وفيها القيلويي [١] المؤرّخ، أبو علي الحسن بن محمد بن إسماعيل.
عاش سبعين سنة، وروى عن الأبله الشاعر وغيره، فكتب الكثير. وكان أديبا أخباريا.
وفيها زهرة بنت محمد بن أحمد بن حاضر [أم الحياء، الأنباريّة] [٢] .
شيخة صالحة صوفية. روت عن ابن البطّي، ويحيى بن ثابت، وتوفيت في جمادى الأولى عن تسع وسبعين سنة.
وفيها خطيب زملكا، عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأنصاري [٣] ، وله اثنتان وسبعون سنة. روى عن أبي القاسم بن عساكر، وتوفي في ذي الحجّة.
وفيها ابن الرّمّاح عفيف الدّين علي بن عبد الصّمد بن محمد المصري [٤] . المقرئ النحوي. قرأ القراءات على أبي الجيوش عساكر بن علي، وسمع من السّلفي، وتصدّر للإقراء والعربية بالفاضلية وغيرها، وتوفي في جمادى الأولى.
وفيها ابن روزبه أبو الحسن علي بن أبي بكر [بن روزبه] [٥] البغدادي القلانسي العطّار الصّوفي [٦] . حدّث بالصحيح عن أبي الوقت [السّجزي] ،
стр. 3082
ببغداد، وحرّان، ورأس العين، وحلب. وردّ منها خوفا من الحصار الكائن بدمشق على الناصر داود، وإلّا كان عزمه المجيء إلى دمشق. توفي فجأة في ربيع الآخر وقد نيّف على التسعين.
وفيها العلّامة الحافظ ابن دحية أبو الخطّاب عمر بن حسن بن محمد الجميّل [١] بن فرح [٢] بن خلف الكلبي الدّاني ثم السّبتي [٣] الحافظ اللّغوي الظّاهري المذهب. روى عن أبي عبد الله بن زرقون، وابن بشكوال، وهذه الطبقة. وعني بالحديث أتمّ عناية، وجال في مدن الأندلس ومدن العدوة، وحجّ في الكهولة، فسمع بمصر من البوصيري، وبالعراق «مسند الإمام أحمد» ، وبأصبهان «معجم الطبراني» من الصيدلاني، وبنيسابور «صحيح مسلم» بعلو بعد أن كان حدّث به بالغرب بالإسناد النازل للأندلسي، وكان يقول: إنه حفظه كلّه.
قال في «العبر» : وليس هو بالقويّ، ضعّفه جماعة. وله تصانيف ودعاو [٤] مدحضة، وعبارة متغيرة ومبغضة. وقد نفق على [الملك] الكامل وجعله شيخ دار الحديث بالقاهرة. انتهى.
وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : كان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، متفننا في الحديث، والنحو، واللغة، وأيام العرب وأشعارها.
حصّل ما لا حصّل غيره [٥] من العلم، وكان في المحدّثين مثل ابن عنين في
стр. 3083
الشعراء. يثلب علماء المسلمين ويقع في أئمة الدّين، فترك الناس كلامه وكذّبوه. ولما انكشف حاله للكامل أخذ منه دار الحديث وأهانه، ودخل دمشق، فمال إليه الوزير ابن شكر، فسأله أن يجمع بينه وبين الشيخ تاج الدّين الكندي، فاجتمعا وتناظرا، وجرى بينهما البحث، فقال له الكنديّ: أخطأت، فسفّه عليه، فقال الكنديّ: أنت تكذب في نسبك إلى دحية الكلبي، ودحية بإجماع المحدّثين ما أعقب، وقد قال فيك ابن عنين:
دحية لم يعقب فكم تنتمي [١] ... إليه بالبهتان والإفك
ما صحّ عند النّاس فيه سوى ... أنّك من كلب بلا شكّ
توفي في رابع عشر ربيع الأول، وله سبع وثمانون سنة، ودفن بالقاهرة.
وفيها الإربلي فخر الدّين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن مسلم بن سليمان الصّوفي [٢] . روى عن يحيى بن ثابت، وأبي بكر بن النّقور، وجماعة كثيرة، وتوفي بإربل في رمضان، وروايته منتشرة عالية.
وفيها أبو بكر المأموني محمد بن محمد بن أبي المفاخر سعيد بن حسين العباسي النيسابوري ثم المصري الجنائزي [٣] . روى عن السّلفي وتوفي في ربيع الآخر.
وفيها نصر بن عبد الرزّاق بن الشيخ عبد القادر الكيلاني [٤] قاضي القضاة، عماد الدّين، أبو صالح الجيلي ثم البغدادي الحنبلي. أجاز له ابن
стр. 3084
البطّي، وسمع من شهدة وطبقتها، ودرّس، وأفتى، وناظر، وبرع في المذهب، وولي القضاء سنة ثلاث وعشرين، وعزل بعد أشهر، وكان لطيفا ظريفا متين الدّيانة، كثير التواضع، متحرّيا في القضاء، قوي النفس في الحقّ، عديم المحاباة والتكلف. قاله في «العبر» .
وقال ابن رجب: كان عظيم القدر، بعيد الصّيت، معظّما عند الخاصة والعامة، ملازما طريق النّسك والعبادة، مع حسن سمت، وكيس، وتواضع، ولطف، وبشر، وطيب ملاقاة [١] . وكان محبا للعلم، مكرما لأهله، ولم يزل على طريقة حسنة، وسيرة مرضية. وكان أثريّا، سنّيّا، متمسكا بالحديث، عارفا به. ولّاه الظّاهر الخليفة بن الناصر قضاء القضاة بجميع مملكته، فيقال: إنه لم يقبل إلّا بشرط أن يورّث ذوي الأرحام. فقال له: أعط كل ذي حقّ حقّه، واتق الله، ولا تتق سواه. وأرسل إليه عشرة آلاف دينار يوفي بها ديون من في سجنه من المدينين الذين لا يجدون وفاء.
ورد إليه النظر في جميع الأوقاف: وقوف العامة ووقوف المدارس [٢] الشافعية والحنفية، وجامعي السلطان وابن عبد المطّلب [٣] ، فكان يولي ويعزل في جميع المدارس حتّى النظامية.
ولما توفي الظاهر أقرّه ابنه المستنصر مديدة، وكان في أيام ولايته يؤذّن نوّابه في مجلس الحكم، ويصلي جماعة، ويخرج إلى الجامع راجلا. وكان يلبس القطن، متحريا في القضاء، قوي النّفس في الحقّ، ويتخلق بسائر سيرة السّلف. ولما عزله المستنصر أنشد عند عزله:
стр. 3085
حمدت الله لمّا ... قضى لي بالخلاص من القضاء
وللمستنصر المنصور أشكر ... وأدعو فوق معتاد الدّعاء
ولا أعلم أحدا من أصحابنا دعي بقاضي القضاة قبله، ولا استقلّ منهم بولاية قضاء القضاء في مصر غيره. وقد صنّف في الفقه كتابا سمّاه «إرشاد المبتدئين» وخرّج لنفسه أربعين حديثا. وتفقه عليه جماعة وانتفعوا به، وسمع منه الحديث خلق كثير. وروى عنه جماعة، منهم: عبد الصّمد بن أبي الجيش، وتوفي سحر يوم الأحد سادس عشر شوال عن سبعين سنة، ودفن بتربة الإمام أحمد ﵁. انتهى ملخصا
.
стр. 3086
سنة أربع وثلاثين وستمائة
فيها نزل التّتار على إربل وحاصروها وأخذوها بالسيف، حتّى جافت المدينة بالقتلى، وترحّلت الملاعين بغنائم لا تحصى، فلا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.
