← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

الشّاطبي الحافظ. سمع أباه العلّامة أبا محمد، وابن هذيل. ولما حجّ [سمع] من السّلفيّ، وكان عجبا في سرد المتون ومعرفة الرجال والأدب [وكان زاهدا، سلفيا، متعفّفا، عدم في وقعة العقاب في صفر. قال ابن ناصر الدّين [١]] [٢] : كان زاهدا ورعا حافظا ثقة مأمونا. انتهى. وفيها الملك الأوحد أيوب بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب [٣] . تملّك خلاط خمس سنين، وكان ظلوما غشوما [٤] سفّاكا لدماء الأمراء. مات في ربيع الأول. وفيها أبو نزار ربيعة بن الحسن الحضرمي اليمني الصّنعاني [٥] الشافعي المحدّث. ولد سنة خمس وعشرين وخمسمائة، وتفقّه بظفار، ورحل إلى العراق وأصبهان، وسمع من أبي المطهّر الصيدلاني، ورجاء بن حامد المعداني [٦] وطائفة، وكان مجموع الفضائل، كثير التعبّد والعزلة. قال ابن ناصر الدين [٧] : أبو نزار الذّماري ربيعة بن الحسن بن علي الحضرمي الصّنعاني أبو نزار الحافظ الفقيه الشافعي. كان إماما حافظا فقيها ماهرا لغويا أديبا شاعرا. انتهى. توفي في جمادى الآخرة.

стр. 2872

وفيها أبو شجاع زاهر بن رستم الأصبهانيّ الأصل ثم البغدادي [١] ، الفقيه الشافعي الزاهد. قرأ القراءات على سبط الخيّاط، وأبي الكرم، وسمع منهما ومن الكروخي وجماعة، وجاور، وأمّ بمقام إبراهيم إلى أن عجز وانقطع. توفي في ذي القعدة، وكان ثقة بصيرا بالقراءات. وفيها أبو الفضل بن المعزّم عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن صالح الهمذاني [٢] الفقيه. توفي في ربيع الآخر، وسمع من أبي جعفر محمد بن علي الحافظ، وعبد الصبور الهروي، وطائفة. وكان مكثرا، صحيح السماع. وفيها علي بن يحيى الحمّامي [٣] . قال ابن ناصر الدّين [٤] : معدود في الحفّاظ الفضلاء والمحدّثين العلماء. انتهى. وفيها أبو الحسن بن النجّار علي بن محمد بن حامد اليغنوي- بفتح الياء التحتية والنون وسكون الغين المعجمة، نسبة إلى يغنى قرية بنسف [٥]- الفقيه الحنبلي. قرأ الفقه والخلاف على الفخر إسماعيل صاحب ابن المنّي، وتكلم في مسائل الخلاف فأجاد، وقرأ طرفا صالحا من الأدب، وقال الشعر وكان يكتب خطا حسنا، وسافر عن بغداد ودخل ديار بكر، وولي القضاء بآمد، وأقام بها إلى حين وفاته، وكان صهرا لعبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر

стр. 2873

الكيلاني على ابنته، وتوفي بآمد في رمضان وقد جاوز الأربعين. قال ابن النجار: أنشدت له: لو صبّ ما ألقى على صخرة ... لذابت الصّخرة من وجدها أو ألقيت نيران قلبي على ... دجلة لم يقدر على وردها أو ذاقت النّار غرامي بكم ... لم تتوار النّار في زندها لو لم ترجّ الرّوح روح اللقا ... لكان روح الرّوح في فقدها وفيها ابن القبّيطيّ [١] أبو الفرج محمد بن علي بن حمزة أخو حمزة [٢] الحرّاني ثم البغدادي. روى عن الحسين، وأبي محمد، سبطي الخيّاط [٣] وأبي منصور بن خيرون، وطائفة، وكان متيقظا، حسن الأخلاق. وفيها محمد بن محمد بن أبي الفضل الخوارزمي [٤] . سمع من زاهر الشحّامي بأصبهان. وفيها ناصر الدّين أبو الثناء وأبو الشكر، محمود بن عثمان بن مكارم النعّال البغدادي الأزجي [٥] ، الفقيه الحنبلي، الواعظ الزاهد. ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة ببغداد، وقرأ القرآن، وسمع

стр. 2874

الحديث، من أبي الفتح بن البطّي [١] ، وحدّث، وحفظ «مختصر الخرقي» ، وقرأ على أبي الفتح بن المنّي، وصحب الشيخ عبد القادر مدة، وتأدّب به، وكان يطالع الفقه والتفسير، ويجلس في رباطه للوعظ، وكان رباطه مجمعا للفقراء وأهل الدّين والفقهاء الغرباء، الذين يرحلون إلى أبي الفتح بن المنّي، وكان الاشتغال في رباطه بالعلم أكثر من الاشتغال في سائر المدارس. سكنه الشيخ موفق الدّين المقدسي، والحافظ عبد الغني [وأخوه الشيخ العماد، والحافظ عبد القادر الرّهاوي، وغيرهم من أكابر الرحّالين لطلب العلم] [٢] . قال أبو الفرج بن الحنبلي [٣] : ولما قدمت بغداد سنة اثنتين وسبعين نزلت الرّباط، ولم يكن فيه بيت خال، فعمرت به بيتا وسكنته، وكان الشيخ محمود وأصحابه ينكرون المنكر، ويريقون الخمور، ويرتكبون الأهوال في ذلك، [حتّى إنه أنكر على جماعة من الأمراء، وبدّد خمورهم، وجرت بينه وبينهم فتن] وضرب مرات، وهو شديد في دين الله، له إقدام وجهاد. وكان كثير الذّكر، قليل الحظّ من الدنيا، وكان يسمّى شيخ الحنابلة. قال: وكان يهذّبنا ويؤدّبنا، وانتفعنا به كثيرا. وقال أبو شامة: كانت له رياضات وسياحات [٤] ومجاهدات، وساح في بلاد الشام وغيرها، وكان يؤثر أصحابه، وانتفع به خلق كثير، وكان مهيبا، لطيفا، كيّسا، باشّا، مبتسما، يصوم الدّهر، ويختم القرآن كل يوم وليلة [٥] ، ولا يأكل إلّا من غزل عمّته.

стр. 2875

توفي ليلة الأربعاء عاشر صفر عن أزيد من ثمانين سنة ودفن برباطه. وفيها أبو زكريا يحيى بن سالم بن مفلح البغدادي [١] نزيل الموصل، الحنبلي. سمع ببغداد من أبي الوقت، وتفقّه بها على صدقة بن الحسين بن الحداد، وحدّث بالموصل، وتوفي بها في شهر رمضان، ودفن بمقبرة الجامع العتيق.

