كثيرة ورقيق كثير، وتحول من الشام إلى مصر في سنة أربع وسبعين ثم مات بالإسكندرية في صفر هذه السنة، فنقلته أخته ستّ الشام ودفنته في مدرستها المعروفة بها بمحلّة العونيّة، ودفنت هي معه وولدها، وكان توران من أجود النّاس وأسخاهم، غارقا في اللّذات، مات وعليه مائتا ألف دينار فوفاها عنه أخوه صلاح الدّين.
قال الفاضل مهذب الدّين أبو طالب محمد بن علي الخيمي، نزيل مصر: رأيته في النّوم فمدحته وهو في القبر، فلف كفنه ورماه إليّ وقال:
لا تستقلّنّ معروفا سمحت به ... ميتا وأصبحت منه عاري البدن
[١]
ولا تظننّ جودي شابه بخل ... من بعد بذلي ملك الشّام واليمن
إني خرجت من الدّنيا وليس معي ... من كلّ ما ملكت كفّي سوى كفني
وفيها أبو الحسن علي بن محمد [٢] بن المبارك بن أحمد بن بكروس الحنبلي البغدادي الفقيه، أخو أبي العبّاس أحمد.
ولد يوم الاثنين ثالث رجب، سنة أربع وخمسمائة، وسمع الحديث من ابن الحصين، وابن السمرقندي، وغيرهما.
وتفقّه في المذهب، وبرع، وأفتى، وناظر ودرّس بمدرسة أخيه آخرا، وصنّف في المذهب، وله كتاب «رؤوس المسائل» وكتاب «الأعلام» وحدّث وسمع منه جماعة، منهم: ابن القطيعي، وروى عنه في «تاريخه» ولزم بيته في آخر عمره لمرض حصل له إلى أن توفي يوم الاثنين ثالث ذي الحجة، ودفن بمقبرة الإمام أحمد.
стр. 2662
وفيها أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن علي بن صابر الدّمشقي.
ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وعني بالحديث. أسمعه أبوه الكثير من النّسيب، وأبي طاهر الحنّائي [١] وطبقتهما، ولعب في شبابه، وباع أصول أبيه في شبابه بالهوان. توفي في رجب على طريقة حسنة.
وفيها أبو المفاخر المأموني، راوي «صحيح مسلم» بمصر سعيد بن الحسين بن سعيد العبّاسي. روى الحديث هو وابنه وحفيده ونافلته.
وفيها أبو الفهم بن أبي العجائز الأزدي الدمشقي، واسمه عبد الرحمن بن عبد العزيز بن محمد، وهو راوي حديث سحنام عن أبي طاهر الحنّائي.
وفيها أبو الحسن بن العصّار النّحوي علي بن عبد الرحيم السّلمي الرّقّي ثم البغدادي. كان علّامة في اللغة، حجّة في العربية. أخذ عن ابن الجواليقي، وكتب الكثير بخطه الأنيق، وروى عن أبي الغنائم بن المهتدي بالله وغيره، وخلّف مالا طائلا، وإليه انتهى علم اللغة، توفي في المحرم عن ثمان وستين سنة.
وفيها السلطان غازي سيف الدّين، صاحب الموصل وابن صاحبها قطب الدّين مودود بن أتابك زنكي التّركي الأتابكي. توفي في صفر بعلّة السّلّ وله ثلاثون سنة، وكان شابا مليحا أبيض طويلا عاقلا وقورا قليل الظلم.
قال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : كان من أحسن الناس صورة، غيورا، ما يدع خادما بالغا يدخل على حريمه، طاهر اللّسان، عفيفا عن أموال
стр. 2663
النّاس، قليل السّفك للدماء، استسقى الناس [١] وهو معهم، فاستعانوا [٢] عليه، وقالوا: كيف يستجاب لنا وفينا الخمور والحواطين بيننا، فقال: قد أبطلتها، فرجعوا إلى البلد، وفيهم أبو الفرج الدّقّاق الرجل الصالح، فأراق الخمور، ونهب العامة دكاكين الخمّارين، فاستدعى الدّقّاق إلى القلعة، وقال: أنت جرّأت العامة عليّ وضربه على رأسه فانكشف، فنزل مكشوف الرأس، فقيل له غطّه، فقال: لا أغطيه حتّى ينتقم الله لي ممن ظلمني، فمات الدوادار الذي ضربه بعد قليل، ومرض سيف الدّين وتوفي. انتهى.
وفيها محمد بن محمد بن مواهب أبو العزّ بن الخراساني البغدادي الأديب، صاحب النوادر، والعروض، والديوان الشعر، الذي هو في مجلدات، كان صاحب ظرف [٣] ، ومجون، وذكاء مفرط، وتفنن في الأدب.
روى عن أبي الحسن بن الطّيوري، وأبي سعد بن حشيش، وجماعة، وتغيّر ذهنه قبل موته بيسير، توفي في رمضان وله اثنتان وثمانون سنة. قاله في «العبر» [٤] .
стр. 2664
سنة سبع وسبعين وخمسمائة
فيها توفي الملك الصالح أبو الفتح إسماعيل بن السلطان نور الدّين محمود بن زنكي، ختنه أبوه [وعمل] وقتا باهرا، وزيّنت دمشق لختانه، ثم مات أبوه بعد ختانه بأيّام، وأوصى له بالسلطنة، فلم تتم له، وبقيت له حلب، وكان شابا ديّنا عاقلا محببا إلى الحلبيين إلى الغاية، بحيث إنهم قاتلوا عن حلب صلاح الدّين قتال الموت، وما تركوا شيئا من مجهودهم، ولما مرض بالقولنج في رجب ومات أقاموا عليه المآتم [١] وبالغوا في النوح والبكاء، وفرشوا الرّماد في الطّرق، وكان له تسع عشرة سنة، وأوصى بحلب لابن عمّه عز الدّين مسعود بن مودود فجاء وتملّكها.
ولما كان إسماعيل بالقولنج وصف له الأطباء قليل خمر، فقال: لا أفعل حتّى أسأل الفقهاء، فسأل الشافعية فأفتوه بالجواز، وسأل العلاء الكاساني فأفتاه بالجواز أيضا، فقال له: إن كان الله قرّب أجلي يؤخره شرب الخمر؟
فقال: لا، فقال: والله لا لقيت الله وقد فعلت ما حرّم عليّ، ومات ولم يشربه، رحمه الله تعالى.
وفيها الكمال بن الأنباري النّحويّ العبد الصالح أبو البركات عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الشافعي، تفقّه بالنظامية على ابن الرزّاز،
стр. 2665
وأخذ النحو عن ابن الشّجري واللغة عن ابن الجواليقي، وبرع في الأدب حتّى صار شيخ العراق.
توفي في شعبان وله أربع وستون سنة.
وكان زاهدا عابدا مخلصا ناسكا تاركا للدّنيا، له مائة وثلاثون مصنفا في الفقه [١] ، والأصول، والزهد، وأكثرها في فنون العربية، منها كتاب «أسرار العربية» وهو سهل المأخذ، كثير الفوائد [٢] ، وكتاب «الميزان» في النحو أيضا، وكتاب «طبقات الأدباء المتقدمين والمتأخرين» مع صغر حجمه، ثم انقطع في آخر عمره في بيته، واشتغل بالعلم والعبادة، وترك الدّنيا ومجالسة أهلها، وكان لا يسرج في بيته، مع خشونة الملبس والفراش، ولا يخرج إلّا يوم الجمعة، وحمل إليه المستضيء خمسمائة دينار فردّها، فقال: أتركها لولدك، فقال: إن كنت خلقته فأنا أرزقه، وأنجب كلّ من اشتغل عليه، ودفن في تربة أبي إسحاق الشيرازي.
