أيامه إلى هذا العام. وكان من أدين الملوك وأجودهم وأكثرهم برّا ومعروفا على صغر مملكته.
قال ابن خلّكان: وأما سيرته، فكان له في فعل الخير [١] عجائب، ولم نسمع أن أحدا فعل في ذلك مثل ما فعله، لم يكن شيء في الدنيا أحبّ إليه من الصّدقة، وكان له في كل يوم قناطير مقنطرة من الخبز يفرّقها على المحاويج في عدة مواضع من البلد، وإذا نزل من الركوب يكون قد اجتمع جمع كثير عند الدّار فيدخلهم إليه، ويدفع لكل واحد كسوة على قدر الفصل من الصيف والشتاء وغير ذلك، ومع الكسوة شيء من الذهب، وكان قد بنى أربع خانقاهات [٢] للزّمنى والعميان، وملأها من هذين الصّنفين، وقرّرا لهم ما يحتاجون إليه كل يوم وليلة [٣] ، وكان يأتيهم بنفسه كل عصرية اثنين وخميس ويدخل إلى كل واحد في بيته ويسأله عن حاله، ويتفقده بشيء من النفقة، وينتقل إلى الآخر حتّى يدور عليهم جميعهم، وهو يباسطهم ويمزح معهم ويجبر قلوبهم. وبني دارا للنساء الأرامل، ودارا للضعفاء، ودارا للأيتام، ودارا للملاقيط، ورتّب بها جماعة من المراضع، وكل مولود يلتقط يحمل إليهنّ فيرضعنه. وأجرى على أهل كل دار ما يحتاجون إليه في كل يوم، وكان يدخل إليهم في كل يوم ويتفقد أحوالهم ويعطيهم النفقات زيادة على المقرّر لهم، وكان يدخل إلى البيمارستان ويقف على مريض مريض ويسأله عن مبيته وكيفية حاله وما يشتهيه، وكان له دار مضيف يدخل إليها كل قادم على البلد من فقيه وفقير وغيرهما، وإذا عزم الإنسان على السفر أعطاه نفقة تليق بمثله، ولم تكن له لذّة بسوى السماع، فإنه كان لا يتعاطى المنكر ولا يمكّن من إدخاله البلد، وكان إذا طرب في السماع خلع شيئا من ثيابه وأعطاه
стр. 3047
للناشد ونحوه. وكان يسيّر في كل سنة دفعتين، جماعة من أصحابه وأمنائه إلى بلاد الساحل ومعهم جملة مستكثرة من المال يفتكّ [١] بها أسرى المسلمين من أيدي الكفّار، فإذا وصلوا إليه أعطى كلّ واحد شيئا، وإن لم يصلوا فالأمناء يعطوهم بوصية منه.
وكان يقيم في كل سنة سبيلا للحاج ويسيّر معهم جميع ما تدعو إليه حاجة المسافر في الطريق، ويسيّر أمينا معه خمسة آلاف دينار ينفقها في الحرمين على المحاويج وأرباب الرواتب، وله بمكّة- حرسها الله تعالى- آثار جميلة، وهو أول من أجرى الماء إلى جبل عرفات [ليلة الوقوف] [٢] وغرم [٣] عليه جملة كثيرة، وعمل [٤] بالجبل مصانع للماء.
وأما احتفاله بمولد النّبيّ ﷺ ، فإن الوصف يقصر عن الإحاطة به [٥] . كان يعمله سنة في الثامن من شهر ربيع الأول، وسنة في الثاني عشر لأجل الاختلاف الذي فيه، فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل، والبقر، والغنم شيئا كثيرا، يزيد على الوصف، وزفّها بجميع ما عنده من الطّبول والمغاني والملاهي، حتى يأتي بها [إلى] الميدان، ثم يشرعون في نحرها، وينصبون القدور ويطبخون الألوان المختلفة، فإذا كان ليلة المولد عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة، ثم ينزل وبين يديه من الشموع الموكبية التي تحمل كل واحدة على بغل، ومن ورائها رجل يسندها، وهي مربوطة على ظهر البغل، فإذا كان صبيحة يوم المولد أنزل الخلع والبقج ويخلع على كل واحد من الفقهاء، والوعاظ، والقرّاء، والشعراء، ويدفع لكل
стр. 3048
واحد نفقة وهدية وما يوصله إلى وطنه. انتهى ما أورده ابن خلّكان مخلصا.
وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» بعد كلام طويل وثناء جميل: قال جماعة من أهل إربل: كانت نفقته على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، وعلى الأسرى مائتين ألف دينار، وعلى دار المضيف مائة ألف دينار، وعلى الخانقاه مائة ألف، وعلى الحرمين والسّبيل وعرفات ثلاثين ألف دينار، غير صدقة السّرّ.
مات في رمضان بقلعة إربل، وأوصى أن يحمل إلى مكّة فيدفن في حرم الله تعالى، وقال أستجير به فحمل في تابوت إلى الكوفة، ولم يتفق خروج الحاج في هذه السنة من التتار، فدفن عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁. انتهى.
وفيها ابن سلّام المحدّث الزّكي أبو عبد الله محمد بن الحسن بن سالم بن سلّام الدّمشقي [١] . سمع من داود بن ملاعب، وابن البنّ وطبقتهما، وكان إماما، فاضلا، يقظا، متقنا، صالحا، ناكسا على صغره. كتب الكثير، وحفظ «علوم الحديث» للحاكم. مات في صفر عن إحدى وعشرين عاما، وفجع [٢] به أبوه.
وفيها ابن عنين الصّدر شرف الدّين أبو المحاسن محمد بن نصر الله ابن مكارم بن حسن بن عنين الأنصاري الدّمشقي [٣] الأديب. له «ديوان» مشهور وهجو مؤلم، وكان بارعا في معرفة اللغة، كثير الفضائل، يشتعل ذكاء، ولم يكن في دينه بذاك. توفي في ربيع الأول وله إحدى وثمانون سنة. اتّهم بالزّندقة. قاله في «العبر» .
стр. 3049
وقال ابن خلّكان: الكوفي الأصل الدّمشقي المولد، الشاعر المشهور، خاتمة الشعراء، لم يأت بعده مثله، ولا كان في أواخر عصره من يقاس به، ولم يكن شعره مع جودته مقصورا على أسلوب واحد، بل تفنن فيه، وكان غزير المادة من الأدب، مطلعا على معظم أشعار العرب، ويكفي أنه كان يستحضر كتاب «الجمهرة» لابن دريد في اللغة. وكان مولعا بالهجاء وثلب أعراض الناس، وله قصيدة طويلة جمع فيها خلقا من رؤساء دمشق، سمّاها «مقراض الأعراض» .
أقول [١] منها:
سلطاننا أعرج وكاتبه ... ذو عمش والوزير منحدب
وصاحب الأمر خلقه شرس ... وناظر الجيش داؤه عجب
والدّولعيّ الخطيب منعكف ... وهو على قشر بيضة ثلب
ولابن باقا وعظ يغرّ به الن ... اس وعبد اللطيف محتسب
وحاكم المسلمين ليس له ... في غير غرمول جرجس أرب
عيوب قوم لو أنّها جمعت ... في فلك ما سارت به الشّهب
ثم قال ابن خلّكان: وكان قد نفاه السلطان صلاح الدّين من دمشق بسبب وقوعه في الناس، فلما خرج منها عمل:
فعلا م أبعدتم أخا ثقة ... لم يجترم ذنبا ولا سرقا؟
أنفوا المؤذّن من بلادكم ... إن كان ينفى كلّ من صدقا؟
وطاف البلاد، من الشام، والعراق، والجزيرة، وأذربيجان، وخراسان، وغزنة، وخوارزم، وما وراء النهر، ثم دخل الهند واليمن- وملكها يومئذ سيف
стр. 3050
الإسلام طغتكين بن أيوب، أخو السلطان صلاح الدّين- وأقام بها مدة ثم رجع إلى الحجاز والدّيار المصرية.
