← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

والفقه، وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث واللغة. وإذا أطلق الشيخ في علماء الحديث فالمراد به هو، وإلى ذلك أشار العراقي صاحب «الألفية» بقوله فيها [١] : وكلّما أطلقت لفظ الشّيخ ما ... أريد إلّا ابن الصّلاح مبهما وكانت فتاويه مسددة، وكان شيخي [٢] أحد أشياخي الذين انتفعت بهم. قرأ الفقه أولا على والده الصلاح، ثم نقله والده إلى الموصل واشتغل بها مدة، ثم تولى الإعادة عند ابن يونس بالموصل، ثم سافر إلى خراسان وأقام بها زمانا، وحصّل علم الحديث هناك، ثم رجع إلى الشام. وتولى المدرسة الناصرية [٣] بالقدس الشريف، المنسوبة إلى الملك الناصر صلاح الدّين يوسف بن أيوب، وأقام بها مدة. واشتغل الناس عليه وانتفعوا به، ثم انتقل إلى دمشق، وتولى تدريس المدرسة الرواحية التي أنشأها الزّكي ابن رواحة الحموي. ولما بنى الأشرف دار الحديث بدمشق، فوّض تدريسها إليه، وتولى تدريس مدرسة ستّ الشام التي قبل المارستان النّوري، وكان يقوم بوظائف الجهات الثلاث، من غير إخلال بشيء منها. وكان من العلم والدّين على قدم عظيم، ولم يزل أمره جاريا على السّداد، والصلاح، والاجتهاد في الاشتغال إلى أن توفي يوم الأربعاء وقت الصبح، وصلّي عليه بعد الظهر، وهو الخامس والعشرون من ربيع الآخر بدمشق، ودفن بمقابر الصّوفية. انتهى ملخصا. وقال ابن قاضي شهبة: ومن تصانيفه «مشكل الوسيط» في مجلد كبير.

стр. 3187

وكتاب «الفتاوى» و «علوم الحديث» [١] وكتاب «أدب المفتي والمستفتي» [٢] ونكت على «المهذّب» و «فوائد الرحلة» وهي أجزاء كثيرة. و «طبقات الشافعية» واختصره النّووي [٣] واستدرك عليه، وأهملا خلائق من المشهورين، وإنهما كانا يتّبعان التراجم الغريبة. انتهى ملخصا أيضا. وفيها السخاوي علم الدّين العلّامة أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصّمد بن عبد الأحد الهمداني، المقرئ النحوي الشافعي [٤] . ولد قبل الستين وخمسمائة، وسمع من السّلفي وجماعة، وقرأ القراءات على الشّاطبي وغيره حتى فاق أهل زمانه في القراءات، وانتهت إليه رئاسة الإقراء والأدب بدمشق، وقرأ عليه خلق لا يحصيهم إلا الله. قال الذهبي: ما علمت أحدا في الإسلام حمل عنه القراءات أكثر مما حمل عنه. وله تصانيف سائرة متقنة. وقال ابن قاضي شهبة: ازدحم عليه الطلبة وقصدوه من البلاد وتنافسوا في الأخذ عنه، وكان ديّنا، خيّرا، متواضعا، مطّرحا للتكلف، حلو المحاضرة، مطبوع النّادرة، حادّ القريحة، من أذكياء بني آدم، وكان وافر الحرمة، كبير القدر، محبّبا إلى الناس، ليس له شغل إلّا العلم والإفادة.

стр. 3188

توفي في جمادى الآخرة، ودفن بقاسيون. ومن تصانيفه «التفسير» إلى الكهف في أربع مجلدات، و «شرح الشاطبية» في مجلدين، و «شرح الرائية» في مجلد، وكتاب «جمال القراء وتاج الإقراء» و «شرح المفصل» للزّمخشري في أربع مجلدات، وغير ذلك. وقال ابن خلّكان: رأيته مرارا راكبا بهيمة وهو يصعد إلى جبل الصالحية وحوله اثنان أو ثلاثة، وكل واحد يقرأ ميعاده في غير موضع الآخر، والكلّ في دفعة واحدة، وهو يردّ على الجميع. [ولم يزل] مواظبا على وظيفته. ولما حضرته الوفاة أنشد لنفسه: قالوا غدا تأتي ديار الحمى ... وينزل الرّكب بمغناهم فكلّ من كان مطيعا لهم ... أصبح مسرورا بلقياهم قلت: فلي ذنب فما حيلتي ... بأيّ وجه أتلقّاهم قالوا: أليس العفو من شأنهم ... لا سيما عمّن ترجّاهم ثم ظفرت بتاريخ مولده سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بسخاو [١]- بفتح السين المهملة والخاء المعجمة وبعدها ألف ثم واو- هذه النسبة إلى سخاو [١] بليدة من أعمال مصر، وقياسه سخوي، ولكن الناس أطبقوا على النسبة الأولى. انتهى. وفيها أبو الحسن بن المقيّر، مسند الدّيار المصرية، علي بن أبي عبد الله الحسين بن علي بن منصور البغدادي الحنبلي النجّار [٢] .

стр. 3189

ولد سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وسمع من شهدة، ومعمر بن الفاخر، وجماعة. وأجاز له ابن ناصر، وأبو بكر ابن الزّاغوني، وطائفة. وكان صاحب تلاوة وذكر وأوراد. توفي في نصف ذي القعدة بالقاهرة. قاله في «العبر» . وفيها ضياء الدّين أبو إبراهيم محاسن بن عبد الملك بن علي بن نجا التنوخي الحموي ثم الصّالحي [١] ، الفقيه الحنبلي. سمع بدمشق من الخشوعي، وتفقّه على الشيخ موفق الدّين حتّى برع، وكان عارفا بالمذاهب، قليل التعصب، زاهدا، ما نافس في منصب قطّ ولا دنيا، ولا أكل من وقف، بل كان يتقوت من شكارة تزرع له بحوران. وما آذى مسلما قطّ، ولا دخل حمّاما، ولا تنعّم في ملبس ولا مأكل، ولا زاد على ثوب وعمامة في طول عمره. وكان على خير كثير، قلّ من يماثله في عبادته واجتهاده وسلوك طريقته، ﵀. قرأ عليه جماعة وحدّث. وتوفي في ليلة الرابع من جمادى الآخرة بجبل قاسيون وبه دفن، وممن قرأ عليه صاحب «المبهم» عبد الله بن أبي بكر الحربي كتيلة [٢] ، وقال: ذكر لي أن من يحرّك أصبعه المسبّحة في تشهده، كان ذلك عبثا يبطل صلاته [٣] . قال: وقول من قال من أصحابنا: يشير بها مرارا، يعني عند الشهادتين فقط. وفيها الحافظ الكبير ضياء الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد ابن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السّعدي المقدسي

