عمر بن يوسف بن يحيى الزّبيدي [١] سمع من الخشوعي وغيره، وناب في خطابة دمشق من العادل، وتوفي يوم الجمعة يوم الأضحى.
وفيها يوسف بن مكتوم بن أحمد القيسي [٢] . سمع [٣] شمس الدّين ولد [٤] المعمّر صدر الدّين [روى عن الخشوعي والقاسم [٥] وجماعة] وروى عنه زكيّ الدّين البرزالي مع تقدمه.
وتوفي في ربيع الأول [٦] عن إحدى وثمانين سنة.
стр. 3362
سنة ست وستين وستمائة
في جمادى الأولى افتتح الظّاهر بيبرس يافا بالسيف وقلعتها بالأمان، ثم هدمها، ثم حاصر الشّقيف عشرة أيام وأخذها بالأمان، ثم أغار على أعمال طرابلس وقطع أشجارها وغوّر أنهارها. ثم نزل تحت حصن الأكراد فخضعوا له، فترحل إلى حماة ثم إلى فامية، ثم ساق، وطلب [١] أنطاكية فأخذها في أربعة أيام، وحصر من قتل بها فكانوا أكثر من أربعين ألفا [٢] .
وفيها توفي المجد بن الحلوانيّة المحدّث الجليل أبو العبّاس أحمد ابن المسلم بن حمّاد الأزدي الدّمشقي التّاجر [٣] .
ولد سنة أربع وستمائة، وسمع من أبي القاسم ابن الحرستاني فمن بعده، وكتب العالي والنّازل، ورحل إلى بغداد، ومصر، والإسكندرية، وخرّج «المعجم» . وتوفي في حادي عشر ربيع الأول.
وفيها الشيخ العزّ خطيب الجبل أبو إسحاق إبراهيم بن الخطيب شرف الدّين عبد الله بن أبي عمر الزّاهد المقدسي الحنبلي [٤] .
стр. 3363
ولد سنة ست وستمائة، وسمع من العماد، والشيخ موفق الدّين، وأبي اليمن [١] الكندي، وأبي القاسم بن الحرستاني، وخلق. وأجاز له القاسم الصفّار وجماعة. وكان إماما في العلم والعمل، بصيرا بالمذهب، صالحا، عابدا، زاهدا، مخلصا، صاحب أحوال وكرامات، وأمر بالمعروف، قوّالا بالحقّ. وقد جمع المحدّث أبو الفداء بن الخبّاز سيرته في مجلد وحدّث وسمع منه جماعة، منهم: أبو العبّاس الحيري وهو آخر أصحابه.
توفي في تاسع عشر ربيع الأول، ودفن بسفح قاسيون، وهو والد الإمامين عزّ الدّين الفرائضي، وعزّ الدّين محمد خطيب الجامع المظفّري، رحمهم الله تعالى.
وفيها بولص الرّاهب الكاتب المعروف بالحبيس [٢] .
أقام بمغارة بجبل حلوان بقرب القاهرة [٣] فقيل: إنه وقع بكنز الحاكم صاحب مصر، فواسى منه الفقراء والمستورين من كل ملّة، واشتهر أمره وشاع ذكره، وقام عن المصادرين بجمل عظيمة مبلغها ستمائة ألف دينار، وذلك خارجا عمّا كان يصرفه للفقراء. طلبه السلطان فأحضره وتلطّف به، وطلب منه المال، فجعل يغالطه ويراوغه، فلما أعياه ضيّق عليه وعذّبه إلى أن مات ولم يقرّ بشيء، فأخرج من القلعة ميتا، ورمي على باب القرافة، وكان لا يأكل من هذا المال شيئا ولا يلبس، ولا ظهر منه شيء في تركته.
قال الذّهبيّ: وقد أفتى غير واحد بقتله خوفا على ضعفاء الإيمان من المسلمين أن يضلّهم ويغويهم.
стр. 3364
وفيها عزّ الدّين عبد العزيز بن منصور بن محمد بن وداعة الحلبي [١] . كان خطيبا بجبلة من أعمال السّاحل، ثم اتصل بصلاح الدّين، فصار من خواصه، فلما ملك دمشق ولّاه شدّ الدواوين، وكن يظهر النّسك، وله حرمة وافرة، فلما تولى الظّاهر ولّاه الوزارة، وتولى جمال الدّين أقوش [٢] النّجيبيّ نيابة الشام، فحصل بينهما وحشة [باطنة] ، وكان النّجيبيّ يكرهه لتشيعه. وكان النّجيبي مغاليا في السّنّة، وعند عزّ الدّين تشيّع. فكتب عزّ الدّين إلى الظّاهر أن الأموال تنكسر وتحتاج الشّام إلى مشدّ تركيّ شديد المهابة، تكون أمور الولايات وأموالها راجعة إليه لا يعارض، وقصد بذلك رفع يد النائب فجهز [٣] الظّاهر علاء الدّين كشتغدي الشّقيريّ، فلم يلبث أن وقع بينهما، لأن الشّقيريّ كان يهينه غاية الهوان، فإذا اشتكى إلى النّائب لا يشكيه ويقول: أنت طلبت مشدّا تركيا. فكتب الشّقيريّ إلى الظّاهر في حقّه.
فورد الجواب بمصادرته، فأخذ خطّه بجملة يقصر عنها ماله، وضربه وعصره، وعلّقه. فكان كالباحث عن حتفه بظلفه. وكانت له دار حسنة باعها في المصادرة، ثم طلب إلى مصر. فتوفي بها عقب وصوله، ودفن بالقرافة الصّغرى قريبا من قبّة [٤] الشّافعيّ، ولم يخلّف ولدا، ولا رزقه الله في عمره [كلّه] ولدا [٥] فإنه لم يتزوج إلّا امرأة واحدة في صباه، ثم فارقها بعد أيام قلائل، وبنى بجبل قاسيون تربة ومسجدا وعمارة حسنة، وله وقف على وجوه البرّ.
стр. 3365
وفيها صاحب الرّوم السّلطان ركن الدّين [١] كيقباد [٢] بن السّلطان غياث الدّين كيخسرو بن السلطان كيقباد بن كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن قتلمش [٣] بن إسرائيل بن سلجوق بن دقاق [٤] السّلجوقي [٥] كان هو وأبوه مقهورين مع التتار، له الاسم ولهم التّصرّف، فقتلوه في هذه السنة، وله ثمان وعشرون سنة، لأن بعضهم نمّ عليه بأنه يكاتب الظّاهر، فقتلوه خنقا وأظهروا أن فرسه رماه. ثم أجلسوا في الملك ولده كيخسرو وله عشر سنين.
стр. 3366
سنة سبع وستين وستمائة
فيها هبّت ريح شديدة بالدّيار المصرية، غرّقت مائتي مركب، وهلك منها خلق كثير.
