← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

ولد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة تقريبا، وطلب الحديث، وسمع الكثير من ابن كليب، وذاكر ابن كامل، وأبي الفرج بن الجوزي، وابن المعطوش وخلق كثير من هذه الطبقة. وكتب بخطه كثيرا، وتفقّه في المذهب، وتكلّم في الخلاف، وحصّل طرفا صالحا من الأدب، وسافر إلى بلاد فارس، والرّوم، ومصر، وشهد عند ابن اللّمغاني [١] . وله مجموعات وتخاريج في الحديث، وجمع الأحاديث السباعيات والثمانيات التي له، و «معجما» لشيوخه. وحدّث ببغداد وغيرها. ذكر ذلك ابن النجار. وقال: سمعت منه وهو فاضل، عالم، ثقة، صدوق، متدين، أمين، نزه، حسن الطريقة، جميل السيرة، طاهر السّريرة، سليم الجانب. مسارع إلى فعل الخير، محبوب إلى الناس. انتهى. توفي ليلة الأحد ثالث ربيع الأول ببغداد. وفيها تقي الدّين أبو عبد الله يوسف بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر المقدسي النابلسي [٢] ، الفقيه الحنبلي المحدّث. ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة تقديرا ببيت المقدس، وسمع بدمشق من ابن طبرزد وغيره. قال المنذري: ترافقنا [٣] في السماع كثيرا، وكان على طريقة حسنة. توفي [في] عاشر ذي القعدة بمدينة نابلس.

стр. 3152

سنة تسع وثلاثين وستمائة فيها توفي الشّمس بن الخبّاز النّحوي أبو عبد الله أحمد بن الحسين ابن أحمد بن معالي الإربلّي ثم الموصلي [١] الضرير، صاحب التصانيف الأدبية. توفي في رجب بالموصل وله خمسون سنة [٢] . قاله في «العبر» . وفيها المارستاني أبو العبّاس أحمد بن يعقوب بن عبد الله البغدادي [٣] الصّوفي، قيّم جامع المنصور. روى عن أبي المعالي بن اللّحّاس وحفدة العطّاري [٤] ، وجماعة، وتوفي في ذي الحجّة. وفيها أبو العبّاس أحمد بن محفوظ بن مهنّا بن شكر بن الصّافيوني [٥] الرّصافي البغدادي [٦] الحنبلي، الفقيه المحدّث. سمع الكثير، وعني

стр. 3153

بالسماع، وكتب الطباق بخطّه، وهو حسن، وتفقّه على القاضي أبي صالح نصر بن عبد الرزّاق، وكان خيّرا، صالحا، متعبّدا. توفي يوم الأحد تاسع عشر صفر، ودفن بمقبرة معروف الكرخي. وفيها تقي الدّين إسحاق بن طرخان بن ماضي، الفقيه الشافعي الشاغوري [١] ، آخر من حدّث، عن حمزة بن كروّس [٢] . توفي في رمضان بالشاغور. وفيها النّفيس بن قادوس القاضي أبو الكرم أسعد بن عبد الغني العدوي المصري [٣] ، آخر من روى عن الشريف أبي الفتوح الخطيب، وأبي العبّاس بن الحطيئة [٤] . توفي في ذي الحجّة وله ست وتسعون سنة. وفيها أبو الطاهر إسماعيل بن ظفر [٥] بن أحمد بن إبراهيم بن مفرج بن منصور بن ثعلب بن عيينة بن ثابت بن بكّار بن عبد الله بن شرف ابن مالك بن المنذر بن النّعمان بن المنذر المنذري النابلسي [٦] ، الدمشقي المولد، المحدّث الحنبلي.

стр. 3154

ولد سنة أربع وسبعين وخمسمائة بدمشق، وارتحل في طلب الحديث إلى الأمصار، فسمع بمكّة من ابن الحصري، وبمصر من البوصيري، والأرتاحي، والحافظ عبد الغني [١] وجماعة، وببغداد من المبارك بن كليب، وابن الجوزي، وغيرهما. وبأصبهان من أبي المكارم اللّبّان وغيره، وبخراسان من عبد المنعم الفراوي، والمؤيد الطّوسي، وجماعة. وبنيسابور من أبي سعد الصفّار وغيره، وبحرّان من الحافظ عبد القادر الرهّاوي، وانقطع إليه مدة. وكتب الكثير بخطه، وحدّث بالكثير. قال المنذري: سمعت منه بحرّان ودمشق، وكتب عنه ابن النجار ببغداد، وقال: كان شيخا صالحا. وقال عمر بن الحاجب: كان عبدا صالحا، صاحب كرامات، ذا مروءة، مع فقر مدقع، صحيح الأصول. روى عنه الحافظ الضياء، والمنذري، والبرزالي، والقاضي سليمان بن حمزة. وتوفي في رابع شوال بسفح قاسيون ودفن به. وفيها الإسعردي [٢] أبو الرّبيع سليمان بن إبراهيم بن هبة الله بن رحمة الحنبلي [٣] المحدث، خطيب بيت لهيا. ولد بإسعرد سنة سبع وستين وخمسمائة، ورحل فسمع بدمشق من الخشوعي، وابن طبرزد، وجماعة كثيرة. وبمصر من البوصيري وغيره،

стр. 3155

وبالإسكندرية من ابن علّاس [١] ، وانقطع إلى الحافظ عبد الغني المقدسي مدة، وتخرّج به، وسمع منه الكثير، وكتب بخطّه كثيرا. وكان كثير الإفادة، حسن السيرة. سئل عنه الحافظ الضياء فقال: خيّر ديّن ثقة. وأقام ببيت لهيا، وتولى إمامتها وخطابتها. قال المنذري: اجتمعت به ولم يتفق لي السماع منه، وأفادنا إجازة عن جماعة من شيوخ المصريين وغيرهم، شكر الله سعيه، وجزاه خيرا. توفي في ثاني عشري ربيع الآخر ببيت لهيا. ورحمة اسم أم أبي [٢] جدّه وبها عرف جدّه. وفيها أبو علي الحسن بن إبراهيم بن هبة الله بن دينار المصري الصّائغ [٣] . روى عن السّلفي، ومات في جمادى الآخرة عن تسع وثمانين سنة. وفيها أبو المعالي عماد الدّين عبد الرحمن بن مقبل [٤] . العلّامة قاضي القضاة الواسطي الشافعي [٥] . ولد سنة سبعين وخمسمائة، وتفقه، فدرّس وأفتى، وناب في القضاء عن أبي صالح الجيلي، ثم ولي بعده القضاء، ودرّس بالمستنصرية، ثم عزل عن الكلّ سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، فتزهّد، وتعبد، ثم ولي مشيخة رباط في سنة خمس وثلاثين، وحدّث عن ابن كليب، وتوفي في ذي القعدة.

