← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

وله: أشكو إلى الله علّام الخفيّات ... من جور ألحاظك المرضى الصحيحات إن أنكرت هذه الأجفان ما صنعت ... سل عن دمي الوجنات العندميّات روت لواحظها عن بابل خبرا ... ويلاه من سقم هاتيك الرّوايات فيا جليسي بدا ما كنت أكتمه ... إنّ المجالس فاعلم بالأمانات لله سرب ظباء من بني أسد ... حرّرت معهنّ أرباب المسرّات حلّقت أحداقها بعدي وأوجهها ... كم من عيون تركناها وجنّات توفي- رحمه الله تعالى- بدمشق، ودفن عند قبر أبيه بتربة بني الزّكي بقاسيون. وفيها ابن الجرح أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الأنصاري التّلمساني المالكيّ [١] نزيل الثّغر. كان من صلحاء العلماء، سمع بسبتة «الموطأ» من أبي محمد بن عبيد الله الحجري [٢] ، وتوفي في ذي القعدة، عن ثنتين وتسعين سنة. وفيها خطيب مردا الفقيه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أحمد بن أبي الفتح المقدسي النّابلسي [الحنبلي [٣] . ولد بمردا سنة ست وستين وخمسمائة ظنّا، وتفقه بدمشق، وسمع من

стр. 3292

يحيى الثقفي] [١] وأحمد [بن] الموازييني، وبمصر من البوصيري وغير واحد، وتوفي بمردا في أوائل ذي الحجّة. وفيها الفاسيّ الإمام أبو عبد الله محمد بن حسن بن محمد بن يوسف المغربي المقرئ [٢] ، مصنف «شرح الشّاطبية» . قرأ على رجلين قرءا على الشّاطبي، وكان فقيها، بارعا، متفنّنا، متين الدّيانة، جليل القدر، تصدّر للإقراء بحلب مدة، وتوفي في ربيع الآخر. وفيها الفقيه الزّاهد محيي الدّين أبو نصر محمد بن نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر بن أبي صالح الحنبلي البغدادي [٣] ، قاضي القضاة، عماد الدّين. سمع من والده، ومن الحسن بن علي بن المرتضى العلوي، وغيرهما. وطلب بنفسه، وقرأ وتفقّه. وكان عالما، ورعا، زاهدا، يدرّس بمدرسة جدّه ويلازم الاشتغال بالعلم إلى أن توفي. ولما ولي أبوه قضاء القضاة، ولّاه القضاء والحكم بدار الخلافة، فجلس في مجلس الحكم مجلسا واحدا وحكم، ثم عزل نفسه ونهض إلى مدرستهم بباب الأزج، ولم يعد إلى ذلك تنزّها عن القضاء وتورعا. وسمع منه الدّمياطي الحافظ، وحدّث عنه، وذكره في «معجمه» وتوفي ليلة الاثنين ثاني عشر شوال ببغداد، ودفن إلى جنب جدّه الشيخ عبد القادر بمدرسته، وكانت وفاته بعد انقضاء الواقعة. وفيها ابن صلايا، الصّاحب تاج الدّين، أبو المكارم، محمد بن نصر ابن يحيى الهاشمي العلوي [٤] ، نائب الخليفة بإربل. كان من رجال الدّهر

стр. 3293

عقلا، ورأيا، وهيبة، وعزما، وجودا، وسؤددا. قتله هولاكو [١] في ربيع الآخر بقرب تبريز [٢] . وفيها الفاضل الأديب نور الدّين محمد بن محمد بن رستم الإسعردي [٣] الشاعر المشهور. كان قاضي القضاة ابن سني الدولة أجلسه تحت السّاعات شاهدا، فحضر يوما عند السلطان صلاح الدّين يوسف فأعجبته عبارته، فجعله نديما، وخلع عليه القباء والعمامة المذهبة، فأتى ثاني يوم بالعمامة المذهبة والقباء وجلس تحت السّاعات بين الشهود، وكان الغالب عليه المجون. وأفرد هزلياته في كتاب سماه «سلافة الزّرجون في الخلاعة والمجون» [٤] . وفيها فتح الدّين محمد بن عبد الصّمد بن عبد الله بن حيدرة السّلمي [٥] . عرف بابن العدل، أحد الصّدور الأماثل. ولي حسبة دمشق إلى حين وفاته، وكان موصوفا بالعفاف، وجدّه محيي الدّين هو باني المدرسة بالزّبداني، وكان كثير البرّ والصدقة، له الأملاك الكثيرة، ودفن بسفح قاسيون. وفيها ابن شقير [٦] ، الشيخ عفيف الدّين أبو الفضل المرجّى بن

стр. 3294

الحسن بن هبة الله بن غزال الواسطي [١] المقرئ التّاجر السفّار. ولد سنة إحدى وستين وخمسمائة بواسط، وقرأ القراءات على أبي بكر ابن الباقلّاني وأتقنها، وتفقه. وكان آخر من روى وحدّث عن أبي طالب الكتّاني. وذكر الفاروثي [٢] أنّه عاش إلى حدود هذه السنة. وفيها ابن الشّقيشقة المحدّث، نجيب الدّين أبو الفتح نصر الله بن أبي العزّ مظفّر بن عقيل الشّيباني الدمشقي الصفّار [٣] . ولد بعد الثمانين وخمسمائة، وسمع من حنبل [٤] ، وابن طبرزد، وخلق كثير. وروى «مسند أحمد» . وكان أديبا، ظريفا، عارفا بشيوخ دمشق ومروياتهم، لكن رماه أبو شامة بالكذب ورقة الدّين [٥] . وكان جعله قاضي القضاة ابن سني الدولة عاقدا تحت السّاعات، فقال فيه البهاء بن الدجّاجية: جلس الشّقيشقة الشّقيّ ليشهدا ... بأبيكما ماذا عدا فيما بدا هل زلزل الزّلزال أم قد أخرج الدّ ... جال أم عدموا الرّجال أولي الهدى [٦] عجبا لمحلول العقيدة جاهل ... بالشّرع قد أذنوا له أن يعقدا

стр. 3295

ولابن الشّقيشقة لغز في الواو والميم والنّون، وهو: أوّله آخره ... وبعضه جميعه ثلاثة حروفه ... وواحد مجموعه إن شئت أن تعكسه ... فلست [١] تستطيعه توفي في جمادى الآخرة ووقف داره بدمشق دار حديث. وفيها الصّرصري الشيخ العلّامة القدوة أبو زكريا يحيى بن يوسف ابن يحيى الصّرصري [٢] الأصل- نسبة إلى صرصر بفتح الصادين المهملتين، قرية على فرسخين من بغداد- كان إليه المنتهى في معرفة اللّغة وحسن الشعر، «وديوانه» ومدائحه سائرة [٣] ، وكان حسّان وقته. ولد سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وقرأ القرآن بالرّوايات على أصحاب ابن عساكر البطائحي [٤] . وسمع الحديث من الشيخ علي بن إدريس اليعقوبي الزاهد، صاحبه الشيخ عبد القادر، وصحبه، وتسلّك به، ولبس منه الخرقة وأجاز له الشيخ عبد المغيث الحربي وغيره، وحفظ الفقه واللغة، ويقال: إنه كان يحفظ «صحاح» الجوهري بكمالها. وكان يتوقّد ذكاء،

