ثم نوفيهم، فبات مفكرا، فرأى في منامه إنسانا ينشد:
стр. 2543
أحسنوا ما دام أمركم ... نافذا في البدو والحضر
واغنموا أيام دولتكم ... إنّكم منها على خطر
فقام مرعوبا مستغفرا مما خطر له، وكتب: لا حاجة لي بأموال النّاس، وعاد الفرنج إلى بلادهم.
وفيها توفي الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة [١] الزاهد، والد الشيخ أبي عمر، والشيخ الموفق. وله سبع وستون سنة. وكان خطيب جمّاعيل، ففرّ بدينه من الفرنج مهاجرا إلى الله، ونزل بمسجد أبي صالح، الذي بظاهر باب شرقي، ثم صعد إلى الجبل لتوخم ناحية باب شرقي عليهم، ونزل هو وولداه بسفح قاسيون، وكانوا يعرفون بالصالحية لنزولهم [٢] بمسجد أبي صالح، فسميت الصالحية بهم، وكانت تسمى أولا قرية الجبل، وقيل: قرية النخل، لنخل كان بها كثيرا، وكان زاهدا صالحا قانتا لله، صاحب جدّ وصدق وحرص على الخير، وهو الذي بنى الدّير بالصالحية.
وفيها أحمد بن جعفر الدبيثي- مصغرا [٣] نسبة إلى دبيثا [٤] قرية بواسط- البيّع، ابن عم الحافظ أبي عبد الله الدّبيثي. قدم بغداد، وكان قد ضمن البيع بواسط، ثم عطل عنه وصودر، وروى ببغداد شيئا من شعره، وأورد له ابن النجار في «تاريخه» قوله:
يروم صبرا وفرط الوجد يمنعه ... وسلوه ودواعي الشّوق تردعه
إذا استبان طريق الرّشد واضحة ... عن الغرام فيثنيه ويرجعه
مشحونة بالجوى والشوق أضلعه ... ومفعم القلب بالأحزان مترعه
стр. 2544
ومنها:
عاثت يد البين في قلبي تقسّمه ... على الهوى وعلى الذكرى توزّعه
كأنّما آلت الأيام جاهدة ... لمّا تبدّد شملي لا تجمّعه
روّعت يا دهر قلبي كم تذوّقه ... من الأسى وفؤادي كم تجرّعه
وهي طويلة.
والظاهر أنه عارض فيها قصيدة ابن زريق المشهورة.
وفيها شهردار بن شيرويه بن شهردار بن شيرويه الدّيلمي [١] المحدّث الشافعي، أبو منصور.
قال ابن السمعاني: كان حافظا عارفا بالحديث، فهما عارفا بالأدب، ظريفا. سمع أباه، وعبدوس بن عبد الله، ومكّي السّلّار، وطائفة، وأجاز له أبو بكر بن خلف الشيرازي، وعاش خمسا وسبعين سنة. خرّج أسانيد لكتاب والده المسمى ب «الفردوس» في ثلاث مجلدات ورتبه ترتيبا حسنا [٢] وسمّاه «الفردوس الكبير» .
وفيها عبد المؤمن الكوميّ التلمساني [٣] صاحب المغرب والأندلس.
