← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

وفيها العزّ [١] محمد بن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحافظ ابن الحافظ أبو الفتح. ولد سنة ست وستين وخمسمائة، ورحل إلى بغداد، وهو مراهق، فسمع من ابن شاتيل [٢] وطبقته، وسمع بدمشق من أبي الفهم عبد الرحمن بن أبي العجائز وطائفة، وكتب الكثير، وعني بالحديث. وارتحل إلى أصبهان وغيرها، وكان موصوفا بحسن القراءة وجودة الحفظ والفهم. قال الضياء: كان حافظا، فقيها، حنبليا، ذا فنون. ثم وصفه بالديانة المتينة، والمروءة التّامة. وقال أبو شامة [٣] : صحب الملك المعظّم عيسى، وسمع بقراءته [٤] الكثير، وكان حافظا، ديّنا، زاهدا، ورعا. وقال الذهبي: روى عنه ابنا تقي الدّين أحمد، وعز الدّين عبد الرحمن، والحافظ ضياء الدّين، والشهاب القوصي، والشيخ شمس الدّين عبد الرحمن بن أبي عمر، وابن البخاري، وآخرون. توفي- ﵀ ليلة الاثنين، تاسع عشر شوال، ودفن بسفح قاسيون. قال الحافظ الضياء: قال بعضهم: كنا نقرأ عنده ليلة مات، فرأيت على بطنه نورا مثل السّراج.

стр. 2907

سنة أربع عشرة وستمائة ايها توفي أبو الخطّاب بن واجب أحمد بن محمد بن عمر القيسي البلنسي، الإمام المالكي. ولد سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. وأكثر عن جدّه أبي حفص بن واجب، وابن هذيل، وابن قزمان صاحب ابن الطلّاع، وطائفة. وأجاز له أبو بكر بن العربي. قال [ابن] الأبّار: هو حامل راية الرواية بشرق الأندلس، وكان متقنا، ضابطا، نحويا، عالي الإسناد، ورعا، قانتا، له عناية كاملة بصناعة الحديث. ولي القضاء ببلنسية وشاطبة غير مرة، ومعظم روايتي عنه. انتهى. وفيها الشيخ العماد أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي [١] الحنبلي، أخو الحافظ عبد الغني. ولد بجمّاعيل سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وهاجر سنة إحدى وخمسين مع أقاربه، وسمع من عبد الواحد بن هلال وجماعة، وببغداد من شهدة، وصالح بن الرّحلة، وبالموصل من خطيبها، وحفظ «الخرقي» [٢]

стр. 2908

و «الغريب» للعزيزي. وألقى الدروس، وناظر، واشتغل، وقرأ القراءات على أبي الحسن البطائحي، وكان متصديا لإقراء القرآن والفقه، ورعا، تقيا، متواضعا، سمحا، مفضالا، صوّاما، قوّاما، صاحب أحوال وكرامات، موصوفا بطول الصلاة. قال الشيخ الموفق: ما فارقته إلّا أن يسافر، فما عرفته أنه عصى الله معصية. وقال الحافظ الضياء: كان عالما بالقرآن، والنحو، والفرائض، وغير ذلك من العلوم. وصنّف كتاب «الفروق» في المسائل الفقهية. وكان من كثرة اشتغاله وإشغاله لا يتفرغ للتصنيف والكتابة، وكان يشغل بالجبل إذا كان الشيخ موفق الدّين في المدينة، فإذا صعد الموفق نزل هو فأشغل بالمدينة. وكان يشغل بجامع دمشق من الفجر إلى العشاء لا يخرج إلّا لما لا بد له منه. يقرئ القرآن والعلم، فإذا لم يبق له من يشتغل عليه اشتغل بالصلاة، وكان داعية إلى السّنّة، وتعلّم العلم والدّين، وما علم أنه أدخل نفسه في شيء من أمر الدنيا، ولا تعرض له، ولا نافس فيها. وكان يحترز في الفتاوى احترازا كثيرا. وكان كثير الورع والصدق، سمعته يقول لرجل: كيف ولدك؟ فقال: يقبّل يدك، فقال: لا تكذب. وكان كثير الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، خرج مرّة إلى قوم من الفسّاق فكسر ما معهم، فضربوه ونالوا منه، حتّى غشي عليه، فأراد الوالي ضرب الذين نالوا منه، فقال: إن تابوا ولزموا الصلاة فلا تؤذهم [١] ، وهم في حلّ من قبلي، فتابوا ورجعوا عما كانوا عليه. وسمعت الإمام أبا إبراهيم محاسن بن عبد الملك التّنوخي يقول: كان الشيخ العماد جوهرة العصر، وكان كثير التواضع، يذمّ نفسه ويقول: ايش

стр. 2909

يجيء مني، وكان يكثر في دعائه من قول: اللهم اجعل عملنا صالحا واجعله لوجهك الكريم خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا. اللهم خلّصني من مظالم نفسي، ومظالم كل شيء قبل الموت، ولا تمتني ولأحد عليّ مظلمة يطلبني بها بعد الموت. ولا بد من الموت فاجعله على توبة نصوح بعد الإخلاص من مظالم نفسي ومظالم العباد قتلا في سبيلك على سنتك وسنة رسولك، شهادة يغبطني بها الأولون والآخرون، واجعل النّقلة إلى روح وريحان [ومستراح] في جنّات النعيم، ولا تجعلها إلى نزل من حميم وتصلية جحيم. قال الضياء: توفي- ﵀ ليلة الخميس وقت عشاء الآخرة، وكان صلى تلك الليلة المغرب بالجامع ثم مضى إلى البيت، وكان صائما فأفطر على شيء يسير، ولما جاءه الموت جعل يقول: يا حيّ يا قيوم برحمتك أستغيث، واستقبل القبلة وتشهّد ومات. وقال سبط ابن الجوزي: غسّل وقت السحر، وأخرجت جنازته إلى جامع دمشق، فما وسع الناس الجامع، وصلى عليه الموفق بحلقة الحنابلة بعد جهد جهيد، وكان يوما لم ير في الإسلام مثله. كان أول الناس عند مغارة الدّم ورأس الجبل إلى الكهف، وآخرهم بباب الفراديس. وما وصل إلى الجبل إلى آخر النهار. قال: وتأملت الناس من أعلى قاسيون إلى الكهف إلى قريب الميطور [١] ، لو رمى الإنسان عليهم إبرة لما ضاعت. فلما كان في الليل نمت وأنا متفكر في جنازته، وذكرت أبيات سفيان الثوري التي أنشدها في المنام:

стр. 2910

نظرت إلى ربّي كفاحا فقال لي ... هنيئا رضائي عنك يا بن سعيد فقد كنت قوّاما إذا أقبل الدّجى ... بعبرة مشتاق وقلب عميد فدونك فاختر أيّ قصر تريده ... وزرني فإني منك غير بعيد وقلت: أرجو أن العماد يرى ربّه كما رآه سفيان عند نزول حفرته، ونمت فرأيت العماد في النوم وعليه حلّة خضراء، وعمامة خضراء، وهو في مكان متسع كأنه روضة، وهو يرقى في درج مرتفعة، فقلت: يا عماد الدّين، كيف بت؟ فإني والله متفكر [١] فيك، فنظر إليّ وتبسم على عادته، وقال: رأيت إلهي حين أنزلت حفرتي ... وفارقت أصحابي وأهلي وجيرتي فقال: جزيت الخير عنّي فإنني ... رضيت فها عفوي لديك ورحمتي دأبت [٢] زمانا تأمل الفوز والرّضى ... فوقّيت نيراني ولقّيت جنّتي قال: فانتبهت مرعوبا وكتبت الأبيات. وتوفي- ﵀ ورضي عنه- فجأة في سابع عشر ذي القعدة. وفيها عبد الله بن عبد الجبّار العثماني أبو محمد الاسكندراني [٣] التاجر المحدّث. سمع من السّلفي فأكثر، وتوفي في ذي الحجة عن سبعين سنة. وفيها ابن الحرستاني، قاضي القضاة جمال الدّين أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري الخزرجي الدمشقي [٤] الشافعي.