стр. 3296

ويقال: إن مدائحه في النّبيّ- ﷺ تبلغ عشرين مجلدا، وقد نظم في الفقه «مختصر الخرقي» و «زوائد الكافي» ونظم في العربية، وفي فنون شتى وكان صالحا، قدوة، كثير التّلاوة، عظيم الاجتهاد، صبورا، قنوعا، محبّا لطريقة الفقراء ومخالطتهم. وكان يحضر معهم السماع ويرخص في ذلك، وكان شديدا في السّنّة، منحرفا على المخالفين لها. وشعره مملوء بذكر أصول السّنّة ومدح أهلها وذمّ مخالفيها. قال ابن رجب: وكان قد رأى النّبيّ- ﷺ في منامه، وبشّره بالموت على السّنّة. ونظم في ذلك قصيدة طويلة معروفة. وسمع منه الحافظ الدّمياطي، وحدّث عنه، وذكره في «معجمه» . ولما دخل التتار بغداد، كان الشيخ بها فلما دخلوا عليه قاتلهم وقتل منهم بعكّازه نحو اثني عشر نفسا، ثم قتلوه شهيدا برباط الشيخ علي الخبّاز، وحمل إلى صرصر فدفن بها. وفيها محيى الدّين بن الجوزي، الصّاحب العلّامة سفير الخلافة أبو المحاسن يوسف بن الشيخ أبي الفرج عبد الرّحمن بن علي بن محمد التيمي الكبري البغدادي الحنبلي [١] ، أستاذ دار المستعصم بالله. ولد سنة ثمانين وخمسمائة، وسمع من أبيه وذاكر بن كامل، وابن بوش، وطائفة. وقرأ القرآن بواسط على ابن الباقلاني، وكان كثير المحفوظ، قويّ المشاركة في العلوم، وافر الحشمة. قال ابن رجب: قرأ القرآن بالروايات العشر على ابن الباقلّاني، وقد جاوز العشر سنين من عمره، ولبس الخرقة من الشيخ ضياء الدّين بن سكينة.

стр. 3297

واشتغل بالفقه، والخلاف، والأصول. وبرع في ذلك. وكان أشهر فيه من أبيه، ووعظ من صغره على قاعدة أبيه، وعلا أمره، وعظم شأنه، وولي الولايات الجليلة ثم عزل عن جميع ذلك. وانقطع في داره يعظ، ويفتي، ويدرّس. ثم أعيد إلى الحبسة. وقال ابن السّاعي: ظهرت عليه آثار العناية الإلهية مذ كان طفلا، فعني به والده، فأسمعه الحديث، ودرّبه في الوعظ، وبورك له في ذلك، وبانت عليه آثار السعادة. وتوفي والده وعمره سبع عشرة سنة، فكفلته والدة الإمام النّاصر، وتقدمت له بالجلوس للوعظ على عادة والده عند تربتها، بعد أن خلعت عليه. فتكلم بما بهر به الحاضرين، ولم يزل في ترقّ وعلوّ، كامل الفضائل، معدوم الرّذائل، أرسله الخليفة إلى ملوك الأطراف فاكتسب مالا كثيرا، وأنشأ مدرسة بدمشق، وهي المعروفة بالجوزية، ووقف عليها أوقافا كثيرة، ولم يزل في ترقّ إلى أن قتل صبرا بسيف الكفّار شهيدا عند دخول هولاكو [١] إلى بغداد بظاهر سور كلواذى، وقتل معه أولاده الثلاثة: الشيخ جمال الدّين أبو الفرج عبد الرّحمن [٢] ، وكان فاضلا، بارعا، واعظا، له تصانيف. قتل وقد جاوز الخمسين. وشرف الدّين عبد الله [٣] ، ولي الحسبة أيضا، ثم تزهّد عنها ودرّس وتاج الدّين عبد الكريم [٤] . ولي الحسبة أيضا لما تركها أخوه ودرّس، وقتل ولم يبلغ عشرين سنة.

стр. 3298

ومن مصنفات يوسف المذكور [١] «معادن الإبريز في تفسير الكتاب العزيز» ، و «المذهب الأحمد في مذهب أحمد» ، و «الإيضاح في الجدل» . وسمع منه [٢] خلق، منهم الحافظ الدّمياطي.

стр. 3299

سنة سبع وخمسين وستمائة فيها دخل هولاكو [١] ديار بكر قاصدا حلب، ونزل على آمد، وأرسل يطلب الملك السعيد صاحب ماردين، فسيّر إليه ولده، وقاضي البلد مهذّب الدّين محمد بن مجلّي بهدية واعتذر أنه ضعيف، فلم يقبل منه، وقبض على ولده. وسيّر إلى الملك يستحثه، فعظمت الأراجيف [٢] وعدوا الفرات، وخرج أهل الشّام جافلين منهم، وخرج الملك النّاصر بعساكره لملتقى التتار، فنزل على برزة [٣] ، واجتمع إليه أمم عظيمة، من عرب، وعجم، وأكراد مطوّعة. وكان هولاكو [٤] قد قدم في خلق لا يعلمهم إلا الله تعالى، فنزل على حرّان، وسيّر ولده أشموط إلى الشام، فوصل إلى حلب وبها بوران شاه بن السلطان صلاح الدّين، وكانت في غاية التحصين، فنزل التتار على السليمة. [٥] وامتدوا إلى حيلان [٦] ، فخرج عسكر حلب ومعهم خلق، فولّت التتار منهم مكرا

стр. 3300

وخديعة، فتبعهم العسكر والعوام، فرجعوا عليهم فانكسر المسلمون، وتبعوهم إلى أبواب حلب يقتلون ويأسرون، ونزل التتار بظاهر حلب وهي مغلّقة الأبواب. وفيها توفي نجم الدّين أبو إسحاق وأبو طاهر إبراهيم بن محاسن بن عبد الملك بن علي بن منجّا التّنوخي الحموي ثم الدمشقي [١] الفقيه الحنبلي الأديب الكاتب. سمع من ابن طبرزد، والكندي، وغيرهما. توفي في العشر الأواخر من المحرم بتل ناشّر من أعمال حلب، ودفن به، ﵀. وفيها الشيخ مجد الدّين أبو العباس أحمد بن علي بن أبي غالب الإربلي النّحوي الحنبلي [٢] المعدّل. سمع بإربل من محمد بن هبة الله [بن الكرم الصّوفي] ، وسكن دمشق، وحدّث بها، واشتغل مدة في العربية بالجامع. وقرأ عليه جماعة من الأصحاب وغيرهم، منهم: الفخر البعلبكي، وابن الفركاح، وتوفي في نصف صفر بدمشق. وفيها الرئيس صدر الدّين أبو الفتح أسعد بن عثمان بن المنجّا التّنوخي الدمشقي الحنبلي [٣] واقف المدرسة الصّدرية بدمشق، ودفن بها. ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بدمشق، وسمع بها من حنبل، وابن طبرزد. وحدّث. وكان أحد المعدّلين ذوي الأموال والثروة والصدقات، وولي نظر الجامع مدة، وثمّر له أموالا كثيرة، واستجدّ في ولايته أمورا. توفي في تاسع عشر شهر رمضان.