كان أبوه صانعا في الفخّار فصار أمره إلى ما صار. وكان أبيض مليحا، ذا جسم عمّ تعلوه حمرة، أسود الشعر، معتدل القامة، وضيئا، جهوري الصوت، فصيحا، عذب المنطق، لا يراه أحد إلّا أحبه بديهة. وكان في الآخر شيخا أنقى. وقد سبق شيء من أخباره في ترجمة ابن تومرت [٤] وكان ملكا عادلا سايسا، عظيم الهيبة، عالي الهمّة، كثير المحاسن، متين الدّيانة،
стр. 2545
قليل المثل، وكان يقرأ كل يوم سبعا من القرآن العظيم، ويجتنب لبس الحرير، ويصوم الاثنين والخميس، ويهتمّ بالجهاد والنظر في الملك كأنما خلق له، وكان سفّاكا لدماء من خالفه. سأل أصحابه مسألة ألقاها عليهم فقالوا: لا علم لنا إلّا ما علّمتنا [١] ، فلم ينكر ذلك عليهم، فكتب بعض الزهاد هذين البيتين ووضعهما تحت سجادته وهما:
يا ذا الذي قهر الأنام بسيفه ... ماذا يضرّك أن تكون إلها
الفظ بها فيما لفظت فإنّه ... لم يبق شيء أن تقول سواها
فلما رآها وجم وعظّم أمرهما، وعلم أن ذلك بكونه لم ينكر على أصحابه قولهم: لا علم لنا إلّا ما علّمتنا، فكان عبد المؤمن يتزيّا بزي العامة ليقف على الحقائق، فوقعت عيناه على شيخ عليه سيما الخير، فتفرّس فيه أنه قائل البيتين، فقال له: أصدقني أنت قائل البيتين، قال: أنا هو، قال: لم فعلت ذلك؟ قال: قصدت إصلاح دينك، فدفع إليه ألف دينار فلم يقبلها.
ومن شعره وقد كثر الثوار عليه:
لا تحفلنّ بما قالوا وما فعلوا ... إن كنت تسمو إلى العليا من الرّتب
وجرّد السيف فيما أنت طالبه ... فما تردّ صدور الخيل بالكتب
ومات غازيا بمدينة سلا في جمادى الآخرة، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن عمّار بن أحمد بن علي ابن عبدوس الحرّاني [٢] الفقيه الحنبلي الزاهد العارف الواعظ.
ولد سنة عشر- أو إحدى عشرة- وخمسمائة. وسمع ببغداد من ابن
стр. 2546
ناصر وغيره، وتفقّه وبرع في الفقه، والتفسير، والوعظ، والغالب على كلامه التذكير وعلوم المعاملات. وله تفسير كبير مشحون بهذا الفنّ، وله كتاب «المذّهب في المذهب» ومجالس وعظية، فيها كلام حسن. قرأ عليه قرينه [١] أبو الفتح نصر الله بن عبد العزيز، وجالسه الشيخ فخر الدّين بن تيمية في أول اشتغاله، وقال عنه: كان نسيج وحده في علم التذكير والاطلاع على علم التفسير، وله فيه التصانيف البديعة والمبسوطات الوسيعة.
وسمع منه الحديث أبو المحاسن عمر بن علي القرشي الدمشقي بحرّان، وقال: هو إمام الجامع بحرّان، من أهل الخير والصلاح والدّين.
قال: وأنشدني لنفسه:
سألت حبيبي وقد زرته ... ومثلي في مثله يرغب
فقلت حديثك مستظرف ... ويعجب منه الذي يعجب
أراك ظريفا مليح الجواب ... فصيح الخطاب فما تطلب
[٢] ؟
فهل فيك من خلّة تزدري ... بها الصد والهجر هل يقرب؟
فقال أما قد سمعت المقال ... مغنّية الحيّ ما تطرب؟
وقوله:
قرّة عيني [٣] من صدق ... بعزمه عن الصّدف
стр. 2547
ثمّ اقتنى الدّرّ الذي ... من ناله نال الشّرف
توفي- رحمه الله تعالى- في آخر نهار عرفة، وقيل: ليلة عيد النحر، سنة تسع وخمسين وخمسمائة، كما جزم به ابن رجب.
وفيها سديد الدولة ابن الأنباري، صاحب ديوان الإنشاء ببغداد، وهو محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم الشيباني [١] ، الكاتب البليغ. أقام في الإنشاء خمسين سنة، وناب في الوزارة، ونفذ رسولا، وكان ذا رأي وحزم وعقل. عاش نيفا وثمانين سنة. وكانت رسائله بديعة المعاني، متينة المباني، عذبة المجاني. ومدحته الشعراء منهم الأرّجاني بقصيدة أولها:
إلى خيال خيال في الظلام سرى ... نظيره في خفاء الشخص إذ نظرا
ومنها:
معقرب الصّدغ تحكي نور غرّته ... بدر بدا بظلام اللّيل معتكرا
مذ سافر القلب من صدري إليه هوى ... ما عاد قطّ ولم أسمع له خبرا
وهو المسيء اختيارا إذ نوى سفرا ... وقد رأى طالعا في العقرب القمرا
وكانت بينه وبين الحريري مكاتبات ومراسلات.