стр. 2876

سنة عشر وستمائة فيها ظهرت بلاطة وهم يحفرون خندق حلب، وقلعت فوجد تحتها سبع عشرة قطعة من ذهب وفضة على هيئة اللّبن، فوزنت، فكانت ثلاثة وستين رطلا بالحلبي، وعشرة أرطال ونصف، وأربعة وعشرين فضة، ثم وجد حلقة من ذهب وزنها رطلان ونصف، فكمّل الجميع قنطارا. وفيها كما قال أبو شامة [١] : ورد الخبر بخلاص خوارزم شاه من أسر التتار. أي وذلك أنه كان صاحب إقدام، فكان من خبره أنه نازل التتار بجيوشه، فخطر له أن يكشفهم، فتنكر ولبس زيهم هو وثلاثة، ودخلوا فيهم، فأنكرتهم التتار وقبضوا عليهم، وقرّروهم، فمات اثنان تحت الضرب ولم يقرّا، ورسموا على خوارزم شاه ورفيقه فهربا في الليل. وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن محمد بن المبارك بن أحمد بن بكروس البغدادي [٢] الفقيه الحنبلي المعدّل، ويلقب شمس الدّين. ولد ليلة ثامن عشري جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وخمسمائة. ذكر [ابن] القادسي، أن أباه سمّاه عبد الرحمن، فرأى في منامه النّبيّ ﷺ ، وأمره أن يسمّيه إبراهيم ويكنيه أبا محمد، وقرأ القرآن على عمه، وسمع من

стр. 2877

أبيه وعمّه، ومن أبي الفتح بن البطّي وجماعة كثيرة، واشتغل بالمذهب على أبيه وعمه، وبالخلاف على أبي الفتح بن المنّي ولازمه مدة، وشهد عند قاضي القضاة ابن الشّهرزوري، وولي نظر وقوف الجامع، ثم ولي النيابة بباب النّوبي [١] سنة أربع وستمائة، فغيّر لباسه، وتغيرت أحواله، وأساء السيرة بكثرة الأذى والمصادرة والجنايات على الناس والسعي بهم. قال ابن القادسي: حدثني عبد العزيز بن دلف، قال: كان ابن بكروس يلازم قبر معروف الكرخي، فسمعته يدعو أكثر الأوقات: اللهم مكّني من دماء المسلمين ولو يوما واحدا. قال: فمكّنه الله تعالى من ذلك. وقال ابن السّاعي [٢] : حدثني عبد العزيز الناسخ، أنه وعظ ابن بكروس يوما فقال: يا شيخ! اعلم أني قد فرشت حصيرا في جهنم، فقمت متعجّبا من قوله، ولم يزل على ذلك إلى أن قبض عليه في ربيع الآخر، وضرب حتّى تلف فمات ليلة الخميس ثامن عشر جمادى الأولى. قال ابن القادسي: قرأ سورة يس فلما بلغ إلى قوله تعالى: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ٣٦: ٥٣ [يس: ٥٣] جعل يكررها إلى أن مات. انتهى. وفيها أبو الفضل تاج الأمناء أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله الدّمشقي المعدّل ابن عساكر [٣] ، والد العزّ النسّابة. ولد سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وسمع من نصر بن أحمد بن مقاتل، وأبي القاسم بن البنّ، وعمّيه الصائن، والحافظ، وطائفة، وسمع بمكّة

стр. 2878

من أحمد بن المقرّب، وخرّج لنفسه «مشيخة» وكتب وجمع، وخدم في جهات كبار. توفي في رجب. وفيها أبو الفضل التّركستاني أحمد بن مسعود بن علي [١] شيخ الحنفية بالعراق وعالمهم ومدرّس مشهد أبي حنيفة الإمام. توفي في ربيع الآخر. وفيها الفخر فخر الدّين إسماعيل بن علي بن حسين البغدادي الأزجي المأموني الفقيه الحنبلي أبو محمد، ويعرف بابن الرّفّاء المناظر، ويعرف أيضا بغلام ابن المنّي [٢] . ولد سنة تسع وأربعين وخمسمائة، ولازم أبا فتح نصر بن المنّي مدة، وسمع من شهدة، وكانت له حلقة كبيرة للمناظرة والاشتغال بعلم الكلام والجدل، ولم يكن في دينه بذاك، وتخرّج به جماعة، وأجاز لعبد الصمد بن أبي الجيش المقرئ. وولاه الخليفة الناصر النظر في قراه وعقاره الخاص، ثم صرفه. وقد حطّ عليه أبو شامة، ونسبه إلى الظلم في ولايته، وكذلك ابن النجّار، مع أنه قال: كان حسن العبارة، جيد الكلام في المناظرة، مقتدرا على ردّ الخصوم، وكانت الطوائف مجمعة على فضله وعلمه. قال: ورتّب ناظرا في ديوان المطبق مديدة فلم تحمد سيرته، فعزل واعتقل مدة بالديوان ثم أطلق، ولزم منزله. قال: ولم يكن في دينه بذاك. ذكر لي ولده أبو طالب عبد الله في معرض المدح، أنه قرأ المنطق والفلسفة على ابن مرقيس [٣] الطبيب

стр. 2879

النصراني، ولم يكن في زمانه أحد [١] أعلم منه بتلك العلوم، وأنه كان يتردد إليه إلى بيعة النصارى. قال: وسمعت من أثق به من العلماء أنه صنّف كتابا سماه «نواميس الأنبياء» يذكر فيه أنهم كانوا حكماء، كهرمس، وأرسطاطاليس. قال: وسألت بعض تلامذته الخصيصين به [عن ذلك] [٢] فما أثبته ولا أنكره. وقال: كان متسمحا في دينه، متلاعبا به، ولم يزد على ذلك. قال: وكان دائما يقع في الحديث، وفي رواته، ويقول: هم جهّال لا يعرفون العلوم العقلية ولا معاني الحديث الحقيقية، بل هم مع اللفظ الظاهر، ويذمهم ويطعن عليهم. ومما أنشده ابن النجّار من شعره: دليل على حرص ابن آدم أنّه ... ترى كفّه مضمومة وقت وضعه ويبسطها وقت الممات إشارة ... إلى صفرها مما حوى بعد جمعه وتوفي- كما قال أبو شامة، وابن القادسي- في ربيع الأول. وقال ابن النجار: يوم الثلاثاء ثامن ربيع الآخر، ودفن من يومه بداره بدرب الجب، ثم نقل إلى باب حرب، سامحه الله. وفيها أيدغمش [٣] السلطان شمس الدّين صاحب همذان وأصبهان والرّيّ. كان قد تمكّن وكثرت جيوشه واتّسعت ممالكه، بحيث إنّه حصر ولد

стр. 2880

أستاذه أبا بكر بن البهلوان بأذربيجان إلى أن خرج عليه منكلي بالتركمان وحاربه، واستعان عليه بالمماليك البهلوانية، فهرب إلى بغداد، فسلطنه الخليفة وأعطاه الكوسات في العام الماضي، فلما كان في المحرم كبسته التركمان وقتلوه وحملوا رأسه إلى منكلي. وفيها الحسين بن سعيد بن شنيف [١] أبو عبد الله الأمين. سمع من هبة الله بن الطبر، وقاضي المارستان وجماعة، وتوفي في المحرم ببغداد. وفيها زينب بنت إبراهيم القيسي زوجة الخطيب ضاء الدّين الدّولعي أم الفضل [٢] . سمعت من نصر الله المصّيصي، وأجاز لها أبو عبد الله الفراوي وخلق. توفيت في ربيع الأول. وفيها ابن حديدة الوزير معز الدّين أبو المعالي سعيد بن علي الأنصاري البغدادي [٣] وزر للناصر في سنة أربع وثمانين وخمسمائة، فلما عزل بابن مهدي صودر، فبذل للمترسّمين ذهبا وهرب، وحلق لحيته [٤] والتفّ في إزار، وبقي بأذربيجان مدة، ثم قدم بغداد ولزم بيته إلى أن مات في جمادى الأولى. وفيها عبد الجليل بن أبي غالب بن مندويه الأصبهاني أبو مسعود [٥] ، الصّوفي المقرئ، نزيل دمشق. روى «الصحيح» [٦] عن أبي الوقت، وروى عن نصر البرمكي.

