سنة أربع وخمسين وستمائة
فيها كان ظهور النّار بظاهر المدينة النبوية، على ساكنها الصلاة والسلام، وكانت مصداق قوله- ﷺ : «لا تقوم السّاعة حتّى تظهر نار بالحجاز [١] ، تضيء أعناق الإبل ببصرى» [٢] وبقيت أيّاما، قيل ثلاثة أشهر، وكان نساء المدينة يغزلن على ضوئها، وظن أهل المدينة أنها القيامة. ظهرت من وادي أحيلين [٣] في الحرّة الشرقية، تدب دبيب النمل إلى جهة الشمال، تأكل ما أتت عليه من أحجار وجبال، ولا تأكل الشجر. حتّى إن صاحب المدينة الشريفة، منيف بن شبحة أرسل اثنين ليأتياه بخبرها، فدنيا منها، فلم يجدا لها حرّا، فأخذ أحدهما سهما، ومدّ به إليها، فأكلت النصل دون العود، ثم قلبه ومدّ بالطرف الآخر، فأكلت الرّيش دون العود، وكانت تذيب وتسبك ما مرّت عليه من الجبال. فسدّت وادي شطاه بالحجر المسبوك بالنّار سدّا، ولا كسد ذي القرنين، واحتبس الماء خلفه، فصار بحرا مدّ البصر طولا وعرضا، كأنه نيل مصر عند زيادته. ثم خرقه الماء سنة تسعين وستمائة، فجرى الماء من الخرق سنة كاملة، يملأ ما بين جنبتي الوادي، ثم انسدّ، ثم
стр. 3257
انخرق ثانية في العشر الأول بعد السبعمائة، فجرى سنة وأزيد، ثم انخرق في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة [١] .
وفيها احترق المسجد النبوي ليلة الجمعة أول ليلة من رمضان، بعد صلاة التراويح، على يد الفرّاش أبي بكر المراغي، بسقوط ذبالة [٢] من يده، فأتت النّار على جميع سقوفه، ووقعت بعض السواري، وذاب الرّصاص، وذلك قبل أن ينام الناس، واحترق سقف الحجرة، ووقع بعضه في الحجرة الشريفة.
وقال بعض الناس في ذلك:
لم يحترق حرم النّبيّ لريبة ... تخشى عليه ولا دهاه العار
لكنّما أيدي الرّوافض لامست ... ذاك الجناب فطهّرته النّار
وقال ابن تولوا [٣] المغربي:
قل للروافض بالمدينة ما لكم ... يقتادكم للذمّ كلّ سفيه
ما أصبح الحرم الشريف محرّما ... إلّا لذمّكم الصّحابة فيه
وفيها غرقت بغداد الغرق الذي لم يسمع بمثله، زادت دجلة زيادة ما رأي مثلها، وغرق خلق كثير، ووقع شيء كثير من الدّور على أهلها،
стр. 3258
وأشرف النّاس على الهلاك، وبقيت المراكب تمرّ في أزفة بغداد، وركب الخليفة في مركب، وابتهل النّاس إلى الله تعالى بالدّعاء.
وفيها تواترت الأخبار بوصول عساكر هلاكو إلى بلاد أذربيجان، قاصدة بلاد الشام، فوردت قصّاد الخليفة بأن يصطلح الملك الناصر مع الملك العزيز صاحب مصر، ويتفقا على قتال التتار، فأجاب إلى ذلك وعاد إلى الشام.
وفيها توفي ابن وثيق، شيخ القراء أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن الأموي الإشبيلي [١] المجوّد الحاذق.
ولد سنة سبع وستين وخمسمائة، وذكر أنه قرأ القراءات السبع بغزّة وغيرها سنة خمس وتسعين على غير واحد من أصحاب أبي الحسن شريح، وأن أبا عبد الله ابن زرقون أجاز له، فروى عنه «التيسير» بالإجازة، وأقرأ بالموصل، والشام، ومصر. وكان عالي الإسناد. توفي بالإسكندرية في ربيع الآخر.
وفيها الأمير مجاهد الدّين إبراهيم بن أدنبا [٢] الذي بنى الخانقاه المجاهدية بدمشق، على الشرف، القبلي، وكان والي دمشق، عاقلا فاضلا.
ومن نظمه:
أشبهك الغصن في خصال ... القدّ واللّين والتّثنّي
لكن تجنّيك ما حكاه ... الغصن يجني وأنت تجني
стр. 3259
وله في مليح اسمه مالك:
ومليح قلت ما الاس ... م حبيبي قال مالك
قلت صف لي وجهك الزّا ... هي وصف حسن اعتدالك
قال كالغصن وكالبد ... ر وما أشبه ذلك
توفي بدمشق، ودفن بخانقانه المذكورة.
وفيها بشارة بن عبد الله الأرمني الكاتب، مولى شبل الدّولة المعظّمي [١] . كان يكتب خطّا حسنا. دفن بسفح قاسيون، وذريته يدّعون النظر على الذّرية، وعلى الخانقاة الشّبلية.
وفيها الحافظ ابن شاهاور عبد الله بن محمد بن شاهاور بن أنوشروان بن أبي النّجيب الرّازي [٢] .
كان حافظا، فاضلا غزير العلم، صاحب مقامات وكرامات وآثار.
وفيها العماد بن النّحاس الأصمّ أبو بكر عبد الله بن أبي المجد الحسن بن الحسين [٣] بن علي الأنصاري الدمشقي [٣] .
ولد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وسمع من أبي سعد بن أبي عصرون. وكان آخر من روى عنه. ومن الفضل بن البانياسي، ويحيى الثقفي، وجماعة. وسمع بنيسابور من منصور الفراوي، وبأصبهان من
стр. 3260
علي بن منصور الثّقفي. وكان ثقة، خيّرا، نبيلا، به صمم مفرط. سمع الناس من لفظه، ومات في الثاني والعشرين من صفر.
وفيها شمس الدّين عبد الرحمن بن نوح بن محمد المقدسي [١] ، مدرس الرّواحية، وأجلّ أصحاب ابن الصّلاح وأعرفهم بالمذهب. توفي في ربيع الآخر، وقد تفقه به جماعة.
وفيها عبد العزيز بن عبد الرحمن بن قرناص الحموي [٢] أحد الأعيان العلماء الفضلاء في الفقه والأدب. تزهّد في صباه، وامتنع من قول الشعر إلّا في الزّهد ومدح النّبي- ﷺ .
ومن شعره:
يا من غدا وجهه روض العيون لما ... أعاره الحسن من أنواع أزهار
نعّمت طرفي وأودعت الحشا حرقا ... فالطرف في جنّة والقلب في نار
وله أشياء مستحسنة جدا.
وفيها زكي الدّين عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر المصري، وعرف بابن أبي الإصبع [٣] صنف كتاب «تحرير التّحبير في البديع» لم يصنّف مثله.
ومن شعره المستجاد:
تبسّم لمّا أن بكيت من الهجر ... فقلت: ترى دمعي، فقال: ترى ثغري
стр. 3261
فديتك لمّا أن بكيت تنظّمت ... بفيك لآلي الدّمع عقدا من الدّر
فلا تدّعي يا شاعر الثّغر صنعة ... فكاتب دمعي [١] قال: ذا النظم من ثغري
وفيها الصّوري أبو الحسن علي بن يوسف الدّمشقي [٢] ، التاجر السفّار. سمع من المؤيد الطّوسي وجماعة، وكان ذا برّ وصدقة.