стр. 3156

وفيها عبد السّيّد بن أحمد الضّبّي [١] ، خطيب بعقوبا. روى عن يحيى ابن ثابت، وأحمد المرقّعاتي، وتوفي في صفر، وله تسع وسبعون سنة. وفيها أبو محمد سيف الدّين عبد الغني بن فخر الدّين أبي عبد الله محمد بن تيميّة الحرّاني [٢] الحنبلي، خطيب حرّان وابن خطيبها الفخر. ولد في ثاني صفر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بحرّان، وسمع بها من والده، وعبد القادر الرّهاوي وغيرهما. ورحل إلى بغداد، فسمع من ابن سكينة، وابن طبرزد، وغيرهما. وأخذ الفقه عن غلام ابن المنّي [٣] وغيره، ورجع إلى حرّان، وقام مقام أبيه بعد وفاته، فكان يخطب، ويعظ، ويدرّس، ويلقي التفسير في الجامع على الكرسي. قال ابن حمدان: كان خطيبا، فصيحا، رئيسا، ثابتا، رزين العقل، وله تصنيف «الزوائد على تفسير الوالد» و «إهداء القرب إلى ساكني الترب» . قال: ولم أسمع منه، ولا قرأت عليه شيئا. وسمعت بقراءته على والده كثيرا. توفي في سابع المحرّم بحرّان. وفيها البدر علي بن عبد الصّمد بن عبد الجليل الرّازي [٤] ، المؤدّب بمكتب جاروخ بدمشق. روى عن السّلفي «ثمانين» [٥] الآجري، وتوفي في ربيع الآخر.

стр. 3157

وفيها أبو فضيل قايماز المعظّمي مجاهد الدّين [١] والي البحيرة. روى عن السّلفي، ومات في سلخ شوال. وفيها شرف الدّين بن الصّفراوي [٢] قاضي قضاة مصر أبو المكارم محمد بن القاضي [الرّشيد علي بن القاضي] أبي المجد حسن الإسكندراني ثم المصري الشافعي. ولد بالإسكندرية سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وقدم القاهرة فناب في القضاء سنة أربع وثمانين عن نصر الدّين بن درباس، ثم ناب عن غير واحد، وولي قضاء الدّيار المصرية في سنة سبع عشرة وستمائة، وتوفي في تاسع عشر ذي القعدة. وفيها ابن نعيم القاضي أبو بكر محمد بن يحيى بن مظفّر البغدادي الشافعي، المعروف بابن الحبير [٣] . ولد سنة تسع وخمسين، وسمع من شهدة وجماعة، وكان من أئمة الشافعية، صاحب ليل وتهجّد، وحجّ، طويل الباع في النظر والجدل، ولي تدريس النظامية مدة. قال الإسنويّ: كان إماما، عارفا بالمذهب ودقائقه وتحقيقاته، وله اليد الطّولي في الجدل والمناظرة، ديّنا، خيّرا، كثير التّلاوة [والتّهجّد، والحجّ] . عليه وقار وسكينة، وتفقه على المجير [٤] البغدادي بعد أن كان حنبليا، وناب

стр. 3158

في القضاء عن ابن فضلان، وحدّث، وتوفي في سابع شوال. وفيها الكمال بن يونس، العلّامة أبو الفتح موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك الموصلي [١] الشّافعي، أحد الأعلام. ولد سنة إحدى وخمسين بالموصل، وتفقه على والده، وببغداد على معيد النّظامية السّديد السّلماسي، وبرع عليه في الأصول والخلاف، وقرأ النحو على ابن سعدون القرطبي، والكمال الأنباري. وأكب على الاشتغال بالعقليات، حتّى بلغ فيها الغاية، وكان يتوقّد ذكاء، ويموج بالمعارف، حتّى قيل: إنه كان يتقن أربعة عشر فنّا، واشتهر ذكره، وطار صيته وخبره، ورحلت الطلبة إليه من الأقطار، وتفرّد بإتقان علم الرّياضي، ولم يكن له في وقته نظير. قال ابن خلّكان: كان يتهم في دينه لكون العلوم العقلية غالبة عليه، كما قال العماد المغربي فيه: وعاطيته صهباء من فيه مزجها ... كرقّة شعري أو كدين ابن يونس وقال ابن خلّكان أيضا: ولقد رأيته بالموصل في شهر رمضان، سنة ست وعشرين وستمائة، وترددت إليه دفعات عديدة، لما كان بينه وبين الوالد- ﵀ من المؤانسة والمودّة الأكيدة، ولم يتفق لي الأخذ عنه لعدم الإقامة وسرعة الحركة إلى الشام، وكان الفقهاء يقولون: إنه يدري أربعة وعشرين علما [٢] دراية متقنة، فمن ذلك المذهب، وكان فيه أوحد أهل زمانه، وكان جماعة من الحنفية يشتغلون عليه بمذهبهم، ويحلّ لهم

стр. 3159

مسائل [١] «الجامع الكبير» أحسن حلّ، مع ما هي عليه من الإشكال المشهور. وكان يتقن فنّي [٢] الخلاف العراقي والبخاري، وأصول الفقه والدّين، ولما وصلت كتب فخر الدّين الرّازي إلى الموصل- وكان بها إذ ذاك جماعة من الفضلاء- لم يفهم أحد اصطلاحه فيها سواه، وكذلك «الإرشاد» للعميدي، لمّا وقف عليها [حلّها] في ليلة واحدة وأقرأها [٣] على ما قالوه. وبالجملة فقد كان كمال الدّين كما قال الشاعر: وكان من العلوم بحيث يقضى ... له في كلّ علم [٤] بالجميع واستخرج في علم الأوقات [٥] طرقا لم يهتد إليها أحد. وكان يحفظ من التواريخ وأيام العرب ووقائعهم والأشعار والمحاضرات شيئا كثيرا. وكان أهل الذّمة يقرؤون عليه التوراة والإنجيل، ويشرح لهما هذين الكتابين شرحا يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحهما لهم مثله. وبالجملة فإنّ مجموع ما كان يعرف من العلوم لم يكن يسمع عن أحد ممن كان تقدمه أنه جمع مثله. وتوفي- رحمه الله تعالى- بالموصل رابع عشر شعبان. انتهى كلام ابن خلّكان ملخصا [٦] .

стр. 3160

سنة أربعين وستمائة فيها جهّز الملك الصالح أيوب عسكره وعليهم كمال الدّين ابن الشيخ لأخذ دمشق من عمّه الصّالح إسماعيل، فمات مقدّم العسكر كمال الدّين بغزّة، ويقال: إنه سمّ. وفيها توفي الزّين أحمد [١] بن عبد الملك بن عثمان المقدسي الحنبلي الشّروطي الناسخ [٢] . روى عن يحيى الثقفي، والبوصيري، وابن المعطوش [٣] وطبقتهم. وطلب وكتب الأجزاء. توفي في رمضان عن ثلاث وستين سنة. وفيها أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ أبي طاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر الدّمشقي الخشوعي [٤] . آخر من سمع من عبد الواحد بن هلال، وما يدرى ما سمع من ابن عساكر. توفي في رجب وله اثنتان وثمانون سنة. وفيها آسية [بنت عبد الواحد] المقدسية [٥] ، والدة السيف بن المجد. قال أخوها الضياء: ما في زماننا مثلها، لا تكاد تدع قيام الليل.