وفيها أمر السلطان بإراقة الخمور وتبطيل المفسدات والخواطئ بالدّيار المصرية، وكتب بذلك إلى جميع بلاده، وأمسك كاتبا يقال له: ابن الكازروني، وهو سكران، فصلبه وفي عنقه جرّة الخمر، فقال الحكيم ابن دانيال:
وقد كان حدّ السّكر من قبل صلبه ... خفيف الأذى إذ كان في شرعنا جلدا
فلما بدا المصلوب قلت لصاحبي ... ألا تب فإنّ الحدّ قد جاوز الحدّا
وفيها أخليت حرّان، ووصل منها خطيبها ابن تيميّة [١] وغيره.
وفيها توفي زين الدّين أبو الطّاهر إسماعيل بن عبد القوي بن عزّون [٢] الأنصاري المصري الشّافعي [٣] . سمع الكثير من البوصيري، وابن ياسين، وطائفة. وكان صالحا خيّرا. توفي في المحرّم.
стр. 3367
وفيها الرّوذراوري- بضم الراء المهملة، وسكون الواو والمعجمة، وفتح الراء والواو الثانية، ثم راء، نسبة إلى روذراور [١] بلد بهمذان- مجد الدين عبد المجيد بن أبي الفرج اللّغوي [٢] نزيل دمشق.
كانت له حلقة اشتغال بالحائط الشمالي، وكان فصيحا، مفوّها، حفظة لأشعار العرب. توفي في صفر.
وفيها علي بن وهب بن مطيع العلّامة مجد الدّين بن دقيق العيد القشيري المالكي [٣] شيخ أهل الصّعيد، ونزيل قوص. كان جامعا لفنون العلم، موصوفا بالصّلاح والتألّه، معظّما في النّفوس. روى عن أبي المفضّل [٤] وغيره، وتوفي في المحرّم عن ستّ وثمانين سنة.
وفيها الأبيوردي- بفتح الهمزة، والواو، وسكون التحتية، وكسر الباء الموحدة، وسكون الراء، نسبة إلى أبي ورد بليدة بخراسان [٥]- الحافظ زين الدّين أبو الفتح محمد بن محمد بن أبي بكر الصّوفي الشّافعي [٦] .
سمع وهو ابن أربعين سنة من كريمة، وابن قميرة فمن بعدهما، حتّى كتب عن أصحاب محمد بن عماد، وشرع في «المعجم» وحرص وبالغ، فما
стр. 3368
أفاق من الطلب إلّا والمنيّة قد فجأته، وكان ذا دين وورع، مكثرا لكنه قلّما روى.
توفي بالقاهرة بخانقاه سعيد السّعداء في جمادى الأولى، وله شعر.
وفيها التّاج مظفّر بن عبد الكريم بن نجم بن عبد الوهّاب بن عبد الواحد بن الحنبلي أبو منصور الدمشقي الحنبلي [١] مدرّس مدرسة جدّهم شرف الإسلام، وهي المسمارية.
ولد بدمشق في سابع عشري ربيع الأول سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وسمع بها من الخشوعي، وابن طبرزد، وحنبل، وغيرهم. وأفتى وناظر، وتفقّه. وحدّث بمصر والشام، وروى عنه جماعة، منهم: الحافظ الدّمياطي، وتوفي في ثالث صفر فجأة بدمشق ودفن بسفح قاسيون.
стр. 3369
سنة ثمان وستين وستمائة
فيها تسلّم الملك الظّاهر حصون الإسماعيليّة، وقرّر على زعيمهم نجم الدّين حسن بن الشّعراني أن يحمل كلّ سنة مائة ألف وعشرين ألفا، وولّاه على الإسماعيليّة. قاله في «العبر» [١] .
وفيها توفي زين الدّين أبو العبّاس أحمد بن عبد الدّائم بن نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم [٢] ، مسند الشام وفقيهها ومحدّثها الحنبلي المذهب النّاسخ.
ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وأجاز له خطيب الموصل، وابن الفراوي، وابن شاتيل وخلق، وسمع من يحيى الثّقفي، وابن صدقة، وابن الموازيني، وعبد الرحمن الخرقي، وغيرهم. وانفرد في الدّنيا بالرواية عنهم.
ودخل بغداد، فسمع بها من ابن كليب، وابن المعطوش [٣] وأبي الفرج بن الجوزي، وأبي الفتح بن المنّي، وابن سكينة، وغيرهم. وسمع بحرّان من خطيبها الشيخ فخر الدّين بن تيميّة. وعني بالحديث، وتفقه بالشيخ موفق
стр. 3370
الدّين، وخرّج لنفسه «مشيخة» وجمع «تاريخا» لنفسه. وكان فاضلا متنبّها.
وولي الخطابة بكفر بطنا [١] بضع عشرة سنة. وكان يكتب بسرعة خطّا حسنا، فكتب ما لا يوصف كثرة، يكتب في اليوم الكرّاسين والثلاثة إلى التسعة.
وكتب «تاريخ دمشق» لابن عساكر مرّتين، «والمغني» للموفق مرّات. وذكر أنه كتب بيده ألفي مجلّدة. وكان حسن الخلق والخلق، متواضعا، ديّنا. حدّث بالكثير بضعا وخمسين سنة، وانتهى إليه علوّ الإسناد. وكانت الرّحلة إليه من أقطار البلاد، وخرّج له ابن الظّاهري «مشيخة» وابن الخبّاز أخرى. وسمع منه الحفّاظ المتقدمون، كالحافظ ضياء الدّين، والزّكي البرزالي، وعمر بن الحاجب، وغيرهم. وروى عنه الأئمة الكبار، والحفّاظ المتقدمون والمتأخرون، منهم: الشيخ محيي الدّين النّووي، والشيخ شمس الدّين بن أبي عمر، وابن دقيق العيد، وابن تيميّة، وخلق، آخرهم: ابن الخبّاز. وتوفي يوم الاثنين سابع رجب، ودفن بسفح قاسيون.
وفيها ضياء الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي ثم المصري ثم الدمشقي [٢] الفقيه الشافعي، الإمام الحافظ المتقن المحقّق الضّابط الزّاهد الورع، شيخ النّووي. ذكره فيما ألحقه في «طبقات ابن الصّلاح» [٣] فقال: ولم تر عيني في وقته مثله، وكان- ﵁ بارعا في معرفة الحديث وعلومه وتحقيق ألفاظه، لا سيما «الصحيحان» ذا عناية
стр. 3371
بالغة، والنحو، والفقه، ومعارف الصّوفية، حسن المذاكرة فيها. وكان عندي من كبار السّالكين في طرائق الحقائق، حسن التعليم، صحبته نحو عشر سنين، فلم أر منه شيئا يكره. وكان من السماحة بمحلّ عال، على قدر وجده. وأما الشّفقة على المسلمين ونصيحتهم فقلّ نظيره فيهما.
توفي بمصر في أوائل سنة ثمان وستين وستمائة. انتهى كلام النّووي.