والأنبار: قرية قديمة على الفرات بينها وبين بغداد عشرة فراسخ.
وفيها شيخ الشيوخ أبو الفتح عمر بن علي بن الزاهد محمد بن علي ابن حمّويه الجويني [٣] الصّوفي، وله أربع وستون سنة. روى عن جدّه، والفراوي، وولّاه نور الدّين مشيخة الشيوخ بالشام، وكان وافر الحرمة.
стр. 2666
سنة ثمان وسبعين وخمسمائة
فيها سار صلاح الدّين، فافتتح حرّان، وسروج، وسنجار، ونصيبين، والرّقّة، ونازل الموصل فحاصرها، وتحيّر من حصانتها، ثم جاءه رسول الخليفة يأمره بالترحل عنها، فرحل ورجع، فأخذ حلب من عز الدّين مسعود الأتابكي وعوّضه بسنجار.
وفيها مات نائب دمشق فرّوخشاه، وولي بعده شمس الدّين محمد بن المقدّم.
وفيها توفي الشيخ الزاهد القدوة أبو العبّاس أحمد بن علي بن أحمد ابن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة، الشيخ الكبير الرفاعي البطائحي- والبطائح عدة قرى مجتمعة في وسط الماء بين واسط والبصرة- كان شافعي المذهب، فقيها.
قال ابن قاضي شهبة في «طبقاته» [١] : وهو مغربي الأصل.
ولد في المحرم سنة خمسمائة، وتخرّج بخاله الشيخ الزاهد منصور.
قال ابن خلّكان: كان رجلا صالحا شافعيا فقيها، انضم إليه خلق من الفقراء، وأحسنوا فيه الاعتقاد، وهم الطائفة الرفاعية، ويقال لهم الأحمدية
стр. 2667
والبطائحية، ولهم أحوال عجيبة من أكل الحيّات حيّة، والنزول إلى التنانير وهي تضّرم نارا، والدخول إلى الأفرنة، وينام الواحد منهم في جانب الفرن والخباز يخبز في الجانب الآخر، وتوقد لهم النّار العظيمة، ويقام السماع فيرقصون عليها إلى أن تنطفئ النار، ويقال: إنهم في بلادهم يركبون الأسود ونحو ذلك وأشباهه. انتهى.
وعن الشيخ أحمد أنه قال: سلكت كل الطرق الموصلة، فما رأيت أقرب ولا أسهل ولا أصلح من الافتقار والذّل والانكسار، فقيل له: يا سيدي! فكيف يكون؟ قال: تعظم أمر الله وتشفق على خلق الله، وتقتدي بسنة سيدك رسول الله.
وقد صنّف الناس في مناقب الشيخ أحمد- رحمه الله تعالى- وأفردوا ترجمته وذكروا من كراماته ومقاماته أشياء حسنة، وكان فقيها شافعيا قرأ «التنبيه» وله شعر حسن. توفي في جمادى الأولى.
قال ابن كثير: ولم يعقب، وإنما المشيخة في ابني أخيه. انتهى كلام ابن قاضي شهبة.
وقال في «العبر» [١] : وقد كثر الزّغل في أصحابه، وتجددت لهم أحوال شيطانية منذ أخذت التتار العراق، من دخول النيران، وركوب السباع، واللّعب بالحيّات، وهذا لا يعرفه الشيخ ولا صلحاء أصحابه، فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم. انتهى.
وقال سبط ابن الجوزي [٢] : [حكى لي بعض أشياخنا قال:] حضرت عنده ليلة نصف شعبان وعنده نحو مائة ألف إنسان، فقلت له: هذا جمع
стр. 2668
عظيم فقال: جسرت مجسر [١] هامان [٢] ، أنى [٣] خطر ببالي أني مقدم هذا الجمع؟.
وكان متواضعا، سليم الصدر، مجردا من الدّنيا، ما ادخر شيئا قطّ.
رآه بعض أصحابه في المنام مرارا في مقعد صدق ولم يخبره، وكان للشيخ أحمد امرأة بذيئة اللّسان تسفه عليه وتؤذيه، فدخل عليه الذي رآه في مقعد صدق يوما فرآه وفي يد امرأته محراك التّنّور، وهي تضربه على أكتافه، فاسود ثوبه وهو ساكت، فانزعج الرجل وخرج من عنده [فاجتمع بأصحاب الشيخ] ، وقال: يا قوم يجري على الشيخ من هذه الامرأة هذا وأنتم سكوت؟
فقال بعضهم: مهرها خمسمائة دينار وهو فقير، فمضى الرجل وجمع خمسمائة دينار وجاء بها إلى الشيخ، فقال: ما هذا؟ قال: مهر هذه الامرأة السفيهة التي فعلت بك كذا وكذا، فتبسّم وقال: لولا صبري على ضربها ولسانها ما رأيتني في مقعد صدق.
وعن يعقوب ابن كراز، أن الشيخ كان لا يقوم لأحد من أبناء الدّنيا، ويقول: النظر في وجوههم يقسي القلب، وكان يترنم بهذا البيت:
إن كان لي عند سليمى قبول ... فلا أبالي ما يقول العذول
وكان يقول:
ومستخبري عن سرّ ليلى تركته ... بعمياء من ليلى بغير يقين
يقولون خبّرنا فأنت أمينها ... وما أنا إن خبّرتهم بأمين
وذكر ابن الجوزي، أن سبب وفاته- ﵁ أبيات أنشدت بين يديه، تواجد عند سماعها تواجدا كان سبب مرضه الذي مات فيه، وكان
стр. 2669
المنشد لها الشيخ عبد الغني بن نقطة حين زاره وهي:
إذا جنّ ليلي هام قلبي بذكركم ... أنوح كما ناح الحمام المطوّق
وفوقي سحاب يمطر الهمّ والأسى ... وتحتي بحار بالأسى تتدفّق
سلوا أمّ عمرو كيف بات أسيرها ... تفكّ الأسارى دونه وهو موثق
فلا هو مقتول ففي القتل راحة ... ولا هو مأسور يفكّ فيطلق
فمفهوم كلام ابن الجوزي أن الأبيات لغيره، مع أن ابن خلّكان [١] ذكر أنها من نظمه.
وفيها أبو طالب الخضر بن هبة الله بن أحمد بن طاووس الدّمشقي المقرئ. آخر من قرأ على أبي الوحش سبيع، وآخر من سمع على الشريف النّسيب، توفي في شوال وله ست وثمانون سنة.
وفيها أبو القاسم بن بشكوال خلف بن عبد الملك بن مسعود بن موسى الأنصاري القرطبي، الحافظ. محدّث الأندلس ومؤرّخها ومسندها.
سمع أبا محمد بن عتّاب، وأبا بحر بن العاص، وطبقتهما، وأجاز له أبو علي الصّدفي، وسمع العالي والنازل، وكان سليم الباطن، كثير التواضع، ألّف خمسين تأليفا في أنواع العلوم، منها «الحكايات المستغربة» و «غوامض الأسماء المبهمة» [٢] و «معرفة العلماء الأفاضل» و «القربة إلى الله بالصلاة على النّبيّ ﷺ » و «جزء» ذكر فيه من روى «الموطأ» عن مالك، رتبهم على حروف المعجم، فبلغوا ثلاثة وسبعين رجلا، وكتاب «المستعينين عند المهمات والحاجات وما يسرّ الله لهم من الإجابات» وغير ذلك، وولي قضاء بعض جهات إشبيلية، ثم اقتصر على إسماع العلم، وتوفي في ثامن رمضان، وله أربع وثمانون سنة.