стр. 3161

وفيها الجهة [١] الأتابكية، امرأة الأشرف موسى، صاحبة المدرسة والتّربة بجبل قاسيون تركان بنت الملك عز الدّين مسعود بن قطب الدّين مودود بن أتابك زنكي. وفيها جمال النّساء بنت أحمد بن أبي سعد الغرّاف البغدادية [٢] سمعت من ابن البطّي، وأحمد بن محمد الكاغدي، وبقية عشرة شيوخ، وتوفيت في جمادى الأولى. وفيها أبو محمد الحسن بن الأكرم، عرف بابن الزّاهد، العلوي الأديب. ومن شعره: صدّ عنّي وجاء شيئا فريّا ... فنبذت الكرى مكانا قصيّا ورعيت النّجوم في الليل حتّى ... بات طرفي موكّلا بالثّريّا وبراني الأسى فقلت لقلبي ... ذق أليم الغرام ما دمت حيّا كيف تهوى من لا يرقّ لصب ... قد كوت قلبه الصّبابة كيّا يا طبيب القلوب عالج مريضا ... يشتكي من جفاك داء دويّا ترك الحزم من أحب كحبي ... من بني التّرك ظالما تركيّا يا بخيلا بوصله ولعمري ... ضيّق العين لا يكون سخيّا وفيها سعيدة بنت عبد الملك بن يوسف بن محمد بن قدامة [٣] . روت بالإجازة عن العثماني [٤] .

стр. 3162

وفيها عائشة بنت المستنجد بالله [١] بن المقتفي، وأخت المستضيء، وعمّة النّاصر. عمّرت دهرا، وماتت في ذي الحجّة. وفيها عبد الحميد بن محمد بن سعد الصّالحي الطّيّان [٢] . روى عن يحيى الثّقفي، وتوفي في رجب. وفيها ابن أبيه [٣] عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن الدّجّاجية. روى عن الحافظ ابن عساكر، ومات في المحرّم. وفيها أبو محمد عبد العزيز بن مكّي بن كرسا البغدادي [٤] . روى عن ابن البطّي وجماعة، وتوفي في ربيع الآخر. وفيها صاحب المغرب أبو محمد بن المأمون، واسمه عبد الواحد ابن إدريس المؤمني [٥] ، صاحب مراكش. ولي الأمر سنة ثلاثين وستمائة، وأعاد ذكر ابن تومرت في الخطبة ليستميل قلوب الموحدين. توفي غريقا في صهريج بستانه [٦] ، وولي بعده أخوه المعتضد علي. وفيها العلم بن الصّابوني أبو الحسن علي بن محمود بن أحمد المحمودي الجوّيثي [٧] الصّوفي، والد الجمال بن الصّابوني، المحدّث. أجاز

стр. 3163

له أبو المطهّر الصيدلاني، وابن البطّي، وطائفة. وسمع من السّلفي، وكان عدلا، جليلا، وافر الحرمة. توفي في شوال عن أربع وثمانين سنة. وفيها ابن شفنين [١] ، الشّريف أبو الكرم محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن أحمد الهاشمي العبّاسي المتوكلي، مسند العراق. أجاز له أبو بكر بن الزّاغوني، ونصر بن نصر العكبري، وأبو الوقت [السّجزي] ، ومحمد بن عبيد الله الرّطبي. وسمع من يحيى بن السّدنك. وتوفي في رجب وله إحدى وتسعون سنة، وكان سريّا نبيلا. وفيها المستنصر بالله أبو جعفر منصور بن الظّاهر بأمر الله محمد بن النّاصر أحمد بن المستضيء حسن بن المستنجد يوسف بن المقتفي العبّاسي [٢] . ولد سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وهو ابن تركية، واستخلف في رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة، فحمدت سيرته. وكان أشقر، ضخما، قصيرا، وخطه الشّيب، فخضب بالحناء، ثم تركه. وكان جوادا، كريما، رحيما، سمحا، عادلا. بنى مدرسة المستنصرية ووقفها على المذاهب الأربعة، وفيها المارستان والحمّام، وليس في الدّنيا مثلها، وهي بالعراق كجامع دمشق.

стр. 3164

وبنى المساجد، والخوانك، والخانات في الطّرق، ولم يكن للمال عنده قدر. بنى أبوه الناصر بركة وترك فيها المال، وكان يقول: ترى أعيش حتّى أملأها، فلما ولي المستنصر كان يقول: ترى أعيش حتّى أفرغها. وتوفي بكرة الجمعة عاشر جمادى الآخرة وحزن الناس عليه حزنا عظيما، وبويع لولده عبد الله المستعصم بالله .

стр. 3165

سنة إحدى وأربعين وستمائة فيها كما قال في «العبر» [١] حكمت التتار على بلد الرّوم، والتزم [٢] صاحبها ابن علاء الدّين بأن يحمل لهم كلّ يوم ألف دينار، ومملوكا، وجارية، وفرسا، وكلب صيد. وفيها توفي أبو إسحاق تقي الدّين إبراهيم بن محمد بن الأزهر بن أحمد بن محمد الصّريفيني [٣]- بفتح الصاد المهملة، وكسر الراء والفاء بين تحتيتين ساكنتين، وآخره نون، نسبة إلى صريفين قرية ببغداد، ولنا أخرى بواسط- الحافظ الحنبلي الفقيه، نزيل دمشق. ولد ليلة حادي عشر محرم سنة إحدى أو اثنتين وثمانين وخمسمائة بصريفين ودخل بغداد، وسمع بها من ابن الأخضر، وابن طبرزد، وهذه الطبقة، ورحل إلى الأقطار. وسمع بأصبهان، ونيسابور، وهراة، وبوشنج، ودينور، ونهاوند وتستر، وطبس، والموصل، ودمشق، وبيت المقدس، وحرّان من أعلام هذه المدن.

стр. 3166

وتخرج بحرّان على الرّهاوي، وتفقه ببغداد على ابن البوازيجي [١] ، وأبي البقاء العكبري، وتأدّب بهبة الله الدّوري. قال عمر ابن الحاجب الحافظ: كان أحد حفّاظ الحديث وأوعية العلم، إماما، فاضلا، صدوقا، خيّرا، نبيلا، ثقة، حجّة، واسع الرواية، ذا سمت ووقار وعفاف، حسن السيرة، جميل الظّاهر، سخي النّفس، مع القلة، كثير الرغبة في فعل الخيرات. سافر الكثير، وجال في الآفاق. وكتب الكثير، وقرأ وأفاد. كثير التواضع، سليم الباطن. وكان شيخا لدار حديث منبج، تركها واستوطن حلب، وولي بها دار الحديث التي للصاحب بن شدّاد، وكان يحدّث بها، ويتكلم على الأحاديث وفقهها ومعانيها. سألت البرزالي عنه فقال: حافظ ديّن ثقة. وقال أبو شامة: كان عالما بالحديث، ديّنا، متواضعا. توفي في خامس عشر جمادى الأولى وحضرت الصلاة عليه بجامع دمشق، ودفن بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى. وفيها الأعزّ بن كرم [٢] أبو محمد [٣] الحربي الإسكاف البزّاز [٤] . سمع من يحيى بن ثابت وغيره، وتوفي في صفر. وفيها شمس الدّين أبو الفتوح وأبو الخطّاب عمر بن أسعد بن المنجّى بن بركات المؤمل التّنوخي المعرّي الحرّاني المولد الدمشقي الدار والوفاة القاضي الحنبلي بن القاضي وجيه الدّين [٥] .

