← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وفيها الزاهد عبد الغني [بن أبي بكر] بن شجاع البغدادي [١] الحنبلي، المعروف بابن نقطة [٢] . قال السخاوي: هو مشهور بالتقلل والإيثار والزهد، وكان له ببغداد زاوية يأوي إليها الفقراء، ولم يكن في عصره من يقاومه في التجريد. كان يفتح عليه قبل غروب الشمس بألف دينار فيفرّقها والفقراء صيام، فلا يدّخر لهم منها شيئا، ويقول: نحن لا نعمل بأجرة، يعني لا نصوم وندخر ما نفطر عليه، وزوّجته أم الخليفة الناصر بجارية من خواصها، وجهزتها بعشرة آلاف دينار، فما حال الحول وعنده سوى هاون، فجاء فقير فوقف على الباب، وقال: لي ثلاثة أيام ما أكلت شيئا، فأخرج إليه الهاون وقال: لا تشنّع على الله، كل بهذا ثلاثين يوما. وقال ابن شهبة في «تاريخه» : وكان له أخ مزكلش ينشد كان وكان ومواليا في الأسواق، ويسحر الناس في رمضان، فقيل له: أخوك زاهد العراق وأنت هكذا؟ فأنشد مواليا: قد خاب من شبّه الجزعة إلى درّه ... وسام قحبة إلى مستحسنة حرّه أنا مغنّي وخي زاهد إلى مرّه ... بيرين في دار ذي حلوة وذي مرّة انتهى. وتوفي في رابع جمادى الآخرة ببغداد، ويأتي ذكر ولده محمد في سنة ثمان وعشرين وستمائة، إن شاء الله تعالى.

стр. 2697

وفيها مجد الدّين ابن الصّاحب، هبة الله بن علي. ولي أستاذ داريّة [١] المستضيء، ولما ولي النّاصر رفع منزلته وبسط يده، وكان رافضيّا سبّابا، تمكّن وأحيا شعار الإمامية، وعمل كلّ قبيح، إلى أن طلب إلى الديوان فقتل، وأخذت حواصله، فمن ذلك ألف ألف دينار، وعاش إحدى وأربعين سنة. قاله في «العبر» [٢] .

стр. 2698

سنة أربع وثمانين وخمسمائة دخلت وصلاح الدّين يصول ويجول بجنوده على الفرنج، حتّى دوّخ بلادهم، وبثّ سراياه، وافتتح أخوه الملك العادل الكرك بالأمان في رمضان، وسلّموها لفرط القحط. وفيها توفي أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ، الأمير الكبير، مؤيد الدولة، أبو المظفر، الكناني الشّيزري [١] . كان من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر [٢] وعلمائهم وشجعانهم، له تصانيف عديدة في فنون الأدب والأخبار والنظم، وفيه تشيع. قال العماد الكاتب في «الخريدة» : سكن دمشق ثم نبت به كما تنبو الدار بالكريم، فانتقل إلى مصر، فبقي فيها مؤمّرا مشارا إليه بالتعظيم إلى أيام الصالح بن رزّيك، ثم عاد إلى الشام وسكن دمشق، ثم رماه الزمان إلى حصن كيفا، فأقام به حتّى ملك السلطان صلاح الدّين دمشق، فاستدعاه وهو شيخ قد جاوز الثمانين. وقال ابن خلّكان [٣] : له ديوان شعر في جزأين موجود بأيدي الناس، ورأيته بخطّه ونقلت منه:

стр. 2699

لا تستعر جلدا على هجرانهم ... فقواك تضعف عن صدود دائم واعلم بأنّك إن رجعت إليهم ... طوعا وإلّا عدت عودة راغم وله جواب عن أبيات كتبها أبوه إليه: وما أشكو تلوّن أهل ودّي ... ولو أجدت شكيّتهم شكوت مللت [١] عتابهم ويئست منهم ... فما أرجوهم فيمن رجوت إذا أدمت قوارضهم فؤادي ... كظمت على أذاهم وانطويت ورحت عليهم طلق المحيّا ... كأنّي ما سمعت ولا رأيت تجنّوا لي ذنوبا ما جنتها ... يداي ولا أمرت ولا نهيت ولا والله ما أضمرت غدرا ... كما قد أظهروه ولا نويت ويوم الحشر موعدنا فتبدو ... صحيفة ما جنوه وما جنيت وله وقد قلع ضرسه، وقال: عملتهما ونحن بظاهر خلاط، وهو معنى غريب، ويصلح أن يكون لغزا في الضرس: وصاحب لا أملّ الدّهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد لم ألقه مذ تصاحبنا فمذ وقعت ... عيني عليه افترقنا فرقة الأبد [٢] توفي يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من شهر رمضان، ودفن من الغد شرقي جبل قاسيون. وفيها عبد الرّحمن بن محمد بن حبيش القاضي أبو القاسم الأنصاري المريّيّ [٣] ، نزيل مرسية، عاش ثمانين سنة، وقرأ القراءات على

стр. 2700

جماعة، ورحل بعد ذلك، فسمع بقرطبة من يونس بن محمد بن مغيث والكبار، وكان من أئمة الحديث، والقراءات، والنحو، واللغة، ولي خطابة مرسية وقضاءها مدة، واشتهر ذكره وبعد صيته، وكانت الرحلة إليه في زمانه، وقد صنّف كتاب «المغازي» في عدة مجلدات [١] . وفيها عمر بن بكر بن محمد بن علي القاضي عماد الدّين بن الإمام شمس الأئمة الجابريّ [٢] الزّرنجري- بفتح الزاي والراء الأولى والجيم، وسكون النون، نسبة إلى زرنجرا قرية ببخارى [٣]- شيخ الحنفية في زمانه بما وراء النهر، ومن انتهت إليه رئاسة الفقه، توفي في شوال عن نحو تسعين سنة. وفيها التّاج المسعودي محمد بن عبد الرحمن البنجديهي [٤]- بفتح الموحدة وسكون النون، وفتح الجيم، وبعد الدال المهملة تحتية، نسبة إلى بنج دية خمس قرى بمرو الرّوذ [٥]- الخراساني الصّوفي الشافعي، الرحّال الأديب، مات عن اثنتين وثمانين سنة بدمشق، وسمع من أبي الوقت وطبقته، وأملى بمصر مجالس، وعني بهذا الشأن، وكتب وسعى، وجمع فأوعى، وصنّف شرحا طويلا للمقامات. قال يوسف بن خليل الحافظ: لم يكن في نقله بثقة. وقال بن النجار: كان من الفضلاء في كلّ فنّ، في الفقه، والحديث، والأدب، وكان من أظرف المشايخ وأجملهم.