ثم قال: ولما مات السلطان صلاح الدّين وملك الملك العادل دمشق، كتب إلى الملك العادل قصيدته الرائية يستأذنه في الدخول إليها ويصف دمشق ويذكر ما قاساه في الغربة، ولقد أحسن فيها كل الإحسان، واستعطفه بها أبلغ الاستعطاف، وأولها [١] :
ماذا على طيف الأحبّة لو سرى ... وعليهم لو سامحوني بالكرى
ومنها بعد وصف محاسن دمشق قوله [٢] :
فارقتها لا عن رضا وهجرتها ... لا عن قلى ورحلت لا متخيّرا
أسعى لرزق في البلاد مشتّت [٣] ... ومن العجائب [٤] أن يكون مقتّرا
وأصون وجه مدائحي متقنّعا ... وأكفّ ذيل مطامعي متستّرا
ومنها يشكو الغربة وما قاساه [٥] :
أشكو إليك نوى تمادى عمرها ... حتّى حسبت اليوم منها أشهرا
لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوى ... يعفو، ولا جفني يصافحه الكرى
أضحى عن الأحوى المريع محلّئا [٦] ... وأبيت عن ورد النّمير منفّرا
ومن العجائب أن يقيل بظلّكم ... كلّ الورى ونبذت وحدي بالعرا
стр. 3051
وهذه القصيدة من أحسن الشعر، وهي عندي خير من قصيدة ابن عمّار الأندلسي التي أولها:
أدر الزّجاجة فالنّسيم قد انبرى [١] ...
فلما وقف عليها الملك العادل أذن له في الدخول إلى دمشق، فلما دخلها قال [٢] :
هجوت الأكابر في جلّق ... ورعت الوضيع بسبّ الرّفيع
وأخرجت منها ولكنّني ... رجعت على رغم أنف الجميع
وكان له في عمل الألغاز وحلّها اليد الطّولى، ومتى كتب إليه شيء منها حلّه في وقته، وكتب الجواب أحسن من السؤال نظما، ولم يكن له غرض في جمع شعره، فلهذا لم يدوّنه، فهو يوجد مقاطيع بأيدي الناس، وقد جمع له بعض أهل دمشق ديوانا صغيرا لا يبلغ عشر ما له من النظم [٣] ، ومع هذا ففيه أشياء ليست له، وكان من أظرف الناس وأخفّهم روحا، وأحسنهم مجونا، وله بيت عجيب من جملة قصيدة يصف فيها توجهه إلى المشرق وهو [٤] :
أشقّق قلب الشّرق حتّى كأنّني ... أفتّش في سودائه عن سنا الفجر
стр. 3052
وكان وافر الحرمة عند الملوك، وتولى الوزارة بدمشق في آخر دولة الملك المعظّم، ومدة ولاية الملك النّاصر بن المعظّم، وانفصل منها لمّا ملكها الملك الأشرف، ولم يباشر بعدها خدمة، وتوفي عشية نهار الاثنين العشرين من شهر ربيع الأول، ودفن من الغد بمسجده الذي أنشأه بأرض المزّة، وقيل: بتربة باب الصغير. انتهى ملخصا.
وفيها أبو محمد المعافى بن إسماعيل بن الحسين الموصلي، ويعرف أيضا بابن الحدوس الشّافعي [١] . كان إماما، فقيها، بارعا، جيدا، صالحا، ديّنا [٢] أديبا.
ولد بالموصل، وتفقه بها على ابن مهاجر ثم على القاضي الفخر السّهروردي، ثم على العماد بن يونس. وسمع، وحدّث، وأفتى، وصنّف، وناظر.
ومن تصانيفه كتاب «الكامل في الفقه» كتاب مطوّل، و «أنس المنقطعين» وهو مشهور، وتفسير يسمى «البيان» ، وكتاب «الموجز في الذكر» . وكان حسن الشكل والملبس. توفي بالموصل في شعبان أو في رمضان. قاله الإسنوي.
стр. 3053
سنة إحدى وثلاثين وستمائة
فيها تسلطن بدر الدّين لؤلؤ بالموصل، وانقرض البيت الأتابكي.
وفيها تكامل بناء المستنصريّة ببغداد، وهي على المذاهب الأربعة، على يد أستاذ الدّار ابن العلقمي الذي وزر، ولا نظير لها في الدّنيا فيما أعلم. قاله الذهبي [١] .
وفيها توفي صلاح الدّين أحمد بن عبد السّيد بن شعبان الإربلي [٢] .
كان حاجبا لمظفّر الدّين صاحب إربل، فتغيّر عليه واعتقله، فلما خرج، خرج إلى الشام ودخل مصر، فعظمت منزلته عند الكامل، ثم تغيّر عليه واعتقله، وكان ذا فضيلة تامّة ونظم حسن، فعمل دو بيت وأملاه لبعض القيان فغنت [٣] به، فقال: هذا لمن؟ فقيل للصلاح الإربلي، فأطلقه وعادت منزلته أحسن ما كانت، والدّوبيت:
ما أمر تجنّيك على الصبّ خفي ... أفنيت زماني بالأسى والأسف
ما ذاك بقدر ذنبي [٤] ولقد ... بالغت فما قصدك إلّا تلفي
стр. 3054
وكان الكامل قد تغيّر على بعض إخوته وهو الفائز إبراهيم، فأصلح قضيته الصلاح، وكتب إلى الكامل:
وشرط صاحب مصر أن يكون كما ... قد كان يوسف في الحسنى لإخوته
أسوا فقابلهم بالعفو وافتقروا ... فبرّهم وتولّاهم برحمته
وله:
وإذا رأيت بنيك فاعلم أنّهم ... قطعوا إليك مسافة الآجال
وصل البنون إلى محلّ أبيهم ... وتجهّز [١] الآباء للتّرحال
وفيها أبو محمد إسماعيل بن علي بن إسماعيل البغدادي الجوهري [٢] عن ثمانين سنة. روى عن هبة الله الدقّاق، وابن البطّي، وطائفة. وتفرّد بأشياء، وكان صالحا ثقة، توفي في ذي القعدة. قاله في «العبر» .
وفيها ابن الزّبيدي سراج الدّين أبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى بن مسلم بن موسى بن عمران الرّبعي الزّبيدي الأصل البغدادي البابصري الحنبلي [٣] . مدرس مدرسة عون الدّين بن هبيرة.
ولد سنة ست وأربعين وخمسمائة، وروى عن أبي الوقت [السّجزي] ، وأبي زرعة [المقدسي] ، وأبي زيد الحموي، وغيرهم. وقرأ القرآن بالرّوايات. وتفقه في المذهب وأفتى، وكانت له معرفة حسنة بالأدب، وصنّف تصانيف، منها كتاب «البلغة» في الفقه. وله منظومات في اللغة، والقراءات،
стр. 3055
وكان فقيها، فاضلا، ديّنا، خيّرا، حسن الأخلاق، متواضعا. وحدّث ببغداد، ودمشق، وحلب، وغيرها من البلاد. وسمع منه أمم، وروى عنه خلق كثير من الحفّاظ وغيرهم، منهم الدّبيثي، والضياء. وآخر من حدّث عنه أبو العبّاس الحجّار الصّالحي. سمع منه «صحيح البخاري» وغيره، وتوفي ثالث عشري صفر ببغداد.