стр. 3167

ولد بحرّان- إذ أبوه قاضيها في الدولة النّورية- سنة سبع وخمسين وخمسمائة، ونشأ بها، وتفقّه على والده، وسمع من عبد الوهاب بن أبي حبّة. وقدم دمشق فسمع بها من القاضي أبي سعد بن أبي عصرون وغيره، ورحل إلى العراق، وخراسان. وسمع ببغداد. واشتغل بالخلاف على المحبر الشافعي. وأفتى ودرّس. وكان عارفا بالقضاء بصيرا بالشروط والحكومات والمسائل الغامضات، صدرا نبيلا، وولي قضاء حرّان قديما، واستوطن دمشق ودرّس بها بالمسمارية. وحدّث عنه البرزالي، وابن العديم، وغيرهما. وأجاز لابن الشيرازي. توفي في سابع عشر ربيع الآخر ودفن بسفح قاسيون، كذا قال أبو شامة [١] . وفيها أبو القاسم حمزة بن عمر بن عتيق بن أوس الغزّال الأنصاري الإسكندراني [٢] . روى عن السّلفي، وتوفي في ذي الحجّة. وفيها سلطان بن محمود البعلبكي [٣] الزاهد، أحد أصحاب الشيخ عبد الله اليونيني. كان صاحب أحوال وكرامات، وهو والد الشيخ الصالح محمود. قال السخاوي في «طبقاته» : كان من كبار أولياء الله تعالى، تقوّت مدة من مباح جبل لبنان. حكى العماد أحمد بن سعد أن الشيخ معالي خادم

стр. 3168

الشيخ سلطان حدّثه أنه سأل الشيخ سلطان، فقال: يا سيدي كم مرّة رحت إلى مكّة في ليلة؟ قال: ثلاث عشرة مرة. قلت: فالشيخ عبد الله اليونيني قال: لو أراد أن لا يصلي فريضة إلّا في مكّة لفعل. وقال الشيخ عبد الدائم بن أحمد بن عبد الدائم: لما أعطي الشيخ سلطان الحال جاء إليه سايس كردي فقال: قد عزلت أنا ووليت أنت وبعد ثلاثة أيام ادفني. قال: فمات بعد ثلاث ودفنه [١] . وحكى الشيخ الصالح محمود بن الشيخ سلطان، أن أباه كانت تفتح له أبواب بعلبك بالليل انتهى. وفيها عائشة بنت محمد بن علي بن البلّ البغدادي [٢] الواعظة. أجاز لها أبو الحسن بن غبرة، والشيخ عبد القادر [٣] ، وكانت صالحة تعظ النساء، توفيت في جمادى الأولى. وفيها أبو محمد عبد الحق بن خلف بن عبد الحق الدمشقي الحنبلي [٤] روى عن أبي الفهم بن أبي العجائز، وابن صابر وجماعة. وكان يلقب بالضياء، وسمع بحرّان من أبي الوفاء. وحدّث، وكان مشهورا بالخير والصلاح، وعجز في آخر عمره عن التصرف، وتفرّد بأشياء، وتوفي في جمادى الآخرة. وفيها عز الدّين أبو الفتح وأبو عمرو عثمان بن أسعد الحنبلي [٥] . ولد في محرم سنة سبع وستين وخمسمائة، وسمع بمصر من

стр. 3169

البوصيري، ويوسف [١] بن الطّفيل. وببغداد من ابن سكينة وغيره. وسمع منه الحافظ ابن الحاجب، وابن الحلوانية، وولداه: وجيه الدّين محمد، وزين الدّين المنجّى، والحسن بن الخلّال. وكان فقيها فاضلا معدّلا. ودرّس بالمسمارية عن أخيه نيابة. وكان تاجرا ذا مال وثروة. توفي في مستهل ذي الحجة. وفيها أبو الوفاء عبد الملك بن عبد الحق بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن الحنبلي [٢] . ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وسمع بالإسكندرية من السّلفي، وبمكة من المبارك بن الطبّاخ. وبدمشق من أبي الحسين بن الموازيني. وحدّث، وتوفي في جمادى الآخرة ودفن بجبل قاسيون. وفيها أبو المكارم عبد الواحد بن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن محمد بن هلال الأزدي الدمشقي [٣] . روى عن الحافظ ابن عساكر، والأمير أسامة، وتوفي في رجب. وفيها التّسارسي [٤] أبو الرضا علي بن زيد بن علي الإسكندراني الخيّاط. روى عن السّلفي، وتسارس [٥] من قرى برقة. توفي في رمضان. قاله في «العبر» .

стр. 3170

وفيها علي بن أبي الفخار هبة الله بن أبي منصور محمد بن هبة الله الشريف أبو تمّام الهّاشمي العدل [١] ، خطيب جامع ابن المطلب ببغداد. روى عن ابن البطّي، وأبي زرعة، وجماعة. وعاش تسعين سنة، وتوفي في جمادى الآخرة. وفيها قصير بن فيروز البوّاب أبو محمد القطيعي [٢] . روى عن عبد الحق اليوسفي، وتوفي في شهر رمضان. وفيها كريمة بنت عبد الوهاب بن علي بن الخضر مسندة الشام أم الفضل القرشية الزّبيريّة، وتعرف ببنت الحبقبق [٣] . روت عن حسّان الزّيّات وخلق، وأجاز لها أبو الوقت [السّجزي] ، وابن الباغبان [٤] ، ومسعود الثقفي، وخلق. وروت شيئا كثيرا. توفيت في جمادى الآخرة [٥] ببستانها بالميطور [٦] . وفيها الجواد الذي تسلطن بدمشق بعد الملك الكامل، هو مظفّر الدّين يونس بن ممدود بن العادل [٧] . كان من أمراء عمّه الكامل، وكان جوادا لكنه لا يصلح للملك.

стр. 3171

وفيها الأمير أبو المنصور مهلهل بن الأمير محمد الملك أبي الضياء بدران بن يوسف بن عبد الله بن رافع بن زيد بن أبي الحسن علي بن سلامة بن طارق [بن ثعلب بن طارق] [١] بن سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الحسّاني النابلسي [٢] الأصل المصري الحنبلي [٣] . سمع من إسماعيل ابن ياسين والبوصيري [٤] ، والأرتاحيّ، وابن نجا، والحافظ عبد الغني [٥]- ولازمه كثيرا- وخلق كثير، وكتب بخطّه، وقرأ بلفظه. قال المنذري: سمعت منه، وتوفي في سابع عشر شعبان. وفيها الصّدر الرئيس جمال الدّين محمد بن عقيل بن كروّس [٦] محتسب دمشق. كان كيّسا، متواضعا، دفن بداره بدرب السّامري، والله أعلم.

стр. 3172

سنة اثنتين وأربعين وستمائة وفيها توفي القاضي شهاب الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم بن علي بن محمد بن فاتك بن محمد المعروف بابن أبي الدّم [١] ولد بحماة في جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ورحل إلى بغداد، فتفقّه بها. وسمع بالقاهرة وحدّث بها وبكثير من بلاد الشام، وولي قضاء بلده همذان- بإسكان الميم [٢]- وهو حموي ولي قضاءها [٣] أيضا. وكان إماما في مذهب الشافعي، عالما بالتاريخ، له نظم ونثر، ومن تصانيفه «شرح مشكل الوسيط» و «أدب القاضي» وكتاب في التاريخ والفرق الإسلامية.