стр. 2911

ولد سنة عشرين وخمسمائة، وسمع سنة خمس وعشرين من عبد الكريم بن حمزة، وجمال الإسلام [١] ، وطاهر بن سهل الإسفراييني والكبار. ودرّس وأفتى، وبرع في المذهب، وانتهى إليه علو الإسناد، وكان صالحا عابدا من قضاة العدل. قال ابن شهبة: تفرّد بالروايات عن أكثر شيوخه، ورحل إلى حلب وتفقّه بها على المحدّث الفقيه أبي الحسن المرادي [٢] ، وناب في القضاء عن ابن أبي عصرون، ثم ولي قضاء الشام في آخر عمره سنة اثنتي عشرة، ودرّس بالعزيزية، وكان يجلس للحكم بالمجاهدية. وكان إماما عارفا بالمذهب، ورعا، صالحا، محمود الأحكام، حسن السيرة، كبير القدر. وقال أبو شامة: حدثني الشيخ عز الدّين بن عبد السّلام أنه لم ير أفقه منه، وعليه كان ابتداء اشتغاله، ثم صحب فخر الدّين بن عساكر، فسألته عنهما فرجح ابن الحرستاني وقال: إنه كان يحفظ كتاب «الوسيط» للغزالي. قال: ولما طلب للقضاء امتنع من الولاية حتى ألحوا عليه فيها، وكان صارما عادلا على طريقة السلف في لباسه وعفته، بقي في القضاء سنتين وسبعة أشهر. وقال سبط ابن الجوزي: كان زاهدا عفيفا عابدا ورعا نزها، لا تأخذه في الله لومة لائم، اتفق أهل دمشق على أنه ما فاتته صلاة بجامع دمشق في جماعة إلّا إذا كان مريضا. توفي في رابع ذي الحجة، وهو ابن خمس وتسعين سنة.

стр. 2912

وفيها علي بن محمد بن علي الموصلي [١] أبو الحسن، أخو سليمان. سمع من الحسين سبط الخيّاط، وأبي البدر الكرخي، وجماعة. وتوفي في جمادى الآخرة. وفيها ابن جبير الكناني، الإمام الرئيس محمد بن أحمد بن جبير البلنسي [٢] . نزيل شاطبة. ولد سنة أربعين وخمسمائة، وسمع من أبيه، وعلي بن أبي العيش المقرئ، وأجاز له أبو الوليد بن الدبّاغ، وحجّ فحدّث في طريقه. قال [ابن] الأبّار: عني بالآداب فبلغ فيها الغاية، وتقدم في صناعة النظم والنثر، ونال بذلك دنيا عريضة، ثم زهد ورحل مرتين إلى المشرق، وفي الثالثة توفي بالإسكندرية في شعبان. وفيها أبو عبد الله بن سعادة الشّاطبي [٣] المعمّر محمد بن عبد العزيز ابن سعادة. أخذ قراءة نافع عن أبي عبد الله بن غلام الفرس، والقراءات عن ابن هذيل، وأبي بكر محمد بن أحمد بن عمران. وسمع من ابن النّعمة، وابن عاشر، وأبي عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة. أكثر عنه [ابن] الأبّار، وكان مولده سنة ست عشرة وخمسمائة أو قبل ذلك، وتوفي بشاطبة في شوال. وفيها الشجاع محمود الدّماغ [٤] : كانت له ثروة عظيمة، وقف مدرسة للشافعية والحنفية داخل باب الفرج، تعرف بالدّماغية.

стр. 2913

سنة خمس عشرة وستمائة فيها جاءت رسل جنكزخان ملك التتار محمود الخوارزمي، وعلي البخاري بتقدمة مستظرفة إلى خوارزم شاه، وتطلب [١] منه المسالمة والهدنة، فاستمال خوارزم شاه محمودا الخوارزمي وقال: أنت منا وإلينا، وأعطاه معضدة جوهر، وقرّر [٢] معه أن يكون عينا للمسلمين. ثم قال له: أصدقني، أيملك جنكزخان طمغاج الصين؟ قال: نعم. قال: فما ترى؟ قال: الهدنة. فأجاب، وسرّ جنكزخان بإجابته. واستقرّ الحال إلى أن جاء من بلاده تجّار إلى ما وراء النهر وعليها خال خوارزم شاه، فقبض عليهم وأخذ أموالهم شرها منه. ثم كاتب خوارزم شاه يقول: إنهم تتار في زيّ التجار، وقصدهم يجسّوا البلاد، ثم جاءت رسل جنكزخان إلى خوارزم شاه تقول: إن كان ما فعله خالك بأمره فسلّمه إلينا، وإن كان بأمرك فالعذر قبيح، وستشاهد ما تعرفني به، فندم خوارزم شاه وتجلّد، وأمر بالرّسل فقتلوا لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كانَ مَفْعُولًا ٨: ٤٢ [الأنفال: ٤٢] . فيا لها من حركة عظيمة الشؤم أجرت بكل قطرة بحرا من الدماء. وفيها توفي محدّث بغداد أبو العبّاس البندنيجي- بفتح الباء الموحدة والمهملة وسكون النون الأولى وكسر الثانية ثم تحتية وجيم، نسبة إلى

стр. 2914

بندنيجين [١] بلفظ المثنى بلد قرب بغداد- أحمد بن أحمد بن أحمد بن كرم [٢] بن غالب البغدادي الأزجي، الحافظ المحدّث المعدّل الحنبلي. ولد في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وتلقّن القرآن من أبي حكيم النّهرواني، وقرأه [٣] بالروايات على أبي الحسن البطائحي وغيره. وسمع الحديث الكثير من أبي بكر بن الزّاغوني، وأبي الوقت، وخلق. قال الدّبيثي: كان وافر السماع، كثير الشيوخ، حسن الأصول، حدّث بالكثير وسمع منه جماعة. وقال ابن ناصر الدّين [٤] : هو محدّث بغداد. كان حافظا مكثرا، لكنه غير عمدة، رماه ابن الأخضر وكذّبه وقبله غيره. وقال ابن رجب في «طبقاته» [٥] : توفي معه في ثالث عشر [٦] رمضان أبو محمد عبد الكافي بن بدر بن حسّان الأنصاري الشّامي الأصل المصري النجّار الحنبلي، وكان صالحا كثير الصيام والتعبد. سمع من البوصيري، والأرتاحي، وعبد الغني الحافظ [٧] ، وربيعة بن نزار، وغيرهم، وعلّق عنه المنذري شيئا. توفي وله نحو الستين سنة. انتهى.

