← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وفيها أبو الحسن علي بن أحمد بن حنين الكناني القرطبي [١] ، نزيل فاس. سمع «الموطأ» من أبي عبد الله بن الطلّاع [٢] ، وأخذ القراءات عن أبي الحسن العبسي، وسمع من حازم بن محمد والكبار، وحجّ سنة خمسمائة، ولقي الكبار وعمّر دهرا. ولد سنة ست وسبعين وأربعمائة، وتصدّر للإقراء مدة. وفيها الفقيه عمارة بن علي بن زيدان أبو محمد الحكمي المذحجي اليمني [٣] الشافعي الفرضي، نجم الدّين، نزيل مصر، وشاعر العصر. قال ابن خلّكان [٤] : كان شديد التعصب للسّنّة، أديبا، ماهرا، لم يزل ماشي الحال في دولة المصريين إلى أن ملك صلاح الدّين، فمدحه ثم إنه شرع في أمور، وأخذ في اتفاق مع الرؤساء في التعصب للعبيديين وإعادة دولتهم، فنقل أمرهم- وكانوا ثمانية- إلى صلاح الدّين فشنقهم في رمضان. انتهى. وقال الإسنوي [٥] : حجّ سنة تسع وأربعين، وسيّره قاسم بن هاشم أمير مكّة- شرفها الله تعالى- رسولا إلى الدّيار المصرية، فدخلها في ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة، والخليفة يومئذ الفائز بن الظافر، والوزير الصالح بن رزّيك، فمدحهما بقصيدة منها: الحمد للعيس بعد العزم والهمم ... حمدا يقوم بما أولت [٦] من النّعم [٧]

стр. 2627

لا أجحد الحقّ عندي للركاب يد ... تمنّت اللّجم فيها رتبة الخطم قرّبن بعد مزار العزّ من نظري ... حتّى رأيت إمام العصر من أمم ورحن [١] من كعبة البطحاء مجتهدا [٢] ... وفدا إلى كعبة المعروف والكرم حيث الخلافة مضروب سرادقها ... بين النقيضين من عفو ومن نقم فاستحسنا قصيدته وأجزلا صلته، وأقام إلى شوال من سنة خمسين في أرغد عيش وأعزّ جانب، ثم فارق مصر وتوجه إلى مكّة- حرسها الله تعالى- ثم إلى زبيد في صفر سنة إحدى وخمسين، ثم حجّ من عامه، فأرسله قاسم صاحب مكة إلى مصر في رسالة ثانية، فاستوطنها ولم يفارقها بعد، فأحسن إليه الصالح ومن يتعلق به كل الإحسان، وصحبوه مع اختلاف العقيدة وشدة التعصب للسّنّة، ولما لطف الله بإزالة ملك الدولة، كان عمارة مقيما بها، فرثاهم بقصيدة لامية طنّانة، ثم شرع في الاتفاق مع جماعة من رؤساء البلد على إعادة الدولة المصرية، فعلم بهم السلطان، وكانوا ثمانية من الأعيان، ومن جملتهم الفقيه عمارة المذكور، فأمر بشنق الجميع، فشنقوا في يوم السبت ثاني شهر رمضان، وكفى الله شرّهم. ولما قبض على المذكور وأخذ للشنق تحيّل على المرور على باب القاضي الفاضل، فغيّب عنه، وامتنع من رؤيته، فأنشد: عبد الرحيم قد احتجب ... إن الخلاص من العجب وكان ذلك آخر شيء نظمه. انتهى ما ذكره الإسنويّ. وقيل: إنه صلب منكسا، وأنه أنشد في هذه الحالة: وما تعلّقت بالسرياق منتكسا ... لعلة أوجبت تعذيب ناسوتي

стр. 2628

لكنّني مذ نفثت السّحر من كلمي ... عذّبت تعذيب هاروت وماروت فالله أعلم. وفيها هبة الله بن كامل المصري التّنوخي [١] قاضي القضاة، وداعي الدّعاة أبو القاسم، قاضي الخليفة العاضد. كان أحد الثمانية الذين سعوا في إعادة دولة بني عبيد، فشنقهم صلاح الدّين، رحمه الله تعالى. وفيها أبو البركات يحيى بن نجاح بن مسعود بن عبد الله اليوسفي [٢] المؤدّب، الأديب الشاعر الحنبلي. سمع من أبي العز بن كادش وغيره. وقال ابن الجوزي: سمع الحديث الكثير، ثم قرأ النحو، واللغة، وكان غزير الفضل، يقول الشعر الحسن. وقال ابن القطيعي: كان من أهل الأدب والعلم [وفيه فضل] ، له خطّ حسن وشعر رقيق. سمع منه جماعة من الطلبة، وكان حنبلي المذهب، حسن الاعتقاد. ومن شعره: أقلى منك ذا الجفا أم دلال ... كلّ يوم يروعني منك حال أعذول يغريك أم عزّة المع ... شوق أم هكذا يتيه الجمال نظرة كنت يوم ذاك فإني ... صرت في القلب عثرة لا تقال أنا عرّضت يوم سلع بنفسي ... للهوى فالغرام داء عضال [٣] عبثا تقتل النّفوس ولا تح ... سب إلّا أن الدّماء حلال

стр. 2629

من عجيب أن لا يطيش لها سه ... م ولم تدر قطّ كيف النّضال وهي طويلة. توفي- رحمه الله تعالى- يوم السبت لإحدى عشرة مضت من شوال، ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد.

стр. 2630

سنة سبعين وخمسمائة فيها قدم صلاح الدّين، فأخذ دمشق بلا ضربة ولا طعنة، وسار الصالح إسماعيل بن نور الدّين الشهيد في حاشيته إلى حلب، ثم سار صلاح الدّين، فحاصر حمص بالمجانيق، ثم سار فأخذ حماة في جمادى الآخرة، ثم سار فحاصر حلب، وأساء العشرة في حقّ آل نور الدّين، ثم ردّ وتسلّم حمص، ثم عطف إلى بعلبك فتسلّمها، ثم كرّ فالتقى عز الدّين مسعود ابن مودود بن صاحب الموصل وأخو صاحبها، فانهزم المواصلة على قرون حماة أسوأ هزيمة، ثم استناب أخاه بدمشق سيف الإسلام، وكان بمصر أخوه العادل. وفيها توفي أحمد بن المبارك المرقّعاتي [١] . روى عن جدّه لأمّه ثابت بن بندار، وكان يبسط المرقّعة للشيخ عبد القادر [٢] على الكرسي، توفي في صفر. وفيها خديجة بنت أحمد بن الحسين النّهرواني [٣] . روت عن أبي عبد الله النّعالي، وكانت صالحة، توفيت في رمضان.

стр. 2631

وفيها حامد بن محمود بن حامد بن محمد [١] بن أبي عمرو الحرّاني [٢] ، الخطيب الفقيه الحنبلي الزاهد، أبو الفضل، المعروف بابن أبي الحجر، ويلقب تقي الدّين، شيخ حرّان، وخطيبها ومدرسها ومفتيها. ولد سنة ثلاث عشرة وخمسمائة بحرّان كما قال ابن تيمية، ورحل إلى بغداد، وسمع بها من عبد الوهاب الأنماطي الحافظ وغيره، وتفقّه بها، وبرع وناظر، ولقي بها الشيخ عبد القادر ولازمه، فرآه الشيخ يوما يمشي على سجادته- على بساط للشيخ- فقال الشيخ عبد القادر: كأني بك وقد دست على بساط السلطان، فكان كما قال. وقال ابن الجوزي: صديقنا، قدم بغداد، وتفقّه وناظر، وعاد إلى حرّان، وأفتى ودرّس، وكان ورعا به وسوسة في الطهارة. وذكر ابن القطيعي نحوا من ذلك، وقال: كان تاليا للقرآن، كتبت عنه، وكان ثقة. انتهى. وقال [ناصح الدّين] بن الحنبلي: كان شيخ حرّان في وقته، بنى نور الدّين محمود المدرسة في حرّان لأجله، ودفعها إليه ودرّس بها، وتولى عمارة جامع حرّان فما قصّر فيه. وقال ابن رجب: أخذ عنه العلم جماعة من أهل حرّان، منهم: الخطيب فخر الدّين بن تيمية، وابن عبدوس، وغيرهما. وسمع منه الحديث بحرّان جماعة، منهم: أبو المحاسن القرشي الدمشقي، وابن القطيعي. وروى عنه في «تاريخه» وقال: توفي لسبع خلون من شوال بحرّان.