وفيها توفي الملك المحسن عين الدّين أحمد بن السلطان صلاح الدّين يوسف بن أيوب [١] . روى عن ابن صدقة الحرّاني، والبوصيري، وعني بالحديث أتمّ عناية، وكتب الكثير، وكان متواضعا، متزهدا، كثير الإفضال على المحدّثين، وفيه تشيّع قليل. توفي بحلب في المحرم. قاله في «العبر» .
وفيها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمر بن الحسين بن خلف البغدادي القطيعي الأزجي المؤرّخ الحنبلي [٢] ، وقد سبق ذكر أبيه. أسمعه أبوه من ابن الخلّ الفقيه، وأبي بكر بن [٣] الزّاغوني، ونصر بن نصر العكبري، وسلمان بن حامد الشحّام، وتفرّد في وقته بالرّواية عن هؤلاء. وأسمعه أيضا من أبي الوقت [السّجزي] «صحيح البخاري» . وهو آخر من حدّث عنه به.
стр. 3087
ثم طلب هو بنفسه وسمع من جماعة، ورحل وسمع بالموصل، ودمشق، وحرّان. ثم رجع إلى بغداد ولازم ابن الجوزي مدة، وأخذ عنه، وقرأ عليه كثيرا من تصانيفه ومروياته. وجمع تاريخا في نحو خمسة أسفار، ذيّل به [على] [١] «تاريخ ابن السمعاني» سمّاه «درّة الإكليل في تتمة التّذييل» وفيه فوائد جمّة، مع أوهام [وأغلاط] [٢] .
وقد بالغ ابن النجار في الحطّ على «تاريخه» هذا، مع أنه أخذه عنه، ونقل منه في «تاريخه» أشياء كثيرة، بل نقله كله كما قال ابن رجب.
وشهد عند القضاة مدة، واستخدم في عدة خدم، وأسنّ وانقطع في منزله إلى حين وفاته. وكان يخضب بالسواد، ثم تركه قبل موته بمدة.
وقد وصفه غير واحد من الحفّاظ وغيرهم بالحافظ. وأثنى عمر بن الحاجب على «تاريخه» .
وحدّث بالكثير ببغداد والموصل، وروى عنه جماعة كثيرون، منهم:
الشيخ تقي الدّين الواسطي.
قال ابن النجار: توفي ليلة السبت لأربع خلون من ربيع الآخر ببغداد ودفن بباب حرب.
وفيها أبو الفضل وأبو محمد إسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثي [٣]- بفتح العين المهملة، وسكون اللام، وثاء مثلثة، نسبة إلى علث قرية بين عكبرا وسامرا [٤]- الزاهد القدوة، ابن عمّ طلحة بن المظفّر. سمع من
стр. 3088
أبي الفتح بن شاتيل، وقرأ على ابن كليب، وكان فقيها، حنبليا، عالما، أمّارا بالمعروف، نهاء عن المنكر، لا يخاف أحدا إلا الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم. أنكر على الخليفة الناصر فمن دونه، وواجه الخليفة وصدعه بالحقّ.
قال النّاصح بن الحنبلي: هو اليوم شيخ العراق، والقائم بالإنكار على الفقهاء والفقراء وغيرهم فيما ترخّصوا فيه.
وقال المنذري: قيل إنه لم يكن في زمانه أكثر إنكارا للمنكر منه، وحبس على ذلك مدة.
وقال ابن رجب: وله رسائل كثيرة في الإنكار، وحدّث وسمع منه جماعة، وتوفي في شهر ربيع الأول.
وفيها موفق الدّين حمد بن أحمد [١] بن محمد بن صديق الحرّاني [٢] الحنبلي. رحل إلى بغداد، وتفقّه بابن المنّي. وسمع من عبد الحق وطائفة، وتوفي بدمشق في صفر.
وفيها الخليل بن أحمد أبو طاهر الجوسقي الصّرصريّ [٣] الخطيب بها- أي بصرصر، وهي بصادين مهملتين قرية على فرسخين من بغداد [٤]-.
قرأ القراءات على جماعة، وسمع من ابن البطّي وطائفة، وتوفي في ربيع الأول عن ست وثمانين سنة، وقد أجاز لجماعة.
стр. 3089
وفيها أبو منصور سعيد بن محمد بن ياسين البغدادي [١] ، السفّار في التجارة. حجّ تسعا وأربعين حجّة، وحدّث عن ابن البطّي وغيره، وتوفي في صفر.
وفيها أبو الرّبيع الكلاعي سليمان بن موسى بن سالم البلنسي [٢] ، الحافظ الكبير الثقة، صاحب التصانيف، وبقيّة أعلام الأثر بالأندلس.
ولد سنة خمس وستين وخمسمائة، وسمع ابن زرقون وطبقته.
قال [ابن] الأبّار: كان بصيرا بالحديث حافلا [٣] ، عارفا بالجرح والتعديل، ذاكرا للموالد والوفيات، يتقدّم أهل زمانه في ذلك، خصوصا من تأخّر زمانه. ولا نظير لخطّه في الإتقان والضبط، مع الاستبحار في الأدب والبلاغة. كان فردا في إنشاء الرسائل، مجيدا في النظم، خطيبا مفوّها، مدركا، حسن السّرد والمساق، مع الشّارة [٤] الأنيقة، وهو كان المتكلم عن الملوك في مجالسهم، والمبيّن لما يريدونه على المنبر في المحافل. ولي خطابة بلنسية، وله تصانيف في عدة فنون. استشهد بكائنة أنيشة [٥] بقرب بلنسية، مقبلا غير مدبر، في ذي الحجّة.
وفيها أبو داود سليمان بن مسعود الحلبي [٦] ، الشاعر اللطيف.
стр. 3090
من شعره:
ألا زد غراما بالحبيب وداره ... وإن لحّ [١] واش فاحتمله وداره
وإن قدح اللّوام فيك بلومهم ... زناد الهوى يوما فأورى فواره
عسى زورة تشفى بها منه خلسة ... فإنّك لا يشفيك غير ازدياره
وذي هيف فيه يقوم لعاذلي ... بعذري إذا ما لام لام عذاره
فسبحان من أجرى الطّلا من رضابه ... ومن أنبت الرّيحان من جلّناره
وقد دبّ عنها صدغه بعقارب ... وناظره من سيفه بشفاره
وفيها النّاصح بن الحنبلي أبو الفرج، عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب بن الشيخ أبي الفرج بن الحنبلي [٢] السّعدي العبادي الشّيرازي الأصل الدمشقي [٣] ، الفقيه الحنبلي، المعروف بابن الحنبلي.
ولد بدمشق ليلة الجمعة سابع عشر شوال، سنة أربع وخمسين وخمسمائة، وسمع بها من القاضي أبي الفضل الشّهرزوري وجماعة، ورحل إلى البلاد فأقام ببغداد مدة، وسمع بها من شهدة والسّقلاطوني، وخلائق.
وسمع بأصبهان من أبي موسى المديني، وهو آخر من سمع منه، لأنه سمع منه في مرض [٤] موته. وسمع بالموصل من الشيخ أبي أحمد الحدّاد الزّاهد شيئا من تصانيفه، ودخل بلاد كثيرة [٥] ، واجتمع بفضلائها وصالحيها،
стр. 3091
وفاوضهم، وأخذ عنهم، وقدم مصر مرّتين. وتفقه ببغداد على ابن المنّي، وأبي البقاء العكبري، وقرأ عليه «فصيح ثعلب» من حفظه، وأخذ عن الكمال السّنجاري، واشتغل بالوعظ وبرع فيه، ووعظ من أوائل عمره، وحصل له القبول التام. وقد وعظ بكثير من البلاد التي دخلها، كمصر، وحلب، وإربل، والمدينة النبوية، وبيت المقدس. وكانت له حرمة عند الملوك والسلاطين، خصوصا ملوك الشام بني أيوب.