стр. 2670
وفيها خطيب الموصل، أبو الفضل، عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر [١] الطّوسي ثم البغدادي.
ولد في صفر سنة سبع وثمانين، وسمع حضورا من طراد، والنّعالي، وغيرهما، وسمع من ابن البطر، وأبي بكر الطّريثيثي، وخلق، وكان ثقة في نفسه. توفي في رمضان.
قال ابن النجّار: وقرأ الفقه- أي فقه الشافعي- والأصول على إلكيا الهرّاسي، وأبي بكر الشّاشي، والأدب على أبي زكريا التّبريزي، وولي خطابة الموصل زمانا، وتفرّد في الدّنيا، وقصده الرّحّالون [٢] .
وفيها أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن علي بن حمنيس [٣] البغدادي السّرّاج. سمع أبا الحسن بن العلّاف، وأبا سعد بن خشيش، وجماعة.
قال ابن الأخضر: كان لا يحسن يصلي، ولا أن يقول التحيات، وتوفي في رجب. قاله في «العبر» [٤] .
وفيها عز الدّين فرّوخشاه بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي، صاحب بعلبك وأبو صاحبها، الملك الأمجد، ونائب دمشق لعمه صلاح الدّين، وكان ذا معروف وبرّ، وتواضع، وأدب، وكان للتاج الكندي به اختصاص، توفي بدمشق ودفن في قبته التي بمدرسته المطلّة على الميدان في الشرق الشمالي
стр. 2671
في جمادى الأولى، وهو أخو صاحب حماة تقي الدّين.
وله شعر حسن، منه:
إذا شئت أن تعطي الأمور حقوقها ... وتوقع حكم العدل أحسن موقعه
فلا تصنع المعروف مع غير أهله ... فظلمك وضع الشّيء في غير موضعه
وفيها القطب النّيسابوري، الفقيه العلّامة، أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود الطّريثيثي- بضم الطاء المهملة، وفتح الراء، وسكون التحتية، ومثلثة، نسبة إلى طريثيث، ناحية بنيسابور- الشافعي.
ولد سنة خمس وخمسمائة، وتفقّه على محمد بن يحيى صاحب الغزالي، وتأدّب على أبيه، وسمع من هبة الله السّيدي وجماعة، وبرع في الوعظ، وحصل له القبول ببغداد، ثم قدم دمشق سنة أربعين، وأقبلوا عليه، ودرّس بالمجاهدية والغزالية، ثم خرج إلى حلب، ودرّس بالمدرستين اللتين بناهما نور الدّين، وأسد الدّين، ثم ذهب إلى همذان فدرّس بها، ثم عاد بعد مدة [١] إلى دمشق، ودرّس بالغزالية، وانتهت إليه رئاسة المذهب بدمشق، وكان حسن الأخلاق، قليل التصنّع، مطّرحا للتكلّف، صنّف مختصرا في الفقه سمّاه «الهادي» وتوفي بدمشق في شهر رمضان، ودفن بمقابر الصوفية.
وفيها أبو محمد بن الشّيرازي، هبة الله بن محمد بن هبة الله بن جميل [٢] البغدادي المعدّل الصوفي الواعظ. سمع أبا علي بن نبهان وغيره، وقدم دمشق سنة ثلاثين وخمسمائة وهو شاب، فسكنها وأمّ بمشهد عليّ وفوّض إليه عقد الأنكحة، توفي في ربيع الأول وهو في عشر الثماني، وأمّ بعده في المشهد ابنه القاضي شمس الدّين أبو نصر محمد.
стр. 2672
وفيها أبو الفضل وفاء بن أسعد التّركي الخبّاز. روى عن أبي القاسم ابن بيان وجماعة، وتوفي في ربيع الآخر، وكان شيخا صالحا.
وفيها ممدود الذّهبي البغدادي المجاب الدّعوة. اتّهم بسرقة فأتي به إلى باب المتولّي [١] ، ومدّ ليضرب، فرفع النّقيب يده ليضربه فيبست يده، فقال له صاحب الباب: ما لك؟ قال: قد يبست يدي، فرفعوه عن الأرض، فعادت يده صحيحة، فعاد النّقيب ليضربه فيبست يده، فعل ذلك ثلاث مرّات، فبكى صاحب الباب، وقام إليه وأجلسه إلى جانبه واعتذر إليه.
وفيها أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن [٢] صاحب المغرب، كان حسن السيرة، مجاهدا في سبيل الله تعالى، أغار الفنش [٣] ملك طليطلة على بلاد الأندلس، فعدا إليه يوسف في مائتي ألف فارس وثمانين ألفا، فنزل على بلاد الفنش [٣] ، فخامر عليه وزيره ابن المالقي، وقال للعساكر: إن أمير المؤمنين يأمركم أن تعدوا إلى مراكش، فبقي في نفر يسير، وأرسل إلى الفنش [٣] يقول له: ادهمه، فليس معه عسكر، فجاء الفنش [٣] ، فالتقاه يوسف فطعن في جنبه فمات بعد يومين وحمل إلى إشبيلية، وكانت إمارته اثنتين وعشرين سنة، وقدّموا ولده يعقوب وبايعوه، ولقّبوه [٤] بالمنصور، ولم يكن في ولد عبد المؤمن [٥] مثل يعقوب.
وفيها أبو الحسن علي بن أبي المعالي المبارك، وقيل أحمد بن أبي
стр. 2673
الفضل بن أبي القاسم بن الأحدب [١] الورّاق الدّارقزي المحوّلي [٢] الفقيه الحنبلي، المعروف بابن غريبة.
ولد في منتصف رمضان سنة ست وخمسمائة، وسمع الكثير من أبي القاسم بن الحصين وغيره ببغداد وغيرها من البلاد، وتفقّه في المذهب على ابن سيف وغيره، وقرأ الفرائض على القاضي أبي بكر، وكان ثقة صحيح السماع، ذا عقل وتجربة، ولّاه الوزير ابن هبيرة رفع المظالم، وانقطع في آخر عمره بالمحوّل إلى أن مات، وأفلج قبل موته بشهور، وسمع منه جماعة، منهم: ابن الحنبلي، وابن القطيعي، وغيرهما، وروى عنه ابن الجوزي، وتوفي يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى بالمحوّل وحمل على أعناق الرجال، فدفن بمقبرة الإمام أحمد.
وفيها أبو القاسم عبيد الله [٣] بن علي بن محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفرّاء القاضي ابن القاضي ابن القاضي أبي يعلى.
ولد ليلة الاثنين رابع عشر ذي الحجّة سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وأسمعه أبوه الكثير في صباه من جماعة أعيان، وسمع هو بنفسه من ابن ناصر الحافظ، وأبي بكر بن الزّاغوني وغيرهما، وبالغ في السماع والإكثار، وتفقّه وكتب، وكانت داره مجمعا لأهل العلم وينفق عليهم بسخاء نفس وسعة صدر، وسمع منه جماعة، منهم: ابن القطيعي، وجمع، وصنّف أنواعا من العلوم، وحمله بذل يده وكرم طبعه على أن استدان ما لا يمكنه وفاؤه، فغلبه الأمر حتّى باع معظم كتبه، وخرج عن يده أكثر أملاكه، واختفى في بيته من
стр. 2674
الديون، وبلغ به الحال إلى أن اغتيل في شهادة على امرأة بتصريف بعض الحاضرين، فأنكرت المرأة المشهود عليها ذلك الإشهاد، فكان سببا لعزله من الشهادة، فهو عدل في روايته ضعيف في شهادته، وتوفي يوم الجمعة يوم عيد الأضحى في هذه السنة أو في سنة ثمانين كما صححه بل جزم به ابن رجب.