توفي في المحرّم.
وفيها الشيخ الكبير عيسى بن أحمد بن إلياس اليونيني [٣] الزاهد.
صاحب الشيخ عبد الله.
كان عابدا، زاهدا، صوّاما، قوّاما، خائفا، قانتا لله تعالى، متبتلا، منقطع القرين. صاحب أحوال وإخلاص، إلّا أنه كان حادّ النّفس، ولذلك قيل له سلّاب الأحوال. وكان خشن العيش في ملبسه ومأكله.
توفي في ذي القعدة، ودفن بزاويته بيونين.
وفيها ابن المقدسية، العدل شرف الدّين أبو بكر محمد بن الحسن ابن عبد السلام التّميمي السّفاقسي الأصل الإسكندراني المالكي [٤] .
ولد في أول سنة ثلاث وسبعين، وأحضره خاله الحافظ ابن المفضّل قراءة «المسلسل» بالأولية عند السّلفي، واستجازه له. ثم أسمعه من أحمد بن عبد الرحمن الحضرمي وغيره.
توفي في جمادى الأولى، وله «مشيخة» خرّجها منصور بن سليم الحافظ.
стр. 3262
وفيها الكمال بن الشّعّار أبو البركات المبارك بن أبي بكر بن حمدان الموصلي [١] ، مؤلف «عقود الجمان في شعراء الزّمان» توفي بحلب.
وفيها مجير الدّين يعقوب بن الملك العادل، ويلقب هو بالملك المعزّ.
كان فاضلا. أجاز له أبو روح الهروي وطائفة. وتوفي في ذي القعدة، ودفن بالتّربة عند أبيه.
وفيها سبط ابن الجوزي العلّامة الواعظ، المؤرخ شمس الدّين أبو المظفّر يوسف بن قزغلي [٢] التّركي ثم البغدادي الهبيري الحنفي، سبط الشيخ أبي الفرج بن الجوزي. أسمعه جدّه [٣] منه، ومن ابن كليب وجماعة.
وقدم دمشق سنة بضع وستمائة فوعظ بها وحصل له القبول العظيم للطف شمائله، وعذوبة وعظه.
стр. 3263
وله «تفسير» في تسع وعشرين مجلّدا، و «شرح الجامع الكبير» وكتاب «مرآة الزّمان» [١] وهو كتاب كاسمه، وجمع مجلدا في مناقب أبي حنيفة.
ودرّس وأفتى. وكان في شبيبته حنبليا، وكان وافر الحرمة عند الملوك.
نقله الملك المعظّم إلى مذهب أبي حنيفة فانتقد عليه ذلك كثير من الناس، حتّى قال له بعض أرباب الأحوال وهو على المنبر: إذا كان للرجل كبير ما يرجع عنه إلّا بعيب ظهر له فيه، فأيّ شيء ظهر لك في الإمام أحمد حتى رجعت عنه؟ فقال له: اسكت. فقال الفقير: أما أنا فسكت، وأما أنت فتكلم، فرام الكلام فلم يستطع، فنزل عن المنبر. ولو لم يكن له إلّا كتابه «مرآة الزمان» لكفاه شرفا، فإنه سلك في جمعه مسلكا غريبا، ابتدأه من أول الزمان إلى أوائل سنة أربع وخمسين وستمائة التي توفي فيها.
مات- ﵀ ليلة الثلاثاء العشرين من ذي الحجّة بمنزله بجبل الصالحية، ودفن هناك، وحضر دفنه الملك الناصر سلطان الشام، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
стр. 3264
سنة خمس وخمسين وستمائة
فيها شاع الخبر أن الملك المعزّ صاحب مصر يتزوج بابنة صاحب الموصل، فعظم ذلك على زوجته شجرة الدّرّ، وعزمت على الفتك به، واتفقت مع جماعة من الخدم ووعدتهم بأموال عظيمة، فركب المعزّ للعب الكرة، وجاء تعبان، فدخل الحمّام يغتسل، فلما صار عريانا رمته الخدّام إلى الأرض وخنقوه ليلا ولم يدر به أحد، فأصبح الناس من الأمراء والكبراء على عادتهم للخدمة، فإذا هو ميّت، فاختبطت المدينة، ثم سلطنوا بعده ابنه الملك المنصور عليا.
وفيها وصلت التتار إلى الموصل وخرّبوا بلادها.
وفيها توفي العلّامة ابن باطيش- بالشين المعجمة- عماد الدّين أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن سعيد بن هبة الله بن محمد الموصلي الشافعي [١] .
ولد في محرم سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ودخل بغداد فتفقه بها، وسمع بها من ابن الجوزي وغيره، وبحلب من حنبل، وبدمشق من جماعة، وخرّج لنفسه أحاديث عن شيوخه، ودرّس وأفتى، وصنّف تصانيف حسنة.
стр. 3265
منها «طبقات الشافعية» وكتاب «المغني في غريب المهذّب» وكان من أعيان الأئمة، عارفا بالأصول، قوي المشاركة في العلوم، لكن في كتابه «المغني» أوهام كثيرة، نبّه النووي في «تهذيبه» على كثير منها.
توفي في حلب في جمادى الآخرة، رحمه الله تعالى.
وفيها المعزّ عز الدّين أيبك التّركماني الصّالحي، صاحب مصر جهاشنكير [١] ، الملك الصالح.
كان ذا عقل ودين، وترك للمسكن. تملّك في ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعين.
ثم أقاموا معه باسم السلطنة الأشرف يوسف بن الناصر يوسف بن أقسيس، وله عشر سنين، وبقي المعزّ أتابكه. وهذا بعد خمسة أيام من سلطنة المعزّ. فكان يخرج التوقيع وصورته: رسم بالأمر العالي السلطاني الأشرفي والملكي المعزّي، ثم بطل أمر الأشرف بعد مديدة، وجرت لأبيك أمور. إلى أن خطب ابنة صاحب الموصل، فغارت أم خليل شجرة الدّرّ وقتلته في الحمّام، فقتلوها وملّكوا ولده عليا، وله خمس عشرة سنة. وكان أيبك عفيفا، طاهر الذّيل، لا يمنع أحدا حاجة، ولا يشرب مسكرا. كثير المداراة للأمراء. وبنى المدرسة المعزّية على النيل، ووقف عليها وقفا جيدا.
وفيها شجرة الدّرّ أمّ خليل [٢] كانت بارعة الحسن، ذات ذكاء وعقل
стр. 3266
ودهاء، فأحبها الملك الصالح، ولما توفي أخفت موته، وكانت تعلّم بخطّها علامته، ونالت من السعادة أعلى المراتب [١] ، بحيث أنها خطب لها على المنابر، وملّكوها عليهم أيّاما، فلم يتم ذلك. وتملّك المعزّ أيبك فتزوج بها، وكانت ربما تحكم عليه، وكانت تركية ذات شهامة وإقدام وجرأة. وآل أمرها إلى أن قتلت وألقيت تحت قلعة مصر مسلوبة، ولم يدر قاتلها، ثم دفنت بتربتها.
وفيها البادرائي [٢] العلّامة نجم الدّين أبو محمد عبد الله بن أبي الوفاء محمد بن الحسن الشافعي الفرضي.
