← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

سنة تسعين وخمسمائة فيها سار بنارس أكبر ملوك الهند، وقصد الإسلام، فطلبه شهاب الدّين الغوري، فالتقى الجمعان على نهر ماحون [١] . قال ابن الأثير [٢] : وكان مع الهنديّ سبعمائة فيل، ومن العسكر على ما قيل ألف ألف نفس، فصبر الفريقان، وكان النصر لشهاب الدّين، وكثر القتل في الهنود، حتّى جافت منهم الأرض، وأخذ شهاب الدّين تسعين فيلا وقتل بنارس ملك الهند، وكان قد شدّ أسنانه بالذهب، فما عرف إلّا بذلك، ودخل شهاب الدّين بلاد بنارس وأخذ من خزانته ألفا وأربعمائة حمل، ومن جملة الفيلة فيل أبيض حدّثني من رآه. وفيها توفي القزويني العلّامة رضي الدّين أبو الخير أحمد بن إسماعيل بن يوسف الطّالقاني، الفقيه الشافعي الواعظ. ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وتفقّه على الفقيه ملكداذ العمركيّ [٣] ، وقرأ بالرّوايات على إبراهيم بن عبد الملك القزويني، وفاق

стр. 2732

الأقران، وسمع من الفراوي، وزاهر [الشّحاميّ] [١] وخلق، ثم قدم بغداد قبل الستين ودرّس بها ووعظ، ثم قدمها قبل السبعين، ودرّس بالنظامية، وكان إماما في المذهب، والخلاف، والأصول، والتفسير، والوعظ، وروى كتبا كبارا، ونفق كلامه على الناس لحسن سمته، وحلاوة منطقه، وكثر محفوظاته، وكان صاحب قدم راسخ في العبادة، عديم النظير، كبير الشأن، رجع إلى قزوين سنة ثمانين ولزم العبادة إلى أن مات في المحرم. قال ابن شهبة [٢] : صنّف كتاب «البيان في مسائل القرآن» ردا على الحلولية [٣] والجهمية، وصار رئيس الأصحاب، وكان يتكلم يوما وابن الجوزي يوما، ويحضر الخليفة من وراء الأستار، وتحضر الخلائق والأمم. انتهى. وفيها طغرل بك شاه بن أرسلان شاه بن طغرل بك بن محمد شاه السّلجوقي [٤] السلطان، صاحب أذربيجان. طلب السلطنة من الخليفة، وأن يأتي بغداد ويكون على قاعدة الملوك السلجوقية سوى صاحب الرّوم، وكان سفاكا للدماء، قتل خلقا كثيرا. قال السبط: رأيته وكأن وجهه القمر، ولم ير في زمانه أحسن صورة منه، قصده خوارزم شاه والتقيا على الرّيّ، فجاءته نشّابة في عينه فضربه مملوك له بالسيف فقتله وقطع رأسه، وحمله إلى خوارزم شاه، وهو آخر [الملوك] [٥] السلجوقية، وعدتهم نيف وعشرون ملكا، ومدة ملكهم مائة وستون سنة.

стр. 2733

وفيها عبد الخالق بن فيروز الجوهري الهمذاني الواعظ، أكثر الترحال، وروى عن زاهر والفراوي وطائفة، ولم يكن ثقة ولا مأمونا. قاله في «العبر» [١] . وفيها عبد الوهّاب بن علي القرشي الزّبيري الدمشقي الشّروطي، ويعرف بالحبقبق، والد كريمة. روى عن جمال الإسلام أبي الحسن السّلمي وجماعة، وتوفي في صفر. وفيها الشّاطبي أبو محمد القاسم بن فيرّه- بكسر الفاء وسكون التحتية وتشديد الراء المضمومة، معناه بالعربي الحديد- بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرّعيني- بضم الراء وفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية وبعدها نون، نسبة إلى ذي رعين، أحد أقيال اليمن- الشّاطبي الضرير المقرئ، صاحب القصيدة التي سمّاها «حرز الأماني ووجه التهاني» في القراءات وعدتها ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتا، ولقد أبدع فيها كل الإبداع، وهي عمدة قرّاء هذا الزمان في نقلهم، ولم يسبق إلى أسلوبها. روي عنه أنه كان يقول: لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلّا وينفعه الله ، لأنني نظمتها لله تعالى مخلصا في ذلك، ونظم قصيدة دالية خمسمائة بيت، من حفظها أحاط علما بكتاب «التمهيد» لابن عبد البرّ، وكان عالما بكتاب الله تعالى، قراءة، وتفسيرا، وبحديث رسول الله- ﷺ مبرزا فيه، وكان إذا قرئ عليه «صحيح» البخاري ومسلم، و «الموطأ» يصحح النسخ من حفظه ويملي النّكت على المواضع المحتاج إليها، وكان أوحد في علم النحو واللغة، عارفا بعلم الرؤيا، حسن المقاصد، مخلصا فيما يقول ويفعل. قرأ القرآن العظيم بالروايات على ابن هذيل الأندلسي وغيره، وسمع الحديث من ابن سعادة

стр. 2734

وغيره، وانتفع به خلق كثير، وكان يتجنب فضول الكلام، ولا ينطق في سائر أوقاته إلّا بما تدعو إليه ضرورة، ولا يجلس للإقراء إلّا على طهارة في هيئة حسنة، وتخشّع واستكانة، وكان يعتل العلّة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوه، وإذا سئل عن حاله قال: العافية، لا يزيد على ذلك، وكان كثيرا ما ينشد هذا اللغز في نعش الموتى: أتعرف شيئا في السماء نظيره ... إذا سار صاح النّاس حيث يسير فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا ... وكلّ أمير يعتليه أسير يحضّ على التّقوى ويكره قربه ... وتنفر منه النفس وهو نذير ولم يستزر عن رغبة في زيارة ... ولكن على رغم المزور يزور وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وكان ثقة في نفسه، وتوفي في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة، ودفن بتربة القاضي الفاضل بالقرافة، وقبره مشهور مزور، وكان شافعي المذهب كما ذكره ابن شهبة في «طبقاته» [١] . وفيها أبو مدين الأندلسيّ [٢] الزاهد العارف شيخ أهل المغرب، شعيب بن الحسين، سكن تلمسان، وكان من أهل العمل والاجتهاد، منقطع القرين في العبادة والنسك، بعيد الصيت، ويسميه الشيخ محيي الدّين بن عربي بشيخ الشيوخ، ونشر الله ذكره، وتخرّج به جماعة من الفضلاء، كأبي عبد الله القرشي وغيره، وانتهى إليه كثير من العلماء المحقّقين وفضلاء الصالحين، كابن عربي، وله في الحقائق كلام واسع. ومن شعره: يا من علا فرأى ما في الغيوب وما ... تحت الثّرى وظلام الليل منسدل