стр. 2675
سنة تسع وسبعين وخمسمائة
فيها توفي تاج الملوك مجد الدّين بوري [١] ، أخو السلطان صلاح الدّين، وله ثلاث وعشرون سنة. كان أديبا شاعرا، له ديوان صغير، وجمع الله فيه محاسن الأخلاق ومكارمها، مع الشجاعة والفصاحة.
ومن شعره:
أقبل من أعشقه راكبا ... من جهة الغرب على أشهب
فقلت: سبحانك يا ذا العلى ... أشرقت الشمس من المغرب
ومنه أيضا:
أيا حامل الرّمح الشبيه بقدّه ... ويا شاهرا سيفا على لحظه عضبا
ذر الرّمح واغمد ما سللت فربّما ... قتلت وما حاولت طعنا ولا ضربا
أصابت ركبته طعنة على حلب مات منها بعد أيام [٢] .
وفيها تقيّة بنت غيث بن علي الأرمنازي [٣] الشاعرة المحسنة، لها شعر سائر، وكانت امرأة برزة جلدة، مدحت تقي الدّين عمر صاحب حماة والكبار، وعاشت أربعا وسبعين سنة، ولها ابن محدّث معروف. [صحبت
стр. 2676
الحافظ السّلفي زمانا بثغر الإسكندرية، وذكرها في بعض تعاليقه، وأثنى عليها، وكتب بخطّه] عثرت يوما [في منزل سكناي] فانجرحت، فشقّت وليدة في الدار خرقة من خمارها وعصبت به جرحي [١] فقالت:
لو وجدت السّبيل جدت بخدّي ... عوضا عن خمار تلك الوليدة
كيف لي أن أقبّل اليوم رجلا ... سلكت دهرها الطّريق الحميدة
وفيها أبو الفتح الخرقي عبد الله بن أحمد بن أبي [الفتح] الأصبهاني [٢] مسند أصبهان. سمع أبا مطيع المصري، وأحمد بن عبد الله السّوذرجانيّ وانفرد بالرواية عن جماعة. توفي في رجب وله تسع وثمانون سنة، وكان رجلا صالحا.
وفيها الأبله الشاعر صاحب الديوان أبو عبد الله محمد بن بختيار البغدادي [٣] شاب ظريف، وشاعر مفلق، جمع شعره بين الصناعة والرّقّة، وسمي الأبله لذكائه من باب تسمية الشيء بضده كما يقال للأسود كافور.
أنشد الأبله لابن الدّوامي [٤] الحاجب يوما قوله:
زار من أحيا بزورته ... والدّجى في لون طرّته
قمر يثني معاطفه ... بانة في طيّ بردته
بتّ أستجلي المدام على ... غرّة الواشي وغرّته
стр. 2677
آه من خصر له وعلى ... رشفة من برد ريقته
يا له في الحسن من صنم ... كلّنا من جاهليّته
فقال له ابن الدّوامي: يا حجّة العرب! هي لك؟ قال: نعم، فصاح صائح: يكذب، ما هي له، ففتشوا فلم يجدوا أحدا، فقال: أنشدني غيرها.
فأنشده غيرها، كل ذلك والقائل يقول له تكذب- ثلاث مرات- فقال الأبله في الثالثة: فما هي لي فهي لمن؟ فقال القائل: هي لي، قال: ومن أنت؟ قال شيطانك الذي أعلمك قول الشعر، قال له: صدقت، الله يحفظك عليّ.
قال أبو الدرّ الرّومي الشاعر: مرض الأبله فعدته، فقال: ما بقيت أقدر أنظم، قلت: فما سببه؟ قال: مات تابعي، وتوفي بعد ذلك ومن شعره أيضا:
دارك يا بدر الدّجى جنّة ... بغيرها نفسي ما تلهو
وقد روي في خبر أنه ... أكثر أهل الجنّة البله
وله:
يا ذا الذي كفل اليتيم ... وقصده كفل اليتيم
إن كنت ترغب في النّعيم ... فقد حصلت على الجحيم
قال الذهبي: مات وخلّف ثمانية آلاف دينار، ولم يكن له وارث، وتوفي في جمادى الآخرة.
وفيها أبو العلاء البصري محمد بن جعفر البصري ثم البغدادي [١] المقرئ، قرأ القراءات [٢] على أبي الخير الغسّال [٣] وسمع من ابن بيان، وأبي النّرسي، وعاش ثلاثا وتسعين سنة.
стр. 2678
وفيها قاضي زبيد الإمام الفاضل البارع المحمود السيرة، علي بن الحسين السّيري [١]- بفتح السين وبالراء المهملتين- توفي بمخلاف الساعد قافلا من مكّة، وكان ممن أجمع على فضله الموافق والمخالف، يقال: إنه أجاب عن ألف مسألة امتحنه بها أهل زبيد، وفضائله يتعجب منها السامع، كما قال ابن سمرة [٢] .
وفيها أبو طالب الكتّاني محمد بن علي بن أحمد الواسطي [٣] المحتسب. توفي في المحرّم، وله أربع وتسعون سنة. سمع من أبي الصقر الشاعر، وأبي نعيم الجمّاري وطائفة، وانفرد بإجازة أبي طاهر أحمد بن الحسن الكرجي، [و] الباقلّاني، وجماعة، ورحل إلى بغداد فلحق بها أبا الحسن بن العلّاف، وكان ثقة ديّنا.
وفيها يونس بن محمد بن منعة الإمام رضي الدّين الموصلي [٤] الشافعي، والد العلّامة كمال الدّين موسى، وعماد الدّين محمد، تفقّه على الحسين بن نصر بن خميس، وببغداد على أبي منصور الرزاز، ودرّس، وأفتى، وناظر، وتفقّه به جماعة، وكان مولده بإربل سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وتوفي في المحرم.
стр. 2679
سنة ثمانين وخمسمائة
فيها توفي إيلغازي بن ألبي [١] بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق، الملك قطب الدّين التركماني، صاحب ماردين، وليها بعد أبيه مدة، وكان موصوفا بالشجاعة والعدل، توفي في جمادى الآخرة.
وفيها [محمد بن حمزة] بن أبي الصّقر [٢] أبو عبد الله القرشي الدّمشقي الشّروطي المعدّل. توفي في صفر وله إحدى وثمانون سنة، وكان ثقة صاحب حديث. سمع من هبة الله بن الأكفاني وطائفة، ورحل فسمع من ابن الطّبري [٣] ، وقاضي المارستان، وكتب الكثير وأفاد، وكان شروطي البلد.
стр. 2680
سنة إحدى وثمانين وخمسمائة
فيها نازل صلاح الدّين الموصل، وقد سارت إلى خدمته ابنة الملك نور الدّين محمود زوجة عز الدّين صاحب البلد، وخضعت له، فردّها خائبة، وحصر الموصل، فبذل أهلها نفوسهم، وقاتلوا أشدّ قتال، فندم وترحّل عنهم لحصانتها، ثم نزل على ميّافارقين فأخذها بالأمان، ثم ردّ إلى الموصل وحاصرها أيضا، ثم وقع الصلح على أن يخطبوا له، وأن يكون صاحبها طوعه، وأن يكون لصلاح الدّين شهرزور وحصونها، ثم رحل، فمرض واشتد مرضه بحرّان، حتّى أرجفوا بموته، وسقط شعر لحيته ورأسه.