ولد سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وسمع من جماعة، وتفقه، وبرع في المذهب، ودرّس بالنّظامية، وترسّل غيّر مرّة وحدّث بحلب، ودمشق، ومصر، وبغداد وبنى بدمشق المدرسة الكبيرة المشهورة به، وتعرف بالبدرائية.
قال الذهبي: كان فقيها، عالما، ديّنا، صدرا، محتشما، جليل القدر، وافر الحرمة، متواضعا، دمث الأخلاق، منبسطا. وقد ولي القضاء ببغداد على كره، وتوفي بعد خمسة عشر يوما في ذي القعدة، وعافاه الله تعالى من كائنة التتار.
وقال السيوطي في «لباب الأنساب» [٣] : البادرائي: بفتح الموحدة والدال والراء المهملتين، نسبة إلى بادرايا، قرية من عمل واسط.
стр. 3267
وفيها اليلداني المحدّث المسند، تقي الدّين عبد الرحمن بن أبي الفهم عبد المنعم بن عبد الرحمن القرشي الدمشقي. أبو محمد اليلداني الشافعي [١] .
كان من الحفّاظ المكثرين والأثبات المصنفين. ولد بيلدا [٢] قرية من قرى دمشق، في أول سنة ثمان وستين وخمسمائة، وطلب الحديث، وقد كبر ورحل، وسمع من ابن كليب، وابن بوش، وطبقتهما. وكتب الكثير، وذكر أن النّبيّ- ﷺ قال له في النوم: «أنت رجل جيّد» .
توفي بقريته- وكان خطيبها- في ثامن ربيع الأول.
وفيها المرسي العلّامة شرف الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن.
محمد بن أبي الفضل السّلمي الأندلسي المحدّث المفسّر النّحويّ [٣] .
ولد سنة سبعين وخمسمائة في أولها، وسمع «الموطأ» من أبي محمد ابن عبيد الله [الحجريّ] [٤] . ورحل إلى أن وصل إلى أقصى خراسان.
وسمع الكثير من منصور الفراوي، وأبي روح [الهرويّ] [٥] ، والكبار. وكان
стр. 3268
كثير الأسفار والتطواف، جمّاعة لفنون العلم، ذكيا، ثاقب الذهن. له تصانيف كثيرة، مع زهد، وورع، وفقر، وتعفف.
سئل عنه الحافظ الضياء فقال: فقيه، مناظر، نحويّ، من أهل السّنّة.
صحبنا وما رأينا منه إلّا خيرا.
وقال الذهبي: توفي في نصف ربيع الأول في الطريق، ودفن بتل الزّعقة، رحمه الله تعالى.
стр. 3269
سنة ست وخمسين وستمائة
فيها قتل المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله بن المستنصر بالله أبي جعفر منصور بن الظّاهر محمد بن النّاصر العبّاسي [١] ، آخر الخلفاء العراقيين. وكانت دولتهم خمسمائة سنة وأربعا وعشرين سنة.
ولد أبو أحمد هذا سنة تسع وستمائة في خلافة جدّ أبيه، وأجاز له المؤيد الطّوسي وجماعة، وسمع من علي ابن النّيّار [٢] الذي لقنه الختمة.
وروى عنه محيى الدّين بن الجوزي، ونجم الدّين البادرائي بالإجازة، واستخلف في جمادى الأولى سنة أربعين. وكان حليما، كريما، سليم الباطن، قليل الرأي، حسن الدّيانة، مبغضا للبدعة في الجملة، ختم له
стр. 3270
بخير، فإن الكافر هولاكو [١] أمر به وبولده، فرفسا حتّى ماتا، وذلك في آخر المحرم. وكان الأمر أشغل من أن يوجد مؤرّخ لموته أو مواراة جسده، وبقي الوقت بلا خليفة ثلاث سنين. وكان سبب قتلهما أن المؤيد العلقمي الوزير- قاتله الله- كاتب التتار وحرّضهم على قصد بغداد لأجل ما جرى على إخوانه الرافضة من النهب والخزي، فظنّ المخذول أن الأمر يتم له، وأنه يقيم خليفة علويّا، فأرسل أخاه ومملوكه إلى هولاكو [١] ، وسهّل عليه أخذ بغداد، وطلب أن يكون نائبا له عليها، فوعدوه بالأماني، وساروا فأخذ لؤلؤ صاحب الموصل يهيئ للتتار الإقامات، ويكاتب الخليفة سرّا، فكان ابن العلقمي- قبحه الله- لا يدع تلك المكاتبات تصل إلى الخليفة، مع أنها لو وصلت لما أجدت، لأن الخليفة كان يردّ الأمر إليه، فلما تحقّق الأمر، بعث ولد محيى الدّين بن الخوارزمي رسولا إلى هولاكو [١] يعده بالأموال والغنائم، فركب هولاكو [١] في مائتي ألف من التتار والكرج، ومدد من صاحب الموصل مع ولده الصالح إسماعيل، فخرج ركن الدّين الدوادار، فالتقى بأخوايين، وكان على مقدمة هولاكو [١] ، فانكسر المسلمون، ثم سار باجو فنزل من غربي بغداد، ونزل هولاكو [١] من شرقيها، فأشار ابن العلقمي على المستعصم بالله أن أخرج إليهم في تقرير الصلح، فخرج الخبيث وتوثق لنفسه، ورجع فقال:
إن الملك قد رغب أن يزوّج ابنته بابنك الأمير أبي بكر، وأن تكون الطّاعة له كما كان أجدادك مع الملوك السلجوقية، ثم يترحل، فخرج إليه المستعصم في أعيان الدولة، ثم استدعى الوزير العلماء والرؤساء ليحضروا العقد بزعمه، فخرجوا فضربت رقاب الجميع، وصار كذلك يخرج طائفة بعد طائفة وتضرب أعناقهم، حتّى بقيت الرّعية بلا راع، ثم دخلت حينئذ التتار بغداد، وبذلوا السيف، واستمر القتل والسّبي نحو أربعين يوما، ولم يسلم إلّا من
стр. 3271
اختفى في بئر أو قناة، وقتل الخليفة رفسا، ويقال: إن هولاكو [١] أمر بعدّ القتلى، فبلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف وكسر، فعند ذلك نودي بالأمان. ثم أمر هولاكو [١] بأخوايين فضربت عنقه، لأنه بلغه أنه كاتب الخليفة، وكانت بلية لم يصب الإسلام بمثلها. وعملت الشعراء قصائد في مراثي بغداد وأهلها، وتمثّل بقول سبط [ابن] التّعاويذي:
بادت وأهلوها معا فبيوتهم ... ببقاء مولانا الوزير خراب [٢]
وقال بعضهم:
يا عصبة الإسلام نوحي واندبي ... حزنا على ما تمّ للمستعصم
دست الوزارة كان قبل زمانه ... لابن الفرات فصار لابن العلقمي
وكان آخر خطبة خطبت ببغداد، أن قال الخطيب في أولها: الحمد لله الذي هدم بالموت مشيّد الأعمار، وحكم بالفناء على أهل هذه الدّار.