стр. 3190

الصّالحي الحنبلي [١] ، محدّث عصره ووحيد دهره، شهرته تغني عن الإطناب في ذكره والإسهاب في أمره. ولد في [٢] خامس جمادى الآخرة سنة تسع وستين وخمسمائة. وسمع بدمشق من أبي المجد البانياسي، وأحمد بن الموازيني وغيرهما. وبمصر من البوصيري، وفاطمة بنت سعد الخير، وجماعة. وببغداد الكثير من ابن الجوزي، وابن المعطوش [٣] وابن سكينة، وابن الأخضر، وهذه الطبقة. وبأصبهان من أبي جعفر الصيدلاني وطبقته، وبهمذان من عبد الباقي بن عثمان. وبنيسابور من المؤيد الطّوسي وطبقته، وبهراة من أبي روح، وبمرو من أبي المظفّر بن السمعاني، ورحل مرتين إلى أصبهان. وسمع بها ما لا يوصف كثرة. وكتب بخطّه الكثير من الكتب الكبار وغيرها. قال ابن رجب: يقال: إنه كتب عن أزيد من خمسمائة شيخ، وحصّل أصولا كثيرة، وأقام بهراة، ومرو مدة، وله إجازة من السّلفي، وشهدة. وقال ابن النجار: كتبت عنه ببغداد، ونيسابور، ودمشق، وهو حافظ، متقن، ثبت، ثقة، صدوق، نبيل، حجّة، عالم بالحديث وأحوال الرجال. وله مجموعات وتخريجات، وهو ورع، تقيّ، زاهد، عابد، محتاط في أكل الحلال، مجاهد في سبيل الله، ولعمري ما رأت عيناي مثله في نزاهته، وعفّته، وحسن سيرته وطريقته في طلب العلم. وقال عمر بن الحاجب: شيخنا أبو عبد الله، شيخ وقته، ونسيج وحده، علما، وحفظا، وثقة، ودينا، من العلماء الربّانيين، وهو أكبر من أن يدلّ عليه

стр. 3191

مثلي. كان شديد التحري في الرواية، مجتهدا في العبادة، كثير الذكر، منقطعا عن الناس، متواضعا في ذات الله، رأيت جماعة من المحدّثين ذكروه فأطنبوا في حقّه، ومدحوه بالحفظ والزهد، سألت البرزالي عنه فقال: ثقة جبل حافظ ديّن. وقال الشريف أبو العبّاس الحسيني: حدّث بالكثير مدة، وخرّج تخاريج كثيرة مفيدة، وصنّف تصانيف حسنة. وكان أحد أئمة هذا الشأن، عارفا بالرّجال وأحوالهم، والحديث صحيحه وسقيمه، ورعا، متدينا، طارحا للتكلف. وقال الذهبي: بنى مدرسة على باب الجامع المظفّري بسفح قاسيون، وأعانه عليها بعض أهل الخير، ووقف عليها كتبه وأجزاءه. وقال غيره: بناها للمحدّثين والغرباء الواردين، مع الفقر والقلة، وكان يبني منها جانبا ويصبر إلى أن يجتمع عنده ما يبني به، ويعمل فيها بنفسه، ولم يقبل من أحد فيها شيئا تورعا. وكان ملازما لجبل الصالحية قبل أن يدخل البلد، أو يحدّث به، ومناقبه أكثر من أن تحصر. وقال الذهبي أيضا- نقلا عن الحافظ المزّي- أنه كان يقول: الضياء أعلم بالحديث والرجال من الحافظ عبد الغني، ولم يكن في وقته مثله. وقال الذهبي أيضا: الإمام، العالم، الحافظ، الحجّة، محدّث الشام، شيخ السّنّة، ضياء الدّين، صنّف، وصحّح، وليّن، وجرّح، وعدّل. وكان المرجوع إليه في هذا الشأن. وقال ابن رجب أيضا: من مصنفاته «الأحاديث المختارة» [١] خرّجها من

стр. 3192

مسموعاته. كتب منها تسعين جزءا ولم تكمل، كتاب «فضائل الأعمال» أربعة أجزاء [١] ، كتاب «فضائل الشام» ثلاثة أجزاء [٢] ، «مناقب أصحاب الحديث» أربعة أجزاء، «صفة الجنة» ثلاثة أجزاء، «صفة النّار» جزءان، «أفراد الصحيح» جزء و «غرائبه» تسعة أجزاء، «ذم المسكر» جزء، «الموبقات» أجزاء كثيرة، «كلام الأموات» جزء، «شفاء العليل» جزء، «الهجرة إلى أرض الحبشة» جزء، «قصة موسى ﵇» جزء، «فضائل القراءة» جزء، «الرّواة عن البخاري» جزء، كتاب «دلائل النبوة» ، «الإلهيات» ثلاثة أجزاء، «الحكايات المستطرفة» [٣] أجزاء كثيرة، كتاب «سبب هجرة المقادسة إلى دمشق وكرامات مشايخهم» نحو عشرة أجزاء، وأفرد لأكابرهم من العلماء لكل واحد سيرة في أجزاء كثيرة، «الطب والرقيات» أجزاء [٤] وغير ذلك. وممن روى عنه ابن نقطة، وابن النجار، والبرزالي، وعمر بن الحاجب، وابن أخيه الفخر البخاري، وخلق كثير.

стр. 3193

توفي يوم الاثنين ثامن عشري جمادى الآخرة بسفح قاسيون، ودفن به، رحمه الله تعالى. وفيها العزّ النسّابة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن ابن عساكر الدمشقي الشافعي [١] . قال الذهبي: صدر كبير محتشم، سمع من عمّ والده الحافظ [٢] ، ومن أبي الفهم بن أبي العجائز، وطائفة. وتوفي في جمادى الأولى. انتهى. وفيها التّاج أبو الحسن محمد بن أبي جعفر أحمد بن علي القرطبي [٣] إمام الكلّاسة وابن إمامها. ولد بدمشق في أول سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وسمع من عبد المنعم الفراوي بمكّة. ومن يحيى الثّقفي، والفضل البانياسي بدمشق. وطلب، وتعب، ونسخ الكثير. وكان حافظا ذا دين ووقار. قال ابن ناصر الدّين [٤] : كان حافظا مشهورا وإماما مكثرا مذكورا. توفي في جمادى الأولى. وفيها ابن الخازن أبو بكر محمد بن سعيد بن الموفق النيسابوري ثم البغدادي [٥] ، أحد مشايخ الصّوفية الأكابر.

стр. 3194

ولد في صفر سنة ست وخمسين وخمسمائة، وسمع من أبي زرعة المقدسي، وأحمد بن المقرّب، وجماعة، وتوفي في السابع والعشرين من ذي الحجّة. وفيها ابن النجّار الحافظ الكبير محبّ الدّين أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن البغدادي [١] صاحب «تاريخ بغداد» [٢] . ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وسمع من ذاكر بن كامل، وابن بوش، وابن كليب. ورحل إلى أصبهان، وخراسان، والشام، ومصر، وكتب ما لا يوصف. وكان ثقة متقنا، واسع الحفظ، تامّ المعرفة بالفنّ. قاله في «العبر» . وقال ابن قاضي شهبة في «طبقات الشافعية» : كان شافعي المذهب وأول سماعه وهو ابن عشر سنين، وطلب بنفسه وهو ابن خمس عشرة، وسمع الكثير، وقرأ بالسبع على أبي أحمد بن سكينة، ورحل رحلة عظيمة إلى الشام، ومصر، والحجاز، وأصبهان، وحرّان، ومرو، وهراة، ونيسابور. واستمر في الرحلة سبعا وعشرين سنة. وكتب عمّن دبّ ودرج، وعمّن نزل وعرج. وعني بهذا الشأن عناية بالغة، وكتب الكثير وحصّل وجمع. قال الذهبي: كان إماما، ثقة، حجّة، مقرئا، مجوّدا، كيسا، متواضعا، ظريفا، صالحا، خيّرا، متنسكا، أثنى عليه ابن نقطة، والدّبيثي، والضياء المقدسي، وهم من صغار شيوخه من حيث السند. وقال ابن الساعي: كان ثقة من محاسن الدّنيا [٣] ، ووقف كتبه بالنظامية،