وفيها استولى ابن عائنة الملثّم على أكثر بلاد إفريقية، وخطب للناصر العبّاسي، وبعث رسوله يطلب التقليد بالسلطنة.
وفيها توفي صدر الإسلام أبو الطاهر بن عوف إسماعيل بن مكّي بن إسماعيل بن عيسى بن عوف الزّهري الإسكندراني المالكي [١] في شعبان، وله ست وتسعون سنة، تفقّه على أبي بكر الطّرطوشي، وسمع منه ومن أبي عبد الله الرّازي، وبرع في المذهب، وتخرّج به الأصحاب، وقصده السلطان صلاح الدّين وسمع منه «الموطأ» .
стр. 2681
وفيها محمد البهلوان بن إلدكز [١] الأتابك، شمس الدّين، صاحب أذربيجان، وعراق العجم، توفي في هذه السنة، وقام بعده أخوه قزل، وكان السلطان طغرل [٢] السلجوقي من تحت حكم البهلوان كما كان أبوه أرسلان شاه من تحت حكم أبيه إلدكز [١] وكان له خمسة آلاف مملوك.
وفيها الشيخ الكبير، الولي الشهير، حياة بن قيس الحرّاني [٣] ، أحد الأربعة الذين قال فيهم أبو عبد الله القرشي: رأيت أربعة من المشايخ يتصرفون في قبورهم كحياتهم، الشيخ معروف الكرخي، والشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ عقيل المنبجي، والشيخ حياة بن قيس الحرّاني، ﵃، تخرّج بالشيخ حياة كثير من المريدين وأنجبوا، وله من الكرامات أحوال تذهل العقول، منها ما حكاه الشيخ الصالح غانم بن يعلى، قال:
انكسرت بنا سفينة في بحر الهند، فنجوت إلى جزيرة فوجدت فيها مسجدا فيه أربعة نفر متوجهون إلى الله تعالى، فلما كان وقت العشاء دخل الشيخ حياة الحرّاني فتبادروا للسلام، وتقدم فصلى بهم، ثم صلوا الفجر، وسمعته يقول في مناجاته: يا حبيب التائبين، ويا سرور العارفين، ويا قرّة عين العابدين، ويا أنس المنفردين، ويا حرز اللاجئين، ويا ظهير المنقطعين، يا من حنّت إليه قلوب الصّدّيقين، وأنست به أفئدة المحبين، وعلّقت عليه همة الخائفين. ثم بكى، فرأيت الأنوار قد حفّت بهم، ثم خرج من المسجد وهو يقول:
стр. 2682
سير المحبّ إلى المحبوب زلزال ... والقلب فيه من الأهوال بلبال
[١]
أطوي المهامة [٢] من قفر على قدم ... إليك تدفعني [٣] سهل وأجبال
فقالوا لي: اتبع الشيخ، فتبعته، فكانت الأرض تطوى لنا، فوافينا حرّان وهم يصلون الصبح. سكن- رحمه الله تعالى- حرّان إلى أن توفي. قاله ابن الأهدل.
وفيها أبو اليسر شاكر بن عبد الله بن محمد التّنوخي المعرّي ثم الدّمشقي [٤] ، صاحب ديوان الإنشاء في الدولة النّورية، عاش خمسا وثمانين سنة.
وفيها المهذّب بن الدّهّان عبد الله بن أسعد بن علي الموصلي [٥] الفقيه الشافعي الأديب الشاعر النحوي، ذو الفنون، دخل يوما على نور الدّين الشهيد، فقال له: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت كما لا يريد الله ولا رسوله، ولا أنت ولا أنا، ولا ابن عصرون، فقال نور الدّين: كيف ذلك؟
فقال: لأن الله ورسوله يريدان مني الإعراض عن الدّنيا والإقبال على الآخرة ولست كذلك، وأنت تريد منّي أن لا أسألك شيئا ولست كذلك، وأنا أريد من نفسي أن أكون أسعد الناس ولست كذلك، وابن عصرون يريد مني أن أكون مقطّعا إربا إربا ولست كذلك، فضحك منه وأمر له بصلة.
وقال العماد الكاتب: لما وصل السلطان صلاح الدّين إلى حمص، خرج إلينا ابن الدّهّان، فقدّمته وقلت: هذا الذي يقول في قصيدة يمدح بها ابن رزّيك:
стр. 2683
أأمدح التّرك أبغي الفضل عندهم ... والشّعر ما زال عند التّرك متروكا
فأعطاه السلطان مائة دينار، وقال: حتى لا تقول إنه متروك عند التّرك، فامتدحه بقصيدته العينية التي يقول فيها:
أعلمت بعدك وقفتي بالأجرع ... ورضا طلولك عن دموعي الهمّع
لا قلب لي فأعي الكلام فإنني ... أودعته بالأمس عند مودّعي
قل للبخيلة بالسلام تورّعا ... كيف استبحت دمي ولم تتورّعي
هل تسمحين ببذل أيسر نائل ... أن أشتكي وجدي إليك وتسمعي
أو سائلي جسدي ترى أين العنا ... أو فاسألي إن شئت شاهد أدمعي
فالسّقم آية ما أجنّ من الجوى ... والدّمع بيّنة على ما أدّعي
وله في غلام لسبته [١] نحلة في شفته:
بأبي من لسبته نحلة ... آلمت أكرم شيء وأجل
أثّرت لسبتها في شفة ... ما براها الله إلّا للقبل
حسبت أنّ بفيه بيتها ... إذ رأت ريقته مثل العسل
توفي بحمص في شعبان، وكان مدرسا بها.
وفيها عبد الحقّ بن عبد الرحمن بن عبد الله أبو محمد الأزدي الإشبيلي [٢] الحافظ، ويعرف بابن الخرّاط، أحد الأعلام، ومؤلف «الأحكام الكبرى» و «الصغرى» و «الجمع بين الصحيحين» وكتاب «الغريبين في اللغة» وكتاب «الجمع بين [الكتب] الستة» [٣] وغير ذلك. روى عن أبي الحسن شريح وجماعة، نزل بجاية، وولي خطابتها، وبها توفي بعد محنة لحقته من
стр. 2684
الدولة في ربيع الآخر عن إحدى وسبعين سنة، وكان مع جلالته في العلم قانعا متعفّفا موصوفا بالصلاح والورع ولزوم السّنّة.
وفيها الإمام السّهيلي أبو زيد، وأبو القاسم، وأبو الحسن، عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد العلّامة الأندلسي [١] المالقي النّحوي، الحافظ العلم، صاحب التصانيف، منها «الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام» و « [التعريف و] الإعلام بما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام» [٢] وكتاب «نتائج الفكر» [٣] ومسألة رؤية الله- في المنام، وروية النّبيّ ﷺ ومسألة السرّ في عور الدّجال، ومسائل كثيرة، وله أبيات الفرج المشهورة.