стр. 2701

وفيها أبو الفتح بن التّعاويذي [١] محمد بن عبيد الله [٢] ، الكاتب الشاعر المشهور، نسب إلى التّعاويذي لأنه نشأ في حجره، وهو جدّه لأمه، كان شاعرا لطيفا، عذب الكلام، سهل الألفاظ، سار نظمه في الآفاق، وتقدم على شعراء العراق وعمي في آخر عمره، وجمع ديوانه بنفسه. قال ابن خلّكان: كان شاعر وقته، لم يكن فيه مثله، جمع شعره بين جزالة الألفاظ وعذوبتها، ورقة المعاني ودقتها، وهو في غاية الحسن والحلاوة، وفيما أعتقده لم يكن قبله بمائتي سنة من يضاهيه، وله في عماه أشياء كثيرة يرثي عينيه وزمان شبابه ونضرته. وكان قد جمع ديوانه بنفسه قبل العمى، وعمل له خطبة ظريفة، ورتبه أربعة فصول، وكل ما جدده بعد ذلك سماه الزيادات، فلهذا يوجد ديوانه خاليا من الزيادات، وفي بعضها مكملا بالزيادات، ولما عمي كان باسمه راتب في الديوان، فالتمس أن ينقل باسم أولاده فنقل، وكان وزير الديوان ابن البلدي قد عزل أرباب الدواوين وحبسهم وحاسبهم وصادرهم وعاقبهم، فقال فيه ابن التّعاويذي: يا ربّ أشكو إليك ضرّا ... أنت على كشفه قدير أليس صرنا إلى زمان ... فيه أبو جعفر وزير وكانت ولادة ابن التّعاويذي في العاشر من رجب يوم الجمعة، سنة تسع عشرة وخمسمائة، وتوفي في ثاني شوال. والتّعاويذي: نسبة إلى كتب التّعاويذ وهي الحروز. وفيها أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم، المعروف

стр. 2702

بالحازمي- بالحاء المهملة نسبة إلى جدّه- الهمذاني [١] الشافعي الملقب زين الدّين. كان فقيها حافظا زاهدا ورعا متقشفا، حافظا للمتون والأسانيد، غلب عليه علم الحديث، وصنّف فيه تصانيفه المشهورة، منها «الناسخ والمنسوخ» في الحديث، لم يصنّف في فنّه مثله، وكتاب «المشتبه» وكتاب «سلسلة الذهب» فيما روى الإمام أحمد عن الشافعي، وفي شروط الأئمة وغيرها من التصانيف النافعة، واستوطن بغداد، ولازم الاشتغال والتعبد إلى أن مات ليلة الاثنين الثامن والعشرين من جمادى الأولى، ودفن في الشونيزية مقابل الجنيد، وكان قد فرّق كتبه على أصحاب الحديث. قال الإسنوي [٢] : ولا نعلم أحدا ممن ترجمنا له توفي أصغر سنا منه، [وذلك] عكس القاضي أبي الطيب، وأبي طاهر الزّيّادي. نقل عنه في «الروضة» في أثناء كتاب القضاء، أن الذين أدركتهم من الحفّاظ كانوا يميلون إلى جواز إجازة غير المعين بوصف العموم، كأجزت [٣] للمسلمين ونحوه، ثم صحّحه النّووي. انتهى. وفيها ابن صدقة الحرّاني [٤] أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن الحسن بن صدقة، التّاجر السفّار. راوي «صحيح مسلم» عن الفراوي. شيخ صالح صدوق، كثير الأسفار، سمع في كهولته الكتاب المذكور، وعمّر سبعا وتسعين سنة، توفي في ربيع الأول بدمشق، وله بها أوقاف وبرّ. وفيها يحيى بن محمود بن سعد الثقفي أبو الفرج الأصبهاني [٥]

стр. 2703

الصوفي، حضر في أول عمره على الحداد وجماعة، وسمع من جعفر بن عبد الواحد الثقفي، وفاطمة الجوزدانية، وجدّه لأمه أبي القاسم، صاحب «الترغيب والترهيب» . وروى الكثير بأصبهان، والموصل، وحلب، ودمشق، وتوفي بنواحي همذان، وله سبعون سنة.

стр. 2704

سنة خمس وثمانين وخمسمائة فيها توفي أبو العبّاس [التّرك] أحمد بن أحمد بن محمد بن ينال الأصبهاني [١] شيخ صوفيّة بلده ومسندها. سمع أبا مطيع، وعبد الرحمن الدّوني، وببغداد أبا علي بن نبهان، وتوفي في شعبان في عشر المائة. وفيها ابن الموازيني أبو الحسين أحمد بن حمزة بن أبي الحسين علي بن الحسن السّلمي [٢] . سمع من جدّه، ورحل إلى بغداد في الكهولة، فسمع من أبي بكر بن الزّاغوني وطبقته، وكان صالحا خيّرا محدّثا فهما، توفي في المحرم، وهو في عشر التسعين. وفيها ابن أبي عصرون [٣] ، قاضي القضاة. فقيه الشام، شرف الدّين أبو سعد، عبد الله بن محمد بن هبة الله بن المطهّر بن علي بن أبي عصرون التّميمي الحديثي [٤] ثم الموصلي، أحد الأعلام، ومولده في ربيع الأول سنة

стр. 2705

اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين وأربعمائة. تفقّه بالموصل وسمع بها من أبي الحسن بن طوق، ثم رحل إلى بغداد، فقرأ القراءات على أبي عبد الله البارع، وسبط الخيّاط، وسمع من أبي الحصين وطائفة، ودرس النحو والأصلين، ودخل واسط وتفقّه بها، ورجع إلى الموصل بعلوم جمّة، ودرّس بها وأفتى، ثم سكن سنجار مدة، ثم قدم حلب ودرّس بها، وأقبل عليه نور الدّين، فقدم معه عند ما افتتح دمشق، وولي القضاء لصلاح الدّين سنة ثلاث وسبعين، وله مصنفات كثيرة، منها: «الانتصار» في أربع مجلدات، و «صفوة المذهب في نهاية اختصار نهاية المطلب» في سبع مجلدات، وغير ذلك. قال الشيخ موفق الدّين بن قدامة: كان ابن أبي عصرون إمام أصحاب الشافعي. وقال ابن الصلاح في «طبقاته» : كان من أفقه أهل عصره، وإليه المنتهى في الفتاوى والأحكام، وتفقّه به خلق كثير. انتهى. وبنى له نور الدّين المدارس بحلب، وحماه، وحمص، وبعلبك، وبنى هو لنفسه مدرسة بحلب وأخرى بدمشق، وتوفي في شهر رمضان، وله ثلاث وتسعون سنة. وفيها أبو طالب الكرخي [١] ، صاحب ابن الخلّ، واسمه المبارك بن المبارك، شيخ الشافعية بوقته في بغداد، وصاحب الخطّ المنسوب، ومؤدّب أولاد الناصر لدين الله. درّس بالنظامية بعد أبي الخير القزويني، وتفقّه به جماعة، وحدّث عن ابن الحصين، وكان ربّ علم وعمل ونسك وورع، وكان أبوه مغنيا فتشاغل الابن بضرب العود، حتّى شهدوا له أنه في طبقة

стр. 2706

معبد، ثم أنف من ذلك، فجوّد الكتابة حتّى زاد بعضهم، وقال هو: أكتب من ابن البوّاب، ثم اشتغل بالفقه فبلغ في العلم الغاية. وفيها محمود بن علي بن أبي طالب أبو طالب التّميمي الأصفهاني الشافعي. قال ابن خلّكان [١] : تفقّه على محمد بن يحيى، وبرع في علم الخلاف، وصنّف فيه تعليقة [٢] مشهورة، وكانت عمدة المدرسين في إلقاء الدروس، ويعدون تاركها قاصر الفهم عن إدراكها، واشتغل عليه خلق كثير، فصاروا أئمة، وكان خطيبا واعظا، له اليد الطولى في الوعظ، ودرّس بأصبهان مدة. وقال الذهبي: كان ذا يقين في العلوم، وله تعليقة جمّة المعارف، وتوفي في شوال. وفيها- كما قال ابن ناصر الدّين [٣]- يوسف بن أحمد الشيرازي. كان حافظا نقّادا بارعا، شيخ الصوفية ببغداد. انتهى. وفيها البحراني [٤] الشاعر المشهور، تفنن في الأدب، واشتغل بكتب الأوائل، وحلّ كتاب إقليدس، وهو منسوب إلى البحرين بليدة فوق هجر، لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الإحساء قدرها ثلاثة أميال، وكرهوا أن يقولوا البحري فيشتبه بالنسبة إلى البحر. قاله ابن الأهدل في «تاريخه» .