стр. 2881

قال القوصي [١] : هو الإمام، شيخ القراء، بقية السّلف. توفي في جمادى الأولى. وفيها ابن هبل الطبيب العلّامة، مهذّب الدّين علي بن أحمد بن علي البغدادي [٢] ، نزيل الموصل. روى عن أبي القاسم بن السّمرقندي، وكان من الأذكياء الموصوفين، له عدة تصانيف وجماعة تلامذة. وفيها عين الشّمس بنت أحمد بن أبي الفرج الفقيهة الأصبهانية [٣] . سمعت حضورا في سنة أربع وعشرين من إسماعيل بن الإخشيذ، وسمعت من أبي ذرّ [الصّالحاني] ، وكانت آخر من حدّث عنهما. توفيت في ربيع الآخر. وفيها محمد بن مكّي بن أبي الرجاء بن علي بن الفضل الأصبهاني المليحي [٤] المحدّث الحنبلي المؤدّب. سمع من مسعود الثقفي وخلق كثير، وعني بهذا الشأن، وقرأ الكثير بنفسه، وكتب بخطّه وخرّج وأفاد الطلبة بأصبهان، وحدّث وأجاز للحافظ المنذري، ولأبي الحسن بن البخاري، وأحمد بن شيبان. وقد رويا عنه بالإجازة. توفي في العشر الأواخر من المحرّم بأصبهان. وفيها محمد بن حمّاد بن محمد بن جوخان البغدادي الضرير الفقيه الحنبلي [٥] أبو بكر. سمع الحديث من ابن البطّي، وشهدة، وحدّث بيسير، وحفظ القرآن وقرأه بتجويد وأقرأه، وتفقّه على ابن المنّي، وتكلّم في مسائل

стр. 2882

الخلاف، وتوفي يوم الأربعاء سلخ رمضان ببغداد وقد ناطح السبعين، ودفن بباب حرب. وفيها أبو العشائر بن التّلولي [١] محمد بن علي بن محمد بن كرم السّلامي المعدّل. سمع من ابن البطّي وجماعة، وتفقّه في مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وقرأ طرفا من العربية على ابن الخشّاب، وشهد عند قاضي القضاة العبّاسي، وكان يؤم بمسجد بالجانب الغربي من بغداد. حدّث وسمع منه قوم من الطلبة، وكان غاليا في التسنن، حتى إنه يقول أشياء لا يلزمه التلفظ بها. منها: أن بلالا خير من موسى بن جعفر ومن أبيه، وكان ذلك في وزارة القميّ الشيعي فنفاه إلى واسط، وكان ناظرها غاليا في التشيّع، فأخذه وطرحه في مطمورة إلى أن مات بها وانقطع خبره في هذه السنة، رحمه الله تعالى. وفيها صاحب المغرب السلطان الملك الناصر الملقب بأمير المؤمنين أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي القيسي [٢] وأمّه أمة روميّة، وكان أشقر أشهل أسيل الخدّ [٣] ، حسن القامة، طويل الصمت، كثير الإطراق، بعيد الغور، ذا شجاعة وحلم، وفيه بخل بيّن. تملّك بعد أبيه في صفر، سنة خمس وتسعين وخمسمائة، ووزر له غير واحد، منهم أخوه إبراهيم، وكان أولى بالملك منه. وفي سنة تسع وتسعين سار ونزل على مدينة فاس، وكان قد أخذها منهم ابن غانية فظفر جيشه بابن غانية عبد الله بن إسحاق بن غانية متولّي

стр. 2883

فاس، فقتلوه. ثم خرج عليه عبد الرحمن بن الجزارة [١] بالسّوس، وهزم الموحدين مرّات، ثم قتل واستولى ابن عمّة [٢] ابن غانية على إفريقية كلها سوى بجاية وقسنطينية [٣] فسار الناصر وحاصر المهديّة أربعة أشهر، ثم تسلّمها من ابن عمّة ابن غانية، وصار من خواص أمرائه، ثم خامر إليه سير أخو ابن غانية، فأكرمه أيضا. قال عبد الواحد المراكشي في «تاريخه» : فبلغني أن جملة ما أنفقه في هذه السفرة مائة وعشرين حمل ذهب، ثم دخل الأندلس في سنة ثمان وستمائة، فحشد له الإذفنش [٤] واستنفر عليه حتّى فرنج الشام وقسطنطينية الكبرى، وكانت وقعة الموضع المعروف بالعقاب، فانكسر المسلمون، وكان الذي أعان على ذلك أن البربر الموحّدين [٥] لم يسلّوا سلاحا، بل جبنوا وانهزموا غيظا على تأخير أعطياتهم، وثبت السلطان ولله الحمد ثباتا كليا، ولولا ذلك لاستؤصلت تلك الجموع، ورجعت الفرنج بغنائم لا تحصى، وأخذوا بلد بيّاسة [٦] عنوة، ثم مات بالسكتة في شعبان. وفيها أبو النجم هلال بن محفوظ الرّسعني الجزري [٧] الفقيه

стр. 2884

الحنبلي. رحل إلى بغداد، وسمع بها من شهدة الكاتبة وغيرها، وتفقّه بها. وبيته بالجزيرة بيت مشيخة وصلاح. حدّث [١] برأس العين، وسمع منه جماعة، رحمه الله تعالى [٢] .

стр. 2885

سنة إحدى عشرة وستمائة فيها توفي جمال الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن الفرّاء الحنبلي البغدادي [١] القاضي بن القاضي أبي يعلى [بن القاضي] أبي حازم بن القاضي أبي يعلى الكبير. ولد بواسط، إذ كان أبوه قاضيها [٢] بعد الأربعين وخمسمائة بقليل، وسمع الكثير من أبي بكر بن الزّاغوني، وسعيد بن البنا، وأبي الوقت، وابن البطّي، وخلق كثير. وعني بالحديث، وكتب بخطّه الكثير لنفسه وللناس، وشهد عند ابن الدّامغاني. قال ابن القادسي: كان خيّرا من أهل الدّين، والصّيانة، والعفّة، والدّيانة. وحدّث، وسمع منه ابن الدّبيثي وغيره، وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشري شعبان ودفن عند أبيه بباب حرب. وفيها الركن عبد السّلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الكيلاني [٣] ويلقب بالرّكن، وتقدم ذكر أبيه وجدّه. ولد ليلة ثامن ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وسمع

стр. 2886

الحديث من جدّه، وابن البطّي، وشهدة وغيرهم. وقرأ وكتب، وتفقّه بجدّه، ودرّس بمدرسة جدّه. وكان حنبليا، وولي عدة ولايات، وكان أديبا، كيّسا، مطبوعا عارفا بالمنطق، والفلسفة، والتنجيم، وغير ذلك من العلوم الرديّة، وبسبب ذلك نسب إلى عقيدة الأوائل، حتى قيل: إن والده رأى عليه يوما ثوبا بخاريّا فقال: والله هذا عجيب [١] !! ما زلنا نسمع البخاريّ ومسلم، فأمّا البخاريّ وكافر [٢] ، فما سمعناه. وكان أبوه كثير المجون والمداعبة، كما تقدم. وكان عبد السّلام أيضا غير ضابط للسانه، ولا مشكور في طريقته وسيرته، يرمى بالفواحش والمنكرات، وقد جرت عليه محنة في أيام الوزير ابن يونس، فإنه كبس دار عبد السّلام هذا وأخرج منها كتبا من كتب الفلاسفة، ورسائل إخوان الصفا، وكتب السحر، والنارنجات [٣] ، وعبادة النجوم، واستدعى ابن يونس العلماء، والفقهاء، والقضاة، والأعيان، وكان ابن الجوزي معهم، وقرئ في بعضها مخاطبة زحل يقول: أيها الكوكب المضيء المنير، أنت تدبّر الأفلاك، وتحيي وتميت، وأنت إلهنا، وفي حق المريخ من هذا الجنس، وعبد السلام حاضر، فقال ابن يونس: هذا حطّك؟ قال: نعم، قال: لم كتبته؟ قال: لأردّ [٤] على قائله، ومن يعتقده، فأمر بإحراق كتبه، فجلس قاضي القضاة، والعلماء، وابن الجوزي معهم على سطح مسجد مجاور لجامع الخليفة يوم الجمعة، وأضرموا نارا عظيمة تحت المسجد، وخرج الناس من الجامع، فوقفوا على طبقاتهم والكتب على سطح المسجد، وقام أبو بكر بن المارستانية، فجعل يقرأ كتابا كتابا من مخاطبات الكواكب ونحوها، ويقول: العنوا من كتبه، ومن يعتقده [٥] وعبد السلام