стр. 2735

أنت الغياث لمن ضاقت مذاهبه ... أنت الدّليل لمن حارت به الحيل إنّا قصدناك والآمال واثقة ... والكلّ يدعوك ملهوف ومبتهل فإن عفوت فذو فضل وذو كرم ... وإن سطوت فأنت الحاكم العدل طلبه سلطان المغرب، فلما وصل إلى تلمسان قال: ما لنا وللسلطان، نزور الإخوان، ثم نزل واستقبل القبلة وتشهّد وقال: ها قد جئت ها قد جئت وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ٢٠: ٨٤ [طه: ٨٤] فمات، ودفن في جبّانة العبّاد، وقد قارب الثمانين، وقبره بها مشهور مزور. وفيها ابن الفخّار أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن خلف الأنصاري المالقي [١] الحافظ، صاحب أبي بكر بن العربي. أكثر عنه، وعن شريح وخلق، وكان إماما ثقة مأمونا معروفا يسرد المتون والأسانيد، عارفا بالرجال واللغة، جليل القدر، طلبه السلطان ليسمع منه بمرّاكش فمات بها في شعبان وله ثمانون سنة. وفيها محمد بن عبد الملك بن بونة العبدري [٢] المالقي، ابن البيطار نزيل غرناطة، وآخر من روى بالإجازة عن أبي علي بن سكّرة. سمع أبا محمد بن عتّاب، وأبا بحر بن العاص، وعاش أربعا وثمانين سنة. وفيها فخر الدّين بن الدّهّان محمد بن علي بن شعيب البغدادي الفرضي [٣] الحاسب الأديب، النحوي الشاعر، جال في الجزيرة، والشام، ومصر، وصنّف الفرائض على شكل المنبر، فكان أول من اخترع ذلك، وله «تاريخ» [٤] وألّف كتاب «غريب الحديث» في مجلدات، وصنّف في النجوم،

стр. 2736

والزيج، وكان أحد أذكياء العالم، مات فجأة بالحلّة. وفيها مصلح الدّين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن محمد ابن عبد الله ابن عبد الملك الأصبهاني الحمّامي [١] الحنبلي العابد الأديب الجورتاني- نسبة إلى جورتان [٢] من قرى أصبهان-. ولد سنة خمسمائة في رجب، وسمع من أبي علي الحداد وغيره. قال ابن النجّار: كان فقيها فاضلا كامل المعرفة بالأدب، وأكثر أدباء أصبهان من تلامذته، وكان متدينا حسن الطريقة صدوقا. انتهى. وكان يقول لما بلغ عقد الثمانين: أسأل الله تعالى أن يمهلني إلى التسعين، وأن يوفقني كل يوم لختمة، فاستجيبت دعوته. وقال ابن النجار: سمعت أبا البركات الرّويدشتيّ [٣] بأصبهان يقول: توفي محمد بن أحمد الحنبلي- يعرف بالحمامي- أستاذ الأئمة يوم الأربعاء ثالث عشر شهر ربيع الآخر. وقال ابن رجب: توفي قبله بيسير ولده أبو بكر أحمد، وكان سمع سعيد ابن أبي الرجاء وغيره، وكان يلقب أمين الدّين. انتهى. وفيها أبو عبد الله، ويقال أبو الفتح، محمد بن عبد الله بن الحسين ابن علي بن أبي طلحة نصر بن أحمد بن محمد بن جعفر البرمكي الهروي الإشكيذباني- بكسر الهمزة، وسكون الشين المعجمة، وكسر الكاف، وسكون الياء التحتية، وفتح الذال المعجمة وبعدها باء موحدة مفتوحة، وبعد

стр. 2737

الألف نون. قاله المنذري [١]- كان حنبليا محدّثا، نزل مكّة، فكان عظيم الحنابلة بها. ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وسمع بهمذان من أبي الوقت، وأبي الفضل بن حمّان [٢] وغيرهما، وببغداد من ابن النحّاس وغيره، وبمصر من أبي الطاهر الزيّات، وبالإسكندرية من الحافظ السّلفي، وحدّث بمكة، ومصر، والإسكندرية، وأقام بمكة في آخر عمره وأمّ بها في موضع الحنابلة. قال ابن الحنبلي ناصح الدّين: سمعت منه بقراءته جزءا بمكة، وكان في عزمي أنني أدخل اليمن، وقد هيأت هدية لصاحبها من طرف دمشق، فاستشرته فقال: أنت أعلم. ثم قال: قرأنا ها هنا جزءا من أيام فجاء فيه عن بعض السلف علامة قبول الحجّ: أن الإنسان لا ينصرف عن مكّة طالبا للدّنيا، فزهدت في اليمن ورجعت عن ذلك العزم. وفيها الشيخ الأجل إمام الحرم مكيّ بن نابت- بالنون- بن أبي زهرة الحنبلي [الغضاري] [٣] ، بمصر ليلة السادس من شهر ربيع الآخر. ذكره المنذري ولم يزد عليه. وفيها أبو الكرم علي بن عبد الكريم بن أبي العلاء العطّار العبّاسي الهمذاني [٤] مسند همذان. حدّث سنة خمس وثمانين عن أبي غالب العدل، وفيد الشعراني [٥] .

стр. 2738

وفيها جاكير الزاهد القدوة، أحد شيوخ العراق، واسمه محمد بن رستم [١] الكردي الحنبلي، له أصحاب وأتباع وأحوال وكرامات. قاله في «العبر» . وقال السخاوي: له كرامات ولم يتزوج، وله زاوية وضريح براذان، وهي على بريد من سامرا [٢] وأن أخاه الشيخ أحمد قعد بعده في المشيخة. وقال ابن الأهدل: لما شاع ذكره بعث إليه تاج العارفين أبو الوفاء طاقيته من الشيخ علي الهيتي ولم يكلفه الحضور، فقال الشيخ علي الهيتي: سألت الله أن يكون جاكير من مريديّ فوهبه لي، وكان يفتخر به وينوه بذكره، وكان ربما عرف ما في بطون البهائم المنذورة له ومن يذبحها ومن يأكلها. سكن صحراء من صحاري العراق على يوم من سامرا ومات بها، فبني إلى جانبه قرية بنيت للتبرك به. انتهى.

стр. 2739

سنة إحدى وتسعين وخمسمائة فيها كانت وقعة الزلّاقة بالأندلس [بين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وبين ألفنش [١] المتغلب على أكثر جزيرة الأندلس] [٢] فدخل يعقوب وعديّ من زقاق سبته في مائة ألف وأما المطوّعة فقل ما شئت، وأقبل ألفنش [١] في مائتي ألف وأربعين ألفا، فانتصر الإسلام وانهزم الكلب في عدد يسير، وقتل من الفرنج كما أرخ أبو شامة [٣] وغيره مائة ألف وستة وأربعون ألفا، وأسر ثلاثون ألفا، وغنم المسلمون غنيمة لم يسمع بمثلها، حتّى أبيع السّيف بنصف درهم، والحصان بخمسة دراهم، والحمار بدرهم، وذلك في شعبان. وفيها توفي أبو الحسن إسماعيل بن أبي سعد بن علي بن إبراهيم بن محمد الأصبهاني المحدّث، ويعرف بطاهريته [٤] الحنبلي. سمع الكثير، وحصّل الأصول، وحدّث ببغداد، قدمها حاجّا عن فاطمة الجوزدانية، وفاطمة