стр. 3173

وقال الذهبي: له «التاريخ الكبير المظفّري» وتصانيفه تدلّ على فضله. توفي في جمادى الآخرة. وفيها التّاج بن الشّيرازي أبو المعالي أحمد بن القاضي أبي نصر محمد بن هبة الله بن محمد الدّمشقي المعدّل [١] . روى عن جدّه، والفضل ابن البانياسي، وجماعة. وتوفي في رمضان، وله إجازة من السّلفي. وفيها أبو طالب حاطب بن عبد الكريم بن أبي يعلى الحارثي [٢] . روى عن [أبي] القاسم بن عساكر، وتوفي في المحرّم عن خمس وتسعين سنة. وفيها أبو المنصور ظافر بن طاهر بن ظافر بن إسماعيل بن سحم الأزدي الإسكندراني المالكي المطرّز [٣] . روى عن السّلفي وجماعة، وتوفي في ربيع الأول. وفيها تاج الدّين بن حمّوية شيخ الشيوخ أبو محمد عبد الله، ويسمى أيضا عبد السلام بن عمر بن علي بن محمد الجويني الصّوفي [٤] ، شيخ السميساطية. ولد بدمشق سنة ست وستين، وسمع من شهدة، والحافظ أبي القاسم ابن عساكر. ودخل المغرب قبل الستمائة، فأقام هناك ست سنين، وله مجاميع وفوائد، وكان نزها، عفيفا، قليل الطمع، لا يلتفت إلى أحد من خلق الله تعالى لأجل الدنيا. وصنّف التاريخ، وهو عم أولاد شيخ الشيوخ. توفي في صفر بدمشق ودفن بمقابر الصّوفية.

стр. 3174

وفيها الرّفيع الجيلي، قاضي القضاة بدمشق أبو حامد عبد العزيز [١] . قال الإسنوي في «طبقاته» : رفيع الدّين أبو حامد عبد العزيز بن عبد الواحد بن إسماعيل الجيلي الشّافعي. كان فقيها، بارعا، مناظرا، عارفا بعلم الكلام والفلسفة وعلوم الأوائل، جيد القريحة، شرح «الإشارات» لابن سينا شرحا جيدا. وكان فقيها في مدارس دمشق. [و] كان يصحب كاتب الصالح إسماعيل، وهو أمين الدّين بن غزال الذي كان سامريا فأسلم، فلما أعطيت بعلبك للصالح إسماعيل وبنى أمين الدّين بن غزال بها المدرسة المعروفة بالأمينية. وسعى الرّفيع في قضاء بعلبك، فتولاها مع المدرسة، فلما انتقل الصّالح إلى ملك دمشق، واستوزر أمين الدّين نقل الرّفيع من بعلبك إلى قضاء دمشق بعد موت شمس الدّين ابن الخويي [٢] ، فسار القاضي المذكور سيرة فاسدة، حمله عليها قلة دينه، وفساد عقيدته من إثبات المحاضر الفاسدة، والدعاوى الباطلة، وإقامة شهود رتّبهم لذلك، وأكل الرّشا وأموال الأيتام والأوقاف وغير ذلك، ومهما حصل يأخذ الشهود بعضهم، والباقي يقسم بين القاضي والوزير. هذا، مع استعمال المسكرات، وحضور صلاة الجمعة وهو سكران، ثم إن الله تعالى كشف الغمّة بأن أوقع بين الوزير والقاضي، وأراد كل منهما هلاك الآخر ودماره، فبادر الأمير وقرّر أمره مع الصالح، فأمر ورسم له بمكة [٣] . قال أبو شامة: وفي ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وستمائة. قبض

стр. 3175

على أعوان الرّفيع الظّلمة الأرجاس، وعلى كبيرهم [١] الموفق حسين الواسطي، المعروف بابن الروّاس، وسجنوا ثم عذّبوا بالضرب والعصر والمصادرة، ومات ابن الرّواس في العقوبة في جمادى الأولى، سنة اثنتين وأربعين. قال: وفي ثاني [ذي] الحجّة أخرج الرّفيع من داره وحبس بالمقدميّة، ثم أخرج ليلا، وذهب به فسجن بمغارة من نواحي البقاع، ثم انقطع خبره، فقيل: خنق، وقيل: ألقي من شاهق في هوّة، ولم يذكر الذهبي في «العبر» غيره. وقيل: مات حتف أنفه، وتولى بعده محيي الدّين بن الزّكي بمدرسة واحدة، وفرّقت مدارسه على العلماء. وأمّا صاحبه الوزير المسمّى بالأمين، فإنه بقي إلى سنة ثمان وأربعين [وستمائة] ثم شنق بالدّيار المصرية، وأخذت حواصله فبلغت ثلاثة آلاف ألف دينار. انتهى كلام الإسنوي. وقال ابن قاضي شهبة في «تاريخ الإسلام» : كان فاسد العقيدة، دهريا، مستهزئا بأمور الشريعة، يخرج إلى الجمعة سكران، وإذا سمع بصاحب مال جهّز من يدّعي عليه بمبلغ من المال، فإذا أنكر أخرج عليه حجّة بالمبلغ، وعنده شهود زور، أعدّهم لذلك. وحمل القاضي الرّفيع إلى بعلبك على بغل بغير إكاف، ثم بعث به إلى مغارة في جبل لبنان من ناحية الساحل، وأرسل إليه شاهدا عدل ببيع أملاكه، وأوقف على رأس القلعة، فقال: دعوني حتى أصلي ركعتين، فصلّى وأطال، فرفسه داود سيّاف النقمة فوقع، فما وصل إلى الماء إلّا وقد تقطع. انتهى.

стр. 3176

وفيها الملك المغيث عمر بن الصالح أيوب [١] ، لم تحفظ عنه كلمة فحش. حبسه الملك إسماعيل وضيّق عليه السّامري، فمات غمّا وغبنا، ودفن بتربة جدّه الملك الكامل. وفيها النّفيس أبو البركات محمد بن الحسين بن عبد الله بن رواحة الأنصاري الحموي [٢] . سمع بمكة عبد المنعم الفراوي، وبالثغر من أبي الطّاهر بن عوف، وأبي طالب التّنوخي. توفي في آخر السنة عن ثمان وسبعين سنة. وفيها أبو القاسم القاسم بن محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الأنصاري القرطبي [٣] نزيل مالقة. كان حافظا، مصنّفا، إماما في العربية والقراءات. قاله ابن ناصر الدين. وفيها أبو الحسن علي [بن الأنجب] بن ما شاء الله بن الحسين بن عبد الله بن عبد الله العلوي الحسيني البغدادي المأموني الفقيه الحنبلي المقرئ ابن الجصّاص [٤] . ولد في أوائل سنة ست وستين وخمسمائة، وقرأ القراءات على ابن الباقلاني الواسطي بها. وسمع الحديث من ابن شاتيل، وشهدة، وابن كليب، وغيرهم. وتفقّه على أبي الفتح بن المنّي، وتكلّم في مسائل الخلاف، وناظر، وحدّث.