стр. 2707

سنة ست وثمانين وخمسمائة دخلت والفرنج محدقون بعكا، والسلطان في مقاتلتهم، والحرب مستعر، فتارة يظهر هؤلاء، وتارة يظهر هؤلاء، وقدمت عساكر الأطراف مددا لصلاح الدّين، وكذلك الفرنج أقبلت في البحر من الجزائر البعيدة، وفرغت السنة والناس كذلك. وفيها توفي أبو المواهب، الحسن بن هبة الله بن محفوظ، الحافظ الكبير، ابن صصرى التّغلبي الدمشقي [١] . سمع من جدّه، ونصر الله المصّيصي وطبقتهما، ولزم الحافظ ابن عساكر وتخرّج به، ثم رحل وسمع بالعراق من ابن البطّي وطبقته، وبهمذان من أبي العلاء الحافظ وعدة، وبأصبهان من ابن ماشاذه وطبقته، وبالجزيرة والنواحي، وبرع في هذا الشأن، وجمع وصنّف، مع الثقة، والجلالة، والكرم، والرئاسة عاش تسعا وأربعين سنة وكان ثبتا. وفيها أبو القاسم سيف الدّين عبد الله بن عمر بن أبي بكر [المقدسي] [٢] الفقيه الحنبلي الإمام. ولد سنة تسع وخمسين وخمسمائة بقاسيون، ورحل إلى بغداد، فسمع

стр. 2708

بها من جماعة، وتفقّه، وبرع في معرفة المذهب والخلاف والمناظرة، وقرأ النحو على أبي البقاء، وحفظ «الإيضاح» [١] لأبي علي، وقرأ العروض، وله فيه تصنيف. قال الحافظ الضياء: اشتغل بالفقه، والخلاف، والفرائض، والنحو، وصار إماما عالما ذكيا فطنا فصيحا، مليح الإيراد، حتّى إنني سمعت بعض الناس يقول عن بعض الفقهاء: ما اعترض السيف على دليل إلّا ثلم دليله. قاله ابن رجب. وكان حسن الخلق والخلق، أنكر منكرا ببغداد، فضربه الذي أنكر عليه، فكسر ثنيته، ثم إنه مكّن من ذلك الرجل، فلم يقتص منه، وغزا مع صلاح الدّين، وسافر إلى حرّان، فتوفي بها شابا في حياة أبيه، وتوفي في شوال، رحمه الله تعالى. وفيها أبو العلاء نجم الدّين عبد الوهاب بن شرف الإسلام عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي الأصل الأنصاري [٢] شيخ الحنابلة بالشام في وقته. قال ولده ناصح الدّين عبد الرحمن: ولد والدي سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، وأفتى ودرّس وهو ابن نيف وعشرين سنة إلى أن مات، وما زال محترما معظما قويا، ولما مرض مرض الموت، رآني وقد بكيت، فقال: أيش بك؟ قلت: خيرا، قال: لا تحزن عليّ أنا ما توليت قضاء ولا شحنكية، ولا حبست ولا ضربت، ولا دخلت بين الناس، ولا ظلمت أحدا، فإن كان لي ذنوب فبيني وبين الله ، ولي ستون سنة أفتي الناس، والله

стр. 2709

ما حابيت في دين الله تعالى. وكان الشيخ الموفق وأخوه أبو عمر إذا أشكل عليهما شيء سألا والدي، وتوفي ثاني عشري ربيع الآخر، ودفن بسفح قاسيون. وفيها عز الدّين عبد الهادي بن شرف الإسلام الحنبلي. كان فقيها واعظا شجاعا، حسن الصوت بالقرآن، شديد القوى، شديدا في السّنّة، تحكى عنه حكايات عجيبة في شدة قوته، منها أنه بارز فارسا من الفرنج، فضربه بدبوس فقطع ظهره وظهر الفرس فوقعا جميعا، وكان في صحبة أسد الدّين شيركوه إلى مصر، وشاهده جماعة رفع الحجر الذي على بئر جامع دمشق فمشى به خطوات ثم رده إلى مكانه، وبنى مدرسة بمصر، ومات قبل تمامها، وتوفي بمصر. وهو أخو نجم الدّين المذكور قبله. وفيها علي بن محمد بن علي بن الزّيتوني [١] الفقيه الحنبلي، المقرئ الضرير، أبو الحسن، المعروف بالبرابدسي وبرابدس [٢] قرية من قرى بغداد. قال ابن القطيعي: سألته عن مولده فقال: ما أعلم، ولكني ختمت القرآن سنة ثمان وخمسمائة. قال: وسمع من ابن الحصين وغيره، وتفقّه، وناظر، وأفتى، ودرّس. وقال المنذري في «وفياته» : مولده سنة ثمانين وأربعمائة. انتهى. وفيها أبو بكر بن الجدّ محمد بن عبد الله بن يحيى الفهري الإشبيلي [٣] الحافظ النحوي. ختم «كتاب سيبويه» على أبي الحسن بن

стр. 2710

الأخضر، وسمع «صحيح مسلم» من أبي القاسم الهوزني [١] ، ولقي بقرطبة أبا محمد بن عتّاب وطائفة، وبرع في الفقه، والعربية، وانتهت إليه الرئاسة في الحفظ، وقدم للشورى [٢] في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وعظم جاهه وحرمته، وتوفي في شوال، وله تسعون سنة. وفيها محيي الدّين قاضي القضاة أبو حامد محمد بن قاضي القضاة كمال الدّين أبي الفضل محمد بن عبد الله بن الشّهرزوري [٣] الشافعي، تفقّه ببغداد على أبي منصور بن الرزّاز، وناب بدمشق عن أبيه، ثم ولي قضاء حلب، ثم الموصل، وتمكن من صاحبها عز الدّين مسعود إلى الغاية. قال ابن خلّكان: قيل: إنه أنعم في ترسله مرة إلى بغداد بعشرة آلاف دينار على الفقهاء، والأدباء، والشعراء، ويقال: إنه في مدة حكمه بالموصل لم يعتقل غريما على دينارين فما دونها، بل يوفي ذلك عنه، وتحكى [٤] عنه رئاسة ضخمة ومكارم كثيرة. ومن شعره في وصف جرادة: لها فخذا بكر وساقا نعامة ... وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم حبتها أفاعي الرّمل بطنا وأنعمت ... عليها جياد الخيل بالرأس والفم وتوفي بالموصل في جمادى الأولى، وله اثنتان وستون سنة. وفيها محمد بن المبارك بن الحسين أبو عبد الله [٥] بن أبي السعود

стр. 2711

الحلاوي الحربي [١] المقرئ. روى بالإجازة عن أبي الحسين بن الطّيوري وجماعة، ثم ظهر سماعه بعد موته من جعفر السرّاج وغيره، وعاش ثلاثا وتسعين سنة. وفيها أبو الفضل مسعود بن علي بن النّادر البغدادي [٢] . قرأ على أبي بكر المزرفي، وسبط الخيّاط، وكتب عن قاضي المارستان فمن بعده فأكثر، ونسخ مائة وإحدى وعشرين ختمة، وعاش ستين سنة، وتوفي في المحرم. وفيها ابن الكيّال أبو الفتح، نصر الله بن علي [٣] الفقيه الحنفي، مقرئ واسط. أخذ العشرة عن علي بن علي بن شيران [٤] ، وأبي عبد الله البارع، وأخذ العربية عن ابن الشّجري، وابن الجواليقي، وتفقّه، ودرّس، وناظر، وولي قضاء واسط، توفي في جمادى الآخرة، عن أربع وثمانين سنة، وحدّث عن ابن الحصين. وفيها زين الدّين يوسف بن زين الدّين علي بن كوجك [٥] ، صاحب إربل وابن صاحبها، مظفر الدّين، مات مرابطا على عكا. وفيها الفقيه نجم الدّين محمد بن الموفق الصّوفي الزاهد الشافعي الخبوشاني [٦] . تفقّه على محمد تلميذ الغزالي، وكان يستحضر كتابه «المحيط في شرح الوسيط» وصنّف عليه كتابا سماه «تحقيق المحيط» ستة

