سنة ثلاث وسبعين وستمائة
في رمضان غزا السّلطان الظّاهر بلاد سيس، المصّيصة وأذنة، وإياس [١] ، ورجع الجيش بسبي [٢] عظيم وغنائم لا تحصى.
وفيها قاضي القضاة شمس الدّين عبد الله بن محمد بن عطاء الأوزاعي الحنفي [٣] كان المشار إليه في مذهبه مع الدّين، والصّيانة، والتّعفّف، والتواضع. اشتغل عليه جماعة، وروى عن ابن طبرزد وجماعة، وولي قضاء دمشق.
وتوفي في جمادى وقد قارب الثمانين.
وفيها تقيّ الدّين عمر بن يعقوب بن عثمان الإربلي الصّوفي [٤] .
روى بالإجازة عن المؤيد، وزينب، وجماعة. وسمع الكثير، وتوفي يوم الأضحى.
стр. 3397
وفيها وجيه الدّين منصور بن سليم بن منصور بن فتّوح، المحدّث الحافظ، ابن العمادية الهمداني- بسكون الميم، نسبة إلى القبيلة المشهورة- الإسكندرانيّ الشافعيّ [١] محتسب الثغر.
ولد في صفر سنة سبع وستمائة، ورحل، وسمع الكثير من أصحاب السّلفي. ورحل إلى الشام، والعراق، وخرّج واعتنى بالحديث، والرّجال، والتاريخ، والفقه، وغير ذلك. وخرّج «تاريخا» للإسكندرية، وأربعين حديثا بلدية [٢] . ودرّس، وجمع لنفسه «معجما» . وكان ديّنا، خيّرا، حميد الطريقة، كثير المروءة، محسنا إلى الرّحّالة. كتب عنه الدّمياطيّ، والشريف عز الدّين ولم يخلّف ببلده مثله توفي في شوال.
وفيها شرف الدّين نصر الله بن عبد المنعم بن حواري التّنوخيّ الحنبلي [٣] .
كان أديبا فاضلا عمر في آخر عمره مسجدا بدمشق [٤] عند طواحين الأشنان، تأنّق في عمارته، وصنّف كتاب «إيقاظ الوسنان في تفضيل دمشق على سائر البلدان» [٥] وكانت إقامته بالعادلية الصّغرى.
ولما ولي ابن خلّكان دمشق، طلب الحساب من أربابه، ومن شرف الدّين هذا عن وقف العادلية، فعمل الحساب وكتب ورقة:
стр. 3398
ولم أعمل لمخلوق حسابا ... وها أنا قد عملت لك الحسابا
فقال القاضي [١] : خذ أوراقك ولا تعمل لنا حسابا ولا نعمل لك.
ومن شعره:
ما كنت أوّل مستهام مدنف ... كلف بممشوق القوام مهفهف
تزري لواحظه بكلّ مهنّد ... ماض وعطفاه بكلّ مثقّف
مستعذب الألفاظ يفعل طرفه ... في قلب من يهواه فعل المشرفي
أنا واله دنف بورد خدوده ... وبفضّ نرجس مقلتيه المضعف
يا جائرا أبدا بعادل قدّه ... ما حيلتي في الحبّ إن لم تنصف
ديوان حسنك لم يزل مستوفيا ... وجدي وأشواقي بحسن تصرّف
لك ناظر فتّان [٢] بالعشّاق قد ... أضحى على الهلكات أعجل مشرف
ورشيق قدّك عامل في مهجتي ... من غير حاصل أدمعي لم يصرف
وإذا طلائع عارضيه بدت فقل ... قف يا عذار بخدّه واستوقف
لا شيء أعذب من تهتّك عاشق ... في عشق معسول المراشف أهيف
يا من يعنّف في دمشق ووصفها ... لو كنت تعقل كنت غير معنّف
هي جنّة المأوى ويكفي ميزة ... وفضيلة أوصافها في المصحف
стр. 3399
سنة أربع وسبعين وستمائة
فيها نزل التتار على البيرة، ونصبوا المجانيق [١] ، وكانوا ثلاثين ألف فارس، ونصبوا على القلعة منجنيقا. وكان راميه مسلما، فنصب أهل القلعة عليه منجنيقا ورموا به على مجانيق التتار، فجاء عاليا عليه، فقال رامي التتار: لو قطع الله من يدك ذراعا كان أهل البيرة يستريحون منك لقلّة معرفتك، ففطن إشارته، وقطع من رجل المنجنيق ذراعا ورمى به، فأصاب منجنيق التتار فكسره، وخرج أهل البيرة فقتلوا خلقا ونهبوا وأحرقوا المجانيق [٢] .
وفيها توفي سعد الدّين شيخ الشيوخ الخضر بن شيخ الشيوخ تاج الدّين عبد الله بن شيخ الشيوخ أبي الفتح عمر بن علي ابن القدوة الزاهد ابن حمّوية الجويني ثم الدّمشقي [٢] .
عمل للمجنديّة [٣] مدة، ثم لزم الخانقاه، وله «تاريخ» مفيد، وشعره متوسط. سمع من ابن طبرزد وجماعة، وأجاز له ابن كليب، والكبار.
وتوفي في ذي الحجّة، وقد نيّف على الثمانين.
стр. 3400
وفيها موفق الدّين أبو الحسن علي بن أبي غالب بن علي بن غيلان البغدادي الأزجيّ القطيعي الحنبلي [١] الفرضي المعدّل.
ولد في ذي الحجّة سنة ثلاث وستمائة، وسمع من ابن المنّي، وأجاز له غير واحد. وتفقه، وقرأ الفرائض، وشهد عند قاضي القضاة ابن اللّمعاني، وكان من أعيان العدول. وكان [٢] خيّرا، كثير التّلاوة. حدّث وأجاز لجماعة، منهم: عبد المؤمن بن عبد الحق.
وتوفي يوم السبت ثالث شوال، ودفن بمقبرة الإمام أحمد.
وفيها عثمان بن موسى بن عبد الله الطّائيّ الإربلي الآمديّ الفقيه الحنبلي [٣] إمام الحنابلة بالحرم الشريف تجاه الكعبة.
كان شيخا، جليلا، إماما، عالما، فاضلا، زاهدا، عابدا، ورعا [متدينا] [٤] ربّانيّا، متألّها، منعكفا على العبادة والخير والاشتغال بالله تعالى في جميع أوقاته. أقام بمكة نحو خمسين سنة.
ذكره القطب اليونيني وقال: كنت أودّ رؤيته وأتشوق [٥] إلى ذلك، فاتفق أني حججت سنة ثلاث وسبعين، وزرته، وتملّيت برؤيته، وحصل لي نصيب وافر من إقباله ودعائه.
وقال الذهبيّ: سمع بمكة من يعقوب الحكّاك، ومحمد بن أبي البركات بن حمد، وروى عنه شيخنا الدّمياطي وابن العطّار في «معجميهما» ، وكتب إلينا بمروياته. انتهى.