стр. 3301

وفيها ابن تامتّيت [١] أبو العبّاس أحمد بن محمد بن الحسن اللّواتي الفاسي [٢] المحدّث المعمّر، نزيل القاهرة. كان صالحا، عالما، خيرا. روى بالإجازة العامّة عن أبي الوقت [السّجزي] . قال الشريف عز الدّين: مولده فيما بلغنا في المحرّم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وتوفي في رابع المحرّم، ﵀. وفيها أبو الحسين بن السرّاج، المحدّث الكبير، مسند المغرب، أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله الأنصاري الإشبيلي [٣] . ولد سنة ستين وخمسمائة، وسمع من ابن بشكوال، وعبد الله بن زرقون، وطائفة. وتفرّد في زمانه. وكانت الرحلة إليه بالمغرب، وتوفي في سابع صفر. وفيها ابن اللّمط شمس الدّين أبو محمد عبد الله بن يوسف الجذامي المصري [٤] . رحل مع ابن دحية، وسمع من أبي جعفر الصيدلاني، وعبد الوهاب بن سكينة، وتوفي في ربيع الآخر، وله خمس وثمانون سنة. وفيها صاحب الموصل الملك الرّحيم بدر الدّين لؤلؤ الأرمني

стр. 3302

الأتابكي [١] مملوك نور الدّين أرسلان شاه بن عز الدّين مسعود، صاحب الموصل. كان مدبّر دولة أستاذه ودولة ولده القاهر مسعود، فلما مات القاهر سنة خمس عشرة وستمائة، أقام بدر الدّين ولد القاهر صورة، وبقي أتابكه مدة، ثم استقلّ بالسلطنة، وكان صارما، شجاعا، مدبّرا، خبيرا. توفي في شعبان، وقد نيّف على الثمانين، وانخزم [٢] نظام بلده من بعده. ومنها ابن الشّيرجي الصّدر نجم الدّين مظفّر بن محمد بن إلياس الأنصاري الدمشقي [٣] . ولي تدريس العصرونية والوكالة، وحدّث عن الخشوعي وجماعة، وولي أيضا الحسبة ونظر الجامع، وتوفي في آخر السنة. وفيها العدل بهاء الدّين محمد بن مكّي القرشي الصّالحي، عرف بابن الدّجاجيّة [٤] . كان فاضلا، وله نظم جيد [٥] . وفيها الشيخ يوسف القمّيني المولّه [٦] . قال الذهبي في «العبر» الذي تعتقده العامة أنه وليّ الله [٧] ، وحجّتهم الكشف والكلام على الخواطر. وهذا شيء يقع من الكاهن والرّاهب والمجنون الذي له قرين من الجنّ، وقد كثر هذا في عصرنا، والله المستعان. وكان يوسف يتنجّس ببوله ويمشي حافيا ويأوي أقميم [٨] حمّام نور الدّين ولا يصلي. انتهى.

стр. 3303

وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : كان يأوي القمامين والمزابل، وغالب إقامته بإقميم حمّام نور الدّين بسوق القمح [١] ، وكان يلبس ثيابا طوالا تكنس الأرض، ولا يلتفت إلى أحد والناس يعتقدون فيه الصلاح، ويحكون عنه عجائب وغرائب، ودفن بتربة المولّهين بسفح قاسيون، ولم يتخلف عن جنازته إلّا القليل. انتهى.

стр. 3304

سنة ثمان وخمسين وستمائة في المحرّم قطع هولاكو [١] الفرات، ونهب نواحي حلب، وأرسل متوليها توران شاه [٢] ابن السلطان صلاح الدّين بأنكم تضعفون عنّا ونحن نقصد سلطانكم النّاصر. فاجعلوا لنا عندكم شحنة بالقلعة وشحنة بالبلد، فإن انتصر علينا النّاصر فاقتلوا الشحنتين أو أبقوهما، وإن انتصرنا فحلب والبلاد لنا، وتكونون آمنين. فأبى عليه توران شاه [٢] ، فنزل على حلب في ثاني صفر فلم يصبح عليهم الصباح إلّا وقد حفروا عليهم خندقا عمق قامة، وعرض أربعة أذرع، وبنوا حائطا ارتفاع خمسة أذرع، ونصبوا عشرين منجنيقا، وألحوا بالرّمي، وشرعوا في نقب السّور. وفي تاسع صفر ركبوا الأسوار [٣] ووضعوا السيف يومهم ومن الغد واحتمى [٤] في حلب أماكن [سلم] فيها نحو خمسين ألفا، واستتر خلق. وقتل أمم لا يحصون، وبقي القتل والسبيّ خمسة أيام. ثم نودي برفع السيف، وأذّن المؤذّن يومئذ يوم الجمعة بالجامع، وأقيمت الجمعة بأناس، ثم أحاطوا بالقلعة وحاصروها.

стр. 3305

ووصل الخبر يوم السبت إلى دمشق، فهرب النّاصر، ودخلت يومئذ رسل هولاكو [١] ، وقرئ الفرمان بأمان دمشق. ثم وصل نائب هولاكو، فتلقاه الكبراء، وحملت أيضا مفاتيح حماة إلى هولاكو، وسار صاحبها والنّاصر إلى نحو غزّة، وعصت قلعة دمشق، فحاصرتها التتار وألحّوا بعشرين منجنيقا على برج الطارمة فتشقق، وطلب أهلها الأمان، فأمّنهم [٢] وسكنها النائب كتبغا، وتسلّموا بعلبك وقلعتها، وأخذوا نابلس ونواحيها بالسيف، ثم ظفروا بالملك، وأخذوه بالأمان وساروا به إلى هولاكو [٣] ، فرعى له مجيئه، وبقي في خدمته أشهرا، ثم قطع الفرات راجعا، وترك بالشام فرقة من التتار. وأما المصريّون فتأهبوا وشرعوا في المسير من نصف شعبان، وثارت النصارى بدمشق، ورفعت رؤوسها، ورفعوا الصليب، ومرّوا به، وألزموا النّاس بالقيام له من حوانيتهم في الثاني والعشرين من رمضان، ووصل جيش الإسلام وعليهم الملك المظفّر، وعلى مقدمته [٤] ركن الدّين البندقداري، فالتقى الجمعان على عين جالوت غربي بيسان، ونصر الله دينه، وقتل في المصافّ مقدّم التتار كتبغا وطائفة من أمراء المغول، ووقع بدمشق النّهب والقتل في النصارى، وأحرقت كنيسة مريم، وعيّد المسلمون على خير عظيم، وساق البندقداري وراء التتار إلى حلب، وخلت من القوم الشام، وطمع البندقداري في أخذ حلب، وكان وعده بها المظفّر، ثم رجع، فتأثّر وأضمر [٥] الشرّ، فلما رجع المظفّر بعد شهر إلى مصر مضمرا للبندقداريّ