وقال تقيّ الدّين بن أبي اليسر قصيدته في بغداد وهي:
لسائل الدّمع عن بغداد أخبار ... فما وقوفك والأحباب قد ساروا
يا زائرين إلى الزّوراء لا تفدوا ... فما بذاك الحمى والدّار ديّار
تاج الخلافة والرّبع الذي شرفت ... به المعالم قد عفّاه إقفار
أضحى لعصف [٣] البلى في ربعه أثر ... وللدّموع على الآثار آثار
стр. 3272
يا نار قلبي من نار لحرب وغى ... شبّت عليه ووافى الرّبع إعصار
علا الصّليب على أعلى منابرها ... وقام بالأمر من يحويه زنّار
وكم حريم سبته التّرك غاصبة ... وكان من دون ذاك السّتر أستار
وكم بدور على البدريّة انخسفت؟ ... ولم يعد لبدور منه إبدار
وكم ذخائر أضحت وهي شائعة؟ ... من النّهاب وقد حازته كفّار
وكم حدود أقيمت من سيوفهم ... على الرّقاب وحطّت فيه أوزار
ناديت والسّبي مهتوك تجرّهم [١] ... إلى السّفاح من الأعداء دعّار [٢]
ولما فرغ هولاكو [٣] من قتل الخليفة وأهل بغداد، أقام على العراق نوّابه، وكان ابن العلقمي حسّن لهم أن يقيموا خليفة علويا فلم يوافقوه، واطّرحوه، وصار معهم في صورة بعض الغلمان، ومات كمدا، لا ﵀.
وهو مؤيد الدّين محمد بن أحمد [٤] ، وزير الإمام المستعصم بالله [٥] . كان فاضلا، متغاليا في التشيع إلى غاية ما يكون عامل التتار ليظفر ببغيته، لم ينل منهم ذلك. وكان ينشد وهو في حالة الهوان:
وجرى القضاء بعكس ما أمّلته
ثم أرسل هولاكو [٦] إلى الناصر صاحب دمشق كتابا صورته: يعلم
стр. 3273
سلطان مصر ناصر- طال بقاؤه- أنا لما توجهنا إلى العراق وخرج إلينا جنودهم فقتلناهم بسيف الله، ثم خرج إلينا رؤساء البلد ومقدّموها، فكان قصارى كلامهم سببا لهلاك نفوس تستحق الإهلاك. وأما ما كان من صاحب البلد [١] فإنه خرج إلى خدمتنا، ودخل تحت عبوديتنا [٢] ، فسألناه عن أشياء كذبنا فيها، فاستحق الإعدام. وكان كذبه ظاهرا، وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً ١٨: ٤٩ [٣] .
أجب ملك البسيطة، ولا تقولنّ: قلاعي المانعات، ورجالي المقاتلات، ولقد بلغنا أن شذرة من العسكر التجأت إليك هاربة، وإلى جنابك لائذة:
أين المفرّ ولا مفرّ لهارب ... ولنا البسيطان الثرى والماء
فساعة وقوفك على كتابنا، تجعل قلاع الشّام سماءها أرضا وطولها عرضا [٤] ، والسلام.
ثم أرسل له كتابا ثانيا يقول فيه: خدمة ملك ناصر- أطال عمره-.
أما بعد: فإنا فتحنا بغداد واستأصلنا ملكها وملكها إلى هنا [٥] وكان ظنّ- وقد ضنّ [٦] بالأموال، ولم ينافس الرّجال- أن ملكه يبقى على ذلك الحال، وقد علا ذكره، ونما قدره، فخسف في الكمال بدره:
إذا تمّ أمر بدا نقصه ... توقّع زوالا إذا قيل تمّ
стр. 3274
ونحن في طلب الازدياد، على ممر الآباد، فلا تكن كَالَّذِينَ نَسُوا الله فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ ٥٩: ١٩ [١] وأبد ما في نفسك، إما إمساك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ٢: ٢٢٩ [٢] أجب دعوة ملك البسيطة تأمن شرّه وتنال [٣] برّه، واسع إليه برجالك وأموالك، ولا تعوق رسولنا [٤] ، والسلام.
ثم أرسل كتابا ثالثا يقول فيه: أما بعد: فنحن جنود الله، بنا ينتقم ممن عتا وتجبّر، وطغى وتكبّر، وبأمر الله ما ائتمر، إن عوتب تنمّر، وإن روجع استمرّ [٥] ، ونحن قد أهلكنا البلاد، وأبدنا العباد، وقتلنا النسوان والأولاد، فأيّها الباقون، أنتم بمن مضى لاحقون، ويا أيها الغافلون، أنتم إليهم تساقون، ونحن جيوش الهلكة، لا جيوش المملكة [٦] ، مقصودنا الانتقام، وملكنا لا يرام، ونزيلنا لا يضام، وعدلنا في ملكنا قد اشتهر، ومن سيوفنا أين المفر:
أين المفرّ ولا مفرّ لهارب ... ولنا البسيطان الثّرى والماء
ذلّت لهيبتنا الأسود فأصبحت ... في قبضتي الأمراء والخلفاء
ونحن إليكم صائرون، ولكم طالبون [٧] ، ولكم الهرب، وعلينا الطلب.
ستعلم ليلى أيّ دين تداينت ... وأيّ غريم بالتّقاضي غريمها
دمرنا البلاد، وأيتمنا الأولاد، وأهلكنا العباد، وأذقناهم العذاب، وجعلنا
стр. 3275
عظيمهم صغيرا، وأميرهم أسيرا، أتحسبون أنكم منّا ناجون، أو متخلصون، وعن قليل سوف تعلمون، على ما تقدمون، وقد أعذر من أنذر، والسلام [١] .
وفيها توفي أبو العبّاس القرطبي أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري [٢] المالكي المحدّث الشّاهد، نزيل الإسكندرية. كان من كبار الأئمة.
ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وسمع بالمغرب من جماعة، واختصر «الصحيحين» وصنّف كتاب «المفهم في شرح مختصر مسلم» .
وتوفي في ذي القعدة.
وفيها ابن الحلاوي شرف الدّين أبو الطيب أحمد بن محمد بن أبي الوفاء الهزبر [٣] له فضيلة تامة، وشعره في غاية الجودة والرّقّة.
فمن ذلك قوله:
وافى يطوف بها الغزال الأغيد ... حمراء من وجناته تتوقّد
مالت به وأماله سكر الصّبا ... فنديمها كمديرها يتأوّد
ثقلت مآزره وأرهف لحظه ... فالقائلان [٤] مثقّل ومحدّد
فإذا انثنى وإذا رنا فقوامه ... واللّحظ منه مثقّف ومهنّد
стр. 3276
ومدح الملوك والكبار، وعاش ثلاثا وخمسين سنة. وكان في خدمة صاحب الموصل.
وفيها الزّعبي- بفتح الزاي، نسبة إلى زعب بطن من سليم- أبو إسحاق إبراهيم بن أبي بكر بن إسماعيل بن علي الحمّامي [١] . روى «كتاب الشكر» عن ابن شاتيل، ومات في المحرم ببغداد.
وفيها الصّدر البكري أبو علي الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن عمروك التيمي النيسابوري ثم الدمشقي [٢] الصّوفي الحافظ.