وحضر فتح القدس مع السلطان صلاح الدّين. قال: واجتمعت بالسلطان في القدس بعد الفتح بسنتين، وسألني عن أشياء كثيرة، منها الخضاب بالسواد، فقلت: مكروه. ومنها من أربعة من الصحابة من نسل رأوا رسول الله ﷺ ، فقلت: أبو بكر الصّدّيق، وأبوه أبو قحافة، وعبد الرحمن ابن أبي بكر، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر. ثم أخذ السلطان يثني على والدي ويقول: ما أولد إلّا بعد أربعين. قال: وكان عارفا بسيرة والدي.
ودرّس الناصح بمدارس، منها مدرسة جدّه شرف الإسلام، [ودرّس] [١] بالمسمارية. ثم بنت له الصاحبة ربيعة خاتون مدرسة بالجبل، وهي المعروفة بالصاحبية. فدرّس بها سنة ثمان وعشرين وستمائة، وكان يوما مشهودا.
وحضرت الواقفة من وراء الستر.
وانتهت إليه رئاسة المذهب بعد الشيخ موفق الدّين، وكان يساميه في حياته.
قال الناصح: وكنت قدمت من إربل سنة وفاة الشيخ الموفق، فقال لي: سررت بقدومك، مخافة أن أموت وأنت غائب، فيقع وهن في المذهب، وخلف بين أصحابنا.
стр. 3092
وقد وقع مرة [١] بين النّاصح والشيخ الموفق اختلاف في فتوى في السماع المحدث، فأجاب فيها الشيخ الموفق بإنكاره، فكتب النّاصح بعده ما مضمونه: الغناء كالشعر، فيه مذموم وممدوح، فما قصد به ترويح النفس، وتفريج الهموم، وتفريغ القلوب، كسماع موعظة، وتحريك لتذكرة، فلا بأس به وهو حسن. وذكر أحاديث في تغني جويريات الأنصار، وفي الغناء في الأعراس، وأحاديث في الحداء. وأما الشبابة فقد سمعها جماعة ممن لا يحسن القدح فيهم من مشايخ الصوفية وأهل العلم، وامتنع من حضورها الأكثر. وكون النّبيّ ﷺ سدّ أذنيه منها مشترك الدلالة، لأنه لم ينه ابن عمر عن سماعها. وأطال في ذلك.
وردّ مقالة الموفق لما وقف عليه، فراجعه في «طبقات» [٢] ابن رجب، فإنه نافع مهم، والله أعلم.
وللنّاصح تصانيف عدة، منها: كتاب «أسباب الحديث» في مجلدات عدة، وكتاب «الاستسعاد بمن لقيت من صالحي العباد في البلاد» [٣] وكتاب «الأنجاد في الجهاد» .
وقال الحافظ الدّبيثي في «تاريخه» : للناصح خطب ومقامات، وكتاب «تاريخ الوعاظ» وأشياء في الوعظ. قال: وكان حلو الكلام، جيد الإيراد، شهما، مهيبا، صارما. وكان رئيس المذهب في زمانه بدمشق.
وقال أبو شامة: كان واعظا، متواضعا، متقنا، له تصانيف.
وقال المنذري: قدم- يعني النّاصح- مصر مرتين ووعظ [بها، وحدّث. وحصل له بها قبول، وحدّث بدمشق، وبغداد، وغيرهما، ووعظ] [٤]
стр. 3093
ودرّس. وكان فاضلا. وله مصنّفات، وهو من بيت الحديث والفقه. حدّث هو وأبوه وجدّه وجدّه أبيه وجدّ جدّه. لقيته بدمشق وسمعت منه.
وقال ابن رجب: سمع منه الحافظ ابن النجار وغيره، وخرّج له الزّكي البرزالي وروى عنه.
وتوفي يوم السبت ثالث المحرم بدمشق، ودفن من يومه بتربتهم بسفح قاسيون.
وفيها موفق الدّين أبو عبد الله حمد بن أحمد [١] بن محمد بن بركة ابن أحمد بن صديق بن صرّوف الحرّاني [٢] الفقيه الحنبلي.
ولد سنة ثلاث أو أربع وخمسين وخمسمائة بحرّان، وسمع بها من ابن أبي حبّة [٣] وغيره، ورحل إلى بغداد، وسمع بها من ابن شاتيل وغيره، وتفقه على ابن المنّي، وأبي البقاء العكبري، وابن الجوزي ولازمه، ورجع إلى حرّان، وحدّث بها وبدمشق، وسمع منه المنذري والأبرقوهي، وابن حمدان، وقال: كان شيخا صالحا من قوم صالحين، وتوفي سادس عشر صفر، ودفن بسفح قاسيون، وتقدم ذكره في هذه السنة مختصرا [٤] .
وفيها أبو العبّاس أحمد بن أكمل بن أحمد بن مسعود بن عبد الواحد
стр. 3094
ابن مطر بن أحمد بن محمد الهاشمي العبّاسي البغدادي الخطيب المعدّل الحنبلي [١] .
ولد في ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة، وسمع من ابن شاتيل وغيره، وتفقه في المذهب، وطعن فيه بعضهم، وحدّث هو وأبوه وجدّه وعمه أفضل [٢] وسمع منه ابن السّاعي وغيره، وتوفي في ثامن ربيع الأول، ودفن عند أبيه بمقبرة الإمام أحمد.
وفيها ناصح الدّين عبد القادر بن عبد القاهر [٣] بن عبد المنعم بن محمد بن حمد بن سلامة [بن أبي الفهم] الحرّاني [٤] الفقيه الحنبلي الزاهد، شيخ حرّان ومفتيها.
ولد في رجب سنة أربع وستين وخمسمائة بحرّان. وسمع بها من ابن طبرزد وغيره، وسمع بدمشق من ابن صدقة وغيره، وببغداد من ابن الجوزي وجماعة. وأخذ العلم بحرّان عن أبي الفتح بن عبدوس وغيره، وقرأ «الروضة» على مؤلّفها الموفق، وأقرأ وحدّث.
وقال المنذري: لقيته بحرّان، وسمعت منه.
وقال ابن حمدان: قرأت عليه «الخرقي» و «الهداية» وبعض «العمدة» وسمعت عليه أشياء كثيرة، منها: «جامع المسانيد» لابن الجوزي. وكان قليل الكلام فيما لا يعنيه، كثير الدّيانة والتحرز فيما يعنيه، شريف النّفس، مهيبا،
стр. 3095
معروفا بالفتوى في مذهب أحمد. وصنّف منسكا وسطا جيدا، وكتاب «المذهب المنضد في مذهب أحمد» ضاع منه في طريق مكّة. وحفظ «الروضة الفقهية» و «الهداية» وغيرهما، ولم يتزوج. وطلب للقضاء فأبى، ودرّس في آخر عمره بحضوري عنده في مدرسة بني العطّار التي عمرت لأجله، وتوفي في الحادي عشر من ربيع الأول بحرّان. انتهى كلام ابن حمدان.
وفيها شمس الدّين أبو طالب عبد الله بن إسماعيل بن علي بن الحسين البغدادي الأزجي [١] ، الواعظ الحنبلي، المعروف والده بالفخر.