стр. 3401
توفي ضحى يوم الخميس ثاني عشري المحرم بمكّة، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو الفتح عثمان بن هبة الله بن عبد الرّحمن بن مكّي بن إسماعيل بن عوف الزّهري العوفي الإسكندراني [١] ، آخر أصحاب عبد الرحمن بن موقا وفاة.
وفيها المكين الحصني المحدّث أبو الحسن مكين الدّين بن عبد العظيم بن أبي الحسن بن أحمد المصري [٢] .
ولد سنة ستمائة، وسمع الكثير، وقرأ وتعب، وبالغ واجتهد، وما أبقى ممكنا. وكان فاضلا، جيد القراءة، متميزا. توفي في تاسع عشر رجب.
وفيها سعد الدّين أبو الفضل محمد بن مهلهل بن بدران الأنصاريّ [٣] . سمع الأرتاحي، والحافظ عبد الغني [٤] ، وتوفي في ربيع الأول.
وفيها ابن السّاعي أبو طالب علي بن أنجب بن عثمان بن عبيد الله البغدادي السّلامي [٥] ، خازن كتب المستنصرية.
كان إماما، حافظا، مبرّزا على أقرانه. ذكره ابن ناصر الدّين.
وقال الذهبي: وقد أورد الكازروني في ترجمة ابن السّاعي أسماء
стр. 3402
التصانيف التي صنّفها وهي كثيرة جدا، لعلها وقر بعير، منها «مشيخته» بالسماع والإجازة في عشر مجلدات، وقرأ على ابن النّجار «تاريخه الكبير» ببغداد. وقد تكلّم فيه، فالله أعلم، وله أوهام. انتهى قلت: وهو شافعيّ المذهب.
قال ابن شهبة في «طبقاته» : المؤرخ الكبير. كان فقيها، بارعا، قارئا بالسبع، محدّثا، مؤرخا، شاعرا، لطيفا، كريما. له مصنفات كثيرة في التفسير، والحديث، والفقه، والتاريخ، منها «تاريخ» في ستة وعشرين مجلدا. انتهى.
وفيها التّاج الصّرخدي محمود بن عابد التّميميّ الحنفي [١] الشّاعر المحسن. كان قانعا، زاهدا، معمّرا. قاله في «العبر» .
وفيها ظهير الدّين أبو الثناء محمود بن عبيد الله الزّنجاني الشّافعي [٢] المفتي، أحد مشايخ الصوفية.
كان إمام التّقويّة، وغالب نهاره بها. صحب الشيخ شهاب الدّين السّهروردي، وروى عنه، وعن أبي المعالي صاعد، وله تصانيف، منها:
«الرسالة المنقذة من الجمر في إلحاق الأنبذة بالخمر» .
وتوفي في رمضان، وله سبع وسبعون سنة.
وفيها تقيّ الدّين مبارك بن حامد بن أبي الفرج الحدّاد [٣] . كان من
стр. 3403
كبار علماء الشيعة، عارفا بمذهبهم، وله صيت عظيم بالحلّة والكوفة، وعنده دين وأمانة.
وفيها عبد الملك بن العجمي الحلبي [١] . كان فاضلا.
ومن شعره في مليح في عنقه شامة واسمه العزّ:
العزّ بدر ولكن إنّ شامته ... مسروقة من دجى صدغيه والغسق
وإنما حبّة القلب التي احترقت ... في حبّه علقت للظلم في العنق
وفيها عماد الدّين عبد الرحمن بن أبي الحسن بن يحيى الدّمنهوري [٢] كان فقيها شافعيا [٣] ، فاضلا إماما. تولى إعادة المدرسة الصّالحية بالقاهرة، وصنّف كتابه المشهور في الاعتراض على التنبيه، وقد أساء التعبير في مواضع منه.
ولد بدمنهور الوحش من أعمال الدّيار المصرية في ذي القعدة، سنة ست وستمائة، وتوفي في شهر رمضان. قاله الإسنوي في «طبقاته» .
стр. 3404
سنة خمس وسبعين وستمائة
فيها توفي الشيخ قطب الدّين أبو المعالي أحمد بن عبد السّلام بن المطهّر ابن أبي سعد بن أبي عصرون التّميمي الشّافعي [١] مدرس الأمينية والعصرونية بدمشق.
ولد سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وختم القرآن سنة تسع وتسعين، وأجاز له ابن كليب وطائفة، وسمع من ابن طبرزد، والكندي، وتوفي في جمادى الآخرة بحلب.
وفيها السّيّد الجليل الشيخ أحمد بن علي [بن إبراهيم] بن محمد بن أبي بكر البدويّ [٢] الشّريف الحسيب النّسيب.
قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في «طبقاته» أصله من بني برّي قبيلة من عرب [٣] الشّام. ثم سكن والده المغرب فولد له صاحب الترجمة بفاس، سنة ست وتسعين وخمسمائة، ونشأ بها، وحفظ القرآن، وقرأ شيئا من فقه الشّافعيّ، وحجّ أبوه به وبإخوته [٤] سنة ست وستمائة، وأقاموا بمكّة، ومات أبوه سنة سبع وعشرين وستمائة، ودفن بالمعلّى، وعرف بالبدويّ للزومه
стр. 3405
اللّثام، لأنه كان يلبس لثامين ولا يفارقهما، ولم يتزوج قطّ، واشتهر بالعطّاب لكثرة عطب من يؤذيه [ثمّ لزم الصّمت، فكان لا يتكلّم إلّا بإشارة وتولّه، فحصل له جمعية على الحقّ فاستغرق إلى الأبد] [١] . وكان عظيم الفتوة.
قال المتبولي [٢] : قال لي رسول الله ﷺ : «ما في أولياء مصر بعد محمد بن إدريس [٣] أكبر فتوّة منه، ثمّ نفيسة [٤] ثم شرف الدّين الكردي ثم المنوفيّ» [٥] انتهى. وكان يمكث أربعين يوما لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، وأكثر أوقاته شاخصا ببصره نحو السماء، وعيناه كالجمرتين، ثم سمع هاتفا يقول ثلاثا: قم واطلب مطلع الشّمس، فإذا وصلته، فاطلب مغربها، وسر إلى طندتا [٦] فإن فيها مقامك أيّها الفتى، فسار إلى العراق، فتلقاه العارفان الكيلاني، والرّفاعي- أي بروحانيتهما- فقالا: يا أحمد! مفاتيح العراق، والهند، واليمن والشرق والغرب [٧] بيدنا فاختر أيّها شئت. فقال: لا آخذ
стр. 3406
المفاتيح إلّا من الفتّاح. ثم رحل إلى مصر، فتلقاه الظّاهر بيبرس بعسكره، وأكرمه، وعظّمه، ودخلها سنة أربع وثلاثين، وكان من القوم الذين تشقى بهم البلاد وتسعد، وإذا قربوا من مكان هرب منه الشيطان وأبعد، وإذا باشروا المعالي كانوا أسعد الناس وأصعد، فأقام بطندتا على سطح دار لا يفارقه ليلا ولا نهارا اثنتي عشرة سنة، وإذا عرض له الحال صاح صياحا عظيما، وتبعه جمع، منهم: عبد العال، وعبد المجيد، وكان عبد العال يأتيه بالرّجل أو الطّفل فينظر إليه نظرة واحدة فيملؤه مددا، ويقول لعبد العال: اذهب به إلى بلد كذا أو محلّ كذا، فلا تمكن مخالفته.