стр. 3177

وروى عنه ابن النجّار، وأجاز لسليمان بن حمزة، والقاسم بن عساكر، وغيرهما، وتوفي في جمادى الأولى. وفيها أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعيد بن مسافر بن جميل البغدادي الأزجي الحنبلي الأديب [١] . ولد في سابع ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. وسمع بإفادة والده من ابن شاتيل، وابن كليب، وغيرهما. وكان لديه فضل وأدب، وله تصانيف. وسمع منه المحبّ المقدسي، وعلي بن عبد الدائم، وتوفي في ثالث رجب ببغداد. وفيها الجمال بن المخيلي أبو الفضل يوسف بن عبد المعطي بن منصور بن نجا الغسّاني الإسكندراني المالكي [٢] . روى عن السّلفي وجماعة، وكان من أكابر بلده. توفي في جمادى الآخرة.

стр. 3178

سنة ثلاث وأربعين وستمائة بها كان الغلاء المفرط بدمشق، بيعت الغرارة بألف وستمائة درهم، وأكلت الجيف، وتوفي بها خلق كثير من الأعيان. وفيها، وجزم ابن كمال باشا أنه توفي في التي قبلها، شمس الأئمة الكردري الحنفي محمد بن عبد الغفّار بن محمد العلماوي الكردري- بفتح الكاف والدال المهملة وسكون الراء الأولى، نسبة إلى كردر ناحية بخوارزم-. قال ابن كمال باشا في «طبقاته» : كان أستاذ الأئمة على الإطلاق، والموفود إليه من الآفاق. أخذ عن شيخ الإسلام برهان الدّين علي المرغيناني صاحب «الهداية» والشيخ مجد الدّين السّمرقندي، والشيخ برهان الدّين ناصر صاحب «المغرب» [١] ، والعلّامة بدر الدّين عمر بن عبد الكريم الورسكي، والشيخ شرف الدّين أبي محمد عمر بن محمد بن عمر العقيلي، والقاضي عماد الدّين أبي العلى عمر بن محمد الزّرنجري [٢] ، والإمام الزّاهد زين الدّين الغتّابي، والشيخ نور الدّين أبي محمد أحمد بن محمود الصّابوني، والإمام فخر الدّين قاضي خان، ونسبته إلى الجدّ المنسوب إلى الكردر من عمل

стр. 3179

جرجانية خوارزم، برع في معرفة المذهب، ورفع علم أصول الفقه بعد اندراسه من زمن القاضي أبي زيد الدّبوسي، وشمس الأئمة السّرخسي، وتفقه عنه كثير من الفقهاء، ومات ببخارى يوم الجمعة تاسع المحرّم انتهى. وفيها سيف الدّين أبو العبّاس أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد ابن قدامة المقدسي الصّالحي [١] ، المحدّث الحافظ ابن ابن شيخ الإسلام موفق الدّين الحنبلي. ولد سنة خمس وستمائة بالجبل، وسمع من جدّه الكثير، ومن أبي اليمن الكندي، وأبي القاسم بن الحرستاني، وداود بن ملاعب، وطبقتهم. ورحل فسمع ببغداد من الفتح بن عبد السّلام وخلق من أصحاب ابن ناصر وغيرهم، وكتب بخطّه الكثير. قال الذهبي: كتب العالي والنازل. وجمع وصنّف، وكان ثقة، حافظا، ذكيا، متيقظا [٢] مليح الخطّ، عارفا بهذا الشأن، عاملا بالأثر، صاحب عبادة وإنابة، تامّ المروءة، أمّارا بالمعروف، قوّالا بالحقّ، ولو طال عمره لساد أهل زمانه علما وعملا. ومحاسنه جمّة، وألّف مجلدا كبيرا في الردّ على الحافظ محمد بن طاهر المقدسي بإباحته للسماع، وانتفعت كثيرا بتعاليق الحافظ سيف الدّين. انتهى. توفي في مستهل شعبان بسفح قاسيون، ودفن به، وله أيضا كتب أخر. وفيها الإمام تقي الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الفقيه الحنبلي [٣] .

стр. 3180

ولد في صفر سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وسمع بدمشق من أبي طاهر الخشوعي، وحنبل الرّصافي، وابن طبرزد، وغيرهم، ورحل في طلب الحديث، فسمع بأصبهان من أسعد بن روح، وعفيفة الفارفانية وخلق. وببغداد من سليمان بن الموصلي وغيره، وقرأ الحديث بنفسه كثيرا وإلى آخر عمره، وتفقّه على الشيخ موفق الدّين، وهو جدّه لأمه، وببغداد على الفخر إسماعيل، وبرع، وانتهت إليه مشيخة المذهب بالجبل. قال ابن الحاجب: سألت عنه الحافظ ابن عبد الواحد فقال: حصّل ما لم يحصّله غيره، وحدّث، وروى عنه سليمان بن حمزة القاضي وغيره، وتوفي في ثامن عشري ربيع الآخر، ودفن بسفح قاسيون. وفيها ابن الجوهري الحافظ أبو العبّاس أحمد بن محمود بن إبراهيم ابن نبهان الدمشقي [١] مفيد الجماعة، وله أربعون سنة. سمع من أبي المجد القزويني وخلق، ورحل إلى بغداد سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وكتب الكثير، واستنسخ، وكان ذكيا متقنا رئيسا ثقة. قاله الذّهبي. وفيها القاضي الأشرف أبو العبّاس أحمد بن القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني [٢] ثم المصري [٣] في جمادى الآخرة وله سبعون سنة. سمع من فاطمة بنت سعد الخير، والقاسم بن عساكر، وحصل له في الكهولة غرام زائد بطلب الحديث، فسمع الكثير، وكتب واستنسخ، وكان رئيسا، نبيلا، وافر الجلالة، استوزره الملك العادل، فلما مات عرضت عليه فلم يقبلها. مات بالقاهرة ودفن بتربة أبيه.

стр. 3181

وفيها معين الدّين الصّاحب الكبير أبو علي الحسن ابن شيخ الشيوخ صدر الدّين محمد بن عمر الجويني [١] في رمضان، وقد قارب الستين. ولي عدة مناصب، وتقدم عند صاحب مصر فأمّره على جيشه الذين حاصروا دمشق، فأخذها وولّى وعزل، وعمل نيابة السلطنة، فبغته الأجل بعد أربعة أشهر ووجد ما عمل. وفيها ربيعة خاتون الصّاحبة أخت صلاح الدّين والعادل [٢] وقد نيّفت على الثمانين، ودفنت بمدرستها بالجبل، وتوفيت في شعبان. وفيها أبو الرجاء سالم بن عبد الرزاق بن يحيى المقدسي [٣] ، خطيب عقربا [٤] . روى عن أبي المعالي بن صابر وجماعة، وعاش أربعا وسبعين سنة. وفيها الشّرف أبو محمد وأبو بكر، عبد الله بن الشيخ أبي عمر، محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الأصل الصّالحي الحنبلي الخطيب [٥] . ولد في أواخر رمضان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بدمشق، وسمع بها من يحيى الثقفي وغيره، وببغداد من أبي الفرج بن الجوزي، وابن

стр. 3182

المعطوش [١] ، وابن سكينة، وطبقتهم. وبمصر من البوصيري، والأرتاحي، وغيرهما. وتفقّه على والده وعمّه، وخطب بجامع الجبل مدة، وكان شيخا حسنا يشار إليه بالعلم والدّين، والورع والزهد، وحسن الطريقة وقلّة الكلام. قال الحافظ الضياء: كان فقيها، فاضلا، ديّنا، ثقة وكتب عنه مع تقدمه. توفي ليلة الثاني والعشرين من جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون. وفيها أبو منصور عبد الله بن محمد بن أبي محمد بن الوليد البغدادي الحريمي الحافظ المحدّث الحنبلي [٢] ، أحد من عني بهذا الشأن [٣] . سمع الكثير ببغداد من خلق، منهم: ابن الأخضر، وبحرّان من الرهاوي الحافظ وغيره، وبحلب من جماعة، وبدمشق من أبي اليمن الكندي وجماعة. قال ابن نقطة: سمع بالشام وبلاد الجزيرة، وقرأ الكثير. قال لي أبو بكر تميم بن البندنيجي وغيره: إن اسمه الذي تسمّى به جزيرة تصغير جزرة- بالجيم والزاي-. وقال الشريف أبو العبّاس الحسيني: كان حافظا، مفيدا، سمع الناس الكثير بقراءته، وكان مشهورا بسرعة القراءة وجودتها، وجمع وحدّث. وقال ابن رجب: له تخاريج كثيرة [٤] ، وفوائد وأجزاء. ورسائل [٥] إلى السّامري صاحب «المستوعب» ينكر عليه فيها تأويله [٦] لبعض الصفات.