стр. 3306

الشّرّ، فوافق ركن الدّين على مراده عدّة أمراء. وكان الذي ضربه بالسيف فحلّ كتفه بكتوت الجوكندار المعزّي [١] ثم رماه بهادر المعزّيّ [١] بسهم قضى عليه، وذلك يوم سادس عشر ذي القعدة بقرب قطية [٢] وتسلطن ركن الدّين البندقداري الملك الظّاهر بيبرس. وفي آخر السنة كرّت التتار على حلب، واندفع عسكرها بين أيديهم، فدخلوا إليها وأخرجوا من بها ووضعوا فيهم السّيف. وفيها توفي ابن سني الدولة قاضي القضاة صدر الدّين أبو العبّاس أحمد بن يحيى بن هبة الله بن الحسن الدمشقي الشافعي [٣] . ولد سنة تسعين وخمسمائة، وسمع من الخشوعي وجماعة، وتفقّه على أبيه قاضي القضاة شمس الدّين، وعلى فخر الدّين بن عساكر، وقلّ من نشأ مثله في صيانته وديانته واشتغاله، ناب عن أبيه، وولي وكالة بيت المال، ودرّس بالإقبالية وغيرها، ثم استقلّ بمنصب القضاء مدة، ثم عزل واستمر على تدريس الإقبالية والجاروخية، وقد درّس بالعادلية الكبيرة والناصرية، وهو أول من درّس بها، وخرّج له الحافظ الدّمياطي «معجما» . قال الذهبي: وكان مشكور السيرة في القضاء، لين الجانب، حسن المداراة والاحتمال، رجع من عند هولاكو [٤] متمرضا فأدركه الموت ببعلبك في جمادى الآخرة، وله ثمان وستون سنة.

стр. 3307

وفيها نجيب الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن خليل الدّمشقي الأدمي [١] . ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وسمّعه أخوه من عبد الرحمن [بن علي] الخرقي، ويحيى الثّقفي، وجماعة. وحدّث بدمشق وحلب، وعدم بها في صفر. وفيها أبو طالب تمّام السّروري بن أبي بكر بن أبي طالب الدمشقي الجندي [٢] . ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وسمع من يحيى الثّقفي، وتوفي في رجب. وفيها الملك المعظّم أبو المفاخر [ابن السلطان الكبير] صلاح الدّين توران شاه [٣] . ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وسمع من يحيى الثّقفي، وابن صدقة الحرّاني، وأجاز له عبد الله بن برّي، وكان كبير البيت الأيوبي. وكان السلطان يجلّه ويتأدّب معه. سلّم قلعة حلب لمّا عجز بالأمان، وأدركه الموت إثر ذلك، فتوفي في ربيع الأول، وله ثمانون سنة. وفيها الملك السعيد حسن بن العزيز عثمان بن العادل [٤] صاحب الصّبيبة وبانياس. تملّك سنة إحدى وثلاثين بعد أخيه الملك الظّاهر إلى سنة

стр. 3308

بضع وأربعين، فأخذ الصّبيبة منه الملك الصّالح وأعطاه إمرة مصر، فلما قتل المعظّم بن الصّالح، ساق إلى غزّة وأخذ ما فيها، وأتى [١] الصّبيبة، فتسلّمها، فلما تملّك الملك النّاصر دمشق، قبض عليه وسجنه بإلبيرة [٢] ، فلما أخذ هولاكو [٣] البيرة أحضر إليه بقيوده، فأطلقه وخلع عليه، وسلّم إليه الصّبيبة، وبقي في خدمة كتبغا بدمشق، وكان بطلا شجاعا، قاتل يوم عين جالوت، فلما انهزمت التتار جيء به إلى الملك المظفّر فضرب عنقه [٤] . وفيها المحبّ عبد الله بن أحمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم السّعدي المقدسي الصّالحي [٥] الحنبلي المحدّث. مفيد الجبل. روى عن الشيخ الموفق، وابن البنّ، وابن الزّبيدي، ورحل إلى بغداد، فسمع من القبيطي، وابن الفخّار، وطبقتهما. وكتب الكثير، وعني بالحديث أتمّ عناية. وأكثر السّماع والكتابة. وتوفي في ثاني عشري جمادى الآخرة، وله أربعون سنة. وفيها ابن الخشوعي أبو محمد عبد الله بن بركات بن إبراهيم الدمشقي [٦] . سمع من يحيى الثّقفي وأبيه، وعبد الرزاق النّجار. وأجاز له السّلفي وطائفة، وتوفي في أواخر صفر. وفيها العماد عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف المقدسي

стр. 3309

الجمّاعيلي الحنبلي الصّالحي [١] المؤدّب. سمع من يحيى الثّقفي، وأحمد ابن الموازيني، وجماعة. وتوفي في ربيع الأول. وفيها ابن العجمي أبو طالب عبد الرحمن بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن الحلبي الشّافعي [٢] . روى عن يحيى الثّقفي، وابن طبرزد. ودرّس وأفتى. عذّبه التتار على المال حتّى هلك في الرابع والعشرين من صفر. وفيها الملك المظفّر سيف الدّين قطز [٣] ، أحد مماليك المعزّ أيبك التّركماني، صاحب مصر. كان بطلا، شجاعا، حازما. كسر التتار كسرة جبر بها الإسلام، فجزاه الله عن الإسلام خيرا، ولم يخلّف ولدا ذكرا. حكى الأمير البركة خاني [٤] قال: كان المظفّر خشداشي [٥] عند الهيجاوي، وكان عليه قمل كثير، فكنت أسرّحه، وكلما قتلت قملة آخذ منه فلسا أو أصفعه، فبينا أنا أسرّحه ذات يوم، قلت: والله أشتهي إمرة خمسين. فقال لي: طيّب قلبك، أنا أعطيك إمرة خمسين، فصفعته وقلت: ويلك، أنت تعطيني إمرة خمسين! قال: نعم، فصفعته. فقال لي: أيش يلزم لك [٦] إلّا إمرة خمسين، وأنا والله أعطيك ذلك. فقلت له: وكيف ذلك؟ قال: أنا

стр. 3310

أملك الدّيار المصرية وأكسر التتار وأعطيك الذي طلبت، فقلت له: أنت مجنون بقملك تملك الدّيار المصرية؟ قال: نعم. رأيت النّبيّ- ﷺ في النّوم، فقال لي: «أنت تملك مصر وتكسر التتار» وقول رسول الله ﷺ حقّ لا شكّ فيه، وجرى ذلك. وقال له منجم بمصر، وللملك الظّاهر بيبرس بعد أن اختبر نجم كل واحد منهما، فقال للملك المظفّر: أنت تملك مصر وتكسر التتار، فاستهزؤوا به. وقال للملك الظاهر: وأنت أيضا تملك الدّيار المصرية وغيرها، فاستهزؤوا به. فكان كما قال. وهذا من عجيب الاتفاق. وكان المظفّر بطلا، شجاعا ديّنا، مجاهدا، انكسرت التتار على يديه واستعاد منهم الشام. وكان أتابك الملك المنصور علي ولد أستاذه، فلما رآه لا يغني شيئا عزله، وقام في السلطنة. وكان شابّا، أشقر، وافر اللّحية. ذكر أنه قال أنا محمود بن ممدود ابن أخت السلطان خوارزم شاه، وأنه كان مملوكا لتاجر في القصاعين بمصر. وفيها شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بن أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى اليونيني الحنبلي الحافظ [١] . ولد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بيونين، ولبس الخرقة من الشيخ عبد الله البطائحي عن الشيخ عبد القادر، وربّاه الشيخ عبد الله اليونيني، وتفقه على الشيخ الموفق. وسمع من الخشوعي، وحنبل. وكان يكرر على الجمع بين «الصحيحين» وعلى أكثر «مسند أحمد» ونال من الحرمة والتقدم ما لم ينله أحد. وكانت الملوك تقبّل يده وتقدم مداسه. وكان إماما، علّامة، زاهدا، خاشعا لله، قانتا له، عظيم الهيبة، منوّر الشّيبة، مليح الصّورة، حسن السّمت والوقار، صاحب كرامات وأحوال.