стр. 3195

مات ببغداد في خامس شعبان ودفن بمقابر الشهداء بباب حرب. ومن تصانيفه كتاب «القمر المنير في المسند الكبير» و «ذكر كل صحابي وما له من الحديث» وكتاب «كنز الأنام في السّنن والأحكام» وكتاب «جنّة النّاظرين في معرفة التابعين» وكتاب «الكمال في معرفة الرجال» و «ذيل على تاريخ بغداد» للخطيب في ستة عشر مجلدا، وكتاب «المستدرك على تاريخ الخطيب» في عشر مجلدات، وكتاب في «المتفق والمفترق» على منهاج كتاب الخطيب، وكتاب في «المؤتلف والمختلف» ذيّل به على ابن ماكولا، وكتاب «المعجم» له اشتمل على نحو من ثلاثة آلاف شيخ، وكتاب «العقد الفائق في عيون أخبار الدّنيا ومحاسن الخلائق» ، وكتاب «الدّرّة الثمينة في أخبار المدينة» وكتاب «نزهة الورى في أخبار أم القرى» وكتاب «روضة الأولياء في مسجد إيلياء» وكتاب «مناقب الشافعي» وكتاب «غرر الفوائد» [١] في ست مجلدات، وغير ذلك. انتهى كلام ابن شهبة. وفيها المنتجب [٢] بن أبي العزّ بن رشيد أبو يوسف الهمذاني المقرئ [٣] ، نزيل دمشق. قرأ القراءات على أبي الجود وغيره، وصنّف شرحا كبيرا ل «الشاطبية» وشرحا ل «مفصّل» الزمخشري، وتصدر للإقراء. توفي في ربيع الأول. وفيها أبو غالب منصور بن أبي الفتح أحمد بن محمد بن محمد المراتبي الخلّال ابن المعوّج [٤] .

стр. 3196

ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وسمع محمد بن إسحاق الصّابي، وأبا طالب بن حضير، وغيرهما. وتوفي في جمادى الآخرة. وفيها تاج الدّين أبو القاسم نصر بن أبي السعود بن مظفّر بن الخضر ابن بطّة اليعقوبي [١] الضرير، الفقيه الحنبلي من أهل يعقوبا، وفي كثير من طباق السماع ينسب إلى عكبرا، وفي بعض الطباق بسبط ابن بطّة، وهذا يدلّ على أنه من ولد بعض بنات أبي عبد الله بن بطّة. دخل بغداد في صباه، فقرأ على ابن زريق القزّاز، وابن شاتيل، وابن كليب، وغيرهم. وتفقه في المذهب على ابن الجوزي وغيره، وبرع وأفتى وناظر، وأخذ عنه ابن النجار ولم يذكره في «تاريخه» . وأجاز لعبد الصّمد بن أبي الجيش وغيره، ولأحمد الحجّار. وتوفي ليلة الثاني والعشرين من جمادى الآخرة ببغداد ودفن بباب حرب. وفيها عماد الدّين أبو بكر يحيى بن علي بن علي بن عنان الغنوي البغدادي الفقيه الحنبلي الفرضي، المعروف بابن البقّال [٢] . ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة تقريبا، وطلب العلم في صباه، وسمع الكثير من أبي الفتح بن شاتيل، وأبي الفرج بن كليب، وابن الجوزي، وغيرهم. وتفقه في المذهب، وقرأ الفرائض والحساب، وتصرف في الأعمال السلطانية، وكان صدوقا، حسن السيرة، وروى عنه جماعة، منهم عبد الصمد بن أبي الجيش، وتوفي يوم الأحمد سلخ رمضان ببغداد، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب. قاله ابن رجب. وفيها الموفق يعيش بن علي بن يعيش الأسدي الحلبي [٣] .

стр. 3197

ولد سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وسمع بالموصل من أبي الفضل الطّوسي. وبحلب من أبي سعد بن أبي عصرون، وطائفة. وانتهى إليه معرفة العربية ببلده، وتخرّج به خلق كثير. توفي في الخامس والعشرين من جمادى الأولى. قاله في «العبر» . وقال ابن خلّكان: كان فاضلا، ماهرا في النحو والتصريف، ويعرف بابن الصائغ. رحل في صدر عمره من حلب قاصدا بغداد ليدرك أبا البركات عبد الرحمن المعروف بابن الأنباري، فلما وصل إلى الموصل بلغه خبر وفاته، فأقام بها مديدة، وسمع الحديث بها، ولما عزم على التصدّر للإقراء سافر إلى دمشق واجتمع بالشيخ تاج الدّين الكندي الإمام المشهور، وسأله عن مواضع مشكلة في العربية، ثم رجع فتصدّر، وكان حسن التفهيم، لطيف الكلام، طويل الرّوح على المبتدئ، والمنتهي، خفيف الرّوح، لطيف الشمائل، كثير المجون، مع سكينة ووقار. له نوادر كثيرة. انتهى ملخصا .

стр. 3198

سنة أربع وأربعين وستمائة فيها توفي الملك المنصور إبراهيم بن المجاهد أسد الدّين شيركوه ابن محمد بن شيركوه [١] ، صاحب حمص وابن صاحبها، وأحد الموصوفين بالشجاعة والإقدام. مرض بدمشق ببستان الملك الأشرف بالنّيرب، ومات في حادي عشر صفر وحمل تابوته إلى حمص فدفن عند أبيه، وكان عازما على أخذ دمشق ففجأه الموت، وقام بعده بحمص ولده الملك الأشرف موسى. وفيها أبو العبّاس عز الدّين أحمد بن علي بن معقل المهلّبي الحمصي [٢] العلّامة اللّغوي، الذي نظم «الإيضاح» و «التكملة» . عاش سبعا وسبعين سنة، وتوفي في ربيع الأول، وأخذ عن الكندي، وأبي البقاء، وبرع في لسان العرب. وكان صدرا محترما غاليا في التشيع، ومن شعره: أما والعيون النّجل حلفة صادق ... لقد بيّض التفريق بيض المفارق وفيها تاج العارفين شمس الدّين الحسن بن عدي [٣] بن أبي البركات ابن صخر بن مسافر [٤] ، حفيد أبي البركات أخي الشيخ عدي شيخ العدويّة الأكراد، له تصانيف في التصوف وشعر كثير وأتباع يتغالون فيه إلى الغاية.

стр. 3199

قال الذهبي: وبينه وبين الشيخ عدي من الفرق كما بين القدم والفرق، وبلغ من تعظيم العدوية الأكراد له ما حدّثني الحسن بن أحمد الإربلي قال: قدم واعظ على هذا الشيخ حسن فوعظه فرقّ قلبه وبكى، وغشي عليه، فوثب الأكراد على الواعظ فذبحوه، فلما أفاق الشيخ رآه يخبط في دمه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: وإلا أيش هو [١] هذا الكلب حتى يبكي سيدنا الشيخ، فسكت حفظا لحرمة نفسه. احتال عليه بدر الدّين لؤلؤ صاحب الموصل حتى حضر إليه، فحبسه وخنقه بوتر خوفا من الأكراد على بلاده أن يأمرهم بأمر فيخرّبون بلاد الموصل. وختم الذهبي ترجمته بأن قال [٢] : أمرد وقحبة وقهوة ... طريق أرباب الهوى هذي طريق الجنّة ... فأين طريق النّار وفيها إسماعيل بن علي الكوراني [٣] الزاهد. كان عابدا، قانتا، صادقا، أمّارا بالمعروف، نهّاء عن المنكر، ذا غلظة على الملوك ونصيحة لهم. روى عن أحمد بن محمد الطرسوسي الحلبي، وتوفي بدمشق في شعبان. وفيها أبو المظفّر عبد المنعم بن محمد بن محمد بن أبي المضاء البعلبكي ثم الدمشقي [٤] . حدّث بحماة عن أبي القاسم بن عساكر، وتوفي في ذي الحجّة بحماة.