стр. 2712

عشر مجلدا، وكان صلاح الدّين يعتقد فيه ويبالغ في احترامه [١] ، وعمّر له مدرسة الشافعي، فعمد إلى قبر ابن الكيراني الظاهري، وهو من غلاة أهل السّنّة فنبشه من عند الشافعي، وقال: لا يكون صدّيق وزنديق في موضع واحد، فثارت عليه الحنابلة بمصر، ووقع فتنة بسبب ذلك، ودفن نجم الدّين تحت رجلي الشافعي بينهما شباك، وكان يوصف بسلامة الباطن وقلة المعرفة بأحوال أهل الدّنيا. قاله ابن الأهدل.

стр. 2713

سنة سبع وثمانين وخمسمائة فيها توفي الموفق أسعد بن المطران [١] الطبيب. كان نصرانيا فأسلم، وكان غزير المروءة، حسن الأخلاق، متعصبا للناس عند السلطان، وكان يتوالى أهل البيت، وكان يحب صبيا اسمه عمر، فقال ابن عنين: قالوا الموفّق شيعيّ فقلت لهم ... هذا خلاف الذي للنّاس منه ظهر وكيف يصبح دين الرّفض مذهبه ... وما دعاه إلى الإسلام غير عمر وكان يعود المرضى من الفقراء، ويحمل إليهم الأشربة من عنده والأدوية، حتى أجرة الحمّام، وكان مليح الصورة، ومات بدمشق ودفن بقاسيون على قارعة الطريق عند دار زوجته واسمها جوزه، وبنت إلى جانب تربته مسجدا ويعرف بدار جوزه. وفيها الفقيه أبو محمد عبد الرحمن بن علي بن المسلم اللّخمي الدمشقي الخرقي [٢] الشافعي. روى عن ابن الموازيني، وعبد الكريم بن حمزة وجماعة، وكان فقيها متعبدا يتلو كلّ يوم وليلة ختمة، أعاد مدة بالأمينية، وتوفي في ذي القعدة وسنّه ثمان وثمانون سنة.

стр. 2714

وفيها الفقيه أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن مغاور [١] الشّاطبي الكاتب، وهو آخر من سمع من أبي علي بن سكّرة، وسمع أيضا من جماعة، وكان منشئا بليغا مفوها شاعرا، وتوفي في صفر. وفيها أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبيد الله الحجري الأندلسي المريّيّ [٢] أبو محمد عبد الله [٣] المقرئ الصالح. كان حافظا غاية في الورع والصلاح والعدالة، برع في هذا الشأن. قاله ابن ناصر الدّين [٤] . وفيها أبو المعالي عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن المظفّر الفراوي النيسابوري [٥] ، مسند خراسان. سمع من جدّه، وأبي بكر الشيروئي [٦] وجماعة، وتفرّد في عصره، وتوفي في أواخر شعبان عن سنّ عالية. وفيها تقي الدّين عمر بن شاهنشاه بن أيوب الملك المظفّر [٧] ، صاحب حماة وأحد الأبطال الموصوفين. كان عمه صلاح الدّين يحبه ويعتمد عليه، وكان يتطاول للسلطنة ولا سيما لما مرض صلاح الدّين، فإنه

стр. 2715

كان نائبه على مصر، سار إلى ميّافارقين، وإلى خلاط فأخذهما، وحاصر منازكرد فمرض في رمضان ومات يوم الجمعة، وكان معه ولده المنصور محمد فكتم موته إلى ميّفارقين [١] وبنيت له مدرسة بظاهر حماة ودفن بها، واستقر ولده محمد المنصور بحماة. وفيها قزل أرسلان بن إلدكز [٢] ملك أذربيجان، وأرّان، وهمذان، وأصبهان، والرّيّ بعد أخيه البهلوان محمد، قتل غيلة على فراشه في شعبان. وفيها السّهروردي الفيلسوف المقتول شهاب الدّين يحيى بن حبش ابن أميرك [٣] . أحد أذكياء بني آدم. كان رأسا في معرفة علوم الأوائل، بارعا في علم الكلام، مناظرا محجاجا متزهدا زهد مردكة وفراغ، مزدريا للعلماء مستهزئا، رقيق الدّين. قدم حلب واشتهر اسمه، فعقد له الملك الظاهر غازي ولد السلطان صلاح الدّين مجلسا، فبان فضله وبهر علمه، فارتبط عليه الظاهر واختص به، وظهر للعلماء منه زندقة وانحلال، فعملوا محضرا بكفره وسيّروه إلى صلاح الدّين وخوّفوه من أن يفسد عقيدة ولده، فبعث إلى ولده بأن يقتله بلا مراجعة، فخيّره السلطان فاختار أن يموت جوعا، لأنه كان له عادة بالرياضة [٤] ، فمنع من الطعام حتّى تلف، وعاش ستا وثلاثين سنة. قاله في «العبر» . وقال السيف الآمدي: رأيته كثير العلم، قليل العقل، قال لي: لا بد لي أن أملك الأرض.

стр. 2716

وقال ابن خلّكان [١] : هو يحيى بن حبش، وقيل اسمه أحمد، وقيل اسمه كنيته، أبو الفتوح، وقيل عمر، والأول أصح، كان من علماء عصره. قرأ الحكمة وأصول الفقه على الشيخ مجد الدّين الجيلي بمدينة مراغة من أعمال أذربيجان، إلى أن برع فيهما، وهذا مجد الدّين الجيلي هو شيخ فخر الدّين الرازي، وعليه تخرّج وبصحبته انتفع، وكان إماما في فنونه. قال في «طبقات الأطباء» [٢] : كان السّهروردي أوحد أهل زمانه في علوم الحكمية، جامعا للفنون الفلسفية [٣] ، بارعا في أصول الفقه مفرط الذكاء، [فصيح العبارة] ، وكان علمه أكثر [٤] من عقله. قال: ويقال عنه إنّه كان يعرف علم السيمياء. حكى بعض فقهاء العجم: أنه كان في صحبته، وقد خرجوا من دمشق، قال: فلما وصلنا إلى القابون، الذي هو على باب دمشق في طريق من يتوجه إلى حلب، لقينا قطيع غنم مع تركماني، فقلنا للشيخ: يا مولانا نريد من هذا الغنم رأسا نأكله، فقال: هذه عشرة دراهم خذوها واشتروا بها رأس غنم، فاشترينا من أحدهم رأسا ومشينا قليلا، فلحقنا رفيق لمن باعنا وقال: ردوا هذا الرأس وخذوا أصغر منه، فإن هذا ما عرف يبيعكم، وتقاولنا نحن وإيّاه، فلما عرف الشيخ ذلك قال لنا: خذوا الرأس وامشوا وأنا أقف معه [٥] وأرضيه، فتقدمنا نحن، وبقي الشيخ يتحدث معه ويطيّب قلبه، فلما مضينا قليلا تركه وتبعنا، وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به وهو لا يلتفت إليه، ولما لم