وفيها العلبي زكريا بن علي بن حسّان بن علي أبو يحيى البغدادي الصّوفي [١] . روى عن أبي الوقت [السّجزي] وغيره، وكان عامّيّا. مات في ربيع الأول.
وفيها السّيف الآمدي أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد الحنبلي ثم الشافعي [٢] المتكلم العلّامة، صاحب التصانيف العقلية.
ولد بعد الخمسين بآمد، وقرأ القراءات والفقه، ودرس على ابن المنّي، وسمع من ابن شاتيل، ثم تفقه للشافعي على ابن فضلان، وبرع في الخلاف، وحفظ طريقة أسعد الميهني، وقيل: إنه حفظ «الوسيط» للغزالي، وتفنن في علم النظر، والكلام، والحكمة، وكان [ذكيا] [٣] من أذكياء العالم.
أقرأ بمصر مدة، فنسبوه إلى دين الأوائل، وكتبوا محضرا بإباحة دمه، فلما رأى بعضهم ذلك الإفراط وقد حمل المحضر إليه ليكتب كما كتبوا، كتب:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... والقوم أعداء له وخصوم
стр. 3056
قال ابن خلّكان: وضعوا خطوطهم بما يستباح به الدّم، فخرج مستخفيا إلى الشام، فنزل حماة مدة، وصنّف في الأصلين، والحكمة، والمنطق، والخلاف، وكلّ ذلك مفيد، ثم قدم دمشق في سنة اثنتين وثمانين فأقام بها مدة، ثم ولاه الملك المعظّم بن العادل تدريس العزيزية، فلما ولي أخوه الأشرف موسى عزل عنها [١] ونادى في المدارس: من ذكر غير التفسير، والحديث، والفقه، أو تعرّض لكلام الفلاسفة، نفيته. فأقام السيف الآمدي خافيا في بيته إلى أن توفي في صفر، ودفن بتربته بقاسيون.
ويحكى عن ابن عبد السلام أنه قال: ما تعلّمنا قواعد البحث إلّا منه، وأنه قال: ما سمعت أحدا يلقي الدّرس أحسن منه، كأنه يخطب، وأنه قال:
لو ورد على الإسلام متزندق يشكك [٢] ما تعيّن لمناظرته غيره [لاجتماع آلات ذلك فيه] .
وقال سبط ابن الجوزي: لم يكن في زمانه من يجاريه في الأصلين، وعلم الكلام. ومن تصانيفه المشهورة «الإحكام في أصول الأحكام» مجلدين، و «ابكار الأفكار» في أصول الدّين، في خمس مجلدات، واختصره في مجلد.
قال الذهبي: وله نحو من عشرين تصنيفا.
وقال السّبكي: وتصانيفه كلّها حسنة منقّحة.
وفيها القرطبيّ أبو عبد الله محمد بن عمر المقرئ المالكي [٣] ، الرجل الصالح. حجّ. وسمع من عبد المنعم بن الفراوي وطائفة. وقرأ
стр. 3057
القراءات على أبي القاسم الشّاطبي، وكان إماما، زاهدا، متقنا، بارعا في عدة علوم، كالفقه، والقراءات، والعربية، طويل الباع في التفسير. توفي بالمدينة المنورة في صفر. قاله في «العبر» .
وفيها طغريل [١] شهاب الدّين، الخادم أتابك صاحب حلب، الملك العزيز، ومدبّر دولته. كان صالحا، خيّرا، متعبّدا، كثير المعروف، ذا رأي، وعقل، وسياسة، وعدل.
وفيها الشيخ عبد الله بن يونس الأرمني [٢] الزّاهد القدوة، صاحب الزّواية بجبل قاسيون. كان صالحا، متواضعا، مطّرحا للتكلف، يمشي وحده، ويشتري الحاجة. وله أحوال، ومجاهدات، وقدم في الفقر. سافر [إلى] الأقطار، ولقي الأبدال والأبرار. كان في بدايته لا يأوي إلّا [إلى البراري] [٣] القفار. قرأ القرآن، وتفقه لأبي حنيفة، وحفظ «القدوري» [٤] وصحب رجلا من الأولياء، فدلّه على الطريق.
بعث إليه الأمجد صاحب بعلبك أربعين دينارا يقضي بها دينه وهو بالقدس، فأخذها الرّسول. ثم إن الأمجد زاره وقال له: بعثت إليك أربعين
стр. 3058
دينارا، فقال الشيخ: وصلت، وشكره، فجاء الرسول يستغفر، فقال: قد قلت له: إنها وصلت.
وحكى عن نفسه غير أنه لم يصرح. قال: كان فقيرا يدور في جبل لبنان، فوقع عليه حراميّة الفرنج، فعذّبوه وربطوه، وبات في أشدّ ما يكون.
فلما أصبحوا ناموا، وإذا حراميّة المسلمين يطلبون حراميّة الفرنج، فأيقظهم وقال: اقعدوا جاءتكم حراميّة المسلمين. فدخلوا مغارة ودخل معهم، ولم يرهم حراميّة المسلمين، فلما بعدوا قال الفرنج له: هلّا دللت علينا وتخلّصت؟ فقال [١] لهم: إني صحبتكم وأكلت خبزكم. وفي طريقنا أن الصحبة عزيزة، فما رأيت خلاص نفسي بهلاككم. فشكروه على ذلك، وسألوه أن يقبل منهم شيئا من الدّنيا، فأبى فأطلقوه.
وفيها أبو نصر عبد الرحيم بن محمد بن الحسن بن عساكر [٢] . روى عن عمّيه الصّائن، والحافظ، وطائفة. وكان قليل الفضيلة. توفي في شعبان قاله في «العبر» .
وفيها أبو رشيد الغزال [٣] محمد بن أبي بكر محمد بن عبد الله الأصبهاني [٤] المحدّث التّاجر. سمع من خليل الرّارانيّ [٥] وطبقته. وكان عالما، ثقة. توفي ببخارى في شوال.
стр. 3059
وفيها محيي الدّين بن فضلان، قاضي القضاة، أبو عبد الله محمد ابن يحيى بن علي بن الفضل البغدادي الشافعي [١] ، مدرس المستنصريّة.
تفقه على والده العلّامة أبي القاسم، وبرع في المذهب، والأصول، والخلاف، والنظر. وولي القضاء في آخر أيام الناصر، فلما استخلف الظاهر عزله بعد شهرين من خلافته.
قال ابن شهبة في «طبقاته» : رحل إلى خراسان، وناظر علماءها، وولي تدريس النّظاميّة ببغداد، ثم ولي قضاء القضاة [٢] ، ثم عزل. ودرّس بالمستنصريّة عند كمال عمارتها في رجب، سنة إحدى وثلاثين، وهو أوّل من درّس بها. وتوفي بعد أشهر في شوال- أي عن بضع وستين سنة- وكان موصوفا بحسن المناظرة، سمحا، جوادا [٣] ، نبيلا، لا يكاد يدّخر شيئا.
وفيها المسلّم بن أحمد بن علي أبو الغنائم المازنيّ النّصيبي ثم الدمشقي [٤] . روى عن عبد الرحمن بن أبي الحسن الدّاراني، والحافظ أبي القاسم بن عساكر، وأخيه الصائن. ودخل في المكس مدّة، ثم تركه. وروى الكثير. توفي في ربيع الأول، وآخر من روى عنه فاطمة بنت سليمان. قاله في «العبر» .
وفيها الأمير ركن الدّين منكورس [٥] ، مملوك فلك الدّين أخي العادل.
стр. 3060
كان ديّنا، صالحا، عفيفا، ملازما لجامع بني أميّة، وله بقاسيون مدرسة وتربة أوقف عليها شيئا كثيرا، وداخل دمشق مدرسة كبيرة للشافعية، وقرية جرود [١] وقف عليهما. توفي بجرود، وحمل فدفن في تربته بقاسيون.
