← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

وفيها ناصر بن مهدي الوزير نصير الدّين العجمي [١] قدم من مازندران سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، فوزر للخليفة الناصر سنتين ثم قبض عليه سنة أربع وستمائة، وعاش إلى هذا الوقت، توفي في جمادى الأولى. وفيها ابن هلالة الحافظ عبد العزيز بن الحسين [٢] كان حافظا نقادا مجودا. قال ابن ناصر الدين في «بديعته» [٣] : ثمّ فتى هلالة الطّبيري ... يفوح زهر خيره الكثير وأثنى عليه في شرحها.

стр. 2942

سنة ثمان عشرة وستمائة استهلت والدّنيا تغلي بالتتار، وتجمّع إلى السلطان جلال الدّين بن خوارزم شاه كل عساكره، والتقى تولي خان بن جنكزخان، فانكسر تولي خان وأسر من التتار خلق وقتل آخرون ولله الحمد، فقامت قيامة جنكزخان، واشتد غضبه إذ لم ينهزم له جيش قبلها، فجمع جيشه وسار بهم إلى ناحية السّند، فالتقاه جلال الدّين في شوال من السنة، فانهزم جيشه أيضا وثبت هو وطائفة، ثم ولى جنكزخان منهزما وكادت الدائرة تدور عليه لولا كمين عشرة آلاف خرجوا على المسلمين، فطحنت الميمنة وأسروا [١] ولد السلطان جلال الدين فتبدد نظامه وتقهقر إلى حافة السّند. وأما بغداد فانزعج أهلها، وقنت المسلمون، وتأهب الخليفة واستخدم، وأنفق الأموال. وفيها تملّك التتار مراغة وخرّبوها وأحرقوها، وقتلوا أكثر أهلها، وساروا إلى بلاد الروس. وفيها سار الملك الأشرف ينجد أخاه الكامل، وسار معه عسكر الشام. وخرجت الفرنج من دمياط بالفارس والراجل أيام زيادة النيل، فنزلوا

стр. 2943

على ترعة، فبثق المسلمون عليها النيل، فلم يبق لهم وصول إلى دمياط، وجاء الأسطول فأخذوا مراكب الفرنج، وكانوا مائة كند [١] وثمانمائة فارس، فيهم صاحب عكا وخلق من الرجّالة، فلما عاينوا الخذلان تطلبوا الصلح على أن يسلّموا دمياط إلى الكامل، فأجابهم، ثم جاءه أخواه بالعساكر في رجب، فعمل سماطا عظيما، وأحضر ملوك الفرنج وأنعم عليهم، ووقف في خدمته المعظّم والأشرف، وكان يوما مشهودا، وقام راجح الحلّي [٢] فأنشد قصيدة منها: ونادى لسان الكون في الأرض رافعا ... عقيرته في الخافقين ومنشدا أعبّاد عيسى إن عيسى وحزبه ... وموسى جميعا ينصران محمّدا وأشار إلى الإخوة الثلاثة. وفيها توفي الشيخ الزاهد القدوة نجم الدّين أبو الجناب الخيوقي أحمد بن عمر بن محمد [٣] الصوفي المحدّث، شيخ خوارزم، ويقال له الكبرى. رحل [إلى] الأقطار راكبا وماشيا، وأدرك من المشايخ ما لا يحصى كثرة، ولبس خرقة التصوف النهر جورية من الشيخ إسماعيل القصري والسّهروردية للتبرك من الشيخ أبي ناصر عمّار بن ياسر، وسبق أقرانه في صغره إلى فهم المشكلات والغوامض، فلقبوه الطّامة الكبرى، ثم كثر استعماله، فحذفوا الطّامة وأبقوا الكبرى [٤] . وخيوق المنسوب إليها من قرى خوارزم.

стр. 2944

سمع بهمذان من الحافظ أبي العلاء، وبالإسكندرية من السّلفي، وعني بمذهب الشافعي والتفسير، وله «تفسير» في اثنتي عشرة مجلدة، واجتمع به الإمام فخر الدّين الرّازي فاعترف بفضله. قال عمر بن الحاجب: طاف البلاد، وسمع بها الحديث، واستوطن خوارزم، وصار شيخ تلك الناحية، وكان صاحب حديث وسنّة، ملجأ للغرباء، عظيم الجاه، لا يخاف في الله لومة لائم. وقال ابن الأهدل: استشهد- ﵁ بخوارزم في فتنة التتار، وذلك أن سلطانها لما فرّ [١] ، جمع الشيخ أصحابه وكانوا نحو ستين، فقال لهم: ارتحلوا إلى بلادكم، فإنه قد خرجت نار من المشرق تحرق إلى قرب المغرب، وهي فتنة عظيمة ما وقع في هذه الأمة مثلها، فقال له بعضهم: لو دعوت برفعها، فقال: هذا قضاء محكم لا ينفع فيه الدعاء. فقالوا له: تخرج معنا، فقال: إني أقتل هاهنا [٢] ، فخرج أصحابه. فلما دخل الكفّار البلد، نادى الشيخ وأصحابه الباقون: الصلاة جامعة، ثم قال: قوموا نقاتل في سبيل الله، ودخل البيت ولبس خرقة شيخه، وحمل على العدو فرماهم بالحجارة، ورموه بالنبل، وجعل يدور ويرقص حتّى أصابه سهم في صدره فنزعه ورمى به نحو السماء، وفار الدم وهو يقول: إن أردت فاقتلني بالوصال أو بالفراق، ثم مات، ودفن في رباطه، رحمه الله تعالى. وفيها عبد الرحيم بن النّفيس بن هبة الله بن وهبان بن رومي بن سلمان بن محمد بن سلمان بن صالح بن محمد بن وهبان السّلمي الحديثي ثم البغدادي أبو نصر [٣] الفقيه الحنبلي المحدّث. ولد في عاشر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة ببغداد، وسمع الكثير

стр. 2945

من أبي الفتح بن شاتيل وخلق، وبالغ في الطلب، وارتحل فيه إلى الشام، والجزيرة، ومصر، والعراق، وخراسان، وما وراء النهر، وخوارزم، وتفقه في المذهب، وتكلّم في مسائل الخلاف. وحدّث ببغداد ودمشق وغيرهما. قال ابن النجار: كان مليح الخطّ، صحيح النقل والضبط، حافظا، متقنا، ثقة، صدوقا، له النظم والنثر الجيد. كان من أكمل الناس ظرفا ولطفا، وحسن خلق، وطيب عشرة وتواضع، وكمال مروءة، ومسارعة إلى قضاء حوائج الإخوان. ومن شعره: سلوا فؤادي هل صفا شربه ... منذ [١] نأيتم عنه أو راقا؟ وهل يسلّيه إذا غبتم ... إن أودع التسليم أوراقا؟ قتل شهيدا في فتنة التتار بخراسان. وفيها أبو القاسم عبد الغني بن قاسم بن عبد الرزاق بن عيّاش الهلباوي المقدسي الأصل المصري [٢] ، الفقيه الحنبلي الزاهد. سمع بمصر من البوصيري وغيره، وتفقّه في المذهب، وانقطع إلى الحافظ عبد الغني [٣] ولازمه، وكتب عنه كثيرا من مصنّفاته وغيرها. ذكر ذلك المنذري. وقال: سمع معنا من جماعة من شيوخنا، وصحب جماعة من المشايخ، وكان صالحا مقبلا على مصالح نفسه، منفردا، قانعا باليسير، يظهر التجمل مع ما هو عليه من الفقر، وحدّث. وتوفي ليلة ثامن عشر صفر ودفن من الغد بسفح المقطّم.