стр. 2632

وفيها شملة [١] التركماني. تملّك بلاد فارس، وجدّد قلاعا، وحارب الملوك، ونهب المسلمين، وكان يخطب للخليفة. التقاه البهلوان [بن إيلدكز] [٢] ومعه عسكر من التركمان لهم ثأر على شملة [١] فانهزم جيشه، وأصابه سهم وأسر فمات، وكان ظالما جبّارا، فرح الناس بمصرعه، وكانت أيّامه عشرين سنة. قاله في «العبر» . وفيها قايماز الملك قطب الدّين المستنجدي [٣] . عظم في دولة مولاه، وصار مقدّم الجيش في دولة المستضيء، واستبد بالأمور إلى أن همّ بالخروج، فسار بعسكره نحو الموصل، فمات في ذي الحجّة، وكان فيه كرم وقلة ظلم. وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن خليل القيسي اللّبلي [٤] نزيل فاس [٥] ثم مرّاكش. روى عن ابن الطلّاع [٦] ، وحازم بن محمد. وسمع «صحيح مسلم» من أبي علي الغسّاني. قال [ابن] الأبّار: كان من أهل الرواية والدراية، لازم مالك بن وهيب مدة. وفيها أبو شجاع عمر بن محمد البسطامي البلخي [٧] كان فقيها فاضلا.

стр. 2633

ومن شعره: وجرّبت أبناء الزّمان بأسرهم ... فأيقنت أنّ القلّ في عدّهم كثر وخبرت طغواهم ولوم فعالهم ... فلما التقينا صغّر الخبر الخبر وفيها أبو الفضل يحيى بن جعفر [١] صاحب المخزن، ونائب الوزارة. كان حافظا للقرآن، فاضلا، عادلا، محبا للصالحين والعلماء، وذكره مأوى لهم. سمع الحديث الكثير. قام إليه الحيص بيص وهو في نيابة الوزارة، فقال: لكلّ زمان من أماثل أهله ... برامكة يمتارهم كلّ معشر [٢] أبو الفضل يحيى مثل يحيى بن خالد ... يدا [٣] وأبوه جعفر مثل جعفر فقام ناشب [٤] الواعظ، فأنشد: وفي الجانب الشّرقيّ يحيى بن جعفر ... وفي الجانب الغربيّ موسى بن جعفر فذاك إلى الله الكريم شفيعنا ... وهذا إلى المولى الكريم المطهّر أراد جعفر الصّادق.

стр. 2634

سنة إحدى وسبعين وخمسمائة فيها سار صلاح الدّين، فأخذ منبج، ثم نازل قلعة عزاز مدة، وقفز على الإسماعيلية فجرحوه في فخذه، وأخذوا فقتلوا، وافتتح القلعة. وفيها توفي الحافظ ابن عساكر صاحب «التاريخ» الثمانين مجلدة [١]

стр. 2635

أبو القاسم علي ابن الحسن بن هبة الله الدمشقي [١] محدّث الشام، ثقة الدّين. قال ابن شهبة [٢] : فخر الشافعية وإمام أهل الحديث في زمانه وحامل لوائهم، صاحب «تاريخ دمشق» وغيره من المؤلفات المفيدة المشهورة. مولده في مستهل سنة تسع وتسعين وأربعمائة. رحل إلى بلاد كثيرة، وسمع الكثير من نحو ألف وثلاثمائة شيخ وثمانين امرأة، وتفقّه بدمشق وبغداد، وكان ديّنا خيّرا يختم في كل جمعة، وأما في رمضان ففي كل يوم، معرضا عن المناصب بعد عرضها عليه، كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قليل الالتفات إلى الأمراء وأبناء الدنيا. قال الحافظ أبو سعد السمعاني في «تاريخه» : هو كثير العلم غزير الفضل، حافظ، ثقة، متقن، ديّن، خيّر، حسن السمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، صحيح القراءة، متثبت، محتاط، رحل وبالغ في الطلب، إلى أن جمع ما لم يجمع غيره، وصنّف التصانيف، وخرّج التخاريج. وقال أبو محمد عبد القادر الرّهاوي: رأيت الحافظ السّلفي والحافظ أبا العلاء الهمذاني، والحافظ أبا موسى المديني، ما رأيت فيهم مثل ابن عساكر. توفي في رجب ودفن بمقبرة باب الصغير شرقي الحجرة التي فيها معاوية، ﵁. ومن تصانيفه المشهورة: «التاريخ الكبير» ثمانمائة [جزء في ثمانين وقد قام الإمام ابن منظور باختصار الكتاب إلى نحو الربع، وتقوم دار الفكر بدمشق بطبع هذا المختصر بتحقيق عدد من الأساتذة وقد صدرت معظم أجزائه. وقام العلّامة الشيخ عبد القادر بدران الدّوماني الدمشقي بتهذيب هذا «التاريخ» وقد طبع من تهذيبه سبع مجلدات، اعتنى بإخراج السادس والسابع منها الأستاذ أحمد عبيد ﵀.

стр. 2636

مجلدا [١] ، «الموافقات» اثنان وسبعون جزءا، «الأطراف للسنن الأربعة» ] [٢] ثمانية وأربعون جزءا، «معجم شيوخه» [٣] اثنا عشر جزءا، «مناقب الشبان» خمسة عشر جزءا، «فضل أصحاب الحديث» أحد عشر جزءا، «تبيين كذب المفتري على الشيخ أبي الحسن الأشعري» مجلدة. وقال الذهبي: ومن تصفّح «تاريخه» عرف منزلة الرجل في الحفظ. وله شعر حسن، منه: ألا إنّ الحديث أجلّ علم ... وأشرفه الأحاديث العوالي وأنفع كلّ نوع [٤] منه عندي ... وأحسنه الفرائد [٥] والأمالي وإنّك لن ترى للعلم شيئا ... يحقّقه كأفواه الرّجال فكن يا صاح ذا حرص عليه ... وخذه من الرّجال بلا ملال ولا تأخذه من صحف فترمى ... من التّصحيف بالدّاء العضال وفيها حفدة العطّاري [٦] ، الإمام مجد الدّين أبو منصور، محمد بن أسعد بن محمد الطّوسي، الفقيه الشافعي، الأصولي الواعظ، تلميذ محيي السّنّة البغوي، وراوي كتابيه «شرح السّنّة» و «معالم التنزيل» وقد دخل إلى