стр. 3183

وذكر ابن السّاعي وغيره، أن المستنصر بالله لما بنى مدرسته المعروفة، رتّب بدار الحديث بها شيخين يشتغلان [١] بعلم الحديث، أحدهما: أبو منصور هذا، والثاني ابن النجار الشافعي صاحب «التاريخ» . توفي ببغداد في ثالث جمادى الأولى ودفن خلف بشر الحافي. وفيها أبو سليمان عبد الرحمن بن الحافظ أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي [٢] الحنبلي، الفقيه الزاهد. ولد سنة ثلاث أو أربع وثمانين وخمسمائة في شوال، وسمع بدمشق من الخشوعي وغيره، وبمصر من البوصيري وغيره. وببغداد من ابن الجوزي وطبقته. وتفقّه على الشيخ الموفق حتّى برع، وكان يؤم معه في جامع بني أميّة بمحراب الحنابلة. وأفتى ودرّس، وكان إماما، عالما، فاضلا، ورعا، حسن السمت، دائم البشر، كريم النّفس، مشتغلا بنفسه وبإلقاء الدّروس المفيدة. قال أبو شامة: كان من أئمة الحنابلة، ومن الصالحين، وحدّث، وروى عنه ابن النجار. وتوفي في تاسع عشري صفر، ودفن بسفح قاسيون. وفيها الحافظ المكثر سراج الدّين أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن بركات بن شحانة الحرّاني الحنبلي [٣] . أحد من عني بعلم الحديث. سمع بحرّان من الرهاوي، وبدمشق من ابن الحرستاني، وابن ملاعب، وغيرهما.

стр. 3184

وبحلب من الافتخار الهاشمي. وبالموصل من مسمار بن العويس. وبمصر من أصحاب السّلفي وغيره. وببغداد من الأرموي وغيره. وكتب بخطّه الكثير. قال ابن نقطة: هو شاب ثقة [حسن المذاكرة] . وقال غيره: كان ممن له الرحلة الواسعة في الطلب. سمع من الجمّ الغفير، وسكن آخر عمره بميّافارقين، وبها مات. وصار صاحب ثروة بعد الفقر. وكانت له بنت عمياء تحفظ كثيرا، إذا سئلت عن باب من العلم من الكتب الستة ذكرت أكثره، وكانت في ذلك أعجوبة، لم تبلغ أوان الرواية [١] ، وتوفي والدها في جمادى الآخرة. وشحانة: بضم الشين المعجمة، وفتح الحاء المهملة الخفيفة، وبعد الألف نون. وفيها أسعد الدّين أبو القاسم عبد الرحمن بن مقرّب بن عبد الكريم الحافظ التّجيبي الكندي الإسكندراني [٢] ، المنعوت بالجلال العدل، تلميذ ابن المفضّل. روى عن البوصيري، وابن موقا، وعني بالحديث، وكتب وخرّج وتوفي في صفر. وفيها عبد المحسن بن حمّود الصدر العلّامة أمين الدّين التّنوخي الحلبي [٣] ، الكاتب المنشئ. روى عن حنبل وطبقته، وله «ديوان» ترسّل

стр. 3185

و «ديوان» شعر، وكتب لجماعة من الملوك. وصنّف «مفتاح الأفراح [١] في امتداح الرّاح» وغير ذلك من المجاميع الأدبية. توفي في رجب وله ثلاث وسبعون سنة. وفيها الصّاحب الوزير، فلك الدّين عبد الرحمن بن هبة الله المسيري [٢] الوزير المصري، وزير الملك العادل. كانت الملوك تقبّل يديه إذا رأوه ركب في الموكب مع الملك الكامل، فلما وصل إلى باب السرّ أراد أن ينزل على العادة، فرسم له أن لا ينزل، فدخل قدّام الكامل إلى القلعة راكبا، فلما نزلا قال للكامل: ما بقيت أخشى بعدها أي موتة أموت، فضحك الكامل. وكان له مملوك حسن يقال له: أزبك، فائق الجمال، فعمل فيه العزّ القليوبي دوبيت: البدر بدا من صدغه في حلك ... والعقل غدا من حسنه في شرك تحت الفلك الخلق كثير لكن ... ما مثلك يا أزبك فوق الفلك وفيها تقي الدّين بن الصّلاح الحافظ، شيخ الإسلام أبو عمرو عثمان ابن عبد الرحمن بن موسى الكردي الشّهرزوري الموصلي الشافعي [٣] . ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وسمع من عبيد الله بن السّمين، ومنصور الفراوي، وطبقتهما. وتفقّه، وبرع في المذهب وأصوله، وفي الحديث وعلومه. وصنّف التصانيف، مع الثقة، والدّيانة، والجلالة. قال ابن خلّكان: كان أحد فضلاء عصره في التفسير، والحديث،

стр. 3186

والفقه، وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث واللغة. وإذا أطلق الشيخ في علماء الحديث فالمراد به هو، وإلى ذلك أشار العراقي صاحب «الألفية» بقوله فيها [١] : وكلّما أطلقت لفظ الشّيخ ما ... أريد إلّا ابن الصّلاح مبهما وكانت فتاويه مسددة، وكان شيخي [٢] أحد أشياخي الذين انتفعت بهم. قرأ الفقه أولا على والده الصلاح، ثم نقله والده إلى الموصل واشتغل بها مدة، ثم تولى الإعادة عند ابن يونس بالموصل، ثم سافر إلى خراسان وأقام بها زمانا، وحصّل علم الحديث هناك، ثم رجع إلى الشام. وتولى المدرسة الناصرية [٣] بالقدس الشريف، المنسوبة إلى الملك الناصر صلاح الدّين يوسف بن أيوب، وأقام بها مدة. واشتغل الناس عليه وانتفعوا به، ثم انتقل إلى دمشق، وتولى تدريس المدرسة الرواحية التي أنشأها الزّكي ابن رواحة الحموي. ولما بنى الأشرف دار الحديث بدمشق، فوّض تدريسها إليه، وتولى تدريس مدرسة ستّ الشام التي قبل المارستان النّوري، وكان يقوم بوظائف الجهات الثلاث، من غير إخلال بشيء منها. وكان من العلم والدّين على قدم عظيم، ولم يزل أمره جاريا على السّداد، والصلاح، والاجتهاد في الاشتغال إلى أن توفي يوم الأربعاء وقت الصبح، وصلّي عليه بعد الظهر، وهو الخامس والعشرون من ربيع الآخر بدمشق، ودفن بمقابر الصّوفية. انتهى ملخصا. وقال ابن قاضي شهبة: ومن تصانيفه «مشكل الوسيط» في مجلد كبير.