стр. 2946

وفيها عبد المعزّ بن محمد بن أبي الفضل بن أحمد أبو روح الهرويّ البزّاز ثم الصوفي [١] ، مسند العصر. ولد سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، وسمع من تميم الجرجاني، وزاهر الشحّامي وطبقتهما، وله «مشيخة» في جزء. روى شيئا كثيرا، واستشهد في دخول التتار هراة في ربيع الأول، وهو آخر من كان بينه وبين رسول الله ﷺ سبعة أنفس ثقات. قاله في «العبر» . وفيها أبو محمد عبد العزيز بن عبد الملك الشيباني الدمشقي [٢] الحافظ. تكلم فيه ابن النجار بعدم تحريره في الحديث، وفقد بنيسابور لما دخلتها التتار بالسيف. قال ابن ناصر الدّين [٣] : مثاله المفقود ذا الشيباني ... عبد العزيز اللّين المباني أي الضعيف. وفيها أبو الحسن علي بن ثابت بن طالب بن الطالباني البغدادي الأزجي [٤] الفقيه الحنبلي الواعظ موفق الدّين. سمع ببغداد من صالح ابن الرحلة، وشهدة، وسمع بالموصل من خطيبها أبي الفضل، وتفقه ببغداد على ابن المنّي، واشتغل بالموصل بالخلاف على ابن يونس الشافعي، وأقام بحرّان مدة عند الخطيب ابن تيمية، ثم جرى بينه وبينه نكد، فقدم دمشق ثم رجع وأقام برأس العين من أرض الجزيرة ووعظ هناك، وانتفع به.

стр. 2947

قال ابن نقطة: سمعت منه وسماعه صحيح. وقال المنذري: له اختيارات في المذهب. وفيها القاسم بن المفتي أبي سعد عبد الله بن عمر أبو بكر بن الصفّار النيسابوري [١] الشافعي الفقيه. روى عن جدّه العلّامة عمر بن أحمد الصفّار، ووجيه الشّحّامي، وأبي الأسعد القشيري، وطائفة، وكان مولده سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. استشهد في دخول التتار نيسابور في صفر. وفيها الشهاب محمد بن خلف بن راجح بن بلال بن هلال بن عيسى بن موسى بن الفتح بن زريق المقدسي ثم الدمشقي [٢] الإمام أبو عبد الله الحنبلي الفقيه المناظر. ولد سنة خمسين وخمسمائة بجمّاعيل، ثم قدم دمشق وسمع بها من أبي المكارم بن هلال. وقدم مصر فسمع بها بالإسكندرية من السّلفي وأكثر عنه. وقدم بغداد فسمع من ابن الخشّاب، وشهدة وطبقتهم، وتفقه بها في المذهب والخلاف على ابن المنّي حتى برع. وكان بحاثا مناظرا مفحما للخصوم، ذا حظ من صلاح وأوراد وسلامة صدر. أمّارا بالمعروف نهّاء عن المنكر. قال المنذري: لقيته بدمشق وسمعت منه، وكان كثير المحفوظات، متحريا في العبادات، حسن الأخلاق. وقال أبو المظفّر سبط ابن الجوزي: كان زاهدا عابدا ورعا، فاضلا في

стр. 2948

فنون العلوم، وحفظ «المقامات الحريرية» في خمسين ليلة فتشوش خاطره، وكان يغسل باطن عينيه حتّى قلّ نظره. وكان سليم الصدر من الأبدال، ما خالف أحدا قطّ، رأيته يوما وقد خرج من جامع الجبل، فقال له إنسان: ما تروح إلى بعلبك؟ فقال: بلى، فمشى من ساعته إلى بعلبك بالقبقاب. وقال أبو شامة: كنت أراه يوم الجمعة قبل الزوال يجلس في درج المنبر السفلي بجامع الجبل، وبيده كتاب من كتب الحديث وأخبار الصالحين يقرؤه على الناس، إلى أن يؤذن المؤذن للجمعة. وتوفي يوم الأحد سلخ صفر، ودفن بسفح قاسيون. وفيها أبو عبد الله محمد بن عمر بن عبد الغالب العثماني المحدّث الدمشقي [١] . ديّن، صالح ورع. روى عن أحمد بن حمزة بن الموازيني، وابن كليب، وطبقتهم. توفي بالمدينة النبوية في المحرّم [٢] كهلا. وفيها أبو نصر موسى بن الشيخ عبد القادر الجيلي [٣] . روى عن أبيه، وابن ناصر، وسعيد بن البنّا، وأبي الوقت. وسكن دمشق، وكان عريا من العلم. توفي في أول جمادى الآخرة عن ثمانين سنة قاله في «العبر» . وفيها أبو الفتوح برهان الدّين نصر بن محمد بن علي بن أبي الفرج أحمد بن الحصري الهمذاني البغدادي الحنبلي [٤] المقرئ المحدّث الحافظ الزاهد الأديب. نزيل مكة. ولد في شهر رمضان سنة ست وثلاثين وخمسمائة. وقرأ القرآن

стр. 2949

بالروايات على أبي بكر بن الزّاغوني، وأبي الكرم الشهرزوري، وابن السمين، وابن الدجّاجي، وجماعة. وسمع الحديث الكثير من أبي الوقت [السجزي] وغيره وخلق كثير. منهم الشيخ عبد القادر [١] ، وعني بهذا الشأن، ثم خرج من بغداد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة فاستوطنها وأمّ بها بالحنابلة، وكان شيخا صالحا متعبدا. قال ابن الدّبيثي: كان ذا معرفة بهذا الشأن [٢] ونعم الشيخ كان، عبادة، وثقة. قال ابن النجار- هو خاتمة أصحابه-: كان حافظا حجة نبيلا، جمّ الفضائل، كثير المحفوظ، من أعلام الدّين وأئمة المسلمين. حدّث بالكثير ببغداد، ومكة، وسمع منه خلق كثير من الأئمة والحفاظ [٣] ، منهم الدّبيثي، وابن نقطة، وابن النجار، والضياء، والبرزالي، وابن خليل. وقال ابن الحنبلي: مات بالمهجم من أرض اليمن في شهر ربيع الآخر، وكان خروجه إلى اليمن بأهله لقحط وقع بمكة. وكان ذا عائلة، فنزح بهم إلى اليمن. في نحو سنة ثمان عشرة، أي هذه السنة. وفيها هبة الله بن الخضر بن هبة الله بن أحمد بن طاووس السّديد أبو محمد الدمشقي [٤] . سمّعه أبوه من نصر الله المصّيصي، وابن البن، وكان كثير التلاوة. توفي في جمادى الأولى.

стр. 2950

وفيها أبو الدّر ياقوت بن عبد الله [١] الموصلي [٢] الكاتب المجيد المشهور، الملقب أمين الدّين، المعروف بالملكي، نسبة إلى السلطان ملكشاه. سكن الموصل، وأخذ النحو عن ابن الدهّان، وكان ملازما قراءة «ديوان» المتنبي و «المقامات» وكتب بخطّه الكثير، وانتشر خطّه في الآفاق، وكان خطّه في نهاية الحسن، ولم يؤدّ أحد طريقة ابن البوّاب مثله، مع فضل غزير ونباهة، وكان مغرى بنقل «صحاح» الجوهري، وكتب منها نسخا كثيرة كل نسخة في مجلد، وكتب عليه خلق كثير وانتفعوا به، وكانت له سمعة كثيرة في زمنه، مات في هذه السنة وقد أسنّ وتغيّر خطّه كثيرا. وفيها سالم بن سعادة الحمصي [٣] الشاعر، مات بحلب. ومن شعره: وروض أريض من شقيق ونرجس ... لنوريهما من تحت قضب الزّبرجد خدود عقيق تحت خالات عنبر ... وأجفان درّ حول أحداق عسجد وفيها جلال الدّين [الحسن، حفيد] الحسن [بن] الصّبّاح [٤] ، صاحب الألموت، وكردكوه [٥] ، وهو مقدّم الإسماعيلية، وكان قد أظهر شريعة الإسلام من الأذان وغيره وولّى بعده ولده الأكبر.