قال ابن دحية أنشدنيها، وقال: ما يسأل الله بها أحد حاجة إلّا أعطاه إيّاها، وهي:
يا من يرى ما في الضّمير ويسمع ... أنت المعدّ لكلّ ما يتوقّع
يا من يرجّى للشدائد كلّها ... يا من إليه المشتكى والمفزع
يا من خزائن رزقه في قول كن ... أمنن فإنّ الخير عندك أجمع
ما لي سوى قرعي لبابك حيلة ... فلئن رددت فأي باب أقرع
[٤]
стр. 2685
ما لي سوى فقري إليك وسيلة ... وبالافتقار إليك فقري أدفع
من ذا الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يمنع
حاشا لمجدك أن تقنّط عاصيا ... الفضل أجزل والمواهب أوسع
[١] وله أشعار كثيرة نافعة، وكان مالكيا ضريرا، أخذ القراءات عن جماعة، وروى عن ابن العربي والكبار، وبرع في العربية واللغات والأخبار والأثر، وتصدّر للإفادة، وكان مشهورا بالصلاح، والورع، والعفاف، والقناعة بالكفاف، وأقام ببلده إلى أن نمى خبره إلى مرّاكش، فطلبه وإليها وأحسن إليه، وأقبل [بوجه الإقبال] عليه، وأقام بها نحو ثلاثة أعوام.
وهو منسوب إلى السّهيل، قرية بالقرب من مالقة بالأندلس.
وتوفي في شعبان في اليوم الذي توفي فيه شيخ الإسكندرية أبو الطاهر ابن عوف، وعاش اثنتين وسبعين سنة.
وفيها عبد الرزاق بن نصر بن المسلم الدّمشقي النجّار [٢] . روى عن ابن الموازيني وغيره، وتوفي في ربيع الآخر عن أربع وثمانين سنة.
وفيها ابن شاتيل أبو الفتح، عبيد الله بن عبد الله بن محمد بن نجا الدّبّاس [٣] مسند بغداد. سمع الحسين بن البسري، وأبا غالب بن الباقلاني وجماعة، وتفرّد بالرواية عن بعضهم، ووهم من قال: إنه سمع من [ابن] البطر، توفي في رجب عن تسعين سنة.
وفيها عصمة الدّين الخاتون [٤] بنت الأمير معين الدّين أنر زوجة
стр. 2686
نور الدّين ثم صلاح الدّين، وواقفة المدرسة التي بدمشق للحنفية، وبنت خانقاه للصوفية على الشرف القبلي خارج باب النصر، وبنت تربة بقاسيون على نهر يزيد تجاه قبة جركس ودفنت بها، وهي في يومنا هذا داخل جامع الجديد بالصالحية، وأوقفت على هذه الأماكن أوقافا كثيرة.
وفيها الميّانشي [١] أبو حفص، عمر بن عبد المجيد القرشي، شيخ الحرم، تناول من أبي عبد الله الرّازي، وسمع من جماعة، وله كرّاس في علم الحديث. توفي بمكّة.
وفيها أبو المجد البانياسي الفضل بن الحسين الحميري عفيف الدّين الدمشقي [٢] . روى عن أبي القاسم الكلابي، وأبي الحسن بن الموازيني.
توفي في شوال وله ست وثمانون سنة.
وفيها صاحب حمص الملك ناصر الدّين محمد بن الملك أسد الدّين شيركوه [٣] ، وابن عم السلطان صلاح الدّين. كان فارسا شجاعا جريئا متطلعا إلى السلطنة، قيل: إنه قتله الخمر، وقيل: بل سقي السّمّ، مات يوم عرفة.
وفيها أبو سعد الصّائغ محمد بن عبد الواحد الأصبهاني [٤] المحدّث. روى عن غانم البرجي، والحداد، وخلق.
стр. 2687
وفيها أبو موسى المدينيّ [١] محمد بن أبي بكر عمر بن أحمد الحافظ، صاحب التصانيف، وله ثمانون سنة. سمع من غانم البرجي وجماعة من أصحاب أبي نعيم، ولم يخلّف بعده مثله. مات في جمادى الأولى، وكان مع براعته في الحفظ والرّجال صاحب ورع وعبادة وجلالة وتقى.
стр. 2688
سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة
قال العماد الكاتب: أجمع المنجمون في هذا العام في جميع البلاد على خراب العالم في شعبان عند اجتماع الكواكب الستة في الميزان بطوفان الرّيح، وخوّفوا بذلك الأعاجم والرّوم، فشرعوا في حفر مغارات، ونقلوا إليها الماء والزّاد [١] وتهيئوا، فلما كانت الليلة التي عيّنها المنجمون لمثل ريح عاد، ونحن جلوس عند السلطان، والشموع توقد فلا تتحرك، ولم نر ليلة مثل ركودها.
وفيها توفي العلّامة عبد الله بن برّي أبو محمد المقدسي ثم المصري [٢] النّحوي، صاحب التصانيف، وله ثلاث وثمانون سنة. روى عن أبي صادق المديني وطائفة، وانتهى إليه علم العربية في زمانه، وقصد من البلاد لتحقيقه وتبحّره، ومع ذلك فله حكايات في التغفّل [٣] وسذاجة الطبع، كان يلبس الثياب الفاخرة، ويأخذ في كمّه العنب [مع الحطب] والبيض، فيقطر على رجله ماء العنب، فيرفع رأسه ويقول: العجب! إنها [٤] تمطر مع
стр. 2689
الصحو، وكان يتحدث ملحونا، ويتبرم بمن يخاطبه بإعراب، وهو شيخ الجزولي.
وفيها أبو السعود أحمد بن المبارك الزاهد الحريمي [١] . كان عطّارا فأقامه الله، فانقطع إليه، وصحب الشيخ عبد القادر الكيلاني، وله كرامات، وكان لا يأكل حتّى يطعم، ولا يشرب حتّى يسقي، ولا يلبس ثوبا حتّى يجعل في عنقه، ولا يتكلم إلّا جوابا، ولا يزال على طهارة، مستقبل القبلة، وقع عليه سقف، فجاء جذع فكسر رؤوس أضلاعه فلم يتحرك، حتى جاء أصحابه فأزالوا السقف عنه، فأقام عشرين سنة لا يعلم أحد أن أضلاعه مكسّرة حتّى مات، فوجدوها على المغتسل مكسّرة.
وفيها عبد الرّحمن بن جامع بن غنيمة بن البنّاء البغدادي الأزجي الميداني [٢] الفقيه الحنبلي الزاهد، أبو الغنائم، ويسمى أيضا غنيمة.
ولد سنة خمسمائة تقريبا، وسمع الحديث من أبي طالب اليوسفي وغيره، وتفقّه على أبي بكر الدّينوري، وقرأ الخلاف على أسعد الميهني، وبرع، وأفتى، وناظر، ودرّس بمسجده، وكان عارفا بالمذهب، صالحا، تقيا.
قال ابن النجار: كان فقيها فاضلا ورعا زاهدا، مليح المناظرة، حسن المعرفة بالمذهب والخلاف. وحدّث عنه الشيخ موفق الدّين وغيره، وتوفي ليلة الاثنين ثامن شوال ودفن بمقبرة باب حرب.
وفيها علي بن مكّي [٣] بن عبد الله أبو الحسن الضرير المقرئ الفقيه
стр. 2690
الحنبلي الأزجي [١] . قرأ القرآن، وسمع الحديث الكثير من ابن ناصر، وابن البطي، وغيرهما، وتفقّه على أبي حكيم النّهرواني، وكان من أهل الدّين والصلاح.
توفي ليلة الأربعاء عاشر شوال، ودفن بباب حرب إلى جانب شيخه أبي حكيم.