غلام ابن المنّي. سمع أبو طالب من ابن كليب وغيره، وتفقه في المذهب، واشتغل بالوعظ، ووعظ ببغداد ومصر. وحدّث، وله نظم.
قال المنذري: سمعت منه شيئا في شعره.
توفي في ثاني عشري شعبان، وهو في سنّ الكهولة.
وفيها عزّ الدّين أبو محمد عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان المقدسي [٢] الفقيه الحنبلي. سمع من أسعد بن سعيد وغيره، وتفقه في المذهب، ودرّس وحدّث. توفي في حادي عشر ذي القعدة.
وفيها أبو عمرو عثمان بن الحسن السّبتيّ [٣] اللّغوي، أخو ابن دحية. روى عن ابن زرقون، وابن بشكوال، وغيرهما. وولي مشيخة الكاملية بعد أخيه، وتوفي بالقاهرة.
стр. 3096
وفيها صاحب الرّوم السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قلج [١] أرسلان السلجوقي [٢] . كان ملكا جليلا شهما شجاعا، وافر العقل، متسع الممالك. تزوّج بابنة الملك العادل، وامتدت أيّامه، وتوفي في سابع شوال. وكان فيه عدل وخير في الجملة. قاله في «العبر» .
وفيها أبو الحسن القطيعي محمد بن أحمد بن عمر البغدادي [٣] المحدّث المؤرخ.
ولد سنة ست وأربعين وخمسمائة، وسمع من ابن الزّاغوني، ونصر العكبري، وطائفة. ثم طلب بنفسه، ورحل إلى خطيب الموصل، وبدمشق من أبي المعالي بن صابر. وأخذ الوعظ عن ابن الجوزي، وهو أول شيخ ولي المستنصرية، وآخر من حدّث ب «البخاري» سماعا عن أبي الوقت [السّجزي] . ضعّفه ابن النجّار لعدم إتقانه وكثرة أوهامه. توفي في ربيع الآخر.
وفيها الملك العزيز غياث الدّين محمد بن الملك الظّاهر غازي بن صلاح الدّين [٤] ، صاحب حلب وسبط الملك العادل. ولّوه السلطنة بعد أبيه وله أربع سنين من أجل والدته الصّاحبة، وهي كانت الكلّ، وكان الأتابك طغريل [٥] يسوس الأمور، وكان العزيز حسن الصّورة عفيفا. توفي في هذه السنة ودفن بالقلعة، وأقيم بعده ابنه الملك الناصر يوسف وهو طفل أيضا.
стр. 3097
وفيها مرتضى ابن أبي الجود، حاتم بن المسلّم الحارثي الحوفي أبو الحسن [١] المقرئ. قرأ القراءات وسمع الكثير من السّلفي وجماعة، وكان عالما عاملا، كبير القدر، قانعا، متعففا، يختم في الشهر ثلاثين ختمة. توفي في شوال عن خمس وثمانين سنة. قاله في «العبر» .
وفيها أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن أحمد البغدادي المقرئ، المعروف بالأشقر [٢] . قرأ القراءات على محمد بن خالد الرزّاز وغيره، وتفقه في مذهب الإمام أحمد.
قال ابن السّاعي: كان شيخا فاضلا، حسن التلاوة للقرآن، مجيد الأداء به، عالما بوجوه القراءات وطرقها وتعليلها وإعرابها، يشار إليه بمعرفة علوم القرآن، بصيرا بالنحو واللغة، وكان يؤم بالخليفة الظّاهر، وقرأ عليه الظّاهر والوزير ابن النّاقد، فلما ولي الظّاهر الخلافة أكرمه وأجلّه، وكذلك لما ولي ابن النّاقد الوزارة.
وكان يقول: قرأ عليّ القرآن أرباب الدّنيا والآخرة.
وكان لأمّ الخليفة الناصر فيه عقيدة، فمرض، فجاءته تعوده، وسمع منه ابن النجّار، وابن السّاعي، وغيرهما. وتوفي في صفر وقد قارب الثمانين.
وفيها أبو بكر الحربي هبة الله بن عمر بن كمال الحلّاج [٣] . آخر من حدّث عن هبة الله بن الشّبلي، وكمال بنت السّمرقندي. توفي في جمادى الأولى.
стр. 3098
وفيها ياسمين بنت سالم بن علي بن [١] البيطار أمّ عبد الله الحريميّة [٢] . روت عن هبة الله بن الشّبلي القصّار، وتوفيت يوم عاشوراء.
وفيها أبو الحرم مكّي بن عمر بن نعمة بن يوسف بن عساكر بن عسكر بن شبيب بن صالح المقدسي الأصل، الفقيه الحنبلي، الزاهد، الرّؤبيّ [٣] .
ولد في شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بمصر، وسمع من والده، ومن ابن برّي النحوي وخلق، وسمع بمكة من محمد بن الحسين الهراوي الحنبلي وغيره. [وتفقه في المذهب بمصر.
قال المنذري: اشتره بمعرفة الفقه، وجمع مجاميع الفقه وغيره] [٤] وانتفع به جماعة، وأمّ بالمسجد المعروف به بدرب البقّالين بمصر، وسمعت منه، وكان يبني ويأكل من كسب يده.
وقال ابن رجب: هو الذي جمع سيرة الحافظ عبد الغني [٥] ، وتوفي في العشرين من جمادى الآخرة بمصر، ودفن من الغد إلى جانب والده بسفح المقطّم.
وفيها أبو المظفّر يوسف بن أحمد بن الحلاوي [٦] الحنبلي.
стр. 3099
سمع من ابن شاتيل، وتفقه في المذهب، وكان فقيها، صالحا، فاضلا، مقرئا، متدينا، حسن الطريقة. توفي ببغداد في العشرين من ربيع الأول.
стр. 3100
سنة خمس وثلاثين وستمائة
فيها وصلت التتار إلى دقوقا تنهب [وتسبي] وتفسد، فالتقاهم الأمير بكلك الخليفتي في سبعة آلاف، والتتار في عشرة آلاف، فانهزم المسلمون بعد أن قتلوا خلقا وكادوا ينتصرون، وقتل بكلك وجماعة أمراء أعيان.
وفيها توفي أبو محمد [١] الأنجب بن أبي السعادات البغدادي الحمّامي، عن إحدى وثمانين سنة. راو حجّة. روى عن ابن البطّي، وأبي المعالي بن اللحّاس [٢] ، وطائفة، وأجاز له مسعود [٣] الثقفي وجماعة.
توفي في تاسع عشر ربيع الآخر.
وفيها أبو عبد الله أحمد بن علي بن سيدك الأواني [٤] الشاعر المجيد. أشعاره رائقة مطربة، منها:
سلوا من كسا جسمي نحافة خصره ... وكلّفني في الحبّ طاعة أمره
يبدّل نكر الوصل منه بعرفه ... لديّ وعرف الهجر منه بنكره
فما تعرف الأرواح إلّا بقربه ... ولا تصرف الأتراح إلّا بذكره
стр. 3101
ولا تنعم الأوقات إلّا بوصله ... ولا تعظم الآفات إلّا بهجره
فأقسم بالمحمر من ورد خدّه ... يمينا وبالمبيضّ من درّ ثغره
لقد كدت لولا ضوء صبح جبينه ... أتيه ضلالا في دجى ليل شعره
وفيها ابن رئيس الرّؤساء أبو محمد الحسين بن علي بن الحسين بن هبة الله ابن الوزير، رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة البغدادي النّاسخ الصّوفي [١] .