стр. 2887

حاضر، فتصيح [١] العوام باللّعن، فتعدى اللّعن إلى الشيخ عبد القادر، بل وإلى الإمام أحمد، وظهرت الأحقاد الصّدرية [٢] . ثم حكم القاضي بتفسيق عبد السلام ورمى طيلسانه، وأخرجت مدرسة جدّه من يده ويد أبيه عبد الوهاب، وفوّضت إلى الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي. قال ابن القادسي- بعد ذكر ذلك-: ثم أودع عبد السلام الحبس مدة، ولما أفرج عنه أخذ خطّه بأنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الإسلام حقّ وما كان عليه باطل، وأطلق. ثم لما قبض على ابن يونس، ردّت مدرسة الشيخ عبد القادر إلى ولده عبد الوهاب، وردّ ما بقي من كتب عبد السلام التي أحرق بعضها، وقبض على الشيخ أبي الفرج بسعي عبد السلام هذا، ونزل عبد السلام معه في السفينة إلى واسط، واستوفى بالكلام منه والشيخ ساكت. ولما وصل إلى واسط عقد مجلس حضره القضاة والشهود، وادعى عبد السلام على الشيخ بأنه تصرّف في وقف المدرسة، واقتطع من مالها، وأنكر الشيخ ذلك، وكتب محضر بما جرى، وأمر الشيخ بالمقام بواسط، ورجع عبد السلام. وذكره ابن النجار في «تاريخه» وذمّه ذما بليغا، وذكر أنه لم يحدّث بشيء، وأنه توفي يوم الجمعة لثمان خلون من رجب، ودفن شرقي بغداد. وفيها أبو محمد بن الأخضر الحافظ المتقن، مسند العراق، عبد العزيز بن محمود بن المبارك الجنابذي- بضم الجيم وفتح النون وموحدة

стр. 2888

ثم معجمة، نسبة إلى جنابذ، ويقال كونابذ، قرية بنيسابور- الحنبلي ثم البغدادي [١] . ولد يوم الخميس ثامن عشر رجب، سنة أربع وعشرين وخمسمائة ببغداد، وأول سماعه سنة ثلاث وخمسمائة. سمع بإفادة أبيه وأستاذه ابن بكروس من القاضي أبي بكر بن عبد الباقي، وأبي القاسم بن السّمرقندي، وخلق. وسمع هو بنفسه من أبي الفضل الأرموي، وابن الزّاغوني، وابن البنا، وابن ناصر الحافظ، وأبي الوقت، وطبقتهم، ومن بعدهم، وبالغ في الطلب، وقرأ بنفسه، وكتب بخطّه، وحصّل الأصول، ولازم أبا الحسن بن بكروس الفقيه، وابن ناصر، وانتفع بهما، ولم يزل يسمع ويقرأ على الشيوخ لإفادة الناس إلى آخر عمره. قال ابن النجار: صنّف مجموعات حسنة في كل فنّ، ولم يكن في أقرانه أكثر سماعا منه ولا أحسن أصولا، كأنها الشمس وضوحا وعليها أنوار الصدق. وبارك الله له في الرّواية، حتّى حدّث بجميع مسموعاته [٢] ومروياته. صحبته مدة طويلة، وقرأت عليه الكثير من الكتب الكبار والأجزاء، وأكثر ما جمعه وخرّجه، وعلّقت عنه، واستفدت منه كثيرا، وكان ثقة حجة نبيلا، ما رأيت في شيوخنا سفرا و [لا] حضرا مثله، في كثرة مسموعاته ومعرفته بمشايخه، وحسن أصوله وحفظه وإتقانه. وكان أمينا، متدينا، جميل الطريقة، عفيفا، أريد على أن يشهد عند القضاة فأبى ذلك، وكان من أحسن النّاس خلقا، وألطفهم طبعا، من محاسن البغداديين وظرفائهم، ما يملّ جليسه منه.

стр. 2889

وقال المنذري: حدّث نحوا من ستين سنة، وصنّف تصانيف مفيدة، وانتفع به جماعة، ولنا منه إجازة، وكان حافظ العراق في وقته. وقال ابن رجب: ومن تصانيفه «المقصد الأرشد في ذكر من [١] روى عن [الإمام] أحمد» في مجلدين، وكتاب «تنبيه اللّبيب وتلقيح فهم المريب في تحقيق أوهام الخطيب» و «تلخيص وصف الأسماء في اختصار الرسم والترتيب» أجزاء كثيرة، رأيت منه الجزء العشرين. وروى عنه ابن الجوزي، وابن الدّبيثي، وابن نقطة، وابن النجّار، والضياء المقدسي، والبرزالي، وابن خليل، وغيرهم من أكابر الحفّاظ، وتوفي ليلة السبت بين العشاءين، سادس شوال، ودفن بمقبرة باب حرب. وفيها أبو محمد عبد المحسن بن يعيش بن إبراهيم بن يحيى الحرّاني [٢] ، الفقيه الحنبلي. سمع بحرّان من أبي ياسر بن أبي حبّة، ورحل إلى بغداد، فسمع من ابن كليب، وابن الجوزي، وطبقتهما. وقرأ المذهب والخلاف، حتّى تميّز، وأقام ببغداد مدة، ثم عاد إلى حرّان، فأقام بها، ثم قدم بغداد حاجّا سنة عشر وستمائة، وحدّث بها، وسمع منه بعض الطلبة، ثم رجع إلى حرّان، فتوفي بها وهو شاب. وفيها علي بن المفضّل بن علي الإمام الحافظ المفتي شرف الدّين أبو الحسن اللّخمي المقدسي ثم الإسكندراني [٣] الفقيه المالكي. ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وتفقه على أبي طالب صالح [بن إسماعيل] بن بنت معافى، وأبي طاهر بن عوف، وأكثر إلى الغاية عن

стр. 2890

السّلفي والموجودين، ورحل سنة أربع وسبعين، فكتب عن الموجودين، وسكن في أواخر عمره بمصر، ودرّس بالصّاحبية، وصنّف التصانيف الحسان. توفي في غرة شعبان. وفيها الخطيب المالقي أبو بكر عبد الله بن الحسن بن أحمد الأنصاري القرطبي، الحافظ المالكي. كان إماما من الثقات. قاله ابن ناصر الدّين [١] . وفيها أبو المظفّر مهذّب الدّين محمد بن علي بن نصر بن البلّ الدّوري [٢] الواعظ الحنبلي. ولد سنة ست عشرة أو سبع عشرة وخمسمائة بالدّور- وهي دور الوزير ابن هبيرة بدجيل- ونشأ بها، ثم قدم بغداد واستوطنها، وسمع بها من ابن ناصر الحافظ، وابن الطّلّاية، والوزير ابن جهير، وابن الزّاغوني، وأبي الوقت وجماعة كثيرة، وقال الشعر، وفتح عليه في الوعظ، حتّى صار يضاهي ابن الجوزي ويزاحمه في أماكنه. ولما اعتقل ابن الجوزي بواسط خلا للدّوري الجو، فكان يعظ مكانه. قال ابن نقطة [٣] : سمعت منه وكان شيخا صالحا متعبدا. وقال المنذري [٤] : حدّث، وعمّر، وعجز عن الحركة، ولزم بيته إلى أن مات، وهو ابن أربع أو خمس وتسعين سنة، وكان شيخا صالحا متعبّدا.