стр. 3311

قال ولده موسى قطب الدّين، صاحب «التاريخ» المشهور [١] : حفظ والدي «الجمع بين الصحيحين» وأكثر «مسند الإمام أحمد» وحفظ «صحيح مسلم» في أربعة أشهر، وحفظ سورة الأنعام في يوم واحد، وحفظ ثلث «مقامات الحريري» في بعض يوم. وقال عمر بن الحاجب الحافظ: لم ير في زمانه مثل نفسه في كماله وبراعته، جمع بين الشريعة والحقيقة، وكان حسن الخلق والخلق، نفّاعا [للخلق] [٢] ، مطرحا للتكلف. وكان يحفظ في الجلسة الواحدة ما يزيد على سبعين حديثا. وكان لا يرى إظهار الكرامات ويقول: كما أوجب الله تعالى على الأنبياء إظهار المعجزات أوجب على الأولياء إخفاء الكرامات. ويروى عن الشيخ عثمان [٣] ، شيخ دير ناعس- وكان من أهل الأحوال- قال: قطب الشيخ الفقيه ثمان عشرة سنة. وتزوّج ابنة الشيخ عبد الله اليونيني، وهي أول زوجاته. وروى عنه ابناه أبو الحسين الحافظ، والقطب المؤرّخ، وغيرهما. وتوفي ليلة تاسع عشر رمضان ببعلبك، ودفن عند شيخه عبد الله اليونيني، رحمة الله عليهما. وفيها الأكّال الشيخ محمد بن خليل الحوراني ثم الدّمشقي [٤] . عاش ثمانيا وخمسين سنة، وكان صالحا، خيّرا، مؤثرا، لا يأكل لأحد شيئا إلّا بأجرة، وله في ذلك حكايات.

стр. 3312

وفيها ابن الأبّار الحافظ العلّامة أبو عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي الأندلسي البلنسي [١] ، الكاتب الأديب، أحد أئمة الحديث. قرأ القراءات، وعني بالأثر، وبرع في البلاغة والنظم والنثر. وكان ذا جلالة ورئاسة. قتله صاحب تونس ظلما في العشرين من المحرّم، وله ثلاث وستون سنة. وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الجمّاعيلي الحنبلي [٢] . سمع من محمد بن حمزة بن أبي الصقر، وعبد الرزاق النجّار، ويحيى الثّقفي، وغيرهم. وكان آخر من روى بالإجازة عن شهدة، وهو شيخ صالح متعفف، تال لكتاب الله تعالى، يؤمّ بمسجد ساوية [٣] من عمل نابلس، فاستشهد على يد التتار في جمادى الأولى، وقد نيّف على التسعين. قاله الذهبي. وفيها الملك الكامل ناصر الدّين محمد بن الملك المظفّر شهاب الدّين غازي بن العادل [٤] ، صاحب ميّافارقين. ملك سنة خمس وأربعين وستمائة، وكان عالما، فاضلا، شجاعا، عادلا، محسنا إلى الرعية. ذا عبادة وورع، ولم يكن في بيته من يضاهيه، حاصرته التتار عشرين شهرا حتى فني أهل البلد بالوباء والقحط، ثم دخلوا وأسروه، فضرب هولاكو [٥] عنقه بعد

стр. 3313

أخذ حلب، وطيف برأسه، ثم علّق رأسه [١] على باب الفراديس، ثم دفنه المسلمون بمسجد الرأس داخل الباب. قال الذّهبيّ: بلغني أنّ التتار دخلوا البلد- أي ميّافارقين- فوجدوا به سبعين نفسا بعد ألوف كثيرة. وفيها الضّياء القزويني الصّوفي، أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن محمد [٢] . ولد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بحلب، وروى عن يحيى الثّقفي. وفيها الشيخ الزّاهد الكبير أبو بكر [٣] بن قوام بن علي بن قوام البالسي. كان زاهدا، عابدا، قدوة، صاحب حال وكشف وكرامات. وله زاوية وأتباع. ولد سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وتوفي في سلخ رجب من هذه السنة ببلاد حلب، ثم نقل تابوته ودفن بجبل قاسيون في أول سنة سبعين وستمائة، وقبره ظاهر يزار. قاله الذهبي. وقال غيره [٤] : كان شافعيّ المذهب، أشعريّ العقيدة. ولد بمشهد صفّين، ثم انتقل إلى مدينة بالس، وصفين وبالس غربي الفرات، وببالس نشأ. وقد ألّف حفيده الشيخ محمد بن عمر بن الشيخ أبي

стр. 3314

بكر المذكور في مناقبه مؤلّفا حسنا، فمن أراد استقصاء محاسنه وكراماته فليراجعه. وفيها حسام الدّين الهذبانيّ [١] أبو علي محمد بن علي الكردي، من كبار الدولة وأجلائها. كان له اختصاص زائد بالملك الصّالح نجم الدّين، وناب في سلطنة دمشق له، ثم في سلطنة مصر. وحجّ سنة تسع وأربعين، ثم أصابه في آخر عمره صرع وتزايد به حتّى مات. ولد بحلب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وله شعر جيّد. وفيها أبو الكرم لاحق بن عبد المنعم بن قاسم الأنصاري الأرتاحي [ثم المصري الحنبلي اللبّان [٢] . سمع من عمّ جدّه عبد الله الأرتاحي] [٣] ، وتفرّد بالإجازة من المبارك، وكان صالحا، متعففا. روى عنه الزّكي عبد العظيم [٤] مع تقدّمه. توفي بمصر في جمادى الآخرة.