стр. 2740

بنت محمد بن أحمد بن البغدادي، وسمع منه أبو الفتوح بن الحصري وغيره، وكان شيخا صالحا صدوقا، توفي في صفر. وفيها ذاكر بن كامل الخفّاف البغدادي [١] أخو المبارك. سمّعه أخوه من أبي علي الباقرحيّ، وأبي علي بن المهدي، وأبي سعيد بن الطّيوري، والكبار، وكان صالحا خيّرا صوّاما، توفي في رجب. وفيها أبو الحسن شجاع بن محمد بن سيدهم المدلجي، المصري [٢] المقرئ الفقيه المالكي النحوي. قرأ القراءات على ابن الحطيئة [٣] ، وسمع من جماعة، وتصدّر بجامع مصر، وتوفي في ربيع الآخر، وآخر أصحابه الكمال الضرير. وفيها أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبيد الله الحجري الأندلسي المريّيّ [٤] ، الحافظ الزاهد القدوة، أحد الأعلام. ولد سنة خمس وخمسمائة، وقرأ «صحيح البخاري» على شريح، وسمع فأكثر عن أبي الحسن بن مغيث، وابن العربي، والكبار، وتفنن في العلوم، وبرع في الحديث، وطال عمره وشاع ذكره، وكان قد سكن سبتة، فدعاه السلطان إلى مرّاكش ليسمع منه، وكان غاية في العدالة في هذا الشأن، توفي في أول صفر. وفيها أبو محمد عبد المؤمن بن عبد الغالب بن محمد بن طاهر بن

стр. 2741

خليفة بن محمد بن حمدان الشيباني البغدادي الورّاق [١] الفقيه الحنبلي. ولد في شهر ربيع الآخر سنة سبع عشرة وخمسمائة، وسمع ببغداد من القاضي أبي بكر بن عبد الباقي، وابن الطّلّاية، وابن الزّاغوني وغيرهم، وبهمذان من أبي الخير الباغبان وغيره، وحدّث وسمع منه ابن القطيعي، وقال: كان له صلاح ودين زائد، وروى عنه ابن خليل الحافظ وغيره، وتوفي يوم عرفة ودفن بباب حرب. وفيها أبو الحسن علي بن هلال بن خميس الواسطي الفاخراني- نسبة إلى بيع الفخّار [٢]- الضرير ويلقب معين الدّين. ذكره المنذري [٣] فقال: تفقّه على مذهب الإمام أحمد، وسمع من أبي الحسين بن عبد الخالق، وأبي الفرج بن صدقة، وخديجة بنت أحمد النّهرواني، وغيرهم، وحدّث، وهو منسوب إلى الفخرانية قرية من سواد واسط، توفي في حادي عشري ذي الحجة. انتهى.

стр. 2742

سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة فيها التقى يعقوب صاحب المغرب وألفنش [١] فهزمه أيضا يعقوب، ولله الحمد، وساق وراءه إلى طليطلة وحاصره، وضربها بالمجانيق، فخرجت والدة ألفنش [١] وحريمه، وبكين بين يدي يعقوب، فرقّ لهنّ ومن عليهنّ، ولولا ابن غانية الملثم وهيجه ببلاد المغرب لافتتح يعقوب عدة مدن للفرنج، لكنه رجع لحرب غانية. وفيها هبّت ريح سوداء عمّت الدّنيا، وذلك بعد خروج الناس من مكة، ووقع على الناس رمل أحمر، ووقع من الركن اليمانيّ قطعة، وتحرك البيت الحرام [مرارا] ، وهذا شيء لم يعهد [منذ بناه عبد الله بن الزّبير، ﵄] [٢] . وفيها ظهر ببوصير- قرية بصعيد مصر- بيت هرمس الحكيم [٣] ، وفيه

стр. 2743

أمثلة كباش، وضفادع، وقوارير، كلها كاس، وفيه أموات لم تبل ثيابهم. وفيها توفي أبو الرّضا أحمد بن طارق الكركي ثم البغدادي، التاجر المحدّث. سمع من ابن ناصر، وأبي الفضل الأرموي، وطبقتهما فأكثر، ورحل إلى دمشق ومصر، وهو من كرك نوح، وكان شيعيّا جلدا. قاله في «العبر» [١] . وفيها نجيب الدّين أبو عبد الله حامد بن محمد بن حامد الصفّار الأصفهاني [٢] ، الفقيه الحنبلي، المحدّث الإمام. سمع أباه أبا جعفر محمد، وأبا طاهر بن نصر، وجماعة بأصبهان، وبهمذان أبا زرعة المقدسي، وأبا العلاء العطّار [٣] ، وقدم بغداد حاجّا سنة ثمان وثمانين، وسمع بها من جماعة، وقرأ على ابن الجوزي مناقب الإمام أحمد، وحدّث بها باليسير، وكتب عنه ابن النّفيس. قال ابن النجّار: كان فقيها حنبليا فاضلا، له معرفة بالحديث. انتهى. وفيها الإمام فخر الدّين قاضي خان [الحسن بن منصور] [٤] بن

стр. 2744

محمود بن عبد العزيز الأوزجندي [١] الإمام الكبير، بقية السلف، مفتي الشرق، من طبقة المجتهدين في المسائل. أخذ عن الإمام ظهير الدّين المرغيناني، وإبراهيم بن إسماعيل الصفّار، وتفقّه عليه شمس الأئمة الكردري [٢] ، وله «الفتاوى» و «شرح الجامع الصغير» . قاله ابن كمال باشا في «طبقاته» [٣] . وفيها تقي الدّين أبو الفضل إلياس بن حامد بن محمود بن حامد بن محمد ابن أبي الحجر الحرّاني [٤] الفقيه الحنبلي المحدّث. سمع ببغداد من شهدة وغيرها. قال ناصح الدّين بن الحنبلي: وكان رفيقي في درس شيخنا ابن المنّي، وسكن الموصل إلى أن توفي بها في سلخ شوال، وولي مشيخة دار الحديث بها، وكان حسن الطريقة، وسمع منه بدل التبريزي. وفيها سعد بن أحمد بن مكّي النّيلي [٥]- بكسر النون نسبة إلى نيل بلد على الفرات [٦]- المؤدب الشاعر، أكثر شعره مديح في أهل البيت. قال العماد: كان غاليا في التشيع حاليا بالتورع، عالما بالأدب.

стр. 2745

ومن شعره: قمر أقام قيامتي بقوامه ... لم لا يجود لمهجتي بذمامه ملّكته كبدي فأتلف مهجتي ... بجمال بهجته وحسن كلامه وبمبسم عذب كأنّ رضا ... به شهد مذاب في عبير [١] مدامه وهي طويلة. وفيها الشيخ السّديد، شيخ الطبّ بالدّيار المصرية، شرف الدّين عبد الله بن علي [٢] . أخذ الصناعة عن الموفّق بن المعين، وخدم العاضد صاحب مصر، ونال الحرمة والجاه العريض، وعمّر دهرا، وأخذ عنه نفيس الدّين بن الزّبير. وحكى بعضهم أن الشيخ السّديد حصل له في يوم ثلاثون ألف دينار. وحكى عنه ابن الزّبير تلميذه، أنه طهّر ولدي الحافظ لدّين الله، فحصل له من الذّهب نحو خمسين ألف دينار. وفيها عبد الخالق بن عبد الوهّاب بن محمد الصّابوني المالكي الخفّاف [٣] الحنبلي أبو محمد الضرير. سمّعه أبوه من أبي علي الباقرحي، وعلي بن عبد الواحد الدّينوري، وطائفة، وتوفي في ذي الحجّة. قاله في «العبر» . ومن شعره: دع النّاس طرّا واصرف الودّ عنهم ... إذا كنت في أخلاقهم لا تسامح فشيئان معدومان في الأرض درهم ... حلال وخلّ في الحقيقة ناصح