стр. 3200

وفيها محمد بن حسّان بن رافع بن سمير أبو عبد الله العامري [١] المحدّث المفيد. روى عن الخشوعي وجماعة، وكتب الكثير، وتوفي في صفر. وفيها تقي الدّين محمد بن محمود بن عبد المنعم البغدادي المراتبي [٢] ، نزيل دمشق. الفقيه الحنبلي الإمام أبو عبد الله. كان عالما، متبحّرا، لم يخلّف في الحنابلة مثله. صحب ببغداد أبا البقاء العكبري وأخذ عنه، ثم قدم دمشق، فصاحب الشيخ موفق الدّين، وتفقه عليه. وبرع وأفتى. قال أبو شامة: كان عالما فاضلا ذا فنون، ولي به صحبة قديمة، وبعده لم يبق في مذهب أحمد مثله بدمشق. توفي في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون.

стр. 3201

سنة خمس وأربعين وستمائة في جمادى الآخرة أخذ المسلمون عسقلان، وطبريّة عنوة، وكان الفتح على يد فخر الدّين ابن الشيخ. وفيها توفي الكاشغري- بسكون الشين وفتح الغين المعجمتين وراء، نسبة إلى كاشغر مدينة بالمشرق [١]- أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن يوسف الزركشي [٢] ببغداد في حادي عشر جمادى الأولى، وله تسع وثمانون سنة. سمع من ابن البطّي، وعلي بن تاج القرّاء، وأبي بكر بن النّقور، وجماعة. وعمّر ورحل إليه الطلبة، وكان آخر من بقي بينه وبين مالك خمسة أنفس ثقات، ولي مشيخة المستنصرية. وفيها أبو مدين شعيب بن يحيى بن أحمد بن الزعفراني [٣] التاجر، إسكندراني متميز. جاور بمكة، وحدّث عن السّلفي، وتوفي في ذي القعدة. وفيها أبو محمد علي بن أبي الحسن بن منصور [الحريريّ] الدمشقي الفقير [٤] .

стр. 3202

ولد بقرية بسر من حوران [١] ، ونشأ بدمشق، وتعلّم بها نسج العتابي، ثم تمفقر وعظم أمره وكثر أتباعه، وأقبل على المطيبة والراحة والسماعات والملاح، وبالغ في ذلك، فمن يحسّن الظن به يقول: هو كان صحيحا في نفسه صاحب حال ووصول. ومن خبر أمره رماه بالكفر والضلال، وهو أحد من لا يقطع له بجنة ولا نار، فإنا لا نعلم بما يختم له به، لكنه توفي في يوم شريف يوم الجمعة قبل العصر، السادس والعشرين من رمضان وقد نيّف على التسعين. مات فجأة قاله في «العبر» . وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : هو صاحب الزاوية التي بظاهر دمشق بالشرف الأعلى القبلي، التي يجتمع بها الناس للسماعات، يقال لها: زاوية الحريري، وقف عليه في أول أمره دراهم فحبسه أصحاب الديوان، فبات تلك الليلة في الحبس بلا عشاء، فلما أصبح صلّى بالمحتبسين [٢] صلاة الصبح، وجعل يذكر بهم إلى ضحوة، وأمر كلّ من جاءه شيء من المأكول من أهله أن يشيله، فلما كان وقت الظهر أمرهم أن يمدوا الأكل سماطا، فأكل كل من في الحبس وفضل شيء كثير، فأمرهم بشيله. وصلّى بهم الظهر، وأمرهم أن يناموا ويستريحوا، ثم صلّى بهم العصر، وجعل يذكر بهم إلى المغرب، ثم صلّى بهم المغرب وقدّم ما حضر، وبقي على هذا الحال، فلما كان في اليوم الثالث أمرهم أن ينظروا في حال المحتبسين وكلّ من كان محبوسا على دون المائة يجبون له من بينهم ويرضون غريمه ويخرجونه، فخرج جماعة، وشرع الذين خرجوا يسعون في خلاص من بقي، وأقام ستة أشهر محبوسا، وجبوا له وأخرجوه، فصار كلّ يوم يتجدد له أتباع إلى أن آل من أمره ما آل.

стр. 3203

قال شرف الدّين خطيب عقربا: خرج الفلك المسيري يقسم قرية له وأخذ معه جماعة، فلما قسموا ووصلوا إلى زرع، قالوا: نمشي إلى عند الشيخ علي الحريري، فقال أحدهم: إن كان صالحا يطعمنا حلوى سخنة بعسل وسمن وفستق وسكر، وقال الآخر: يطعمنا بطيخا أخضر، وقال الآخر: يسقينا فقّاعا عليه الثلج، فلما وصلوا تلقاهم بالرحب وأحضر شيئا كثيرا، من جملته حلوى، كما قال ذلك الرجل، فأمر بوضعها بين يدي مشتهيها، ثم أحضر بطيخا أخضر [١] ، وأشار إلى مشتهيه بالأكل، فلما فرغوا نظر إلى صاحب شهوة الفقّاع، وقال: يا أخي كان عندي تحت الساعات أو باب البريد، ثم صاح: يا فلان ادخل، فدخل فقير وعلى رأسه دست فقّاع وعليه الثلج منحوت، وقال: بسم الله، اشرب [٢] ولما مات كانت ليلة مثلجة، فقال نجم الدّين بن إسرائيل: بكت السماء عليه ساعة دفنه ... بمدامع كاللؤلؤ المنثور وأظنّها فرحت بمصعد روحه ... لمّا سمت وتعلّقت بالنّور أوليس دمع الغيث يهمي باردا ... وكذا تكون مدامع المسرور وفيها أبو الحسن علي بن إبراهيم بن علي بن محمد بن المبارك [٣] ابن أحمد بن محمد بن بكروس بن سيف التميمي الدّينوري، الفقيه الحنبلي، وقد سبق ذكر أبيه وجدّه. ولد في تاسع عشري رمضان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وأسمعه والده الكثير في صغره من ابن بوش، وابن كليب، وتفقّه وحدّث، وروى عنه

стр. 3204

محمد بن أحمد القزّاز، وأجاز لسليمان بن حمزة الحاكم، وتوفي ليلة سادس عشر رجب. وفيها أبو علي الشّلوبين عمر بن محمد بن عمر الأزدي الأندلسي الإشبيلي النحوي [١] ، أحد من انتهت إليه معرفة العربية في زمانه. ولد سنة اثنتين وستين وخمسمائة، وسمع من أبي بكر بن محمد بن خلف، وعبد الله بن زرقون، والكبار. وأجاز له السّلفي، وكان أسند من بقي بالمغرب. وكان في العربية بحرا لا يجارى وحبرا لا يبارى، قياما عليها واستبحارا فيها. تصدّر لإقراء النحو نحوا من ستين عاما، وصنّف التصانيف، وله حكايات في التغفّل. قاله في «العبر» . وقال ابن خلّكان: كان فيه مع هذه الفضيلة غفلة وصورة بله في الصورة الظاهرة. توفي في أحد الرّبيعين، وقيل في صفر بإشبيلية. والشّلوبين: بفتح الشين المعجمة واللّام، وسكون الواو، وكسر الباء الموحدة، وسكون المثناة التحتية ونون، هي بلغة الأندلس الأبيض الأشقر. وفيها الملك المظفّر شهاب الدّين غازي بن العادل [٢] . كان فارسا شجاعا، وشهما مهيبا، وملكا جوادا. وكان صاحب ميّافارقين، وخلاط، وحصن منصور، وغير ذلك. حجّ من بغداد، ثم توفي في هذه السنة، وتملّك بعده ابنه الشهيد الملك الكامل ناصر الدّين. وفيها ابن الدّوامي عزّ الكفاة، الصاحب أبو المعالي هبة الله بن الحسن بن هبة الله [٣] . كان أبوه وكيل الخليفة الناصر، وسمع هو من تجنّي

стр. 3205

الوهبانية، وابن شاتيل، وكان صاحب الحجّاب مدة، ثم تزهد وانقطع إلى أن توفي في جمادى الأولى. وفيها شرف الدّين الأمير الكبير يعقوب بن محمد بن حسن الهدباني الإربلي [١] . روى عن يحيى الثقفي وطائفة، وولي شدّ دواوين الشام، وكان ذا علم وأدب. توفي في ربيع الأول بمصر.