وفيها أبو الفتوح الأغماتي ثم الإسكندراني ناصر بن عبد العزيز بن ناصر [٢] . روى عن السّلفي، وتوفي في ذي القعدة.
وفيها الرّضيّ الرّخيّ- بتشديد الخاء المعجمة نسبة إلى الرّخ ناحية بنيسابور [٣]- أبو الحجّاج يوسف بن حيدرة [٤] ، شيخ الطب بالشام، وأحد من انتهت إليه معرفة الفنّ. قدم دمشق مع أبيه حيدرة الكحّال في سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ولازم الاشتغال على المهذّب ابن النقّاش فنوّه باسمه، ونبّه على [محلّ] علمه، وصار من أطباء صلاح الدّين، وامتدت أيّامه، وصارت أطباء البلد تلامذته، حتّى إنّ من جملة أصحابه المهذّب الدّخوار، وعاش سبعا وتسعين سنة، ممتعا بالسمع والبصر. توفي يوم عاشوراء. قاله في «العبر» .
стр. 3061
سنة اثنتين وثلاثين وستمائة
فيها ضربت ببغداد دراهم وفرّقت في البلد، وتعاملوا بها، وإنما كانوا يتعاملون بقراضة الذّهب، القيراط، والحبّة، ونحو ذلك، فاستراحوا.
قاله في «العبر» .
وفيها شرع الأشرف في بنائه خان الزّنجاري جامعا، وهو جامع التّوبة بالعقيبة [١] وكان خانا معروفا بالفجور، والخواطئ، والخمور، وسمّاه «جامع التوبة» ووقف عليه أوقافا كثيرة. وجرى في خطابته نكتة غريبة وهي، أنه كان بمدرسة الشاميّة إمام يعرف بالجمال السّبتي [٢] وكان شيخا حسنا صالحا [٣] وكان في صباه يلعب بملهاة تسمّى الجغانة [٤] ، ثم حسنت طريقته، وصار معدودا في عداد الأخيار، فولّاه الأشرف خطيبا، فلما توفي تولى مكانه العماد الواسطي الواعظ، وكان متّهما بشرب الشراب، وكان ملك دمشق في
стр. 3062
ذلك الوقت الملك الصالح أبو الجيش، فكتب إليه الجمال عبد الرحيم بن الزّويتينة [١] :
يا مليكا أوضح ال ... حقّ لدينا وأبانه
جامع التّوبة قد قلّ ... دني منه الأمانه
قال قل للملك الصّا ... لح أعلى الله شانه
يا عماد الدّين يا من ... حمد النّاس زمانه
كم إلى كم أنا في ض ... رّ وبؤس وإهانة
لي خطيب واسطيّ ... يعشق الشّرب [٢] ديانه
والذي قد كان من قب ... ل يغنّي بالجغانه [٣]
فكما كنت كذا صر ... ت فلا أبرح حانه
ردّني للنّمط الأوّ ... ل واستبق ضمانه [٤]
وفيها توفي أبو صادق الحسن بن صبّاح المخزومي المصري [٥] الكاتب، عن نيّف وتسعين سنة. وكان آخر من حدّث عن ابن رفاعة. توفي [في] سادس عشر رجب، وكان أديبا، ديّنا، صالحا، جليلا.
وفيها الملك الزّاهر داود ابن الملك الناصر صلاح الدّين يوسف بن أيوب [٦] . كان صاحب البيرة [٧] بلد من ثغور الرّوم بقرب سميساط. وكان
стр. 3063
فاضلا أديبا، وشاعرا مجيدا. يحب العلماء. مقصودا للشعراء وغيرهم، وهو الثاني عشر من أولاد صلاح الدّين.
وفيها شمس الدّين صواب العادلي الخادم [١] ، مقدّم جيش الكامل، وأحد من يضرب به المثل في الشجاعة. وكان له من جملة المماليك مائة خادم فيهم جماعة أمراء. توفي بحرّان في رمضان، وكان نائبا عليها للكامل.
وفيها الشّهاب عبد السّلام بن المطهّر بن أبي سعد بن أبي عصرون التّميميّ الدّمشقيّ الشّافعي [٢] . روى عن جدّه، وكان صدرا محتشما، مضى في الرسالة إلى الخليفة، وتوفي في المحرّم.
وفيها ابن باسويه [٣] تقي الدّين علي بن المبارك بن الحسن الواسطي، الفقيه الشافعي، المقرئ المجود. روى عن ابن شاتيل وطبقته، وقرأ القراءات على أبي بكر الباقلّاني، وعلي بن مظفّر الخطيب. وسكن دمشق، وقرأ بها. وتوفي في شعبان عن ست وسبعين سنة.
وفيها سيدي ابن الفارض ناظم «الديوان» المشهور شرف الدّين أبو القاسم عمر بن علي بن مرشد الحموي الأصل المصري [٤] .
قال في «العبر» : هو حجّة أهل الوحدة [٥] ، وحامل لواء الشعراء [٦] .
стр. 3064
وقال الشيخ عبد الرّؤوف [١] المناوي في «طبقاته» : الملقب في جميع الآفاق بسلطان المحبّين والعشّاق، المنعوت بين أهل الخلاف والوفاق بأنه سيّد شعراء عصره على الإطلاق. له النظم الذي يستخف أهل الحلوم والنثر، الذي تغار منه النّثرة [٢] بل سائر النجوم.
قدم أبوه من حماة إلى مصر، فقطنها وصار يثبت الفروض للنساء على الرجال بين يدي الحكّام، ثم ولي نيابة الحكم، فغلب عليه التّلقيب بالفارض، ثم ولد له بمصر عمر في ذي القعدة سنة ست وستين وخمسمائة، فنشأ تحت كنف أبيه في عفاف وصيانة، وعبادة وديانة، بل زهد وقناعة، وورع أسدل عليه لباسه وقناعه. فلما شبّ وترعرع اشتغل بفقه الشافعية، وأخذ الحديث عن ابن عساكر، وعنه الحافظ المنذري وغيره. ثم حبّب إليه الخلاء وسلوك طريق الصّوفية، فتزهّد وتجرّد، وصار يستأذن أباه في السياحة فيسيح في الجبل الثاني من المقطّم، ويأوي إلى بعض أوديته مرّة، وفي بعض المساجد المهجورة في خربات القرافة مرّة، ثم يعود إلى والده، فيقيم عنده مدة، ثم يشتاق إلى التجرّد ويعود إلى الجبل، وهكذا حتّى ألف الوحشة وألفه الوحش، فصار لا ينفر منه، ومع ذلك لم يفتح عليه بشيء حتّى أخبره البقّال أنه إنما يفتح عليه بمكّة. فخرج فورا في غير أشهر الحجّ ذاهبا إلى مكّة، فلم تزل الكعبة أمامه، حتى دخلها، وانقطع بواد بينه وبين مكّة عشر ليال، فصار يذهب من ذلك الوادي وصحبته أسد عظيم إلى مكّة فيصلي بها الصلوات الخمس، ويعود إلى محلّه من يومه، وأنشأ غالب نظمه حالتئذ، وكان الأسد يكلّمه ويسأله أن يركب عليه فيأبي، وأقام كذلك نحو خمسة عشر عاما، ثم رجع إلى مصر فأقام بقاعة الخطابة بالجامع الأزهر، وعكف عليه الأئمة،
стр. 3065
وقصد بالزيارة من الخاصّ والعام، حتى إن الملك الكامل كان ينزل لزيارته.