ولما دخل طندتا كان بها جمع من الأولياء، فمنهم من خرج منها هيبة له، كالشيخ حسن الإخنائي، فسكن إخنا [١] حتّى مات، وضريحه بها ظاهر يزار.
ومنهم من مكث كالشيخ سالم المغربي. وسالم الشيخ البدويّ، فأقرّه على حاله، حتّى مات بطندتا، وقبره بها مشهور.
ومنهم من أنكر عليه كصاحب الأيدوان العظيم بطندتا المسمى بوجه القمر. كان وليا كبيرا فندر به الحسد، فسلبه، ومحلّه الآن بطندتا مأوى الكلاب، وليس فيه رائحة صلاح ولا مدد.
وكان الشيخ إذا لبس ثوبا أو عمامة لا يخلعها لغسل ولا غيره حتّى تبلى فتبدل، وكان لا يكشف اللّثام عن وجهه. فقال له عبد المجيد: أرني وجهك. قال: كلّ نظرة برجل. قال: أرنيه ولو متّ، فكشفه فمات حالا.
وله كرامات شهيرة، منها قصة المرأة التي أسر ولدها الفرنج فلاذت به، فأحضره في قيوده.
стр. 3407
ومنها أنه اجتمع به ابن دقيق العيد، فقال له: إنك لا تصلي وما هذا [من] سنن الصّالحين! فقال: اسكت وإلّا أغبّر دقيقك، ودفعه فإذا هو بجزيرة عظيمة جدا، فضاق خاطره حتّى كاد يهلك، فرأى الخضر، فقال: لا بأس عليك، إن مثل البدويّ لا يعترض عليه، لكن اذهب إلى هذه القبّة وقف ببابها، فإنه يأتي عند دخول وقت العصر ليصلي بالناس، فتعلّق بأذياله، لعله أن يعفو عنك [١] ، ففعل فدفعه، فإذا هو بباب بيته. ومات- ﵁ في هذه السنة، ودفن بطندتا، وجعلوا على قبره مقاما، واشتهرت كراماته، وكثرت النّذور إليه [٢] . واستخلف الشيخ عبد العال، فعمّر طويلا، إلى أن مات سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، واشتهرت أصحابه بالسّطوحية. وحدث لهم بعد مدة عمل المولد، وصار يقصد من بلاد بعيدة، وقام بعض العلماء والأمراء بإبطاله فلم يتهيأ لهم ذلك، إلّا في سنة واحدة، وأنكر عليه ابن اللّبان ووقع فيه، فسلب القرآن والعلم، فصار يستغيث بالأولياء حتّى أغاثه ياقوت العرشي، وشفع فيه. انتهى كلام الشيخ عبد الرؤوف المناوي باختصار.
وفيها الشيخ الزّاهد جندل بن محمد العجمي [٣] .
قال القطب اليونيني في «ذيله على مختصر المرأة» له: الشيخ الصّالح العارف. كان زاهدا، عابدا، منقطعا، صاحب كرامات وأحوال ظاهرة وباطنة، وله جدّ واجتهاد، ومعرفة بطريق القوم. انتهى.
стр. 3408
وكان الشيخ تاج الدّين عبد الرحمن بن الفركاح الفزاري يتردد إليه في كثير من الأوقات، وله به اختصاص.
قال ولده الشيخ برهان الدّين: كنت أروح مع والدي إلى زيارته بمنين [١] ، ورأيته يجلس بين يديه في جمع كثير ويستغرق في وقته في الكلام مغربا لا يفهمه أحد من الحاضرين بألفاظ غريبة.
وقال الشيخ تاج الدّين المذكور: الشيخ جندل من أهل الطريق وعلماء التحقيق، اجتمعت به في سنة إحدى وستين وستمائة، فأخبرني أنه بلغ من العمر خمسا وتسعين سنة، وكان يقول: طريق القوم واحد، وإنما يثبت عليه ذوو العقول الثابتة. وقال: المولّه منفيّ ويعتقد أنه واصل، ولو علم أنه منفيّ لرجع عما هو عليه.
وقال: ما تقرّب أحد إلى الله بمثل الذّل والتّضرّع والانكسار.
وقال ابن كثير: كانت له عبادة وزهادة وأعمال صالحة. وكان الناس يتردّدون إلى زيارته.
وزاره الملك الظّاهر بيبرس مرّات، وكذلك الأمراء بمنين.
وكان يقول: السماع وظيفة أهل البطالة.
توفي في رمضان، ودفن بزاويته المشهورة بقرية منين، ومات وله من العمر مائة وتسع سنين، ﵀.
وفيها ابن الفويرة [٢] بدر الدّين محمد بن عبد الرحمن بن محمد
стр. 3409
السّلمي الدمشقي الحنفي [١] . أحد الأذكياء الموصوفين. درّس وأفتى، وبرع في الفقه، والأصول، والعربية، ونظم الشعر الفائق الرائق.
منه قوله:
عاينت حبّة خاله ... في روضة من جلّنار
فغدا فؤادي طائرا ... فاصطاده شرك العذار
وله في أصيل الذّهبيات:
ورياض كلما انعطفت ... نثرت أوراقها ذهبا
تحسب الأغصان حين شدا ... فوقها القمريّ وانتحبا
ذكرت عصر الشباب وقد ... لبست أثوابه [٢] قشبا
فانثنت في الدّوح راقصة ... ورمت أثوابها طربا
توفي- ﵀ في جمادى الأولى قبل الكهولة.
وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب بن منصور الحرّاني [٣] الفقيه الحنبلي الأصوليّ المناظر.
ولد بحرّان في حدود العشر والستمائة، وتفقّه بها على الشيخ مجد الدّين بن تيميّة، ولازمه حتّى برع. وقرأ الأصول والخلاف على القاضي نجم الدّين ابن المقدسي الشّافعي. وسافر إلى الدّيار المصرية، وأقام بها مدة يحضر درس الشيخ عز الدّين بن عبد السّلام. وولي القضاء ببعض البلاد
стр. 3410
المصرية، وهو أول حنبليّ حكم بالدّيار المصرية، ثم ترك ذلك ورجع إلى دمشق وأقام بها مدة سنين إلى حين وفاته، يدرّس الفقه بحلقة له بالجامع، ويكتب على الفتاوى. وباشر الإمامة بمحراب الحنابلة من جامع دمشق.
قال القطب اليونيني: كان فقيها إماما، عالما، عارفا بعلم الأصول والخلاف وحسن العبارة، طويل النّفس في البحث، كثير التحقيق، غزير الدّمعة، رقيق القلب، وافر الدّيانة، كثير العبادة، حسن النّظم.