стр. 2891

والبلّ: بفتح الباء الموحدة وتشديد اللام. انتهى. وقال ابن رجب: توفي يوم الثلاثاء ثاني عشر شعبان. وكان له ولد اسمه محمد يكنى أبا عبد الله. كانت له معرفة جيدة بالحساب وأنواعه، والمساحة، والفرائض، وقسمة التركات. وأقرأ ذلك مدة، وسمع من ابن البطّي وغيره، وشهد عند ابن الشّهرزوري. توفي شابا في حياة أبيه يوم الاثنين رابع عشري شوال، سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. وفيها أبو بكر بن الحلاوي عماد الدّين محمد بن معالي بن غنيمة البغدادي [١] المأموني، المقرئ الفقيه الحنبلي الزاهد. سمع من أبي الفتح ابن الكروخي، وابن ناصر، وأبي بكر بن الزّاغوني، وغيرهم. وتفقّه على أبي الفتح بن المنّي، وبرع في المذهب، حتّى قال الذهبي: هو شيخ الحنابلة في زمنه ببغداد، وعليه تفقه الشيخ المجد جدّ شيخنا ابن تيمية. وقال ابن القادسي: كانت له اليد الباسطة في المذهب والفتيا، وكان ملازما لزاويته في المسجد، قليل المخالطة إلّا لمن عساه أن [٢] يكون من أهل الدّين، ما ألم بباب أحد من أرباب الدّنيا، وما قبل لأحد هدية، وكان أحد الأبدال الذين يحفظ الله بهم الأرض ومن عليها. وقال النّاصح بن الحنبلي: كان زاهدا عالما فاضلا، مشتغلا بالكسب من الخياطة، ومشتغلا بالعلم، يقرئ القرآن احتسابا. وقال ابن رجب: له تصانيف، منها: «المنير في الأصول» وعليه تفقّه مجد الدّين بن تيمية، ويحيى بن الصّيرفي. وسمع منه هو، وابن القطيعي، وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشري رمضان، ودفن بباب حرب.

стр. 2892

وفيها أبو الحسن علي بن أبي بكر بن علي الهروي الأصل الموصلي المولد السائح [١] المشهور، نزيل حلب. طاف البلاد، وأكثر من الزيارات. قال ابن خلّكان [٢] : لم يترك برّا ولا بحرا ولا سهلا ولا جبلا من الأماكن التي يمكن قصدها ورؤيتها إلّا رآها [٣] . ولما سار ذكره بذلك واشتهر به، ضرب به المثل فيه. وله مصنفات، منها: كتاب «الإشارات في [معرفة] الزيارات» وكتاب «الخطب الهروية» وغير ذلك. وتوفي في العشر الأوسط من رمضان في مدرسته. انتهى ملخصا.

стр. 2893

سنة اثنتي عشرة وستمائة فيها أخذت أنطاكية من الفرنج، أخذها كيكاووس ملك الرّوم [١] . وفيها ثارت الكرج وبدّعوا بأذربيجان، وقتلوا وسبوا، وأسروا نحو مائة ألف. وفيها توفي ابن الدّبيقيّ أبو العبّاس أحمد بن يحيى بن بركة البزّاز [٢] ببغداد، وله بضع وثمانون سنة. روى عن قاضي المارستان، وابن زريق القزّاز، وجماعة، وهو ضعيف، ألحق اسمه في أماكن، توفي في ربيع الآخر. وفيها سليمان بن محمد بن علي الموصلي [٣] الفقيه أبو الفضل الصّوفي. ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وسمع من إسماعيل بن السّمرقندي، ويحيى بن الطّرّاح، وطائفة، وتوفي في ربيع الأول. وفيها أبو محمد بن حوط الله الحافظ عبد الله بن سليمان بن داود بن حوط الله الأنصاري الأندلسي [٤] .

стр. 2894

ولد سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وسمع من أبي الحسن بن هذيل، وابن حبيش، وخلق كثير. وكان موصوفا بالإتقان، حافظا لأسماء [١] الرجال. صنّف كتابا في تسمية شيوخ البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، ولم يتمّه. وكان إماما في العربية، والترسل، والشعر. ولي قضاء إشبيلية، وقرطبة، وأدّب أولاد المنصور صاحب المغرب بمرّاكش. توفي في ربيع الأول. وفيها عبد الله بن أبي بكر بن أحمد بن أحمد بن طليب أبو علي الحربي [٢] . روى عن عبد الله بن أحمد بن يوسف. توفي في ذي الحجة. وفيها ابن منينا أبو محمد عبد العزيز بن معالي بن غنيمة البغدادي الأشناني [٣] . آخر من حدّث بالعراق عن قاضي المارستان، وسمع من جماعة. توفي في ذي الحجة عن سبع وثمانين سنة. وفيها الحافظ أبو محمد عبد القادر [بن عبد الله] الرّهاوي [٤] الحنبلي.

стр. 2895

كان مملوكا لبعض أهل الموصل فأعتقه، وحبّب إليه فنّ الحديث، فسمع الكثير، وصنّف وجمع، وله «الأربعون المتباينة الإسناد والبلاد» وهو أمر ما سبقه إليه أحد ولا يرجوه بعده محدّث لخراب البلاد. سمع بأصبهان من مسعود الثقفي، وبهمذان من أبي العلاء الحافظ، وأبي زرعة المقدسي، وبهراة من عبد الجليل بن أبي سعد، وبمرو، ونيسابور، وسجستان، وبغداد، ودمشق، ومصر. قاله في «العبر» . وقال ابن خليل [١] : كان حافظا، ثبتا، [كثير السماع] كثير التصنيف، [متقنا] ختم به [علم] الحديث. وقال أبو شامة: كان صالحا، مهيبا، زاهدا، خشن العيش، ورعا، ناسكا. وقال ابن رجب: هو محدّث الجزيرة. ولد في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وخمسمائة بالرّها، ثم أصابه سبي [٢] لما فتح زنكي الرّها سنة تسع وثلاثين، فاشتراه بنو فهم الحرّانيّون وأعتقوه. وقال الدّبيثي: كان صالحا، كثير السماع، ثقة، كتب الناس عنه كثيرا، وأجاز لنا مرارا. وقال ابن النجار: كان حافظا، متقنا، فاضلا، عالما، ورعا، متدينا، زاهدا، عابدا، صدوقا، ثقة، نبيلا، على طريقة السّلف الصالح. لقيته بحرّان وكتبت عنه جزءا واحدا، انتخبته من عوالي مسموعاته في رحلتي الأولى. وقال ابن رجب: سمع منه خلق كثير من الحفّاظ والأئمة، منهم: أبو