وفيها الجواد جمال الدّين أبو جعفر محمد بن علي الأصبهاني [٢] ، وزير صاحب الموصل أتابك زنكي. كان رئيسا نبيلا مفخّما دمث الأخلاق سمحا كريما مفضالا، متنوعا في أفعال البرّ والقرب، مبالغا في ذلك. وقد وزر أيضا لولد زنكي سيف الدّين غازي، ثم لأخيه قطب الدّين مدة، ثم قبض عليه في هذه السنة وحبسه، ومات في العام الآتي فنقل ودفن بالبقيع. ولقد حكى ابن الأثير [٣] في ترجمة الجواد هذا مآثر ومحاسن لم يسمع بمثلها.
стр. 2548
وفيها المؤيد محمد الألوسي- بفتح الهمزة وضم اللام ومهملة، نسبة إلى ألوس [١] ، ناحية عند حديثة الفرات، وقال ابن السمعاني عند طرسوس [٢]- كان يتزيا بزي الأجناد، وله المعاني المبتكرة، فمن ذلك قوله في قلم:
قلم يفلّ الجيش وهو عرمرم ... والبيض ما سلت من الأغماد
وهبت له الآجام حين نشا بها ... كرم السيول وهيبة الآساد
وما أظن أنه قيل في القلم أحسن منهما.
وفيها يحيى بن سعيد النصراني. أوحد زمانه في معرفة الطب والأدب، له ستون مقامة ضاهى بها «مقامات الحريري» ومن شعره في الشيب:
نفرت هند من طلائع شيبتي ... واعترتها سآمة من وجومي
هكذا عادة الشياطين ينفر ... ن إذا ما بدت رجوم النّجوم
وفيها أبو زكريا [٣] العمراني، يحيى بن أبي الخير بن سالم اليماني، صاحب «البيان» .
ولد سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وتفقّه على جماعات، منهم زيد اليفاعي [٤] ، وكان شيخ الشافعية ببلاد اليمن، وكان إماما زاهدا ورعا عالما خيّرا، مشهور الاسم، بعيد الصيت، عارفا بالفقه وأصوله، والكلام والنحو،
стр. 2549
من أعرف أهل الأرض بتصانيف الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، ويحفظ «المهذب» عن ظهر قلب، وقيل: إنه كان يقرؤه في كل ليلة، وكان ورده في كل ليلة أكثر من مائة ركعة بسبع القرآن العظيم، ورحل إليه الطلبة من البلاد، ومن تصانيفه «البيان» في نحو عشر مجلدات، وهو كاسمه، وفيه قيل:
لله شيخ من بني عمران ... قد شاد قصر العلم بالأركان
يحيى لقد أحيا الشريعة هاديا ... بزوائد وغرائب وبيان
هو درّة اليمن الذي ما مثله ... من أول في عصرنا أوثان
وكان حنبلي العقيدة، شافعي الفروع، كما قال ابن الأهدل كالآجري [١] صاحب كتاب «الشريعة» .
قال ابن شهبة [٢] وغيره: وله في علم الكلام كتاب «الانتصار في الرد على القدرية الأشرار» ينصر فيه عقيدته وتحامل فيه على الأشاعرة واختصر «الإحياء» وله كتاب «السؤال عما في المهذّب من الإشكال» وانتقل في آخر أمره من سير إلى ذي سفال، ثم مات بها مبطونا شهيدا، وما ترك فريضة في جملة مرضه، ونازع ليلتين، وهو يسأل عن أوقات الصلاة، ومحاسنه ومصنفاته كثيرة، رحمه الله تعالى.
стр. 2550
سنة تسع وخمسين وخمسمائة
فيها كسر نور الدّين الشهيد الفرنج، وأسر صاحب أنطاكية، وصاحب طرابلس، وفتح حارم [١] .