стр. 2915

أي ودفن الأول بباب حرب من بغداد والثاني بالمقطّم من مصر. وفيها الشمس العطّار أبو القاسم أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد السّلمي البغدادي الصيدلاني [١] ، نزيل دمشق. ولد سنة ست وأربعين وخمسمائة، وسمع الناس منه «صحيح البخاري» غير مرّة. وكان ثقة. توفي في شعبان. وفيها صاحب الموصل السلطان الملك القاهر عز الدّين أبو الفتح مسعود بن السلطان نور الدّين أرسلان شاه بن مسعود الأتابكي [٢] . ولد سنة تسعين وخمسمائة، وتملّك بعد أبيه، وله سبع عشرة سنة، وكان موصوفا بالملاحة والعدل والسماحة، قيل: إنّه سمّ ومات في ربيع الآخر وله خمس وعشرون سنة، وعظم [على] الرّعية فقده. وولي بعده بعهد منه ولده نور الدّين أرسلان شاه، ويسمّى أيضا عليّا، وله عشر سنين، فمات في أواخر السنة أيضا. وفيها زينب الشّعريّة الحرّة أمّ المؤيّد [٣] بنت أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن أحمد بن سهل الجرجاني ثم النيسابوري الشعري [٤] الصّوفي. ولدت سنة أربع وعشرين [وخمسمائة] ، وسمعت من ابن الفراوي

стр. 2916

عبد الله لا من أبيه، ومن زاهر الشّحّامي، وعبد المنعم بن القشيري [١] ، وطائفة. توفيت في جمادى الآخرة وانقطع بموتها إسناد عال. وفيها أبو القاسم الدّامغاني [٢] . قاضي القضاة، عبد الله بن الحسين ابن أحمد بن علي بن قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني، الفقيه الحنفي [٣] العلّامة عماد الدّين. سمع من تجنّي الوهبانية، وولي القضاء بالعراق سنة ثلاث وستمائة إلى أن عزل سنة إحدى عشرة، وتوفي في ذي القعدة. وفيها القاضي شرف الدّين بن الزّكي القرشي أبو طالب، عبد الله بن زين القضاة عبد الرحمن بن سلطان بن يحيى بن علي الدّمشقي الشافعي. قال ابن شهبة [٤] : ناب في القضاء عن ابن عمّه القاضي محيي الدّين ابن الزّكي، وعن أبيه زكي الدّين الطاهر، ودرّس بالرواحية، فكان أول من درّس بها. ودرّس بالشامية البرانية. وقال ابن كثير [٥] : إنه أول من درّس بها أيضا.

стр. 2917

وقال سبط ابن الجوزي: كان فقيها نزها لطيفا عفيفا. وقال الشهاب القوصي: كان ممن زاده الله بسطة في العلم والجسم. توفي في شعبان. وفيها الشّهاب فتيان بن علي بن فتيان بن ثمال الأسدي الحنفي الدمشقي المعروف بالشّاغوري. قال ابن خلّكان [١] : كان فاضلا شاعرا ماهرا، خدم الملوك ومدحهم وعلّم أولادهم. وله ديوان شعر فيه مقاطيع حسان، وأقام مدة بالزّبداني [٢] وله فيها أشعار لطيفة، فمن ذلك قوله في جهة الزّبداني- وهي أرض فيحاء جميلة المنظر، تتراكم عليها الثلوج في زمن الشتاء، وتنبت أنواع الأزهار في أيام الربيع، ولقد أحسن فيها كل الإحسان وهي-: قد أجمد الخمر كانون بكل قدح ... وأخمد الجمر في الكانون حين قدح يا جنّة الزّبداني أنت مسفرة ... عن كلّ حسن إذا وجه الزّمان كلح فالثّلج قطن عليه السّحب تندفه [٣] ... والجوّ يحلجه والقوس قوس قزح وله وقد دخل إلى حمّام ماؤها شديد الحرارة، وكان قد شاخ: أرى ماء حمّامكم كالحميم ... نكابد منه عناء وبؤسا وعهدي بكم تسمطون الجداء [٤] ... فما بالكم تسمطون التّيوسا

стр. 2918

وله: علام تحرّكي والحظّ ساكن ... وما نهنهت في طلب ولكن أرى نذلا تقدّمه المساوي ... على حرّ تؤخّره المحاسن توفي بدمشق ودفن بمقابر باب الصغير. وفيها صاحب الرّوم الملك الغالب عزّ الدّين كيكاوس بن كيخسرو ابن قلج أرسلان السّلجوقي، سلطان قونية، وأقصرا، وملطية، وأخو السلطان علاء الدّين كيقباذ [١] . كان ظلوما غشوما سفّاكا للدماء، قيل: إنه مات فجأة مخمورا فأخرجوا أخاه علاء الدّين وملّكوه بعده، وذلك في شوال. قاله في «العبر» [٢] . وفيها ركن الدّين أبو حامد محمد بن العميد الفقيه الحنفي السمرقندي [٣] ، مصنّف الطريقة العميدية المشهورة. كان إماما في الخلاف، وشرح «الإرشاد» وصنف كتاب «النفائس» وكان حسن الأخلاق، كثير التواضع. توفي في جمادى الآخرة ببخارى. وفيها شهاب الدّين عبد الرحمن بن عمر بن أبي نصر بن علي بن عبد الدّائم بن الغزّالي البغدادي [٤] الحنبلي الواعظ أبو محمد. ولد في جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وسمع الكثير بإفادة أبيه وبنفسه من الحافظ ابن ناصر، وسعد بن البنا، وأبي بكر بن الزّاغوني، وأبي الوقت، وغيرهم. وعني بهذا الشأن، وله في الخطّ طريقة

стр. 2919

حسنة معروفة، ووعظ مدة، ومال إلى مدح الحلّاج وتعظيمه، ولقد أخطأ في ذلك. قال ابن النجّار: سمعت بقراءته كثيرا وسمعت منه، وكان سريع القراءة والكتابة، إلّا أنه قليل المعرفة بأسماء المحدّثين، وحدّث وسمع منه جماعة، وأجاز المنذريّ [١] وغيره، وروى عنه ابن الصّيرفي، وتوفي يوم [٢] الثلاثاء نصف شعبان ودفن بباب حرب. وفيها السلطان الملك العادل سيف الدّين أبو بكر محمد بن الأمير نجم الدّين أيوب بن شاذي [٣] . ولد ببعلبك حال ولاية أبيه عليها، ونشأ في خدمة نور الدّين مع أبيه، وكان أخوه صلاح الدّين يستشيره ويعتمد على رأيه وعقله ودهائه، ولم يكن أحد يتقدم عليه عنده، ثم تنقلت به الأحوال واستولى على الممالك، وسلطن ابنه الكامل على الدّيار المصرية، وابنه المعظّم على الشام، وابنه الأشرف على الجزيرة، وابنه الأوحد على خلاط، وابن ابنه المسعود على اليمن، وكان ملكا جليلا سعيدا، طويل العمر، عميق الفكر، بعيد الغور، جمّاعا للمال، ذا حلم وسؤدد وبرّ كثير، وكان يضرب المثل بكثرة أكله، وله نصيب من صوم وصلاة، ولم يكن محبّبا إلى الرّعية لمجيئة بعد الدولتين النّورية والصلاحية. وقد حدّث عن السّلفي، وخلّف سبعة عشر ابنا، تسلطن منهم الكامل، والمعظّم، والأشرف، والصالح، وشهاب الدّين غازي صاحب ميّافارقين، وتوفي في سابع جمادى الآخرة وله بضع وسبعون سنة.

стр. 2920

سنة ست عشرة وستمائة فيها تحركت التّتار- وهم نوع من التّرك مساكنهم جبال طغماج [١] من نحو الصين، يسجدون للشمس عند طلوعها ولا يحرّمون شيئا، ولا يحصون كثرة- فخارت قوى السلطان خوارزم شاه، وتقهقر بين أيديهم ببلاد ما وراء النهر، وانجفل الناس بخوارزم شاه وأمرت أمّه بقتل من كان محبوسا من الملوك بخوارزم، وكانوا بضعة عشر نفسا، ثم سارت بالخزائن إلى قلعة ايلال بمازندران، ووصل خوارزم شاه إلى همذان في نحو عشرين ألفا، وتقوضت أيامه. وفي أول العام خرّب الملك المعظّم سور بيت المقدس خوفا وعجزا من الفرنج أن تملكه، فشرعوا في هدم السور في أول يوم من المحرّم، وضج الناس، وخرج النساء المخدرات، والبنات، والشيوخ، والعجائز، والشباب إلى الصخرة والأقصى، فقطعوا شعورهم وخرجوا هاربين، وتركوا أموالهم وما شكّوا أن الفرنج يصبحوهم، فهرب بعضهم إلى مصر، وبعضهم إلى الكرك، وبعضهم إلى دمشق، ومات خلق من الجوع والعطش، ونهبت الأموال التي كانت لهم بالقدس، وأبيع القنطار الزيت بعشرة دراهم، والرطل النحاس بنصف درهم، وذم الناس الملك المعظم، فقال بعضهم:

стр. 2921

في رجب حلّل المحرّم [١] ... وأخرب القدس في المحرّم واستخدم القبط والنصارى ... وبعد ذا وزر المكرّم وقال مجد الدّين قاضي الطّور: مررت على القدس الشّريف مسلّما ... على ما تبقّى من ربوع وأنجم [٢] ففاضت دموع العين منّي صبابة ... على ما مضى من عصره [٣] المتقدّم وقد رام علج أن يعفّي رسومه ... وشمّر عن كفّي لئيم مذمّم فقلت له شلّت يمينك خلّها ... لمعتبر أو سائل أو مسلّم فلو كان يفدى بالنّفوس فديته ... بنفسي وهذا الظّنّ في كلّ مسلم [٤] وفي شعبان أخذت الفرنج دمياط بعد ما حصر أهلها ووقع فيهم الوباء، وعجز الكامل عن نصرهم، فطلبوا من الفرنج الأمان وأن يخرجوا منها بأهلهم وأموالهم في القساقسة [٥] وحلفوا لهم على ذلك، ففتحوا لهم الأبواب، فدخلوا وغدروا بأهلها، ووضعوا فيهم السيف، قتلا وأسرا، وباتوا في الجامع يفجرون بالنساء ويفتضّون البنات، وأخذوا المنبر والمصحف وبعثوا بهما إلى الجزائر. وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن محمد بن سيّدهم الأنصاري الدمشقي، المعروف بابن الهرّاس [٦] . سمع من نصر الله المصّيصي وغيره، وتوفي في شعبان.

стр. 2922

وفيها أبو البشائر إسحاق بن هبة الله بن صالح [١] قاضي خلاط. كان فقيها شافعيا عالما، حسن الكلام في الوعظ والتذكير، من محاسن القضاة، يرجع إلى دين. قدم إربل وتوفي بها. ومن شعره: قال الهلال وعندي في مجالستي ... بدر بوجه على شمس الضّحى سادا ليس الهلاك بمحبوب لذي أرب ... وإن حببناه أحيانا وأعيادا هذا يزيد حياتي في مجالستي ... وذاك ينقص عمري كلّما زادا وفيها ابن ملاعب زين الدّين أبو البركات داود بن أحمد بن محمد ابن منصور بن ثابت بن ملاعب الأزجي [٢] وكيل القضاة. روى عن الأرموي، وابن ناصر، وطائفة. توفي في جمادى الآخرة بدمشق. وفيها ريحان بن تيكان بن موسك الحربي [٣] الضرير. مات في صفر وله بضع وتسعون سنة. روى عن أحمد بن الطّلّاية، والمبارك بن أحمد الكندي. وفيها ستّ الشام الخاتون أخت الملك العادل بنت أيوب [٤] . كانت عاقلة، كثيرة البرّ والصدقة، بابها ملجأ للقاصدين، وهي أم حسام الدّين، وتزوّجها محمد بن شيركوه صاحب حمص، وبنت لها مدرسة وتربة بالعونية على الشرف الشمالي من دمشق، وأوقفت دارها قبيل موتها مدرسة، وهي التي إلى جانب المارستان النّوري، وأوقفت عليها أوقافا كثيرة، وتوفيت في

стр. 2923

ذي القعدة، ودفنت بتربتها بالعونية، وكان كافور الحسامي [١] خادمها، وكان لها نيف وثلاثون محرما من الملوك سوى أولادهم، فإخوتها صلاح الدّين، والعادل، وسيف الإسلام وولده. وفيها أبو منصور بن الرزّاز سعيد بن محمد ابن العلّامة المفتي سعيد بن محمد بن عمر البغدادي [٢] . روى «البخاري» عن أبي الوقت، وحضر أبا الفضل الأرموي. وفيها العلّامة أبو البقاء محب الدّين عبد الله بن الحسين بن أبي البقاء العكبري الأزجي الضرير الحنبلي النحوي الفرضي [٣] . صاحب التصانيف. قرأ القراءات على ابن عساكر البطائحي، وتأدب على ابن الخشّاب، وتفقه على أبي يعلى الصغير، وروى عن ابن البطّي وطائفة، وحاز قصب السبق في العربية، وتخرّج به خلق. ذهب بصره في صغره بالجدري، وكان دينا ثقة. قاله في «العبر» . وقال ناصح الدّين بن الحنبلي: كان إماما في علوم القرآن، إماما في الفقه، إماما في اللغة، إماما في النحو، إماما في العروض، إماما في الفرائض، إماما في الحساب، إماما في معرفة المذهب، إماما في المسائل النظريات. وله في هذه الأنواع من العلوم مصنفات مشهورة.

стр. 2924

قال: وكان معيد الشيخ [١] أبي الفرج بن الجوزي. وكان متدينا، قرأت عليه كتاب «الفصيح» لثعلب من حفظي. وقال ابن أبي الجيش: كان يفتي في تسعة علوم، وكان أوحد زمانه في النحو، واللغة، والحساب، والفرائض، والجبر، والمقابلة، والفقه، وإعراب القرآن، والقراءات الشاذة، وله في كل هذه العلوم تصانيف كبار، وصغار، ومتوسطات، وذكر أنه قرأ عليه كثيرا. وقال ابن النجار [٢] : قرأت عليه كثيرا من مصنفاته، وصحبته مدة، وكان حسن الأخلاق، متواضعا، كثير المحفوظ، محبّا للاشتغال والأشغال ليلا ونهارا، ما تمضي عليه ساعة بلا اشتغال أو إشغال حتى إن زوجته تقرأ له بالليل كتب الأدب وغيرها. وقال غيره: كان إذا أراد أن يصنّف كتابا أحضرت له عدة مصنّفات في ذلك الفنّ وقرئت عليه، فإذا حصّله في خاطره أملاه. وقال ابن رجب: من تصانيفه: «تفسير القرآن» و «إعراب القرآن» في مجلدين، و «إعراب الشواذ» و «متشابه القرآن» و «إعراب الحديث» وكتاب «التعليق في مسائل الخلاف» في الفقه، و «شرح الهداية» لأبي الخطّاب في الفقه، وكتاب «المرام في نهاية الأحكام» في المذهب، وكتاب «مذاهب الفقهاء» وكتاب «الناهض في علم الفرائض» وكتاب «بلغة الرائض في علم الفرائض» و «المنقح من الخطل في علم الجدل» و «الاعتراض على دليل التلازم [ودليل التنافي] [٣] » و «الاستيعاب في أنواع الحساب» و «اللّباب في

стр. 2925

البناء والإعراب» و «شرح الإيضاح» [١] و «شرح اللّمع» و «شرح خطب ابن نباتة» و «شرح المقامات الحريرية» و «شرح الحماسة» و «شرح ديوان المتنبّي» وغير ذلك. ومن شعره: صاد قلبي على العقيق غزال ... ذو نفار وصاله ما ينال فاتر الطرف تحسب الجفن منه ... ناعسا والنّعاس منه مزال [٢] توفي ليلة الأحد ثامن ربيع الآخر، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب، رحمه الله تعالى. وفيها ابن شاس العلّامة جمال الدّين أبو محمد عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار الجذاميّ السعديّ المصريّ [٣] ، شيخ المالكية، وصاحب كتاب «الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة» . كان من كبار الأئمة العاملين، حجّ في أواخر عمره ورجع فامتنع من الفتيا إلى أن مات مجاهدا في سبيل الله، في حدود رجب. وفيها عبد الرحمن بن محمد بن علي بن يعيش [٤] الصّدر أبو الفرج الأنباري، أخو أبي الحسن علي [٥] . روى عن عبد الوهاب الأنماطي وغيره، وعمّر تسعين سنة. توفي في شعبان.