стр. 2637

بخارى [وتفقه بها] [١] ثم عاد إلى أذربيجان والجزيرة، وبعد صيته في الوعظ. أنشد يوما على الكرسي من جملة أبيات: تحية صوب [٢] المزن يقرؤها الرّعد ... على منزل كانت تحلّ به هند نأت فأعارتها [٣] القلوب صبابة ... وعارية العشّاق ليس لها ردّ قال ابن خلّكان: توفي في ربيع الآخر، ثم قال: وقيل سنة ثلاث وسبعين. وفيها أبو النجم المبارك بن الحسن بن طراد الباماوردي [٤] الفرضي الحنبلي، المعروف بابن القابلة. ولد سنة خمس وخمسمائة تقريبا، وسمع من طلحة العاقولي سنة عشر، وهو أقدم سماع وجد له، ومن القاضي أبي الحسين بن الفرّاء، وأبي غالب الماوردي، وغيرهم. قال ابن الجوزي: كان عارفا بعلم الفرائض والحساب والدور، حسن العلم بالجبر والمقابلة، وغامض الوصايا والمناسخات، أمّارا بالمعروف، شديدا على أهل البدع، عارفا بمواقيت الشمس والقمر. توفي ليلة السبت لعشر بقين من جمادى الأولى ودفن بمقبرة الطبري بقرية الزادمان [٥] ظاهر بغداد. وفيها أبو المحاسن المجمعي محمد بن عبد الباقي بن هبة الله بن حسين بن شريف المجمعي الموصلي الحنبلي [٦] .

стр. 2638

ذكره ابن القطيعي فقال: أحد فقهاء الحنابلة المواصلة، ورد بغداد وتفقّه على القاضي أبي يعلى، وسمع بها الحديث والأدب، وكان تاليا لكتاب الله تعالى، وجمع كتابا اشتمل على طبقات الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد. قال: وكان بالموصل عمر الملّا مقدّما في بلده، فاتهم [١] بشيء من ماله، وكان خصيصا به، فضربه إلى أن أشفى على التلف، ثم أخرجه إلى بيته، وبقي أياما يسيرة، وتوفي في رجب- أو شعبان- بالموصل. وعمر هذا [٢] كان يظهر الزهد والديانة، وأظنه كان يميل إلى المبتدعة، وقد تبين بهذه الحكاية أيضا، ظلمه وتعديه. قاله ابن رجب.

стр. 2639

سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة فيها أمر صلاح الدّين ببناء السور الكبير المحيط بمصر والقاهرة من البرّ، وطوله تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة ذراع بالقاسمي، فلم يزل العمل فيه إلى أن مات صلاح الدّين وأنفق عليه أموالا لا تحصى، وكان مشيد بنائه قراقوش، وأمر أيضا بإنشاء قلعة الجبل، ثم توجه إلى الإسكندرية، وسمع الحديث من السّلفي. قاله في «العبر» [١] . وفيها كانت وقعة الكنز، جمع الكنز الأسود مقدّم السودان خلقا وجيّش بالصعيد ليعيد دولة العبيديين، وسار إلى القاهرة في مائة ألف، فخرج لحربه نائب مصر سيف الدّين أبو بكر العادل، فالتقوا، فانكسر الكنز وقتل في المصاف. قال أبو المظفر بن الجوزي: قيل: إنه قتل منهم ثمانون ألفا، يعني من السودان. وفيها توفي أبو محمد صالح بن المبارك بن الرّخلة الكرخي [٢] المقرئ القزاز. سمع النّعالي وغيره، وتوفي في صفر. وفيها العثماني أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى الأموي

стр. 2640

الدّيباجي، محدّث الإسكندرية بعد السّلفي في الرتبة. روى عن أبي القاسم ابن الفحّام وغيره، ويعرف بابن أبي اليابس. كان ثقة صالحا يقرئ النحو واللغة، وكان السّلفيّ يؤذيه ويرميه بالكذب، فكان يقول: كل من بيني وبينه شيء فهو في حلّ إلّا السّلفي، فبيني وبينه وقفة بين يدي الله تعالى. توفي في شوال عن ثمان وثمانين سنة. قاله في «العبر» [١] . وفيها أبو الحسن علي بن عساكر بن المرحّب بن العوّام البطائحي [٢] الضرير المقرئ الحنبلي الأستاذ. قرأ القراءات على أبي العز القلانسي، وأبي عبد الله البارع، وطائفة، وتصدّر للإقراء، وأتقن الفنّ، وحدّث عن أبي طالب بن يوسف وطائفة. قال الشيخ موفق الدّين بن قدامة: كان مقرئ [٣] أهل بغداد في وقته، وكان عالما بالعربية، إماما في السّنّة. قرأ عليه القراءات جماعة من الكبار، منهم: عبد العزيز بن دلف، وابن الحميري. وحدّث عنه جماعة، منهم ابن الأخضر، وعبد الغني المقدسي، وعبد القادر الرّهاوي، وغيرهم. توفي ليلة الثلاثاء ثامن عشري شعبان، وصلّى عليه من الغد الجواليقي، ودفن بباب حرب. وفيها محمد بن أحمد بن ماشاذه [٤] أبو بكر الأصبهاني، المقرئ

стр. 2641

المحقّق. قرأ القراءات، وتفرّد بالسماع من سليمان بن إبراهيم الحافظ، ومات في عشر المائة. وفيها الأديب الرّفّاء أبو عبد الله محمد بن غالب الأندلسي [١] الشاعر المشهور، ديوانه كله ملح. ومن شعره في غلام نسّاج: قالوا وقد أكثروا في حبّه عذلي ... لم ذا تهيم بمذّال ومبتذل [٢] فقلت لو كان [٣] أمري في الصّبابة لي ... لاخترت ذاك ولكن ليس ذلك لي أحببته [٤] حببيّ الثّغر عاطره ... حلو اللّمى ساحر الأجفان والمقل غزيّل لم تزل في الغزل جائلة ... بنانه جولان الفكر في الغزل جذلان تلعب بالمحواك [٥] أنمله ... على السّدى لعب الأيام بالدّول [٦] جذبا [٧] بكفّيه أو فحصا بأخمصه ... تخبّط الظّبي في أشراك محتبل وفيها أبو المعالي محمد بن مسعود [٨] . خرج إلى الحجّ فمات. ومن شعره: ولمّا أن تولّيت القضايا ... وفاض الجور من كفّيك فيضا ذبحت بغير سكّين وإنّي ... لأرجو الذّبح بالسكّين أيضا

стр. 2642

وفيها أبو الفضل بن الشهرزوري [١] قاضي القضاة كمال الدّين محمد ابن عبد الله بن القاسم بن المظفّر الموصلي الشافعي. ولد سنة إحدى وتسعين وأربعمائة وتفقّه ببغداد على أسعد الميهني، وسمع من نور الهدى الزّينبي، وبالموصل من جدّه لأمه علي بن طوق. وولي قضاء بلده لأتابك زنكي، ثم وفد على نور الدّين فبالغ في تبجيله، وركن إليه وصار قاضيه ووزيره ومشيره، ومن جلالته أن السلطان صلاح الدّين لما أخذ دمشق وتمنّعت عليه القلعة أياما، مشى إلى دار القاضي كمال الدّين فانزعج وخرج لتلقّيه، فدخل وجلس. وقال: طب نفسا فالأمر أمرك والبلد بلدك. قال ابن قاضي شهبة [٢] : ولّاه نور الدّين قضاء دمشق سنة خمس وخمسين، وهو الذي أحدث الشبّاك الكمالي الذي يصلي فيه نواب السلطنة اليوم، وبنى مدرسة بالموصل، ومدرستين بنصيبين، ورباطا بالمدينة المنورة، ووقف الهامة [٣] على الحنابلة، وحكم في البلاد الشامية، واستناب ولده محيي الدّين بحلب، وابن أخيه أبي القاسم في قضاء حماة، وابن أخيه الآخر في قضاء حمص. قال ابن عساكر: وكان يتكلم في الأصول كلاما حسنا، وكان أديبا شاعرا، فكه المجالسة. وقال صاحب «المرآة» [٤] : لما قدم أحمد بن قدامة والد الشيخ أبي عمر