стр. 3187

وكتاب «الفتاوى» و «علوم الحديث» [١] وكتاب «أدب المفتي والمستفتي» [٢] ونكت على «المهذّب» و «فوائد الرحلة» وهي أجزاء كثيرة. و «طبقات الشافعية» واختصره النّووي [٣] واستدرك عليه، وأهملا خلائق من المشهورين، وإنهما كانا يتّبعان التراجم الغريبة. انتهى ملخصا أيضا. وفيها السخاوي علم الدّين العلّامة أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصّمد بن عبد الأحد الهمداني، المقرئ النحوي الشافعي [٤] . ولد قبل الستين وخمسمائة، وسمع من السّلفي وجماعة، وقرأ القراءات على الشّاطبي وغيره حتى فاق أهل زمانه في القراءات، وانتهت إليه رئاسة الإقراء والأدب بدمشق، وقرأ عليه خلق لا يحصيهم إلا الله. قال الذهبي: ما علمت أحدا في الإسلام حمل عنه القراءات أكثر مما حمل عنه. وله تصانيف سائرة متقنة. وقال ابن قاضي شهبة: ازدحم عليه الطلبة وقصدوه من البلاد وتنافسوا في الأخذ عنه، وكان ديّنا، خيّرا، متواضعا، مطّرحا للتكلف، حلو المحاضرة، مطبوع النّادرة، حادّ القريحة، من أذكياء بني آدم، وكان وافر الحرمة، كبير القدر، محبّبا إلى الناس، ليس له شغل إلّا العلم والإفادة.

стр. 3188

توفي في جمادى الآخرة، ودفن بقاسيون. ومن تصانيفه «التفسير» إلى الكهف في أربع مجلدات، و «شرح الشاطبية» في مجلدين، و «شرح الرائية» في مجلد، وكتاب «جمال القراء وتاج الإقراء» و «شرح المفصل» للزّمخشري في أربع مجلدات، وغير ذلك. وقال ابن خلّكان: رأيته مرارا راكبا بهيمة وهو يصعد إلى جبل الصالحية وحوله اثنان أو ثلاثة، وكل واحد يقرأ ميعاده في غير موضع الآخر، والكلّ في دفعة واحدة، وهو يردّ على الجميع. [ولم يزل] مواظبا على وظيفته. ولما حضرته الوفاة أنشد لنفسه: قالوا غدا تأتي ديار الحمى ... وينزل الرّكب بمغناهم فكلّ من كان مطيعا لهم ... أصبح مسرورا بلقياهم قلت: فلي ذنب فما حيلتي ... بأيّ وجه أتلقّاهم قالوا: أليس العفو من شأنهم ... لا سيما عمّن ترجّاهم ثم ظفرت بتاريخ مولده سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بسخاو [١]- بفتح السين المهملة والخاء المعجمة وبعدها ألف ثم واو- هذه النسبة إلى سخاو [١] بليدة من أعمال مصر، وقياسه سخوي، ولكن الناس أطبقوا على النسبة الأولى. انتهى. وفيها أبو الحسن بن المقيّر، مسند الدّيار المصرية، علي بن أبي عبد الله الحسين بن علي بن منصور البغدادي الحنبلي النجّار [٢] .

стр. 3189

ولد سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وسمع من شهدة، ومعمر بن الفاخر، وجماعة. وأجاز له ابن ناصر، وأبو بكر ابن الزّاغوني، وطائفة. وكان صاحب تلاوة وذكر وأوراد. توفي في نصف ذي القعدة بالقاهرة. قاله في «العبر» . وفيها ضياء الدّين أبو إبراهيم محاسن بن عبد الملك بن علي بن نجا التنوخي الحموي ثم الصّالحي [١] ، الفقيه الحنبلي. سمع بدمشق من الخشوعي، وتفقّه على الشيخ موفق الدّين حتّى برع، وكان عارفا بالمذاهب، قليل التعصب، زاهدا، ما نافس في منصب قطّ ولا دنيا، ولا أكل من وقف، بل كان يتقوت من شكارة تزرع له بحوران. وما آذى مسلما قطّ، ولا دخل حمّاما، ولا تنعّم في ملبس ولا مأكل، ولا زاد على ثوب وعمامة في طول عمره. وكان على خير كثير، قلّ من يماثله في عبادته واجتهاده وسلوك طريقته، ﵀. قرأ عليه جماعة وحدّث. وتوفي في ليلة الرابع من جمادى الآخرة بجبل قاسيون وبه دفن، وممن قرأ عليه صاحب «المبهم» عبد الله بن أبي بكر الحربي كتيلة [٢] ، وقال: ذكر لي أن من يحرّك أصبعه المسبّحة في تشهده، كان ذلك عبثا يبطل صلاته [٣] . قال: وقول من قال من أصحابنا: يشير بها مرارا، يعني عند الشهادتين فقط. وفيها الحافظ الكبير ضياء الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد ابن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السّعدي المقدسي

стр. 3190

الصّالحي الحنبلي [١] ، محدّث عصره ووحيد دهره، شهرته تغني عن الإطناب في ذكره والإسهاب في أمره. ولد في [٢] خامس جمادى الآخرة سنة تسع وستين وخمسمائة. وسمع بدمشق من أبي المجد البانياسي، وأحمد بن الموازيني وغيرهما. وبمصر من البوصيري، وفاطمة بنت سعد الخير، وجماعة. وببغداد الكثير من ابن الجوزي، وابن المعطوش [٣] وابن سكينة، وابن الأخضر، وهذه الطبقة. وبأصبهان من أبي جعفر الصيدلاني وطبقته، وبهمذان من عبد الباقي بن عثمان. وبنيسابور من المؤيد الطّوسي وطبقته، وبهراة من أبي روح، وبمرو من أبي المظفّر بن السمعاني، ورحل مرتين إلى أصبهان. وسمع بها ما لا يوصف كثرة. وكتب بخطّه الكثير من الكتب الكبار وغيرها. قال ابن رجب: يقال: إنه كتب عن أزيد من خمسمائة شيخ، وحصّل أصولا كثيرة، وأقام بهراة، ومرو مدة، وله إجازة من السّلفي، وشهدة. وقال ابن النجار: كتبت عنه ببغداد، ونيسابور، ودمشق، وهو حافظ، متقن، ثبت، ثقة، صدوق، نبيل، حجّة، عالم بالحديث وأحوال الرجال. وله مجموعات وتخريجات، وهو ورع، تقيّ، زاهد، عابد، محتاط في أكل الحلال، مجاهد في سبيل الله، ولعمري ما رأت عيناي مثله في نزاهته، وعفّته، وحسن سيرته وطريقته في طلب العلم. وقال عمر بن الحاجب: شيخنا أبو عبد الله، شيخ وقته، ونسيج وحده، علما، وحفظا، وثقة، ودينا، من العلماء الربّانيين، وهو أكبر من أن يدلّ عليه
следующие страницы →