стр. 2691
سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة
فيها افتتح صلاح الدّين بالشام فتحا مبينا، ورزق نصرا متينا، وهزم الفرنج وأسر ملوكهم، وكانوا أربعين ألفا، ونازل القدس وأخذه، وكان المنجمون قد قالوا له: تفتح القدس وتذهب عينك الواحدة، فقال: رضيت أن أفتحه وأعمى، فافتتحها بعد أن كانت بأيدي الفرنج أكثر من تسعين سنة [١] ثم أخذ عكا، ثم جال فافتتح عدة حصون، ودخل على المسلمين سرور لا يعلمه إلّا الله تعالى.
وفيها قتل ابن الصّاحب [٢] ببغداد، ولله الحمد، فذلّت الرافضة.
وفيها توفي عبد الجبّار بن يوسف البغدادي [٣] ، شيخ الفتوة وحامل لوائها، كان قد علا شأنه بكون الناصر الخليفة يمضي إليه، توفي حاجّا بمكّة.
وفيها عبد المغيث بن زهير بن علوي الحربي [٤] المحدّث الزاهد أبو العزّ [٥] بن [أبي] حرب [٦] الحنبلي، محدّث بغداد.
стр. 2692
ولد سنة خمسمائة تقريبا، وسمع من أبي القاسم بن الحصين، وابن كادش، وغيرهما، وعني بهذا الشأن، وحصّل الأصول، ولم يزل يسمع حتّى سمع من أقرانه، وتفقّه على القاضي أبي الحسين بن الفرّاء، وكان صالحا متدينا صدوقا أمينا، حسن الطريقة، جميل السيرة، حميد الأخلاق، مجتهدا في اتباع السّنّة والآثار، منظورا إليه بعين الديانة والأمانة، وجمع وصنّف وحدّث، ولم يزل يفيد الناس إلى حين وفاته، وبورك له، حتى حدّث بجميع مروياته، وسمع منه الكبار.
قال الدّبيثي: عني بطلب الحديث وسماعه، وجمعه من مظانه، وخرّج وصنّف، وكان ثقة صالحا صاحب طريقة حميدة، وكتبنا عنه ونعم الشيخ كان، وروى عنه الشيخ موفق الدّين، والحافظ عبد الغني، وغيرهما، وقدم دمشق وحدّث بها.
وقال ابن الحنبلي: سمعت من عبد المغيث، وكان حافظا زاهدا ورعا، كنت إذا رأيته خيّل إليّ أنه أحمد بن حنبل غير أنه كان قصيرا، وتوفي ليلة الأحد ثالث عشر [١] المحرم، ودفن بتكة قبر الإمام أحمد.
قال الذهبي: صنف جزءا في «فضائل يزيد» أتى فيه بالموضوعات.
وفيها قاضي القضاة ابن الدّامغاني أبو الحسن علي بن أحمد ابن قاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن علي الحنفي [٢] وله سبعون سنة، وكان ساكنا وقورا محتشما، حدّث عن ابن الحصين وطائفة، وولي القضاء بعد موت قاضي القضاة أبي القاسم الزّينبي ثم عزل عند موت المقتفي، فبقي معزولا إلى سنة سبعين، ثم ولي إلى أن مات.
стр. 2693
وفيها ابن المقدّم الأمير الكبير شمس الدّين محمد بن عبد الملك [١] كان من أعيان أمراء الدولتين، وهو الذي سلّم سنجار إلى نور الدّين ثم تملّك بعلبك، وعصى على صلاح الدّين مدة، فحاصره ثم صالحه، وناب له بدمشق، وكان بطلا شجاعا محتشما عاقلا، شهد في هذا العام الفتوحات.
وحجّ فلما حلّ بعرفات رفع علم السلطان صلاح الدّين وضرب الكوسات، فأنكر عليه أمير ركب العراق [٢] طاشتكين، فلم يلتفت [إليه] ، وركب في طلبه، وركب طاشتكين، فالتقوا، وقتل جماعة من الفريقين، وأصاب ابن المقدّم سهم في عينه فخرّ صريعا، وأخذ طاشتكين ابن المقدّم فمات من الغد بمنى [٣] ، وهو باني المدرسة المقدّمية، والتربة والخان داخل باب الفراديس.
وفيها مخلوف بن علي بن جارة أبو القاسم المغربي ثم الإسكندراني [٤] المالكي، أحد الأئمة الكبار، تفقّه به أهل الثغر زمانا.
وفيها أبو السعادات القزّاز نصر الله بن عبد الرحمن بن محمد الشيباني الحريمي [٥] مسند بغداد. سمع جدّه أبا غالب القزّاز، وأبا القاسم الرّبعي، وطائفة، وتوفي في ربيع الآخر عن اثنتين وتسعين سنة.
وفيها أبو بكر محمد بن نصر الخرقي القاشاني، الحافظ الثقة،
стр. 2694
الناقد النبيل، كما قال ابن ناصر الدّين [١] .
وفيها أبو الفتح بن المنّي ناصح الإسلام نصر بن فتيان بن مطر النّهرواني ثم البغدادي [٢] الحنبلي، فقيه العراق، وشيخ الحنابلة على الإطلاق. روى عن أبي الحسن بن الزّاغوني وطبقته، وتفقّه على أبي بكر الدّينوري، وكان ورعا زاهدا متعبدا، على منهاج السلف الصالح، تخرّج به أئمة.
قال الشيخ ناصح الدّين بن الحنبلي: رحلت إليه فوجدت مسجده بالفقهاء والقراء معمورا، وكل فقيه عنده من فضله وإفضاله مغمورا، فأنخت راحلتي بربعه، وحططت زاملة بغيتي على شرعة شرعه، فوجدت الفضل الغزير، والدّين القويم المنير، [والفحر المستطيل المستطير، والعالم الخبير] [٣] ، فتلقاني بصدر بالأنوار قد شرح، ومنطق بالأذكار قد ذكر ومدح، وبباب إلى كل باب من الخيرات قد شرع وفتح، فتح الله تعالى عليه. حفظ القرآن العظيم وهو في حداثة من سنّه، ولاحت عليه أعلام المشيخة، فرجح منه على كل فنّ [٤] بفضل الله ومنّه.
ثم قال: لم ننقل [عنه] أنه لعب ولا لها، ولا طرق باب طرب، ولا مشى إلى لذّة ومشتهى.
وقال: قال لي ابن المنّي: تقدمت في زمن أقوام ما كنت أصلح أن أقدّم مداسهم.
وقال لي- رحمه الله تعالى-: ما أذكر أحدا قرأ عليّ القرآن إلّا حفظه، ولا سمع درس الفقه إلّا انتفع.
стр. 2695
ثم قال: هذا حظي من الدّنيا.
قال ابن الحنبلي: وما تزوّج ولا تسرى، ولا ركب بغلة ولا فرسا، ولا ملك مملوكا، ولا لبس الثياب الفاخرة إلّا لباس التقوى، وكان أكثر طعامه يشرب في قدح ماء الباقلّاء.
وكان إذا فتح عليه بشيء فرّقه بين أصحابه.
وكان لا يتكلم في الأصول، ويكره من يتكلم فيه، سليم الاعتقاد، صحيح الانتقاد في الأدلة الفروعية.
وقال ابن رجب: (صرف همته طول عمره إلى الفقه أصولا وفروعا، مذهبا وخلافا، واشتغالا وإشغالا ومناظرة، وتصدّر للدرس والاشتغال [١] والإفادة وطال عمره وبعد صيته، وقصده الطلبة من البلاد، وشدت إليه الرّحال في طلب الفقه، وتخرّج به أئمة كثير، منهم: ابن الجوزي، وفقهاء الحنابلة اليوم في سائر البلاد يرجعون إليه وإلى أصحابه) لأن فقهاء زماننا إنما يرجعون في الفقه من جهة [الشيوخ و] الكتب إلى الشيخين: موفق الدّين المقدسي، ومجد الدّين بن تيمية الحرّاني.