وفيها سار أسد الدّين شير كوه من دمشق إلى مصر بأمر نور الدّين إعانة للأمير شاور، ومعه ابن أخيه صلاح الدّين يوسف بن نجم الدّين أيوب، وهو الذي صار إليه ملك مصر كما سيأتي، وكان نجم الدّين أيوب بن شاذي السعدي، وأخوه شير كوه من بلد العجم، أصلهم أكراد، وكانوا من بلد يقال له دوين، ونجم الدّين الأكبر. قدما العراق، وخدما مجاهد الدّين بهروز، ولما تمّ لزنكي أمره، ذهب إليه نور الدّين وأخوه، فلما قتل زنكي وقصد نور الدّين دمشق، كاتبهما أن يساعداه، وكانا صارا من أكابر أمراء دمشق، ووعدهما بأشياء، فساعداه على فتحها، ووفى لهما، وصارا عنده في منزلة عالية، خصوصا نجم الدّين، فلما وصل إلى مصر بالعساكر، وخرج إليهما ضرغام، فالتقوا على باب القاهرة في هذه السنة، فقتل ضرغام واستقام أمر شاور، ثم ظهر من شاور الغدر، وكتب إلى الفرنج يستنجدهم، فجاؤوا إلى بلبيس، وحصروا أسد الدّين شيركوه، ولم يقدروا عليه، خصوصا لما جاءهم الصريخ بما تمّ على دين الصليب بوقعة حارم، فصالحوا أسد الدّين، وردوا، ورجع
стр. 2551
هو إلى الشام، ثم لا زالت تتنقل به وبابن أخيه الأحوال إلى أن صار ابن أخيه ملك مصر.
وفيها توفي أبو سعد عبد الوهاب بن الحسن الكرماني، بقية شيوخ نيسابور. روى عن أبي بكر بن خلف، وموسى بن عمران، وأبي سهل عبد الملك الدّشتي [١] وتفرّد عنهم، وعاش تسعا وسبعين سنة.
وفيها أبو المعالي الحسن [بن محمد] الوركاني [٢]- بالفتح والسكون، نسبة إلى وركان، محلّة بأصبهان- الفقيه الشافعي، كان سريا مفتيا للفريقين، وله طريقة في الخلاف.
وفيها السيد أبو الحسن علي بن حمزة العلوي الموسوي [٣] ، مسند هراة. سمع أبا عبد الله العمري، ونجيب بن ميمون، وأبا عامر الأزدي، وطائفة، وعاش نيفا وتسعين سنة.
وفيها أبو الخير الباغبان- بفتح الموحدتين وسكون المعجمة، نسبة إلى حفظ الباغ، وهو البستان- محمد بن أحمد بن محمد الأصبهاني [٤] المقدّر. سمع عبد الوهاب بن مندة وجماعة، وكان ثقة مكثرا، توفي في شوال.
وفيها الزّاغولي الحافظ محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم بن عبد الله بن يعقوب المروزي. كان حافظا ثقة عمدة، له
стр. 2552
مؤلفات، منها مؤلّف واحد في أكثر من أربعمائة مجلد [١] . قاله ابن ناصر الدّين [٢] .
والزّاغولي: بضم المعجمة، نسبة إلى زاغولة، قرية من قرى بنج ديه [٣] .
وفيها نصر بن خلف، السلطان أبو الفضل [٤] ، صاحب سجستان، عمّر مائة سنة، ملك منها ثمانين سنة، وكان عادلا حسن السيرة، مطيعا للسلطان سنجر.
стр. 2553
سنة ستين وخمسمائة
فيها وقعت فتنة هائلة بأصبهان بين صدر الدّين عبد اللطيف بن الخجندي وغيره من أصحاب المذاهب، سببها التعصب للمذاهب [١] ، فخرجوا للقتال وبقي الشرّ والقتل ثمانية أيام، قتل فيها خلق كثير، وأحرقت أماكن كثيرة.