стр. 2926

وفيها أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن مسعود ابن النّاقد البغدادي [١] المقرئ الصالح. قرأ القراءات على أبي الكرم الشّهرزوري وغيره، وسمع من أبي سعد البغدادي، والأرموي. توفي في شوال. وفيها الافتخار الهاشمي أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل العبّاسي البلخي ثم الحلبي [٢] الحنفي، إمام المذهب بحلب. سمع بما وراء النهر من القاضي عمر بن علي المحمودي، وأبي شجاع البسطامي وجماعة، وبرع في المذهب، وناظر وصنّف، وشرح «الجامع الكبير» [٣] وتخرّج به الأصحاب، وعاش ثمانين سنة. توفي في جمادى الآخرة. وفيها عثمان بن مقبل بن قاسم الياسري ثم البغدادي [٤] ، الفقيه الحنبلي الواعظ، أبو عمر، جمال الدّين. من أهل الياسريّة من قرى بغداد على نهر عيسى [٥] . قدم بغداد وسمع بها من ابن الخشّاب وشهدة، وطبقتهما ومن دونهما، وتفقه على أبي الفتح بن المنّي، ووعظ ولازم الوعظ. ذكره ابن أبي الجيش في شيوخه، وقال: له تصانيف. وقد حدّث، وسمع منه جماعة. وقال ابن الحنبلي: مات ضاحي نهار الحادي والعشرين من ذي الحجة، ودفن بباب حرب.

стр. 2927

وفيها عماد الدّين أبو القاسم علي بن القاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم بن عساكر [١] . ولد سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وسمع من أبيه، وعبد الرحمن بن الخرقي، وإسماعيل الجنزوي [٢] ورحل إلى خراسان، فكان آخر من رحل إليها من المحدّثين، وأكثر عن المؤيد الطّوسي ونحوه، وكان صدوقا ذكيا فهما حافظا مجدّا في الطلب، إلا أنه كان يتشيع، وقد خرجت عليه الحراميّة في قفوله من خراسان فجرحوه، وأدركه الموت ببغداد في جمادى الأولى. قاله في «العبر» . وفيها صاحب سنجار الملك المنصور، قطب الدّين محمد بن عماد الدّين زنكي بن آق سنقر [٣] . تملّك سنجار مدة، وحاصره الملك العادل أياما، ثم رحل عنه بأمر الخليفة. توفي في صفر. وتملّك بعده ولده عماد الدّين شاهنشاه أشهرا، ومات قبله أخوه عمر، وتملّك بعده مديدة، ثم سلّم سنجار إلى الأشرف، ثم مات. وفيها أبو الحسن علي بن أبي زيد بن محمد بن علي النحوي، المعروف بالفصيحي، الإستراباذي [٤] . أخذ النحو عن عبد القاهر صاحب «الجمل الصغرى» [٥] ، وتبحر فيه

стр. 2928

حتى صار أعرف أهل زمانه، وقدم بغداد واستوطنها، ودرّس النحو بالمدرسة النظامية مدة، وانتفع به خلق كثير، ومن جملة من أخذ عنه ملك النّحاة [١] الحسن بن صافي. وروى عنه أبو طاهر السّلفي قال: جالسته ببغداد وسألته عن أحرف في [٢] العربية. وقال أنشدني لبعض النّحاة: النّحو شؤم كلّه فاعلموا ... يذهب بالخير [٣] من البيت خير من النحو وأصحابه ... ثريدة تعمل بالزيت توفي يوم الأربعاء ثالث عشر ذي الحجة ببغداد. قال ابن خلّكان: ولم أعرف أنسبه بالفصيحي إلى كتاب «الفصيح» لثعلب أم لشيء آخر؟ وفيها أبو عبد الله نصير الدّين محمد بن عبد الله بن الحسين السّامرّي، الفقيه الفرضي الحنبلي، ويعرف بابن سنينة- بسين مهملة مضمومة ونونين مفتوحتين بينهما ياء تحتية ساكنة [٤]-. قال ابن النجار: ولد سنة خمس وثلاثين وخمسمائة بسامرا. وسمع من ابن البطّي، وأبي حكيم النّهرواني، وغيرهما ببغداد، وتفقّه على أبي حكيم ولازمه، وبرع في الفقه والفرائض، وصنّف فيهما تصانيف

стр. 2929

مشهورة، منها كتاب «المستوعب» في الفقه، وكتاب «الفروق» وكتاب «البيان» [١] في الفرائض. وولي القضاء بسامرا وأعمالها مدة، ثم ولي القضاء والحسبة ببغداد، ثم عزل عن القضاء وبقي على الحسبة، ثم عزل عنها وولي إشراف ديوان الزّمام وعزل أيضا. ولقّب في أيام ولايته «معظّم الدّين» ولما عزل لزم بيته مدة، ثم أذن له بالعود إلى بلده فعاد إليها، ثم رجع إلى بغداد في آخر عمره وبها توفي. قال ابن النجار: كان شيخا جليلا فاضلا نبيلا حسن المعرفة بالمذهب والخلاف، له مصنفات فيها حسنة، وما أظنه روى شيئا من الحديث. وذكر ابن السّاعي المؤرخ أنه كتب عنه، وأجاز للشيخ عبد الرحيم بن الزّجّاج [٢] . توفي ليلة الثلاثاء سابع عشري رجب ودفن بمقبرة باب حرب. وفي كتابيه «المستوعب» و «الفروق» فوائد جليلة ومسائل غريبة. وفيها أبو الحسين تاج الدّين يحيى بن [أبي] علي [منصور] بن الجرّاح ابن الحسين بن محمد بن داود [٣] . كتب في ديوان الإنشاء بالدّيار المصرية مدة طويلة، وكان خطّه في غاية الجودة، وكان فاضلا أديبا متقنا، له فطرة حسنة، وشعر جيد رائق، ورسائل أنيقة. سمع الحديث بثغر الاسكندرية على السّلفي، وسمع الناس عليه، وله

стр. 2930

لغز في الدّملج [١] الذي تلبسه النساء، وهو: ما شيء قلبه حجر، ووجهه قمر، إن نبذته صبر، واعتزل البشر، وإن أجعته رضي بالنّوى، وانطوى على الخوى، وإن أشبعته قبّل قدمك، وصحب خدمك، وإن علقته ضاع، وإن أدخلته السوق أبى أن يباع، وإن أظهرته جمّل المتاع، وأحسن الإمتاع، وإن شددت ثانيه وحذفت منه القافية كدر الحياة، وأوجب التخفيف في الصلاة، وأحدث وقت العصر الضجر، ووقت الفجر الخدر، وجمع بين حسن العقبى وقبح الأثر، وإن فصلته دعا لك وأبقى [٢] ، ما إن ركبته هالك، وربما بلّغك آمالك، وكثّر مالك وأحسن بعون المساكين مآلك، والسلام. وكانت ولادته خامس عشر شوال سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وتوفي خامس شعبان بدمياط.