فأما الشيخ الموفق فهو تلميذ ابن المنّي، وعنه أخذ الفقه.
وأما ابن تيمية، فهو تلميذ تلميذه أبي بكر بن الحلاوي.
وكان مرض ابن المنّي الإسهال، وذلك من تمام السعادة، لأن مرض البطن شهادة، وتوفي به يوم السبت رابع شهر رمضان، ودفن يوم الأحد، ونودي في النّاس بموته، فانثال من الخلائق والأمم عدد لا يحصى، وازدحم الناس، وخيف من الفتن فنفّذ الولاة الأجناد والأتراك بالسلاح، ومات عن اثنتين وثمانين سنة، ولم يخلّف مثله.
стр. 2696
وفيها الزاهد عبد الغني [بن أبي بكر] بن شجاع البغدادي [١] الحنبلي، المعروف بابن نقطة [٢] .
قال السخاوي: هو مشهور بالتقلل والإيثار والزهد، وكان له ببغداد زاوية يأوي إليها الفقراء، ولم يكن في عصره من يقاومه في التجريد. كان يفتح عليه قبل غروب الشمس بألف دينار فيفرّقها والفقراء صيام، فلا يدّخر لهم منها شيئا، ويقول: نحن لا نعمل بأجرة، يعني لا نصوم وندخر ما نفطر عليه، وزوّجته أم الخليفة الناصر بجارية من خواصها، وجهزتها بعشرة آلاف دينار، فما حال الحول وعنده سوى هاون، فجاء فقير فوقف على الباب، وقال: لي ثلاثة أيام ما أكلت شيئا، فأخرج إليه الهاون وقال: لا تشنّع على الله، كل بهذا ثلاثين يوما.
وقال ابن شهبة في «تاريخه» : وكان له أخ مزكلش ينشد كان وكان ومواليا في الأسواق، ويسحر الناس في رمضان، فقيل له: أخوك زاهد العراق وأنت هكذا؟ فأنشد مواليا:
قد خاب من شبّه الجزعة إلى درّه ... وسام قحبة إلى مستحسنة حرّه
أنا مغنّي وخي زاهد إلى مرّه ... بيرين في دار ذي حلوة وذي مرّة
انتهى.
وتوفي في رابع جمادى الآخرة ببغداد، ويأتي ذكر ولده محمد في سنة ثمان وعشرين وستمائة، إن شاء الله تعالى.
стр. 2697
وفيها مجد الدّين ابن الصّاحب، هبة الله بن علي. ولي أستاذ داريّة [١] المستضيء، ولما ولي النّاصر رفع منزلته وبسط يده، وكان رافضيّا سبّابا، تمكّن وأحيا شعار الإمامية، وعمل كلّ قبيح، إلى أن طلب إلى الديوان فقتل، وأخذت حواصله، فمن ذلك ألف ألف دينار، وعاش إحدى وأربعين سنة. قاله في «العبر» [٢] .
стр. 2698
سنة أربع وثمانين وخمسمائة
دخلت وصلاح الدّين يصول ويجول بجنوده على الفرنج، حتّى دوّخ بلادهم، وبثّ سراياه، وافتتح أخوه الملك العادل الكرك بالأمان في رمضان، وسلّموها لفرط القحط.
وفيها توفي أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ، الأمير الكبير، مؤيد الدولة، أبو المظفر، الكناني الشّيزري [١] . كان من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر [٢] وعلمائهم وشجعانهم، له تصانيف عديدة في فنون الأدب والأخبار والنظم، وفيه تشيع.
قال العماد الكاتب في «الخريدة» : سكن دمشق ثم نبت به كما تنبو الدار بالكريم، فانتقل إلى مصر، فبقي فيها مؤمّرا مشارا إليه بالتعظيم إلى أيام الصالح بن رزّيك، ثم عاد إلى الشام وسكن دمشق، ثم رماه الزمان إلى حصن كيفا، فأقام به حتّى ملك السلطان صلاح الدّين دمشق، فاستدعاه وهو شيخ قد جاوز الثمانين.
وقال ابن خلّكان [٣] : له ديوان شعر في جزأين موجود بأيدي الناس، ورأيته بخطّه ونقلت منه:
стр. 2699
لا تستعر جلدا على هجرانهم ... فقواك تضعف عن صدود دائم
واعلم بأنّك إن رجعت إليهم ... طوعا وإلّا عدت عودة راغم
وله جواب عن أبيات كتبها أبوه إليه:
وما أشكو تلوّن أهل ودّي ... ولو أجدت شكيّتهم شكوت
مللت [١] عتابهم ويئست منهم ... فما أرجوهم فيمن رجوت
إذا أدمت قوارضهم فؤادي ... كظمت على أذاهم وانطويت
ورحت عليهم طلق المحيّا ... كأنّي ما سمعت ولا رأيت
تجنّوا لي ذنوبا ما جنتها ... يداي ولا أمرت ولا نهيت
ولا والله ما أضمرت غدرا ... كما قد أظهروه ولا نويت
ويوم الحشر موعدنا فتبدو ... صحيفة ما جنوه وما جنيت
وله وقد قلع ضرسه، وقال: عملتهما ونحن بظاهر خلاط، وهو معنى غريب، ويصلح أن يكون لغزا في الضرس:
وصاحب لا أملّ الدّهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
لم ألقه مذ تصاحبنا فمذ وقعت ... عيني عليه افترقنا فرقة الأبد
[٢] توفي يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من شهر رمضان، ودفن من الغد شرقي جبل قاسيون.
وفيها عبد الرّحمن بن محمد بن حبيش القاضي أبو القاسم الأنصاري المريّيّ [٣] ، نزيل مرسية، عاش ثمانين سنة، وقرأ القراءات على
стр. 2700
جماعة، ورحل بعد ذلك، فسمع بقرطبة من يونس بن محمد بن مغيث والكبار، وكان من أئمة الحديث، والقراءات، والنحو، واللغة، ولي خطابة مرسية وقضاءها مدة، واشتهر ذكره وبعد صيته، وكانت الرحلة إليه في زمانه، وقد صنّف كتاب «المغازي» في عدة مجلدات [١] .
وفيها عمر بن بكر بن محمد بن علي القاضي عماد الدّين بن الإمام شمس الأئمة الجابريّ [٢] الزّرنجري- بفتح الزاي والراء الأولى والجيم، وسكون النون، نسبة إلى زرنجرا قرية ببخارى [٣]- شيخ الحنفية في زمانه بما وراء النهر، ومن انتهت إليه رئاسة الفقه، توفي في شوال عن نحو تسعين سنة.
وفيها التّاج المسعودي محمد بن عبد الرحمن البنجديهي [٤]- بفتح الموحدة وسكون النون، وفتح الجيم، وبعد الدال المهملة تحتية، نسبة إلى بنج دية خمس قرى بمرو الرّوذ [٥]- الخراساني الصّوفي الشافعي، الرحّال الأديب، مات عن اثنتين وثمانين سنة بدمشق، وسمع من أبي الوقت وطبقته، وأملى بمصر مجالس، وعني بهذا الشأن، وكتب وسعى، وجمع فأوعى، وصنّف شرحا طويلا للمقامات.
قال يوسف بن خليل الحافظ: لم يكن في نقله بثقة.
وقال بن النجار: كان من الفضلاء في كلّ فنّ، في الفقه، والحديث، والأدب، وكان من أظرف المشايخ وأجملهم.