ولد سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وسمع بمكّة من عمر الميانشيّ، وبدمشق من ابن طبرزد [٣] ، وبخراسان من أبي روح، وبأصبهان من أبي الفتوح، وابن الجنيد، وكتب الكثير. وعني بهذا الشأن أتم عناية، وجمع وصنّف، وشرع في مسودة «ذيل» على تاريخ ابن عساكر، وولى مشيخة الشيوخ وحسبة دمشق، وعظم في دولة المعظّم، ثم فتر سوقه وابتلي بالفالج قبل موته بأعوام، ثم تحوّل إلى مصر فمات بها في حادي عشر ذي الحجّة ضعّفه بعضهم، وقال الزكيّ البرزالي: كان كثير التخليط.
وفيها الشّرف الإربلي، العلّامة أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم الهذباني [٤] الشّافعي اللّغوي [٥]
стр. 3277
ولد سنة ثمان وستين وخمسمائة بإربل، وسمع بدمشق من الخشوعي وطائفة. وحفظ على الكندي خطب ابن نباتة، و «ديوان المتنبي» و «مقامات الحريري» . وكان يعرف اللّغة ويقرئها.
توفي في ثاني ذي القعدة.
وفيها العماد داود بن عمر بن يوسف أبو المعالي الزّبيديّ المقدسيّ الشّافعيّ الدّمشقي الآباريّ [١] خطيب بيت الآبار [٢] .
ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة، وسمع من الخشوعي، والقاسم [بن عساكر] ، وطائفة. وكان فصيحا، خطيبا، بليغا، لا يكاد يسمع موعظة أحد إلّا يبكى. ولي خطابة دمشق وتدريس الغزالية بعد ابن عبد السّلام، ثم عزل بعد ست سنين، وعاد إلى خطابة القرية، وبها توفي في شعبان، ودفن هناك.
وفيها الملك النّاصر داود بن المعظّم بن العادل [٣] ، صاحب الكرك، صلاح الدّين أبو المفاخر.
стр. 3278
ولد سنة ثلاث وستمائة، وأجاز له المؤيد الطّوسي، وسمع ببغداد من القطيعي. وكان حنفيا، فاضلا، مناظرا، ذكيا، بصيرا بالأدب، بديع النظم، كثير المحاسن، ملك دمشق بعد أبيه، ثم أخذها منه عمّه الأشرف، فتحول إلى مدينة الكرك فملكها إحدى عشرة سنة، ثم عمل عليه ابنه، وسلّمها إلى صاحب مصر الصّالح وزالت مملكته. وكان جوادا، ممدحا.
ومن شعره يفضّل الجارية على الغلام:
أحبّ الغادة الحسناء ترنو ... بمقلة جؤذر فيها فتور
ولا أصبو إلى رشأ غرير ... وإن فتن الورى الرّشأ الغرير
وأنّى يستوي شمس وبدر ... ومنها يستمدّ ويستنير
وهل تبدو الغزالة في سماء ... فيظهر عندها للبدر نور
وله:
قلبي وطرفك قاتل وشهيد ... ودمي على خدّيك منه شهود
يا أيّها الرّشأ الذي لحظاته ... كم دونهنّ صوارم وأسود
ومن العجائب أنّ قلبك لم يلن ... لي والحديد ألانه داود
توفي- ﵀ بظاهر دمشق، بقرية البويضاء [١] ، ودفن عند والده الملك المعظم في جمادى الأولى، وكانت أمّه خوارزمية، عاشت بعده مدة.
وفيها بهاء الدّين زهير بن محمد بن علي بن يحيى الصّاحب المنشئ أبو الفضل وأبو العلاء الأزديّ المهلّبيّ المكّيّ ثم القوصيّ [٢] الكاتب، له «ديوان» مشهور.
стр. 3279
ولد سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وكتب الإنشاء للملك الصّالح نجم الدّين ببلاد المشرق، فلما تسلطن بلّغه أعلى المراتب ونفّذه رسولا.
ولما مرض بالمنصورة تغيّر عليه وأبعده، لأنه كان سريع [١] التخيل والغضب والمعاقبة على الوهم، ثم اتصل البهاء زهير بالنّاصر صاحب الشام، وله فيه مدائح. وكان ذا مروءة ومكارم.
ومن شعره [٢] :
يطيب لقلبي أن يطول [٣] غرامه ... وأيسر ما يلقاه منه حمامه
وأعجب منه كيف يقنع بالمنى ... ويرضيه من طيف الخيال [٤] لمامه
ومنها [٥] :
وما الغصن إلّا ما حوته بروده ... وما البدر إلّا ما حواه لثامه
خذوا لي من البدر الذّمام فإنّه ... أخوه لعلّي نافع لي ذمامه
ومن شعره أيضا [٦] :
أنا ذا زهيرك ليس إ ... لّا جود كفّك لي مزينه
أهوى جميل الذّكر عن ... ك كأنّما هو لي بثينه
стр. 3280
فاسأل ضميرك عن ودا ... دي [١] إنّه فيه جهينة
ومنه أيضا [٢] :
بروحي من أسميّها بستّي ... فترمقني [٣] النّحاة بعين مقت
يظنّوا أنّني [٤] قد قلت لحنا ... وكيف وإنّني لزهير وقتي
وقد ملكت جهاتي الستّ طرّا ... فلا عجب إذا ما قلت ستّي [٥]
قال ابن خلّكان: وشعره كلّه لطيف، وهو كما يقال: السهل الممتنع، وأجازني رواية «ديوانه» وهو كثير الوجود بأيدي النّاس.
قال: وكان مسّه ألم فأقام به أيّاما، ثم توفي قبل المغرب يوم الأحد رابع ذي القعدة، ودفن من الغد بعد صلاة الظهر بتربة بالقرافة الصّغرى، بالقرب من قبة الإمام الشافعي، ﵁، في جهتها القبلية، ولم يتفق لي الصّلاة عليه لاشتغالي بالمرض.
وفيها الكفرطابي أبو الفضل عبد العزيز بن عبد الوهّاب بن بيان القوّاس الرّامي الأستاذ [٦] .
ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وسمع الكثير من يحيى الثّقفي، وعمّر دهرا، وتوفي في الحادي والعشرين من شوال بدمشق.
стр. 3281
وفيها أبو العزّ بن صديق عبد العزيز بن محمد بن أحمد الحرّاني [١] وهو بكنيته أشهر، ولهذا أسماه بعضهم ثابتا. سمع من عبد الوهّاب بن أبي حبّة، وحدّث بدمشق وبها توفي في جمادى الأولى.
وفيها الحافظ الكبير زكي الدّين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي ابن عبد الله بن سلامة المنذري الشّامي ثم المصري الشّافعي [٢] ، صاحب التصانيف.
ولد سنة إحدى وثمانين خمسمائة، وسمع من الأرتاحي، وأبي الجود، وابن طبرزد، وخلق. وتخرّج بأبي الحسن علي بن المفضّل، ولزمه مدة. وله «معجم» كبير مرويّ، ولي مشيخة الكاملية مدة، وانقطع بها نحوا من عشرين سنة، مكبّا على العلم والإفادة.
قال ابن ناصر الدّين [٣] : كان حافظا، كبيرا، حجّة، ثقة، عمدة. له كتاب «الترغيب والترهيب» [٤] ...
стр. 3282
و «التكملة لوفيات النّقلة» [١] . انتهى.
وقال ابن شهبة: برع في العربية والفقه، وسمع الحديث بمكّة، ودمشق، وحرّان، والرّها، والإسكندرية. وروى عنه الدمياطي، وابن دقيق العيد، والشّريف عز الدّين، وأبو الحسين اليونيني، وخلق. وتخرّج به العلماء في فنون من العلم. وبه تخرّج الدّمياطي، وابن دقيق العيد، والشريف عزّ الدّين، وطائفة في علوم الحديث.