ولد سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وسمع من ابن البطّي، وأحمد بن المقرّب، وتوفي في رجب.
وفيها قاضي حلب زين الدّين أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي الشافعي، ابن الأستاذ [٢] . روى عن يحيى الثقفي.
توفي في شعبان بحلب عن ثمان وخمسين سنة، وكان من سروات الرّؤساء.
وفيها ابن اللّتيّ، مسند الوقت، أبو المنجّى عبد الله بن عمر بن علي ابن عمر بن زيد الحريمي القزّاز [٣] . رجل مبارك حييّ [٤] .
ولد سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وسمع من أبي الوقت [السّجزي] ، وسعيد بن البنّا، وطائفة. وأجاز له مسعود الثقفي والأصبهانيون، وكان آخر من روى حديث البغوي بعلو. نشر حديثه بالشام ورجع منها في آخر سنة أربع وثلاثين، فتوفي ببغداد في رابع عشر جمادى الأولى.
стр. 3102
وفيها أبو طالب عبد الله بن المظفّر ابن الوزير أبي القاسم علي بن طراد الزّينبي العبّاسي البغدادي [١] . روى عن ابن البطّي حضورا، وعن أبي بكر بن النّقور، ويحيى بن ثابت. توفي في رمضان.
وفيها الرّضي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبّار أبو محمد المقدسي الملقّن [٢] . أقرأ كتاب الله احتسابا أربعين عاما، وختم عليه خلق كثير، وروى عن يحيى الثقفي وطائفة، وكان كثير العبادة والتهجد. توفي في ثاني صفر وقد شاخ.
وفيها صدر الدّين عبد الرزّاق ابن الإمام أبي أحمد عبد الوهاب بن سكينة، شيخ الشيوخ البغدادي [٣] . حضر على ابن البطّي، وسمع من شهدة، وترسل عن الخليفة إلى النواحي، وتوفي في جمادى الأولى.
وفيها أبو بكر عبد الكريم بن عبد الله بن مسلم بن أبي الحسن بن أبي الجود الفارسي [٤] الزاهد الحنبلي، ابن أخي الحسن بن مسلم الزاهد المتقدم ذكره.
ولد سنة ثلاث وستين وخمسمائة بالفارسيّة، قرية على نهر عيسى، وقرأ القرآن [٥] ، وسمع الحديث من أبي الفتح البرداني، وابن بوش، وغيرهما، وتفقه في المذهب، وحدّث وسمع منه ابن النجار [٦] ، وعبد الصمد بن أبي الجيش، وغيرهما، ووصفاه بالصلاح والدّيانة.
стр. 3103
قال ابن النجار: كان شيخا، صالحا، متدينا، ورعا، منقطعا عن الناس في قريته، يقصده الناس لزيارته والتبرك به، وحوله جماعة من الفقراء، ويضيف من يمرّ به.
وتوفي يوم الخميس لتسع خلون من صفر، ودفن من يومه عند عمّه الحسن [١] بن مسلم بالفارسيّة.
وفيها الملك الكامل سلطان الوقت، ناصر الدّين أبو المعالي محمد ابن العادل أبي بكر محمد بن أيوب [٢] .
ولد سنة ست وسبعين وخمسمائة، وتملك الدّيار المصرية تحت جناح والده عشرين سنة وبعده عشرين سنة، وتملّك دمشق قبل موته بشهرين، وتملّك حرّان وآمد وتلك الدّيار، وله مواقف مشهودة، وكان صحيح الإسلام، معظّما للسّنّة وأهلها، محبا لمجالسة العلماء، فيه عدل وكرم وحياء، وله هيبة شديدة. ومن عدله المخلوط بالجبروت والظلم، شنق جماعة من أجناده على آمد في أكيال شعير غصبوه. قاله في «العبر» .
وقال ابن خلّكان: كان سلطانا عظيم القدر، جميل الذّكر، محبا للعلماء، متمسكا بالسّنّة النبوية، حسن الاعتقاد، معاشرا لأرباب الفضائل، حازما في أموره، لا يضع الشيء إلّا في موضعه، من غير إسراف ولا إقتار.
وكان يبيت [٣] عنده كل ليلة جمعة جماعة من الفضلاء، ويشاركهم في
стр. 3104
مباحثاتهم [١] ويسألهم عن المواضع المشكلة من كل فنّ، وهو معهم كواحد منهم، وكان يعجبه هذان البيتان وينشدهما كثيرا وهما:
ما كنت من قبل ملك قلبي ... تصدّ عن مدنف حزين
وإنما قد طمعت لمّا ... حللت في موضع حصين
وبنى بالقاهرة دار حديث ورتب لها وقفا جيدا. وقد بنى على قبر الإمام الشافعي، ﵁، قبة عظيمة، ودفن أمّه عنده، وأجرى إليها من ماء النيل ومدده بعيد، وغرم على ذلك جملة عظيمة.
ولما مات أخوه الملك المعظم صاحب الشام، وقام ولده الملك النّاصر صلاح الدّين داود مقامه، خرج الملك الكامل من الدّيار المصرية قاصدا لأخذ [٢] دمشق منه، وجاء أخوه الملك الأشرف مظفّر الدّين موسى، فاجتمعا على أخذ دمشق بعد فصول جرت يطول شرحها، وملك دمشق في أول شعبان سنة ست وعشرين وستمائة، وكان يوم الاثنين، فلما ملكها دفعها لأخيه الملك الأشرف، وأخذ عوضها [٣] من بلاد الشرق، حرّان، والرّها، وسروج، والرّقّة، ورأس عين، وتوجه إليها بنفسه في تاسع شهر رمضان من السنة.
واجتزت بحرّان في شوال سنة ست وعشرين والملك العادل مقيم بها بعساكر الدّيار المصرية، وجلال الدّين خوارزم شاه يوم ذاك يحاصر خلاط، وكانت لأخيه الملك الأشرف.
ثم قال ابن خلّكان: خطب له بمكّة- شرفها الله تعالى- فلما وصل
стр. 3105
الخطيب إلى الدعاء للملك الكامل قال: صاحب مكة وعبيدها، واليمن وزبيدها، ومصر وصعيدها، والشام وصناديدها [١] ، والجزيرة ووليدها، سلطان القبلتين، وربّ العلامتين، وخادم الحرمين الشريفين، أبو المعالي محمد الملك الكامل ناصر الدّين، خليل أمير المؤمنين.
ولقد رأيته بدمشق سنة ثلاث وثلاثين وستمائة عند رجوعه من بلاد الشرق، واستنقاذه إيّاها من يد علاء الدّين كيقباد بن سلجوق صاحب الرّوم، وهي وقعة [٢] يطول شرحها، وفي خدمته بضعة عشر ملكا، منهم أخوه الملك الأشرف. ولم يزل في علو شأنه وعظم سلطانه إلى أن مرض بعد أخذه دمشق ولم يركب، وكان ينشد في مرضه كثيرا:
يا خليليّ خبّراني بصدق ... كيف طعم الكرى فإني عليل [٣]
ولم يزل كذلك [٤] إلى أن توفي يوم الأربعاء بعد العصر، ودفن بقلعة دمشق يوم الخميس الثاني والعشرين من رجب، وكنت بدمشق يومئذ، وحضرت الصبحة [٥] يوم السبت في جامع دمشق، لأنهم أخفوا موته إلى وقت صلاة الجمعة، فلما دنت الصلاة قام بعض الدّعاة على العريش الذي بين يدي المنبر وترحم على الملك الكامل، ودعا لولده الملك العادل صاحب مصر، وكنت حاضرا في ذلك الموضع، فضجّ النّاس ضجة واحدة، وكانوا قد أحسوا بذلك، لكنهم لم يتحققوا. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.