стр. 3315

سنة تسع وخمسين وستمائة في محرّمها اجتمع خلق من التتار الذين نجوا من يوم عين جالوت، والذين كانوا بالجزيرة، فأغاروا على حلب، ثم ساقوا إلى حمص، لما بلغهم مصرع الملك المظفّر، فصادفوا على حمص حسام الدّين الجو كندار، والمنصور صاحب حماة، والأشرف صاحب حمص في ألف وأربعمائة، والتتار في ستة آلاف، فالتقوهم، وحمل المسلمون حملة صادقة، فكان النّصر، ووضعوا السيف في الكفّار قتلا، حتّى أبادوا أكثرهم، وهرب مقدّمهم بيدرا [١] بأسوإ حال، ولم يقتل من المسلمين سوى رجل واحد. وأما دمشق فإنّ الحلبيّ دخل القلعة، فنازله عسكر مصر، وبرز إليهم وقاتلهم، ثم ردّ، فلما كان في اللّيل هرب وقصد قلعة بعلبك فعصى بها، فقدم علاء الدّين طيبرس [٢] الوزيري، وقبض على الحلبيّ من بعلبك وقيّده، فحبسه الملك الظّاهر بيبرس مدة طويلة. وفي رجب بويع بمصر المستنصر بالله أحمد بن الظّاهر محمد بن النّاصر لدين الله العبّاسي الأسود، وفوّض الأمور إلى الملك الظّاهر بيبرس، ثم قدما دمشق، فعزل عن القضاء نجم الدّين بن سني [الدولة، با] بن خلّكان [٣] . ثم سار المستنصر ليأخذ بغداد ويقيم بها.

стр. 3316

وكان في آخر العام مصاف بينه وبين التتار الذين بالعراق فعدم المستنصر في الوقعة وانهزم الحاكم قبجا [١] . والمستنصر هو أمير المؤمنين أبو القاسم أحمد بن الظّاهر بأمر الله بن النّاصر لدين الله [٢] . كان محبوسا ببغداد، حبسه التتار، فلما أطلقوه التجأ لعرب العراق، فأحضروه إلى مصر، فتلقاه السلطان بيبرس، والمسلمون، واليهود، والنصارى، ودخل من باب النّصر. وكان يوما مشهودا. وقرئ نسبه بحضرة القضاة، وشهد بصبحته، وحكم به، وبويع. بايعه القاضي تاج الدّين ابن بنت الأعز، ثم بايعه الملك الظّاهر بيبرس، والشيخ عز الدّين بن عبد السلام، ثم الكبار على مراتبهم، وذلك في ثالث عشر رجب. ونقش اسمه على السّكة، وخطب له. ولقّب بلقب أخيه. وكان شديد القوى، عنده شجاعة وإقدام، وهو الثامن والثلاثون من خلفاء بني العبّاس، رحمه الله تعالى. وفيها توفي الأرتاحي أبو العبّاس أحمد بن حاتم بن أحمد بن أحمد الأنصاري المقرئ الحنبلي [٣] . قرأ القراءات على والده، وسمع من جدّه لأمّه أبي عبد الله الأرتاحي، وابن ياسين، والبوصيري. ولازم الحافظ عبد الغني [٤] فأكثر عنه، وتوفي في رجب.

стр. 3317

وفيها إبراهيم بن سهل الإشبيلي [١] . شاعر زمانه بالأندلس. غرق في البحر. وفيها الصّفيّ بن مرزوق إبراهيم بن عبد الله بن هبة الله العسقلاني الكاتب [٢] . ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وكان متمولا، وافر الحرمة. وزر مرّة، وتوفي بمصر في ذي القعدة. وفيها مخلص الدّين إسماعيل بن قرناص الحموي [٣] . كان فقيها، عالما، فاضلا، شاعرا. من شعره: أما والله لو شقّت قلوب ... ليعلم ما بها من فرط حبّي لأرضاك الذي لك في فؤادي ... وأرضاني رضاك بشقّ قلبي وفيها شرف الدّين أبو محمد حسن بن عبد الله بن عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي ثم الصّالحي الفقيه الحنبلي [٤] . ولد سنة خمس وستمائة، وسمع الكثير من أبي اليمن الكندي وجماعة بعده، وتفقه على الشيخ الموفق، وبرع وأفتى، ودرّس بالجوزية مدة. قال أبو شامة: كان رجلا خيّرا. توفي ليلة ثامن المحرّم [٥] بدمشق ودفن بالجبل.

стр. 3318

وفيها الباخرزي- بالموحدة، وفتح الخاء المعجمة، وسكون الراء، ثم زاي، نسبة إلى باخرز من نواحي نيسابور- الإمام القدوة، الحافظ العارف، سيف الدّين أبو المعالي، سعيد بن المطهّر [١] ، صاحب الشيخ نجم الدّين الكبرى. كان إماما في السّنّة، رأسا في التصوف. روى عن نجم الدّين بن الجناب [٢] ، وعلي بن محمد الموصلي، و [أبي] رشيد الغزّال [٣] ، وخرّج أربعين حديثا. وفيها الشّارعي العالم الواعظ جمال الدّين عثمان بن مكّي بن عثمان ابن إسماعيل السّعدي الشّافعي [٤] . سمع الكثير من قاسم بن إبراهيم المقدسي، والبوصيري، وطبقتهما. وكان صالحا، متفننا، جليلا، مشهورا. توفي في ربيع الآخر. وفيها صاحب صهيون مظفّر الدّين عثمان بن منكورس [٥] . تملّك صهيون بعد والده ثلاثا وثلاثين سنة، وكان حازما، سايسا، ومهيبا. عمّر تسعين سنة، ودفن بقلعة صهيون، وتملّك بعده ابنه سيف الدّين محمد. وفيها الملك الظّاهر غازي [٦] شقيق السلطان الملك النّاصر يوسف،

стр. 3319

وأمّهما تركية. كان مليح الصّورة، شجاعا، جوادا. قتل مع أخيه بين يدي هولاكو [١] . وفيها ابن سيّد النّاس الخطيب الحافظ أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد اليعمري الإشبيلي [٢] . ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وعني بالحديث فأكثر، وحصّل الأصول لنفسه، وختم به معرفة الحديث بالمغرب. توفي بتونس في رجب. وفيها الصائن النّعال أبو الحسن محمد بن الأنجب بن أبي عبد الله البغدادي الصّوفي [٣] . ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وسمع من جدّه لأمّه هبة الله بن رمضان، وظاعن الزّبيري. وأجاز له وفاء بن اليمني [٤] ، وابن شاتيل، وطائفة. وله «مشيخة» . توفي في رجب. وفيها المتّيجي- بفتح الميم، وكسر التاء المثناة فوق المشددة، وتحتية، وجيم، نسبة إلى متيجة من ناحية بجاية- محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عيسى ضياء الدّين الإسكندراني [٥] ، الفقيه المالكي المحدّث، الرجل الصّالح. أحد من عني بالحديث، وروى عن عبد الرحمن بن موقّى [٦]

стр. 3320

فمن بعده، وكتب الكثير، وتوفي في جمادى الآخرة. وفيها ابن درباس، القاضي كمال الدّين أبو حامد محمد بن قاضي القضاة صدر الدّين عبد الملك المارانيّ المصريّ الشّافعي [١] الضّرير. ولد سنة ست وسبعين وخمسمائة، فأجاز له السّلفي، وسمع من البوصيري، والقاسم بن عساكر، ودرّس وأفتى واشتغل، وجالس الملوك، وتوفي في شوال. وفيها مكّي بن عبد الرزاق بن يحيى بن عمر بن كامل أبو الحرم الزّبيدي المقدسي ثم العقرباني [٢] . أجاز له عبد الرزاق النّجار، وسمع من الخشوعي وغيره، ومات في شوال. وفيها الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن العزيز محمد بن الظّاهر غازي بن السّلطان صلاح الدّين [٣] ، صاحب الشام. ولد سنة سبع وعشرين وستمائة، وسلطنوه بعد أبيه سنة أربع وثلاثين، ودبّر المملكة شمس الدّين لؤلؤ، والأمر كلّه راجع إلى جدّته الصّاحبة صفية ابنة العادل، ولهذا سكت الملك الكامل لأنها أخته، فلما ماتت سنة أربعين اشتد النّاصر واشتغل عنه الكامل بعمّه [٤] الصّالح، ثم فتح عسكره له حمص سنة ست وأربعين، ثم سار هو وتملّك دمشق بلا قتال سنة ثمان وأربعين،