وسأله أن يعمل له قبرا عند قبره بالقبّة التي بناها على ضريح الإمام الشافعي فأبى، وكان جميلا، نبيلا، حسن الهيئة والملبس، حسن الصحبة والعشرة، رقيق الطبع، عذب المنهل والنبع، فصيح العبارة، دقيق الإشارة، سلس القياد، بديع الإصدار والإيراد، سخيّا، جوادا، توجه يوما إلى جامع عمرو، فلقيه بعض المكّارية، فقال: اركب معي على الفتوح، فمرّ به بعض الأمراء، فأعطاه مائة دينار، فدفعها للمكّاري. وكان أيام النيل يتردد إلى المسجد المعروف بالمشتهى في الرّوضة، ويحبّ مشاهدة البحر مساء، فتوجّه إليه يوما، فسمع قصّارا يقصر ويقول:
قطّع قلبي هذا المقطع ... لا هو يصفو أو يتقطّع
فصرخ وسقط مغمى عليه، فصار يفيق ويردد ذلك ويضطرب، ثم يغمى عليه، وهكذا. وكان يواصل أربعينيات فاشتهى هريسة فأحضرها، ورفع لقمة إلى فيه، فانشقّ الجدار، وخرج شاب جميل [١] فقال: أف عليك، فقال: إن أكلتها، ثم طرحها وأدّب نفسه بزيادة عشر ليال.
ورأى المصطفى ﷺ في نومه فقال: «إلى من تنتسب» ؟ فقال:
يا رسول الله! إلى بني سعد قبيلة حليمة، فقال: «بل نسبك متّصل بي» يعني نسبة محبة وتبعية.
ومن خوارقه العجيبة أنّه رأى جملا لسقاء، فكلف به وهام، وصار يأتيه كل يوم ليراه، وناهيك ب «ديوانه» الذي اعترف به [٢] الموافق والمخالف، والمعادي والمحالف. سيما القصيدة التائية [٣] . وقد اعتنى بشرحها جمع من
стр. 3066
الأعيان، كالسّراج الهندي الحنفي، والشمس البسطامي [١] المالكي، والجلال القزويني الشّافعي، غير متعاقبين ولا مبالين بقول المنكرين الحسّاد. شعره ينعت بالاتحاد، وكذا شرحها الفرغاني، والقاشاني، والقيصري، وغيرهم.
وعلى الخمريّة وغيرها شروح عدة.
وقال بعض أهل الرسوخ: إن «الديوان» كله مشروح.
وذكر بعض الأكابر أن بعض أهل الظّاهر في عصر الحافظ ابن حجر كتب على التائية شرحا وأرسله إلى بعض عظماء صوفية الوقت ليقرضه [٢] فأقام عنده مدة ثم كتب عليه عند إرساله إليه:
سارت مشرّقة وسرت مغرّبا ... شتّان بين مشرّق ومغرّب
فقيل له في ذلك، فقال: مولانا الشّارح اعتنى بإرجاع الضمائر والمتبدإ والخبر والجناس والاستعارة، وما هنالك من اللغة والبديع، ومراد الناظم وراء ذلك كلّه. وقد أثنى على «ديوانه» حتّى من كان سيء الاعتقاد، ومنهم ابن أبي حجلة الذي عزّره السّراج الهندي بسبب الوقيعة فيه، فقال:
هو من أرقّ الدواوين شعرا وأنفسها درّا، برّا وبحرا. وأسرعها للقلوب جرحا وأكثرها على الطّلول [٣] نوحا، إذ هو صادر عن نفثة مصدور، وعاشق مهجور، وقلب بحرّ النّوى مكسور، والناس يلهجون بقوافيه وما أودع من القوى فيه، وكثر حتّى قلّ من لا رأى «ديوانه» أو طنّت بأذنه قصائده الطنّانة.
قال الكمال الأدفوي: وأحسنه القصيدة الفائية [٤] التي أولها:
стр. 3067
قلبي يحدّثني بأنّك متلفي
[١] واللّاميّة [٢] التي أولها:
هو الحبّ فاسلم بالحشا ما الهوى سهل
[٣] والكافية [٤] التي أولها:
ته دلالا فأنت أهل لذاكا
[٥] قال: وأما التائية فهي عند أهل العلم- يعني الظّاهر- غير مرضية، مشعرة بأمور رديئة.
وكان عشاقا بعشق مطلق الجمال، حتّى أنه عشق بعض الجمال. بل زعم بعض الكبار أنه عشق برنيّة [٦] بدكان عطّار.
وذكر القوصي [٧] في «الوحيد» أنه كان للشيخ جوار بالبهنسا يذهب
стр. 3068
إليهن فيغنّين له بالدّف والشبابة، وهو يرقص ويتواجد، ولكل قوم مشرب، ولكلّ مطلب. وليس سماع الفسّاق كسماع سلطان العشّاق [١] . ولم يزل على حاله راقيا في سماء كماله، حتى احتضر، فسأل الله أن يحضره في ذلك الهول العظيم جماعة من الأولياء، فحضره جماعة، منهم: البرهان الجعبري، فقال- فيما حكاه سبط صاحب الترجمة-: رأى الجنّة مثلت له، فبكى وتغيّر لونه، ثم قال:
إن كان منزلتي في الحبّ عندكم ... ما قد رأيت فقد ضيّعت أيّامي [٢]
قال: فقلت له: يا سيدي! هذا مقام كريم. فقال: يا إبراهيم رابعة [٣] وهي امرأة تقول: وعزّتك ما عبدتك رغبة في جنّتك، بل لمحبّتك، وليس هذا ما قطعت عمري في السلوك إليه، فسمعت قائلا يقول له: فما تروم فقال:
أروم وقد طال المدى منك نظرة
[٤] البيت [٥] .
فتهلل وجهه وقضى نحبه، فقلت: إنه أعطي مرامه. انتهى.
وقد شنّع عليه بذلك المنكرون.
стр. 3069
فقال بعضهم: لما كشف له الغطاء، وتحقّق أنه هو غير الله، وأنه لا حلول ولا اتحاد، قال ذلك.
وقال بعضهم: قاله لما حضره ملائكة العذاب الأليم، أستغفر الله سبحانه، هذا بهتان عظيم.
والحاصل أنه اختلف في شأن صاحب الترجمة، وابن عربي، والعفيف التّلمساني، والقونوي، وابن هود، وابن سبعين، وتلميذه الشّشتري، وابن مظفّر، والصفّار من الكفر إلى القطبانية. وكثرت التصانيف من الفريقين في هذه القضية، ولا أقول كما قال بعض الأعلام سلّم تسلم والسلام، بل أذهب إلى ما ذهب إليه بعضهم أنه يجب اعتقادهم وتعظيمهم، ويحرم النظر في كتبهم على من لم يتأهل لتنزيل ما فيها من الشطحات على قوانين الشريعة المطهّرة [١] ، وقد وقع لجماعة من الكبار الرجوع عن الإنكار. انتهى كلام المناوي مختصرا.
وما أحسن قوله في التائية:
وكلّ أذى في الحبّ منك إذا بدا ... جعلت له شكري مكان شكيّتي [٢]
وله ما رأيته في دواوينه، وهو معنى في غاية اللّطف والرّقّة:
خلص الهوى لك واصطفتك مودّتي ... إني أغار عليك من ملكيكا
ولو استطعت منعت لفظك غيرة ... إني أراه مقبّلا شفتيكا
وأراك تخطر في شمائلك التي ... هي فتنة فأغار منك عليكا
ورؤي في النوم فقيل له: لم لا مدحت المصطفى في «ديوانك» ؟
فقال:
أرى كلّ مدح في النّبيّ مقصّرا ... وإن بالغ المثني عليه وكثّرا
стр. 3070
إذا الله أثنى بالذي هو أهله [١] ... عليه فما مقدار ما يمدح الورى
ويقال: إنه لما نظم قوله:
وعلى تفنّن واصفيه بحسنه ... يفنى الزّمان وفيه ما لم يوصف [٢]
فرح فرحا شديدا وقال: لم يمدح ﷺ بمثله، وبعض الناس يقول:
باطن كلامه كلّه مدح فيه ﷺ ، وغالب كلامه لا يصلح أن يراد به ذلك، والله أعلم.