قال الشريف عز الدّين: كان عديم النّظير في معرفة علم الحديث على اختلاف فنونه، عالما بصحيحه وسقيمه ومعلوله وطرقه، متبحرا في معرفة أحكامه ومعانيه ومشكله، قيّما بمعرفة غريبه وإعرابه واختلاف ألفاظه، ماهرا في معرفة رواته وجرحهم وتعديلهم ووفياتهم ومواليدهم وأخبارهم. إماما، حجّة، ثبتا، ورعا، متحريا فيما يقوله، متثبتا فيما يرويه.
وقال الذهبيّ: لم يكن في زمانه أحفظ منه.
ومن تصانيفه «مختصر مسلم» [٢] و «مختصر سنن أبي داود» وله عليه حواش مفيدة. وكتاب «الترغيب والترهيب» في مجلدين، وهو كتاب نفيس.
توفي- رحمه الله تعالى- في رابع ذي القعدة، ودفن بسفح المقطّم.
وفيها جمال الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة والثانية بعناية الشيخ محمد محيي الدّين عبد الحميد، ﵀.
والثالثة بعناية وتعليق الشيخ مصطفى محمد عمارة، وهي أشهر الطبعات الثلاث وقد صورت مرارا.
ويقوم الأساتذة محيي الدّين مستو، وسمير العطّار، ويوسف بديوي بتحقيق الكتاب من جديد، وستصدر هذه الطبعة عن دار ابن كثير، وقد شرعت بطبع الجزء الأول وهو قيد التصحيح الآن.
стр. 3283
ابن سلطان بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر المقدسي النّابلسي [١] الفقيه الحنبلي المحدّث.
ولد يوم عاشوراء سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وسمع بالقدس من أبي عبد الله بن البنّا، وحدّث بنابلس.
قال الشريف عزّ الدّين: كان له سعة وفيه فضل. توفي في ذي القعدة بنابلس.
وفيها موفق الدّين أبو محمد عبد القاهر بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبد العزيز بن الفوطي البغدادي الحنبلي الأديب [٢] .
قال ابن السّاعي: كان إماما، ثقة، أديبا، فاضلا، حافظا للقرآن، عالما بالعربية واللغة والنجوم، كاتبا شاعرا، صاحب أمثال. وكان فقيرا ذا عيال، ولم يوافق نفسه على خيانة. ولي كتابة ديوان العرض، وقتل صبرا في الواقعة ببغداد.
وفيها ابن خطيب القرافة أبو عمرو عثمان بن علي بن عبد الواحد القرشي الأسدي الدمشقي الناسخ [٣] . كان له إجازة من السّلفي، فروى بها الكثير، وتوفي في ثالث ربيع الآخر عن أربع وثمانين سنة.
وفيها الشّاذلي أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الحميد المغربي [٤] الزاهد، شيخ الطائفة الشاذلية. سكن الإسكندرية، وصحبه بها
стр. 3284
جماعة. وله في التصوف مشكلة توهم، ويتكلّف له في الاعتذار عنها، وعنه أخذ الشيخ أبو العبّاس المرسي. قاله في «العبر» .
وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في «طبقات الأولياء» : علي أبو الحسن الشاذلي السيد الشريف، من ذرية محمد بن الحسن، زعيم الطائفة الشاذلية، نسبة إلى شاذلة قرية بإفريقية.
نشأ ببلده، فاشتغل بالعلوم الشرعية، حتّى أتقنها، وصار يناظر عليها، مع كونه ضريرا، ثم سلك منهاج التصوف، وجدّ واجتهد، حتّى ظهر صلاحه وخيره، وطار في فضاء الفضائل طيره، وحمد في طريق القوم سراه وسيره.
نظم فرقّق ولطّف، وتكلّم على الناس فقرّط الأسماع وشنّف، وطاف وجال، ولقي الرّجال، وقدم إلى إسكندرية من المغرب، وصار يلازم ثغرها من الفجر إلى المغرب، وينتفع الناس بحديثه الحسن وكلامه المطرب، وتحوّل إلى الدّيار المصرية، وأظهر فيها طريقته المرضية، ونشر سيرته السرية، وله أحزاب محفوظة وأحوال بعين العناية ملحوظة. قيل له من شيخك؟ فقال: أما فيما مضى فعبد السّلام بن بشيش [١] . وأما الآن فإني أسقى من عشرة أبحر، خمسة سماوية وخمسة أرضية.
ولما قدم إسكندرية كان بها أبو الفتح الواسطي، فوقف بظاهرها واستأذنه، فقال: طاقية لا تسع رأسين، فمات أبو الفتح في تلك الليلة، وذلك لأن من دخل بلدا على فقير بغير إذنه فمهما كان أحدهما أعلى سلبه أو قتله، ولذلك ندبوا الاستئذان. وحجّ مرارا، ومات قاصدا الحجّ في طريقه.
قال ابن دقيق العيد: ما رأيت أعرف بالله منه، ومع ذلك آذوه وأخرجوه بجماعته من المغرب، وكتبوا إلى نائب إسكندرية أنه يقدم عليكم مغربي
стр. 3285
زنديق، وقد أخرجناه من بلدنا فاحذروه. فدخل إسكندرية فآذوه، فظهرت له كرامات أوجبت اعتقاده.
ومن كلامه: كل علم تسبق إليك فيه الخواطر، وتميل النّفس، وتلتذ به فارم به وخذ بالكتاب والسّنّة.
وكان إذا ركب تمشي أكابر الفقراء وأهل الدّنيا حوله، وتنشر الأعلام على رأسه، وتضرب الكوسات [١] بين يديه، وينادي النّقيب أمامه بأمره له: من أراد القطب الغوث فعليه بالشاذلي.
قال الحنفي: اطلعت على مقام الجيلاني والشّاذلي، فإذا مقام الشاذلي أرفع.
ومن كلام الشاذلي: لولا لجام الشريعة على لساني لأخبرتكم بما يحدث في غد وما بعده إلى يوم القيامة [٢] .
وقد أفرد التّاج بن عطاء الله [٣] مؤلفا حافلا لترجمته وكلامه.
مات- رحمه الله تعالى- بصحراء عيذاب [٤] قاصدا للحجّ في أواخر ذي القعدة، ودفن هناك. انتهى ملخصا.
وفيها سيف الدّين بن المشدّ، سلطان الشعراء، صاحب «الديوان» المشهور. الأمير أبو الحسن علي بن عمر بن قزل التّركماني [٥] .
стр. 3286
ولد سنة اثنتين وستمائة بمصر، وكان فاضلا، كثير الخير والصدقات، ذا مروءة.