стр. 2896

عمرو بن الصّلاح، وحدّث عنه ابن نقطة، وأبو عبد الله البرزالي، والضياء، وابن خليل، وابن عبد الدائم، وأبو عبد الله بن حمدان الفقيه، وهو خاتمة أصحابه. توفي- ﵀ يوم السبت ثاني جمادى الأولى بحرّان. وفيها أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن الحسين بن سليمان الباجسرائي [١] ثم البغدادي. الفقيه الحنبلي. ولد سنة تسع وأربعين وخمسمائة بباجسرا. وقدم بغداد في صباه، فسمع من شهدة وغيرها، وقرأ الفقه على أبي الفتح بن المنّي، ولازمه حتى برع، وقرأ الأصول، والخلاف، والجدل، على محمد [بن علي] النّوقاني [٢] الشافعي، وصحب ابن الصقّال، وصار معيدا لمدرسته، ثم درّس بمسجد شيخه ابن المنّي بالمأمونية مدة، وكان يؤم بمسجد الآجرة. وشهد عند قاضي القضاة ابن الشهرزوري. وكان فقيها فاضلا، حافظا للمذهب، حسن الكلام في مسائل الخلاف، متدينا، حسن الطريقة. ذكر ذلك ابن النجار، وقال: سمع معنا أخيرا من مشايخنا فأكثر، وكان حسن الأخلاق، متوددا. روى عنه أبو عبد الله ابن الدّبيثي، وابن السّاعي بالإجازة، وقال: أنشدني هذين البيتين: إذا أفادك إنسان بفائدة ... من العلوم فأدمن شكره أبدا وقل فلان جزاه الله صالحة ... أفادنيها وألق الكبر والحسدا

стр. 2897

توفي- ﵀ يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الأولى، ودفن بباب حرب. وفيها أبو الفتح عبد الوهاب بن بزغش- بالباء الموحدة المضمومة، وبالزاي والغين والشين المعجمات- العيبيّ بكسر العين المهملة وفتح الياء آخر الحروف وكسر الموحدة، نسب لذلك لأن أباه كان يحمل العيب التي فيها كتب الرسائل [١]- المقرئ البغدادي الحنبلي، ختن الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي. ولد سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة تقديرا. وقرأ القرآن [٢] بالروايات الكثيرة على سعد الله بن الدّجاجي وغيره، وسمع الحديث الكثير من أبي الوقت وخلق كثير، وعني بالحديث، وحصّل الأصول، وتفقّه في المذهب. قال ابن النجار: كان حسن المعرفة بالقراءات، حسن الأداء، طيّب النّغمة، ضابطا، له معرفة بالوعظ، يحسن الكلام في مسائل الخلاف. كتبنا عنه، وكان صدوقا، حسن الطريقة، متدينا، فقيرا، صبورا، وزمن في آخر عمره وانقطع في بيته مدة. وقال ابن نقطة: [هو] ثقة لكنه أخرج أحاديث مما قرب سنده، ولا يعرف الرّجال، فربما سقط من الإسناد رجلان أو أكثر، وهو لا يدري. وقال [ابن] القادسي: حدّث، وسمع منه جماعة. وتوفي ليلة الخميس خامس ذي القعدة، وصلّى عليه من الغد محيي الدّين بن الجوزي ودفن بباب حرب.

стр. 2898

وفيها أبو الحسن بن الصبّاغ القدوة العارف علي بن حميد الصعيدي [١] . صحب الشيخ عبد الرحيم القناوي [٢] وتخرّج به، وكان والده صباغا، وكان يعيب عليه عدم معاونته له وانقطاعه إلى أهل التصوف، فأخذ يوما الثياب التي عند والده جميعها، وطرحها في زير واحد، فصاح عليه والده، وقال: أتلفت ثياب الناس! وأخرجها، فإذا كل ثوب على اللون الذي أراد صاحبه، فحينئذ اشتهر أمره وصحبه خلائق. قال ابن الأهدل: وكان لا يصحب إلّا من رآه مكتوبا في اللّوح المحفوظ من أصحابه [٣] . وسأله إنسان الصحبة والخدمة له، فقال له: ما بقي عندنا وظيفة نحتاجك لها إلا أن تجيء كل يوم بحزمة من الحلفاء، فقال: نعم، فكان يأخذ المحش فيأتي كل يوم بحزمة، ثم ملّ وترك، فرأى القيامة قامت وأشرف على الوقوع في النار، وإذا حزمة الحلفاء تحته مارة به على النّار وهو فوقها حتى أخرجته، فجاء إلى الشيخ، فلما رآه قال: ما قلنا لك ما عندنا خدمة تصلح سوى الحلفاء، فاستغفر وعاد إلى الخدمة. وله مناقب كثيرة. انتهى. وقال في «العبر» [٤] : انتفع به خلق كثير. توفي في نصف شعبان ودفن برباطه بقناء [٥] من الصعيد، ﵀. انتهى.

стр. 2899

وفيها أبو عبد الله بن البناء الشيخ أبو النّجيب نور الدّين محمد بن أبي المعالي عبد الله بن موهوب بن جامع البغدادي [١] الصوفي. صحب الشيخ أبا النّجيب السّهروردي، وسمع من ابن ناصر، وابن الزّاغوني، وطائفة. وكتب سماعاته، وحدّث بالعراق، والحجاز، ومصر، والشام، واستقر بالسميساطية إلى أن توفي في ذي القعدة عن ست وسبعين سنة. وفيها ابن الجلاجلي كمال الدّين أبو الفتوح محمد بن علي بن المبارك البغدادي [٢] . التاجر الكبير. سمع من هبة الله بن أبي شريك الحاسب وغيره، وتوفي ببيت المقدس في رمضان. وفيها الوجيه بن الدهّان أبو بكر المبارك بن المبارك بن أبي الأزهر الواسطي [٣] الضرير النحوي. ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وسمع ببغداد من أبي زرعة، ولزم الكمال عبد الرحمن الأنباري، وأبا محمد بن الخشّاب، وبرع في العربية، ودرّس النحو بالنّظّامية، وكان حنبليا فتحوّل حنفيا، وقيل: تحوّل أيضا شافعيا، وفيه أبيات سائرة [٤] . توفي في شعبان ببغداد.

стр. 2900

وفيها موسى بن سعيد [١] أبو إسماعيل الهاشمي البغدادي [٢] ابن الصّيقل. سمع من إسماعيل بن السمرقندي، وأبي الفضل الأرموي، وكان صدرا معظما ولي [حجابة باب النّوبي، ثم] نقابة الكوفة. توفي في جمادى الأولى. وفيها يحيى بن ياقوت البغدادي [الفرّاش] [٣] ، المجاور بمكة. روى عن إسماعيل بن السمرقندي، وعبد الجبّار بن أحمد بن توبة، وجماعة، وتوفي في جمادى الآخرة، ﵀.

стр. 2901

سنة ثلاث عشرة وستمائة قال ابن الأثير [١] : فيها وقع بالبصرة برد [كثير] قيل: إن أصغره كالنارنجة [الكبيرة] ، وأكبره ما يستحي الإنسان أن يذكر. وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن الحسين البغدادي [٢] ، أخو الفخر إسماعيل غلام ابن المنّي. سمع الحديث، وتفقه في مذهب الحنابلة على أخيه، وتكلّم في مسائل الخلاف، وكان فقيها صالحا. توفي ثاني عشر ربيع الأول، ودفن عند أخيه بمقبرة الإمام أحمد. وفيها إسماعيل بن عمر بن بكر المقدسي [٣] أبو إسحاق وأبو القاسم وأبو الفضل، ويلقب محب الدّين، الحنبلي. سمع بدمشق من أبي اليمن الكندي وغيره، وبمصر من البوصيري والحافظ عبد الغني [٤] ، وببغداد من ابن الأخضر وطبقته، وبأصبهان من أبي عبد الله محمد بن مكّي وغيره، وكانت رحلته مع الضياء بعد الستمائة. وعني بالحديث، ووصفه جماعة بالحافظ، وتفقّه وحدّث، وتوفي في ثامن عشر شوال.