توفي- رحمه الله تعالى- في جمادى الأولى عن ست وخمسين سنة إلا شهرا، ودفن بالمقطّم.
وفيها الشيخ شهاب الدّين السّهروردي [٣] ، قدوة أهل التوحيد، وشيخ العارفين أبو حفص، وأبو عبد الله، عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد التّيمي البكري الصّوفي الشّافعي.
ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة بسهرورد، وقدم بغداد، فلحق بها هبة الله بن الشّبلي، فسمع منه، وصحب عمّه أبا النّجيب، وتفقه وتفنّن، وصنّف التصانيف، منها «عوارف المعارف» في بيان طريقة القوم، وانتهت إليه تربية المريدين، وتسليك العبّاد، ومشيخة العراق.
قال الذهبي: لم يخلّف بعده مثله.
وقال ابن شهبة في «طبقاته» : أخذ عن أبي القاسم بن فضلان، وصحب الشيخ عبد القادر، وسمع الحديث من جماعة. وله «مشيخة» في
стр. 3071
جزء لطيف. روى عنه ابن الدّبيثي، وابن نقطة، والضياء، والزّكي البرزالي، وابن النجّار، وطائفة.
وقال ابن النجار: كان شيخ وقته في علم الحقيقة، وانتهت إليه الرئاسة في تربية المريدين، ودعاء الخلق إلى الله تعالى. وبالغ في الثناء عليه.
وعمي في آخر عمره وأقعده، ومع ذلك فما أخلّ بشيء من أوراده.
وقال ابن خلّكان: كان شيخ الشيوخ ببغداد، وكان له مجلس وعظ، وعلى وعظه قبول كثير. وله نفس مبارك. حكى لي من حضر مجلسه أنه أنشد يوما على الكرسي:
لا تسقني وحدي فما عوّدتني ... إني أشحّ بها على جلّاسي
أنت الكريم ولا يليق تكرّما ... أن يصبر [١] النّدماء دون الكاس
فتواجد الناس لذلك، وقطعت شعور كثيرة، وتاب جمع كبير.
وله تآليف حسنة، منها: كتاب «عوارف المعارف» وهو أشهرها.
وله شعر منه:
تصرّمت وحشة اللّيالي ... وأقبلت دولة الوصال
وصار بالوصل لي حسودا ... من كان في هجركم رثى لي
وحقّكم بعد إذ [٢] حصلتم ... بكلّ من فات لا أبالي
تقاصرت عنكم قلوب ... فيا له موردا حلالي
عليّ ما للورى حرام ... وحبّكم في الحشا حلالي
تشرّبت أعظمي هواكم ... فما لغير الهوى ومالي
فما على عادم أجاجا ... وعنده أعين الزّلال
стр. 3072
وكان كثير الحجّ، وربما جاور في بعض حججه، وكان أرباب الطريق من مشايخ عصره يكتبون إليه صور فتاوى يسألونه عن شيء من أحوالهم.
سمعت بعضهم أنه كتب إليه: يا سيدي إني إن تركت العمل، أخلدت إلى البطالة، وإن عملت داخلني العجب، فأيّهما أولى؟ فكتب جوابه: اعمل واستغفر الله من العجب. وله من هذا شيء كثير.
وذكر في «عوارف المعارف» أبياتا لطيفة، منها:
أشمّ منك نسيما لست أعرفه ... أظنّ لمياء جرّت فيك أذيالا
وفيه أيضا:
إن تأمّلتكم فكلّي عيون ... أو تذكّرتكم فكلّي قلوب
توفي في مستهل المحرم ببغداد، رحمه الله تعالى. انتهى ملخصا.
وفيها الشيخ غانم بن علي بن إبراهيم بن عساكر المقدسي النابلسي [١] القدوة الزاهد، أحد عبّاد الله الأخفياء الأتقياء، والسّادة الأولياء.
ولد سنة اثنتين وستين وخمسمائة بقرية بورين [٢] من عمل نابلس، وسكن القدس عام أنقذه السلطان صلاح الدّين من الفرنج [٣] سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة [٤] . وساح بالشام، ورأى الصّالحين، وكان مؤثرا للخمول، صاحب أحوال وكرامات.
стр. 3073
قال ابنه عبد الله: انقطع تحت الصخرة في الأقباء السليمانية ست سنين [١] ، وصحب الشيخ عبد الله الأرموي بقية عمره، وعاشا جميعا مصطحبين.
وقد أفرد سيرة الشيخ غانم [في «جزء» ] [٢] : أبو عبد الله محمد بن الشيخ علاء الدّين. وتوفي الشيخ غانم في غرّة شعبان، ودفن بالحضيرة [٣] التي بها صاحبه ورفيقه الشيخ عبد الله الأرموي بسفح قاسيون.
وفيها محمد بن عبد الواحد بن أبي سعيد المديني الواعظ أبو عبد الله [٤] ، مسند العجم.
ولد سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وسمع من إسماعيل الحمّامي، وأبي الوقت [السّجزي] ، وأبي الخير الباغبان.
قال ابن النجار: واعظ مفت [٥] ، شافعيّ. له معرفة بالحديث وقبول عند أهل بلده. وفيه ضعف. بلغنا أنه استشهد بأصبهان على يد التتار في أواخر رمضان. انتهى.
وقال الذهبي: وفي دخولهم [٦] إليها قتلوا أمما لا تحصى.
وفيها محمد بن عماد بن محمد بن حسين الحرّاني [٧] الحنبلي التاجر، نزيل الإسكندرية. روى عن ابن رفاعة، وابن البطّي، والسّلفي،
стр. 3074
وطائفة كثيرة باعتناء خاله حمّاد الحرّاني. وتوفي في عاشر صفر، وكان ذا دين وعلم وفقه، عاش تسعين سنة. وروى عنه خلق كثير.
وفيها شعرانة، وجيه الدّين، محمد بن أبي غالب زهير بن محمد الأصبهاني [١] الثّقة الصّالح. سمع «الصحيح» [٢] من أبي الوقت [السّجزي] وعمّر دهرا، ومات شهيدا.
وفيها محمد بن غسّان بن غافل بن نجاد [٣] الأمير سيف الدولة الحمصي ثم الدمشقي. روى عن الفلكيّ، وابن هلال، وطائفة. وتوفي في شعبان عن ثمانين سنة.
وفيها أبو الوفاء محمود بن إبراهيم بن سفيان بن مندة العبدي الأصبهاني [٤] ، بقية آل مندة ومسند وقته. روى الكثير عن مسعود الثّقفي، والرّستمي، وأبي الخير الباغبان، وغيرهم. وعدم تحت السيف، ﵀.
وفيها أبو موسى الرّعيني عيسى بن سليمان بن عبد الله الرّعيني الأندلسي المالقي الرّندي الحافظ. كان حافظا متقنا أديبا نبيلا.
قال ابن ناصر الدّين في «بديعته» [٥] :
ثم أبو موسى الرّعيني عيسى ... خير له بضبطه النّفيسا
وفيها أبو يحيى وأبو الفضل، عيسى بن سنجر بن بهرام بن جبريل
стр. 3075
ابن خمارتكين بن طاشتكين الإربلي المعروف بالحاجري، الملقب حسام الدّين [١] .