стр. 2643

إلى دمشق، خرج إليه القاضي كمال الدّين ومعه ألف دينار، فعرضها عليه فلم يقبلها، فاشترى بها قرية الهامة، ووقف نصفها على الشيخ أحمد والمقادسة، ونصفها [الآخر] على الأنباري [١] . انتهى. ومن شعر الشهرزوري: وجاءوا عشاء يهرعون وقد بدا ... بجسمي من داء الصّبابة ألوان فقالوا وكلّ معظم بعض ما يرى ... أصابتك عين قلت عين [٢] وأجفان وفيها مسلم بن ثابت بن زيد بن القاسم بن أحمد بن النحّاس البزّار البغدادي المأموني [٣] الفقيه الحنبلي، أبو عبد الله بن أبي البركات، ويعرف بابن جوالق- بضم الجيم-. ولد سنة أربع وتسعين وأربعمائة، وسمع من أبي علي بن نبهان، وتفقّه على أبي الخطّاب الكلوذاني، وناظر وروى عنه ابن الأخضر. توفي يوم الأحد عشري ذي الحجة، ودفن بمقبرة باب حرب. وفيها أبو الفتح نصر بن سيّار [٤] بن صاعد بن سيّار الكتّاني الهروي الحنفي [٥] القاضي شرف الدّين. كان بصيرا بالمذهب، مناظرا، ديّنا متواضعا. سمع الكثير من جدّه القاضي أبي العلاء، والقاضي أبي عامر الأزدي، ومحمد بن علي العميري، والكبار، وتفرّد في زمانه، وعاش سبعا وتسعين سنة، وتوفي يوم عاشوراء، وهو آخر من روى «جامع الترمذي» عن أبي عامر. قاله في «العبر» .

стр. 2644

سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة فيها كانت وقعة الرّملة، سار صلاح الدّين من مصر، فسبى وغنم ببلاد عسقلان، وسار إلى الرّملة فالتقى الفرنج، فحملوا على المسلمين وهزموهم وثبت [١] السلطان وابن أخيه تقي الدّين عمر، ودخل الليل، واحتوت الفرنج على المعسكر بما فيه، وتمزّق العسكر وعطشوا في الرمال، واستشهد جماعة [وتحيّز صلاح الدّين] [٢] ونجا، ولله الحمد. وقتل ولد لتقيّ الدّين عمر، وله عشرون سنة، وأسر الأمير الفقيه عيسى الهكّاري، وكانت نوبة صعبة، ونزلت الفرنج على حماة وحاصرتها أربعة أشهر لاشتغال السلطان بلم شعث العسكر. وفيها توفي أرسلان [شاه] بن طغرل [٣] بن محمد بن ملكشاه السلجوقي، سلطان أذربيجان. كان له السكّة والخطبة، والقائم بدولته زوج أمه إلدكز [٤] ، ثم ابنه البهلوان، فلما توفي خطبوا لولده طغرل [٥] الذي قتله خوارزم شاه.

стр. 2645

وفيها أبو العبّاس أحمد بن محمد بن المبارك بن أحمد بن بكروس ابن سيف الدّينوري ثم البغدادي ويعرف بابن أبي العز، وبابن الحمّامي [١] الفقيه الحنبلي، الزاهد العابد، قرأ بالروايات على جماعة، وسمع من ابن كادش وغيره، وتفقّه على أبي بكر الدّينوري، وكان رفيق ناصح الإسلام بن المنيّ [٢] وبنى مدرسة ببغداد ودرّس بها، وتفقّه عليه جماعة، منهم: الشيخ فخر الدّين بن تيمية. وروى عنه الشيخ موفق الدّين، وكان متزوجا بابنة ابن الجوزي. وتوفي يوم الثلاثاء خامس صفر، وكان له يوم مشهود وتوفي شابا. وفيها صدقة بن الحسين بن بختيار بن الحداد البغدادي [٣] الفقيه الحنبلي، الأديب الشاعر المتكلم الكاتب المؤرخ، أبو الفرج. ولد سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وقرأ بالروايات، وسمع الحديث من أبي السعادات المتوكل وغيره، وتفقّه على ابن عقيل وابن الزّاغوني، وبرع في الفقه وفروعه وأصوله، وقرأ علم الكلام والمنطق والفلسفة والحساب ومتعلقاته من الفرائض وغيرها، وكتب خطا حسنا صحيحا، وقال الشعر الحسن، وأفتى، وتردد إليه الطلبة في فنون العلم، وروى عنه ابن شافع، وابن ريحان، وغيرهما. قال ابن النجار: وله مصنفات حسنة في الأصول، وجمع تاريخا على السنين، بدأ فيه من وفاة شيخه ابن الزاغوني سنة سبع وعشرين وخمسمائة، مذيلا به على تاريخ شيخه، ولم يزل يكتب فيه إلى قريب وفاته، وكان قوته

стр. 2646

من أجرة نسخه، ولم يزل قليل الحظّ منغّص العيش، وحطّ عليه ابن الجوزي في «تاريخه» [١] ونسبه إلى الحيرة والشك. وفيها الوزير أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفّر بن رئيس الرؤساء الوزير أبي القاسم علي بن المسلمة [٢] . روى عن ابن الحصين وجماعة، ووزر للمستضيء، ولقّب عضد الدّين. وكان جوادا سريّا معظّما مهيبا، خرج للحجّ في تجمل عظيم، فوثب عليه واحد من الباطنية فقتله في أوائل ذي القعدة عن تسع وخمسين سنة. وفيها أبو محمد بن المأمون الأديب، صاحب «التاريخ» هارون بن العبّاس بن محمد العبّاسي المأموني البغدادي [٣] الأديب. روى عن قاضي المارستان وشرح «مقامات الحريري» . توفي في ذي الحجّة كهلا. وفيها لاحق بن علي بن كاره، أخو دهبل البغدادي [٤] . روى عن أبي القاسم بن بيان وغيره، وتوفي في نصف شعبان عن ثمان وسبعين سنة. وفيها أبو شاكر السّقلاطوني يحيى بن يوسف بن بالان الخباز [٥] . روى عن ثابت بن بندار، والحسين بن البسري وجماعة، وتوفي في شعبان.

стр. 2647

سنة أربع وسبعين وخمسمائة فيها أخذ ابن قرايا الرافضي، الذي ينشد في الأسواق ببغداد، فوجدوا في بيته سبّ الصحابة، فقطعت يده ولسانه، ورجمته العامة، فهرب وسبح، فألحّوا عليه بالآجر فغرق فأخرجوه وحرقوه [١] ، ثم وقع التقبح على الرافضة وأحرقت كتبهم وانقمعوا حتّى صاروا في ذلة اليهود، وهذا شيء لم يتهيأ ببغداد من نحو مائتين وخمسين سنة. وفيها خرج نائب دمشق فرخ شاه ابن أخي السلطان، فالتقى الفرنج فهزمهم، وقتل مقدمهم هنفري [٢] الذي كان يضرب به المثل في الشجاعة. وفيها توفي أبو أحمد أسعد بن بلدرك البغدادي البواب المعمّر [٣] في ربيع الأول، عن مائة وأربع سنين، ولو سمع في صغره لبقي مسند العالم. سمع من أبي الخطّاب بن الجرّاح، وأبي الحسين بن العلّاف. وفيها أبو العباس أحمد بن أبي غالب بن أبي عيسى بن شيخون الأبرودي الجبابيني- نسبة إلى الجبابين بكسر الموحدة الثانية وتحتية ونون،