стр. 3106
وقال الذّهبي: مرض بقلعة دمشق بالسّعال والإسهال نيفا وعشرين ليلة، وكان في رجله نقرس، فمات.
وقال ابن الأهدل: وللكامل هفوة جرت منه- عفا الله عنه- وذلك أنه سلّم مرة بيت المقدس إلى الفرنج اختيارا، نعوذ بالله من سخط الله وموالاة أعداء الله.
وفيها أبو بكر محمد بن مسعود بن بهروز [١] البغدادي الطبيب.
سمّعه خاله من أبي الوقت [السّجزي] ، وتفرّد بالرواية بالسماع منه [٢] وتوفي في رمضان وقد جاوز التسعين.
وفيها شرف الدّين محمد بن نصر بن عبد الرحمن بن محفوظ القرشي الدّمشقي ابن ابن [٣] أخي الشيخ أبي البيان [٤] . كان أديبا، شاعرا، صالحا، زاهدا، ولي مشيخة رباط أبي البيان، وروى عن ابن عساكر، وتوفي في رجب.
وفيها أبو نصر بن الشّيرازي القاضي شمس الدّين محمد بن هبة الله ابن محمد بن هبة الله بن يحيى الدمشقي الشافعي [٥] .
стр. 3107
ولد سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وأجاز له أبو الوقت [السّجزي] وطائفة، وسمع من أبي يعلى بن الحبوبي [١] ، وطائفة كثيرة، وله «مشيخة» في جزء. ودرس وأفتى، وناظر ودرّس، وصار من كبار أهل دمشق في العلم، والرّواية، والرّئاسة، والجلالة. ودرّس مدة بالشامية الكبرى.
قال ابن شهبة: ولي قضاء بيت المقدس، ثم ولي تدريس الشامية البرّانية، ثم ولي قضاء دمشق في سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وكان فقيها، فاضلا، خيّرا، ديّنا، منصفا، عليه سكينة ووقار. حسن الشكل، يصرف أكثر أوقاته في نشر العلم. مات في جمادى الآخرة.
وفيها خطيب دمشق الدّولعي- بفتح الدال المهملة وبعد الواو واللام عين مهملة، نسبة إلى الدّولعيّة قرية بالموصل- جمال الدّين محمد بن أبي الفضل بن زيد بن ياسين أبو عبد الله التّغلبي [٢] الشّافعي.
ولد بالدّولعية في جمادى الآخرة سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وتفقه على عمّه ضياء الدّين الدّولعي خطيب دمشق أيضا. وسمع منه ومن جماعة، منهم: ابن صدقة الحرّاني، وولي الخطابة بعد عمّه وطالت مدته في المنصب. وولي تدريس الغزالية مدة، وكان له ناموس وسمت حسن. يفخّم كلامه.
قال أبو شامة: وكان المعظّم قد منعه من الفتوى مدة، ولم يحجّ لحرصه على المنصب، مات في جمادى الأولى ودفن بمدرسته التي أنشأها بجيرون.
стр. 3108
وفيها نجم الدّين أبو المفضّل مكرم بن محمد بن حمزة بن محمد المسند القرشيّ الدّمشقي المعروف بابن أبي الصّقر [١] .
ولد في رجب سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وسمع من حمزة بن الحبوبي [٢] ، وحمزة بن كروّس، وحسّان الزّيّات، و [وسعيد بن سهل] الفلكي، وعلي بن أحمد بن مقاتل، وطائفة. وتفرّد، وطال عمره، وسافر للتجارة كثيرا. وتوفي في رجب.
وفيها الملك مظفّر الدّين أبو الفتح، موسى بن العادل [٣] . ولد هو وأخوه الكامل في سنة واحدة، وهي سنة ست وسبعين وخمسمائة، وماتا أيضاً في هذه السنة [٤] ، وكان مولده بالقاهرة. وروى عن ابن طبرزد، وتملّك حرّان وخلاط، وتلك الدّيار مدة، ثم تملّك دمشق تسع سنين، فأحسن وعدل، وخفّف الجور.
قال الذهبي: كان فيه دين وتواضع للصالحين. وله ذنوب عسى الله أن يغفرها له. وكان حلو الشمائل، محبّبا إلى رعيته، موصوفا بالشجاعة، لم تكسر له راية قطّ. انتهى.
وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : كان جوادا، عادلا، سخيّا، لو دفع الدّنيا إلى أقل الناس لم يستكثرها عليه. ميمون الطليعة، ما كسرت له راية قطّ. متعففا عن المحارم، ما خلا بامرأة قطّ إلّا زوجته أو محرمه.
стр. 3109
قال أبو المظفّر [١] : لما صعدت [٢] إلى خلاط اجتمعت معه في منظرة، فقال: والله ما مددت عيني إلى حريم أحد قطّ، لا ذكر ولا أنثى، ولقد كنت يوما قاعدا هاهنا، فقال الخادم: على الباب عجوز تستأذن من عند بنت شاه أرمن صاحب خلاط سابقا، فأذنت لها، فناولتني ورقة تذكر أن الحاجب عليا قد قصدها وأخذ ضيعها، وقصد هلاكها، وتخاف منه أن تخرج، فكتبت على الورقة بإطلاق الضيعة، ونهي الحاجب عنها، فقالت العجوز: هي تسأل الإذن بالحضور [بين يديك] فلها سرّ تذكره للسلطان، فقلت: بسم الله، فغابت ساعة ثم جاءت ومعها امرأة ما يمكن في الدنيا أحسن من قدّها، ولا أظرف من شكلها، كأن الشمس تحت نقابها، فحذمت [٣] ووقفت، فقمت لها، لكونها بنت شاه، فسفرت عن وجهها، فأضاءت منه المنظرة، فقلت: غطّي وجهك واذكري حاجتك، فقالت: مات أبي واستوليتم على البلاد، ولي ضيعة أعيش منها، أخذها الحاجب مني، وما أعيش إلّا من عمل النقش، وأنا ساكنة في دور الكراء. قال: فبكيت وأمرت لها [من الخزانة] بقماش وسكن يصلح لها، وقلت: بسم الله في حفظ الله، وودّعته [٤] ، فقالت العجوز: ما جاءت إلّا لتحظى بك الليلة. قال: فأوقع الله في قلبي تغيّر الزّمان، وتملّك غيري، وتحتاج بنتي [٥] أن تقعد مثل هذه القعدة، فقلت: يا عجوز! معاذ الله، والله ما هو من شيمتي، ولا خلوت بغير محارمي، خذيها وانصرفي،
стр. 3110
وهي العزيزة الكريمة، ومهما كان لها من الحوائج فهذا الخادم تنفذ إليه، فقامت وهي تبكي وتقول بالأرمنية: صان الله حريمك، [قال:] فلما خرجت، قالت لي النفس: في الحلال مندوحة عن الحرام، تزوجها، فقلت للنفس:
يا خبيثة: أين الحياء والكرم والمروءة؟ والله لا فعلته أبدا.