стр. 2746

وفيها أبو الغنائم بن المعلّم، شاعر العراق، محمد بن علي بن فارس بن علي بن عبد الله بن الحسين بن القاسم الواسطي الهذلي، الملقب نجم الدّين [١] الشاعر المشهور. كان شاعرا رقيق الشعر، لطيف حاشية الطبع، يكاد شعره يذوب من رقته، وهو أحد من سار شعره وانتشر ذكره ونبه بالشعر قدره وحسن به حاله وأمره وطال في نظم القريض عمره، وساعده على قوله زمانه ودهره. يغلب على شعره وصف الشوق والحب، وذكر الصّبابة والغرام. وذكر بعضهم أن سبب لطافة شعر ابن المعلّم حفظ المنتسبين للشيخ أحمد بن الرفاعي لشعره واعتناؤهم به في سماعاتهم، فعادت عليه بركة أنفاسهم. قال ابن خلّكان: وبالجملة فشعره يشبه النّوح، لا يسمعه من عنده أدنى هوى إلّا فتنة وهاج غرامه، وكان بينه وبين ابن التّعاويذي تنافس. ومن شعر ابن المعلّم قوله من قصيدة: ردّوا عليّ شوارد الأظعان ... ما الدار إن لم تغن من أوطاني [ومنها:] ولكم بذاك الجذع من متمنّع ... هزأت معاطفه بغصن البان وقوله: كم قلت إيّاك العقيق فإنّه ... ضربت جآذره بصيد أسوده وأردت صيد مها الحجاز فلم يسا ... عدك القضاء فرحت بعض صيوده وله من قصيدة:

стр. 2747

أجيرتنا إنّ الدّموع التي جرت ... رخاصا على أيدي النّوى لغوالي أقيموا على الوادي ولو عمر ساعة ... كلوث إزار أو كحلّ عقال فكم ثمّ لي من وقفة لو شريتها ... بنفسي لم أغبن فكيف بمالي وكانت ولادته في ليلة سابع عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسمائة، وتوفي رابع رجب بالهرث- بضم الهاء وسكون الراء وبعدها ثاء مثلثة قرية من أعمال نهر جعفر بينها وبين واسط نحو عشرة فراسخ- وكانت وطنه ومسكنه إلى أن توفي بها. وفيها ابن القصّاب الوزير الكبير مؤيد الدّين أبو الفضل محمد بن علي البغدادي [١] المنشئ البليغ، وزر [وسار بالعساكر، ففتح همذان وأصبهان، وحاصر الرّيّ، وصارت له هيبة عظيمة في النّفوس. توفي] بظاهر همذان في شعبان، وقد نيّف على السبعين [٢] وردّ العسكر [٣] ، فلما جاء خوارزم شاه نبشه [٤] وحزّ رأسه وطوّف به بخراسان. وفيها المجير الإمام أبو القاسم محمود بن المبارك الواسطي ثم البغدادي [٥] ، الفقيه الشافعي، أحد الأذكياء والمناظرين. ولد سنة سبع عشرة وخمسمائة، وتفقّه بالنظامية على أبي منصور بن الرزّاز وغيره، وأخذ علم الكلام عن أبي الفتوح محمد بن الفضل الإسفراييني، وصار المشار إليه في زمانه، والمقدّم على أقرانه. حدّث عن

стр. 2748

أبي الحسين وجماعة، ودرّس بالنظامية، وكان ذكيا طوالا غوّاصا على المعاني. قدم دمشق وبنيت له مدرسة جاروخ [١] ثم توجه إلى شيراز وبنى له ملكها مدرسة، ثم أحضره ابن القصّاب وقدّمه. قال ابن شهبة [٢] : قال ابن الدّبيثي: ما رأينا أجمع لفنون العلم منه، مع حسن العبارة. قال: وخرج رسولا إلى خوارزم شاه إلى أصبهان، فمات بهمذان في ذي القعدة. وفيها يوسف معالي الأطرابلسي ثم الدّمشقي الكتّاني البزّار [٣] المقرئ. روى عن هبة الله بن الأكفاني وجماعة، وتوفي في شعبان.

стр. 2749

سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة في شوال افتتح العادل يافا [١] عنوة، وكانت لها [٢] مدّة في يد الفرنج. وفيها أخذت الفرنج من المسلمين بيروت، وهرب أميرها عز الدّين سامة [٣] إلى صيدا. وفيها توفي سيف الإسلام الملك العزيز طغتكين بن أيوب بن شاذي [٤] ، أرسله أخوه صلاح الدّين، فتملّك اليمن، وكان بها نوّاب أخيهما شمس الدولة، وبقي بها بضع عشرة سنة، وكان شجاعا سايسا فيه ظلم، رحل إليه ابن عنين إلى اليمن لما نفاه صلاح الدّين لهجوه للناس، فامتدحه بقصيدة لامية، ومدح فيها دمشق أولها [٥] :

стр. 2750

حنين إلى الأوطان ليس يزول ... وقلب عن الأشواق ليس يحول ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... وظلّك في مقرى [١] عليّ ظليل دمشق فبي شوق إليها مبرّح ... وإن لجّ واش أو ألحّ عذول بلاد [٢] بها الحصباء درّ وتربها ... عبير وأنفاس الشمال شمول تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق ... وصحّ نسيم الرّوض وهو عليل وفي كبدي من قاسيون حرارة ... تزول رواسيه وليس تزول وو الله ما فارقتها عن ملالة ... سواي عن العهد القديم يحول ولكن أبت أن تحمل الضّيم همّتي ... ونفس لها فوق السّماك حلول فإنّ الفتى يلقى المنايا مكرّما ... ويكره طول العمر وهو ذليل [٣] وكيف أخاف الدّهر [٤] أو أحرم الغنى ... ورأي ظهير الدّين في جميل فتى الجدّ [٥] أمّا جاره فمكرّم [٦] ... عزيز وأمّا ضدّه فذليل من القوم أمّا أحنف فمسفّه ... لديه وأمّا حاتم فبخيل [٧]

стр. 2751

وأمّا عطايا كفّه فسوابغ ... عذاب وأما ظلّه فظليل فأجزل صلته واكتسب من جهته مالا وافرا، وخرج به من اليمن وسلطانها يومئذ الملك العزيز عثمان بن صلاح الدّين، فألزمه بدفع الزكاة من المتاجر التي وصلت معه من اليمن فقال [١] : ما كلّ من يتسمّى بالعزيز لها ... أهل ولا كلّ برق سحبه غدقه [٢] بين العزيزين بون في فعالهما ... هذاك يعطي وهذا يأخذ الصّدقه وكان طغتكين صاحب الترجمة، محمود السيرة مع ظلم وعسف، ولما كثر عليه الذهب سبكه وجعله مثل الطواحين، ومات بالمدينة التي أنشأها باليمن، يقال لها المنصورة، وقام من بعده ولده إسماعيل الذي سفك الدماء، وقال: إنه أمويّ وادّعى الخلافة. وفيها تقي الدّين أبو محمد طلحة بن مظفر [٣] بن غانم بن محمد العلثي- بفتح العين المهملة وسكون اللام ومثلثة، نسبة إلى علث قرية بين عكبرا وسامرّا- الفقيه الحنبلي الخطيب المحدّث الفرضي النظّار المفسر الزاهد الورع [٤] العارف. نشأ في العلث، وحفظ الكتاب العزيز، وقرأ على البطائحي، والبرهان ابن الحصري، وغيرهما. وقرأ الفقه على ابن المنّي، وسمع الحديث الكثير، وقرأ «صحيح مسلم» .