стр. 2902

وفيها الشيخ شرف الدّين أبو الحسن أحمد بن عبيد الله بن قدامة المقدسي [١] الحنبلي. ولد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وسمع من أبي الفرج ابن كليب وغيره، وحدّث، وكان فقيها فاضلا ديّنا عاملا، جمع الله له بين حسن الخلق والخلق، والأمانة والمروءة، وقضاء حوائج الإخوان، والكرم، والإحسان إلى الضعفاء والمرضى وقضاء حوائجهم، والتهجد. وكان يقول الحقّ ولا يحابي أحدا. توفي ليلة رابع عشر ذي القعدة ودفن من الغد بسفح قاسيون، ورؤيت له منامات حسنة جدا، ورثاه غير واحد، ولما توفي هؤلاء الثلاثة الأحبار [٢] المقدسيون، المحبّ، والعزّ [٣] ، والشّرف، في مدة متقاربة، رثاهم شيخ الإسلام موفق الدّين بقوله: مات المحبّ ومات العزّ والشّرف ... أئمة سادة ما منهم خلف كانوا أئمة علم يستضاء بهم ... لهفي على فقدهم لو ينفع اللهف ما ودّعوني غداة البين إذ رحلوا ... بل أودعوا قلبي الأحزان وانصرفوا وهي طويلة. وفيها العلّامة تاج الدّين الكندي أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن البغدادي [٤] ، المقرئ النحويّ اللغويّ. شيخ الحنفية والقرّاء والنّحاة بالشام، ومسند العصر. ولد سنة عشرين وخمسمائة، وأكمل القراءات العشرة، وله عشرة

стр. 2903

أعوام، وهذا ما لا نعلمه تهيأ لأحد سواه. اعتنى به سبط الخيّاط، فأقرأه وحرص عليه، وجهّزه إلى أبي القاسم هبة الله بن الطّبر، فقرأ عليه بست [١] روايات، وإلى أبي منصور ابن خيرون، وأبي بكر خطيب الموصل، وأبي الفضل بن المهتدي بالله. فقرأ عليهم بالروايات الكثيرة. وسمع من ابن الطّبر، وقاضي المارستان، وأبي منصور القزّاز، وخلق، وأتقن العربية على جماعة، وقال الشعر الجيد، ونال الجاه الوافر، فإن الملك المعظم كان مديما للاشتغال عليه، وكان ينزل إليه من القلعة. توفي في سادس شوال، ونزل الناس بموته درجة في القراءات وفي الحديث، لأنه آخر من سمع من القاضي أبي بكر، والقاضي أبو بكر آخر من سمع من أبي محمد الجوهري، والجوهري آخر من روى عن القطيعي، والقطيعي آخر من روى عن الكريمي وجماعة. قاله في «العبر» . قلت ومن شعره [٢] : تمنّيت في عصر [٣] الشّبيبة أنّني ... أعمّر والأعمار لا شكّ أرزاق [٤] فلمّا أتاني ما تمنّيت [٥] ساءني ... من العمر ما قد كنت أهوى وأشتاق وها أنا في إحدى وتسعين حجّة ... لها في إرعاد مخوف وإبراق يقولون ترياق لمثلك نافع ... وما لي إلّا رحمة الله ترياق وفيها عبد الرحمن بن علي الزّهري الإشبيلي [٦] أبو محمد، مسند الأندلس في زمانه. روى «صحيح البخاري» سماعا من أبي الحسن شريح،

стр. 2904

وعاش بعد ما سمعه ثمانين سنة، وهذا شيء لا نعلمه وقع لأحد بالأندلس غيره. توفي في آخر هذا العام. وفيها الملك الظاهر غازي [بن يوسف] [١] ، صاحب حلب، ولد السلطان صلاح الدّين يوسف بن أيوب. ولد بمصر سنة ثمان وستين وخمسمائة، وحدّث عن عبد الله بن برّي وجماعة، وكان بديع الحسن، كامل الملاحة، ذا غور ودهاء ورأي ومصادقة لملوك النواحي، فيوهمهم أنه لولا هو لقصدهم عمه العادل، ويوهم عمه أنّه لولا هو لاتفق عليه الملوك وشاقوه، وكان سمحا جوادا، تزوّج بابنتي عمّه. قال ابن خلّكان [٢] : كان ملكا، مهيبا، حازما، متيقظا، كثير الاطلاع على أحوال رعيته وأخبار الملوك، عالي الهمّة، حسن التدبير والسياسة، باسط العدل، محبا للعلماء، مجيزا للشعراء. أعطاه والده مملكة حلب في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة بعد أن كانت لعمّه الملك العادل، فنزل عنها وتعوّض غيرها. ويحكى عن سرعة إدراكه أشياء حسنة، منها: أنه جلس يوما لعرض العسكر، وديوانيّ [٣] الجيش بين يديه، فكان كلما حضر واحد من الأجناد سأله الديوانيّ [٣] عن اسمه لينزلوه حتّى حضر واحد فسألوه، فقبّل الأرض، فلم يفطن أحد من أرباب الديوان لما أراد، فعاودوا سؤاله [٤] ، فقال الملك الظاهر: اسمه غازي، وكان كذلك، وتأدب الجندي أن يذكر اسمه لما كان موافقا اسم السلطان، وعرف هو مقصوده، وله من هذا الجنس شيء

стр. 2905

كثير، وتوفي بقلعة حلب ليلة الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة، ودفن بالقلعة. ثم بنى الطواشيّ شهاب الدّين أتابك ولده الملك العزيز مدرسة تحت القلعة، وعمر فيها تربة ونقله إليها. والعجب أنه دخل حلب مالكا لها في الشهر بعينه واليوم سنة اثنتين وثمانين [وخمسمائة] . انتهى ملخصا. وكانت وفاته بالإسهال، وتسلطن بعده ولده الملك العزيز وله ثلاثة أعوام. وفيها الجاجرمي، مؤلّف «الكفاية» في الفقه، الإمام معين الدّين أبو حامد محمد بن إبراهيم الفقيه الشافعي. قال ابن خلّكان [١] : كان إماما، فاضلا، متقنا، مبرّزا. سكن نيسابور، ودرّس بها، وصنّف في الفقه كتاب «الكفاية» وهو في غاية الإيجاز، مع اشتماله على أكثر المسائل [٢] التي تقع في الفتاوى، وهو في مجلد واحد. وله كتاب «إيضاح الوجيز» أحسن فيه، وهو مجلدين، وله طريقة مشهورة في الخلاف والفوائد [٣] المشهورة منسوبة إليه. واشتغل عليه الناس وانتفعوا به بكتبه من بعده، خصوصا «القواعد» فإن الناس أكبوا على الاشتغال بها. وتوفي بكرة نهار الجمعة عاشر رجب بنيسابور. والجاجرمي: بفتح الجيمين وسكون الراء، نسبة إلى جاجرم، بلدة بين نيسابور وجرجان خرج منها جماعة من العلماء [٤] . انتهى.