стр. 3206

سنة ست وأربعين وستمائة فيها توفي أبو العبّاس أحمد بن سلامة بن أحمد بن سلمان النجّار الحرّاني الحنبلي [١] ، المحدّث الزاهد الثقة القدوة. سمع الكثير من ابن كليب، وكتب الأجزاء والطّباق، وصحب الحافظ عبد الغني المقدسي، والحافظ الرهاوي، والشيخ موفق الدّين [٢] . وسمع منهم وسمع منه جماعة. قال ابن حمدان: سمعت عليه كثيرا، وكان من دعاة أهل السّنّة وأوليائهم، مشهورا بالزّهد والورع والصلاح. توفي وسط العام بحرّان. وفيها إسماعيل بن سودكين أبو الطّاهر النّوري [٣] ، الحنفي الصّوفي. كان صاحب الشيخ محيي الدّين بن العربي، وله كلام وشعر. توفي في صفر وروى عن الأرتاحي. وفيها صفية بنت عبد الوهاب بن علي القرشية [٤] ، أخت كريمة. لم

стр. 3207

تسمع شيئا بل أجاز لها مسعود الثقفي والكبار، وتفرّدت في زمانها. توفيت في رجب بحماة. وفيها ابن البيطار، الطبيب البارع، ضياء الدّين عبد الله بن أحمد المالقي العشّاب [١] ، صاحب كتاب «المفردات في الأدوية» انتهت إليه معرفة النبات وصفاته ومنافعه وأماكنه، وله اتصال بخدمة الكامل ثم ابنه الصالح، وكان رئيسا في الدّيار المصرية. توفي بدمشق في شعبان. وفيها ابن رواحة عز الدّين أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله الأنصاري الحموي الشافعي [٢] . ولد بصقلية وأبواه في الأسر سنة ستين وخمسمائة، وسمّعه أبوه بالإسكندرية من السّلفي الكبير، ومن جماعة. توفي في ثامن جمادى الآخرة وله خمس وثمانون سنة. وفيها ابن الحاجب العلّامة أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر الكردي الأسنائي [٣]- وأسنا: بفتح الهمزة [٤] وسكون السين المهملة وفتح النون وبعدها ألف، بليدة صغيرة من أعمال القوصيّة بالصعيد الأعلى من مصر-. ولد في أواخر سنة سبعين وخمسمائة بأسنا، وكان أبوه حاجبا للأمير عز الدّين موسك الصلاحي، فاشتغل هو بالقراءات على الشّاطبي وغيره.

стр. 3208

وبرع في الأصول والعربية، وتفقه في مذهب الإمام مالك. قال اليافعي: وبلغني أنه كان محبا للشيخ عز الدّين بن عبد السلام، وأن ابن عبد السلام حين حبس بسبب إنكاره على السلطان، دخل معه الحبس موافقة ومراعاة. ولعل انتقاله إلى مصر كان بسبب انتقال الشيخ ابن عبد السلام، وفيهما أنهما اجتمعا في الإنكار. وقال ابن خلّكان: انتقل إلى دمشق ودرّس بها في زاوية المالكية، وأكبّ الناس على الاشتغال عليه، والتزم له الدروس، وتبحر في العلوم، وكان الأغلب عليه علم العربية. وصنّف «مختصرا» في مذهبه، و «مقدمة» وجيزة في النحو، سمّاها «الكافية» وأخرى مثلها في التصريف سمّاها «الشافية» وشرح المقدمتين. وله: أيّ غد مع يد دد ذي حروف ... طاوعت في الرّويّ وهي عيون هذا جواب البيتين المشهورين: ربما عالج القوافي رجال ... في المعاني فتلتوي وتلين طاوعتهم عين وعين وعين ... وعصتهم نون ونون ونون وله في أسماء قداح الميسر: هي فذّ وتوأم ورقيب ... ثم حلس ونافس ثم مسبل والمعلّى والوغد ثم سفيح ... ومنيح هذي الثلاثة تهمل ولكل مما عداه نصيب ... مثله أن تعد أول أول وصنّف في أصول الفقه، وكل تصانيفه في نهاية الحسن والإفادة. وخالف النّحاة في مواضع، وأورد عليها إشكالات وإلزامات تتعذر الإجابة عنها. وكان من أحسن خلق الله ذهنا. ثم عاد إلى القاهرة، وأقام بها والناس ملازمون الاشتغال عليه. وجاءني

стр. 3209

مرارا بسبب أداء شهادات، وسألته عن مواضع في العربية مشكلة فأجاب أبلغ إجابة بسكون كثير وتثبت تام، ومن جملة كلامه عن مسألة اعتراض الشرط على الشرط في قولهم «إن أكلت، إن شربت، فأنت طالق» لم يتعين تقدم الشرب [١] على الأكل بسبب وقوع الطلاق، حتى لو قال: ثم شربت، لا تطلق. وسألته عن بيت المتنبي: لقد تصبّرت حتّى لات مصطبر ... والآن أقحم حتّى لات مقتحم [٢] ولات ليست من أدوات الجرّ، فأطال الكلام فيها، وأجاب فأحسن الجواب عنها، ولولا التطويل لذكرت ما قاله. ثم انتقل إلى الإسكندرية للإقامة بها، فلم تطل مدته هناك. توفي ضحى نهار الخميس سادس عشري شوال، ودفن خارج باب البحر بتربة الشيخ الصالح ابن أبي شامة. انتهى. وفيها ابن الدبّاج العلّامة أبو الحسن علي بن جابر [٣] النحوي المقرئ، شيخ الأندلس. أخذ القراءات عن أبي بكر بن صاف، والعربية عن أبي ذر بن أبي ركب الخشني، وساد أهل عصره في العربية. ولد سنة ست وستين وخمسمائة، وتوفي بإشبيلية بعد أخذ الرّوم الملاعين لها في شعبان بعد جمعة، فإنه هاله نطق الناقوس وخرس الأذان، فما زال يتلهف ويتأسف ويضطرب إلى أن قضى نحبه، وقيل مات يوم أخذها.