وفيها أبو دبّوس صاحب المغرب الواثق بالله أبو العلاء إدريس بن عبد الله المؤمني [١] آخر ملوك بني عبد المؤمن. جمع الجيوش، وتوثّب على مرّاكش، وقتل ابن عمّه صاحبها أبا حفص. وكان بطلا، شجاعا، مقداما، مهيبا. خرج عليه زعيم آل مرين [٢] يعقوب بن عبد الحق المريني [٣] وتمّت بينهما حروب، إلى أن قتل أبو دبّوس بظاهر مرّاكش في المصافّ، واستولى يعقوب على المغرب.
وفيها أحمد بن القاسم بن خليفة الحكيم عرف بابن أبي أصيبعة [٤] .
كان عالما بالأدب، والطبّ، والتّاريخ. له مصنفات عدة، منها: «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» [٥] .
وفيها شيخ الأطباء وكبيرهم علي بن يوسف بن حيدرة [الرّحبي] [٦] .
اشتغل بالأدب، وفاق أهل زمانه، وكان يقول لأصحابه: بعد قليل يموت عند
стр. 3372
قران الكوكبين، ثم يقول: قولوا للناس حتّى يعلموا مقدار علمي في حياتي وعلمي [١] بوقت موتي.
وفيها العلّامة المجيد نجم الدّين عبد الغفّار بن عبد الكريم بن عبد الغفّار القزويني الشّافعي [٢] ، أحد الأئمة الأعلام وفقهاء الإسلام.
قال اليافعيّ: سلك في «حاويه» مسلكا لم يلحقه أحد ولا قاربه.
قال ابن شهبة: هو صاحب «الحاوي الصغير» و «اللباب» و «العجاب» .
قال السّبكي: كان أحد الأئمة الأعلام، له اليد الطّولى في الفقه، والحساب، وحسن الاختصار. وقيل: إنه كان إذا كتب في الليل يضيء له نور يكتب عليه.
توفي في المحرّم سنة خمس وستين وستمائة. انتهى.
وجزم اليافعيّ وابن الأهدل بوفاته في هذه السنة [٣] .
وفيها الكرماني الواعظ المعمّر بدر الدّين عمر بن محمد بن أبي سعد التّاجر [٤] .
ولد بنيسابور سنة سبعين وخمسمائة، وسمع في الكهولة من القاسم [ابن] الصفّار. وروى الكثير بدمشق وبها توفي في شعبان.
وفيها محيي الدّين قاضي القضاة أبو الفضل يحيى بن قاضي القضاة محيي الدّين أبي المعالي محمد بن قاضي القضاة زكي الدّين أبي
стр. 3373
الحسن علي بن قاضي القضاة منتجب الدّين أبي المعالي القرشي الدمشقي الشافعي [١] .
ولد سنة ست وتسعين وخمسمائة، وروى عن حنبل، وابن طبرزد، وتفقه على الفخر بن عساكر، وولي قضاء دمشق مرّتين فلم تطل أيّامه، وكان صدرا معظّما معرقا في القضاء، له في [ابن] العربي عقيدة تتجاوز الوصف.
وكان شيعيّا يفضّل عليا على عثمان، مع كونه ادعى نسبا إلى عثمان.
وهو القائل:
أدين بما دان الوصيّ ولا أرى ... سواه وإن كانت أميّة محتدي
ولو شهدت صفّين خيلي لأعذرت ... وساء بني حرب هنالك مشهدي
وسار إلى خدمة هولاكو [٢] فأكرمه وولّاه قضاء الشّام، وخلع عليه خلعة سوداء مذهّبة، فلما تملّك الملك الظّاهر أبعده إلى مصر وألزمه بالمقام بها.
وتوفي بمصر في سابع عشر رجب. قاله في «العبر» .
стр. 3374
سنة تسع وستين وستمائة
في شعبانها افتتح السّلطان حصن الأكراد بالسيف، ثم نازل حصن عكّا، وأخذه بالأمان، فتذلّل له صاحب طرابلس، وبذل له ما أراد، وهادنه عشر سنين.
وفي شوّالها جاء سيل بدمشق في بحبوحة الصّيف، وذلك بالنهار والشمس طالعة، فغلّقت أبواب البلد، وطغا الماء وارتفع، وأخذ البيوت والأموال، وارتفع عند باب الفرج ثمانية أذرع، حتّى طلع الماء فوق أسطحة عديدة، وضجّ الخلق، وابتهلوا إلى الله تعالى. وكان وقتا مشهودا، أشرف الناس فيه على التّلف، ولو ارتفع ذراعا آخر لغرق نصف دمشق.
وفيها توفي ابن البارزيّ قاضي حماة شمس الدّين إبراهيم بن المسلم بن هبة الله الحموي الشّافعي [١] تفقه بدمشق بالفخر بن عساكر، وأعاد له، ودرّس بالرّواحية، وولي تدريس معرّة النّعمان، ثم تحوّل إلى حماة ودرّس بها، وأفتى، وولي قضاءها فحمدت سيرته، وكان ذا علم ودين.
وتوفي في شعبان عن تسع وثمانين سنة.
وفيها الشيخ حسن بن أبي [٢] عبد الله بن صدقة الأزدي الصّقليّ
стр. 3375
المقرئ [١] ، الرّجل الصّالح. قرأ القراءات على السّخاوي، وسمع الكثير، وأجاز له المؤيد الطّوسي، وتوفي في ربيع الآخر، وكان صالحا، ورعا، مخلصا، متقلّلا من الدّنيا منقطع القرين، عاش تسعا وسبعين سنة.
وفيها ابن قرقول، صاحب كتاب «مطالع الأنوار» إبراهيم بن يوسف الحموي [٢] . كان من الفضلاء الصّلحاء. صحب علماء الأندلس، وكتابه ضاهى به «مشارق الأنوار» للقاضي عياض. صلّى الجمعة في الجامع ثم حضرته الوفاة، فتلا سورة الإخلاص، وكرّرها بسرعة، ثم تشهّد ثلاث مرّات وسقط على وجهه ميّتا ساجدا، رحمه الله تعالى.
وفيها ابن سبعين الشّيخ قطب الدّين أبو محمد عبد الحقّ بن إبراهيم ابن محمد بن نصر الإشبيلي المرسي الرّقوطي [٣] الأصل الصّوفي المشهور [٤] .
قال الذهبي: كان من زهّاد الفلاسفة، ومن القائلين بوحدة الوجود. له تصانيف وأتباع يقدمهم يوم القيامة. انتهى.
وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في «طبقاته» : درّس العربية والآداب بالأندلس، ثم انتقل إلى سبتة وانتحل التصوف على قاعدة زهد الفلاسفة وتصرّفهم، وعكف على مطالعة كتبه، وجدّ واجتهد، وجال في بلاد المغرب،
стр. 3376
ثم رحل إلى المشرق، وحجّ حججا كثيرة، وشاع ذكره، وعظم صيته، وكثرت أتباعه، على رأي أهل الوحدة المطلقة، وأملى عليهم كلاما في العرفان على رأي الاتحادية، وصنّف في ذلك أوضاعا كثيرة وتلقّوها عنه وبثّوها في البلاد شرقا وغربا، وقد ترجمه ابن حبيب فقال: صوفيّ متفلسف متزّهد متعبّد متقشّف، يتكلم على طريق أصحابه، ويدخل البيت لكن من غير أبوابه، شاع أمره، واشتهر ذكره، وله تصانيف، وأتباع، وأقوال، تميل إليها بعض القلوب وينكرها بعض الأسماع. وقال لأبي الحسن الشّشتري [١] عند ما لقيه- وقد سأله عن وجهته وأخبره بقصده الشيخ أبا أحمد- إن كنت تريد الجنّة فشأنك ومن قصدت، وإن كنت تريد ربّ الجنّة فهلمّ إلينا. وأما ما نسب إليه من آثار السّيما [٢] والتصويف فكثير جدا.
ومن نظمه:
كم ذا تموّه بالشّعبين والعلم [٣] ... والأمر أوضح من نار على علم
أصبحت [٤] تسأل عن نجد وساكنها ... وعن تهامة هذا فعل متّهم
وقال البسطامي: كان له سلوك عجيب على طريق أهل الوحدة، وله في علم الحروف والأسماء اليد الطّولى، وألّف تصانيف، منها: «كتاب الحروف الوضعية في الصّور الفلكية» و «شرح كتاب إدريس ﵇» الذي وضعه في علم الحرف، وهو نفيس.
стр. 3377
ومن وصاياه لتلامذته وأتباعه: عليكم بالاستقامة على الطريقة [١] ، وقدّموا فرض الشريعة على الحقيقة، ولا تفرّقوا بينهما، فإنهما من الأسماء المترادفة، واكفروا بالحقيقة التي في زمانكم هذا، وقولوا: عليها وعلى أهلها اللعنة. انتهى.
وأغراض الناس متباينة بعيدة عن الاعتدال، فمنهم المرهق المكفّر، ومنهم المقلّد.
ومما شنّع عليه به، أنه ذكر في [٢] «كتاب البدّان» [٣] صاحب «الإرشاد» إمام الحرمين، إذا ذكر أبو جهل وهامان فهو ثالث الرجلين، وأنه قال في شأن الغزّاليّ: إدراكه في العلوم أضعف من خيط العنكبوت، فإن صحّت نسبة ذلك إليه، فهو من أعداء الشريعة المطهّرة بلا ريب.
وقد حكي عن قاضي القضاة ابن دقيق العيد أنه قال: جلست معه من ضحوة إلى قريب الظهر وهو يسرد كلاما تعقل مفرداته ولا تفهم مركّباته، والله أعلم بسريرة حاله.
وقد أخذ عن جماعة، منهم: الحرّاني، والبوني. مات بمكّة. انتهى كلام المناويّ بحروفه.
وفيها أبو الحسن بن عصفور علي بن مؤمن بن محمد بن علي النّحوي الحضرميّ الإشبيلي [٤] ، حامل لواء العربية في زمانه بالأندلس.
стр. 3378
قال ابن الزّبير: أخذ عن الدّبّاج والشّلوبين ولازمه مدة، ثم كانت بينهما منافرة ومقاطعة. وتصدّر للاشتغال مدة بعدة بلاد، وجال بالأندلس، وأقبل عليه الطلبة. وكان أصبر النّاس على المطالعة، لا يملّ من ذلك. ولم يكن عنده ما يؤخذ عنه غير النحو، ولا تأهّل لغير ذلك.
قال الصّفديّ: ولم يكن عنده ورع، وجلس في مجلس شراب، فلم يزل يرجم بالنّارنج إلى أن مات في رابع عشري ذي القعدة. ومولده سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وصنّف «الممتع في التصريف» [١] . كان أبو حيّان لا يفارقه، «المقرّب» شرحه لم يتم، «شرح الجزولية» ، «مختصر المحتسب» ، ثلاث شروح على «الجمل» ، «شرح الأشعار الستة» وغير ذلك.
ومن شعره:
لمّا تدنّست بالتّفريط في كبري ... وصرت مغرى بشرب الرّاح واللّعس
أيقنت [٢] أنّ خضاب الشّيب أستر لي ... إنّ البياض قليل الحمل للدّنس
ورثاه القاضي ناصر الدّين بن المنيّر. قال ذلك السيوطي في كتابه «بغية الوعاة في طبقات اللّغويين والنّحاة» .
وفيها المجد بن عساكر محمد بن إسماعيل بن عثمان بن مظفّر بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين الدّمشقي [٣] المعدّل.
سمع من الخشوعي والقاسم [٤] ، وجماعة، وتوفي في ذي القعدة.
стр. 3379
سنة سبعين وستمائة
في رمضان حوّلت التتار من تبقّى من أهل حرّان [١] إلى المشرق وخربت ودثرت بالكلّيّة.
وفيها توفي معين الدّين أحمد بن قاضي الدّيار المصرية علي بن العلّامة أبي المحاسن يوسف بن عبد الله بن بندار الدّمشقي ثم المصري [٢] .
ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة، وسمع من البوصيري، وابن ياسين، وطائفة، وتوفي في رجب.
وفيها الملك الأمجد حسن بن الملك النّاصر داود بن الملك المعظّم عيسى بن الملك العادل أيوب [٣] .
كان من الفضلاء، عنده مشاركة جيدة في كثير من العلوم، وله معرفة تامّة بالأدب. وتزهّد وصحب المشايخ، وكان لا يدّخر عنهم شيئا. وكان كثير
стр. 3380
المروءة والاحتمال. مات بدمشق ودفن بتربة جدّه الملك المعظّم بسفح قاسيون.
وفيها الكمال سلّار بن الحسن بن عمر بن سعيد الإربلي الشّافعي [١] الإمام العلّامة مفتي الشّام ومفيده أبو الفضائل، صاحب ابن الصّلاح شيخ الأصحاب ومفيد الطلّاب. تفقّه على ابن الصّلاح حتّى برع في المذهب، وتقدم وساد، واحتاج الناس إليه، وكان معيدا بالبادرائية، عيّنه لها واقفها، فباشرها إلى أن توفي يفيد ويعيد، ويصنّف ويعلّق، ويؤلّف ويجمع، وينشر المذهب، ولم يزدد منصبا آخر، وقد اختصر «البحر» للرّوياني في مجلدات عدة، وانتفع به جماعة من الأصحاب، منهم الشيخ محيي الدّين النّووي، وأثنى عليه ثناء حسنا. قال: وتفقه على جماعة، منهم: أبو بكر الماهياني، والماهياني على ابن البرزي.
وقال الشريف عزّ الدّين: وكان عليه مدار الفتوى بالشّام في وقته، ولم يترك في بلاد الشام مثله.
توفي في جمادى الآخرة في عشر التسعين أو نيّف عليها، ودفن بباب الصغير.