стр. 2648

قرية ببغداد [١]- الفقيه الحنبلي الضرير. دخل بغداد في صباه، وحفظ القرآن، وقرأ بالروايات على أبي محمد سبط الخيّاط، وسمع منه الحديث، ومن سعد الخير الأنصاري، ومن جماعة دونهما، وقرأ الفقه وحصّل منه طرفا صالحا، وكان صالحا صدوقا، توفي يوم الجمعة عاشر رجب، وصلّي عليه يومئذ ودفن بمقبرة الإمام أحمد عن نيف وأربعين سنة. وفيها الحيص بيص شهاب الدّين أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد ابن صيفيّ التّميمي [٢] الشاعر المشهور، وله ديوان معروف. كان وافر الأدب، متضلعا من اللغة، بصيرا بفقه الشافعية والمناظرة. قال ابن خلّكان: كان لا يخاطب أحدا إلّا باللغة العربية، ويلبس على زي العرب، ويتقلد سيفا، فرأى الناس في حركة مزعجة فقال: ما للناس حيص بيص، فلقّب بذلك. وقال: تفقّه بالرّيّ على القاضي محمد بن عبد الكريم المعروف بالوزّان، وتميّز فيه، وتكلّم في الخلاف، إلّا أنه غلب عليه [الأدب، ونظم] [٣] الشعر. سمع الحديث، وحدّث. وقال: توفي في سادس شعبان ودفن من الغد غربي بغداد بمقابر [٤] قريش. انتهى. وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : وسموا ابنه هرج مرج، وابنته دخل خرج. حكى نصر بن مجلّي- وكان من أهل السّنّة- أنه رأى عليّ بن أبي طالب- كرّم الله وجهه- في النوم، فقال له: يا أمير المؤمنين! تفتحون مكّة

стр. 2649

فتقولون من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يتم على ولدك الحسين يوم الطفّ ما تمّ؟ فقال: أما سمعت أبيات ابن صيفي في هذا المعنى؟ فقلت: لا. قال: أسمعها منه. فاستيقظت، فأتيت إلى دار الحيص بيص فذكرت له المنام، فشهق وبكى، وحلف أنها ما خرجت من فمه لأحد، ولم ينظمها إلّا في ليلته، ثم أنشدني: ملكنا فكان العفو منّا سجية ... فلمّا ملكتم سال بالدّم أبطح وحلّلتم قتل الأسارى وطالما ... غدونا على الأسرى نمنّ [١] ونصفح وحسبكم هذا التّفاوت بيننا ... وكلّ وعاء بالذي فيه ينضح وقال غيره: خرج حيص بيص ليلة ثملا، فرأى في طريقه جرو كلب، فضربه بسيفه فقتله، فعمد بعض الظرفاء إلى أبيات وعلقها في عنق أمه، وأدخلها ديوان الوزير هيئة مشتكية، ففضّت الورقة، فإذا فيها: يا أهل بغداد إن الحيص بيص أتى ... بخزية أكسبته العار في البلد أبدى شجاعته في اللّيل مجترئا ... على جريّ ضعيف البطش والجلد فأنشدت أمّه من بعد ما احتسبت ... دم الأبيلق عند الواحد الصّمد لا أعتب الدّهر والأيام ما صنعت ... كلتا يديّ أصابتني ولم أرد كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي يشير إلى قول [٢] أعرابية قتل أخوها ولدها، والله أعلم. وفيها شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج الدّينوري ثم البغدادي [٣] الكاتبة المسندة، فخر النساء. كانت ديّنة عابدة صالحة. سمّعها أبوها الكثير، وصارت مسندة العراق، وروت عن طراد، وابن البطر، وطائفة، وكانت ذات

стр. 2650

برّ وخير، توفيت في رابع عشر المحرم، عن نيف وتسعين سنة. وفيها أبو رشيد عبد الله بن عمر الأصبهاني [١] ، آخر من بقي بأصبهان من أصحاب الرئيس الثّقفي. وفيها أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن أحمد اليوسفي [٢] أخو عبد الحق. روى عن ابن بيان وجماعة، وكان خيّاطا ديّنا، توفي بمكّة وله سبعون سنة. وفيها أبو الخطّاب العليميّ عمر بن محمد بن عبد الله الدمشقي [٣] التّاجر السفّار. طلب بنفسه، وكتب الكثير في تجارته بالشام، ومصر، والعراق، وما وراء النهر. روى عن نصر الله المصّيصي، وعبد الله بن الفراوي، وطبقتهما، وتوفي في شوال عن أربع وخمسين سنة. وفيها أبو عبد الله بن المجاهد، الزاهد القدوة، محمد بن أحمد بن عبد الله الأنصاري الأندلسي [٤] عن بضع وثمانين سنة. قرأ العربية، ولزم أبا بكر بن العربي مدة. قال [ابن] الأبّار: كان المشار إليه في زمانه بالصلاح، والورع، والعبادة، وإجابة الدعوة، وكان أحد أولياء الله الذين تذكر به رؤيتهم. آثاره مشهورة وكراماته معروفة، مع الحظّ الوافر من الفقه والقراءات. وفيها محمد بن عبد نسيم العيشوني [٥] . روى عن ابن العلّاف، وابن نبهان، وقع من سلّم فمات في الحال في جمادى الآخرة. قاله في «العبر» .

стр. 2651

سنة خمس وسبعين وخمسمائة فيها كما قال في «الشذور» وقعت زلزلة فوق بلاد إربل فتصادمت منها الجبال، وكان هناك نهر أحمر ماؤه من دماء الهالكين. وفيها نزل صلاح الدّين على بانياس، وأغارت سراياه على الفرنج، ثم أخبر بمجيء الفرنج، فبادر في الحال وكبسهم، فإذا هم في ألف قنطارية وعشرة آلاف راجل، فحملوا على المسلمين فثبتوا لهم [١] ثم حمل المسلمون فهزموهم ووضعوا فيهم السيف، ثم أسروا مائتين وسبعين أسيرا، منهم مقدّم الدّيويّة [٢] فاستفكّ نفسه بألف أسير وبجملة من المال، وأما ملكهم فانهزم جريحا. وفيها توفي أحمد بن أبي الوفاء عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الصمد بن محمد بن الصائغ البغدادي [٣] الفقيه الحنبلي الإمام، أبو الفتح، نزيل حرّان. ولد ببغداد سنة تسعين وأربعمائة، ولزم أبا الخطّاب الكلوذاني وخدمه وتفقّه عليه، وسمع منه ومن ابن بيان، وسافر إلى حلب وسكنها، ثم استوطن

стр. 2652

حرّان إلى حين وفاته، وكان هو المفتي والمدرّس بها، وقرأ عليه الفقه جماعة، منهم: الشيخ فخر الدّين بن تيمية، وسمع منه جماعة، منهم: ابن عبدوس، والعماد المقدسي، وأبو الحسن بن القطيعي، وروى عنه في «تاريخه» . قال: وأنشدني أبو الخطّاب الكلوذاني لنفسه: أنا شيخ وللمشايخ بالآ ... داب علم يخفى على الشبّان فإذا ما ذكرتني فتأدّب ... فهو فرض يردّ بالميزان وفيها إسماعيل بن موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الحسن بن محمد بن الجواليقي [١] الأديب بن الأديب أبو محمد بن أبي منصور الحنبلي. ولد في شعبان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وسمع من أبي الحصين، وأبي الحسين بن الفرّاء وغيرهما، وقرأ القرآن والأدب على أبيه، وكان عالما باللغة، والعربية، والأدب، وله سمت حسن، وقام مقام أبيه في دار الخلافة. قال ابن الجوزي: ما رأينا ولدا أشبه أباه مثله، حتّى في مشيه وأفعاله، وتوفي يوم الجمعة منتصف شوال ودفن بمقبرة الإمام أحمد. وقال ابن النجار: كان من أعيان العلماء بالأدب، صحيح النقل، كثير المحفوظ، حجّة ثقة نبيلا، مليح الخطّ. وفيها أبو يحيى اليسع بن عيسى بن حزم الغافقي [٢] المقرئ. أخذ القراءات عن أبيه، وأبي الحسن شريح، وطائفة، وأقرأ بالإسكندرية، والقاهرة، واستملى عليه السلطان صلاح الدّين، وقرّبه واحترمه، وكان فقيها