стр. 3321

فوليها عشر سنين، وفي سنة اثنتين وخمسين [١] دخل بابنة السّلطان علاء الدّين صاحب الرّوم، وهي بنت خالة أبيه العزيز. وكان حليما، جوادا، موطّأ الأكناف، حسن الأخلاق، محببا إلى الرّعية، فيه عدل في الجملة، وقلة جور وصفح. وكان الناس معه في بلهنية من العيش، لكن مع إدارة الخمر والفواحش. وكان للشعراء دولة بأيّامه، لأنه كان يقول بالشعر ويجيز عليه. ومجلسه مجلس ندماء وأدباء. خدع وعمل عليه حتّى وقع في قبضة التتار، فذهبوا به إلى هولاكو [٢] فأكرمه، فلما بلغه كسرة جيشه على عين جالوت غضب وتنمّر وأمر بقتله، فتذلّل له، وقال: ما ذنبي؟ فأمسك عن قتله، فلما بلغه كسرة بيدرا [٣] على حمص استشاط غضبا وأمر بقتله وقتل أخيه الظّاهر، وقيل: بل قتله في الخامس والعشرين من شوال سنة ثمانية، وكان أبيض، حسن الشّكل. قاله الذهبي. وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : قتل معه جميع أتباعه وأقاربه، ومن جملتهم أخوه الملك الظّاهر غازي وولده العزيز، وهو- أي النّاصر- آخر ملوك بني أيوب [٤] . وبني بدمشق داخل باب الفراديس مدرسة في غاية الحسن، ووقف عليها أوقافا جليلة، وبنى بجبل الصّالحية رباطا وتربة، وهي عمارة عظيمة، ما عمر مثلها. أحضر لها من حلب من الرّخام والأحجار شيئا كثيرا، وغرم عليها أموالا عظيمة، ونهر يزيد جار فيها.

стр. 3322

وفيها توفي نور الدولة علي [بن يوسف] بن أبي المكارم المصري العطّار [١] الأديب الفاضل الشّاعر المجيد. من نظمه لغزّ في كوز الزّير [٢] : وذي أذن بلا سمع ... له جسم [٣] بلا قلب إذا استولى على صبّ [٤] ... فقل ما شئت في الصّبّ

стр. 3323

سنة ستين وستمائة في أوائل رمضان أخذت التتار الموصل بخديعة بعد حصار أشهر، وطمّنوا النّاس، وخرّبوا السّور، ثم بذلوا السيف تسعة أيام، وأبقوا [على] صاحبها الملك الصّالح إسماعيل أيّاما ثم قتلوه، وقتلوا ولده علاء الدّين الملك [١] . وفيها وقع الخلف بين بركة صاحب دست القفجاق، وابن عمّه هولاكو [٢] . وفيها توفي أحمد بن عبد المحسن بن محمد الأنصاري [٣] ، أخو شيخ الشيوخ، صاحب حماة. روى عن عبد الله بن أبي المجد وغيره. وفيها العزّ الضّرير الفيلسوف الرّافضيّ، حسن بن محمد [٤] بن أحمد ابن نجا الإربلي [٥] . كان بصيرا بالعربية، رأسا في العقليات. كان يقرئ المسلمين والذّمّة بمنزله، وله حرمة وهيبة، مع فساد عقيدته، وتركه الصّلوات، ووساخة هيئته. قاله الذهبي.

стр. 3324

وقال غيره: كان الناس يقرؤون عليه علم الأوائل، وتتردد إليه أهل الملل [١] جميعها، مسلمها ومبتدعها، والشيعة، واليهود، والنصارى، والسّامرة. وكان ذكيا، فصيحا، أديبا، فاضلا في سائر العلوم. وكان الملك النّاصر يكرمه ولا يردّ شفاعته. ومن نظمه في السّلوان: ذهبت بشاشة ما عهدت من الجوى ... وتغيّرت أحواله وتنكّرا وسلوت حتّى لو سرى من نحوكم ... طيف لما حيّاه طيفي في الكرى وله: توهّم [٢] واشينا بليل [٣] مزاره ... فهمّ ليسعى بيننا بالتباعد فعانقته حتّى اتّحدنا تعانقا ... فلما أتانا ما رأى غير واحد قال ابن العديم [٤] : لما سمع هذين البيتين: مسكه مسكة أعمى. توفي في ربيع الآخر عن أربع وسبعين سنة. وفيها عزّ الدّين شيخ الإسلام أبو محمد عبد العزيز بن عبد السّلام ابن أبي القاسم بن الحسن، الإمام العلّامة، وحيد عصره، سلطان العلماء، السّلميّ الدمشقيّ ثم المصريّ الشّافعي [٥] . ولد سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة، وحضر [أحمد بن] حمزة بن

стр. 3325

الموازييني. وسمع من عبد اللطيف بن أبي سعد، والقاسم بن عساكر، وجماعة. وتفقه على فخر الدّين بن عساكر، والقاضي جمال الدّين بن الحرستاني. وقرأ الأصول على الآمدي، وبرع في الفقه، والأصول، والعربية، وفاق الأقران والأضراب، وجمع بين فنون العلم، من التفسير، والحديث، والفقه، واختلاف أقوال الناس، ومآخذهم. وبلغ رتبة الاجتهاد، ورحل إليه الطلبة من سائر البلاد، وصنّف التصانيف المفيدة، وروى عنه الدّمياطي وخرّج له أربعين حديثا، وابن دقيق العيد، وهو الذي لقّبه بسلطان [١] العلماء، وخلق غيرهما. ورحل إلى بغداد فأقام بها أشهرا. هذا مع الزّهد، والورع، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، والصّلابة في الدّين. وقد ولي الخطابة بدمشق، فأزال كثيرا من بدع الخطباء ولم يلبس سوادا، ولا سجع خطبته، [بل] كان يقولها مترسلا، واجتنب الثناء على الملوك، بل كان يدعو لهم، وأبطل صلاة الرغائب والنّصف [٢] فوقع بينه وبين ابن الصّلاح بسبب ذلك. [ولم يكن يؤذن بين يديه يوم الجمعة إلّا مؤذن واحد] [٣] . ولما سلّم الصالح إسماعيل قلعة الشّقيف وصفد للفرنج، نال منه الشيخ على المنبر، ولم يدع له. فغضب الملك من ذلك وعزله وسجنه، ثم أطلقه. فتوجه إلى مصر، فتلقاه صاحب مصر الصّالح أيوب وأكرمه، وفوّض إليه قضاء مصر دون القاهرة والوجه القبلي، مع خطابة جامع مصر، فأقام