وفيها الجمال البغداديّ عبد الرحمن بن سليمان [٢] بن سعد بن سليمان [٢] البغدادي [٣] الأصل الحرّاني المولد، الفقيه الحنبلي، أبو محمد، نزيل دمشق.
стр. 3381
ولد سنة خمس وثمانين وخمسمائة في أحد ربيعيها، وسمع من عبد القادر الحافظ، وحنبل، وحمّاد الحرّاني، وغيرهم. وتفقه بالشيخ الموفق، وبرع وأفتى، وانتفع به جماعة، وحدّث. وروى عنه طائفة، منهم:
ابن الخبّاز. وكان إماما بحلقة الحنابلة بالجامع.
توفي في رابع شعبان ودفن بسفح قاسيون.
وفيها ابن يونس تاج الدّين العلّامة عبد الرحيم بن الفقيه رضي الدّين محمد بن يونس بن منعة الموصلي الشافعي [١] ، مصنّف «التعجيز» .
كان من بيت الفقه والعلم بالموصل.
ولد بها سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، واشتغل بها، وأفاد وصنّف، ثم دخل بغداد بعد استيلاء التتار عليها في رمضان هذه السنة، وولي قضاء الجانب الغربي بها، وتدريس البشيرية.
قال الإسنويّ: كان فقيها، أصوليا، فاضلا.
توفي في شوال سنة إحدى وسبعين وستمائة، ودفن عند قبة الدّيلم بالمشهد الفاطمي، وجزم ابن خلّكان وصاحب «العبر» [٢] بوفاته في هذه السنة.
وفيها أبو محمد عبد الوهاب بن محمد بن إبراهيم بن سعد
стр. 3382
المقدسي الصّحراوي [١] . روى عن الخشوعي، ومحمد بن الخصيب، وتوفي في رمضان عن ثمانين سنة.
وفيها القاضي الرئيس عماد الدّين محمد بن سالم بن الحافظ أبي المواهب التّغلبي [٢] الدّمشقي [٣] ، والد قاضي القضاة نجم الدّين.
ولد بعد الستمائة، وسمع من الكندي وجماعة، وكان كامل السّؤدد، متين الدّيانة، وافر الحرمة. توفي في العشرين من ذي القعدة عن تسعين سنة. قاله في «العبر» .
وفيها الوجيه ابن سويد التكريتي محمد بن علي بن أبي طالب التّاجر [٤] . كان واسع الأموال والمتاجر، عظيم الحرمة، مبسوط اليد في الدولة النّاصرية والظّاهرية.
توفي في ذي القعدة عن نيّف وستين سنة، ولم يرو شيئا.
وفيها الحافظ محمد بن الحافظ العلم علي الصّابوني بن محمود بن أحمد بن علي المحمودي [٥] أبو حامد، المنعوت بالجمال. كان إماما، حافظا، مفيدا. اختلط قبل موته بسنة أو أكثر.
قال ابن ناصر الدّين في «بديعته» [٦] :
محمد بن العلم الصّابوني ... خبرته فائقة الفنون
стр. 3383
وفيها أبو بكر البشتي- نسبة إلى بشت قرية بنيسابور [١]- محمد بن المحدّث عليّ بن المظفّر بن القاسم الدمشقي المولد المؤذن.
ولد في المحرّم سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وسمع من الخشوعي وطائفة كثيرة. توقف بعض المحدّثين في السماع منه لأنه كان [٢] جنائزيّا.
стр. 3384
سنة إحدى وسبعين وستمائة
فيها وصلت التتار إلى حافة الفرات، ونازلوا البيرة، وكان السلطان بدمشق فأسرع السير وأمر الأمراء بخوض الفرات، فخاض سيف الدّين قلاوون، وبيسرى، والسلطان أولا، ثم تبعهم العسكر ووقعوا على التتار، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا مائتين، ولله الحمد.
وأنشد في ذلك الموفق الطّبيب:
الملك الظّاهر سلطاننا ... نفديه بالأموال والأهل
اقتحم الماء ليطفي به ... حرارة القلب من المغل
وفيها توفي أبو البركات أحمد بن عبد الله بن محمد الأنصاري المالكي الإسكندراني ابن النّحاس [١] .
سمع من عبد الرحمن بن موقّى وغيره، وتوفي في جمادى الأولى.
وفيها أحمد بن هبة الله بن أحمد السّلميّ الكهفيّ [٢] .
روى عن ابن طبرزد وغيره، وتوفي في رجب.
стр. 3385
وفيها أبو الفتح عبد الهادي بن عبد الكريم بن علي القيسيّ المصريّ المقرئ الشافعي [١] ، خطيب جامع المقياس.
ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وقرأ القراءات بالسبعة على أبي الجود، وسمع من قاسم بن إبراهيم المقدسي وجماعة، وأجاز له أبو طالب أحمد بن المسلّم اللّخمي، وأبو طالب بن عوف، وجماعة. وتفرّد بالرّواية عنهم. وكان صالحا، كثير التّلاوة، وتوفي في شعبان.
وفيها أبو الفرج فخر الدّين عبد القاهر بن أبي محمد بن أبي القاسم ابن تيميّة الحرّاني الحنبلي [٢] .
ولد بحرّان سنة اثنتي عشرة وستمائة، وسمع من جدّه، وابن اللّتي، وحدّث بدمشق، وخطب بجامع حرّان.
وتوفي في حادي عشر شوال بدمشق، ودفن من الغد بمقابر الصّوفية.
وفيها ابن هامل، المحدّث شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن عمّار بن هامل بن موهوب الحرّاني الحنبلي [٣] المحدّث الرحّال نزيل دمشق.
ولد بحرّان سنة ثلاث وستمائة، وسمع ببغداد من القطيعي وغيره، وبدمشق من القاضي أبي نصر الشّيرازي وغيره، وبالإسكندرية من الصّفراوي وغيره، وبالقاهرة من ابن الصّابوني وغيره، وكتب بخطّه، وطلب بنفسه. وكان أحد المعروفين بالفضل والإفادة.
стр. 3386
قال الذهبي: عني بالحديث عناية كلّيّة، وكتب الكثير، وتعب وحصّل، وأسمع الحديث، وفيه دين وحسن عشرة. أقام بدمشق، ووقف كتبه وأجزاءه بالضّيائية.
وقال الدّمياطي في حقّه: الإمام الحافظ.
وسمع منه جماعة من الأكابر، منهم: الحافظ الدّمياطي، وابن الخبّاز.
وتوفي ليلة الأربعاء ثامن شهر رمضان بالمارستان الصغير بدمشق، ودفن من الغد بسفح قاسيون.
والمارستان الصغير بدمشق أقدم من المارستان النّوري. كان مكانه في قبلة مطهرة الجامع الأموي، وأول من عمره بيتا وخرّب رسوم المارستان منه أبو الفضل الإخنائي، ثم ملكه بعده أخوه البرهان الإخنائي، وهو تحت المئذنة [١] الغربية بالجامع الأموي من جهة الغرب، وينسب إلى أنه [من] عمارة معاوية أو ابنه.