стр. 2717

يكلمه لحقه بغيظ وجذب يده اليسرى وإذا بيد الشيخ انخلعت من عند كتفه وبقيت بيد التركماني. ودمها يجري، فبهت التركماني وتحيّر في أمره، ورمى اليد وخاف، فأخذ الشيخ اليد بيده اليمنى ولحقنا، فلما وصل إلينا رأينا في يده اليمنى منديلا لا غير. ويحكى عنه أشياء مثل هذه كثيرة، والله أعلم بصحتها. وله تصانيف، فمن ذلك «التنقيحات» في أصول الفقه، و «التلويحات» و «الهياكل» وغير ذلك. وله أشعار، فمن ذلك ما قاله في النفس على مثال أبيات ابن سينا: خلعت هياكلها بجرعاء الحمى ... وصبت لمغناها القديم تشوقا وتلفّتت نحو الدّيار فشاقها ... ربع عفت أطلاله فتمزّقا وقفت تسائله فردّ جوابها ... رجع الصدى أن لا سبيل إلى اللّقا فإذا بها برق تألّق بالحمى ... ثم انطفى [١] فكأنه ما أبرقا ومن شعره المشهور أيضا: أبدا تحن إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والرّاح وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى لذيذ لقائكم ترتاح وا رحمتا للعاشقين تكلّفوا ... ستر المحبة والهوى فضّاح وهي طويلة. وله في النظم والنثر أشياء لطيفة، وكان شافعي المذهب، وكان يتّهم بانحلال العقيدة والتعطيل، ويعتمد مذهب الحكماء المتقدمين واشتهر ذلك عنه. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.

стр. 2718

وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : كان دنيء الهمّة، زري الخلقة، دنس الثياب، وسخ البدن، لا يغسل له ثوبا ولا جسما ولا يدا، ولا يقصّ ظفرا ولا شعرا، وكان القمل يتناثر على وجهه ويسعى على ثيابه، وكل من يراه يهرب منه، وهذه الأشياء تنافي الحكمة والعقل والشرع. وقال ابن الأهدل: قيل: قتل وصلب أياما، وقيل: خيّر في أنواع القتل، فاختار القتل بالجوع، لاعتياده الرياضة [١] ، فمنع من الطعام حتّى تلف. وقال ابن شدّاد: أقمت بحلب فرأيت أهلها مختلفين فيه، منهم من يصدقه ومنهم من يزندقه، والله أعلم. وفيها أبو طاهر يحيى بن مقبل بن أحمد بن بركة بن عبد الملك التيمي القرشي الحريمي البغدادي [٢] الحنبلي، المعروف بابن الصدر، وهو لقب جده عبد الواحد، ويعرف أيضا بابن الأبيض. ولد في شعبان سنة سبع عشرة وخمسمائة، وسمع من ابن الحصين، وأبي بكر الأنصاري، وغيرهما، وتفقّه في المذهب، وناظر في حلق الفقهاء وحدّث. قال ابن القطيعي: كتبت عنه وكان ثقة، قال: وتوفي يوم الاثنين في شهر شوال ودفن بمقبرة الإمام أحمد.

стр. 2719

سنة ثمان وثمانين وخمسمائة فيها أخذ سيف الدّين يافا بالسيف، ثم هادن الفرنج ثلاثة أعوام وثمانية أشهر. وفيها توفي أحمد بن الحسين بن أحمد بن محمد البغدادي المقرئ أبو العبّاس، المعروف بالعراقي [١] نزيل دمشق. قرأ القرآن على أبي محمد سبط الخيّاط، وسمع الحديث من ابن سهلون وغيره، ومهر في علم القراءات، ولقي المهذّب بن منير الشاعر بحلب وروى عنه، وقدم دمشق فسكنها من سنة أربعين إلى أن مات، وقعد للإقراء تحت قبة النسر، وكان حنبليا. قال الشيخ موفق الدّين: كان إماما في السّنّة، داعيا إليها، إماما في القراءة، وكان ديّنا يقول الشعر الحسن. وروى عنه الشيخ موفق الدّين وغيره، وتوفي في شعبان. وفيها الجنزوي [٢] أبو الفضل إسماعيل بن علي الشافعي الشّروطي

стр. 2720

الفرضي من أعيان المحدّثين بدمشق وبها ولد. تفقّه على جمال الإسلام بن المسلم وغيره، وسمع من هبة الله بن الأكفاني وطبقته، ورحل إلى بغداد، فسمع أبا علي بن الباقرحي، وابن مرزوق والزّعفراني والكبار، وكتب الكثير، وكان بصيرا بعقد الوثائق والسجلات، وتوفي في جمادى الأولى عن تسعين سنة. وفيها موفق الدّين خالد بن الأديب [١] البارع محمد بن نصر القيسراني أبو البقاء [٢] الكاتب، صاحب الخط المنسوب. كان صدرا نبيلا وافر الحشمة، وزر للسلطان نور الدّين الشهيد، وسمع بمصر من عبد الله بن رفاعة، وتوفي بحلب. وفيها أبو جعفر بن السّمين عبيد الله بن أحمد بن علي البغدادي الورّاق [٣] الحنبلي المقرئ المحدّث الزاهد، نزيل الموصل. ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وسمع الكثير من أبي منصور القزّاز وغيره، وتفقّه على أبي الحسن، وأبي بكر ابني الزّاغوني، وغيرهما، وحدّث بالكثير ببغداد والموصل، وكان صالحا ثقة ديّنا صدوقا، من أهل التقشف والصلاح والنسك، يأكل من كسب يده، توفي في العشر الأخير من شهر رمضان بالموصل، ودفن بتل توبه. وفيها أبو ياسر عبد الوهاب بن هبة الله بن أبي حبّة البغدادي الطحّان [٤] . روى عن ابن الحصين، وزاهر، وقدم حرّان، فورى بها «المسند» في نسبته: «الجنزي» أيضا نسبة إلى «جنزة» بلدة من العجم، بين أذربيجان وإرمينية، وهي التي يقال لها «كنجة» .

стр. 2721

وكان فقيرا صبورا، توفي في ربيع الأول عن اثنتين وسبعين سنة. وحبّة: بباء موحدة. وفيها علي بن مكّي بن جرّاح بن علي البغدادي [١] الفقيه الحنبلي الزاهد، أبو الحسن، تفقّه على أبي الفتح بن المنّي وأبي يعلى بن أبي خازم، وبرع في الفقه، وأفتى وناظر، وكان زاهدا عابدا، توفي في حادي عشري صفر ببغداد ودفن بمقبرة باب حرب. وفيها أبو الحسن علي بن أبي العزّ بن عبد الله الباجرّائي- بفتح الموحدة والجيم، وتشديد الراء، نسبة إلى باجرّا قرية بالجزيرة [٢]- الفقيه الحنبلي الزاهد. كان يسكن بمدرسة الشيخ عبد القادر، وسمع الكثير من أبي الوقت، وابن البطي، وغيرهما، وحدّث باليسير، وسمع منه جماعة من الفقهاء، وكان صالحا ورعا متدينا، ذا عبادة وزهد، وجمع كتابا في تفسير القرآن الكريم في أربع مجلدات، وتوفي ليلة الخميس حادي عشر ذي القعدة، ودفن بباب حرب. وفيها الأمير سيف الدّين المشطوب، مقدّم الجيوش، علي بن أحمد ابن صاحب قلاع الهكّارية أبي الهيجاء الهكّاري [٣] ، نائب عكا. لما أخذت الفرنج عكا أسروه، ثم اشتري بمبلغ عظيم، وكان شجاعا صابرا في الحرب، مطاعا في قبيلته، دخل مع أسد الدّين شيركوه إلى مصر، وشهد فتحها، وأقطعه السلطان نابلس، فجار نوابه على أهلها فشكوا إلى السلطان