وقدم عليه النظام بن أبي الحديد ومعه نعل النّبيّ- ﷺ فقام له قائما، ونزل فأخذ النّعل ووضعه على عينيه وبكى، وأجرى على النظام النفقات، وأراد أن يأخذ منه قطعة تكون عنده، ثم رجع وقال: ربما يجيء بعدي من يفعل مثل فعلي فيتسلسل الحال ويؤدي إلى استئصاله فتركه، ومات النظام بعد مدة وأوصى له بالنّعل، فلما فتح دمشق اشترى دار قايماز النجمي وجعلها دار حديث، وترك النّعل بها، وبنى مسجد أبي الدّرداء بقلعة دمشق، والمسجد الذي عند باب النصر، وخان الزّنجاري وهو جامع العقيبة، ومسجد القصب خارج باب السلاح، وجامع جرّاح، وجامع بيت الأنبار، وجامع حرستا، وزاد وقف دار الحديث النّوريّة، والتربة التي بالكلّاسة، وكان حسن الظنّ بالفقراء. وكان له في بستانه الذي بالنّيرب أماكن مشهورة مزخرفة، مثل صفة بقراط وغيرها يخلو بها، وأباح لأهل دمشق الفرجة بها تطييبا لقلوب الرّعية.
ومن شعره يخاطب الخليفة الناصر:
العبد موسى ذو الضّراعة طوره ... بغداد آنس عندها نار الهدى [١]
عبد أعدّ لدى الإله وسيلة ... دنيا ودينا أحمدا ومحمّدا
هذا يقوم بنصره في هذه ... عند الخطوب وذاك شافعه غدا
стр. 3111
وتوفي يوم الخميس رابع المحرم، فتسلطن بعده أخوه الصالح إسماعيل، وركب ركوب السلطنة، وترجل الناس بين يديه، وصادر جماعة من أهل دمشق، وركب التعاسيف، فجاء عسكر الكامل وحصر دمشق، وقطع المياه، وأحرق العقيبة، وقصر حجّاج، ونصبوا المجانيق، ووقّع الصلح، على أن أعطوا الصالح بعلبك وبصرى، وتسلّم الكامل دمشق.
وفيها الحكيم الفاضل سديد الدّين أبو الثناء محمود بن عمر الحانويّ [١] عرف بابن زقيقة [٢] الشيباني [٣] . صنّف كتاب «قانون الحكماء وفردوس النّدماء» وكتاب «الغرض المطلوب في تدبير المأكول والمشروب» وغير ذلك. وله ديوان شعر، منه فيما يتعلق بالطبّ:
توقّ الامتلاء وعدّ عنه ... وإدخال الطّعام على الطّعام
وإكثار الجماع فإنّ فيه ... لمن والاه داعية السّقام
ولا تشرب عقيب الأكل ماء ... لتسلم من مضرّات الطّعام
ولا عند الخوى والجوع حتّى ... تلهّى باليسير من الإدام
وخذ منه القليل ففيه نفع ... لدى العطش المبرّح والأوام
وهضمك فاصلحنه [٤] فهو أصل ... وأسهل بالأيارج كلّ عام
وفصد العرق نكّب عنه إلّا ... لدى مرض بطيب الطبع حامي
ولا تتحركنّ عقيب أكل ... وصيّر ذاك بعد الانهضام
ولا تطل السّكون فإنّ منه ... تولّد كلّ خلط فيك خام
стр. 3112
وقلّل ما استطعت الماء بعد الرّ ... ياضة واجتنب شرب المدام [١]
وخلّ السّكر واهجره مليّا ... فإنّ السكر من فعل الطّغام [٢]
وأحسن صون نفسك عن هواها ... تفز بالخلد في دار السّلام
وفيها شمس الدّين بن سنيّ الدولة قاضي القضاة أبو البركات يحيى ابن هبة الله بن سنيّ الدولة الحسن بن يحيى بن محمد بن علي بن صدقة الدّمشقي الشافعي [٣] ، والد قاضي القضاة صدر الدّين أحمد.
ولد سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، وتفقه على ابن أبي عصرون، والقطب النيسابوري، واشتغل بالخلاف، وسمع من أحمد ابن الموازيني وطائفة، وولي قضاء الشام.
قال الذهبي: وحمدت سيرته، وكان إماما فاضلا، مهيبا، [جليلا] [٤] .
حدّث بمكة، وبيت المقدس، وحمص، وتوفي في ذي القعدة.
وفيها أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل بن علي بن أحمد بن الحسين بن إبراهيم المعروف بالشواء [٥] ، الملقب شهاب الدّين، الكوفي الأصل الحلبي المولد والمنشأ والوفاة [٦] . كان أديبا، فاضلا، متقنا لعلم العروض والقوافي، شاعرا. يقع له في النظم المعاني البديعة، وله ديوان شعر في أربع مجلدات.
стр. 3113
وكان ملازما لحلقة الشيخ تاج الدّين المعروف بابن الحرّاني الحلبي النحوي اللّغوي، وأكثر ما أخذ الأدب عنه وبصحبته انتفع.
قال ابن خلّكان: كان بيني وبين الشهاب الشوّاء مودة أكيدة ومؤانسة كثيرة. وكان حسن المحاورة، مليح الإيراد مع السكون والتأني، وأول شيء أنشدني من شعره قوله:
هاتيك يا صاح ربا لعلع ... ناشدتك الله فعرّج معي
وانزل بنا بين بيوت النّقا ... فقد غدت آهلة المربع
حتى نطيل اليوم وقفا على السّ ... اكن أو عطفا على الموضع
وأنشد لنفسه أيضا:
ومهفهف عني الزّمان بخدّه ... فكساه ثوبي ليله ونهاره
لا مهّدت عذري محاسن وجهه ... إن غضّ عندي منه غضّ [١] عذاره
وله في غلام أرسل أحد صدغيه وعقد الآخر:
أرسل صدغا ولوى قاتلي ... صدغا فأعيا بهما واصفه
فخلت ذا في خدّه حيّة ... تسعى وهذا عقربا واقفه
ذا ألف ليست لوصل، وذا ... واو ولكن ليست العاطفة
وله في شخص لا يكتم السّرّ:
لي صديق غدا وإن كان لا ين ... طق إلّا بغيبة أو محال
أشبه النّاس بالصدى إن تحدّث ... هـ حديثا أعاده في الحال
وله- وهو معنى لطيف-:
هواك يا من له اختيال ... ما لي على مثله احتيال
стр. 3114
قسمة أفعاله لحيني ... ثلاثة ما لها انتقال
وعدك مستقبل، وصبري ... ماض، وشوقي إليك حال
وله في غلام [قد] [١] ختن:
هنّأت من أهواه عند ختانه ... فرحا وقلت وقد عراه وجوم
يفديك من ألم ألمّ بك امرؤ ... يخشى عليك إذا ثناك نسيم
أمعذّبي كيف استطعت على الأذى ... جلدا، وأجزع ما يكون الرّيم
لو لم تكن هذي الطهارة سنّة ... قد سنّها من قبل إبراهيم
لفتكت جهدي بالمزيّن إذ غدا ... في كفّه موسى وأنت كليم
ومعظم شعره على هذا الأسلوب، وكان من المغالين في التشيع وأكثر أهل حلب ما يعرفونه إلّا بمحاسن الشوّاء، والصواب ما ذكرته. وتوفي يوم الجمعة تاسع عشر المحرم بحلب، ودفن بظاهرها، ولم أحضر الصلاة عليه لعذر عرض لي، ﵀، فلقد كان نعم الصاحب. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.
стр. 3115
سنة ست وثلاثين وستمائة
فيها توفي أبو العبّاس القسطلّاني ثم المصري [١] الفقيه المالكي، الزاهد القدوة، أحمد بن علي، تلميذ الشيخ أبي عبد الله القرشي. سمع من عبد الله ابن برّي، ودرّس بمصر وأفتى، ثم جاور بمكة مدة، وتزوج بعد موت شيخه زوجته الصّالحة الجليلة [٢] أمّ ولده قطب الدّين.