ومن شعره:
بشرى لأهل الهوى عاشوا به سعدا ... وإن يموتوا فهم من جملة الشّهدا
شعارهم رقّة الشّكوى ومذهبهم ... أن الضّلالة تيه [١] في الغرام هدى
عيونهم في ظلام اللّيل ساهرة ... عبرى وأنفاسهم تحت الدّجى صعدا
تجرّعوا كأس خمر الحبّ مترعة ... ظلّوا سكارى فظنّوا غيّهم رشدا
وعاسل القدّ معسول مقبّله ... كالغصن لما انثنى والبدر حين بدا
نادمته وثغور البرق باسمة ... والغيث ينزل منحلّا ومنعقدا
كأنّ جلّق حيّا الله ساكنها ... أهدت إلى الغور [٢] من أزهارها مددا
فاسترسل الجوّ منهلّا يزيد على ... ثوري [٣] ويعقد محلول النّدى بردى
ومن شعره أيضا:
بين الجفون مصارع العشّاق ... فخذوا حذاركم من الأحداق
فهي السّهام بل السّيوف وإنّها ... أمضى وأنكى في حشا المشتاق
توفي- ﵀ في تاسع المحرم بدمشق، ودفن بقاسيون.
وفيها النّشبيّ المحدّث شمس الدّين أبو الحسن علي بن المظفّر بن
стр. 3287
القاسم الرّبعي النّشبيّ الدمشقي [١] ، نائب الحسبة. سمع الكثير من الخشوعي، والقاسم بن عساكر، وخلق. وكان فصيحا، طيّب الصوت بالقراءة، كتب الكثير، وكان يؤدّب ثم صار شاهدا.
توفي في ربيع الأول وقد جاوز التسعين.
وفيها الشيخ علي الخبّاز [٢] الزاهد، أحد مشايخ العراق. له زاوية وأتباع، وأحوال وكرامات.
وفيها ابن عوّه أبو حفص عمر بن أبي نصر بن أبي الفتح الجزري [٣] ، التّاجر السفّار العدل. حدّث بدمشق عن البوصيري، وتوفي في ذي الحجّة، وكان صالحا.
وفيها الموفق بن أبي الحديد أبو المعالي، القاسم بن هبة الله بن محمد بن محمد المدائني [٤] المتكلم الأشعري، الكاتب المنشئ البليغ.
كان فقيها، أديبا، شاعرا، محسنا، مشاركا في أكثر العلوم. فمن شعره:
استر لثامك حتّى يستر اللّعس ... وقف ليبعد عن أعطافك الميس
إني أخاف على حسن حبيت به ... إصابة العين إنّ العين تختلس
يا غاصب الخشف أوصافا مكمّلة ... لم يبق للخشف إلّا السّوق والخنس
وفاضح البدر إنّ البدر مقتبس ... من التي هي من خدّيك تقتبس
معدّل الخلق لا طول ولا قصر ... مكمّل الخلق لا هين ولا شرس
стр. 3288
حموه عن كلّ ما يشفى العليل به ... حتّى على طيفه من شكله حرس
قد كنت أبصر صبحا في محبته ... فعاد وهو بعيني كلّه غلس
توفي ببغداد في رجب.
وفيها الإمام شعلة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد ابن الحسين الموصلي [١] الحنبلي المقرئ العلّامة، شارح «الشاطبية» . قرأ القرآن على أبي الحسن علي بن عبد العزيز الإربلي وغيره، وتفقه، وقرأ العربية، وبرع في الأدب والقراءات، وصنّف تصانيف كثيرة، ونظم الشعر الحسن.
قال الذهبي: كان شابا، فاضلا، ومقرئا محقّقا، ذا ذكاء مفرط، وفهم ثاقب، ومعرفة تامّة بالعربية واللغة، وشعره في غاية الجودة. نظم في الفقه، وفي التاريخ، وغيره. ونظم كتاب «الشّمعة في القراءات السّبعة» وكان- مع فرط ذكائه- صالحا، زاهدا، متواضعا. كان شيخنا التّقيّ المقصّاتي [٢] يصف شمائله وفضائله، ويثني عليه. وكان قد حضر بحوثه.
وقال ابن رجب: له تصانيف كثيرة، أكثرها في القراءات، منها «شرح الشاطبية» وكتاب «الناسخ والمنسوخ» وكلامه فيه يدل على تحقيقه وعلمه، وله كتاب «فضائل الأئمة الأربعة» .
ومن نظمه قوله:
دع عنك ذكر فلانة وفلان ... واجنب لما يلهي عن الرّحمن
стр. 3289
واعلم بأنّ الموت يأتي بغتة ... وجميع ما فوق البسيطة فان
فإلى متى تلهو وقلبك غافل ... عن ذكر يوم الحشر والميزان؟
أتراك لم تك سامعا ما قد أتى ... في النّصّ بالآيات والقرآن؟
فانظر بعين الإعتبار ولا تكن ... ذا غفلة عن طاعة الدّيّان
واقصد لمذهب أحمد بن محمد ... أعني ابن حنبل الفتى الشّيباني
فهو الإمام مقيم دين المصطفى ... من بعد درس معالم الإيمان
أحيا الهدى وأقام في إحيائه ... متجرّدا للضرب غير جبان
تعلوه أسياط الأعادي وهو لا ... ينفكّ عن حقّ إلى بهتان
[ويقول عند الضّرب: لست بتابع ... يا ويحكم، لكم بلا برهان
ماذا أقول غدا لربّي إن أنا ... وافقتكم في الزّور والبهتان] [١]
وعدلت [٢] عن قول النّبيّ وصحبه ... وجميع من تبعوه بالإحسان
أترون أني خائف من ضربكم ... لا والإله الواحد المنّان
كن حنبليّا ما حييت فإنّني ... أوصيك خير وصية الإخوان
ولقد نصحتك إن قبلت فأحمد ... زين الثّقات [٣] وسيّد الفتيان
من ذا أقام كما [٤] أقام إمامنا ... متجرّدا من غير ما أعوان
مستعذبا للمرّ في نصر الهدى ... متجرّعا لمضاضة السّلطان
وسلا بمهجته وبايع ربّه ... أن لا يطيع أئمة العدوان
وأقام تحت الضّرب حتّى إنه ... دحض الضّلال وفتنة الفتّان
وأتى برمح الحقّ يطعن في العدا ... أهل الضّلال وشرعة الشّيطان
стр. 3290
من ذا لقي [١] ما قد لقيه من الأذى ... في ربّه من ساكني البلدان
فعلى ابن حنبل السّلام وصحبه ... ما ناحت الورقاء في الأغصان
إني لأرجو أن أفوز بحبّه ... وأنال في بعثي رضا الرّحمن
حمدا لربّي إذ هداني دينه ... وعلى شريعة أحمد أنشاني
واختار مذهب أحمد لي مذهبا ... ومن الهوى والغيّ قد أنجاني
من ذا يقوم من العباد بشكر ما ... أولاه سيّده من الإحسان
قال الذهبي: توفي في صفر بالموصل، وله ثلاث وثلاثون سنة، رحمه الله تعالى.
وفيها الأديب الفاضل سعد الدّين محمد بن الشيخ محيي الدّين محمد بن العربي الحاتمي الطّائي [٢] .
ولد بملطية، وسمع الحديث، ودرّس. وله «ديوان» مشهور، وناب بدمشق.