стр. 2951

سنة تسع عشرة وستمائة فيها توفي أبو طالب أحمد بن عبد الله بن الحسين بن حديد الكناني الإسكندراني المالكي [١] . روى عن السّلفي وجماعة، وهو من بيت قضاء وحشمة. توفي في جمادى الآخرة. وفيها ابن الأنماطي الحافظ تقي الدّين أبو الطاهر إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن المصري الشافعي [٢] . قال عمر بن الحاجب: كان إماما ثقة حافظا، مبرّزا، واسع الرواية، وعنده فقه وأدب ومعرفة بالشعر وأخبار الناس. قال: وسألت الحافظ الضياء عنه فقال: حافظ ثقة مفيد إلّا أنه كان كثير الدعابة مع المرد. وقال ابن النجار [٣] : ولد سنة سبعين وخمسمائة، واشتغل من صباه، وتفقّه وأقرأ الأدب [٤] وسمع الكثير، وقدم دمشق سنة ثلاث وتسعين، ثمّ حجّ سنة إحدى وستمائة وقدم مع الركب، وكانت له همّة وافرة وجدّ واجتهاد

стр. 2952

ومعرفة كاملة، وحفظ وفصاحة، وفقه، وسرعة فهم، واقتدار على النّظم والنثر. وكان معدوم النظير في وقته [١] . قال الضياء: بات صحيحا فأصبح لا يقدر على الكلام أياما، واتصل به ذلك حتّى مات في رجب. وفيها ثابت بن مشرّف أبو سعد [٢] الأزجي البنّاء المعمار [٣] . روى عن ابن ناصر والكروخي وطبقتهما فأكثر، وحدّث بدمشق وحلب، وتوفي في ذي الحجّة. وفيها الشيخ عليّ بن [أبي بكر محمد بن عبد الله بن] إدريس اليعقوبيّ [٤] الزاهد، صاحب الشيخ عبد القادر الكيلاني، سيّد زاهد عابد ربّاني متألّه، بعيد الصيت. توفي في ذي القعدة. وفيها أبو الفضائل شهاب الدّين عبد الكريم بن نجم بن عبد الوهاب ابن عبد الواحد الشيرازي الدمشقي بن الحنبلي [٥] الفقيه الحنبلي، أخو ناصح الدّين [عبد الرّحمن الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، وهو أصغر من الناصح بتسع سنين. سمع ببغداد من نصر الله] [٦] القزّاز. وأجاز له الحافظ أبو موسى المديني وغيره، وتفقّه، وبرع، وأفتى، وناظر، ودرّس بمدرسة جدّه بدمشق، وهي الحنبلية جوار الرواحية سكن بني الأسطواني.

стр. 2953

قال أبو شامة: هو أخو البهاء والناصح، وهو أصغرهم، وكان أبرعهم في الفقه والمناظرة والمحاكمات، بصيرا بما يجري عند القضاة في الدعاوى والبينات. وقال ابن السّاعي في «تاريخه» : كان فقيها، فاضلا، خيّرا، عارفا بالمذهب والخلاف. وقال غيره: كان ذا قوة وشهامة، وانتزع مسجد الوزير من يد العلم السخاوي، وبقي للحنابلة. توفي في [١] سابع ربيع الأول ودفن بسفح قاسيون. وفيها العلّامة كمال الدّين علي بن محمد بن يوسف بن النّبيه [٢] ، الكاتب الشاعر، صاحب ديوان رسائل الملك الأشرف موسى بن العادل، وله ديوان شعر مشهور كله ملح، فمن شعره: بدر تمّ له من الشّعر هاله ... من رآه من المحبّين هاله قصر الليل حين زار ولا غر ... وغزال غارت عليه الغزالة يا نسيم الصّبا عساك تحمّل ... ت لنا من سكان نجد رسالة كلّ مسعولة المراشف بيضا ... ء حمتها سمر القنا العسّاله وله: أمانا أيّها القمر المطلّ ... فمن جفنيك أسياف تسلّ يزيد جمال وجهك كلّ يوم ... ولي جسد يذوب ويضمحلّ يميل بطرفه التركيّ عنّي ... صدقتم إنّ ضيق العين بخل

стр. 2954

أيا ملك [١] القلوب فتكت فيها ... وفتكك في الرّعية لا يحلّ قليل الوصل يقنعها فإن لم ... يصبها وابل منه فطلّ وله: لماك والخدّ النّضر ... ماء الحياة والخضر أخذتني يا تاركي ... أخذ عزيز مقتدر أحلت سلواني على ... ضامن قلب منكسر ونمت عن ذي أرق ... إذا غفا النّجم سهر قد أضحت الترك به ... ذا العربيّ تفتخر [٢] وليّ عهد البدر إن ... غاب فإنّي منتظر في خلقه وخلقه ... ما في الغزال والنّمر ترعاه أحداق الورى ... فحيثما سار تسر وفيها أبو العبّاس الخضر بن نصر الإربلي [٣] الفقيه الشافعي، تفنن في العلوم، مع الزهد والورع، وهو أول من درّس بإربل، وله تصانيف حسان في التفسير والفقه، وله كتاب ذكر فيه ستا وعشرين خطبة للنّبيّ ﷺ كلها مسندة، وانتفع به خلق كثير. قاله ابن الأهدل.

стр. 2955

وفيها الحافظ محمد بن عبد الواحد بن إبراهيم بن مفرج الغافقي الملّاحي الأندلسي الغرناطي المالكي أبو القاسم [١] . كان إماما، حافظا، مكثرا، من الأثبات. قاله ابن ناصر الدّين. وفيها أبو القاسم نصر بن عقيل بن نصر الإربلي [٢] . ولد بإربل سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وتفقه بها على عمه أبي العبّاس الخضر المتوفى في هذا العام أيضا [٣] ، ثم توجه إلى بغداد سنة ستمائة، فآذاه متوليها [٤] مظفّر الدّين، واستولى على أملاكه، فتوجه إلى الموصل سنة ست وستمائة، فأقبل عليه صاحبها الأتابك نور الدّين أرسلان شاه بن مسعود، وأحسن إليه، ورتّب له كفايته، ولم يزل مكرّما إلى أن مات بها في رابع عشر ربيع الآخر. ذكره التفليسي. وفيها الشيخ يونس بن يوسف بن مساعد الشّيباني المخارقي القنيّي [٥]- نسبة إلى القنيّة، قرية من نواحي ماردين [٦]- وهذا شيخ الطائفة اليونسية أولي الشّطح وقلة العقل وكثرة الجهل، أبعد الله شرّهم. وكان- ﵀ صاحب حال وكشف. يحكى عنه كرامات. قاله في «العبر» .