حكي أن أهل المدينة أجدبوا، فاتفق رأيهم أن يستسقوا يوما والغرباء يوما، فاستسقى أهل المدينة يومهم فلم يسقوا، ثم عمل هو طعاما للضعفاء واستسقى مع المجاورين فسقوا، وله مؤلّف جمع فيه كلام شيخه القرشي وبعض شيوخه وبعض كراماته. توفي بمكة المشرّفة في جمادى الآخرة وقبره يزار بها في الشعب الأيسر.
وفيها صاحب ماردين، أرتق بن ألبي الأرتقي التركماني [٣] تملّك ماردين بضعا وثلاثين سنة، وكان فيه عدل ودين في الجملة. قتله غلمانه بمواطأة ابن ابنه، وتملّك بعده ابنه نجم الدّين غازي.
стр. 3116
وفيها التّاج أسعد بن المسلّم بن مكّي بن علّان القيسي الدمشقي [١] . توفي في رجب عن ست وتسعين سنة. روى عن ابن عساكر، وأبي الفهم بن أبي العجائز، وكان من كبار العدول، وهو أسنّ من أخيه السّديد.
وفيها أبو الخير بدل بن أبي المعمّر بن إسماعيل التّبريزي [٢] ، المحدّث الحافظ الثقة الرحّال.
ولد بعد الخمسين وخمسمائة، وسمع من أبي سعد بن أبي عصرون وجماعة، ورحل فأكثر عن اللبّان، والصيدلاني، وسمع بنيسابور، ومصر، والعراق، وكتب وتعب، وخرّج، وولي مشيخة دار الحديث بإربل، فلما أخذتها التتار قدم حلب وبها توفي في جمادى الأولى.
وفيها أبو الفضل جعفر بن علي بن هبة الله الهمداني الإسكندراني [٣] المالكي المقرئ الأستاذ المحدّث.
ولد سنة ست وأربعين وخمسمائة، وقرأ القراءات على عبد الرحمن بن خلف صاحب ابن الفحّام، وأكثر عن السّلفي وطائفة، وكتب الكثير، وحصّل، وتصدّر للإقراء، ثم رحل في آخر عمره، فروى الكثير بالقاهرة ودمشق، وبها توفي في صفر وقد جاوز التسعين.
وفيها ابن الصّفراوي جمال الدّين أبو القاسم عبد الرحمن بن
стр. 3117
عبد المجيد بن إسماعيل بن عثمان بن يوسف بن حفص الإسكندراني [١] الفقيه المالكي المقرئ.
ولد في أول سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وقرأ القراءات على ابن خلف الله [٢] ، وأحمد بن جعفر الغافقيّ، واليسع [بن عيسى] بن حزم، وابن الخلوف [٣] .
وتفقه على أبي طالب صالح بن بنت معافى، وسمع الكثير من السّلفي وغيره، وانتهت إليه رئاسة الإقراء والفتوى ببلده، وطال عمره وبعد صيته.
توفي في الخامس والعشرين من ربيع الآخر.
وفيها أبو الفتوح وأبو الفرج وأبو عمر ضياء الدين عثمان بن [أبي] نصر [٤] بن منصور بن هلال البغدادي المسعودي، الفقيه الحنبلي، الواعظ المعروف بابن الوتّار.
ولد سنة خمسين وخمسمائة تقريبا. وسمع من أبي الفتح بن المنّي وغيره، وتفقه عليه، ووعظ وشهد عند قاضي القضاة عبد الرزاق ابن ابن الشيخ عبد القادر، وأفتى. وكان فاضلا، فقيها، إماما، عالما، حسن
стр. 3118
الأخلاق. أجاز للمنذري، وابن أبي الجيش، والقاسم بن عساكر، والحجّار، وغيرهم، وتوفي في سابع عشري جمادى الأولى ببغداد وقد ناهز التسعين والمسعودي: نسبة إلى المسعودة، محلّة شرقي بغداد [١] وفيها عسكر بن عبد الرحيم بن عسكر بن أسامة أبو عبد الرحيم العدويّ النّصيبيّ [٢] من بيت مشيخة وحديث ودين، وله أصحاب وأتباع.
رحل في الحديث، وسمع من سليمان الموصلي وطبقته، وله مجاميع حسنة.
توفي في المحرّم.
وفيها الصّاحب جمال الدّين علي بن جرير الرّقّي [٣] الوزير. وزر للأشرف، ثم للصالح إسماعيل، وتوفي في جمادى الآخرة بدمشق. قاله في «العبر» .
وفيها عماد الدّين بن الشيخ- هو الصاحب الرئيس أبو الفتح- عمر ابن شيخ الشيوخ صدر الدّين محمد بن عمر الجويني ثم الدمشقي [٤] الشّافعي.
ولي تدريس الشافعي، ومشهد الحسين، ومشيخة الشيوخ بالدّيار المصرية. وقام بسلطنة الجواد، ثم دخل الدّيار المصرية، فلامه صاحبها العادل أبو بكر، فردّ، وهمّ بخلع الجواد من السلطنة، فلم يمكنه، وجهّز عليه من الإسماعيلية من قتله في جمادى الأولى وله خمس وخمسون سنة.
стр. 3119
وفيها أبو الفضل بن السّبّاك محمد بن محمد بن الحسن البغدادي [١] ، أحد وكلاء القضاة. روى عن ابن البطّي، وأبي المعالي [ابن] اللّحاس، وتوفي في ربيع الآخر.
وفيها شرف الدّين أبو المكارم، محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي القاسم بن صدقة، قاضي القضاة، الإسكندري المصري الشافعي، المعروف بابن عين الدولة [٢] .
ولد بالإسكندرية في جمادى الآخرة، سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
وقدم القاهرة في سنة ثلاث وسبعين، واشتغل على العراقي شارح «المهذّب» وحفظ «المهذّب» وناب في القضاء، ثم ولي قضاء القاهرة والوجه البحري سنة ثلاث عشرة وستمائة، ثم جمع له العملان سنة سبع عشرة وستمائة، ثم عزل عن قضاء مصر خاصة قبل وفاته بشهر، وكان ذكيا، كريما، متدينا، ورعا، قانعا باليسير. من بيت رئاسة تولى الإسكندرية من أعمامه وأخواله ثمانية أنفس.
قال المنذري: وكان عارفا بالأحكام، مطلعا على غوامضها، وكتب الخطّ الجيد، وله نظم ونثر. وكان يحفظ من شعر المتقدمين والمتأخرين جملة.
وقال غيره: نقل المصريون عنه كثيرا من النوادر والزوائد، كان يقولها بسكون وناموس.
стр. 3120
ومن شعره:
وليت القضاء وليت القضا ... ء لم يك شيئا تولّيته
فأوقعني في القضاء القضا [١] ... وما كنت قدما تمنّيته
توفي في هذه السنة وجزم ابن قاضي شهبة أنه توفي في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين [٢] .
وفيها الزّكي البرزالي أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد بن أبي يدّاس [٣] الإشبيلي. الحافظ الجوّال. محدّث الشام ومفيده. سمع بالحجاز، ومصر، والشام، والعراق، وأصبهان، وخراسان والجزيرة، فأكثر.
وجمع فأوعى، وأول طلبه سنة اثنتين وستمائة، وأقدم شيوخه عين الشمس الثقفية، ومنصور الفراوي. وأقام بمسجد فلوس [٤] بدمشق زمانا طويلا.
وتوجّه إلى حلب، فأدركه أجله بحماة في رمضان، وله ستون سنة، وهو والد الشيخ علم الدّين البرزالي.