стр. 2722

وهو مار بهم واستغاثوا، فقال: ما لهؤلاء؟ قالوا: يتظلمون من ابن المشطوب وأصحابه، وهو راكب بين يديه، فقال له السلطان: لو كان هؤلاء يدعون لك هيهات أن يسمع الله، فكيف وهم يدعون عليك؟ ثم أقطعه صلاح الدّين القدس، فتوفي بها في شوال، وكان ابنه عماد الدّين بن المشطوب من كبراء الأمراء بمصر. وفيها راشد الدّين أبو الحسن سنان بن سلمان [١] ، مقدّم الإسماعيلية، وصاحب الدعوة بقلاع الشام، وأصله من البصرة. قدم إلى الشام في أيام نور الدّين الشهيد، وأقام في القلاع ثلاثين سنة، وجرت له مع السلطان صلاح الدّين وقائع وقصص، ولم يعط طاعة قطّ، وعزم السلطان على قصده بعد صلح الفرنج، وكان قد قرأ كتب الفلسفة والجدل. قال المنتجب: أرسلني السلطان إلى سنان مقدّم الإسماعيلية ومعي القطب النيسابوري، وأرسل معنا تخويفا وتهديدا فلم يجبه، بل كتب على طرّة كتاب السلطان: يا ذا الذي بقراع السيف هدّدني ... لا قام مصرع جنبي حين تصرعه قام الحمام على البازي يهدّده [٢] ... وكشّرت لأسود الغاب أضبعه إنّا منحناك عمرا كي تعيش به ... فإن رضيت وإلّا سوف ننزعه أضحى يسدّ فم الأفعى بإصبعه ... يكفيه ماذا تلاقي منه أصبعه

стр. 2723

ثم كتب بعد الأبيات خطبة بليغة مضمونها عدم الخوف والطاعة، فلما يئس صلاح الدّين منه، جنح إلى صلحه فصالحه، ودخل في مرضاته. قال اليونيني في «تاريخه» : إن سنانا سيّر رسولا وأمره أن لا يؤدي رسالته إلّا خلوة، ففتشه السلطان صلاح الدّين فلم يجد معه ما يخافه، فأخلى له المجلس إلّا نفرا يسيرا، فامتنع من أداء الرسالة حتّى يخرجوا، فخرجوا كلهم غير مملوكين صغيرين، فقال: هات رسالتك، فقال: أمرت أن لا أقولها إلّا في خلوة، فقال: هذان ما يخرجان، قال: ولم؟ قال: لأنهما مثل أولادي، فالتفت الرسول إليهما وقال: إذا أمرتكما عن مخدومي بقتل هذا السلطان تقتلانه؟ قالا: نعم. وجذبا سيفهما، فبهت السلطان، وخرج الرسول وأخذهما معه، فجنح صلاح الدّين إلى الصلح وصالحه ودخل في مرضاته. انتهى. وفيها قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش ابن إسرائيل بن سلجوق بن دقاق التّركي السلجوقي [١] صاحب الرّوم، وحمو الناصر لدين الله. امتدت أيامه وشاخ وقويت [٢] عليه أولاده وتصرفوا في ممالكه في حياته، وهي قونية، وأقسر، وسيواس، وملطية، وعاش سلطانا أكثر من ثلاثين سنة، وتملّك بعده ابنه غياث الدّين. وفيها ابن مجبر [٣] الشاعر أبو بكر بن يحيى بن عبد الجليل الفهري ثم الإشبيلي، صاحب الأندلس في عصره، وهو كثير القول في يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن.

стр. 2724

وفيها أبو المرهف وأبو الفتح أيضا، نصر بن منصور بن الحسن النّميري [١] الأديب الشاعر الحنبلي. ولد يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسمائة بالرافقة بقرب رقّة الشام، وكان من أولاد أمراء العرب. نشأ بالشام وخالط أهل الأدب، وقال الشعر الفائق وهو مراهق، وأصابه جدري، وله أربع عشرة سنة فضعف بصره حتّى كان لا يبصر إلّا ما قرب منه، ثم قدم بغداد لمعالجة بصره، فأيس [٢] الأطباء منه، فعمي، وأقام ببغداد، وسكن باب الأزج، فحفظ القرآن العظيم، وسمع الحديث من أبي الحصين، والقاضي أبي بكر، وابن ناصر، وغيرهم، وتفقّه وقرأ العربية والأدب على ابن الجواليقي، وصحب العلماء والصالحين، كالشيخ عبد القادر وغيره، ومدح الخلفاء والوزراء، وله ديوان شعر حدّث به، وكان فصيح القول، حسن المعاني، ذا دين وصلاح وتصلب في السّنّة، وسمع منه القطيعي وغيره، وروى عنه جماعة. ومن شعره- وقد سئل عن مذهبه واعتقاده-: أحبّ عليا والبتول وولدها ... ولا أجحد الشيخين حقّ التّقدّم وأبرأ ممّن نال عثمان بالأذى ... كما كنت أبرا من ولاء ابن ملجم ويعجبني أهل الحديث بصدقهم ... فلست إلى قوم سواهم بمنتمي [٣]

стр. 2725

ومن شعره أيضا: سبرت شرائع العلماء طرّا ... فلم أر كاعتقاد الحنبليّ فكن من أهله سرّا وجهرا ... تكن أبدا على النهج السّويّ هم أهل الحديث وما عرفنا ... سوى القرآن والنّص الجليّ ومنه أيضا: وزهّدني في جميع الأنا ... م قلّة إنصاف من يصحب هم النّاس ما لم تجرّبهم ... وطلس الذئاب إذا جرّبوا ولم تك تسلم عند البعا ... د منهم، فكيف إذا قرّبوا [١] توفي يوم الثلاثاء ثامن عشري ربيع الآخر، ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد.

стр. 2726

سنة تسع وثمانين وخمسمائة وتسمى سنة الملوك. فيها توفي بكتمر السلطان سيف الدّين صاحب خلاط، توفي في جمادى الأولى، وكان فيه دين وإحسان إلى الرّعية، وله همّة عالية، ضرب لنفسه الطبل في أوقات الصلوات الخمس، قتله بعض الإسماعيلية. قاله في «العبر» [١] . وفيها صاحب مكّة داود بن عيسى بن فليتة بن أبي هاشم العلوي الحسني [٢] ، وكانت مكّة تكون له تارة ولأخيه مكثّر تارة. وفيها محمود سلطان شاه أخو الملك علاء الدّين خوارزم شاه ابنا أرسلان بن محمد الخوارزمي [٣] . تملّك بعد أبيه سنة ثمان وسبعين، ثم قوي عليه [٤] أخوه وحاربه، وتنقّلت به الأحوال، ثم وثب على مدينة مرو، وكان نظيرا لأخيه في الجلالة والشجاعة، دفع الغزّ عن مرو، ثم تجمعوا له وحاربوه وقتلوا رجاله ونهبوا خزائنه، فاستعان على حربهم بالخطا، وجاء