стр. 2752

وكان متواضعا لطيفا أديبا في مناظرته لا يسفه على أحد، فقيرا مجردا، ويرحم الفقراء ولا يخالط الأغنياء، وروى عن ابن الجوزي ولازمه وقرأ عليه كثيرا من تصانيفه، وكان أديبا شاعرا فصيحا، واشتهر اسمه ورزق القبول من الخلق، وكثر أتباعه وانتفع به الناس، وروى عنه [١] ابن الجوزي في «تاريخه» حكاية فقال: حدثني طلحة بن مظفّر الفقيه أنه ولد عندهم بالعلث مولود لستة أشهر، فخرج وله أربعة أضراس. قال المنذري: توفي في ثالث عشر ذي الحجة بالعلث ودفن بزاويته هناك. وفيها الوزير جلال الدّين عبيد الله [٢] بن يونس بن أحمد بن عبيد الله ابن هبة الله البغدادي الأزجي، الفقيه الحنبلي الفرضي، الأصولي المتكلم، وزير الخليفة الناصر جلال الدّين، تفقّه في الأصلين، والحساب، والهندسة، والجبر، والمقابلة، ورحل في طلب العلم إلى همذان، وصنّف وعني بالحديث، والفرائض، والحساب، وسمع ممن لا يحصى، وسمع منه جماعة لا تحصر، منهم: ابن دلف، وابن القطيعي، وبالغ في مدحه والثناء عليه. وذكر ابن النجار: أنه لم يكن في ولايته محمودا، وقد علمت أن الناس لا يجتمعون على حمد شخص ولا ذمه. وأما أبو شامة [٣] فإنّه بالغ في ذمه والحطّ عليه بأمور لم يقم عليها حجّة. وكذلك ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» قال بعد أن أثنى عليه: غير أنه

стр. 2753

شان فضيلته برأيه الفاسد وأفعاله السيئة، فإنه خرّب بيت الشيخ عبد القادر الكيلاني وشتّت أولاده، ويقال: إنه بعث في الليل من نبش قبر الشيخ عبد القادر الكيلاني ورمى عظامه في اللّجّة [١] وقال: هذا وقف ما يحلّ أن يدفن فيه أحد [٢] . ولما اعتقله الخليفة كتبوا فيه فتاوى أنه كان سبب هزيمة العسكر، فذكروا أشياء فأفتوا بإباحة دمه، فسلّم إلى الوزير ابن القصّاب واعتقله في بيت للسلاح، فأخرج منه ميتا. انتهى. وفيها أبو بكر بن الباقلّاني [٣] مقرئ العراق، عبد الله بن منصور بن عمران الرّبعي الواسطي، تلميذ أبي العزّ القلانسي، وآخر أصحابه، روى الحديث عن خميس الحوزيّ [٤] ، وأبي عبد الله البارع، وطائفة، وتوفي في سلخ ربيع الأول وله ثلاث وتسعون سنة وثلاثة أشهر. وفيها أبو محمد عبد الوهّاب بن الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلي ثم البغدادي الأزجي [٥] الفقيه الحنبلي الواعظ. ولد في ثاني شعبان سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. ذكر أبو شامة: أنه سمع من ابن الحصين، وابن السمرقندي.

стр. 2754

وذكر ابن القادسي: أنه سمع من ابن الحصين، وابن الزّاغوني، وابن البنا، وغيرهم. وأسمعه والده في صباه من أبي غالب بن البنا وغيره. وقرأ الفقه على والده حتّى برع، ودرّس نيابة عن والده بمدرسته، وهو حيّ وقد نيّف على العشرين من عمره، ثم استقلّ بالتدريس بها بعده، ثم نزعت منه لابن الجوزي، ثم ردّت إليه، وتولى المظالم للناصر سنة ثلاث وثمانين، وكان كيّسا ظريفا من ظرفاء أهل بغداد، ولم يكن في أولاد أبيه أفقه منه. كان فقيها فاضلا، له كلام حسن في مسائل الخلاف، فصيحا في الوعظ وإيراد الملح مع عذوبة الألفاظ، مليح النّادرة، ذا مزح ودعابة وكياسة. قال أبو شامة: قيل له يوما على مجلس وعظه: ما تقول في أهل البيت؟ فقال: قد أعموني، وكان أعمش أجاب عن بيت نفسه. وروى عنه ابن الدّبيثي، وابن الغزّال الواعظ، وابن خليل [١] وأجاز لمحمد بن يعقوب، وتوفي ليلة الأربعاء خامس عشري شوال. وفيها قاضي القضاة أبو طالب علي بن علي بن هبة الله بن محمد بن البخاري [٢] البغدادي الشافعي. سمع من أبي الوقت، وولي القضاء سنة اثنتين وثمانين، ثم عزل، ثم أعيد سنة تسع وثمانين. وفيها محمد بن حيدرة بن أبي البركات عمر بن إبراهيم بن محمد أبو المعمّر الحسيني الزّيدي الكوفي [٣] . سمع من جدّه، وهو آخر من حدّث عن أبي النّرسي، وكان رافضيا.

стр. 2755

وفيها أبو البركات، ويقال أبو الثناء، محمود بن أحمد بن ناصر البغدادي الحربي الحذّاء [١] . سمع من ابن الطّلّاية، وعبد الخالق بن يوسف، وغيرهما، وتفقّه في مذهب أحمد، وأقرأ الفقه وحدّث، وتوفي في شهر ربيع الآخر ببغداد. وفيها أبو إسحاق، ويقال أبو الحزم، مكّي بن أبي القاسم بن عبد الله بن معالي بن عبد الباقي بن العرّاد البغدادي المأموني [٢] ، الفقيه الحنبلي المحدّث. ولد سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وسمع من ابن ناصر، والأرموي، وابن البنا، وغيرهم، واعتنى بهذا الشأن، ولم يزل يقرأ ويسمع إلى آخر عمره، وهو ثقة صحيح السماع، وقد نسبه القطيعي إلى التساهل والتسامح. وروى عنه ابن خليل، والبلداني، وغيرهما، وتوفي ليلة الجمعة سادس المحرم ببغداد، ودفن بباب حرب مجاورا قبر بشر الحافي. وفيها ناصر بن محمد أبو الفتح الأصبهاني القطّان [٣] . روى الكثير عن جعفر الثقفي، وإسماعيل بن الإخشيذ، وخلق، وتوفي في ذي الحجّة، وأكثر عنه الحافظ ابن خليل. وفيها أبو القاسم يحيى بن أسعد بن بوش الأزجي الحنبلي الخبّاز [٤] سمع الكثير من أبي طالب اليوسفي، وأبي سعد بن الطّيوري، وأبي علي الباقرحي، وطائفة، وكان عاميّا. مات شهيدا غصّ بلقمة فمات في ذي القعدة، عن بضع وثمانين سنة، وله إجازة [من] ابن بيان. قاله في «العبر» .

стр. 2756

سنة أربع وتسعين وخمسمائة فيها استولى علاء الدّين بن خوارزم شاه تكش على بخارى، وكانت لصاحب الخطا لعنه الله، وجرى له معه حروب وخطوب ثم انتصر تكش وقتل خلق من الخطا. وفيها توفي أبو علي الفارسي [١] ، الزاهد، واسمه الحسن بن مسلم الحنبلي الفارسي، من قرية بنهر عيسى يقال لها الفارسية. كان أحد الأبدال وزاهد العراق. سمع وتفقّه بأبي ذرّ الكرخي، وكان متبتلا أقام أربعين سنة لا يكلّم أحدا من الناس، صائم الدّهر، قائم الليل، يقرأ كل يوم وليلة ختمة. وكانت السباع تأوي إلى زاويته، والخليفة وأرباب الدولة يمشون إلى زيارته. حكي أن فقيرا احتلم بزاويته في ليلة باردة، فنزل إلى النهر ليغتسل، فجاء السبع فنام على جبته، وكاد الفقير يموت من البرد والخوف، فخرج الشيخ حسن وجاء إلى السبع فضربه بكمه وقال: يا مبارك لم تتعرض لضيفنا، فقام السبع يهرول، وتوفي بالفارسية في المحرم وقد بلغ التسعين.