стр. 3210

وفيها وزير حلب علي بن يوسف القفطي [١]- بكسر القاف وسكون الفاء نسبة إلى قفط بالطاء المهملة، بلد بصعيد مصر- عرف بالقاضي الأكرم أحد الكتّاب المبرزين في النثر والنظم. كان عارفا باللغة، والنحو، والفقه، والحديث، وعلوم القرآن، والأصول، والمنطق، والحكمة، والنجوم، والهندسة، والتاريخ. وكان صدرا، محتشما، كامل المروءة. جمع من الكتب ما لم يجمعه أحد، وكان لا يحب من الدّنيا سوى الكتب، ولم تكن له دار ولا زوجة. وصنّف كتاب «الدر الثمين في أخبار المتيمين» [٢] وكتاب «إصلاح خلل صحاح الجوهري» وكتاب «الكلام على صحيح البخاري» وكتاب «نزهة الناظر ونهزة الخاطر» [٣] وغير ذلك. وفيها صاحب المغرب المعتضد، ويقال له أيضا السعيد أبو الحسن المؤمني علي بن المأمون إدريس بن المنصور يعقوب بن يوسف [٤] ، ولي الأمر بعد أخيه عبد الواحد سنة أربعين، وقتل وهو على ظهر جواده وهو يحاصر حصنا بتلمسان في صفر. وولي بعده المرتضى [٥] أبو حفص فامتدت دولته عشرين عاما. وفيها الملك العادل كمال الدّين أبو بكر بن الملك الكامل بن أيوب [٦] .

стр. 3211

قتله أخوه الملك الصالح خنقا بقلعة دمشق، ودفن بتربة شمس الدولة ولم تطل مدة أخيه بعده بل كان بينهما عشرة أشهر، ورأى في نفسه العبر. وفيها أفضل الدّين الخونجي [١]- بخاء معجمة مضمومة ثم واو بعدها نون ثم جيم- محمد بن ناماور- بالنون في أوله- ابن عبد الملك، قاضي القضاة، أبو عبد الله الشافعي. ولد في جمادى الأولى سنة تسعين وخمسمائة، واشتغل في العجم، ثم قدم مصر وولي قضاءها، وطلب وحصّل، وبالغ في علوم الأوائل، حتّى تفرّد برئاسة ذلك في زمانه. وأفتى وناظر، وصنّف «الموجز» و «الجمل» و «كشف الأسرار» وغير ذلك. قال أبو شامة: كان حكيما، منطقيا، مات في رمضان ودفن بسفح المقطّم. ورثاه تلميذه العزّ الإربلي الضرير فقال من قصيدة أولها: قضى أفضل الدّنيا فلم يبق فاضل ... ومات بموت الخونجيّ الفضائل فيا أيّها الحبر الذي جاء آخرا ... فحلّ لنا ما لم تحلّ الأوائل وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : له «الموجز» في المنطق، وكتاب «أدوار الحميات» وكان تلحقه غفلة فيما يفكره من المسائل العقلية. جلس يوما عند السلطان وأدخل يده في رزّة هناك ونسي روحه في الفكرة، فقام الجماعة وبقي جالسا تمنعه أصبعه من القيام، فظنّ السلطان أن له حاجة، فقال له: أللقاضي حاجة؟ قال: نعم تفك أصبعي من الرزّة، فأحضر حدادا

стр. 3212

وخلص أصبعه، فقال: إني فكرت في بسط هذا الإيوان فوجدته يتوفر فيه بساط إذا بسط على ما دار في ذهني، فبسط على ما قال ففضل بساط. انتهى. وفيها أبو الحسن محمد بن يحيى بن ياقوت الإسكندراني المقرئ [١] . روى عن السّلفي وغيره، وتوفي في سابع عشر ربيع الآخر. وفيها منصور بن السّند بن الدّبّاغ [٢] أبو علي الإسكندراني النحّاس. روى عن السّلفي، وتوفي في ربيع الأول.

стр. 3213

سنة سبع وأربعين وستمائة في ربيعها الأول نازلت الفرنج دمياط برا وبحرا، وكان بها فخر الدّين ابن الشيخ، وعسكر. فهربوا وملكها الفرنج بلا ضربة ولا طعنة، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. وكان السلطان على المنصورة فغضب على أهلها [١] كيف سيبوها حتّى أنه شنق ستين نفسا من أعيان أهلها، وقامت قيامته على العسكر، بحيث إنهم تخوّفوه وهمّوا به. فقال فخر الدّين: أمهلوه، فهو على شفا، فمات ليلة نصف شعبان. وفيها الملك الصّالح [٢] نجم الدّين أيوب [٣] بن الملك الكامل محمد ابن العادل، وكتم موته أيّاما، وساق مملوكه أقطايا على البريّة إلى أن عبر الفرات، وساق إلى حصن كيفا، وأخذ الملك المعظم بوران شاه ولد الصالح وقدم به دمشق، فدخلها في آخر رمضان في دست السلطنة، وجرت للمصريين مع الفرنج فصول وحروب إلى أن تمّت وقعة المنصورة في ذي القعدة، وذلك أن الفرنج حملوا ووصلوا إلى دهليز السلطان، فركب مقدّم

стр. 3214

الجيش فخر الدّين بن الشيخ وقاتل فقتل، وانهزم المسلمون، ثم كرّوا على الفرنج، ونزل النصر، وقتل من الفرنج مقتلة عظيمة ولله الحمد. ثم قدم الملك المعظم بعد أيّام، وكان مولد الملك الصالح- المترجم- سنة ثلاث وستمائة بالقاهرة وسلطنه أبوه على آمد، وحرّان وسنجار، وحصن كيفا، فأقام هناك إلى أن قدم وملك دمشق بعد الجواد، وجرت له أمور ثم ملك الدّيار المصرية، ودانت له الممالك. وكان وافر الحرمة، عظيم الهيبة، طاهر الذّيل، خليقا للملك، ظاهر الجبروت. وفيها ابن عوف الفقيه، رشيد الدّين أبو الفضل عبد العزيز بن عبد الوهاب ابن العلّامة أبي الطاهر إسماعيل بن مكّي الزّهري العوفي الإسكندراني المالكي [١] . سمع من جدّه «الموطأ» وكان ذا زهد وورع. توفي في صفر عن ثمانين سنة. وفيها عجيبة بنت الحافظ محمد بن أبي غالب الباقداري البغدادية [٢] سمعت من عبد الحق، وعبد الله ابني منصور الموصلي، وهي آخر من روى بالإجازة عن مسعود، والرّستمي، وجماعة. توفيت في صفر عن ثلاث وتسعين سنة، ولها «مشيخة» في عشرة أجزاء. وفيها ابن البرادعي صفي الدّين أبو البركات عمر بن عبد الوهاب القرشي الدمشقي [٣] العدل. روى عن ابن عساكر، وأبي سعد بن أبي عصرون، وتوفي في ربيع الآخر. وفيها السّيّدي أبو جعفر محمد بن عبد الكريم بن محمد البغدادي

стр. 3215

الحاجب [١] . روى عن عبد الحق، وتجنّي، وجماعة كثيرة، وطال عمره. وفيها فخر الدّين بن شيخ الشيوخ الأمير نائب السلطنة أبو الفضل يوسف بن الشيخ صدر الدين محمد بن عمر بن علي بن محمد بن حمّويه الجويني [٢] . ولد بدمشق بعد الثمانين وخمسمائة، وسمع من منصور بن أبي الحسن الطبري وغيره، وكان رئيسا، محتشما، سيّدا، معظّما، ذا عقل ورأي، ودهاء، وشجاعة، وكرم. سجنه السلطان سنة أربعين، وقاسى شدائد، وبقي في الحبس ثلاث سنين، ثم أخرجه وأنعم عليه وقدّمه على الجيش. طعن يوم المنصورة وجاءته ضربتان في وجهه فسقط. وفيها السّاوي يوسف بن محمود بن يعقوب المصري الصوفي [٣] . روى عن السّلفي، وعبد الله بن برّي، وتوفي في رجب عن ثمانين سنة.