وفيها فوّض نور الدّين دمشق إلى صلاح الدّين يوسف بن أيوب، فأظهر السياسة وهذّب الأمور.
وفيها فتح نور الدّين بانياس عنوة.
وفيها توفي أبو العبّاس بن الحطيئة [٢] أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام اللّخمي الفاسي، المقرئ الصالح الناسخ.
ولد سنة ثمان وسبعين، وحجّ، وقرأ القراءات على ابن الفحّام، وبرع فيها، وكان لأهل مصر فيه اعتقاد كثير، توفي في المحرم ودفن بالقرافة.
وفيها أمير ميران أخو السلطان نور الدّين [٣] . أصابه سهم في عينه على حصار بانياس، فمات منه بدمشق، رحمه الله تعالى.
стр. 2554
وفيها أبو النّدى حسّان بن تميم الزّيّات [١] . رجل حاج صالح. روى عن نصر المقدسي، وتوفي في رجب عن بضع وثمانين سنة، وروت عنه كريمة.
وفيها أبو المظفّر الفلكي [٢] سعيد بن سهل، الوزير النيسابوري ثم الخوارزمي، [وزير خوارزم] شاه [٣] . روى مجالس عن أحمد المديني، ونصر الله الخشنامي، وحجّ وتزهد، وأقام بدمشق بالسميساطيّة، وكان صالحا متواضعا، توفي في شوال.
وفيها أبو المعمّر الهاطر حذيفة بن سعد الأزجي الوزّان [٤] . روى عن أبي الفضل بن خيرون وجماعة، وتوفي في رجب.
وفيها رستم بن علي بن شهريار صاحب مازندران. استولى في العام الماضي على بسطام، وقومس، واتسعت مملكته، مات في ربيع الأول، وتملّك بعده ابنه علاء الدّين حسن.
وفيها عبد الله بن سعد بن الحسين بن الهاطر العطار الحنبلي، وهو حذيفة المتقدم. كان اسمه حذيفة فغيّره، وصار يكتب عبد الله. قرأ القرآن بالروايات على أبي الخطّاب بن الجرّاح وغيره، وسمع الحديث من ابن طلحة وغيره، وتفقّه على أبي الخطّاب الكلوذاني، وحدّث، وروى عنه أبو جعفر السهروردي وغيره. توفي يوم الاثنين ثامن رجب، وصلى عليه الشيخ عبد القادر الكيلاني من الغد، ودفن بباب حرب.
стр. 2555
وفيها أبو الحسين اللبّاد علي بن أحمد الأصبهاني. سمع أبا بكر بن ماجة، ورزق الله التميمي وطائفة، وأجاز له أبو بكر بن خلف، وتوفي في شوال.
وفيها أبو القاسم بن البزري، عمر بن محمد الشافعي جمال الإسلام، إمام جزيرة ابن عمر وفقيهها ومفتيها ومدرّسها. رحل إلى بغداد، وأخذ عن الغزالي وإلكيا [١] وجماعة، وبرع في المذهب ودقائقه، وصنّف كتابا في حلّ مشكلات «المهذّب» وكان من أهل العلم والدّين بمحلّ رفيع.
قال ابن خلّكان [٢] : كان أحفظ من بقي في الدّنيا على ما يقال لمذهب الشافعي، انتفع به خلق كثير، ولم يخلّف بالجزيرة مثله.
ولد سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وتوفي في أحد الربيعين.
والبزري: منسوب إلى عمل البزر، وهو الدّهن من حبّ الكتان.
وفيها أبو عبد الله الحرّاني محمد بن عبد الله بن العبّاس المعدّل [٣] ببغداد. سمع رزق الله التميمي، وهبة الله بن عبد الرزاق الأنصاري، وطراد ابن محمد [الزّينبي] ، وكان أديبا فاضلا ظريفا. توفي في جمادى الأولى.
وفيها القاضي أبو يعلى الصغير الحنبلي محمد بن أبي خازم محمد ابن القاضي أبي يعلى الكبير بن الفراء البغدادي [٤] شيخ المذهب، تفقّه على أبيه وعمه أبي الحسين، وكان مناظرا فصيحا مفوّها ذكيا، ولي قضاء واسط مدة، ثم عزل منها، فلزم منزله وأضرّ بأخرة.