стр. 2653

مفتيا محدّثا مقرئا نسابة أخباريا، بديع الخطّ، وقيل: هو أول من خطب بالدعوة العباسية بمصر، توفي في رجب. وفيها تجنّي الوهبانية [١] أم عتب [٢] . آخر من روى في الدّنيا بالسماع عن طراد، والنّعالي. توفيت في شوال. وفيها المستضيء بأمر الله، أبو محمد الحسن بن المستنجد بالله يوسف بن المقتفي محمد بن المستظهر أحمد بن المقتدي العبّاسي [٣] بويع بعد أبيه في ربيع الآخر سنة ست وستين، ونهض بخلافته الوزير عضد الدّين ابن رئيس الرؤساء فاستوزره، وكان ذا دين وحلم وأناة ورأفة ومعروف زائد، وأمه أرمنية، عاش خمسا وأربعين سنة، وخلّف ولدين أحمد الناصر وهاشما. قال ابن الجوزي في «المنتظم» : أظهر من العدل والكرم ما لم نره في أعمارنا، وفرّق مالا عظيما في الهاشميين وفي المدارس، وكان ليس للمال عنده وقع. وقال الذهبي: كان يطلب ابن الجوزي ويأمر بعقد مجلس الوعظ، ويجلس بحيث يسمع ولا يرى، وفي أيامه اختفى الرفض [ببغداد ووهى، وأما بمصر والشام فتلاشى، وزالت دولة العبيديين أولي الرفض] [٤] وخطب له بديار مصر وبعض المغرب واليمن. وقال السيوطي في «تاريخ الخلفاء» : ولما استخلف خلع على أرباب الدولة وغيرهم فحكى خيّاط المخزن أنه فصل ألفا وثلاثمائة قباء إبريسم،

стр. 2654

وخطب له على منابر بغداد، ونثرت الدنانير كما جرت العادة، وولّى روح الحديثي القضاء، وأمر سبعة عشر مملوكا. وللحيص بيص فيه: يا إمام الهدى علوت عن الجو ... د بمال وفضّة ونضار فوهبت الأعمار والأمن والبل ... دان في ساعة مضت من نهار فبماذا نثني عليك وقد جا ... وزت فضل البحور والأمطار [١] إنما أنت معجز مستقلّ ... خارق للعقول والأفكار جمعت نفسك الشريفة بالبأ ... س وبالجود بين ماء ونار قال ابن الجوزي: واحتجب المستضيء عن أكثر الناس فلم يركب إلّا مع الخدم، ولم يدخل عليه غير قيماز، وفي خلافته انقضت، دولة بني عبيد، وخطب له بمصر وضربت السكة باسمه، وجاء البشير بذلك، فغلّقت الأسواق ببغداد، وعملت القباب، وصنّفت كتابا سميته «النصر على مصر» . هذا كلام ابن الجوزي. وللعماد الكاتب قصيدة في ذلك منها: قد خطبنا للمستضيء بمصر ... نائب المصطفى إمام العصر وخذلنا لنصره العضد العا ... ضد والقاصر الذي بالقصر وتركنا الدّعيّ [٢] يدعو ثبورا ... وهو بالذّل تحت حجر وحصر وتوفي المستضيء في ذي القعدة عن ست وثلاثين سنة. وفيها أبو الحسين عبد الحقّ بن عبد الخالق بن أحمد اليوسفيّ [٣] الشيخ الثقة، عن إحدى وثمانين سنة. أسمعه أبوه الكثير من أبي القاسم

стр. 2655

الرّبعي، وابن الطّيوري، وجعفر السرّاج، وطائفة، ولم يحدّث بما سمعه حضورا تورعا، وكان فقيرا، صالحا، متعففا، كثير التلاوة جدا، توفي في جمادى الأولى. وفيها أبو الفضل عبد المحسن بن تريك [١] الأزجي البيّع. روى عن ابن بيان وجماعة. توفي يوم عرفة. وفيها أبو المحاسن عمر بن علي بن الخضر بن عبد الله بن علي القرشي الزّبيري الدمشقي [٢] القاضي الحافظ، نزيل بغداد، وسمع من أبي الدّرّ ياقوت الرّومي وطائفة بدمشق، ومن أبي الوقت والناس ببغداد، وصحب أبا النجيب السّهروردي، وولي قضاء الحريم. توفي في ذي الحجّة وله خمسون سنة. قال ابن ناصر الدّين [٣] : هو حافظ رحال ثقة مأمون. وفيها أبو هاشم الدّوشابي- بضم الدال المهملة ومعجمة وباء موحدة، نسبة إلى الدّوشاب وهو الدّبس- عيسى بن أحمد الهاشمي العبّاسي البغدادي الهرّاس [٤] . روى عن الحسين بن البسري وغيره، وتوفي في رجب. وفيها أبو بكر محمد بن خير بن عمر بن خليفة اللّمتوني الإشبيلي [٥] ، المقرئ الحافظ، صاحب شريح. فاق الأقران في ضبط القراءات، وسمع الكثير من أبي مروان الباجي، وابن العربي، وخلق، وبرع

стр. 2656

أيضا في الحديث، واشتهر بالإتقان وسعة المعرفة بالعربية. توفي في ربيع الأول عن ثلاث وسبعين سنة. قال ابن ناصر الدّين [١] : لم يكن له نظير في الإتقان. وفيها أبو بكر الباقداري- بكسر القاف بعد الموحدة والألف وبإهمال الدال والراء، نسبة إلى باقدارى بالقصر من قرى بغداد [٢]- محمد بن أبي غالب ابن أحمد بن أحمد بن مرزوق بن أحمد الضرير [٣] الحافظ. سمع أبا محمد سبط الخيّاط فمن بعده، وبرع في الحديث حتّى صار ابن ناصر يسأله ويرجع إلى قوله، وكان حنبليّ المذهب. قال ابن الدّبيثي [٤] : انتهى إليه معرفة رجال الحديث وحفظه، وعليه كان المعتمد فيه، توفي كهلا لخمس بقين من ذي الحجّة ببغداد. وفيها أبو عبد الله الوهراني محمد بن محرز ركن الدّين وقيل جمال الدّين [٥] المقرئ الأديب الكاتب، صاحب المزاح والدعابة والمنام الطويل، الذي جمع أنواعا من المجون والأدب. مات في رجب بدمشق. قاله في «العبر» . وقال ابن خلّكان: هو أحد الفضلاء الظرفاء، قدم من بلاده إلى البلاد المصرية في أيام السلطان صلاح الدّين- رحمه الله تعالى- وفنّه الذي يمتّ به صناعة الإنشاء، فلما دخل البلاد رأى بها القاضي الفاضل، وعماد الدّين الأصبهاني الكاتب، وتلك الحلبة علم من نفسه أنه ليس في طبقتهم ولا تنفق سلعته مع وجودهم، فعدل عن طريق الجدّ وسلك طريق الهزل، وعمل