стр. 2931

سنة سبع عشرة وستمائة في رجبها كانت وقعة البرلّس [١] بين الكامل والفرنج، وكان نصرا عزيزا، قتل من الملاعين عشرة آلاف، وانهزموا إلى دمياط. وفيها أخذت التتار خراسان وقتلوا أهلها، وكانوا أخذوا بخارى وسمرقند وقتلوا وما أبقوا، ثم عبروا نهر جيحون، وأبادوا ما هناك قتلا وسبيا وتخريبا إلى حدود العراق، بعد أن هزموا جيوش خوارزم شاه ومزقوهم، ثم عطفوا إلى قزوين فاستباحوها، ثم سارت فرقة كبيرة إلى أذربيجان فاستباحوها، وحاصروا تبريز وبها ابن البهلوان، فبذل لهم أموالا وتحفا، فرحلوا عنه ليشتوا على الساحل، فوصلوا إلى موغان [٢] ، وحاربوا الكرج وهزموهم في ذي القعدة من هذه السنة. ثم ساروا إلى مراغة، فأخذوها [٣] بالسيف. ثم كروا نحو إربل،

стр. 2932

فاجتمع لحربهم عسكر العراق والموصل مع صاحب إربل فهابوهم، وعرّجوا إلى همذان، فحاربهم أهلها أشد محاربة في العام المقبل، وأخذوها بالسيف وأحرقوها. ثم نزلوا على بيلقان [١] وأخذوها بالسيف، وقتلوا بلا استثناء، ثم حاربوا الكرج أيضا وقتلوا منهم نحو ثلاثين ألفا. ثم سلكوا طرقا وعرة في جبال دربند شروان [٢] وانبثوا في تلك الأراضي وبها اللّان، واللكز، وطوائف من التّرك، وفيهم قليل مسلمون، فاجتمعوا والتقوا وكانت الدّبرة على اللّان. ثم بيّتوا القفجاق وقتلوا وسبوا وأقاموا بتلك الدّيار، ووصلوا إلى سوادق [٣] وهي مدينة القفجاق فملكوها، وأقاموا هناك إلى سنة عشرين وستمائة. ولما تمكّن الطاغية جنكزخان، وعتا وتمرّد، وأباد الأمم، وأذلّ العرب والعجم، قسّم عساكره، وجهز كل فرقة إلى ناحية من الأرض، ثم عادت إليه أكثر عساكره إلى سمرقند، فلا يقال: كم أباد هؤلاء من بلد، وإنما يقال: كم بقي. وكان خوارزم شاه محمد بطلا مقداما هجّاما، وعسكره أوباشا [٤] ليس لهم ديوان ولا إقطاع، بل يعيشون من النهب والغارات. وهم تركيّ كافر، أو مسلم جاهل، لم يعرفوا تعبئة العسكر في المصافّ، ولم يدمنوا إلّا على

стр. 2933

المهاجمة، ولا لهم زرديّات ولا عدد جيدة [١] . ثم إنه كان يقتل بعض القبيلة ويستخدم باقيها، ولم يكن فيه شيء من المداراة ولا التؤدة لا لجنده ولا لعدوّه، وتحرّش بالتتار وهم يغضبون على من يرضيهم، فكيف بمن يغضبهم ويؤذيهم، فخرجوا عليه وهم بنو أب وأولو كلمة مجتمعة وقلب واحد ورئيس مطاع، فلم يمكن أن يقف مثل خوارزم شاه بين أيديهم، ولكل أجل كتاب، فطووا الأرض، وكلّت أسلحتهم وتكلكلت أيديهم مما قتلوا من النساء والأطفال، فضلا عن الرجال، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ٢: ١٥٦ قال ابن الأثير [٢] : والتتار نوع من التّرك يسجدون للشمس عند شروقها، ويأكلون لحم بني آدم والدواب لا غير، ويأتي المرأة غير واحد، فإذا جاءت بولد لا يعرف من أبوه. ومساكنهم جبال طغماج [٣] من نحو الصين. ملكوا الدّنيا في سنة واحدة. دوابهم التي تحمل أثقالهم تحفر الأرض وتأكل شروش العشب [٤] ولا تعرف الشعير. وفيها توفي قاضي القضاة زكي الدّين [الطّاهر] بن قاضي القضاة محيي الدّين محمد بن الزّكي القرشي الدمشقي [٥] . ولي قبل ابن الحرستاني، ثم بعده، وكان ذا هيبة وحشمة وسطوة، وكان الملك المعظّم يكرهه. فاتفق أن زكي الدّين طالب جابي العزيزيّة [٦] بالحساب، فأساء الأدب

стр. 2934

بين يديه [١] ، فأمر بضربه بين يديه، فوجد المعظّم سبيلا إلى أذيّته، فبعث إليه بخلعة أمير قباء وكلّوته [٢] وألزمه بلبسهما في مجلس حكمه ففعل، ثم قام فدخل ولزم بيته ثم مات كمدا. يقال: إنه رمى قطعا من كبده، ومات في صفر كهلا وندم المعظّم. وفيها الشيخ عبد الله اليونيني، وهو ابن عثمان بن عبد العزيز بن جعفر [٣] ، الزاهد الكبير، أسد الشام. كان شيخا كبيرا [٤] مهيبا طوالا، حادّ الحال، تامّ الشجاعة، أمّارا بالمعروف، نهاء عن المنكر، كثير الجهاد، دائم الذّكر، عظيم الشأن، منقطع القرين، صاحب مجاهدات وكرامات. كان الأمجد صاحب بعلبك يزوره، فكان يهينه ويقول يا أميجد [٥] أنت تظلم وتفعل. وهو يعتذر إليه، وقيل: كان قوسه ثمانين رطلا، وما كان يبالي بالرجال قلّوا أم كثروا. وكان ينشد هذه الأبيات ويبكي [٦] : شفيعي إليكم طول شوقي إليكم ... وكل كريم للشفيع قبول وعذري إليكم أنني في هواكم ... أسير ومأسور الغرام ذليل

стр. 2935

فإن تقبلوا عذري فأهلا ومرحبا ... وإن لم تجيبوا [١] فالمحبّ حمول سأصبر لا عنكم ولكن عليكم ... عسى لي إلى ذاك الجناب وصول قاله في «العبر» . وقال السخاوي: اقتات سنة بثلاثة دراهم، اشترى بدرهم دقيقا، وبدرهم سمنا، وبدرهم عسلا، ولتّه وجعله ثلاثمائة وستين كبّة، كان يفطر كل ليلة على كبّة. وقيل: إنه عمل مرة مجاهدة تسعين يوما، يفطر كل ليلة على حمّصة حتّى لا يواصل. وكان يأكل كل عشرة أيام أكلة. وعن الشيخ علي الشبلي قال: احتاجت زوجتي إلى مقنعة، فقلت: عليّ دين خمسة دراهم، فمن أين أشتري لك مقنعة؟ فنمت فرأيت من يقول لي: إذا أردت أن تنظر إلى إبراهيم الخليل فانظر إلى الشيخ عبد الله بن عبد العزيز، فلما أصبحت أتيته بقاسيون، فقال لي: ما لك يا علي؟ اجلس، وقام إلى منزله وعاد ومعه مقنعة في طرفها خمسة دراهم، فأخذتها ورجعت [٢] . انتهى. وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : أصله من قرية من قرى بعلبك يقال لها: يونين [٣] . كان صاحب رياضات وكرامات ومجاهدات، ولم يقم لأحد قطّ تعظيما لله تعالى، ولا ادّخر، ولا لمس بيده دينارا ولا درهما، زاهدا عفيفا، ما لبس قطّ سوى الثوب الخام وقلنسوة من جلود الغنم تساوي نصف درهم. وقال القاضي يعقوب قاضي البقاع: كنت يوما بدمشق عند الجسر الأبيض في مسجد هناك وقت الحرّ، وإذا بالشيخ عبد الله قد نزل يتوضأ وإذا