منه قوله:
طار قلبي يوم ساروا فرقا ... وسواء فاض دمعي أو رقا
صار في سقمي من بعدهم ... كلّ من في الحيّ داوى أو رقى
بعدهم لا ظلّ وادي المنحنى ... وكذا بان الحمى لا أورقا
وابتلي بالفالج قبل موته بأربعة أشهر، وبطل شقّه الأيسر، وثقل لسانه.
وتوفي ليلة الجمعة بين العشاءين، لست خلون من جمادى الأولى، ودفن بمقابر باب الصّغير، ونيّف على الستين.
[وفيها صاحب تونس أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الواحد الهنتاتي [١]- بالكسر والسكون وفوقيتين بينهما ألف، نسبة إلى هنتاتة قبيلة من البربر بالغرب- كان ملكا، سائسا، عالي الهمّة، شديد البأس، جوادا، ممدّحا، تزفّ إليه كلّ ليلة جارية. تملّك تونس سنة سبع وأربعين بعد أبيه، ثم قتل عمّيه، وقتل جماعة من الخوارج، وتوطد له الملك.
وتوفي في آخر العام، عن نيف وخمسين سنة] [٢] .
стр. 3411
وفيها الشّهاب التّلّعفريّ- بفتح أوله واللّام المشددة والفاء، وسكون المهملة وراء، نسبة إلى التلّ الأعفر موضع بنواحي الموصل- صاحب «الديوان» المشهور. شهاب الدّين محمد بن يوسف بن مسعود بن بركة الشّيبانيّ [١] الأديب الشاعر المفلق. مدح الملوك والكبراء، وسار شعره في الآفاق.
فمنه:
حظّ قلبي في هواك [٢] الوله ... وعذولي فيك [٣] مالي وله
باسم عن برد منتظم ... لم يفز إلّا فتى قبّله
جائر الألحاظ يثني قامة ... قدّه المائل ما أعدله
ومنها:
كم أداري فيك لوّامي ومن ... يعدل المشتاق ما أجهله
توفي في شوال عن اثنتين وثمانين سنة.
стр. 3412
سنة ست وسبعين وستمائة
في أولها ولي مملكة تونس أبو زكريا يحيى بن محمد الهنتاني بعد أبيه.
وفي سابع المحرّم قدم السّلطان الملك الظّاهر، فنزل بجوسقه الأبلق [١] ثم مرض في نصف المحرم، وتوفي بعد ثلاثة عشر يوما فأخفي موته، وسار نائبه بيلبك بمحفّة يوهم أن السلطان فيها مريض، إلى أن دخل بالجيش إلى مصر، فأظهر موته، وعمل الغراء، وحلفت الأمراء لولده الملك السعيد، وكأن عهد له في حياته.
والملك الظّاهر هو السّلطان الكبير ركن الدّين أبو الفتوح بيبرس التّركي البندقداري ثم الصّالحي [٢] ، صاحب مصر والشام.
ولد في حدود العشرين وستمائة. واشتراه الأمير علاء الدين البندقداري الصّالحي، فقبض الملك الصّالح على البندقداري وأخذ ركن الدّين منه، فكان من جملة مماليكه، ثم طلع ركن الدّين شجاعا فارسا، مقداما، إلى أن
стр. 3413
بهر أمره، وبعد صيته. وشهد وقعة المنصورة بدمياط، ثم كان أميرا في الدولة المعزّية، وتنقلت به الأحوال، وصار من أعيان البحرية. وولي السلطنة في سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين [وستمائة] ، وكان ملكا سريّا، غازيا، مجاهدا، مؤيّدا، عظيم الهيبة، خليقا للملك، يضرب بشجاعته المثل. له أيام بيض في الإسلام، وفتوحات مشهورة، ومواقف مشهودة، ولولا ظلمه وجبروته في بعض الأحايين لعدّ من الملوك العادلين. قاله في «العبر» .
وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : توفي بقصره الأبلق بمرجة دمشق جوار الميدان، وغسّلوه، وصبّروه، وعلقوه في البحيرة إلى أن فرغ من الظّاهرية، فنقلوه إليها. وكان قد أوصى أن يدفن على الطريق، وتبنى عليه قبة، فابتاع له ولده الملك السعيد دار العقيقي بسبعين ألف درهم، وبناها مدرسة للشافعية والحنفية، ونقله إليها، ووقف عليها أوقافا كثيرة، وفتح بيبرس من البلاد أربعين حصنا، كانت مع الفرنج، افتتحها بالسيف عنوة. انتهى ملخصا.
وقال الذهبي: انتقل إلى عفو الله ومغفرته يوم الخميس بعد الظهر، الثامن والعشرين من المحرّم بقصره بدمشق، وخلّف من الأولاد الذكور الملك السعيد محمد، ولي السلطنة وعمره ثماني عشرة سنة، والخضر، وسلامش، وسبع بنات، ودفن بتربة أنشأها ابنه. انتهى.
وفيها إبراهيم [بن أبي المجد] الدّسوقي الهاشمي الشّافعي القرشي [١] . شيخ الخرقة [٢] البرهامية، وصاحب المحاضرات القدسية والعلوم اللّدنية والأسرار العرفانية. أحد الأئمة الذين أظهر الله لهم المغيّبات [٣] ، وخرق
стр. 3414
لهم العادات، ذو الباع الطويل في التصرف النافذ، واليد البيضاء في أحكام الولاية، والقدم الرّاسخ في درجات النهاية. انتهت إليه رئاسة الكلام على خواطر الأنام، وكان يتكلم بجميع اللّغات من عجمي، وسرياني، وغيرهما.
وذكر عنه أنه كان يعرف لغات الوحش والطّير، وأنه صام في المهد، وأنه رأى في اللّوح المحفوظ وهو ابن سبع سنين، وأنه فكّ طلسم السبع المثاني، وأن قدمه لم تسعه الدنيا، وأنه ينقل اسم مريده من الشقاوة إلى السعادة، وأن الدّنيا جعلت في يده كخاتم.
وقال: توليت القطبانية، فرأيت المشرقين والمغربين، وما تحت التخوم [١] وصافحت جبريل [٢] .
ومن كلامه: لا تكليف على من غاب بقلبه في حضرة ربّه ما دام فيها، فإذا ردّ له عقله صار مكلّفا.
وقال: عليك بالعمل بالشرع وإيّاك وشقشقة اللّسان بالكلام في الطريق دون التخلق بأخلاق أهلها.
قاله الشيخ عبد الرؤوف المناوي في «طبقاته» .
وفيها الكمال بن فارس أبو إسحاق إبراهيم بن الوزير نجيب الدّين أحمد بن إسماعيل بن فارس التّميميّ الإسكندرانيّ [٣] المقرئ الكاتب، آخر من قرأ بالرّوايات على الكندي.
стр. 3415
ولد سنة ست وتسعين وخمسمائة، وتوفي في صفر، وكان فيه خير وتدين، ترك بعض النّاس الأخذ عنه لتوليه نظر بيت المال.