وفيها العدل شرف الدّين علي بن عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن الإسكاف [٢] . كان من كبار أهل دمشق، وكان قد عاهد الله تعالى أنه مهما كسب يتصدق بثلثه. بنى رباطا بجبل قاسيون، وأوقف عليه وقفا [٣] كبيرا وشرط أن يقيم فيه عشرة شيوخ عمر كلّ شيخ منهم فوق الخمسين، ولكل واحد في الشهر عشرة دراهم. مات بدمشق ودفن برباطه.
وفيها الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي صاحب كتاب «التذكرة بأمور الآخرة» [٤]
стр. 3387
و «التفسير الجامع لأحكام القرآن» [١] الحاكي مذاهب السّلف كلّها، وما أكثر فوائده.
وكان إماما علما، من الغوّاصين على معاني الحديث، حسن التصنيف، جيد النقل.
توفي بمينة بني خصيب من صعيد مصر، رحمه الله تعالى.
وفيها صاحب صهيون سيف الدّين محمد بن مظفّر الدّين عثمان بن منكورس [٢] ملك صهيون بعد أبيه اثنتي عشرة سنة، وتوفي بها في عشر السبعين، وملك بعده ولده سابق الدّين، ثم جاء إلى خدمة الملك الظّاهر مختارا غير مكره، وسلّم الحصن إليه، فأعطاه إمرة وأعطى أقاربه أخبازا. قاله في «العبر» .
وفيها الشّرف بن النّابلسي الحافظ أبو المظفّر يوسف بن الحسن بن بدر [٣] الدمشقي [٤] .
ولد بعد الستمائة، وسمع من ابن البنّ وطبقته، وفي الرحلة من ابن عبد السلام الدّاهريّ، وعمر بن كرم، وطبقتهما. وكتب الحديث، وكان فهما، يقظا، حسن [٥] الحفظ، مليح النّظم. ولي مشيخة دار الحديث النّورية، وتوفي في حادي عشر المحرّم.
стр. 3388
سنة اثنتين وسبعين وستمائة
فيها [١] توفي الكمال المحلّي أحمد بن علي الضرير [٢] ، شيخ القراء بالقاهرة. انتفع به جماعة، ومات في ربيع الآخر عن إحدى وخمسين سنة.
وفيها المؤيد بن القلانسيّ، رئيس دمشق، أبو المعالي أسعد بن المظفّر بن أسعد بن حمزة بن أسد التّميمي [٣] .
سمع من ابن طبرزد، وحدّث بمصر ودمشق، وتوفي في المحرّم.
وفيها الأتابك الأمير الكبير فارس الدّين أقطاي الصّالحي المستعرب [٤] . أمّره أستاذه الملك الصّالح، ثم ولي نيابة السلطنة للمظفّر قطز، فلما قتل قام مع الملك الظّاهر، ثم اعتراه طرف جذام [٥] ، فلزم بيته إلى أن توفي في جمادى الأولى بمصر، وقد شارف السبعين.
وفيها النّجيب أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم بن الصّيقل الحرّاني الحنبلي [٦] التاجر، مسند الدّيار المصرية.
стр. 3389
ولد بحرّان سنة سبع وثمانين وخمسمائة، ورحل به أبوه، فأسمعه الكثير من ابن كليب، وابن المعطوس، وابن الجوزي. وولي مشيخة دار الحديث الكاملية، وتوفي في أول صفر، وله خمس وثمانون سنة.
وفيها الحافظ الإمام نجم الدّين علي بن عبد الكافي الرّبعي الدّمشقي [١] ، أحد من عني بالحديث مع الذكاء المفرط، ولو عاش لما تقدّمه أحد [٢] في الفقه والحديث، بل توفي في ربيع الآخر ولم يبلغ الثلاثين.
وفيها كمال الدّين أبو الحسن علي بن محمد بن محمد وضّاح بن أبي سعيد محمد بن وضّاح [٣] نزيل بغداد الفقيه الحنبلي النّحويّ الزاهد الكاتب.
ولد في رجب سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وسمع «صحيح مسلم» من المروزي، وببغداد من ابن القطيعي، وابن روزبه «صحيح البخاري» عن أبي الوقت [السّجزيّ] ، ومن عمر بن كرم «جامع الترمذي» ومن عبد اللّطيف بن القطيعي «سنن الدّارقطني» .
وسمع من الشيخ العارف علي بن إدريس اليعقوبي. ولبس منه الخرقة، وانتفع به.
ورحل، وطاف، وسمع الكثير من الكتب [٤] ، وتفقه وبرع في العربية.
وكان صديقا للشيخ يحيى [٥] الصّرصري.
стр. 3390
قال ابن رجب: كان سمح النّفس، صحب المشايخ والصالحين، وكان عالما بالفقه والفرائض والأحاديث، ورتّب عقب الواقعة [١] مدرسا بالمجاهدية. وهو أحد المكثرين. وخرّج وصنّف.
ومن مصنفاته كتاب «الدليل الواضح [في] اقتفاء نهج السّلف الصّالح» وكتاب «الرّدّ على أهل الإلحاد» وغير ذلك. وله إجازات من جماعات كثيرة، منهم: من دمشق الشيخ موفق الدّين بن قدامة.
وتوفي- ﵀ ليلة الجمعة ثالث صفر، ودفن بحضرة قبر الإمام أحمد بن حنبل- ﵁ عند رجليه.
وفيها شمس الدّين أبو الحسن علي بن عثمان بن عبد القادر بن محمود بن يوسف بن الوجوهي البغدادي [٢] الصّوفي المقرئ الفقيه الحنبلي الزّاهد، أحد أعيان أهل بغداد في زمنه. ولد في [ذي] الحجّة سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. وقرأ بالروايات على الفخر الموصلي، صاحب ابن سعدون القرطبي. وسمع الحديث من ابن روزبه [٣] وغيره. وكان ديّنا، خيّرا، صالحا، خازنا بدار الوزير. وكان شيخ رباط ابن الأمير [٤] وله كتاب «بلغة المستفيد في القراءات العشر» . وروى عنه جماعات. وتوفي في ثالث جمادى ببغداد ودفن بباب حرب، وروي بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال:
نزلا [٥] عليّ وأجلساني وسألاني، فقلت: ألمثل [٦] ابن الوجوهي يقال ذلك؟
فأضجعاني ومضيا.
стр. 3391
وفيها كمال الدّين التّفليسي أبو الفتح عمر بن بندار بن عمر [١] الشافعي أبو حفص [٢] .
ولد بتفليس سنة اثنتين وستمائة تقريبا، وتفقه، وبرع في المذهب والأصلين وغير ذلك، ودرّس وأفتى وأشغل، وجالس أبا عمرو بن الصّلاح.
وممن أخذ عنه الأصول الشيخ محيي الدّين النّووي. وولي القضاء بدمشق نيابة. وكان محمود السيرة، ولما تملّك التتار، جاءه التقليد من هولاكو [٣] بقضاء الشام، والجزيرة، والموصل، فباشره مدّة يسيرة، وأحسن إلى الناس بكل ممكن، وذبّ عن الرّعية. وكان نافذ الكلمة، عزيز المنزلة عند التتار، لا يخالفونه في شيء.