стр. 2727

بجيش عرمرم، واستولى على مملكة مرو، وسرخس، ونسا، وأبيورد، ووردت الخطا بمكاسب عظيمة من مال المسلمين، ثم أغار على بلاد الغوري، وظلم وعسف، ثم التقى هو والغوريّة فهزموه، ووصل إلى مرو في عشرين فارسا، وجرت له أمور طويلة، وتوفي في سلخ رمضان. وفيها الحضرمي قاضي الإسكندرية أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن محمد [١] المالكي [٢] . روى عن محمد بن أحمد الرّازي وغيره. وفيها صاحب الموصل السلطان عز الدّين مسعود بن مودود بن أتابك زنكي بن آق سنقر. قال ابن الأثير [٣] : بقي عشرة أيام لا يتكلم إلا بالشهادتين وبالتلاوة، ورزق خاتمة خير، وكان كثير الخير والإحسان، يزور الصالحين ويقرّبهم ويشفّعهم، وفيه حلم وحياء ودين. انتهى. ودفن بمدرسته التي أنشأها بالموصل تجاه دار السلطنة، وتمكن بعده ولده نور الدّين. وفيها السلطان صلاح الدّين الملك الناصر أبو المظفّر يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدّويني الأصل [٤] أول دولة الأكراد وملوكهم. قال ابن خلّكان [٥] : اتفق أهل التاريخ على أن أباه وأهله من دوين

стр. 2728

- بضم الدال المهملة وكسر الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، وهي بلدة في آخر عمل أذربيجان من جهة أرّان وبلاد الكرج [١]- وإنهم أكراد رواديّة- بفتح الراء والواو وبعد الألف دال مهملة ثم ياء مثناة من تحتها مشددة وبعدها هاء، والروادية بطن من الفذّانيّه [٢] بفتح الفاء والذال المعجمة، وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء مشددة مثناة من تحتها وبعدها هاء [٣] ، قبيلة كبيرة من الأكراد- انتهى. وقال الذهبي: هو تكريتيّ المولد. ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وكان أبوه شحنة تكريت، ملك البلاد ودانت له العباد، وأكثر من الغزو وأطاب، وكسر الفرنج مرّات، وكان خليقا بالملك، شديد الهيبة، محببا إلى الأمة، عالي الهمّة، كامل السؤدد، جمّ المناقب، ولي السلطنة عشرين سنة، وتوفي بقلعة دمشق في السابع والعشرين من صفر، وارتفعت الأصوات في البلد بالبكاء، وعظم الضجيج، حتّى إن العاقل يتخيل أن الدّنيا كلها تصيح صوتا واحدا، وكان أمرا عجيبا، فرحمه الله ورضي عنه. انتهى. وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : كان شجاعا، سمحا، جوادا، مجاهدا في سبيل الله، يجود بالمال قبل الوصول إليه، وكان مغرما بالإنفاق في سبيل الله، وما كان يلبس إلّا ما يحل له لبسه، ومن جالسه لا يعلم أنه جليس سلطان، وكان شديد الرغبة في سماع الحديث. ادعى رجل عليه أن سنقر الخلاطي مملوكه مات على رقّه، فتزحزح عن طرّاحته وساواه في

стр. 2729

الجلوس، وادعى الرجل، فرفع السلطان رأسه وقال: لمن تعرفون سنقر؟ قالوا: نشهد أنه مملوكك مات على رقّك، ولم يكن للرجل بيّنة فأسقط في يده، ثم إن السلطان وهب له خلعة ونفقة وبغلة. وما شتم أحدا قطّ، ولا كتب بيده ما فيه أذى مسلم، وكان الحجّاب يزدحمون على طرّاحته، فجاء سنقر الخلاطي وقدّم له رقعة [١] يعلّم عليها، وكان السلطان قد مدّ يده اليمنى على الأرض ليستريح، فداس عليها سنقر ولم يعلم، وقال له: علّم لي على هذه القصة، وكرر القول، والسلطان لا يرد عليه، فقال له السلطان: أعلّم بيدي أو برجلي؟ فنظر سنقر فرأى يد السلطان تحت رجله، فخجل، وتعجب الحاضرون من حلمه. وأول ما فتح الدّيار المصرية، والحجاز، ومكّة، والمدينة، واليمن من زبيد إلى حضرموت، متصلا بالهند، ومن الشام: دمشق، وبعلبك، وحمص، وبانياس، وحلب، وحماة. ومن الساحل: بلاد القدس، وغزة، وتل الصافية، وعسقلان، ويافا، وقيسارية، وحيفا، وعكا، وطبرية، والشّقيف، وصفد، وكوكب، والكرك، والشّوبك، وصيدا، وبيروت، وجبلة، واللّاذقية، والشّغر، وصهيون، وبلاطنس، ومن الشرق حرّان، والرّها، والرّقّة، ورأس عين، وسنجار، ونصيبين، وسروج، وديار بكر، وميّافارقين، وآمد، وحصونها، وشهرزور، ويقال: إنه فتح ستين حصنا، وزاد على نور الدّين بمصر، والمغرب، والحجاز، واليمن، والقدس، والساحل، وبلاد الفرنج، وديار بكر، ولو عاش لفتح الدّنيا شرقا وغربا، وبعدا وقربا، ولم يبلغ ستين سنة، وكذا نور الدّين، وكان له ستة عشر ولدا ذكرا وبنت واحدة، وأكبرهم الأفضل علي، وابنته مؤنسة خاتون، تزوّج بها الكامل بن العادل، وبنى الملك الأفضل قبة شمالي الجامع الأموي في جواره شباك إلى الجامع ونقله

стр. 2730

إليها في يوم عاشوراء، سنة اثنتين وتسعين، ومشى الأفضل بين يدي تابوته، وأراد العلماء والفقهاء حمله على أعناقهم، فقال الأفضل: تكفي أدعيتكم الصالحة، وحمله مماليكه وأخرج من القلعة وأدخل إلى [١] الجامع، ووضع قدّام باب النسر، وصلّى عليه القاضي محيي الدّين بن الزّكي، ثم حمل على الرؤوس إلى بطن ملحده، ثم لحده الأفضل وجلس ثلاثة أيام للعزاء، وأنفقت ستّ الشام أخت السلطان في هذه الأيام أموالا عظيمة، وقد رأى بعض الصالحين النّبيّ- ﷺ في جماعة من أصحابه ﵃ وقد زاروا قبر صلاح الدّين، ولما مات اختلفت اخوته، وطمع الفرنج فأخذوا جبيلا حاصروها وبها جماعة من الأكراد فباعوها للفرنج. انتهى ما أورده ابن شهبة ملخصا. وفيها أبو المظفّر منصور بن المبارك الواعظ، الملقب جرادة [٢] . كان ظريفا كيّسا. ذكر يوما في وعظه حديث: «من قتل حيّة كان له قيراطان من الأجر، ومن قتل عقربا كان له قيراط» [٣] فقام رجل فقال: يا سيدي، ومن قتل جرادة؟ قال: صلب على باب المسجد.