стр. 2956

وقال ابن خلّكان: سألت رجلا من أصحابه عنه فقال: كنا مسافرين والشيخ يونس معنا، فنزلنا في الطريق بين سنجار وعانة، وهي مخوفة فلم يقدر أحد منا ينام من شدة الخوف، ونام الشيخ يونس، فلما انتبه قلنا له: كيف قدرت تنام؟ فقال: والله ما نمت حتّى جاء إسماعيل بن إبراهيم، ﵉، وتدرك القفل، ورحلنا سالمين ببركة الشيخ يونس [١] . ومن شعره مواليا: أنا حميت الحمى وأنا سكنت [٢] فيه ... وأنا رميت الخلائق في بحار التّيه من كان يبغي العطا منّي أنا أعطيه ... أنا فتى ما أداني من به تشبيه وله: إذا صرت [٣] سندانا فصبرا على الذي ... ينالك من مكروه دقّ المطارق لعلّ اللّيالي أن تعيدك ضاربا ... فتضرب أعناق العدا بالبوارق توفي بقريته القنيّة وقد ناهز التسعين، وقبره مشهور هناك.

стр. 2957

سنة عشرين وستمائة فيها كانت الملحمة الكبرى بين التتار وبين القفجاق والرّوس، وثبت الجمعان أياما، ثم انتصرت التتار وغسلوا [١] أولئك بالسيف. وفيها توفي الشيخ أبو علي الحسن بن زهرة الحسيني النّقيب [٢] ، رأس الشيعة بحلب، وعزّهم وجاههم وعالمهم. كان عارفا بالقراءات، والعربية، والأخبار، والفقه، على رأي القوم، وكان متعينا للوزارة، ونفذ رسولا إلى العراق وغيرها، واندكت الشيعة بموته. وفيها الحسين [٣] بن يحيى بن أبي الردّاد المصري، ويسمى أيضا محمدا [٤] . كان آخر من روى بنفس مصر عن ابن رفاعة. توفي في ذي القعدة. وفيها الشيخ موفق الدّين المقدسي أحد الأئمة الأعلام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي [٥] صاحب التصانيف. ولد بجمّاعيل سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وهاجر مع أخيه الشيخ أبي عمر سنة إحدى وخمسين، وحفظ القرآن، وتفقه، ثم ارتحل إلى بغداد،

стр. 2958

فأدرك الشيخ عبد القادر [١] ، فسمع منه، ومن هبة الله الدقّاق، وابن البطّي وطبقتهم، وتفقه على ابن المنّي حتّى فاق على الأقران، وحاز قصب السبق، وانتهى إليه معرفة المذهب وأصوله، وكان مع تبحّره في العلوم ويقينه، ورعا زاهدا تقيّا ربّانيا، عليه هيبة ووقار، وفيه حلم وتؤدة، وأوقاته مستغرقة للعلم والعمل، وكان يفحم الخصوم بالحجج والبراهين، ولا يتحرّج ولا ينزعج، وخصمه يصيح ويحترق. قال الحافظ الضياء: كان تامّ القامة، أبيض، مشرق الوجه، أدعج العينين، كأن النّور يخرج من وجهه لحسنه، واسع الجبين، طويل اللّحية، قائم الأنف، مقرون الحاجبين، لطيف اليدين [٢] ، نحيف الجسم، إلى أن قال: رأيت الإمام أحمد في النوم فقال: ما قصّر صاحبكم الموفق في شرح «الخرقي» [٣] . وسمعت أبا عمرو [٤] بن الصلاح المفتي يقول: ما رأيت مثل الشيخ الموفق. وسمعت شيخنا أبا بكر بن غنيمة المفتي ببغداد يقول: ما أعرف أحدا في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلّا الشيخ الموفق. قلت: جمع له الضياء ترجمة في جزءين، ثم قال: توفي في يوم عيد الفطر. قاله جميعه في «العبر» . وذكر الناصح بن الحنبلي [٥] : أنه حجّ سنة أربع وسبعين وخمسمائة،

стр. 2959

ورجع مع وفد العراق إلى بغداد، وأقام بها [سنة] . واشتغلنا جميعا على الشيخ أبي الفتح [بن المنّي] ثم رجع إلى دمشق واشتغل بتصنيف كتاب «المغني في شرح الخرقي» فبلغ الأمل في إتمامه، وهو كتاب بليغ في المذهب، عشر مجلدات، تعب عليه وأجاد فيه، وجمّل به [١] المذهب. وقرأه عليه جماعة، وانتفع بعلمه طائفة كثيرة. قال: ونشأ على سمت [٢] أبيه وأخيه، في الخير، والعبادة، وغلب عليه الاشتغال بالفقه والعلم. وقال سبط ابن الجوزي: كان إماما في فنون كثيرة، ولم يكن في زمانه- بعد أخيه أبي عمر، والعماد [٣]- أزهد ولا أورع [٤] منه. وكان كثير الحياء، عزوفا [٥] عن الدّنيا وأهلها، هينا، لينا، متواضعا، محبا للمساكين، حسن الأخلاق، جوادا، سخيا، من رآه كأنما رأى بعض الصحابة، وكأن النّور يخرج من وجهه. كثير العبادة، يقرأ كل يوم وليلة سبعا من القرآن، ولا يصلي ركعتي السّنّة إلّا في بيته اتباعا للسّنّة. وكان يحضر مجالسي دائما بجامع دمشق وقاسيون. وقال أبو شامة: كان شيخ الحنابلة موفق الدّين إماما من أئمة المسلمين، وعلما من أعلام الدّين في العلم والعمل، وصنّف كتبا حسانا في الفقه وغيره، عارفا بمعاني الأخبار والآثار. سمعت عليه أشياء، وجاءه مرّة الملك العزيز بن الملك العادل يزوره، فصادفه يصلي، فجلس بالقرب منه

стр. 2960

إلى أن فرغ من صلاته، ثم اجتمع به ولم يتجوز في صلاته. ومن أظرف [١] ما حكي عنه: أنه كان يجعل في عمامته ورقة مصرورة، فيها رمل يرمّل به ما يكتبه للناس من الفتاوى والإجازات وغيرها، فاتفق ليلة أن [٢] خطفت عمامته، فقال لخاطفها: يا أخي خذ من العمامة الورقة المصرورة بما فيها وردّ العمامة أغطي بها رأسي وأنت في أوسع الحلّ مما في الورقة، فظن الخاطف أنها فضة، ورآها ثقيلة، فأخذها وردّ العمامة، وكانت صغيرة عتيقة، فرأى أخذ الورقة خيرا منها بدرجات، فخلّص الشيخ عمامته بهذا الوجه اللّطيف. وقال أبو العباس بن تيمية: ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الشيخ الموفق، ﵀. وقال الضياء: كان- رحمه الله تعالى- إماما في القرآن، إماما في التفسير، إماما في علم الحديث ومشكلاته، إماما في الفقه، بل أوحد زمانه [فيه، إماما] [٣] في علم الخلاف، أوحد زمانه في الفرائض، إماما في أصول الفقه، إماما في النحو، إماما في الحساب، إماما في النجوم السّيّارة والمنازل. قال: ولما قدم بغداد قال له الشيخ أبو الفتح بن المنّي: اسكن هنا، فإن بغداد مفتقرة إليك، وأنت تخرج من بغداد ولا تخلّف فيها مثلك. وكان العماد [٤] يعظّم الموفق تعظيما كثيرا، ويدعو له، ويقعد بين يديه، كما يقعد المتعلم من العالم.