وفيها بيليك الخزندار الظّاهري [١] ، نائب سلطنة مولاه. كان نبيلا، عالي الهمّة، وافر العقل، محبّبا إلى النّاس، ينطوي على دين ومروءة ومحبة للعلماء الصّلحاء والزّهّاد، ونظر في العلوم والتواريخ، رقّاه أستاذه إلى أعلى الرّتب، واعتمد عليه في مهمّاته. قيل: إن شمس الدّين الفارقاني الذي ولي نيابة السلطنة سقاه السّمّ باتفاق مع أمّ الملك السعيد، فأخذه قولنج عظيم، وبقي به أيّاما، وتوفي بمصر في سابع ربيع الأول.
وفيها الشيخ خضر بن أبي بكر المهراني- بالكسر والسكون، نسبة إلى مهران جدّ- العدويّ [٢] ، شيخ الملك الظّاهر. كان له حال وكشف ونفس مؤثرة. مع سفه فم [٣] ومزاح، تغيّر عليه السلطان بعد شدّة خضوعه له، وانقياده لأوامره وإرادته، لأنه كان يخبره بأمور قبل وقوعها، فتقع على ما يخبره.
منها: أنه لما توجه الظّاهر إلى الرّوم، سأله قشتمر العجميّ فقال له [٤] الشيخ خضر: يظفر على الرّوم ويرجع إلى الشام فيموت بها بعد أن أموت أنا بعشرين يوما، فكان كما قال [٥] .
وكان سبب تغير السلطان عليه، أنه نقل بعض أصحاب الشيخ خضر أمورا لا تليق به، فأحضره ليحاققوه، فأنكر، فاستشار الأمراء في أمره،
стр. 3416
فأشاروا عليه بقتله، فقال الشيخ خضر- وهو بعيد عنهم-: اسمع ما أقول لك، أنا أجلي قريب من أجلك، من مات قبل صاحبه لحقه الآخر، فوجم السلطان، ورأى أن يحبسه، فحبسه في القلعة وأجرى عليه المآكل المفتخرة، وبنى له زاوية بخطّ الجامع الظّاهري في الحسينية، فمات سادس المحرم ودفن بزاويته في الحسينية.
وفيها أبو أحمد زكي بن الحسن البيلقاني [١]- بفتح الموحدة واللّام والقاف، وسكون التحتية، آخره نون، نسبة إلى البيلقان مدينة بالدّربند-.
كان شافعيا، فقيها، بارعا، مناظرا، متقدما في الأصلين والكلام. أخذ عن فخر الدّين الرّازي، وسمع من المؤيد الطّوسي، وكان صاحب ثروة وتجارة، عمّر دهرا، وسكن اليمن، وتوفي بعدن.
وفيها البرواناه الصّاحب معين الدّين سليمان بن علي [٢] . وزر أبوه لصاحب الرّوم علاء الدّين كيقباذ، ولولده. فلما مات ولي الوزارة بعده معين الدّين هذا سنة بضع وأربعين وستمائة، فلما غلبت التتار على الرّوم ساس الأمور، وصانع التتار، وتمكن من الممالك بقويّ إقدامه وقوة دهائه، إلى أن دخل المسلمون وحكموا على مملكة الرّوم، ونسب إلى البرواناه مكاتيبهم، فقتله أبغا في المحرم.
وفيها عزّ الدّين عبد السلام بن صالح البصري، عرف بابن الكبوش [٣] الشّاعر المشهور، وشعره في غاية الرّقّة.
فمنه:
أدر ما بيننا كأس الحميّا ... بكفّ مقرطق طلق المحيّا
стр. 3417
يحور ولا يجور على النّدامى ... كما جارت لواحظه عليّا
[غزال لو رأى غيلان ميّ ... شمائله سلا غيلان ميّا
سقاني من مراشفه شمولا ... فأنساني حميّاه الحميّا] [١]
إلى أن قال:
إلام به تلوم ولست أصغي ... لقد أسمعت لو ناديت حيّا
وفيها مجد الدّين أبو أحمد وأبو الخير عبد الصّمد بن أحمد بن عبد القادر بن أبي الجيش بن عبد الله البغدادي [٢] المقرئ، النّحويّ، اللّغويّ، الفقيه، الحنبلي، الخطيب، الواعظ، الزّاهد، شيخ بغداد وخطيبها، سبط الشيخ أبي زيد الحموي.
ولد في محرم سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ببغداد، وقرأ بالروايات على الفخر الموصلي وغيره، وعني بالقراءات. وسمع كثيرا من كتبها. وسمع الحديث من الدّاهري، وابن النّاقد، وغيرهما مما لا يحصى. وجمع أسماء شيوخه بالسماع والإجازة، فكانوا فوق خمسمائة وخمسين شيخا.
قال الجعبري [٣] : قرأ «كتاب سيبويه» و «الإيضاح» و «التكملة» و «اللّمع» على الكندي، وهو غير صحيح، ولعله على العكبري [٤] ، وانتهت إليه مشيخة القراءات والحديث، وله ديوان خطب في سبع مجلدات.
стр. 3418
وقال الذّهبيّ: قرأ عليه الشيخ إبراهيم الرّقّي الزّاهد، والمقصّاتي، وابن خروف، وجماعة. وكان إماما، محقّقا، بصيرا بالقراءات وعللها وغريبها، صالحا، زاهدا، كبير القدر، بعيد الصيت. انتهى.
وممن روى عنه الدّمياطي في «معجمه» وأحمد بن القلانسي.
وتوفي يوم الخميس سابع عشر ربيع الأول، ودفن بحضرة الإمام أحمد.
وفيها الواعظ نجم الدّين علي بن علي بن إسفنديار البغدادي [١] .
ولد سنة ست عشرة وستمائة [٢] ، وقرأ [٣] ، وسمع من ابن الشيخ اللّتي، والحسين بن رئيس الرؤساء، ووعظ بدمشق، فازدحم عليه الخلق، وانتهت إليه رئاسة الوعظ لحسن إيراده، ولطف شمائله، وبهجة محاسنه. وتوفي في رجب.
وفيها شمس الدّين أبو بكر وأبو عبد الله محمد بن الشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد بن شرف الدّين علي بن سرور المقدسي [٤] ، نزيل مصر قاضي قضاة الحنابلة [٥] ، وشيخ الشيوخ.
ولد يوم السبت رابع عشر صفر سنة ثلاث وستمائة بدمشق، وحضر بها على ابن طبرزد، وسمع من الكندي، وابن الحرستاني، وغيرهما. وتفقه [على الشيخ موفق الدّين، ثم رحل إلى بغداد. وأقام بها مدّة. وسمع بها من
стр. 3419
جماعة، وتفقّه] [١] أيضا بها، وتفنن في علوم شتى، وتزوّج بها وولد له، ثم انتقل إلى مصر وسكنها إلى أن مات بها، وعظم شأنه بها. وصار شيخ المذهب علما، وصلاحا، وديانة، ورئاسة، وانتفع به الناس، وولي بها مشيخة خانقاه سعيد السعداء، وتدريس المدرسة الصّالحية، ثم ولي قضاء القضاة مدة، ثم عزل منه، واعتقل مدة ثم أطلق، فأقام بمنزله يدرّس بالصالحية ويفتي ويقرئ العلم، إلى أن توفي.