стр. 2757

وفيها جرديك [١] أحد أكابر أمراء الدولتين النّورية والصّلاحية. حضر جميع الفتوحات، وهو الذي قتل شاور بمصر، وابن الخشّاب بحلب، وكان فارس الإسلام. وفيها صاحب سنجار الملك عماد الدّين زنكي بن قطب الدّين مودود ابن أتابك زنكي [٢] تملّك حلب بعد ابن عمه الصالح إسماعيل فسار السلطان صلاح الدّين فنازله، ثم أخذ منه حلب وعوّضه بسنجار فملكها إلى هذا الوقت، ونجد صلاح الدّين على عكا، وكان عادلا متواضعا موصوفا بالبخل، وتملّك بعده ابنه قطب الدّين محمد. وفيها تقي الدّين أبو الحسين وأبو الخير، سلامة بن إبراهيم بن سلامة الحدّاد [٣] القبّاني الدّمشقي المحدّث الفقيه الحنبلي. سمع من ابن هلال، وابن الموازيني، وغيرهما من مشايخ دمشق، وعني بالحديث، وأمّ بحلقة الحنابلة بجامع دمشق، وكان ثقة صالحا، وابن نقطة الحافظ يعتمد على خطّه وينقل عنه في «استدراكه» . قال ابن الحنبلي: كان حسن السمت، يحفّ شاربه ويقصّر ثوبه، ويأكل من كسب يده، ويعمل القبابين ويعتمد عليه في تصحيحها. وروى عنه ابن خليل في «معجمه» وتوفي سابع عشري ربيع الآخر. وفيها أبو الفضائل الكاغدي الخطيب، عبد الرحيم بن محمد

стр. 2758

الأصبهاني [١] المعدّل. روى عن أبي علي الحدّاد وعدة، وتوفي في ذي القعدة. وفيها أبو طاهر الأصبهاني علي بن سعيد بن فاذشاه [٢] . روى عن الحداد [٣] أيضا ومات في ربيع الأول. وفيها أبو الهيجاء مقدّم الأكراد، ويعرف بالسّمين [٤] ، بعثه الخليفة إلى همذان فلم يتمّ أمره وتفرّق عنه أصحابه، فاستحيا أن يعود إلى بغداد، فطلب الشام فلما وصل إليها مرض، وكان نازلا على تلّ، فقال: ادفنوني فيه، فلما مات حفر له قبر على رأس التلّ فظهرت بلاطة عليها اسم أبيه فدفنوه عليه. وفيها أبو الحسن علي بن موسى بن محمد بن خلف الأنصاري [٥] نزيل فاس وخطيبها ومصنّف «شذور الذهب» في صنعة الكيمياء، الذي لم ينظم أحد في الكيمياء مثل نظمه، حتّى قيل إنه إن لم يعلمك صنعة الذّهب علّمك صنعة الأدب، وإن فاتك ذهبه لم يفتك أدبه، ويعرف بابن أرفع رأس [٦] ويقال: هو شاعر الحظ، حكيم الشعر. وفيها مجاهد الدّين قايماز الخادم الرّومي [٧] الحاكم على الموصل، وهو الذي بنى الجامع المجاهدي، والمدرسة، والرّباط، والمارستان بظاهر

стр. 2759

الموصل على دجلة، وأوقف عليه الأوقاف، وكان عليه رواتب كثيرة بحيث لم يدع في الموصل بيت فقير إلّا وأغنى أهله، وكان ديّنا صالحا يتصدق كل يوم خارجا عن الرواتب بمائة دينار، وكان يصوم في السنة ستة أشهر، ومدحته الشعراء، منهم ابن التّعاويذي بقصيدة أولها: عليل الشّوق فيك متّى يصحّ ... وسكران بخبل كيف يصحو فأعطاه ألف دينار. وفيها قوام الدّين بن زبادة يحيى بن سعيد بن هبة الله الواسطي ثم البغدادي [١] صاحب ديوان الإنشاء ببغداد، ومن انتهت إليه صناعة التّرسل مع معرفته بالفقه، والأصول، والكلام، والنحو، والشعر. أخذ عن ابن الجواليقي، وحدّث عن علي بن الصبّاغ، والقاضي الأرّجاني، وولي نظر واسط، ثم ولي حجابة الحجّاب وغير ذلك، وتوفي في ذي الحجّة. ومن شعره: باضطراب الزّمان ترتفع الأن ... ذال فيه حتّى يعمّ البلاء وكذا الماء ساكنا فإذا حرّ ... ك ثارت من قعره الأقذاء وله أيضا: لا تغبطنّ وزيرا للملوك وإن ... أناله الدّهر منهم فوق همّته واعلم بأنّ له يوما تمور به ال ... أرض الوقور كما مارت لهيبته هارون وهو أخو موسى الشقيق له ... لولا الوزارة لم يأخذ بلحيته

стр. 2760

سنة خمس وتسعين وخمسمائة فيها كانت فتنة فخر الدّين الرّازي، صاحب التصانيف، وذلك أنه قدم هراة ونال إكراما عظيما من الدولة، فاشتد ذلك على الكراميّة، فاجتمع يوما هو والزاهد مجد الدّين بن القدوة، فاستطال فخر الدّين على ابن القدوة وشتمه وأهانه، فلما كان من الغد جلس ابن عم مجد الدّين فوعظ الناس، وقال: رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ٣: ٥٣ [آل عمران: ٥٣] أيها الناس! لا نقول إلّا ما صحّ عن رسول الله- ﷺ وأما قول أرسطو، وكفريات ابن سينا، وفلسفة الفارابي فلا نعلمها فلأي شيء يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذبّ عن دين الله، وبكى فأبكى الناس وضجت الكراميّة وثاروا من كل ناحية، وحميت الفتنة، فأرسل السلطان الجند فسكّنهم، وأمر الرّازي بالخروج. قاله في «العبر» [١] . وفيها كانت بدمشق فتنة الحافظ عبد الغني [٢] ، وكان أمّارا بالمعروف، داعية إلى السّنّة، فقام عليه الأشعرية وأفتوا بقتله، فأخرج من دمشق طريدا. قاله في «العبر» [٣] أيضا. وفيها مات العزيز صاحب مصر أبو الفتح عثمان بن السلطان