стр. 2906

وفيها العزّ [١] محمد بن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحافظ ابن الحافظ أبو الفتح. ولد سنة ست وستين وخمسمائة، ورحل إلى بغداد، وهو مراهق، فسمع من ابن شاتيل [٢] وطبقته، وسمع بدمشق من أبي الفهم عبد الرحمن بن أبي العجائز وطائفة، وكتب الكثير، وعني بالحديث. وارتحل إلى أصبهان وغيرها، وكان موصوفا بحسن القراءة وجودة الحفظ والفهم. قال الضياء: كان حافظا، فقيها، حنبليا، ذا فنون. ثم وصفه بالديانة المتينة، والمروءة التّامة. وقال أبو شامة [٣] : صحب الملك المعظّم عيسى، وسمع بقراءته [٤] الكثير، وكان حافظا، ديّنا، زاهدا، ورعا. وقال الذهبي: روى عنه ابنا تقي الدّين أحمد، وعز الدّين عبد الرحمن، والحافظ ضياء الدّين، والشهاب القوصي، والشيخ شمس الدّين عبد الرحمن بن أبي عمر، وابن البخاري، وآخرون. توفي- ﵀ ليلة الاثنين، تاسع عشر شوال، ودفن بسفح قاسيون. قال الحافظ الضياء: قال بعضهم: كنا نقرأ عنده ليلة مات، فرأيت على بطنه نورا مثل السّراج.

стр. 2907

سنة أربع عشرة وستمائة ايها توفي أبو الخطّاب بن واجب أحمد بن محمد بن عمر القيسي البلنسي، الإمام المالكي. ولد سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. وأكثر عن جدّه أبي حفص بن واجب، وابن هذيل، وابن قزمان صاحب ابن الطلّاع، وطائفة. وأجاز له أبو بكر بن العربي. قال [ابن] الأبّار: هو حامل راية الرواية بشرق الأندلس، وكان متقنا، ضابطا، نحويا، عالي الإسناد، ورعا، قانتا، له عناية كاملة بصناعة الحديث. ولي القضاء ببلنسية وشاطبة غير مرة، ومعظم روايتي عنه. انتهى. وفيها الشيخ العماد أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي [١] الحنبلي، أخو الحافظ عبد الغني. ولد بجمّاعيل سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وهاجر سنة إحدى وخمسين مع أقاربه، وسمع من عبد الواحد بن هلال وجماعة، وببغداد من شهدة، وصالح بن الرّحلة، وبالموصل من خطيبها، وحفظ «الخرقي» [٢]

стр. 2908

و «الغريب» للعزيزي. وألقى الدروس، وناظر، واشتغل، وقرأ القراءات على أبي الحسن البطائحي، وكان متصديا لإقراء القرآن والفقه، ورعا، تقيا، متواضعا، سمحا، مفضالا، صوّاما، قوّاما، صاحب أحوال وكرامات، موصوفا بطول الصلاة. قال الشيخ الموفق: ما فارقته إلّا أن يسافر، فما عرفته أنه عصى الله معصية. وقال الحافظ الضياء: كان عالما بالقرآن، والنحو، والفرائض، وغير ذلك من العلوم. وصنّف كتاب «الفروق» في المسائل الفقهية. وكان من كثرة اشتغاله وإشغاله لا يتفرغ للتصنيف والكتابة، وكان يشغل بالجبل إذا كان الشيخ موفق الدّين في المدينة، فإذا صعد الموفق نزل هو فأشغل بالمدينة. وكان يشغل بجامع دمشق من الفجر إلى العشاء لا يخرج إلّا لما لا بد له منه. يقرئ القرآن والعلم، فإذا لم يبق له من يشتغل عليه اشتغل بالصلاة، وكان داعية إلى السّنّة، وتعلّم العلم والدّين، وما علم أنه أدخل نفسه في شيء من أمر الدنيا، ولا تعرض له، ولا نافس فيها. وكان يحترز في الفتاوى احترازا كثيرا. وكان كثير الورع والصدق، سمعته يقول لرجل: كيف ولدك؟ فقال: يقبّل يدك، فقال: لا تكذب. وكان كثير الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، خرج مرّة إلى قوم من الفسّاق فكسر ما معهم، فضربوه ونالوا منه، حتّى غشي عليه، فأراد الوالي ضرب الذين نالوا منه، فقال: إن تابوا ولزموا الصلاة فلا تؤذهم [١] ، وهم في حلّ من قبلي، فتابوا ورجعوا عما كانوا عليه. وسمعت الإمام أبا إبراهيم محاسن بن عبد الملك التّنوخي يقول: كان الشيخ العماد جوهرة العصر، وكان كثير التواضع، يذمّ نفسه ويقول: ايش

стр. 2909

يجيء مني، وكان يكثر في دعائه من قول: اللهم اجعل عملنا صالحا واجعله لوجهك الكريم خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا. اللهم خلّصني من مظالم نفسي، ومظالم كل شيء قبل الموت، ولا تمتني ولأحد عليّ مظلمة يطلبني بها بعد الموت. ولا بد من الموت فاجعله على توبة نصوح بعد الإخلاص من مظالم نفسي ومظالم العباد قتلا في سبيلك على سنتك وسنة رسولك، شهادة يغبطني بها الأولون والآخرون، واجعل النّقلة إلى روح وريحان [ومستراح] في جنّات النعيم، ولا تجعلها إلى نزل من حميم وتصلية جحيم. قال الضياء: توفي- ﵀ ليلة الخميس وقت عشاء الآخرة، وكان صلى تلك الليلة المغرب بالجامع ثم مضى إلى البيت، وكان صائما فأفطر على شيء يسير، ولما جاءه الموت جعل يقول: يا حيّ يا قيوم برحمتك أستغيث، واستقبل القبلة وتشهّد ومات. وقال سبط ابن الجوزي: غسّل وقت السحر، وأخرجت جنازته إلى جامع دمشق، فما وسع الناس الجامع، وصلى عليه الموفق بحلقة الحنابلة بعد جهد جهيد، وكان يوما لم ير في الإسلام مثله. كان أول الناس عند مغارة الدّم ورأس الجبل إلى الكهف، وآخرهم بباب الفراديس. وما وصل إلى الجبل إلى آخر النهار. قال: وتأملت الناس من أعلى قاسيون إلى الكهف إلى قريب الميطور [١] ، لو رمى الإنسان عليهم إبرة لما ضاعت. فلما كان في الليل نمت وأنا متفكر في جنازته، وذكرت أبيات سفيان الثوري التي أنشدها في المنام:

стр. 2910

نظرت إلى ربّي كفاحا فقال لي ... هنيئا رضائي عنك يا بن سعيد فقد كنت قوّاما إذا أقبل الدّجى ... بعبرة مشتاق وقلب عميد فدونك فاختر أيّ قصر تريده ... وزرني فإني منك غير بعيد وقلت: أرجو أن العماد يرى ربّه كما رآه سفيان عند نزول حفرته، ونمت فرأيت العماد في النوم وعليه حلّة خضراء، وعمامة خضراء، وهو في مكان متسع كأنه روضة، وهو يرقى في درج مرتفعة، فقلت: يا عماد الدّين، كيف بت؟ فإني والله متفكر [١] فيك، فنظر إليّ وتبسم على عادته، وقال: رأيت إلهي حين أنزلت حفرتي ... وفارقت أصحابي وأهلي وجيرتي فقال: جزيت الخير عنّي فإنني ... رضيت فها عفوي لديك ورحمتي دأبت [٢] زمانا تأمل الفوز والرّضى ... فوقّيت نيراني ولقّيت جنّتي قال: فانتبهت مرعوبا وكتبت الأبيات. وتوفي- ﵀ ورضي عنه- فجأة في سابع عشر ذي القعدة. وفيها عبد الله بن عبد الجبّار العثماني أبو محمد الاسكندراني [٣] التاجر المحدّث. سمع من السّلفي فأكثر، وتوفي في ذي الحجة عن سبعين سنة. وفيها ابن الحرستاني، قاضي القضاة جمال الدّين أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري الخزرجي الدمشقي [٤] الشافعي.
следующие страницы →