стр. 3216

سنة ثمان وأربعين وستمائة استهلّت والفرنج على المنصورة والمسلمون بإزائهم مستظهرون لانقطاع الميرة عن الفرنج، ولوقوع المرض في خيلهم، ثم عزم ملكهم الفرنسيس على المسير في الليل إلى دمياط، ففهمها المسلمون، وكان الفرنج قد عملوا جسرا من صنوبر على النيل، فنسوا قطعة، فعبر عليه الناس وأحدقوا بهم، فاجتمع إلى الفرنسيس خمسمائة فارس من أبطاله، وحملوا على المسلمين حملة واحدة، ففرّج لهم المسلمون، فلما صاروا في وسطهم أطبقوا عليهم، فلم ينج منهم أحد، ومسّكوا الفرنسيس أسرة سيف الدّين القيمري باني المارستان في صالحية دمشق وانهزم جلّ الفرنج على حمية، فحمل عليهم المسلمون، ووضعوا فيهم السيف، وغنم الناس ما لا يحدّ ولا يوصف، وأركب الفرنسيس في حرّاقة والمراكب الإسلامية محدقة به تخفق بالكوسات والطبول، وفي البرّ الشرقي الجيش سائر تحت ألوية النصر، وفي البر الغربي العربان والعوام. وكانت ساعة عجيبة، واعتقل الفرنسيس بالمنصورة، وذلك في أول يوم من المحرّم. قال سعد الدّين بن حمّويه: كانت الأسرى نيفا وعشرين ألفا، فيهم ملوك وكبار، وكانت القتلى سبعة آلاف، واستشهد من المسلمين نحو مائة نفس، وخلع الملك المعظّم على الكبار من الفرنج خمسين خلعة، فامتنع

стр. 3217

الكلب الفرنسيس من لبس الخلعة، وقال: أنا مملكتي بقدر مملكة صاحب مصر، كيف ألبس خلعته؟. ثم بدت من المعظّم خفّة وطيش وأمور خرج بسببها عليه مماليك أبيه وقتلوه بعد أن استردوا دمياط، وذلك أن حسام الدّين بن أبي علي أطلق الفرنسيس على أن يسلّم دمياط، وعلى بذل خمسمائة ألف دينار للمسلمين، فأركب بغلة، وساق معه الجيش إلى دمياط، فما وصلوا إلّا وأوائل المسلمين قد ركبوا أسوارها، فاصفرّ لون الفرنسيس، فقال حسام الدّين: هذه دمياط قد ملكناها، والرأي لا نطلق هذا، لأنه قد اطلع على عوراتنا. فقال عزّ الدّين أيبك: لا أرى الغدر، وأطلقه [١] . وفيها توفي ابن الخيّر أبو إسحاق إبراهيم بن محمود بن سالم بن مهدي الأزجي المقرئ الحنبلي [٢] . روى الكثير عن شهدة، وعبد الحق، وجماعة. وأجاز له ابن البطّي. وقرأ القراءات. ولد في سلخ ذي الحجّة سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وعني بالحديث، وكان له به معرفة، وكان أحد المشايخ المشهورين بالصلاح وعلو الإسناد. دائم البشر، مشتغلا بنفسه، ملازما لمسجده حسن الأخلاق. قال ابن نقطة: سماعه صحيح، وهو شيخ مكثر. روى عن خلق كثير، منهم: ابن الحلوانية، وابن العديم، والدمياطي، وتوفي يوم الثلاثاء سابع عشر ربيع الآخر، ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد. وكان والده شيخا صالحا ضريرا. حدّث عن ابن ناصر وغيره، وهو الذي يلقب بالخيّر. توفي في صفر سنة ثلاث وستمائة.

стр. 3218

وفيها فخر القضاة بن الجبّاب أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن الحسين السّعدي المصري [١] ، ناظر الأوقاف، وراوي «صحيح مسلم» عن المأموني. سمع قليلا من السّلفي، وابن برّي، وتوفي في رمضان، وله سبع وثمانون سنة. وفيها الحافظية أرغوان العادلية [٢] عتيقة الملك العادل، وسميت بالحافظية لتربيتها للملك الحافظ صاحب قلعة جعبر. وكانت امرأة صالحة مدبرة، صادرها الصالح إسماعيل، فأخذ منها أربعمائة صندوق، ووقفت دارها التي داخل باب النصر بدمشق وتعرف بدار الإبراهيمي على خدّامها، وبنت بالصالحية تحت ثورا [٣] قرب عين الكرش مدرسة وتربة كانت بستانا للنّجيب غلام التّاج الكندي فاشترته منه، وبنت ذلك، ووقفت عليه أوقافا جيدة، منها بستان بصارو، وتسمى الآن بالحافظية [٤] . وفيها الملك الصالح عماد الدّين أبو الجيش إسماعيل بن العادل [٥] ، الذي تملّك دمشق مدة. انضم سنة أربع وأربعين إلى ابن أخيه صاحب حلب الملك الناصر، فكان من كبراء دولته ومن جملة أمرائه بعد سلطنة دمشق، ثم قدم معه دمشق، وسار معه، فأسره الصالحية، ومرّوا على تربة [٦] الصالح مولاهم، وصاحوا: يا خوند أين عينك ترى عدوّك أسيرا. ثم أخذوه في الليل وأعدموه في سلخ ذي القعدة، وكان ملكا شهما محسنا إلى خدمه وغلمانه وحاشيته، كثير التجمل.

стр. 3219

وفيها أمين الدولة الوزير أبو الحسن الطبيب [١] . كان سامريّا ببعلبك فأسلم في الظّاهر، والله أعلم بالسرائر، ونفق على الصالح إسماعيل حتّى وزر له، وكان ظالما، نجسا، ماكرا، داهية، وهو واقف الأمينية التي ببعلبك. أخذ من دمشق بعد حصار الخوارزمية، وسجن بقلعة مصر، فلما جاء الخبر الذي لم يتمّ بانتصار الناصر، توثب أمين الدولة في جماعة وصاحوا بشعار الناصر، فشنقوا، وهم: هو، وناصر الدّين بن يغمور [٢] ، والخوارزمي. ومن جملة ما وجد في تركة أمين الدولة، ثلاثة آلاف ألف دينار، غير ما كان مودعا له عند الناس. وفيها الملك المعظم غياث الدّين توران شاه بن الصّالح نجم الدّين أيوب [٣] . لما توفي أبوه حلف له الأمراء وقعدوا [٤] وراءه كما ذكرنا، وفرح الخلق بكسر الفرنج على يده، لكنّه كان لا يصلح لصالحة، لقلّة عقله وفساده في المرد. ضربه مملوك بسيف فتلقاها بيده، ثم هرب إلى برج خشب فرموه بالنفط، فرمى بنفسه وهرب إلى النيل فأتلفوه، وبقي ملقى على الأرض ثلاثة أيام، حتّى انتفخ، ثم واروه. وكان قويّ المشاركة في العلوم، ذكيا. قال ابن واصل: لما دخل المعظم مصر، قام إليه الشعراء، فابتدأ ابن الدجاجية تاج الدّين فقال: كيف كان القدوم من حصن كيفا ... حين أرغمت للأعادي أنوفا