قال القطب اليونيني: كان من أحسن المشايخ صورة، مع الفضائل الكثيرة التّامّة، والدّيانة المفرطة، والكرم، وسعة الصّدر، وهو أول من درّس بالمدرسة الصّالحية للحنابلة، وأول من ولي قضاء القضاة بالدّيار المصرية.
وكان كامل الآداب، سيّدا، صدرا من صدور الإسلام، متبحّرا في العلوم، مع الزّهد الخارج عن الحدّ واحتقار الدّنيا، وعدم الالتفات إليها. وكان الصّاحب بهاء الدّين- يعني ابن حنّا- يتحامل عليه ويغري الملك الظّاهر به، لما عنده من الأهلية لكل شيء من أمور الدّنيا والآخرة، ولا يلتفت إليه ولا يخضع له. حدّث بالكثير، وسمع منه الكبار، منهم: الدّمياطي، والحارثي، والإسعردي، وغيرهم.
وتوفي يوم السبت ثاني عشر المحرّم، ودفن من الغد بالقرافة عند عمّه الحافظ عبد الغني. انتهى.
وفيها الشيخ يحيى المنبجي [٢] المقرئ المتصدّر بجامع دمشق. لقّن خلقا [٣] كثيرا من الناس [٤] ، وكان من أصحاب أبي عبد الله الفاسي توفي في المحرّم.
стр. 3420
وفيها شيخ الإسلام محيي الدّين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مرّي بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام الفقيه الشافعي، الحافظ الزّاهد، أحد الأعلام النّواوي [١]- بحذف الألف ويجوز إثباتها- الدمشقي [٢] .
ولد في محرّم سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وقرأ القرآن ببلده، وقدم دمشق بعد تسع عشرة سنة من عمره. قدم به والده، فسكن بالمدرسة الرّواحية.
قال هو: وبقيت نحو سنتين لم أضع جنبي إلى الأرض. وكان قوتي فيها جراية المدرسة لا غير، وحفظت «التنبيه» في نحو أربعة أشهر ونصف.
قال: وبقيت أكثر من شهرين أو أقل، لما قرأت: «ويجب الغسل من إيلاج الحشفة في الفرج» اعتقد أن ذلك قرقرة البطن. وكنت أستحم بالماء البارد كلما قرقر بطني.
قال: وقرأت وحفظت ربع «المهذّب» في باقي السنة، وجعلت أشرح وأصحح على شيخنا كمال الدّين إسحاق المغربي ولازمته، فأعجب بي وأحبّني، وجعلني أعيد لأكثر جماعته.
فلما كانت سنة إحدى وخمسين، حججت مع والدي، وكانت وقفة الجمعة. وكان رجبيا من أول رجب، فأقمنا بالمدينة نحوا من شهر ونصف.
стр. 3421
وذكر والده قال: لما توجهنا من نوى، أخذته الحمّى، فلم تفارقه إلى يوم عرفة، ولم يتأوّه قطّ. قال: وذكر لي الشيخ، أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسا على المشايخ، شرحا، وتصحيحا، درسين في «الوسيط» ودرسا في «المهذّب» ، ودرسا في «الجمع بين الصحيحين» ودرسا في «صحيح مسلم» ودرسا في «اللّمع» لابن جنّي، ودرسا في «إصلاح المنطق» لابن السّكّيت. ودرسا في التصريف، ودرسا في أصول الفقه، تارة في «اللّمع» لأبي إسحاق [١] ، وتارة في «المنتخب» لفخر الدّين. ودرسا في أسماء الرجال، ودرسا في أصول الدّين. وكنت أعلّق جميع ما يتعلق بها، من شرح مشكل، ووضوح عبارة، وضبط لغة. وبارك الله لي في وقتي، وخطر لي الاشتغال في علم الطب، فاشتريت كتاب «القانون» فيه، وعزمت على الاشتغال فيه، فأظلم على [٢] قلبي، وبقيت أيّاما لا أقدر على الاشتغال بشيء، ففكرت في أمري، من أين دخل عليّ الداخل، فألهمني الله أن سببه اشتغالي بالطبّ، فبعت «القانون» في الحال واستنار قلبي.
وقال الذهبيّ: لزم الاشتغال ليلا ونهارا نحو عشرين سنة، حتّى فاق الأقران، وتقدم على جميع الطلبة، وحاز قصب السبق في العلم والعمل، ثم أخذ في التصنيف من حدود الستين وستمائة إلى أن مات. وسمع الكثير من الرّضي بن البرهان، والزّين خالد، وشيخ الشيوخ عبد العزيز الحموي وأقرانهم. وكان مع تبحّره في العلم وسعة معرفته بالحديث، والفقه، واللغة، وغير ذلك مما قد سارت به الرّكبان، رأسا في الزّهد، وقدوة في الورع، عديم المثل في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، قانعا باليسير، راضيا عن الله والله راض عنه، مقتصدا إلى الغاية في ملبسه، ومطعمه، وأثاثه، تعلوه
стр. 3422
سكينة وهيبة، فالله يرحمه ويسكنه الجنّة بمنّه.
ولي مشيخة دار الحديث بعد الشيخ شهاب الدّين أبي شامة، وكان لا يتناول من معلومها شيئا، بل يتقنّع [١] بالقليل مما يبعثه إليه أبوه. انتهى.
وقال ابن العطّار [٢] : كان قد صرف أوقاته كلّها في أنواع العلم والعمل بالعلم، وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلّا أكلة واحدة بعد العشاء الآخرة، ولا يشرب إلّا شربة واحدة عند السّحر، ولم يتزوّج.
ومن تصانيفه «الروضة» [٣] و «المنهاج» و «شرح المهذّب» وصل فيه إلى أثناء الرّبا، سماه «المجموع» و «المنهاج في شرح مسلم» وكتاب «الأذكار» [٤] وكتاب «رياض الصالحين» [٥] وكتاب «الإيضاح» في المناسك و «الإيجاز» في المناسك. وله أربع مناسك أخر، و «الخلاصة» في الحديث [لخص فيه الأحاديث المذكورة في «شرح المهذّب» . وكتاب «الإرشاد» في علم الحديث [٦]] [٧] وكتاب «التقريب» و «التيسير» في مختصر الإرشاد، وكتاب «التبيان في آداب حملة القرآن» وكتاب «المبهمات» وكتاب «تحرير ألفاظ
стр. 3423
التنبيه» [١] و «العمدة في تصحيح التنبيه» وهما من أوائل ما صنّف، وغير ذلك من المصنفات الحسنة.
وقال ابن ناصر الدّين [٢] : هو الحافظ القدوة، الإمام، شيخ الإسلام.
كان فقيه الأمّة وعلم الأئمّة.