قال القطب اليونيني: فبالغ في الإحسان، وسعى في حقن الدماء، ولم يتدنس في تلك المدة بشيء من الدّنيا، مع فقره وكثرة عياله، ولا استصفى لنفسه مدرسة ولا استأثر بشيء. وكان مدرّس العادلية. وسار محيي الدّين بن الزّكي فجاء بالقضاء على [٤] الشام من جهة هولاكو [٣] وتوجه كمال الدّين إلى قضاء حلب وأعمالها. ولما عادت الدولة المصرية غضبوا عليه ونسبت له [٥] أشياء برّأه الله منها، وعصمه ممن أراد ضرره. وكان نهاية ما نالوا منه أنهم ألزموه بالسفر إلى الدّيار المصرية، فسافر وأفاد أهل مصر وأقام بالقاهرة مدّة يشغل الطلبة بعلوم عدة في غالب أوقاته، فوجد به الناس نفعا كثيرا، وتوفي بالقاهرة في ربيع الأول ودفن بسفح المقطّم.
стр. 3392
وفيها مسند الشّام ابن أبي اليسر تقي الدّين أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر شاكر بن عبد الله التّنوخي الدّمشقي الكاتب المنشئ [١] .
ولد سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وروى عن الخشوعي فمن بعده، وله شعر جيد وبلاغة، وفيه خير وعدالة.
توفي في السادس والعشرين من صفر.
وفيها ابن علّاق أبو عيسى عبد الله بن عبد الواحد بن محمد بن علاق الأنصاري المصري الرزّاز المعروف بابن الحجّاج [٢] . سمع من [٣] البوصيري، وابن ياسين. وكان آخر من حدّث عنهما.
توفي في أول ربيع الأول وله ست وثمانون سنة.
وفيها الكمال بن عبد، المسند [٤] أبو نصر عبد العزيز بن عبد المنعم ابن الفقيه أبي البركات الخضر بن شبل الحارثي الدمشقي [٥] .
ولد سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وسمع من الخشوعي وغيره، وتوفي في شعبان.
وفيها ابن مالك العلّامة حجّة العرب جمال الدّين أبو عبد الله محمد ابن عبد الله بن عبد الله بن مالك الطّائي الجيّاني [٦]- بفتح الجيم وتشديد التحتية ونون، نسبة إلى جيّان بلد بالأندلس- نزيل دمشق.
стр. 3393
ولد سنة ستمائة أو إحدى وستمائة، وسمع من جماعة، وأخذ العربية عن غير واحد، وجالس بحلب ابن عمرون وغيره، وتصدّر لإقراء العربية، ثم انتقل إلى دمشق. وأقام بها يشغل ويصنّف، وتخرّج به جماعة كثيرة، وخالف المغاربة في حسن الخلق والسّخاء والمذهب، فإنه كان شافعيّ المذهب.
قال الذهبي: صرف همّته إلى إتقان لسان العرب، حتّى بلغ فيه الغاية، وحاز قصب السّبق وأربى على المتقدمين، وكان إماما في القراءات وعللها، وصنّف فيها قصيدة دالية مرموزة في مقدار «الشّاطبية» وأما اللغة فكان إليه المنتهى في الإكثار من نقل غريبها، والاطلاع على وحشيّها. وأما النحو والتصريف، فكان فيه بحرا لا يجارى وحبرا لا يبارى. وأما أشعار العرب التي يستشهد بها على اللغة والنحو، فكانت الأئمة الأعلام يتحيرون منه ويتعجبون من أين يأتي بها. وكان ينظم الشعر سهلا عليه. هذا مع ما هو عليه من الدّين المتين، وصدق اللهجة، وكثرة النّوافل، وحسن السّمت، ورقّة القلب، وكمال العقل، والوقار والتّؤدة. وروى عنه النّوويّ وغيره. ونقل عنه في «شرح مسلم» أشياء.
توفي بدمشق في شعبان ودفن بالرّوضة قرب الموفق.
ومن تصانيفه كتاب «تسهيل الفوائد» في النحو. وكتاب «الضّرب في معرفة لسان العرب» وكتاب «الكافية الشافية» وكتاب «الخلاصة» وكتاب «العمدة» وشرحها. وكتاب «سبك المنظوم وفك المختوم» وكتاب «إكمال الإعلام بتثليث الكلام» وغير ذلك.
وفيها أبو عبد الله نصير الدّين محمد بن محمد بن حسن [الطّوسي] [١] ...
стр. 3394
كان رأسا في علم الأوائل، ذا منزلة من هولاكو [١] .
قال العلّامة شمس الدّين بن القيم في كتابه «إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان» [٢] ما لفظه: لما انتهت النّوبة إلى نصير الشّرك والكفر والإلحاد [٣] وزير الملاحدة، النّصير الطّوسي، وزير هولاكو [٤] شفا نفسه من أتباع الرّسول [ ﷺ ] وأهل دينه [٥] ، فعرضهم على السّيف، حتّى شفا إخوانه من الملاحدة، واشتفى هو، فقتل الخليفة، والقضاة، والفقهاء، والمحدّثين.
واستبقى الفلاسفة، والمنجّمين، والطبائعيّين، والسّحرة، ونقل أوقاف المدارس، والمساجد، والرّبط إليهم، وجعلهم خاصّته وأولياءه. ونصر في كتبه قدم العالم، وبطلان المعاد، وإنكار صفات الرّبّ ﷻ ، من علمه، وقدرته، وحياته، وسمعه، وبصره، [وأنّه لا داخل العالم ولا خارجه، وليس فوق العرش إله يعبد البتة] .
واتخذ للملاحدة مدارس، ورام جعل إشارات إمام الملحدين ابن سينا مكان القرآن، فلم يقدر على ذلك، فقال: هي قرآن الخواصّ، وذلك قرآن العوام، ورام تغيير الصّلاة وجعلها صلاتين، فلم، يتمّ له الأمر، وتعلم السّحر في آخر الأمر، فكان ساحرا يعبد الأصنام. انتهى بلفظه.
توفي في ذي الحجّة ببغداد، وقد نيّف على الثمانين.
وفيها الشيخ سيف الدّين يحيى بن النّاصح عبد الرحمن بن النّجم ابن الحنبلي [٦] .
стр. 3395
كان مولده سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وقيل سنة تسعين. وهو آخر من حدّث بالسماع عن الخشوعي، وسمع من حنبل، وابن طبرزد، والكندي، وغيرهم بدمشق، والموصل، وبغداد، وحدّث بمصر، ودمشق، وسمع منه العلّامة تاج الدّين الفزاري [١] وأخوه الخطيب شرف الدّين، والحافظ الدّمياطي، وذكره في «معجمه» . توفي سابع عشر شوال.