стр. 2961

وقال ابن غنيمة: ما أعرف أحدا في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلّا الموفق. وقال أبو عمرو بن الصلاح: ما رأيت مثل الشيخ الموفق. وقال الشيخ عبد الله اليونيني: ما أعتقد أن شخصا ممن رأيته حصل له من الكمال في العلوم والصفات الحميدة التي يحصّل بها الكمال سواه، فإنه- ﵀ كان إماما كاملا في صورته ومعناه، من الحسن، والإحسان، والحلم، والسؤدد، والعلوم المختلفة، والأخلاق الحميدة، والأمور التي ما رأيتها كملت في غيره. وقد رأيت من كرم أخلاقه وحسن عشرته، ووفور حلمه، وكثرة علمه، وغزير فضله وفطنته [١] ، وكمال مروءته، وكثرة حيائه، ودوام بشره، وعزوف نفسه عن الدّنيا وأهلها، والمناصب وأربابها، ما قد عجز عنه كبار الأولياء، فإن رسول الله- ﷺ قال: «ما أنعم الله تعالى على عبد نعمة أفضل من أن يلهمه ذكره» [٢] فقد ثبت بهذا أن إلهام الذكر أفضل [من] الكرامات، وأفضل الذكر ما يتعدى نفعه إلى العباد، وهو تعليم العلم والسّنّة، وأعظم من ذلك وأحسن ما كان جبلّة وطبعا، كالحلم، والكرم، والفضل [٣] ، والعقل، والحياء، وكان قد جبله الله على خلق شريف، وأفرغ عليه المكارم إفراغا، وأسبغ عليه النّعم، فلطف به في كل حال. وقال ابن رجب: كان كثير المتابعة للمنقول في باب الأصول وغيره، لا يرى إطلاق ما لم يؤثر من العبارات، ويأمر بالإقرار والإمرار لما جاء في

стр. 2962

الكتاب والسّنّة من الصفات من غير تغيير ولا تكييف، ولا تمثيل ولا تحريف، ولا تأويل ولا تعطيل. ومن تصانيفه في أصول الدّين «البرهان في مسألة القرآن» و «جواب مسألة وردت من صرخد في القرآن» جزء، و «الاعتقاد» [١] جزء، و «مسألة العلو» جزءان، و «ذم التأويل» جزء، و «كتاب القدر» جزءان، و «منهاج القاصدين في فضائل الخلفاء الراشدين» و «رسالة إلى الشيخ فخر الدّين بن تيمية في عدم تخليد أهل البدع في النار» و «مسألة في تحريم النظر في كتب أهل الكلام» . ومن تصانيفه في الحديث « [مختصر العلل للخلّال» مجلد ضخم، و «مشيخة شيوخه» أجزاء كثيرة. ومن تصانيفه في الفقه: «المغني» في عشر مجلدات، و «الكافي» [٢] أربع مجلدات، و «المقنع» [٣] مجلد] [٤] و «مختصر الهداية» مجلد. و «العمدة» مجلد صغير، و «مناسك الحج» جزء، و «ذم الوسواس» جزء، وفتاوى ومسائل منثورة، ورسائل شتى كثيرة [٥] و «الروضة في أصول الفقه» مجلد.

стр. 2963

وله في اللغة والأنساب ونحو ذلك مصنفات. وله «كتاب التوابين» [١] و «كتاب المتحابين في الله» و «كتاب الرّقة والبكاء» وغير ذلك. وانتفع بتصانيفه المسلمون عموما، وأهل المذهب خصوصا، وانتشرت واشتهرت بحسن قصده وإخلاصه، ولا سيما كتابه «المغني» فإنه عظم النفع به، حتّى قال الشيخ عزّ الدّين بن عبد السلام: ما رأيت في كتب الإسلام في العلم [٢] مثل «المجلّى و «المحلّى» [٣] وكتاب «المغني» للشيخ موفق الدّين بن قدامة في جودتهما وتحقيق ما فيهما. ونقل عنه أيضا أنه قال: ما طابت نفسي بالفتيا حتّى صار عندي نسخة «المغني» مع أنه كان يسامي الشيخ في زمانه. وقال سبط ابن الجوزي: أنشدني الموفق لنفسه: أبعد بياض الشّعر أعمر مسكنا ... سوى القبر إني إن فعلت لأحمق يخبّرني شيبي بأني ميّت ... وشيكا وينعاني إليّ فيصدق يخرّق عمري كل يوم وليلة ... فهل مستطيع رفو [٤] ما يتخرّق [٥] كأني بجسمي فوق نعشي ممدّدا ... فمن ساكت أو معول يتحرّق إذا سئلوا عني أجابوا وأعولوا ... وأدمعهم تنهلّ هذا الموفّق وغيّبت في صدع من الأرض ضيّق ... وأودعت لحدا فوقه الصخر مطبق

стр. 2964

ويحثو عليّ التّرب أوثق صاحب ... ويسلمني للقبر من هو مشفق فيا ربّ كن لي مؤنسا يوم وحشتي ... فإني لما أنزلته لمصدّق وما ضرّني أني إلى الله صائر ... ومن هو من أهلي أبرّ وأرفق ومن شعره أيضا: لا تجلسنّ بباب من ... يأبى عليك دخول داره وتقول حاجاتي إلي ... هـ يعوقها إن لم أداره اتركه واقصد ربّها ... تقضى وربّ الدار كاره وتفقه على الشيخ موفق الدّين خلق كثير، منهم ابن أخيه الشيخ شمس الدّين عبد الرحمن. وروى عنه جماعة من الحفّاظ وغيرهم، منهم ابن الدّبيثي، والضياء، وابن خليل، والمنذري، وعبد العزيز بن طاهر بن ثابت الخيّاط المقرئ. وتوفي- رحمه الله تعالى- بمنزله بدمشق يوم السبت يوم عيد الفطر، وصلّي عليه من الغد، وحمل إلى سفح قاسيون فدفن به، وكان جمع عظيم لم ير مثله. قال عبد الرحمن بن محمد [١] العلوي: كنا بجبل بني هلال، فرأينا على قاسيون ليلة العيد ضوءا عظيما، فظننا أن دمشق قد احترقت، وخرج أهل القرية ينظرون إليه، فوصل الخبر بوفاة الموفق، وسمّيت تربته بالروضة لأنه رؤي بعض الموتى المدفونون هناك في سرور عظيم، فسئل عن ذلك فقال: كنا في عذاب، فلما دفن عندنا الموفق صارت تربتنا روضة من رياض الجنة [٢] .

стр. 2965

وقال سبط ابن الجوزي: كان له أولاد: محمد، ويحيى، وعيسى، ماتوا كلّهم في حياته، وله بنات. ولم يعقب من ولد الموفق سوى عيسى، خلّف ولدين صالحين وماتا وانقطع عقبه. وفيها أبو أحمد عبد الحميد بن مرّي بن ماضي المقدسي [١] الفقيه الحنبلي، نزيل بغداد. سمع الكثير من ابن كليب وطبقته، وحدّث عنه بنسخة ابن عرفة، سمعها منه الحافظ الضياء، وتفقه في المذهب، وكان حسن الأخلاق، صالحا، خيّرا، متوددا. توفي ليلة الثلاثاء ثالث جمادى الآخرة، ودفن بباب حرب. قال ابن النجار: أظنه جاوز الخمسين بيسير. وفيها فخر الدّين أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الإمام المفتي الدمشقي الشافعي شيخ الشافعية بالشام [٢] . ولد سنة خمسين وخمسمائة، وسمع من عمّيه الصائن، والحافظ أبي القاسم، وحسّان الزيّات، وطائفة. وبرع في المذهب على القطب النيسابوري، وتزوج بابنته، ودرّس بالجاروخية، ثم بالصلاحية بالقدس، ثم بالتقوية بدمشق، وكان يقيم بالقدس أشهرا وبدمشق أشهرا، وكان لا يملّ أحد من رؤيته لحسن سمته واقتصاده في لباسه، ولطفه ونور وجهه، وكثرة ذكره لله تعالى. قال ابن شهبة: كان لا يخلو لسانه من ذكر الله تعالى، وأريد على أن يلي القضاء فامتنع، وجهّز أهله للسفر إلى ناحية حلب، وأشار بتولية ابن الحرستاني.