وقال الإسنويّ: كان في لحيته شعرات بيض، وعليه سكينة ووقار في البحث مع الفقهاء، وفي غيره، ولم يزل [٣] على ذلك إلى أن سافر إلى بلده، وزار القدس والخليل، ثم عاد إليها فمرض بها عند أبويه.
وتوفي ليلة الأربعاء رابع عشري رجب، ودفن ببلده ﵀ ورضي عنه وعنّا به.
стр. 3424
سنة سبع وسبعين وستمائة
فيها توفي الشّهاب بن الجزري أبو العبّاس أحمد بن محمد بن عيسى الأنصاري الدمشقي [١] .
وله أربع وستون سنة. روى عن ابن اللّتي، وابن المقيّر، وطبقتهما، وكتب الكثير، ورحل إلى ابن خليل فأكثر عنه، وكان يقرأ الحديث على كرسي الحائط الشمالي. توفي في جمادى الآخرة.
وفيها الفارقاني شمس الدّين آق سنقر الظّاهري [٢] ، أستاذ دار الملك الظّاهر. جعله الملك السعيد نائبه فلم ترض خاصّة السعيد بذلك، ووثبوا على الفارقاني واعتقلوه، فلم يقدر السعيد على مخالفتهم، فقيل: إنهم خنقوه في جمادى الأولى.
وكان وسيما، جسيما، شجاعا، نبيلا، له خبرة ورأي، وفيه ديانة وإيثار، وعليه مهابة ووقار. مات في عشر الخمسين.
وفيها النّجيبيّ جمال الدّين آقوش [٣] النّجمي [٤] أستاذ دار الملك
стр. 3425
الصّالح. ولي أيضا للملك الظّاهر استاداريته، ثم نيابة دمشق تسعة أعوام، وعزله بعزّ الدّين أيدمر، ثم بقي بالقاهرة مدّة بطالا، ولحقه فالج قبل موته بأربع سنين. وكان محبا للعلماء، كثير الصّدقة، لديه فضيلة وخبرة. عاش بضعا وستين سنة. وتوفي بربيع الآخر، وله بدمشق خانقاه، وخان، ومدرسة، ولم يخلّف ولدا.
وفيها قاضي القضاة صدر الدّين سليمان بن أبي العزّ بن وهيب الأذرعي، نسبة إلى أذرعات ناحية بالشام، ثم الدمشقي [١] ، شيخ الحنفية قاضي القضاة [٢] أبو الفضل. أحد من انتهت إليه رئاسة المذهب في زمانه، وبقيّة أصحاب الشيخ جمال الدّين الحصيري. درّس بمصر مدّة، ثم قدم دمشق، فاتفق موت القاضي مجد الدّين ابن العديم، فقلّد بعده القضاء، فبقي فيه ثلاثة أشهر.
قال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : كان من كبار العلماء، وله تصانيف في مذهبه، وولي القضاء بالدّيار المصرية، والشامية، والبلاد الإسلامية، وأذن له في الحكم حيث حلّ من البلاد انتهى.
توفي في شعبان عن ثلاث ثمانين سنة ودفن بتربته [٣] بقاسيون.
وفيها كمال الدّين أبو محمد طه بن إبراهيم بن أبي بكر الإربلي الشّافعي [٤] .
стр. 3426
قال الإسنويّ: كان فقيها، أديبا. ولد بإربل، وانتقل إلى مصر شابا، وانتفع به خلق كثير، وروى عنه جماعة، منهم: الدّمياطي، ومات بمصر في جمادى الأولى، وقد نيّف على الثمانين.
وفيها مجد الدّين أبو محمد عبد الله بن الحسين بن علي الكردي الإربلي الشافعي [١] ، والد شهاب الدّين بن المجد الذي تولى القضاء بدمشق. كان المجد المذكور عارفا بالمذهب، بصيرا به، خبيرا بعلم القراءات، خيّرا، ديّنا، متعبّدا، حسن السّمت والأخلاق. سمع وأسمع، ودرّس بالكلّاسة. وتوفي في ذي القعدة.
وفيها ابن العديم، الصّاحب، قاضي القضاة، مجد الدّين أبو المجد، عبد الرحمن بن الصّاحب كمال الدّين أبي القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة العقيلي الحلبي الحنفي [٢] . سمع حضورا من ثابت بن مشرّف، وسماعا من أبي محمد بن الأستاذ، وابن البنّ، وخلق كثير. وكان صدرا، مهيبا، وافر الحشمة، عالي الهمّة والرّتبة، عارفا بالمذهب والأدب، مبالغا في التجمّل والترفّع، مع دين تامّ، وتعبّد وصيانة، وتواضع للصّالحين.
توفي في ربيع الآخر عن أربع وستين سنة.
وفيها ابن حنّا، الوزير الأوحد، بهاء الدّين علي بن محمد بن سليم المصري [٣] الكاتب، أحد رجال الدّهر، حزما، ورأيا، وجلالة، ونبلا، وقياما
стр. 3427
بأعباء الأمور، مع الدّين، والعفّة، والصّفات الحميدة، والأموال الكثيرة.
وكان لا يقبل لأحد هدية إلّا أن يكون من الفقراء والصلحاء للتبرّك، وكان من حسنات الزّمان، توزّر للملك الظّاهر ولولده السعيد، ورزق أولادا، ومات وهو جدّ جدّ، وبنى مدرسة بزقاق القناديل بمصر، وابتلي بفقد ولديه الصّدرين فخر الدّين ومحيي الدّين، فصبر وتجلّد. وكان يهشّ للمديح.
قال فيه الفارقي:
وقائل قال لي نبّه لها عمرا ... فقلت: إن عليّا قد تنبّه لي
ما لي إذا كنت محتاجا إلى عمر ... من حاجة فلينم حتّى انتباه علي
توفي في ذي القعدة وله أربع وسبعون سنة.
وفيها الحكيم الفاضل موفق الدّين عبد الله بن عمر، المعروف بالورن [١] ، الفاضل الأديب. له مشاركة في علوم كثيرة. وكان أكثر إقامته ببعلبك، وسافر إلى مصر فلم تطل مدته. أخذه قولنج فمات.
ومن شعره:
يذكّرني نشر الحمى بهبوبه ... زمانا عرفنا كلّ طيب بطيبه
ليال سرقناها من الدّهر خلسة ... وقد أمنت عيناي عين رقيبه
فمن لي بذاك العيش لو عاد وانقضى ... ليسكن [٢] قلبي ساعة من وجيبه
ألا إنّ لي شوقا إلى ساكن الغضا ... أعيذ الغضا من حرّه ولهيبه
стр. 3428
وفيها الظّهير العلّامة مجد الدّين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبي شاكر الإربلي الحنفي الأديب [١] .
ولد سنة اثنتين وستمائة بإربل، وسمع من السّخاوي وطائفة بدمشق، ومن الكاشغري وغيره ببغداد، ودرّس بالقيمازيّة مدّة، وله «ديوان» مشهور ونظم رائق، مع الجلالة، والدّيانة التّامّة.
توفي في ربيع الآخر.