стр. 2556
قال ابن رجب: ولد يوم السبت لثمان عشرة من شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وسمع الحديث من أبي البركات العاقولي، وأبي علي الثّككيّ [١] وغيرهما، وأجازه الحريري صاحب «المقامات» ودرّس وناظر في شبيبته، وكان ذا ذكاء مفرط وذهن ثاقب وفصاحة وحسن عبارة [٢] ، ظهر علمه في الآفاق، ورأى من تلاميذه من ناظر ودرّس وأفتى في حياته.
ومما كتبه [٣] إلى بعض العلماء: فلو أن للكرم [٤] مقلة لكان هو إنسانها، أو للمجد [٥] لغة لكان هو لسانها، أو للسؤدد دهرا لكان هو ربيع أزمانه، وللشرف عمرا لكان [هو] صفو ريعانه، وللأجواد شهبا لكان هو الشمس التي إذا ظهرت خفيت الكواكب لظهورها، وإذا تأمّلها الراؤون ردّت أبصارهم عن شعاعها ونورها.
ولابن الجوزي فيه مدائح كثيرة، وله مصنفات كثيرة، منها:
«المفردات» و «التعليقة» في مسائل الخلاف، و «شرح المذهب» وكتاب «النّكت والإشارات» .
وقرأ عليه المذهب جماعة كثيرة، منهم أبو إسحاق الصقّال، وأبو العبّاس القطيعي، وأبو البقّال العكبري، ويحيى بن الرّبيع الشافعي، وسمع منه جماعة كثيرة أيضا، وتوفي ليلة السبت سحر خامس جمادى الأولى.
وفيها أبو طالب العلويّ الشريف محمد بن محمد بن محمد بن أبي
стр. 2557
زيد الحسني البصري [١] ، نقيب الطالبيين بالبصرة. روى عن أبي علي التّستري، وجعفر العبّاداني، وجماعة، واستقدمه [٢] ابن هبيرة لسماع «السنن» [٣] . توفي في ربيع الأول عن إحدى وتسعين سنة.
وفيها أبو الحسن بن التلميذ، أمين الدولة هبة الله بن صاعد المصري البغدادي، شيخ قومه وقسّيسهم- لعنهم الله- وشيخ الطب وجالينوس العصر، وصاحب التصانيف. مات في ربيع الأول وله أربع وتسعون سنة. قاله في «العبر» [٤] .
وقال صاحب «أنموذج الأعيان» : كان شيخا زيني المنظر، عذب المجتلى والمجتنى، لطيف الرّوح، ظريف الشخص، مصنّف الفكر، حازم الرأي، والله يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يريد بعدله، وله لغز في ميزان:
ما واحد مختلف الأسماء ... يعدل في الأرض وفي السماء
يحكم بالقسط بلا مراء [٥] ... أعمى يري الإرشاد كل راء
أخرس لا من علّة وداء ... يغني عن التصريح بالإيماء
يجيب إن ناداه ذو امتراء ... بالخفض والرّفع عن النداء
يفصح إن علّق في الهواء
وقوله مختلف الأسماء: يعني ميزان الشمس الأسطرلاب، وميزان الكلام النحو، وميزان الشعر العروض.
стр. 2558
وفيها ياغي [١] أرسلان بن الداشمند صاحب ملطية، جرى بينه وبين جاره قلج أرسلان حروب عديدة، ثم مات وولى بعده ابن أخيه إبراهيم بن محمد، فصالح قلج أرسلان.