стр. 2966

وقال أبو المظفّر [١] : كان زاهدا، عابدا، ورعا، منقطعا إلى العلم والعبادة، حسن الأخلاق، قليل الرغبة في الدّنيا. وقال عمر بن الحاجب: صنّف في الفقه والحديث مصنفات، وتفقه عليه جماعة، منهم: عز الدّين بن عبد السلام، وكان إماما، زاهدا، ثقة، كثير التهجد، غزير الدمعة، حسن الأخلاق، كثير التواضع، قليل التعصب. سلك طريق أهل اليقين، وكان يطرّح التكلف، وعرضت عليه مناصب ولايات دينية فأباها. توفي في رجب، ودفن بطرف مقابر الصوفية الشرقي مقابل قبر ابن الصّلاح، جوار تربة شيخه القطب. وفيها الأمير مبارز الدّين سنقر الصّلاحي [٢] . كان مقيما بحلب، ثم انتقل إلى ماردين، فخاف منه الأشرف وشكا حاله للمعظّم، فخدعه ووعده بأن يوليه مهما اختار، وجهّز إليه ابنه، فحضر إلى الشام، فالتقاه المعظم ولم ينصفه، وتفرّق عنه أصحابه، فمرض من شدة غبنه ونزل في دار شبل الدولة بالصالحية، ومات غبنا، فقام شبل الدولة بأمره أحسن قيام، واشترى له تربة على رأس زقاق الخانقاه عند المصنع ودفنه بها، وكان المبارز محبّبا إلى الناس ولم يكن في زمنه أكرم منه. وفيها محمد [بن سليمان] بن قتلمش السّمرقندي [٣] . كان حاجبا للخليفة، وبرع في علم الأدب، وكان مغرى بالنرد والقمار.

стр. 2967

ومن شعره: لا والذي سخّر قلبي لها ... عبدا كما سخّر لي قلبها ما فرحي في حبّها [١] غير أن ... تبيح [٢] لي عن هجرها قلبها ومنه أيضا: ومقرطق [٣] وجدي عليه كردفه ... وتجلّدي والصّبر عنه كخصره نادمته في ليلة من شعره ... أجلو محاسنه بشمعة ثغره وفيها صاحب المغرب السلطان المستنصر بالله أبو يعقوب يوسف بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن القيسيّ [٤] . لم يكن في آل عبد المؤمن أحسن منه ولا أفصح ولا أشغف باللّذات. ولي الأمر عشر سنين بعد أبيه، ومات ولم يعقب.

стр. 2968

سنة إحدى وعشرين وستمائة فيها استولى [بدر الدّين] لؤلؤ على الموصل، وخنق ابن أستاذه محمود بن القاهر، وزعم أنه مات. وفيها عادت التتار من بلاد القفجاق ووصلوا إلى الرّيّ، وكان من سلم من أهلها قد تراجعوا إليها، فما شعروا إلّا بالتتار قد أحاطوا بهم، فقتلوا وسبوا، ثم ساروا إلى قمّ، وقاشان، فأبادوهما، ثم عطفوا إلى همذان، فقتلوا وفظّعوا، ثم ساروا إلى توريز فوقع بينهم وبين الخوارزمية مصاف. وفيها توفي أبو العبّاس أحمد بن أبي الفتح يوسف بن محمد الأزجي المشتري [١] . مسند وقته. سمع من الأرموي، وابن الطّلّاية، وابن ناصر، وطائفة، وتفرّد بأشياء. توفي في شعبان. وفيها أحمد بن محمد القادسي [٢] الضرير الحنبلي. كان خشن العيش. طلب المستضيء بالله من يصلي به التراويح، فأحضروه فقالوا: ما مذهبك؟ قال: حنبلي، فقالوا: ما يمكن أن يصلي بدار الخلافة حنبليّ، فقال [٣]

стр. 2969

القادسي: أنا حنبلي وما أريد أن أصلي بكم، فسمعه الخليفة فقال: صلّ على مذهبك، وكان ملازما لابن الجوزي، وبه انتفع. وفيها أبو سليمان ابن حوط الله، وهو داود بن سليمان بن داود الأنصاري [١] نزيل مالقة. رحل، وروى عن ابن بشكوال فأكثر، وعن عبد الحق بن بويه، وأبي عبد الله بن زرقون، وولي قضاء بلنسية، وغيرها، وعاش تسعا وستين سنة. وفيها أبو طالب بن عبد السميع عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع بن أبي تمّام الواسطي [٢] المقرئ المعدّل. قرأ القراءات على عبد العزيز السّماتي وغيره، وسمع ببغداد من هبة الله بن الشّبلي وطائفة، وصنّف أشياء حسنة، وعني بالحديث والعلم. توفي في المحرّم عن ثلاث وثمانين سنة. وفيها ابن الحباب، القاضي الأسعد، أبو البركات عبد القوي بن عبد العزيز بن الحسين التميمي السّعدي الأغلبي المصري [٣] المالكي الأخباري المعدّل، راوي «السيرة» عن ابن رفاعة [٤] . كان ذا فضل ونبل، وسؤدد، وعلم، ووقار، وحلم. وكان جمالا لبلده. توفي في شوال وله خمس وثمانون سنة.

стр. 2970

وفيها عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي، سلطان المغرب، أبو محمد [١] . ولي الأمر في العام الماضي فلم يدار أمراء البربر فخلعوه وخنقوه في شعبان، وكانت ولايته تسعة أشهر، وفي أيامه استولى على مملكة الأندلس ابن أخيه عبد الله بن يعقوب الملقب بالعادل، والتقى الإفرنج فهزموا جيشه، ثم طلب مرّاكش بأسوإ حال فقبضوا عليه، وتملّك الأندلس بعده أخوه إدريس مديدة فخرج عليه محمد بن هود [الجذامي، ودعا إلى آل العبّاس، فمال الناس إليه، فهرب إدريس بعسكره إلى مرّاكش، فالتقاه] [٢] صاحبها يومئذ يحيى بن محمد بن يوسف، فهزم يحيى. وفيها علي بن عبد الرشيد أبو الحسن الهمذاني [٣] ، قاضي همذان، ثم قاضي الجانب الغربي ببغداد، ثم قاضي تستر. حضر على أبي الوقت [السّجزي] ، وسمع من أبي الخير الباغياني. وقرأ القراءات على جدّه لأمه أبي العلاء العطّار. توفي في صفر. وفيها الشيخ علي الفرنثي [٤] الزاهد، صاحب الزاوية والأصحاب بسفح قاسيون. وكان صاحب حال وكشف وعبادة وصدق، وهو الذي حكي عنه أنه قال: أربعة يتصرفون في قبورهم كتصرف الأحياء [٥] : الشيخ عبد القادر [٦] ، ومعروف الكرخي، وعقيل المنبجي، وحياة بن قيس الحرّاني. توفي في جمادى الآخرة.