стр. 2657

المنامات والرسائل المشهورة والمنسوبة إليه، وهي كثيرة بأيدي الناس، وفيها دلالة على خفة روحه ورقة حاشيته وكمال ظرفه، ولو لم يكن فيها إلّا المنام الكبير لكفاه، فإنه أتى فيه بكل حلاوة، ولولا طوله لذكرته، ثم إن الوهراني المذكور تنقل في البلاد وأقام بدمشق زمانا، وتوفي في رجب. ونقلت من خطّ القاضي الفاضل: وردت الأخبار من دمشق في سابع عشر رجب بوفاة الوهراني، رحمه الله تعالى. والوهراني: بفتح الواو وسكون الهاء وفتح الراء وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى وهران مدينة كبيرة على أرض القيروان، بينها وبين تلمسان مسافة يوم وهي على البحر الشامي [١] ، خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم. وفي بعض نسخ ابن خلّكان، ثم إن الوهرانيّ المذكور تنقل في البلاد وأقام بدمشق زمانا، وتولى الخطابة بداريّا، وهي قرية على باب دمشق في الغوطة، وتوفي سنة خمس وسبعين وخمسمائة بداريّا، ودفن على باب تربة الشيخ أبي سليمان الدّاراني، رحمه الله تعالى. انتهى ما أورده ابن خلّكان. وفيها أبو محمد بن الطبّاخ المبارك بن علي بن الحسين بن عبد الله ابن محمد الطبّاخ البغدادي [٢] نزيل مكّة وإمام الحنابلة بالحرم، المحدّث الحافظ. سمع الكثير ببغداد من ابن الطّيوري، وابن كادش وغيرهما، وتفقّه بالقاضي أبي الحسين، وابن الزّاغوني، وكان صالحا دينا ثقة، حافظ مكّة في زمانه والمشار إليه بالعلم بها، وأخذ عنه ابن عبدوس وغيره، وتوفي في ثاني شوال بمكّة، وكان يوم جنازته مشهودا، رحمه الله تعالى. وفيها أبو الفضل متوجهر بن محمد بن تركانشاه [٣] الكاتب. كان أديبا

стр. 2658

فاضلا، مليح الإنشاء، حسن الطريقة، كتب للأمير قايماز المستنجدي، وروى «المقامات» عن الحريري مرارا، وروى عن هبة الله بن أحمد الموصلي وجماعة، وتوفي في جمادى الأولى، وله ست وثمانون سنة. وفيها أبو منصور المظفّر بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسين ابن محمد بن خلف بن الفرّاء [١] . ولد سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وسمع الحديث، وبرع في مذهب الحنابلة أصولا وفروعا، وناظر وتأدب، وقال الشعر الجيد. ومن شعره: لست أنسى من سليمى قولها ... يوم جدّ البين مني وبكت قطع الله يد الدّهر لقد ... قرطست إذ بالنّوى شملي رمت فجرى دمعي لمّا سمعت [٢] ... ووعت أذناي منها ما وعت يا لها من قولة عن ناظري ... نومة طول حياتي قد نفت توفي في عنفوان شبابه يوم الجمعة، لخمس عشرة خلت من شوال، ودفن بمقبرة الإمام أحمد. وفيها أبو عمر بن عيّاد الأستاذ المقرئ المحقّق، يوسف بن عبد الله ابن سعيد [٣] الأندلسي الحافظ. قدم بلنسية وأخذ القراءات عن أبي مروان بن الصّيقل [٤] ، وابن هذيل، وسمع من طارق بن يعيش وجماعة، وعني بصناعة الحديث، وكتب العالي والنازل، وبرع في معرفة الرجال، وصنّف التصانيف الكثيرة، وعاش سبعين سنة.

стр. 2659

سنة ست وسبعين وخمسمائة فيها نزل السلطان صلاح الدّين على حصن من بلاد الأرمن فافتتحه وهدمه، ثم رجع فوافاه التقليد وخلع السلطنة بحمص من النّاصر لدّين الله، فركب بها هناك، وكان يوما مشهودا. وفيها أبو طاهر السّلفيّ الحافظ العلّامة الكبير، مسند الدّنيا، ومعمّر الحفّاظ أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الأصبهاني الجرواءاني- وجرواءان [١] محلّة بأصبهان. وسلفة، بكسر المهملة لقب جدّه أحمد، ومعناه غليظ الشفة- سمع من أبي عبد الله الثقفي، وأحمد بن عبد الغفّار بن أشته، ومكّي السلّار، وخلق كثير بأصبهان، خرّج عنهم في «معجم» [٢] وحدّث بأصبهان في سنة اثنتين وتسعين. قال: وكنت ابن سبع عشرة سنة، أكثر أو أقل، ورحل سنة ثلاث فأدرك أبا الخطاب بن البطر ببغداد، وتفقه بها بإلكيا الهرّاسي، وأبي بكر الشّاشي، وغيرهما، وعمل «معجما» لشيوخ بغداد،

стр. 2660

ثم حجّ، وسمع بالحرمين، والكوفة، والبصرة، وهمذان، وزنجان [١] والرّيّ، والدّينور، وقزوين، وأذربيجان [٢] ، والشام، ومصر، فأكثر وأطاب، وتفقّه فأتقن مذهب الشافعي، وبرع في الأدب وجوّد القرآن بالرّوايات، واستوطن الإسكندرية بضعا وستين سنة، مكبا على الاشتغال، والمطالعة، والنسخ، وتحصيل الكتب، وقد أفردت أخباره في «جزء» وجاوز المائة بلا ريب، وإنما النزاع في مقدار الزيادة، ومكث نيفا وثمانين سنة يسمع عليه. قال الذّهبيّ [٣] : ولا أعلم أحدا مثله في هذا. وقال ابن عساكر [٤] : سمع السّلفيّ ممن لا يحصى، ومات يوم الجمعة بكرة خامس ربيع الآخر، وتزوّج بالإسكندرية امرأة ذات يسار، [فسلّمت إليه مالها] وحصلت له ثروة بعد فقر، وصارت له بالإسكندرية وجاهة، وبنى له العادل علي بن إسحاق بن السّلّار أمير مصر مدرسة بالإسكندرية. وقال ابن السمعاني: هو ثقة ورع متقن متثبت حافظ فهم، له حظّ من العربية. وفيها شمس الدولة الملك المعظم توران شاه- ومعناه ملك المشرق- بن أيوب بن شاذي، وكان أسنّ من أخيه السلطان صلاح الدّين، وكان يحترمه ويتأدّب معه، سيّره فغزا النوبة، فسبى وغنم، ثم بعثه فافتتح اليمن، وكانت بيد الخوارج الباطنية، وأقام بها ثلاث سنين، ثم اشتاق إلى طيب الشام ونضارتها، فقدم وناب بدمشق لأخيه، وكان أرسله أخوه قبل فتحه اليمن إلى بلاد الرّوم ليفتحها، فوجدها لا تساوي التعب فرجع عنها بغنائم