стр. 3220

فأجابه الملك المعظم: الطّريق الطّريق يا ألف نحس ... تارة آمنا وطورا مخيفا أدركته حرفة الأدب كما أدركت عبد الله بن المعتز. قال أبو شامة: دخل في البحر إلى حلقه، فضربه البندقداري بالسيف فوقع. وفيها ابن رواج المحدّث رشيد الدّين أبو محمد عبد الوهاب بن ظافر ابن علي بن فتّوح الإسكندراني المالكي [١] . ولد سنة أربع وخمسين وخمسمائة، وسمع الكثير من السّلفي وطائفة، ونسخ الكثير، وخرّج «الأربعين» . وكان ذا دين وفقه وتواضع. توفي في ثامن عشر ذي القعدة. وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي السعادات الدبّاس الفقيه الحنبلي البغدادي [٢] ، أحد أعيان فقهاء بغداد وفضلائهم. سمع الحديث من ابن شاتيل، وابن زريق البرداني، وابن كليب وتفقه على إسماعيل بن الحسين صاحب أبي الفتح بن المنّي، وقرأ علم الخلاف والجدل والأصول على النّوقاني، وبرع في ذلك، وتقدم على أقرانه، وتكلّم وهو شاب في مجالس الأئمة فاستحسنوا كلامه. وشهد عند قاضي القضاة أبي صالح. قال ابن السّاعي: قرأت عليه مقدمة في الأصول، وكان صدوقا، نبيلا، ورعا، متدينا، حسن الطريقة، جميل السيرة، محمود الأفعال، عابدا، كثير التلاوة للقرآن، محبا للعلم ونشره، صابرا على تعليمه، لم يزل على قانون واحد، لم تعرف له صبوة من صباه إلى آخر عمره، يزور الصالحين، ويشتغل

стр. 3221

بالعلم، لطيفا. كيّسا، حسن المفاكهة. قلّ أن يغشى أحدا، مقبلا على ما هو بصدده. وروى عنه ابن النجار في «تاريخه» ووصفه بنحو ما وصفه ابن السّاعي. توفي في حادي عشري شعبان ودفن بباب حرب وقد ناهز الثمانين، ومرّ ليلة بسوق المدرسة النظامية ليصلي العشاء الآخرة بالمستنصرية إماما فخطف إنسان بقياره في الظلماء وعدا، فقال له الشيخ: على رسلك وهبتكه، قال: قبلت. وفشا خبره بذلك فلما أصبح أرسل إليه عدة بقايير، قيل أحد عشر، فلم يقبل منها إلّا واحدا تنزها. وفيها المجد الإسفراييني المحدّث [١] ، قارئ الحديث، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عمر الصّوفي. روى عن المؤيد الطّوسي وجماعة، وتوفي في ذي القعدة بالسميساطيّة من دمشق. وفيها مظفّر بن الفوّي أبو منصور بن عبد الملك بن عتيق الفهري الإسكندراني المالكي الشاهد [٢] . روى عن السّلفي، وعاش تسعين سنة، وتوفي في سلخ [ذي] القعدة. وفيها أبو الحجّاج يوسف بن خليل بن قراجا بن عبد الله، محدّث الشام الدمشقي الأدمي الحنبلي [٣] ، نزيل حلب. ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة بدمشق، وتشاغل بالكسب إلى الثلاثين من عمره، ثم طلب الحديث، وتخرّج بالحافظ عبد الغني [٤] واستفرغ فيه وسعه. وكتب ما لا يوصف بخطّه المليح المتقن، ورحل إلى

стр. 3222

الأقطار، فسمع بدمشق من الحافظ عبد الغني، وابن أبي عصرون، وابن الموازيني، وغيرهم. وببغداد من ابن كليب، وابن بوش، وهذه الطبقة. وبأصبهان من ابن مسعود الحمّال وغيره. وبمصر من البوصيري وغيره، وكان إماما، حافظا، ثقة، نبيلا، متقنا، واسع الرّواية، جميل السيرة، متسع الرّحلة. قال ابن ناصر الدّين [١] : كان من الأئمة الحفّاظ المكثرين الرحّالين، بل كان أوحدهم فضلا، وأوسعهم رحلة وكتابة ونقلا. وقال ابن رجب: تفرّد في وقته بأشياء كثيرة عن الأصبهانيين، وخرّج وجمع لنفسه «معجما» عن أزيد من خمسمائة شيخ، و «ثمانيات» و «عوالي» و «فوائد» وغير ذلك. واستوطن في آخر عمره حلب، وتصدّر بجامعها، وصار حافظا والمشار إليه بعلم الحديث فيها. حدّث بالكثير من قبل الستمائة وإلى آخر عمره، وحدّث عنه البرزالي، ومات قبله باثنتي عشرة سنة. وسمع منه الحفّاظ المقدّمون، كابن الأنماطي، وابن الدّبيثي، وابن نقطة، وابن النجّار، والصّريفيني، وعمر بن الحاجب، وقال: هو أحد الرحّالين، بل واحدهم فضلا، وأوسعهم رحلة. نقل بخطه المليح ما لا يدخل تحت الحصر، وهو طيّب الأخلاق، مرضي الطريقة، متقن، ثقة، حافظ. وسئل عنه الحافظ الضياء فقال: حافظ مفيد صحيح الأصول. سمع وحصّل، صاحب رحلة وتطواف. وسئل الصّريفيني عنه فقال: حافظ، ثقة، عالم بما [٢] يقرأ عليه، لا يكاد يفوته اسم رجل.

стр. 3223

وقال الذهبي: روى عنه خلق كثير، وآخر من روى عنه إجازة زينب بنت الكمال. توفي سحر يوم الجمعة منتصف- وقيل عاشر- جمادى الآخرة بحلب ودفن بظاهرها، رحمه الله تعالى.

стр. 3224

سنة تسع وأربعين وستمائة فيها توفي إبراهيم بن سهل الإسرائيلي [١] الإسلامي. كان يهوديا فأسلم، وكان أديبا ماهرا، وله قصيدة مدح بها رسول الله ﷺ قبل أن يسلم، وكان يهوى صبيا يهوديا اسمه موسى، فمن قوله فيه من جملة أبيات [٢] : فما وجد أعرابيّة بان إلفها [٣] ... فحنّت إلى بان الحجاز ورنده بأعظم من وجدي بموسى وإنما ... يرى أنني أذنبت ذنبا بودّه وله فيه [٤] : يقولون لو قبّلته لاشتفى الجوى ... أيطمع في التقبيل من يعشق البدرا؟ إلى أن قال: إذا فئة العذّال جاءت بسحرها ... ففي وجه [٥] موسى آية تبطل السّحرا

стр. 3225

ثم إنه هوي بعد إسلامه صبيا اسمه محمد، فقال [١] : تركت هوى موسى لحبّ محمد ... ولولا هدى الرّحمن ما كنت أهتدي وما عن قلى حبي تركت وإنما ... شريعة موسى عطّلت بمحمد مات غريقا، ﵀. وفيها ابن العلّيق أبو نصر الأعزّ بن فضائل البغدادي البابصري [٢] . روى عن شهدة، وعبد الحق، وجماعة. وكان صالحا، تاليا لكتاب الله تعالى. توفي في رجب. وفيها البشيريّ [٣]- بفتح الموحدة وكسر المعجمة وبعد الياء راء، نسبة إلى قلعة بشير بنواحي الدوران من بلاد الأكراد- أبو محمد عبد الخالق بن الأنجب بن معمر الفقيه ضياء الدّين، شيخ ماردين. روى عن أبي الفتح بن شاتيل وجماعة، وكانت له مشاركة قويّة في العلوم. قال الذهبي: قال شيخنا الدّمياطي: مات في الثاني والعشرين من ذي الحجّة، وقد جاوز المائة. وقال الشريف عز الدّين في «الوفيات» : كان يذكر أنه ولد سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. قاله في «العبر» .
следующие страницы →