стр. 2971

وفيها ابن اليتيم أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن محمد الأنصاري الأندرشي [١] ، خطيب المريّة. رحل في طلب الحديث، وسمع من أبي الحسن بن النّعمة [٢] ، وابن هذيل، والكبار. وبالإسكندرية من السّلفي. وببغداد من شهدة. وبدمشق من الحافظ ابن عساكر. ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وتوفي في ربيع الأول. وفيها ابن اللّبودي شمس الدّين محمد بن عبدان الدمشقي الطّبيب [٣] . قال ابن أبي أصيبعة: كان علّامة وقته، وأفضل أهل زمانه في العلوم الحكمية. وكان له ذكاء مفرط، وحرص بالغ. توفي في ذي القعدة، ودفن بتربته بطريق المزّة. وفيها ابن زرقون أبو الحسين محمد بن أبي عبد الله محمد بن سعيد الأنصاري الإشبيلي [٤] ، شيخ المالكية. كان من كبار المتعصبين للمذهب فأوذي من جهة بني عبد المؤمن لما أبطلوا القياس وألزموا الناس بالأثر والظاهر. وقد صنّف كتاب «المعلّى في الردّ على المحلّى» لابن حزم. توفي في شوال وله ثلاث وثمانون سنة. وفيها محمد بن هبة الله بن مكرّم أبو جعفر البغدادي [٥] الصّوفي.

стр. 2972

توفي في المحرم ببغداد وله أربع وثمانون سنة. روى عن أبي الفضل الأرموي، وأبي الوقت [السّجزي] وجماعة. وفيها الفازاري [١] محمد بن يخلفتن [٢] بن أحمد البربري التلمساني، الفقيه المالكي، الأديب الشاعر. ولي قضاء قرطبة. وفيها الفخر الموصلي أبو المعالي محمد بن أبي الفرج [بن] أبي المعالي الموصلي ثم البغدادي [٣] الشافعي المقرئ، صاحب يحيى ابن سعدون، ومعيد النظامية. كان بصيرا بعلل القراءات. قال ابن النجار: كان فقيها فاضلا نحويا، حسن الكلام في مسائل الخلاف. له معرفة تامة بوجوه القراءات وعللها وطرقها. وله في ذلك مصنّفات، وكان كيّسا، متواضعا، متوددا، حسن العشرة. وقدم بغداد سنة اثنتين وسبعين [٤] وخمسمائة، فتفقه بها، وتوفي بها في سادس رمضان، ﵀.

стр. 2973

سنة اثنتين وعشرين وستمائة فيها جاء جلال الدّين بن خوارزم شاه، فبذل السيف في دقوقا [١] ، وفعل ما لا تفعله الكفرة، وأحرق دقوقا، وعزم على هجم بغداد، فانزعج الخليفة النّاصر، وحصّن بغداد، وأقام المجانيق، وأنفق ألف ألف دينار، ففجأ ابن خوارزم شاه أن الكرج قد خرجوا على بلاده، فساق إليهم والتقاهم. قال أبو شامة [٢] : فظفر بهم، وقتل منهم سبعين ألفا، ثم أخذ تفليس [٣] بالسيف، وقتل بها ثلاثين ألفا في آخر العام. وكان قد أخذ تبريز بالأمان، وتزوّج بابنة السلطان طغريل [٤] السّلجوقي، ثم جهز جيشا فافتتحوا كنجة، وأخذ أيضا مراغة، وكانت الكرج قد ملّكوا عليهم امرأة وتطلبوا لها من ينكحها لينوب عنها في الملك، فأرسل سلطان الرّوم [٥] إليها يخطبها لابنه فامتنعوا، وقالوا: لا يحكم علينا مسلم،

стр. 2974

فقال: إن ابني يتنصّر ويتزوجها فأجابوه، فتنصّر ابنه وأقام معها، وأمر ونهى، نعوذ بالله من الخذلان. وكان الزوج يسمع عنها القبائح ويسكت، وكانت تعشق مملوكا لها، ورآها يوما في الفراش مع المملوك فأنكر ذلك، فقالت: إن رضيت وإلّا أنت أخبر. ثم نقلته إلى قلعة وحجرت عليه، ثم سمعت بشابين مليحين، فأحضرت أحدهما وتزوجت به، وأحضرت آخر بديع الحسن من أهل كنجة، فطلبت منه أن يتنصّر للتزوج به. وفي سلخ رمضان توفي الخليفة النّاصر لدين الله أبو العبّاس أحمد ابن المستضيء بأمر الله الحسن بن المستنجد بالله يوسف بن المقتفي الهاشمي العبّاسي [١] . بويع بالخلافة في أول ذي القعدة، سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وله ثلاث وعشرون سنة، وكان أبيض، تركيّ الوجه، أقنى الأنف، خفيف العارضين، رقيق المحاسن، فيه شهامة وإقدام، وله عقل ودهاء، وهو أطول بني العبّاس خلافة، كما أن الناصر لدين الله الأموي صاحب الأندلس أطول بني أميّة دولة، وكما أن المستنصر بالله العبيدي أطول العبيديين دولة، وكما أن السلطان سنجر بن ملكشاه أطول بني سلجوق دولة. قال الموفّق عبد اللطيف: كان يشقّ الدّروب والأسواق أكثر الليل والناس يتهيبون لقاءه، أظهر الفتوة والبندق والحمام المناسيب في أيامه، وتفنن الأعيان والأمراء في ذلك ودخل فيه الملوك. وقال الذهبي: وكان مستقلا [٢] بالأمور بالعراق، متمكنا من الخلافة، يتولى الأمور بنفسه، ما زال في عزّ وجلالة واستظهار وسعادة. أصابه فالج في

стр. 2975

آخر أيامه، وتوفي في سلخ رمضان وله سبعون سنة إلّا أشهرا [١] . وولي بعده ولده الظاهر. وقال ابن النجار: دانت السلاطين للناصر، ودخل تحت طاعته من كان من المخالفين، وذلّت له العتاة والطّغاة، وانقهرت لسيفه الجبابرة، وفتح البلاد العديدة، وملك من الممالك ما لم يملكه أحد ممن تقدّمه. من السلاطين والخلفاء والملوك، وخطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصين، وكان أسد بني العبّاس تتصدع لهيبته الجبال، وكان حسن الخلق، لطيف الخلق، كامل الظرف، فصيح اللّسان، بليغ البيان، له التوقيعات المسددة والكلمات المؤيدة. كانت أيامه غرّة في وجه الدّهر، ودرّة في تاج الفخر. وقال الموفق عبد اللطيف: أحيا هيبة الخلافة- وكانت قد ماتت بموت المعتصم- ثم ماتت بموته، وكان الملوك والأكابر بمصر والشام إذا جرى ذكره في خلواتهم خفضوا أصواتهم هيبة وإجلالا. وقال ابن واصل [٢] : كان مع ذلك رديء السيرة في الرعية، مائلا إلى الظّلم والعسف. وكان يفعل أفعالا متضادة. وكان يتشيّع ويميل إلى مذهب الإمامية، بخلاف آبائه، حتّى إن ابن الجوزي سئل بحضرته من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: أفضلهم بعده من كانت ابنته تحته، فكنّى بفضل الصّديق ولم يقدر أن يصرح. وقال الذهبي: أجاز الناصر لجماعة من الأعيان فحدثوا عنه، منهم ابن سكينة، وابن الأخضر، وابن النجار، وابن الدامغاني، وآخرون. وقال سبط ابن الجوزي وغيره: قلّ بصر الناصر في آخر عمره، وقيل: ذهب بالكلّية، ولم يشعر بذلك أحد من الرّعية، حتّى الوزير وأهل الدّار.