стр. 3326

بالمنصب أتمّ قيام، وتمكن من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ثم عزل نفسه من القضاء، وعزله السّلطان من الخطابة، فلزم بيته يشغل النّاس ويدرّس. وأخذ في التفسير في دروسه [١] ، وهو أول من أخذه في الدروس. وقال الشيخ قطب الدّين اليونيني: كان مع شدته، فيه حسن محاضرة بالنّوادر والأشعار. وقال الشريف عز الدّين: كان علم عصره في العلم، جامعا لفنون متعددة، مضافا إلى ما جبل عليه من ترك التكلف، مع الصّلابة في الدّين، وشهرته تغني عن الإطناب في وصفه. وقال ابن شهبة: ترجمة الشيخ طويلة، وحكاياته في قيامه على الظّلمة وردعهم كثيرة مشهورة، وله مكاشفات. وقال الذهبي: كان يحضر السماع ويرقص. توفي بمصر في جمادى الأولى من السنة، وحضر جنازته الخاصّ والعام، السلطان فمن دونه، ودفن بالقرافة في آخرها. ولما بلغ السلطان خبر موته قال: لم يستقر ملكي إلّا السّاعة، لأنه لو أمر الناس في بما أراد لبادروا إلى امتثال أمره. وفيها التّاج [٢] عبد الوهاب بن زين الأمناء أبي البركات الحسن بن محمد بن الدمشقي بن عساكر [٣] . سمع الكثير من الخشوعي وطبقته، وولي مشيخة النّورية بعد والده، وحجّ. فزار ولده أمين الدّين عبد الصمد، وجاور قليلا، ثم توفي في جمادى الأولى بمكّة.

стр. 3327

وفيها نقيب الأشراف بهاء الدّين أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد الحسيني بن أبي الجنّ [١] . سمع حضورا، وله أربع سنين من يحيى الثّقفي، وابن صدقة، وتوفي في رجب. وفيها ابن العديم الصّاحب العلّامة كمال الدّين أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة العقيلي الحلبي [٢] . من بيت القضاء والحشمة. ولد سنة بضع وثمانين وخمسمائة، وسمع من ابن طبرزد، وبدمشق من الكندي، وببغداد، والقدس، والنّواحي. وأجاز له المؤيد وخلق. وكان قليل المثل، عديم النّظير فضلا ونبلا، ورأيا وحزما، وذكاء وبهاء، وكتابة وبلاغة. درّس وأفتى وصنّف، وجمع «تاريخا» لحلب في نحو ثلاثين مجلدا [٣] . وولي خمسة من أيّامه على نسق القضاء، وقد ناب في سلطنة دمشق، وعلّم عن الملك النّاصر. وكان خطّه في غاية الحسن. باع النّاس منه شيئا كثيرا على أنه خطّ ابن البواب. وكانت له معرفة تامة بالحديث، والتاريخ، وأيّام الناس. وكان حسن الظنّ بالفقراء والصالحين.

стр. 3328

ومن شعره من أبيات: فيا عجبا [١] من ريقه وهو طاهر ... حلال وقد أضحى عليّ محرّما هو الخمر لكن أين للخمر طعمه ... ولذّته مع أنّني لم أذقهما سألزم نفسي الصّفح عن كلّ من جنى ... عليّ وأعفو عفّة وتكرّما وأجعل مالي دون عرضي وقاية ... ولو لم يغادر ذاك عندي درهما وقائلة يا ابن العديم إلى متى ... تجود بما تحوي ستصبح معدما فقلت لها عنّي إليك فإنّني ... رأيت خيار النّاس من كان منعما أبي اللؤم، لي أصل كريم وأسرة ... عقيلته سنو النّدى والتّكرّما توفي- رحمه الله تعالى- بمصر في العشرين من جمادى الأولى، ودفن بسفح المقطّم. وفيها الضّياء عيسى بن سليمان بن رمضان أبو الرّوح التّغلبي المصري القرافي الشّافعي [٢] . آخر من روى «صحيح البخاري» عن منجب المرشدي مولى مرشد الدّين [٣] . توفي في رمضان عن تسعين سنة. وفيها الشّمس الصّقليّ أبو عبد الله محمد بن سليمان بن أبي الفضل الدّمشقي [٤] الدّلال في الأملاك. سمع من ابن صدقة الحرّاني، وأبي الفتح المندائي [٥] ، وقرأ الختمة على أبي الجود. ولد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وتوفي في أواخر صفر.

стр. 3329

وفيها ابن عرق الموت، أبو بكر محمد بن فتّوح بن خلّوف بن يخلف بن مصال الهمداني الإسكندراني [١] . سمع من التّاج المسعودي، وابن موقا، وأجازه أبو سعد بن أبي عصرون والكبار، وتفرّد عن جماعة. توفي في جمادى الأولى. وفيها ابن زيلاق [٢] ، الشّاعر المشهور الأجلّ محيى الدّين محمد بن يوسف بن يوسف بن يوسف بن سلامة الموصلي العبّاسي [٣] الكاتب. كان شاعرا، مجيدا، حسن المعاني. من شعره: بعثت لنا من سحر مقلتك الوسنا ... سهادا يذود الجفن أن يألف الجفنا وأبرزت وجها أخجل [٤] البدر طالعا ... ومست بقدّ علّم الهيف الغصنا وأبصر جسمي حسن خصرك ناحلا ... فحاكاه لكن زاد في دقّة المعنى قتلته التتار بالموصل حين تملّكوها. وفيها أبو بكر بن علي بن مكارم بن فتيان الأنصاري المصري [٥] . روى عن البوصيري وجماعة، وتوفي في المحرّم.

стр. 3330

سنة إحدى وستين وستمائة في ثامن المحرّم عقد مجلس عظيم للبيعة، وجلس الحاكم بأمر الله أبو العبّاس أحمد بن الأمير أبي علي بن أبي بكر بن الخليفة المسترشد بالله بن المستظهر العبّاسيّ [١] ، فأقبل عليه الملك الظّاهر بيبرس البندقداري ومدّ يده إليه وبايعه بالخلافة، ثم بايعه الأعيان، وقلّد حينئذ السلطنة للملك الظّاهر بيبرس، فلما كان من الغد، خطب بالنّاس خطبة حسنة، أولها: الحمد لله الذي أقام لآل العبّاس ركنا وظهيرا. ثم كتب بدعوته وإمامته إلى الأقطار، وبقي في الخلافة أربعين سنة وأشهرا، وهو التاسع والثلاثون من بني العباس. وفيها خرج الظّاهر إلى الشّام، وتحيّل على صاحب الكرك الملك المغيث، حتّى نزل إليه، فكان آخر العهد به، لأنه كان كاتب هولاكو [٢] ، على أن يأخذ له مصر، وطلب منه عشرين ألف فارس، وأخرج كتبه بمصر وقرأها على العلماء، فأفتوا بعدم إبقاء من هذا فعله. وفيها وصل كرمون المقدّم في طائفة كبيرة من التتار قد أسلموا، فأنعم عليهم الملك الظاهر.
следующие страницы →