стр. 2731

سنة تسعين وخمسمائة فيها سار بنارس أكبر ملوك الهند، وقصد الإسلام، فطلبه شهاب الدّين الغوري، فالتقى الجمعان على نهر ماحون [١] . قال ابن الأثير [٢] : وكان مع الهنديّ سبعمائة فيل، ومن العسكر على ما قيل ألف ألف نفس، فصبر الفريقان، وكان النصر لشهاب الدّين، وكثر القتل في الهنود، حتّى جافت منهم الأرض، وأخذ شهاب الدّين تسعين فيلا وقتل بنارس ملك الهند، وكان قد شدّ أسنانه بالذهب، فما عرف إلّا بذلك، ودخل شهاب الدّين بلاد بنارس وأخذ من خزانته ألفا وأربعمائة حمل، ومن جملة الفيلة فيل أبيض حدّثني من رآه. وفيها توفي القزويني العلّامة رضي الدّين أبو الخير أحمد بن إسماعيل بن يوسف الطّالقاني، الفقيه الشافعي الواعظ. ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وتفقّه على الفقيه ملكداذ العمركيّ [٣] ، وقرأ بالرّوايات على إبراهيم بن عبد الملك القزويني، وفاق

стр. 2732

الأقران، وسمع من الفراوي، وزاهر [الشّحاميّ] [١] وخلق، ثم قدم بغداد قبل الستين ودرّس بها ووعظ، ثم قدمها قبل السبعين، ودرّس بالنظامية، وكان إماما في المذهب، والخلاف، والأصول، والتفسير، والوعظ، وروى كتبا كبارا، ونفق كلامه على الناس لحسن سمته، وحلاوة منطقه، وكثر محفوظاته، وكان صاحب قدم راسخ في العبادة، عديم النظير، كبير الشأن، رجع إلى قزوين سنة ثمانين ولزم العبادة إلى أن مات في المحرم. قال ابن شهبة [٢] : صنّف كتاب «البيان في مسائل القرآن» ردا على الحلولية [٣] والجهمية، وصار رئيس الأصحاب، وكان يتكلم يوما وابن الجوزي يوما، ويحضر الخليفة من وراء الأستار، وتحضر الخلائق والأمم. انتهى. وفيها طغرل بك شاه بن أرسلان شاه بن طغرل بك بن محمد شاه السّلجوقي [٤] السلطان، صاحب أذربيجان. طلب السلطنة من الخليفة، وأن يأتي بغداد ويكون على قاعدة الملوك السلجوقية سوى صاحب الرّوم، وكان سفاكا للدماء، قتل خلقا كثيرا. قال السبط: رأيته وكأن وجهه القمر، ولم ير في زمانه أحسن صورة منه، قصده خوارزم شاه والتقيا على الرّيّ، فجاءته نشّابة في عينه فضربه مملوك له بالسيف فقتله وقطع رأسه، وحمله إلى خوارزم شاه، وهو آخر [الملوك] [٥] السلجوقية، وعدتهم نيف وعشرون ملكا، ومدة ملكهم مائة وستون سنة.

стр. 2733

وفيها عبد الخالق بن فيروز الجوهري الهمذاني الواعظ، أكثر الترحال، وروى عن زاهر والفراوي وطائفة، ولم يكن ثقة ولا مأمونا. قاله في «العبر» [١] . وفيها عبد الوهّاب بن علي القرشي الزّبيري الدمشقي الشّروطي، ويعرف بالحبقبق، والد كريمة. روى عن جمال الإسلام أبي الحسن السّلمي وجماعة، وتوفي في صفر. وفيها الشّاطبي أبو محمد القاسم بن فيرّه- بكسر الفاء وسكون التحتية وتشديد الراء المضمومة، معناه بالعربي الحديد- بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرّعيني- بضم الراء وفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية وبعدها نون، نسبة إلى ذي رعين، أحد أقيال اليمن- الشّاطبي الضرير المقرئ، صاحب القصيدة التي سمّاها «حرز الأماني ووجه التهاني» في القراءات وعدتها ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتا، ولقد أبدع فيها كل الإبداع، وهي عمدة قرّاء هذا الزمان في نقلهم، ولم يسبق إلى أسلوبها. روي عنه أنه كان يقول: لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلّا وينفعه الله ، لأنني نظمتها لله تعالى مخلصا في ذلك، ونظم قصيدة دالية خمسمائة بيت، من حفظها أحاط علما بكتاب «التمهيد» لابن عبد البرّ، وكان عالما بكتاب الله تعالى، قراءة، وتفسيرا، وبحديث رسول الله- ﷺ مبرزا فيه، وكان إذا قرئ عليه «صحيح» البخاري ومسلم، و «الموطأ» يصحح النسخ من حفظه ويملي النّكت على المواضع المحتاج إليها، وكان أوحد في علم النحو واللغة، عارفا بعلم الرؤيا، حسن المقاصد، مخلصا فيما يقول ويفعل. قرأ القرآن العظيم بالروايات على ابن هذيل الأندلسي وغيره، وسمع الحديث من ابن سعادة

стр. 2734

وغيره، وانتفع به خلق كثير، وكان يتجنب فضول الكلام، ولا ينطق في سائر أوقاته إلّا بما تدعو إليه ضرورة، ولا يجلس للإقراء إلّا على طهارة في هيئة حسنة، وتخشّع واستكانة، وكان يعتل العلّة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوه، وإذا سئل عن حاله قال: العافية، لا يزيد على ذلك، وكان كثيرا ما ينشد هذا اللغز في نعش الموتى: أتعرف شيئا في السماء نظيره ... إذا سار صاح النّاس حيث يسير فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا ... وكلّ أمير يعتليه أسير يحضّ على التّقوى ويكره قربه ... وتنفر منه النفس وهو نذير ولم يستزر عن رغبة في زيارة ... ولكن على رغم المزور يزور وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وكان ثقة في نفسه، وتوفي في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة، ودفن بتربة القاضي الفاضل بالقرافة، وقبره مشهور مزور، وكان شافعي المذهب كما ذكره ابن شهبة في «طبقاته» [١] . وفيها أبو مدين الأندلسيّ [٢] الزاهد العارف شيخ أهل المغرب، شعيب بن الحسين، سكن تلمسان، وكان من أهل العمل والاجتهاد، منقطع القرين في العبادة والنسك، بعيد الصيت، ويسميه الشيخ محيي الدّين بن عربي بشيخ الشيوخ، ونشر الله ذكره، وتخرّج به جماعة من الفضلاء، كأبي عبد الله القرشي وغيره، وانتهى إليه كثير من العلماء المحقّقين وفضلاء الصالحين، كابن عربي، وله في الحقائق كلام واسع. ومن شعره: يا من علا فرأى ما في الغيوب وما ... تحت الثّرى وظلام الليل منسدل

стр. 2735

أنت الغياث لمن ضاقت مذاهبه ... أنت الدّليل لمن حارت به الحيل إنّا قصدناك والآمال واثقة ... والكلّ يدعوك ملهوف ومبتهل فإن عفوت فذو فضل وذو كرم ... وإن سطوت فأنت الحاكم العدل طلبه سلطان المغرب، فلما وصل إلى تلمسان قال: ما لنا وللسلطان، نزور الإخوان، ثم نزل واستقبل القبلة وتشهّد وقال: ها قد جئت ها قد جئت وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ٢٠: ٨٤ [طه: ٨٤] فمات، ودفن في جبّانة العبّاد، وقد قارب الثمانين، وقبره بها مشهور مزور. وفيها ابن الفخّار أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن خلف الأنصاري المالقي [١] الحافظ، صاحب أبي بكر بن العربي. أكثر عنه، وعن شريح وخلق، وكان إماما ثقة مأمونا معروفا يسرد المتون والأسانيد، عارفا بالرجال واللغة، جليل القدر، طلبه السلطان ليسمع منه بمرّاكش فمات بها في شعبان وله ثمانون سنة. وفيها محمد بن عبد الملك بن بونة العبدري [٢] المالقي، ابن البيطار نزيل غرناطة، وآخر من روى بالإجازة عن أبي علي بن سكّرة. سمع أبا محمد بن عتّاب، وأبا بحر بن العاص، وعاش أربعا وثمانين سنة. وفيها فخر الدّين بن الدّهّان محمد بن علي بن شعيب البغدادي الفرضي [٣] الحاسب الأديب، النحوي الشاعر، جال في الجزيرة، والشام، ومصر، وصنّف الفرائض على شكل المنبر، فكان أول من اخترع ذلك، وله «تاريخ» [٤] وألّف كتاب «غريب الحديث» في مجلدات، وصنّف في النجوم،
следующие страницы →