ومن شعره في مليح رآه في الزيادة:
يا خليليّ في الزّيادة ظبي ... سلبت مقلتاه جفني رقاده
كيف أرجو السّلوّ عنه وطرفي ... ناظر حسن وجهه في الزّيادة
وله:
سهري من المحبوب أصبح مرسلا ... وأراه متّصلا بفيض مدامعي
قال الحبيب بأنّ ريقي [٣] نافع ... فاسمع رواية مالك عن نافع
стр. 3291
وله:
أشكو إلى الله علّام الخفيّات ... من جور ألحاظك المرضى الصحيحات
إن أنكرت هذه الأجفان ما صنعت ... سل عن دمي الوجنات العندميّات
روت لواحظها عن بابل خبرا ... ويلاه من سقم هاتيك الرّوايات
فيا جليسي بدا ما كنت أكتمه ... إنّ المجالس فاعلم بالأمانات
لله سرب ظباء من بني أسد ... حرّرت معهنّ أرباب المسرّات
حلّقت أحداقها بعدي وأوجهها ... كم من عيون تركناها وجنّات
توفي- رحمه الله تعالى- بدمشق، ودفن عند قبر أبيه بتربة بني الزّكي بقاسيون.
وفيها ابن الجرح أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الأنصاري التّلمساني المالكيّ [١] نزيل الثّغر. كان من صلحاء العلماء، سمع بسبتة «الموطأ» من أبي محمد بن عبيد الله الحجري [٢] ، وتوفي في ذي القعدة، عن ثنتين وتسعين سنة.
وفيها خطيب مردا الفقيه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أحمد بن أبي الفتح المقدسي النّابلسي [الحنبلي [٣] .
ولد بمردا سنة ست وستين وخمسمائة ظنّا، وتفقه بدمشق، وسمع من
стр. 3292
يحيى الثقفي] [١] وأحمد [بن] الموازييني، وبمصر من البوصيري وغير واحد، وتوفي بمردا في أوائل ذي الحجّة.
وفيها الفاسيّ الإمام أبو عبد الله محمد بن حسن بن محمد بن يوسف المغربي المقرئ [٢] ، مصنف «شرح الشّاطبية» . قرأ على رجلين قرءا على الشّاطبي، وكان فقيها، بارعا، متفنّنا، متين الدّيانة، جليل القدر، تصدّر للإقراء بحلب مدة، وتوفي في ربيع الآخر.
وفيها الفقيه الزّاهد محيي الدّين أبو نصر محمد بن نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر بن أبي صالح الحنبلي البغدادي [٣] ، قاضي القضاة، عماد الدّين. سمع من والده، ومن الحسن بن علي بن المرتضى العلوي، وغيرهما. وطلب بنفسه، وقرأ وتفقّه. وكان عالما، ورعا، زاهدا، يدرّس بمدرسة جدّه ويلازم الاشتغال بالعلم إلى أن توفي.
ولما ولي أبوه قضاء القضاة، ولّاه القضاء والحكم بدار الخلافة، فجلس في مجلس الحكم مجلسا واحدا وحكم، ثم عزل نفسه ونهض إلى مدرستهم بباب الأزج، ولم يعد إلى ذلك تنزّها عن القضاء وتورعا.
وسمع منه الدّمياطي الحافظ، وحدّث عنه، وذكره في «معجمه» وتوفي ليلة الاثنين ثاني عشر شوال ببغداد، ودفن إلى جنب جدّه الشيخ عبد القادر بمدرسته، وكانت وفاته بعد انقضاء الواقعة.
وفيها ابن صلايا، الصّاحب تاج الدّين، أبو المكارم، محمد بن نصر ابن يحيى الهاشمي العلوي [٤] ، نائب الخليفة بإربل. كان من رجال الدّهر
стр. 3293
عقلا، ورأيا، وهيبة، وعزما، وجودا، وسؤددا. قتله هولاكو [١] في ربيع الآخر بقرب تبريز [٢] .
وفيها الفاضل الأديب نور الدّين محمد بن محمد بن رستم الإسعردي [٣] الشاعر المشهور. كان قاضي القضاة ابن سني الدولة أجلسه تحت السّاعات شاهدا، فحضر يوما عند السلطان صلاح الدّين يوسف فأعجبته عبارته، فجعله نديما، وخلع عليه القباء والعمامة المذهبة، فأتى ثاني يوم بالعمامة المذهبة والقباء وجلس تحت السّاعات بين الشهود، وكان الغالب عليه المجون. وأفرد هزلياته في كتاب سماه «سلافة الزّرجون في الخلاعة والمجون» [٤] .
وفيها فتح الدّين محمد بن عبد الصّمد بن عبد الله بن حيدرة السّلمي [٥] . عرف بابن العدل، أحد الصّدور الأماثل. ولي حسبة دمشق إلى حين وفاته، وكان موصوفا بالعفاف، وجدّه محيي الدّين هو باني المدرسة بالزّبداني، وكان كثير البرّ والصدقة، له الأملاك الكثيرة، ودفن بسفح قاسيون.
وفيها ابن شقير [٦] ، الشيخ عفيف الدّين أبو الفضل المرجّى بن
стр. 3294
الحسن بن هبة الله بن غزال الواسطي [١] المقرئ التّاجر السفّار.
ولد سنة إحدى وستين وخمسمائة بواسط، وقرأ القراءات على أبي بكر ابن الباقلّاني وأتقنها، وتفقه. وكان آخر من روى وحدّث عن أبي طالب الكتّاني.
وذكر الفاروثي [٢] أنّه عاش إلى حدود هذه السنة.
وفيها ابن الشّقيشقة المحدّث، نجيب الدّين أبو الفتح نصر الله بن أبي العزّ مظفّر بن عقيل الشّيباني الدمشقي الصفّار [٣] .
ولد بعد الثمانين وخمسمائة، وسمع من حنبل [٤] ، وابن طبرزد، وخلق كثير. وروى «مسند أحمد» . وكان أديبا، ظريفا، عارفا بشيوخ دمشق ومروياتهم، لكن رماه أبو شامة بالكذب ورقة الدّين [٥] . وكان جعله قاضي القضاة ابن سني الدولة عاقدا تحت السّاعات، فقال فيه البهاء بن الدجّاجية:
جلس الشّقيشقة الشّقيّ ليشهدا ... بأبيكما ماذا عدا فيما بدا
هل زلزل الزّلزال أم قد أخرج الدّ ... جال أم عدموا الرّجال أولي الهدى [٦]
عجبا لمحلول العقيدة جاهل ... بالشّرع قد أذنوا له أن يعقدا
стр. 3295
ولابن الشّقيشقة لغز في الواو والميم والنّون، وهو:
أوّله آخره ... وبعضه جميعه
ثلاثة حروفه ... وواحد مجموعه
إن شئت أن تعكسه ... فلست [١] تستطيعه
توفي في جمادى الآخرة ووقف داره بدمشق دار حديث.
وفيها الصّرصري الشيخ العلّامة القدوة أبو زكريا يحيى بن يوسف ابن يحيى الصّرصري [٢] الأصل- نسبة إلى صرصر بفتح الصادين المهملتين، قرية على فرسخين من بغداد- كان إليه المنتهى في معرفة اللّغة وحسن الشعر، «وديوانه» ومدائحه سائرة [٣] ، وكان حسّان وقته.
ولد سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وقرأ القرآن بالرّوايات على أصحاب ابن عساكر البطائحي [٤] . وسمع الحديث من الشيخ علي بن إدريس اليعقوبي الزاهد، صاحبه الشيخ عبد القادر، وصحبه، وتسلّك به، ولبس منه الخرقة وأجاز له الشيخ عبد المغيث الحربي وغيره، وحفظ الفقه واللغة، ويقال: إنه كان يحفظ «صحاح» الجوهري بكمالها. وكان يتوقّد ذكاء،