وفيها الوزير عون الدّين أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد الشيباني [٢] وزير المقتفى وابنه. ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة بالسواد، ودخل بغداد شابا فطلب العلم وتفقّه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وسمع الحديث، وقرأ القراءات، وشارك في الفنون، وصار من فضلاء زمانه. ثم احتاج فدخل في الكتابة، وولي مشارفة الخزانة، ثم ترقّى وولي ديوان الخواص [٣] ثم استوزره المقتفي، فبقي وزيرا إلى أن مات، وكان شامة بين الوزراء لعدله ودينه وتواضعه ومعرفته. روى عن أبي عثمان بن ملّة وجماعة، ولما ولّاه المقتفي امتنع من لبس خلعة الحرير وحلف أن لا يلبسها، وذا شيء لا يفعله قضاة زماننا ولا خطباؤهم [٤] وكان مجلسه معمورا بالعلماء والفقهاء، والبحث وسماع الحديث، شرح «صحيحي» البخاري ومسلم، وألّف كتاب «العبادات في مذهب أحمد» ومات شهيدا مسموما في جمادى الأولى، ووزر بعده شرف الدّين أبو جعفر بن البلدي. قاله في «العبر» .
وقال ابن رجب [٥] : صحب أبا عبد الله محمد بن يحيى الزّبيدي الواعظ الزاهد من حداثته، وكمّل عليه فنونا من العلوم الأدبية وغيرها، وأخذ عنه التأله والعبادة، وانتفع بصحبته حتّى إن الزبيدي كان يركب جملا ويعتم
стр. 2559
بفوطة، ويلويها تحت حنكه، وعليه جبّة صوف، وهو مخضوب بالحناء، فيطوف بأسواق بغداد ويعظ الناس، وزمام جمله بيد [أبي المظفّر] بن هبيرة، وهو أيضا معتم بفوطة من قطن، قد لواها تحت حنكه، وعليه قميص قطن خام، قصير الكم والذيل، وكلما وصل الزّبيدي موضعا أشار ابن هبيرة بمسبحته، ونادى برفيع صوته: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
وقال ابن الجوزي: كانت له معرفة حسنة بالنحو، واللغة، والعروض، وصنّف في تلك العلوم، وكان شديدا في اتباع السّنّة وسير السلف.
وقال ابن رجب: صنّف الوزير أبو المظفّر كتاب «الإفصاح عن معاني الصحاح» في عدة مجلدات، وهو شرح «صحيحي» البخاري ومسلم، ولما بلغ فيه إلى حديث: «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين» [١] شرح الحديث، وتكلّم على معنى الفقه، وآل به الكلام إلى ذكر [٢] مسائل الفقه المتفق عليها والمختلف فيها بين الأئمة الأربعة المشهورين، وقد أفرده الناس من الكتاب وجعلوه بمفرده مجلدة وسموه بكتاب «الإفصاح» وهو قطعة منه، وهذا الكتاب صنّفه في ولايته الوزارة، واعتنى به، وجمع عليه أئمة المذاهب، وأوفدهم من البلدان إليه لأجله، بحيث أنفق على ذلك مائة ألف دينار، وثلاثة عشر ألف دينار، وحدّث به، واجتمع الخلق العظيم لسماعه عليه.
стр. 2560
واشتغل به الفقهاء في ذلك الزمان على اختلاف مذاهبهم.
واستدعاه المقتفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة إلى داره، وقلّده الوزارة، وخلع عليه، وخرج في أبهة عظيمة، ومشى أرباب الدولة وأصحاب المناصب كلهم [١] بين يديه، وهو راكب. وحضر القراء والشعراء، وكان يوما مشهودا. وقرئ عهده، وخوطب فيه بالوزير العالم العادل عون الدّين جلال الإسلام صفي الإمام، شرف الأنام، معزّ الدولة، مجير الملّة، عماد الأمة مصطفى الخلافة، تاج الملوك والسلاطين، صدر الشرق والغرب، سيد الوزراء.
وقال يوما: لا تقولوا في ألقابي سيد الوزراء، فإن الله تعالى سمّى هارون وزيرا، وجاء عن النّبيّ ﷺ «أنّ وزيريه من أهل السّماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر» [٢] .
وقال مرّة في وزارته: والله لقد كنت أسأل الله الدنيا لأخدم بما يرزقنيه منها العلم وأهله.
وكان سبب هذا أنه ذكر في مجلسه مفردات الإمام أحمد، التي تفرّد