стр. 2661

كثيرة ورقيق كثير، وتحول من الشام إلى مصر في سنة أربع وسبعين ثم مات بالإسكندرية في صفر هذه السنة، فنقلته أخته ستّ الشام ودفنته في مدرستها المعروفة بها بمحلّة العونيّة، ودفنت هي معه وولدها، وكان توران من أجود النّاس وأسخاهم، غارقا في اللّذات، مات وعليه مائتا ألف دينار فوفاها عنه أخوه صلاح الدّين. قال الفاضل مهذب الدّين أبو طالب محمد بن علي الخيمي، نزيل مصر: رأيته في النّوم فمدحته وهو في القبر، فلف كفنه ورماه إليّ وقال: لا تستقلّنّ معروفا سمحت به ... ميتا وأصبحت منه عاري البدن [١] ولا تظننّ جودي شابه بخل ... من بعد بذلي ملك الشّام واليمن إني خرجت من الدّنيا وليس معي ... من كلّ ما ملكت كفّي سوى كفني وفيها أبو الحسن علي بن محمد [٢] بن المبارك بن أحمد بن بكروس الحنبلي البغدادي الفقيه، أخو أبي العبّاس أحمد. ولد يوم الاثنين ثالث رجب، سنة أربع وخمسمائة، وسمع الحديث من ابن الحصين، وابن السمرقندي، وغيرهما. وتفقّه في المذهب، وبرع، وأفتى، وناظر ودرّس بمدرسة أخيه آخرا، وصنّف في المذهب، وله كتاب «رؤوس المسائل» وكتاب «الأعلام» وحدّث وسمع منه جماعة، منهم: ابن القطيعي، وروى عنه في «تاريخه» ولزم بيته في آخر عمره لمرض حصل له إلى أن توفي يوم الاثنين ثالث ذي الحجة، ودفن بمقبرة الإمام أحمد.

стр. 2662

وفيها أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن علي بن صابر الدّمشقي. ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وعني بالحديث. أسمعه أبوه الكثير من النّسيب، وأبي طاهر الحنّائي [١] وطبقتهما، ولعب في شبابه، وباع أصول أبيه في شبابه بالهوان. توفي في رجب على طريقة حسنة. وفيها أبو المفاخر المأموني، راوي «صحيح مسلم» بمصر سعيد بن الحسين بن سعيد العبّاسي. روى الحديث هو وابنه وحفيده ونافلته. وفيها أبو الفهم بن أبي العجائز الأزدي الدمشقي، واسمه عبد الرحمن بن عبد العزيز بن محمد، وهو راوي حديث سحنام عن أبي طاهر الحنّائي. وفيها أبو الحسن بن العصّار النّحوي علي بن عبد الرحيم السّلمي الرّقّي ثم البغدادي. كان علّامة في اللغة، حجّة في العربية. أخذ عن ابن الجواليقي، وكتب الكثير بخطه الأنيق، وروى عن أبي الغنائم بن المهتدي بالله وغيره، وخلّف مالا طائلا، وإليه انتهى علم اللغة، توفي في المحرم عن ثمان وستين سنة. وفيها السلطان غازي سيف الدّين، صاحب الموصل وابن صاحبها قطب الدّين مودود بن أتابك زنكي التّركي الأتابكي. توفي في صفر بعلّة السّلّ وله ثلاثون سنة، وكان شابا مليحا أبيض طويلا عاقلا وقورا قليل الظلم. قال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : كان من أحسن الناس صورة، غيورا، ما يدع خادما بالغا يدخل على حريمه، طاهر اللّسان، عفيفا عن أموال

стр. 2663

النّاس، قليل السّفك للدماء، استسقى الناس [١] وهو معهم، فاستعانوا [٢] عليه، وقالوا: كيف يستجاب لنا وفينا الخمور والحواطين بيننا، فقال: قد أبطلتها، فرجعوا إلى البلد، وفيهم أبو الفرج الدّقّاق الرجل الصالح، فأراق الخمور، ونهب العامة دكاكين الخمّارين، فاستدعى الدّقّاق إلى القلعة، وقال: أنت جرّأت العامة عليّ وضربه على رأسه فانكشف، فنزل مكشوف الرأس، فقيل له غطّه، فقال: لا أغطيه حتّى ينتقم الله لي ممن ظلمني، فمات الدوادار الذي ضربه بعد قليل، ومرض سيف الدّين وتوفي. انتهى. وفيها محمد بن محمد بن مواهب أبو العزّ بن الخراساني البغدادي الأديب، صاحب النوادر، والعروض، والديوان الشعر، الذي هو في مجلدات، كان صاحب ظرف [٣] ، ومجون، وذكاء مفرط، وتفنن في الأدب. روى عن أبي الحسن بن الطّيوري، وأبي سعد بن حشيش، وجماعة، وتغيّر ذهنه قبل موته بيسير، توفي في رمضان وله اثنتان وثمانون سنة. قاله في «العبر» [٤] .

стр. 2664

سنة سبع وسبعين وخمسمائة فيها توفي الملك الصالح أبو الفتح إسماعيل بن السلطان نور الدّين محمود بن زنكي، ختنه أبوه [وعمل] وقتا باهرا، وزيّنت دمشق لختانه، ثم مات أبوه بعد ختانه بأيّام، وأوصى له بالسلطنة، فلم تتم له، وبقيت له حلب، وكان شابا ديّنا عاقلا محببا إلى الحلبيين إلى الغاية، بحيث إنهم قاتلوا عن حلب صلاح الدّين قتال الموت، وما تركوا شيئا من مجهودهم، ولما مرض بالقولنج في رجب ومات أقاموا عليه المآتم [١] وبالغوا في النوح والبكاء، وفرشوا الرّماد في الطّرق، وكان له تسع عشرة سنة، وأوصى بحلب لابن عمّه عز الدّين مسعود بن مودود فجاء وتملّكها. ولما كان إسماعيل بالقولنج وصف له الأطباء قليل خمر، فقال: لا أفعل حتّى أسأل الفقهاء، فسأل الشافعية فأفتوه بالجواز، وسأل العلاء الكاساني فأفتاه بالجواز أيضا، فقال له: إن كان الله قرّب أجلي يؤخره شرب الخمر؟ فقال: لا، فقال: والله لا لقيت الله وقد فعلت ما حرّم عليّ، ومات ولم يشربه، رحمه الله تعالى. وفيها الكمال بن الأنباري النّحويّ العبد الصالح أبو البركات عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الشافعي، تفقّه بالنظامية على ابن الرزّاز،

стр. 2665

وأخذ النحو عن ابن الشّجري واللغة عن ابن الجواليقي، وبرع في الأدب حتّى صار شيخ العراق. توفي في شعبان وله أربع وستون سنة. وكان زاهدا عابدا مخلصا ناسكا تاركا للدّنيا، له مائة وثلاثون مصنفا في الفقه [١] ، والأصول، والزهد، وأكثرها في فنون العربية، منها كتاب «أسرار العربية» وهو سهل المأخذ، كثير الفوائد [٢] ، وكتاب «الميزان» في النحو أيضا، وكتاب «طبقات الأدباء المتقدمين والمتأخرين» مع صغر حجمه، ثم انقطع في آخر عمره في بيته، واشتغل بالعلم والعبادة، وترك الدّنيا ومجالسة أهلها، وكان لا يسرج في بيته، مع خشونة الملبس والفراش، ولا يخرج إلّا يوم الجمعة، وحمل إليه المستضيء خمسمائة دينار فردّها، فقال: أتركها لولدك، فقال: إن كنت خلقته فأنا أرزقه، وأنجب كلّ من اشتغل عليه، ودفن في تربة أبي إسحاق الشيرازي. والأنبار: قرية قديمة على الفرات بينها وبين بغداد عشرة فراسخ. وفيها شيخ الشيوخ أبو الفتح عمر بن علي بن الزاهد محمد بن علي ابن حمّويه الجويني [٣] الصّوفي، وله أربع وستون سنة. روى عن جدّه، والفراوي، وولّاه نور الدّين مشيخة الشيوخ بالشام، وكان وافر الحرمة.
следующие страницы →