قال ابن خلّكان: هو جندي ومن أولاد الأجناد، وله «ديوان» شعر تغلب عليه الرّقّة، وفيه معان جيدة، وهو مشتمل على الشعر، والدّوبيت، والمواليا.
ولقد أحسن في الكلّ مع أنه قلّ من يجيد في مجموع الثلاثة. وله أيضا «كان وكان» واتفقت له فيه مقاصد حسان. وكان صاحبي وأنشدني كثيرا من شعره، فمن ذلك قوله- وهو معنى جيد-:
ما زال يحلف لي بكلّ أليّة ... أن لا يزال مدى الزّمان مصاحبي
لما جفا نزل العذار بخدّه ... فتعجّبوا لسواد وجه الكاذب
وأنشدني لنفسه أيضا:
لك خال من فوق عر ... ش شقيق قد استوى
بعث الصّدغ مرسلا ... يأمر النّاس بالهوى
وأنشدني لنفسه أبياتا منها في صفة الخال:
لم يحو ذاك الخدّ خالا أسودا ... إلّا لنبت شقائق النّعمان
وله، وقال لي: ما يعجبني فيما عملت مثل هذا الدّوبيت، وهو آخر شيء عملته إلى الآن وهو:
حيّا وسقى الحمى سحاب هامي ... ما كان ألذّ عامه من عام
يا علوة ما ذكرت أيّامكم ... إلّا وتظلّمت على الأيام
وكان لي أخ يسمى ضياء الدّين عيسى، وكان بينه وبين الحاجري المذكور مودة أكيدة، فكتب إليه من الموصل في صدر كتاب، وكان الأخ بإربل:
стр. 3076
الله يعلم ما أبقى سوى رمق ... منّي فراقك يا من قربه أمل
فابعث كتابك واستودعه تعزية ... فربما متّ شوقا قبل ما يصل
وكنت قد خرجت من إربل في أواخر شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة وهو معتقل بقلعتها لأمر يطول شرحه، بعد أن كان حبس بقلعة خفتيد [١] كان ثم نقل منها، وله في ذلك أشعار منها قوله:
قيد أكابده وسجن ضيّق ... يا ربّ شاب من الهموم المفرق
ومنها:
يا برق إن جئت الدّيار بإربل ... وعلا عليك من التّداني رونق
بلّغ تحيّة نازح حسراته ... أبدا بأذيال الصّبا تتعلّق
قل يا حبيب [٢] لك الفداء أسيركم ... من كلّ مشتاق إليكم أشوق
والله ما سرت الصّبا نجدية ... إلّا وكدت بدمع عيني أشرق
وبلغني بعد ذلك أنه خرج من الاعتقال، واتصل بخدمة الملك المعظم مظفّر الدّين صاحب إربل، وتقدم عنده وغيّر لباسه، وتزيّا بزي الصّوفية. فلما توفي مظفّر الدّين سافر من إربل ثم عاد إليها وقد صارت في مملكة أمير المؤمنين المستنصر بالله ونائبه بها الأمير شمس الدّين أبو الفضائل باتكين، وكان وراءه من يقصده، فاتفق أنه خرج من بيته يوما قبل الظهر، فوثب عليه شخص وضربه بسكين فأخرج حشوته، فكتب في تلك الحال إلى باتكين المذكور وهو يكابد الموت:
أشكوك يا ملك البسيطة حالة ... لم تبق رعبا في عضوا ساكنا
стр. 3077
إن تستبح إبلي لقيطة [١] معشر ... ممن أؤمل غير جأشك مازنا
ومن العجائب كيف يمشي خائفا ... من بات في حرم الخلافة آمنا
ثم توفي بعد ذلك من يومه يوم الخميس ثاني شوال، وتقدير عمره خمسون سنة.
والحاجري: بفتح الحاء المهملة، وبعد الألف جيم مكسورة، وبعدها راء، نسبة إلى حاجر بليدة بالحجاز، لم يبق اليوم منها سوى الآثار، ولم يكن الحاجريّ منها، بل نسب إليها لكونه استعملها في شعره كثيرا. انتهى ملخصا.
وفيها أبو الفتوح الوثّابي محمد بن محمد بن أبي المعالي الأصبهاني [٢] . يروي عن جدّه كتاب الذّكر بسماعه من ابن طبرزد، ويروي عن رجاء بن حامد المعداني، راح تحت السيف في فتنة التتار، وله ثمان وسبعون سنة.
وفيها جامع بن إسماعيل بن غانم بن صائن الدّين الأصبهاني الصّوفي، المعروف بباله [٣] ، راوي «جزء» لوين عن محمد بن أبي القاسم الصّالحاني.
وفيها شمس الدّين محمود بن علي بن محمود بن قرقين [٤] الدّمشقي، الجندي الأديب الشاعر. روى عن أبي سعد بن أبي عصرون، وتوفي في شوال.
стр. 3078
وفيها ابن شدّاد قاضي القضاة بهاء الدّين أبو العزّ يوسف بن رافع بن تميم الأسدي الحلبي الشافعي [١] .
ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وقرأ القراءات والعربية بالموصل على يحيى بن سعدون القرطبي. وسمع من حفدة العطاردي وطائفة، وبرع في الفقه والعلوم، وساد أهل زمانه، ونال رئاسة الدّين والدّنيا، وصنّف التصانيف.
قال ابن شهبة: سمع من جماعة كثيرة ببغداد وغيرها، وأعاد بالنظامية في حدود سنة سبعين، ثم انحدر إلى الموصل، ودرّس بمدرسة الكمال الشهرزوري، ثم حجّ سنة ثلاث وثمانين، وزار الشام واصتل بالسلطان صلاح الدّين وحظي عنده، وولاه قضاء العسكر وقضاء بيت المقدس، وصنّف له كتابا في فضل الجهاد. ولما توفي اتصل بولده الظاهر وولاه قضاء حلب ونظر أوقافها، وأجزل رزقه وعطاءه، وأقطعه إقطاعا جزيلا، ولم يكن له ولد ولا قرابة، فكان ما يحصل له يتوفر عنده، فبنى به مدرسة وإلى جانبها [٢] ، دار حديث وبينهما [٣] تربة، وقصده الطلبة للدّين والدّنيا، وعظم شأن الفقهاء في زمانه لعظم قدره وارتفاع منزلته.
قال عمر بن الحاجب: كان ثقة عارفا بأمور الدّين، اشتهر اسمه وسار ذكره، وكان ذا صلاح وعبادة، وكان في زمانه كالقاضي أبي يوسف في زمانه. دبّر أمر الملك بحلب، واجتمعت الألسن على مدحه، وطوّل ابن خلّكان ترجمته، وهو ممن أخذ عنه.
стр. 3079
توفي في رابع صفر، ودفن بتربته بحلب، وذلك بعد أن ظهر أثر الهرم عليه. ومن تصانيفه «دلائل الأحكام» على التنبيه في مجلدين، وكتاب «الموجز الباهر» في الفقه، وكتاب «ملجأ الحكّام» [١] في الأقضية في مجلدين، و «سيرة صلاح الدّين» أجاد فيها وأفاد.
стр. 3080
سنة ثلاث وثلاثين وستمائة
في ربيعها جاءت فرقة من التتار فكسرهم عسكر إربل، فما بالوا، وساقوا إلى بلاد الموصل، فقتلوا وسبوا، فاهتمّ المستنصر بالله، وأنفق الأموال، فردّوا ودخلوا [١] الدّربند [٢] .
وفيها أخذت الفرنج قرطبة واستباحوها، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون [٣] .