стр. 2936

بنصرانيّ عابر على الجسر ومعه بغل عليه حمل خمر، فعثر البغل على الطريق ووقع الحمل على الطريق وليس في الطريق أحد، فصعد الشيخ وصاح بي: يا فقيه تعال، فجئت، فقال: عاوني، فعاونته حتّى حمّل الحمل على البغل، وذهب النصراني، فقلت في نفسي: مثل الشيخ يفعل هذا! ثم مشيت خلف البغل إلى العقيبة، فجاء إلى دكان الخمّار وحطّ الحمل وفتح الظروف، فإذا هي قد صارت خلّا، فقال الخمّار: ويحك هذا خلّ، فبكى وقال: والله ما كانت إلّا خمرا [١] ، وإنما أنا أعرف العلّة، ثم ربط البغل في الحال وصعد إلى الجبل إلى عند الشيخ فدخل عليه وقال: يا سيدي أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وصار فقيرا من فقرائه. ولما قدم الشيخ حمص للغزاة قدّم له [٢] الملك المجاهد أسد الدّين حصانا من خيله، فركبه الشيخ ودخل في العدو، فعمل العجائب، وما قامت غزاة بالشام قطّ إلّا حضرها. ولما كان يوم الجمعة في عشر ذي الحجّة، صلى الصبح بجامع بعلبك، واغتسل قبل صلاة الجمعة. وجاء داود المؤذن وكان يغسّل الموتى، فقال: ويحك يا داود، أنظر كيف تكون غدا؟ فما فهم داود، وقال: يا سيدي غدا نكون في خفارتك، وصعد الشيخ إلى المغارة، وكان قد أمر الفقراء أن يقطعوا صخرة عند اللّوزة التي كان ينام بجانبها، فقطعوها، فأصبح الشيخ، فصلى الصبح، وصعد إلى الخصرة والفقراء يتممون قطعها والسّبحة في يده، فطلعت الشمس وقد فرغوا منها والشيخ نائم والسّبحة في يده، فجاء خادم من القلعة في شغل فرآه قاعدا نائما، فما تجاسر أن يوقظه، فطال عليه ذلك، فقال: يا عبد الصمد! ما أقدر أقعد أكثر من هذا، فتقدم وقال: يا سيدي فما تكلّم فحركه، فإذا هو ميت، فارتفع الصياح، وجاء صاحب بعلبك فرآه على

стр. 2937

تلك الحال فقال: ابنوا عليه بنيانا وهو على حالته، فقالوا: اتّباع السّنّة أولى، وجاء داود المؤذن فغسّله عند اللّوزة، وذلك يوم السبت وقد تجاوز الثمانين سنة، وقبره يزار ببعلبك، ﵀. وفيها أبو المظفّر بن السمعاني فخر الدّين عبد الرحيم بن الحافظ أبي سعيد عبد الكريم بن الحافظ أبي بكر محمد بن الإمام أبي المظفّر منصور بن محمد التميمي المروزي [١] الشافعي الفقيه المحدّث، مسند خراسان. ولد سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، وروى كتبا كبارا، منها «البخاري» و «مسند الحافظ أبي عوانة» و «سنن أبي داود» و «جامع الترمذي» و «تاريخ الفسوي» و «مسند الهيثم بن كليب» . سمع من وجيه الشحّامي، وأبي الأسعد القشيري، وخلق. رحّله أبوه إليهم بمرو، ونيسابور، وهراة، وبخارى، وسمرقند، ثم خرّج له أبوه «معجما» في ثمانية عشر جزءا، وكان مفتيا عارفا بالمذهب، وروى الكثير، ورحل الناس إليه، وسمع منه الحافظ أبو بكر الحازمي، ومات قبله بدهر، وحدّث عنه الأئمة: ابن الصلاح، والضياء المقدّسي، والزّكي البرزالي، والمحب بن النجّار. وخرّج لنفسه «أربعين حديثا» وانتهت إليه رئاسة الشافعية ببلده، وختم به البيت السمعاني. عدم في دخول التتار ومرّ في آخر العام. وفيها قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى العلوي الحسنيّ [٢] ، صاحب مكّة أبو عزيز [٣] . عاش أكثر من ثمانين سنة.

стр. 2938

وفيها خوارزم شاه محمد بن تكش السلطان الكبير علاء الدين [١] . كان ملكا جليلا أصيلا، عالي الهمّة، واسع الممالك، كثير الحروب، ذا ظلم وجبروت وغور ودهاء. تسلطن بعد والده علاء الدّين تكش، فدانت له الملوك، وذلّت له الأمم، وأباد أمة الخطا، واستولى على بلادهم إلى أن قهر بخروج التتار الطغماجية عسكر جنكزخان، واندفع قدّامهم، فأتاه أمر الله من حيث لا يحتسب، فما وصل إلى الرّيّ إلّا وطلائعهم على رأسه، فانهزم إلى قلعة برجين [٢] وقد مسّه النصب، فأدركوه وما تركوه يبلع ريقه، فتحامل إلى همذان، ثم إلى مازندران، وقعقعة سلاحهم قد ملأت مسامعه، فنزل ببحيرة هناك، ثم مرض بالإسهال، وطلب الدواء فأعوزه، ومات. فقيل: إنه حمل إلى دهستان في البحر. وأما ابنه جلال الدّين [٣] فتقاذفت به البلاد وألقته بالهند، ثم رمته الهند إلى كرمان، وقيل: بلغ عدد جيشه ثلاثمائة ألف، وقيل: أكثر من ذلك. وفيها أبو عبد الله شهاب الدّين محمد بن أبي المكارم الفضل بن بختيار بن أبي نصر البعقوبي [٤] الخطيب الواعظ الحنبلي ويعرف بالحجّة [٥] .

стр. 2939

ذكر أن مولده في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ببعقوبا [١] ، وسمع ببغداد من ابن الجوزي وطبقته، ومن أبي الوقت، والشيخ عبد القادر [٢] وولي الخطابة ببلده بعقوبا [٣] ، وحدّث بها وبإربل وغيرهما، وحدّث بأحاديث فيها وهم، فعرف الخطأ فيها فترك روايتها، وصنّف كتاب «غريب الحديث» و « «شرح العبادات الخمس» لأبي الخطّاب وقرأه على أبي الفتح بن المنّي سنة إحدى وثمانين، وكتب له عليه، قرأه على مصنّفه الشيخ الأجل العالم الفقيه بهاء الدّين حجّة الإسلام قراءة عالم بما فيه من غرائب الفوائد وعجائب الفرائد. توفي في جمادى الأولى بدقوقا ودفن بها. وفيها صدر الدّين، شيخ الشيوخ، أبو الحسن، محمد بن شيخ الشيوخ عماد الدّين عمر بن علي الجويني [٤] . برع في مذهب الشافعي، وسمع من يحيى الثقفي، ودرّس وأفتى، وزوّجه شيخه القطب النيسابوري بابنته فأولدها الإخوة الأمراء الأربعة، ثم ولي بمصر تدريس الشافعي، ومشهد الحسين، وبعثه الكامل رسولا يستنجد بالخليفة وجيشه على الفرنج، فأدركه الموت بالموصل. أجاز له أبو الوقت [السّجزيّ] وجماعة، وكان كبير القدر. وفيها الشيخ الكبير الشهير، كبير الشأن، ظاهر البرهان، المبارك على أهل زمانه، محمد بن أبي بكر الحكمي اليمني [٥] ، نفع الله به. نشأ في

стр. 2940

السلوك في بلده المصبرا- بفتح الميم وسكون الصاد المهملة وكسر الباء الموحدة وقبل الألف راء، بلدة من نواحي رحبان- وبها قبر والده، ثم انتقل إلى ذوال ثم إلى سهام، وصحب بها الفقيه العالم الصالح المصلح محمد بن حسين البجليّ، وأخذ خرقة التصوف القادرية عن الشيخ علي الحداد، وسكن مع البجلي في عواجة حتّى مات هناك، ومات البجليّ بعده سنة إحدى وعشرين وستمائة، وقبراهما متلاصقان، وإلى جانبهما علي بن الحسين البجلي، ولهما زاوية محترمة، وذكر واسع، وكرامات جمّة، وذريّة أخيار، نعدد فيهم الصلحاء العلماء، وبصحبتهما ومحبتهما في الله يضرب المثل. قاله ابن الأهدل. وفيها صاحب حماة الملك المنصور محمد بن المظفّر تقي الدّين عمر بن شاهنشاه بن أيوب [١] . سمع من أبي الطاهر بن عوف، وجمع «تاريخا» على السنين في مجلدات. وقد تملّك حماة بعده ولده الناصر قلج أرسلان، فأخذها منه الكامل وسجنه ثم أعطاها لأخيه الملك المظفّر. وفيها المؤيد بن محمد بن علي بن حسن رضي الدّين أبو الحسن الطّوسي [٢] المقرئ، مسند خراسان. ولد سنة أربع وعشرين وخمسمائة [٣] ، وسمع «صحيح مسلم» من الفراوي، و «صحيح البخاري» من جماعة، وعدة كتب وأجزاء، وانتهى إليه علو الإسناد بنيسابور، ورحل إليه من الأقطار. توفي ليلة الجمعة العشرين من شوال.