стр. 2761

صلاح الدّين يوسف بن أيوب [١] ، توفي في المحرّم عن ثمان وعشرين سنة. وكان شابا مليحا ظريف الشمائل قويا ذا بطش وأيد وكرم وحياء وعفة، بلغ من كرمه أنه لم تبق له خزانة، وبلغ من عفته أنه كان له غلام بألف دينار، فحلّ لباسه، ثم وفّق فتركه وأسرع إلى سريّة له فافتضّها، وأمر الغلام بالتستّر. وأقيم بعده ولده علي فاختلفت الأمراء، وكاتب بعضهم الأفضل، فصار من صرخد إلى مصر وعمل نيابة السلطنة، ثم سار بالجيوش ليأخذ دمشق من عمه، فأحرق العادل الحواضر والسّرب، ووقع الحصار، ثم دخل الأفضل من باب السلامة، وفرحت به العامة وحوصرت القلعة مدة، وكان سبب موت العزيز أنّه خرج إلى الفيّوم يتصيّد فتقنطرت به فرسه فأصابته حمى فمات بعد يومين ودفن بالقرافة قرب الإمام الشافعي، وكان عمره سبعا وعشرين سنة، وخلّف عشرة أولاد أكبرهم ناصر الدّين محمد. وفيها صلب بدمشق الذي زعم أنه عيسى بن مريم وأضلّ طائفة، فأفتى العلماء بقتله. وفيها عبد الخالق بن هبة الله أبو محمد الحريمي بن البندار [٢] الزّاهد. روى عن ابن الحصين وجماعة. قال ابن النجار: كان يشبه الصحابة، ما رأيت مثله، توفي في ذي القعدة. وفيها ابن رشد الحفيد، هو العلّامة أبو الوليد محمد بن أحمد بن العلّامة المفتي أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي [٣] المالكي. أدرك من حياة جده شهرا سنة عشرين، وتفقّه وبرع، وسمع الحديث وأتقن الطب

стр. 2762

وأقبل على الكلام والفلسفة حتّى صار يضرب به المثل فيها، وصنّف التصانيف، مع الذكاء المفرط والملازمة للاشتغال ليلا ونهارا، وتآليفه كثيرة نافعة، في الفقه، والطب، والمنطق، والرياضي، والإلهي، وتوفي في صفر بمرّاكش. وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الملك [١] بن إسماعيل بن عبد الملك بن إسماعيل بن علي الأصبهاني [٢] الواعظ الحنبلي. ولد سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وسمع من أبي علي الحمّامي، والباغبان، وغيرهما. وببغداد من هبة الله بن الشّبلي وخلق، وكان له قبول كثير عند أهل بلده، وقدم بغداد غير مرّة وأملى بها، وسمع منه ابن القطيعي، وابن النجّار، وقال: كان فاضلا صدوقا. وتوفي ليلة الرابع والعشرين من ذي الحجّة. وفيها أبو بكر [٣] بن زهر [٣] محمد بن عبد الملك بن زهر الإيادي الإشبيلي [٤] شيخ الطب وجالينوس العصر. ولد سنة سبع وخمسمائة، وأخذ الصناعة عن جدّه أبي العلاء زهر بن عبد الملك، وبرع ونال تقدّما وحظوة عند السلاطين، وحمل الناس عنه تصانيفه.

стр. 2763

وكان جوادا ممدحا محتشما كثير العلوم. قيل: إنه حفظ «صحيح البخاري» كلّه. قال ابن دحية: كان شيخنا أبو بكر يحفظ شعر ذي الرّمّة، وهو ثلث لغة العرب، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب، توفي بمرّاكش في ذي الحجّة. وفيها أبو جعفر الطّرسوسي محمد بن إسماعيل الأصبهاني [١] الحنبلي. سمع أبا علي الحدّاد، ويحيى بن مندة، وابن طاهر، وطائفة، وتفرّد في عصره، وتوفي في جمادى الآخرة عن أربع وتسعين سنة. وفيها أبو الحسن الجمّال مسعود بن أبي منصور بن محمد الأصبهاني الخيّاط [٢] . روى عن الحدّاد، ومحمود الصّيرفي، وحضر غانما البرجي، وأجاز له عبد الغفّار الشّيروي، وتوفي في شوال. وفيها أبو الفضل الصّوفي منصور بن أبي الحسن الطّبري [٣] الواعظ. تفقّه وتفنّن، وسمع من زاهر الشّحّامي وغيره، وهو ضعيف في روايته [٤] لمسلم [٥] عن الفراوي توفي بدمشق في ربيع الآخر. وفيها جمال الدّين أبو القاسم يحيى بن علي بن الفضل بن هبة الله [٦] ، العلّامة البغدادي، شيخ الشافعية بها، ويعرف بابن فضلان. ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة، وتفقّه على أبي منصور بن الرزّاز

стр. 2764

ببغداد، وبنيسابور على محمد بن يحيى تلميذ الغزالي، وسمع جماعة، وانتفع به خلق كثير، واشتهر اسمه وطار صيته، وكان إماما في الفقه، والأصول، والخلاف، والجدل، مشارا إليه في ذلك، وكان يجري له وللمجير البغدادي بحوث ومحافل، ويشنّع كل منهما على الآخر، وتوفي في شعبان. وفيها المنصور أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي القيسي [١] الملقب بأمير المؤمنين. بويع سنة ثمانين وخمسمائة بعد أبيه وسنّه اثنتان وثلاثون سنة، وكان صافي اللّون، جميلا، أعين، أفوه، أقنى، أكحل، مستدير اللّحية، ضخما، جهوريّ الصوت، جزل الألفاظ، كثير الإصابة بالظنّ والفراسة، خبيرا، ذكيا، شجاعا، مقداما، محبا للعلوم، كثير الجهاد، ميمون التقيّة، ظاهري المذهب، معاديا لكتب الفقه والرأي [٢] ، أباد منها شيئا كثيرا بالحريق، وحمل الناس على التشاغل بالأثر. قاله في «العبر» . وقال ابن الأهدل: طاب حاله وأظهر بهجة ملك عبد المؤمن، وتنصّل للجهاد، وأجرى الأحكام على قانون الشرع، ولقّب أمير المؤمنين كأبيه وجدّه. رحل إلى الأندلس، ورتّب قواعدها، وعزم عليهم في الجهر بالبسملة [٣] في أول الفاتحة، ثم عاد إلى مرّاكش وهي كرسي ملكهم، فجاءه كتاب ملك الفرنج يتهدده، من جملة كتابه: باسمك اللهم فاطر السموات والأرض، وصلّى الله على السيد المسيح روح الله وكلمته، فمزّق يعقوب الكتاب، وكتب على ظهر قطعة منه: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ٢٧: ٣٧ [النّمل: ٣٧] الجواب ما ترى لا ما تسمع، وأنشد:

стр. 2765

ولا كتب إلّا المشرفيّة عندنا ... ولا رسل إلّا الخميس العرمرم [١] ثم سار إليهم وعبر بحر سبتة إلى الأندلس، ثم رحل منها فدخل بلادهم وأوقع بهم وقعة لم يسمع بمثلها، ولم ينج منهم إلّا ملكهم في عدد يسير، وبلغت الدّروع من المغنم ستين ألف درع ولم يحص عدد الدواب، وكان من عادة الموحدين لا يأسرون مشركا بل يقتلونهم، ثم عاد إلى إشبيلية والتمس الفرنج صلحهم فصالحهم، ولو طالت أيامه لم يترك في يدهم مدينة. وبنى بالقرب من سلا مدينة على هيئة الإسكندرية في اتساع الشوارع وحسن التقسيم والتحسين، بناها على جانب البحر المحيط، وسمّاها دار الفتح، ثم رجع إلى مرّاكش، وكان محبا للعلم والعلماء، يصلّي بالناس الخمس ويلبس الصوف، وكان على قدم التواضع وإليه تنسب الدنانير اليعقوبية، وكان قد عزم على علماء زمانه أن لا يقلدوا أحدا من الأئمة الماضين بل تكون أحكامهم بما ينتهي إليه اجتهادهم. قال ابن خلّكان [٢] : أدركنا جماعة منهم على هذا المنهج، مثل أبي الخطّاب بن دحية، وأخيه أبي عمر، ومحيي الدّين بن عربي الطائي نزيل دمشق، وغيرهم، وتوفي يعقوب بمرّاكش وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق لتترحم عليه المارّة، وقيل: إنه تجرّد من الملك وذهب إلى المشرق فمات خاملا. قال اليافعي [٣] : سمعت من لا أشك في صلاحه من المغاربة أن

стр. 2766

شيوخ المغرب راموا أن يعارضوا «رسالة» القشيري وما جمع فيها من المشايخ المشارقة فذكروا إبراهيم بن أدهم، وقالوا: لا تتم لنا المعارضة إلّا بملك مثله، فلما تزهد يعقوب وانسلخ عن الملك تمّ لهم ذلك. وبويع بعد يعقوب لولده محمد الناصر فاسترجع المهدية من الملثم.