стр. 3396
سنة ثلاث وسبعين وستمائة
في رمضان غزا السّلطان الظّاهر بلاد سيس، المصّيصة وأذنة، وإياس [١] ، ورجع الجيش بسبي [٢] عظيم وغنائم لا تحصى.
وفيها قاضي القضاة شمس الدّين عبد الله بن محمد بن عطاء الأوزاعي الحنفي [٣] كان المشار إليه في مذهبه مع الدّين، والصّيانة، والتّعفّف، والتواضع. اشتغل عليه جماعة، وروى عن ابن طبرزد وجماعة، وولي قضاء دمشق.
وتوفي في جمادى وقد قارب الثمانين.
وفيها تقيّ الدّين عمر بن يعقوب بن عثمان الإربلي الصّوفي [٤] .
روى بالإجازة عن المؤيد، وزينب، وجماعة. وسمع الكثير، وتوفي يوم الأضحى.
стр. 3397
وفيها وجيه الدّين منصور بن سليم بن منصور بن فتّوح، المحدّث الحافظ، ابن العمادية الهمداني- بسكون الميم، نسبة إلى القبيلة المشهورة- الإسكندرانيّ الشافعيّ [١] محتسب الثغر.
ولد في صفر سنة سبع وستمائة، ورحل، وسمع الكثير من أصحاب السّلفي. ورحل إلى الشام، والعراق، وخرّج واعتنى بالحديث، والرّجال، والتاريخ، والفقه، وغير ذلك. وخرّج «تاريخا» للإسكندرية، وأربعين حديثا بلدية [٢] . ودرّس، وجمع لنفسه «معجما» . وكان ديّنا، خيّرا، حميد الطريقة، كثير المروءة، محسنا إلى الرّحّالة. كتب عنه الدّمياطيّ، والشريف عز الدّين ولم يخلّف ببلده مثله توفي في شوال.
وفيها شرف الدّين نصر الله بن عبد المنعم بن حواري التّنوخيّ الحنبلي [٣] .
كان أديبا فاضلا عمر في آخر عمره مسجدا بدمشق [٤] عند طواحين الأشنان، تأنّق في عمارته، وصنّف كتاب «إيقاظ الوسنان في تفضيل دمشق على سائر البلدان» [٥] وكانت إقامته بالعادلية الصّغرى.
ولما ولي ابن خلّكان دمشق، طلب الحساب من أربابه، ومن شرف الدّين هذا عن وقف العادلية، فعمل الحساب وكتب ورقة:
стр. 3398
ولم أعمل لمخلوق حسابا ... وها أنا قد عملت لك الحسابا
فقال القاضي [١] : خذ أوراقك ولا تعمل لنا حسابا ولا نعمل لك.
ومن شعره:
ما كنت أوّل مستهام مدنف ... كلف بممشوق القوام مهفهف
تزري لواحظه بكلّ مهنّد ... ماض وعطفاه بكلّ مثقّف
مستعذب الألفاظ يفعل طرفه ... في قلب من يهواه فعل المشرفي
أنا واله دنف بورد خدوده ... وبفضّ نرجس مقلتيه المضعف
يا جائرا أبدا بعادل قدّه ... ما حيلتي في الحبّ إن لم تنصف
ديوان حسنك لم يزل مستوفيا ... وجدي وأشواقي بحسن تصرّف
لك ناظر فتّان [٢] بالعشّاق قد ... أضحى على الهلكات أعجل مشرف
ورشيق قدّك عامل في مهجتي ... من غير حاصل أدمعي لم يصرف
وإذا طلائع عارضيه بدت فقل ... قف يا عذار بخدّه واستوقف
لا شيء أعذب من تهتّك عاشق ... في عشق معسول المراشف أهيف
يا من يعنّف في دمشق ووصفها ... لو كنت تعقل كنت غير معنّف
هي جنّة المأوى ويكفي ميزة ... وفضيلة أوصافها في المصحف
стр. 3399
سنة أربع وسبعين وستمائة
فيها نزل التتار على البيرة، ونصبوا المجانيق [١] ، وكانوا ثلاثين ألف فارس، ونصبوا على القلعة منجنيقا. وكان راميه مسلما، فنصب أهل القلعة عليه منجنيقا ورموا به على مجانيق التتار، فجاء عاليا عليه، فقال رامي التتار: لو قطع الله من يدك ذراعا كان أهل البيرة يستريحون منك لقلّة معرفتك، ففطن إشارته، وقطع من رجل المنجنيق ذراعا ورمى به، فأصاب منجنيق التتار فكسره، وخرج أهل البيرة فقتلوا خلقا ونهبوا وأحرقوا المجانيق [٢] .
وفيها توفي سعد الدّين شيخ الشيوخ الخضر بن شيخ الشيوخ تاج الدّين عبد الله بن شيخ الشيوخ أبي الفتح عمر بن علي ابن القدوة الزاهد ابن حمّوية الجويني ثم الدّمشقي [٢] .
عمل للمجنديّة [٣] مدة، ثم لزم الخانقاه، وله «تاريخ» مفيد، وشعره متوسط. سمع من ابن طبرزد وجماعة، وأجاز له ابن كليب، والكبار.
وتوفي في ذي الحجّة، وقد نيّف على الثمانين.
стр. 3400
وفيها موفق الدّين أبو الحسن علي بن أبي غالب بن علي بن غيلان البغدادي الأزجيّ القطيعي الحنبلي [١] الفرضي المعدّل.
ولد في ذي الحجّة سنة ثلاث وستمائة، وسمع من ابن المنّي، وأجاز له غير واحد. وتفقه، وقرأ الفرائض، وشهد عند قاضي القضاة ابن اللّمعاني، وكان من أعيان العدول. وكان [٢] خيّرا، كثير التّلاوة. حدّث وأجاز لجماعة، منهم: عبد المؤمن بن عبد الحق.
وتوفي يوم السبت ثالث شوال، ودفن بمقبرة الإمام أحمد.
وفيها عثمان بن موسى بن عبد الله الطّائيّ الإربلي الآمديّ الفقيه الحنبلي [٣] إمام الحنابلة بالحرم الشريف تجاه الكعبة.
كان شيخا، جليلا، إماما، عالما، فاضلا، زاهدا، عابدا، ورعا [متدينا] [٤] ربّانيّا، متألّها، منعكفا على العبادة والخير والاشتغال بالله تعالى في جميع أوقاته. أقام بمكة نحو خمسين سنة.
ذكره القطب اليونيني وقال: كنت أودّ رؤيته وأتشوق [٥] إلى ذلك، فاتفق أني حججت سنة ثلاث وسبعين، وزرته، وتملّيت برؤيته، وحصل لي نصيب وافر من إقباله ودعائه.
وقال الذهبيّ: سمع بمكة من يعقوب الحكّاك، ومحمد بن أبي البركات بن حمد، وروى عنه شيخنا الدّمياطي وابن العطّار في «معجميهما» ، وكتب إلينا بمروياته. انتهى.