стр. 2976

وكان له جارية قد علّمها الخطّ بنفسه، فكانت تكتب مثل خطّه، فتكتب على التواقيع. وقال شمس الدّين الجزري [١] : كان الماء الذي يشربه النّاصر تأتي به الدّواب من فوق بغداد بسبعة [٢] فراسخ ويغلى سبع غلوات كل يوم غلوة، ثم يحبس في الأوعية سبعة أيام، ثم يشرب منه، ومع هذا ما مات حتّى سقي المرقد مرات، وشقّ ذكره، وأخرج منه الحصى ثم مات منه. ومن لطائفة أن خادما له اسمه يمن كتب إليه ورقة فيها عتب، فوقّع فيها: بمن يمنّ يمن، ثمن يمن ثمن. وفيها ابن يونس صاحب «شرح التنبيه» الإمام شرف الدّين أحمد بن العلّامة ذي الفنون كمال الدّين موسى ابن الشيخ المفتي رضي الدّين يونس الموصلي الشافعي [٣] . توفي في ربيع الآخر عن سبع وأربعين سنة. قال ابن خلّكان: كان كثير المحفوظات، غزير المادة، نسج على منوال أبيه في التفنن، وما سمعت أحدا يلقي الدروس مثله. ولقد كان من محاسن الوجود، وما أذكره إلّا وتصغر الدنيا في عيني. وقال الذهبي: عاش بعده أبوه سبع عشرة سنة. وفيها إبراهيم بن عبد الرحمن القطيعي المواقيتي أبو إسحاق الخيّاط [٤] . روى «الصحيح» [٥] غير مرة عن أبي الوقت [السّجزي] ، وتوفي في شعبان، وكان ثقة فاضلا مؤقّتا.

стр. 2977

وفيها أبو إسحاق بن البرني إبراهيم بن مظفّر بن إبراهيم [١] الواعظ، شيخ دار الحديث المهاجرية بالموصل. روى عن ابن البطّي وجماعة، وكان عالما متفننا. وفيها أبو العبّاس أحمد بن أبي المكارم بن شكر بن نعمة بن علي ابن أبي الفتح بن حسن بن قدامة بن أيوب بن عبد الله بن رافع المقدسي [٢] ، الخطيب الحنبلي، خطيب قرية مردا من عمل نابلس. قال الحافظ الضياء: سافر إلى بغداد في طلب العلم، واشتغل وحصّل في مدة يسيرة ما لم يحصّله غيره في مدة طويلة. وسمع الحديث ببغداد وبجبل قاسيون، وسمعت شيخنا الإمام عماد الدّين إبراهيم بن عبد الواحد غير مرة يغبطه بما هو عليه من كثرة الخير، ثم ذكر له كرامات من تكثير الطعام في وقت احتيج فيه إلى تكثيره، ومن المعافاة من الصرع بما يكتبه. وقال المنذري: توفي بمردا. وفيها أحمد بن علي بن أحمد الموصلي الفقيه الحنبلي الزاهد أبو العبّاس المعروف بالوتّارة، ويقال: ابن الوتّارة [٣] قال المنذري: سمع على علو سنّه من المتأخرين. وقال النّاصح ابن الحنبلي: كان يعرف «مسائل الهداية» لأبي الخطاب، ويأكل من كسب يده، ولباسه الثوب الخام، وانتفع به جماعة، وصارت له

стр. 2978

حرمة قوية بالموصل واحترام من جانب صاحبها ومن بعده. وتوفي بالموصل رابع عشر ذي الحجة. وفيها أبو الفضل جعفر بن شمس الخلافة محمد ابن مختار الأفضلي المصري مجد الملك [١] ، الشاعر الأديب الكبير. قال ابن خلّكان: كان فاضلا، حسن الخطّ، وكتب كثيرا، وخطه مرغوب فيه لحسنه وضبطه، وله ديوان جمع فيه أشياء لطيفة، دلّت على [٢] جودة اختياره. وله ديوان شعر أجاد فيه، نقلت من خطّه لنفسه: هي شدّة يأتي السّرور [٣] عقيبها ... وأسى يبشّر بالسّرور العاجل وإذا نظرت فإن بؤسا دائما [٤] ... للمرء خير من نعيم زائل وتوفي في الثاني عشر من المحرم، ودفن بالموضع المعروف بالكوم الأحمر، ظاهر مصر، ﵀. والأفضلي: بفتح الهمزة وسكون الفاء، وفتح الضاد المعجمة وبعدها لام، نسبة إلى الأفضل أمير الجيوش بمصر. وتوفي والده في ذي الحجّة سنة عشرين وستمائة. وفيها أبو عبد الله الحسين بن عمر بن باز، المحدّث الموصلي [٥] . رحل وسمع من شهدة وطبقتها، وكتب الكثير، وولي مشيخة دار الحديث بالموصل التي بناها صاحب إربل. توفي في ربيع الآخر.

стр. 2979

وفيها ابن شكر، الصاحب الوزير، صفي الدّين أبو محمد عبد الله [بن علي] بن الحسين بن عبد الخالق الشّيبي الدّميري المالكي [١] . ولد سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وسمع الحديث، وتفقه وساد. قال أبو شامة [٢] : كان خليقا بالوزارة، لم يتولّها [٣] [بعده] مثله. وقال الذهبي: كان يبالغ في إقامة النواميس، مع التواضع للعلماء، ويتعانى الحشمة الضخمة [٤] والصدقات والصّلات، ولقد تمكّن من العادل تمكّنا لا مزيد عليه، ثم غضب عليه ونفاه، فلما مات عاد ابن شكر إلى مصر ووزر للكامل، ثم عمي في الآخر. توفي في شعبان. وفيها ابن البنّاء [٥] . راوي «جامع الترمذي» عن الكروخي، أبو الحسن علي بن أبي الكرم نصر بن المبارك العراقي ثم المكّي الجلال. حدّث بمصر، والإسكندرية، وقوص، وأماكن، وتوفي بمكة في صفر أو في ربيع الأول. وفيها زين الدّين قاضي القضاة بالدّيار المصرية أبو الحسن علي ابن العلّامة يوسف بن عبد الله بن بندار الدمشقي ثم البغدادي الشافعي [٦] . عاش اثنتين وسبعين سنة، وتوفي في جمادى الآخرة، وروى عن أبي زرعة وغيره.

стр. 2980

وفيها الملك الأفضل نور الدّين علي بن السلطان صلاح الدّين يوسف بن أيوب [١] . ولد سنة خمس وستين وخمسمائة بالقاهرة، وسمع من عبد الله بن برّي وجماعة، وله شعر وترسل وجودة كتابة. تسلطن بدمشق ثم حارب أخاه العزيز صاحب مصر على الملك، ثم زال سلطانه، وتملّك سميساط، وأقام بها مدة. وكان فيه عدل وحلم وكرم وإنما أدركته حرفة الأدب. توفي فجأة في صفر، وكان فيه تشيّع. قاله في «العبر» . زاد ابن خلّكان: ونقل إلى حلب، ودفن بتربته بظاهر حلب بالقرب من مشهد الهروي. وفيها عمر بن بدر الموصليّ الحنفي ضياء الدّين [٢] . حدّث عن ابن كليب وجماعة، وتوفي بدمشق في شوالها، عن بضع وستين سنة. وفيها الفخر الفارسي أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفيروزآبادي [٣] الشافعيّ الصوفيّ. روى الكثير عن السّلفي، وصنّف التصانيف في التصوف والمحبة وفيها أشياء منكرة. توفي في أثناء ذي الحجّة وقد نيّف على التسعين. قاله في «العبر» . وقال اليافعي: هو صاحب العلوم الربّانية النافعة، وقد نقم عليه الذهبي. وقال ابن شهبة في «طبقاته» [٤] : سمع من السّلفي، وابن عساكر،
следующие страницы →