стр. 2767

سنة ست وتسعين وخمسمائة قال ابن كثير [١] : في هذه السنة والتي بعدها، كان بديار مصر غلاء شديد، فهلك الغنيّ والفقير، وعمّ الجليل والحقير، وهرب الناس منها نحو الشام، ولم يصل منهم إلّا القليل من الفيام [٢] وتخطفتهم الفرنج من الطرقات وغرّوهم [٣] في أنفسهم واغتالوهم بالقليل من الأقوات. وفيها توفي أبو جعفر [٤] القرطبي أحمد بن علي بن أبي بكر المقرئ الشافعي إمام الكلّاسة وأبو إمامها. ولد سنة ثمان وعشرين بقرطبة، وسمع بها من أبي الوليد بن الدبّاغ [٥] ، وقرأ القراءات على أبي بكر بن صاف [٦] ثم حجّ وقرأ القراءات على ابن سعدون القرطبي، ثم قدم دمشق فأكثر عن الحافظ ابن عساكر، وكتب

стр. 2768

الكثير، وكان عبدا صالحا خبيرا بالقراءات. وفيها أبو إسحاق العراقي [١] العلّامة إبراهيم بن منصور بن المسلّم، الفقيه الشافعي المصري، المعروف بالعراقي. ولد بمصر سنة عشر وخمسمائة، ولقّب بالعراقي لاشتغاله ببغداد، وتفقّه بها على أبي بكر الأرموي تلميذ أبي إسحاق الشيرازي وغيره، وبمصر على القاضي مجلّي، وشرح «المهذب» [٢] في نحو خمسة عشر جزءا متوسطة [٣] ، وتخرّج به جماعة، وتوفي في جمادى الأولى. وفيها إسماعيل بن صالح بن ياسين أبو الطاهر الشّارعيّ [٤] المقرئ الصالح. روى عن أبي عبد الله الرزّاز «مشيخته» و «سداسياته» وتوفي في ذي الحجّة. وفيها أبو سعيد الرّاراني [٥]- براءين مهملتين، نسبة إلى راران قرية بأصبهان- خليل بن أبي الرجاء بدر بن ثابت الأصبهاني الصّوفي. ولد سنة خمسمائة، وروى عن الحدّاد، ومحمود الصّيرفي، وطائفة. وتوفي في ربيع الآخر، وتفرّد بعدة أجزاء. وفيها علاء الدّين خوارزم شاه تكش بن خوارزم شاه أرسلان [٦] بن

стр. 2769

آتز [١] بن محمد بن نوشتكين [٢] ، سلطان الوقت، ملك من السّند، والهند، وما وراء النهر، إلى خراسان، إلى بغداد. وكان جيشه مائة ألف فارس. وهو الذي أزال دولة بني سلجوق، وكان حاذقا بلعب العود، ذهبت عينه في بعض حروبه، وكان شجاعا فارسا عالي الهمّة، تغيرت نيته للخليفة، وعزم على قصد العراق، فجاءه الموت فجأة بدهستان في رمضان، وحمل إلى خوارزم، وقيل كان عنده أدب ومعرفة بمذهب الإمام أبي حنيفة، مات بالخوانيق. وقام بعده ولده قطب الدّين محمد ولقبوه بلقب أبيه. وفيها مجد الدّين طاهر بن نصر الله بن جهبل الكلابي الحلبي [٣] الشّافعي الفرضي، مدرس مدرسة صلاح الدّين بالقدس. سمع الحديث من جماعة، وحدّث وصنّف للسلطان نور الدّين الشهيد كتابا في فضل الجهاد، وهو والد بني جهبل الفقهاء الدمشقيون، وأحد من قام على السّهروردي الفيلسوف، وأفتى بقتله، مات بالقدس عن أربع وستين سنة. وفيها القاضي الفاضل أبو علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن اللّخمي البيساني ثم العسقلاني ثم المصري محيي الدّين [٤] صاحب «ديوان الإنشاء» وشيخ البلاغة. ولد سنة تسع وعشرين وخمسمائة. قيل: إن مسودّات رسائله لو جمعت لبلغت مائة مجلد. قال عبد اللطيف البغدادي في «تاريخه» : كان ثلاثة إخوة أصلهم من

стр. 2770

بيسان، وكان أحدهم بالإسكندرية وبها مات، وخلّف من الخواتم صناديق ومن الحصر والقدور والخزف بيوتا مملوءة، وكان متى رأى خاتما أو سمع به اجتهد في تحصيله واشتراه. وأما الأخ الثاني فكان له هوس مفرط في تحصيل الكتب، وكان عنده مائتا ألف كتاب، ومن كل كتاب نسخ كثيرة حتّى من «الصحاح» ثمان عشرة نسخة. وأما الثالث فالقاضي الفاضل، وكان يحب الكتابة، فقصد مصر ليشتغل بالأدب، فاشتغل به، وحفظ القرآن، وقال الشعر والمراسلات، وخدم الأكابر، فلما ملك أسد الدّين احتاج إلى كاتب فأحضر إليه فأعجبه نفاده وسمته ودينه ونصحه، فلما تملّك صلاح الدّين استخلصه لنفسه، وحسّن اعتقاده فيه ووجد البركة في رأيه، ولذلك لم يكن أحد في منزلته، وكان نزها عفيفا نظيفا، قليل اللّذات، كثير الحسنات، دائم التهجد، ملازم القرآن والاشتغال بعلوم الأدب، غير أنه كان خفيف البضاعة من النحو لا عريا منه، لكن قوة الدّربة توجب له عدم اللّحن، وكتب ما لم يكتبه أحد، ولما عظم شأنه أنف من قول الشعر، وكان لباسه لا يساوي دينارين، وثيابه البياض، ولا يركب معه أحد ولا يصحبه سوى غلام له، ويكثر زيارة القبور، ويشيّع الجنائز ويعود المرضى، وكان له صدقات ومعروف كثير في الباطن، وكان ضعيف البنية رقيق الصورة، له حدبة يسترها الطيلسان، وفيه سوء خلق، لا يضر أحدا، ولأصحاب الفضائل عنده موقع، يحسن إليهم ولا يمنّ عليهم، ويؤثر أرباب البيوت ومن كان خملا من ذوي النباهة، ويحب الغرباء، ولم يكن له انتقام من أعدائه بل يحسن إليهم، وكان دخله كل سنة من إقطاعه ورباعه وضياعه خمسون ألف دينار، هذا سوى التجارات من الهند والمغرب وغير ذلك، وسوى ضيعة من السلطان تسمّى ترنجه تعمل اثني عشر ألف دينار، وكان
следующие страницы →