стр. 2941

وفيها ناصر بن مهدي الوزير نصير الدّين العجمي [١] قدم من مازندران سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، فوزر للخليفة الناصر سنتين ثم قبض عليه سنة أربع وستمائة، وعاش إلى هذا الوقت، توفي في جمادى الأولى. وفيها ابن هلالة الحافظ عبد العزيز بن الحسين [٢] كان حافظا نقادا مجودا. قال ابن ناصر الدين في «بديعته» [٣] : ثمّ فتى هلالة الطّبيري ... يفوح زهر خيره الكثير وأثنى عليه في شرحها.

стр. 2942

سنة ثمان عشرة وستمائة استهلت والدّنيا تغلي بالتتار، وتجمّع إلى السلطان جلال الدّين بن خوارزم شاه كل عساكره، والتقى تولي خان بن جنكزخان، فانكسر تولي خان وأسر من التتار خلق وقتل آخرون ولله الحمد، فقامت قيامة جنكزخان، واشتد غضبه إذ لم ينهزم له جيش قبلها، فجمع جيشه وسار بهم إلى ناحية السّند، فالتقاه جلال الدّين في شوال من السنة، فانهزم جيشه أيضا وثبت هو وطائفة، ثم ولى جنكزخان منهزما وكادت الدائرة تدور عليه لولا كمين عشرة آلاف خرجوا على المسلمين، فطحنت الميمنة وأسروا [١] ولد السلطان جلال الدين فتبدد نظامه وتقهقر إلى حافة السّند. وأما بغداد فانزعج أهلها، وقنت المسلمون، وتأهب الخليفة واستخدم، وأنفق الأموال. وفيها تملّك التتار مراغة وخرّبوها وأحرقوها، وقتلوا أكثر أهلها، وساروا إلى بلاد الروس. وفيها سار الملك الأشرف ينجد أخاه الكامل، وسار معه عسكر الشام. وخرجت الفرنج من دمياط بالفارس والراجل أيام زيادة النيل، فنزلوا

стр. 2943

على ترعة، فبثق المسلمون عليها النيل، فلم يبق لهم وصول إلى دمياط، وجاء الأسطول فأخذوا مراكب الفرنج، وكانوا مائة كند [١] وثمانمائة فارس، فيهم صاحب عكا وخلق من الرجّالة، فلما عاينوا الخذلان تطلبوا الصلح على أن يسلّموا دمياط إلى الكامل، فأجابهم، ثم جاءه أخواه بالعساكر في رجب، فعمل سماطا عظيما، وأحضر ملوك الفرنج وأنعم عليهم، ووقف في خدمته المعظّم والأشرف، وكان يوما مشهودا، وقام راجح الحلّي [٢] فأنشد قصيدة منها: ونادى لسان الكون في الأرض رافعا ... عقيرته في الخافقين ومنشدا أعبّاد عيسى إن عيسى وحزبه ... وموسى جميعا ينصران محمّدا وأشار إلى الإخوة الثلاثة. وفيها توفي الشيخ الزاهد القدوة نجم الدّين أبو الجناب الخيوقي أحمد بن عمر بن محمد [٣] الصوفي المحدّث، شيخ خوارزم، ويقال له الكبرى. رحل [إلى] الأقطار راكبا وماشيا، وأدرك من المشايخ ما لا يحصى كثرة، ولبس خرقة التصوف النهر جورية من الشيخ إسماعيل القصري والسّهروردية للتبرك من الشيخ أبي ناصر عمّار بن ياسر، وسبق أقرانه في صغره إلى فهم المشكلات والغوامض، فلقبوه الطّامة الكبرى، ثم كثر استعماله، فحذفوا الطّامة وأبقوا الكبرى [٤] . وخيوق المنسوب إليها من قرى خوارزم.

стр. 2944

سمع بهمذان من الحافظ أبي العلاء، وبالإسكندرية من السّلفي، وعني بمذهب الشافعي والتفسير، وله «تفسير» في اثنتي عشرة مجلدة، واجتمع به الإمام فخر الدّين الرّازي فاعترف بفضله. قال عمر بن الحاجب: طاف البلاد، وسمع بها الحديث، واستوطن خوارزم، وصار شيخ تلك الناحية، وكان صاحب حديث وسنّة، ملجأ للغرباء، عظيم الجاه، لا يخاف في الله لومة لائم. وقال ابن الأهدل: استشهد- ﵁ بخوارزم في فتنة التتار، وذلك أن سلطانها لما فرّ [١] ، جمع الشيخ أصحابه وكانوا نحو ستين، فقال لهم: ارتحلوا إلى بلادكم، فإنه قد خرجت نار من المشرق تحرق إلى قرب المغرب، وهي فتنة عظيمة ما وقع في هذه الأمة مثلها، فقال له بعضهم: لو دعوت برفعها، فقال: هذا قضاء محكم لا ينفع فيه الدعاء. فقالوا له: تخرج معنا، فقال: إني أقتل هاهنا [٢] ، فخرج أصحابه. فلما دخل الكفّار البلد، نادى الشيخ وأصحابه الباقون: الصلاة جامعة، ثم قال: قوموا نقاتل في سبيل الله، ودخل البيت ولبس خرقة شيخه، وحمل على العدو فرماهم بالحجارة، ورموه بالنبل، وجعل يدور ويرقص حتّى أصابه سهم في صدره فنزعه ورمى به نحو السماء، وفار الدم وهو يقول: إن أردت فاقتلني بالوصال أو بالفراق، ثم مات، ودفن في رباطه، رحمه الله تعالى. وفيها عبد الرحيم بن النّفيس بن هبة الله بن وهبان بن رومي بن سلمان بن محمد بن سلمان بن صالح بن محمد بن وهبان السّلمي الحديثي ثم البغدادي أبو نصر [٣] الفقيه الحنبلي المحدّث. ولد في عاشر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة ببغداد، وسمع الكثير

стр. 2945

من أبي الفتح بن شاتيل وخلق، وبالغ في الطلب، وارتحل فيه إلى الشام، والجزيرة، ومصر، والعراق، وخراسان، وما وراء النهر، وخوارزم، وتفقه في المذهب، وتكلّم في مسائل الخلاف. وحدّث ببغداد ودمشق وغيرهما. قال ابن النجار: كان مليح الخطّ، صحيح النقل والضبط، حافظا، متقنا، ثقة، صدوقا، له النظم والنثر الجيد. كان من أكمل الناس ظرفا ولطفا، وحسن خلق، وطيب عشرة وتواضع، وكمال مروءة، ومسارعة إلى قضاء حوائج الإخوان. ومن شعره: سلوا فؤادي هل صفا شربه ... منذ [١] نأيتم عنه أو راقا؟ وهل يسلّيه إذا غبتم ... إن أودع التسليم أوراقا؟ قتل شهيدا في فتنة التتار بخراسان. وفيها أبو القاسم عبد الغني بن قاسم بن عبد الرزاق بن عيّاش الهلباوي المقدسي الأصل المصري [٢] ، الفقيه الحنبلي الزاهد. سمع بمصر من البوصيري وغيره، وتفقّه في المذهب، وانقطع إلى الحافظ عبد الغني [٣] ولازمه، وكتب عنه كثيرا من مصنّفاته وغيرها. ذكر ذلك المنذري. وقال: سمع معنا من جماعة من شيوخنا، وصحب جماعة من المشايخ، وكان صالحا مقبلا على مصالح نفسه، منفردا، قانعا باليسير، يظهر التجمل مع ما هو عليه من الفقر، وحدّث. وتوفي ليلة ثامن عشر صفر ودفن من الغد بسفح المقطّم.
следующие страницы →