وفيها توفي الجمال أبو حمزة أحمد بن عمر [بن الشيخ أبي عمر] [٤] المقدسي الحنبلي [٥] . روى عن نصر الله القزّاز، وابن شاتيل، وأبي المعالي ابن صابر. وكان يتعانى الجندية، وفيه شجاعة وإقدام. توفي في ربيع الأول.
стр. 3081
وفيها القيلويي [١] المؤرّخ، أبو علي الحسن بن محمد بن إسماعيل.
عاش سبعين سنة، وروى عن الأبله الشاعر وغيره، فكتب الكثير. وكان أديبا أخباريا.
وفيها زهرة بنت محمد بن أحمد بن حاضر [أم الحياء، الأنباريّة] [٢] .
شيخة صالحة صوفية. روت عن ابن البطّي، ويحيى بن ثابت، وتوفيت في جمادى الأولى عن تسع وسبعين سنة.
وفيها خطيب زملكا، عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأنصاري [٣] ، وله اثنتان وسبعون سنة. روى عن أبي القاسم بن عساكر، وتوفي في ذي الحجّة.
وفيها ابن الرّمّاح عفيف الدّين علي بن عبد الصّمد بن محمد المصري [٤] . المقرئ النحوي. قرأ القراءات على أبي الجيوش عساكر بن علي، وسمع من السّلفي، وتصدّر للإقراء والعربية بالفاضلية وغيرها، وتوفي في جمادى الأولى.
وفيها ابن روزبه أبو الحسن علي بن أبي بكر [بن روزبه] [٥] البغدادي القلانسي العطّار الصّوفي [٦] . حدّث بالصحيح عن أبي الوقت [السّجزي] ،
стр. 3082
ببغداد، وحرّان، ورأس العين، وحلب. وردّ منها خوفا من الحصار الكائن بدمشق على الناصر داود، وإلّا كان عزمه المجيء إلى دمشق. توفي فجأة في ربيع الآخر وقد نيّف على التسعين.
وفيها العلّامة الحافظ ابن دحية أبو الخطّاب عمر بن حسن بن محمد الجميّل [١] بن فرح [٢] بن خلف الكلبي الدّاني ثم السّبتي [٣] الحافظ اللّغوي الظّاهري المذهب. روى عن أبي عبد الله بن زرقون، وابن بشكوال، وهذه الطبقة. وعني بالحديث أتمّ عناية، وجال في مدن الأندلس ومدن العدوة، وحجّ في الكهولة، فسمع بمصر من البوصيري، وبالعراق «مسند الإمام أحمد» ، وبأصبهان «معجم الطبراني» من الصيدلاني، وبنيسابور «صحيح مسلم» بعلو بعد أن كان حدّث به بالغرب بالإسناد النازل للأندلسي، وكان يقول: إنه حفظه كلّه.
قال في «العبر» : وليس هو بالقويّ، ضعّفه جماعة. وله تصانيف ودعاو [٤] مدحضة، وعبارة متغيرة ومبغضة. وقد نفق على [الملك] الكامل وجعله شيخ دار الحديث بالقاهرة. انتهى.
وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : كان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، متفننا في الحديث، والنحو، واللغة، وأيام العرب وأشعارها.
حصّل ما لا حصّل غيره [٥] من العلم، وكان في المحدّثين مثل ابن عنين في
стр. 3083
الشعراء. يثلب علماء المسلمين ويقع في أئمة الدّين، فترك الناس كلامه وكذّبوه. ولما انكشف حاله للكامل أخذ منه دار الحديث وأهانه، ودخل دمشق، فمال إليه الوزير ابن شكر، فسأله أن يجمع بينه وبين الشيخ تاج الدّين الكندي، فاجتمعا وتناظرا، وجرى بينهما البحث، فقال له الكنديّ: أخطأت، فسفّه عليه، فقال الكنديّ: أنت تكذب في نسبك إلى دحية الكلبي، ودحية بإجماع المحدّثين ما أعقب، وقد قال فيك ابن عنين:
دحية لم يعقب فكم تنتمي [١] ... إليه بالبهتان والإفك
ما صحّ عند النّاس فيه سوى ... أنّك من كلب بلا شكّ
توفي في رابع عشر ربيع الأول، وله سبع وثمانون سنة، ودفن بالقاهرة.
وفيها الإربلي فخر الدّين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن مسلم بن سليمان الصّوفي [٢] . روى عن يحيى بن ثابت، وأبي بكر بن النّقور، وجماعة كثيرة، وتوفي بإربل في رمضان، وروايته منتشرة عالية.
وفيها أبو بكر المأموني محمد بن محمد بن أبي المفاخر سعيد بن حسين العباسي النيسابوري ثم المصري الجنائزي [٣] . روى عن السّلفي وتوفي في ربيع الآخر.
وفيها نصر بن عبد الرزّاق بن الشيخ عبد القادر الكيلاني [٤] قاضي القضاة، عماد الدّين، أبو صالح الجيلي ثم البغدادي الحنبلي. أجاز له ابن
стр. 3084
البطّي، وسمع من شهدة وطبقتها، ودرّس، وأفتى، وناظر، وبرع في المذهب، وولي القضاء سنة ثلاث وعشرين، وعزل بعد أشهر، وكان لطيفا ظريفا متين الدّيانة، كثير التواضع، متحرّيا في القضاء، قوي النفس في الحقّ، عديم المحاباة والتكلف. قاله في «العبر» .
وقال ابن رجب: كان عظيم القدر، بعيد الصّيت، معظّما عند الخاصة والعامة، ملازما طريق النّسك والعبادة، مع حسن سمت، وكيس، وتواضع، ولطف، وبشر، وطيب ملاقاة [١] . وكان محبا للعلم، مكرما لأهله، ولم يزل على طريقة حسنة، وسيرة مرضية. وكان أثريّا، سنّيّا، متمسكا بالحديث، عارفا به. ولّاه الظّاهر الخليفة بن الناصر قضاء القضاة بجميع مملكته، فيقال: إنه لم يقبل إلّا بشرط أن يورّث ذوي الأرحام. فقال له: أعط كل ذي حقّ حقّه، واتق الله، ولا تتق سواه. وأرسل إليه عشرة آلاف دينار يوفي بها ديون من في سجنه من المدينين الذين لا يجدون وفاء.
ورد إليه النظر في جميع الأوقاف: وقوف العامة ووقوف المدارس [٢] الشافعية والحنفية، وجامعي السلطان وابن عبد المطّلب [٣] ، فكان يولي ويعزل في جميع المدارس حتّى النظامية.
ولما توفي الظاهر أقرّه ابنه المستنصر مديدة، وكان في أيام ولايته يؤذّن نوّابه في مجلس الحكم، ويصلي جماعة، ويخرج إلى الجامع راجلا. وكان يلبس القطن، متحريا في القضاء، قوي النّفس في الحقّ، ويتخلق بسائر سيرة السّلف. ولما عزله المستنصر أنشد عند عزله:
стр. 3085
حمدت الله لمّا ... قضى لي بالخلاص من القضاء
وللمستنصر المنصور أشكر ... وأدعو فوق معتاد الدّعاء
ولا أعلم أحدا من أصحابنا دعي بقاضي القضاة قبله، ولا استقلّ منهم بولاية قضاء القضاء في مصر غيره. وقد صنّف في الفقه كتابا سمّاه «إرشاد المبتدئين» وخرّج لنفسه أربعين حديثا. وتفقه عليه جماعة وانتفعوا به، وسمع منه الحديث خلق كثير. وروى عنه جماعة، منهم: عبد الصّمد بن أبي الجيش، وتوفي سحر يوم الأحد سادس عشر شوال عن سبعين سنة، ودفن بتربة الإمام أحمد ﵁. انتهى ملخصا
.