وفيها ابن إسرائيل الأديب البارع نجم الدّين محمد بن سوّار ابن إسرائيل بن خضر بن إسرائيل الدّمشقي [٢] الفقير، صاحب الحريري. روح المشاهد وريحانة المجامع. كان فقيرا، ظريفا، نظيفا، مليح النّظم، رائق المعاني، لولا ما شانه بالاتحاد تصريحا مرّة وتلويحا أخرى.
من نظمه، ما كتب به إلى النّجم الكحّال:
يا سيّد الحكماء هذي سنّة ... مثبوتة في الطّبّ أنت سننتها
أو كلّما كلّت سيوف جفون من ... سفكت لواحظه الدّماء سننتها
وقال في مليح ناوله تفّاحة:
لله تفّاحة وافى بها سكني ... فسكّنت لهبا في القلب يستعر
كفأرة المسك وافاني الغزال بها ... وغرّة النّجم حيّاني بها القمر
أتى بها قاتلي نحوي فهل أحد ... قبلي تمشّى إليه الغصن والثّمر
توفي في رابع عشر ربيع الآخر عن أربع وسبعين سنة وشهر، ودفن خارج باب توما عند قبر الشيخ رسلان.
стр. 3429
وفيها ناصر الدّين أبو عبد الله محمد بن عربشاه بن أبي بكر بن أبي ناصر [١] المحدّث الهمذاني ثم الدمشقي [٢] . روى عن ابن الزّبيدي، والمسلم [٣] المازني، وابن صباح، وكتب الكثير. وكان ثقة، صحيح النّقل.
توفي في جمادى الأولى. قاله في «العبر» .
وفيها أبو المرجّى مؤمّل بن محمد بن علي البالسي ثم الدمشقي [٤] . روى عن الكندي، والخضر بن كامل، وجماعة. وتوفي في رجب.
стр. 3430
سنة ثمان وسبعين وستمائة
فيها توفي أبو العبّاس أحمد بن أبي الخير سلامة بن إبراهيم الدمشقي الحدّاد الحنبلي [١] .
ولد سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وكان أبوه إماما بحلقة الحنابلة فمات وهذا صغير. وسمع سنة ستمائة من الكندي، وأجاز له خليل الرّارانيّ [٢] ، وابن كليب، والبوصيري، وخلق. وعمّر، وروى الكثير، وكان خيّاطا ودلّالا، ثم قرّر بالرّباط النّاصري، وأضرّ بأخرة. وكان يحفظ القرآن العظيم. توفي يوم عاشوراء.
وفيها أحمد بن عبد المحسن الدّمياطي الواعظ، عرف بكتاكت [٣] .
كان له الشعر الحسن، فمنه:
اكشف البرقع عن شمس العقار ... واخل في ليلك مع شمس النّهار
стр. 3431
وانهب العيش ودعه ينقضي ... غلطا ما بين هتك واستتار
إن تكن شيخ خلاعات الصّبا ... فالبس الصّبوة في خلع العذار
وارض بالعار وقل قد لذّ لي ... في هوى خمّار كاسي لبس عاري
توفي بمصر، ودفن بالقرافة.
وفيها القاضي صفيّ الدّين أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن يحيى الشّقراوي الحنبلي [١] .
ولد بشقرا من ضياع زرع [٢] سنة خمس وستمائة، وسمع من موسى بن عبد القادر، والشيخ موفق الدّين، وأحمد بن طاووس، وجماعة. وتفقه وحدّث، وولي الحكم بزرع نيابة عن الشيخ شمس الدّين [٣] ابن أبي عمر، وكان فقيها، فاضلا، حسن الأخلاق.
قال الذهبي: كان رجلا، خيّرا، فقيها، حفظ النّوادر والأخبار، وولي قضاء زرع، وأعاد بمدرسته. وتوفي يوم السبت تاسع عشر ذي الحجّة ودفن بسفح قاسيون.
وفيها شيخ الشيوخ شرف الدّين أبو بكر عبد الله بن شيخ الشيوخ تاج الدّين عبد الله بن عمر بن حمّوية الجويني ثم الدمشقي الصّوفي [٤] .
ولد سنة ثمان وستمائة وروى عن أبي القاسم بن صصرى وجماعة، وتوفي في شوال.
وفيها ابن الأوحد الفقيه شمس الدّين عبد الله بن محمد بن
стр. 3432
عبد الله بن علي القرشيّ الزّبيريّ [١] . روى عن الافتخار الهاشمي، وكتب بديوان المارستان النّوري، وتوفي في شوال وله خمس وسبعون سنة.
وفيها الشيخ القدوة إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الحضرمي [٢] ، نسبة إلى حضرموت.
قال المناوي: قطب الدّين، الإمام الكبير، العارف الشهير، قدوة الفريقين وعمدة الطريقين، شيخ الشّافعية ومربي الصّوفية.
كان إماما من الأئمة مذكورا، وعلما من أعلام الولاية مشهورا. وهو من بيت مشهور بالصّلاح، مقصود لليمن والنّجاح، أعلامه للإرشاد منصوبة، وبركات أهله كالأهلّة مرقومة مرقوبة. وكان في بدايته يؤثر الخلوة، ثم تفقه، فبرع وفاق، وسبق الأقران والرّفاق. وله عدّة مؤلفات في عدّة فنون، تدلّ على تمكّنه، منها «شرح المهذّب» و «مختصر مسلم» و «مختصر بهجة المجالس» و «فتاوى» مفيدة. وكلام في التصوف، يدلّ على كمال معرفته. انتفع به جمع من الأعيان، وولي قضاء الأقضية فأنكر المنكرات وأقام مواسم الخيرات. ثم عزل نفسه. وكتب للسلطان في شقفة من خزف: يا يوسف كثر شاكوك وقلّ شاكروك، فإما عدلت وإما انفصلت. فغضب، فلم يلتفت إليه.
وله كرامات- قال المطري [٣] : كادت تبلغ التواتر-.
стр. 3433
منها: أن ابن معطي قيل له في النّوم: اذهب إلى الفقيه إسماعيل الحضرمي واقرأ عليه النّحو، فلما انتبه تعجّب لكون الحضرميّ لا يحسنه، ثم قال: لا بدّ من الامتثال، فدخل عليه وعنده جمع يقرؤون الفقه، فبمجرد رؤياه، قال: أجزتك بكتب النّحو، فصار لا يطالع فيه شيئا إلّا عرفه بغير شيخ.
ومنها أنه قصد بلدة زبيد، فكادت الشّمس تغرب، وهو بعيد عنها، فخاف أن تغلق أبوابها، فأشار إلى الشّمس فوقفت [١] ، حتّى دخل المدينة.
وإليه أشار الإمام اليافعيّ بقوله:
هو الحضرمي نجل الوليّ محمد ... إمام الهدى نجل الإمام محمد
ومن جاهه أومأ إلى الشّمس أن قفي ... فلم تمش حتّى أنزلوه بمقعد
ومنها أنه زار مقبرة زبيد، فبكى كثيرا، ثم ضحك، فسئل، فقال:
كشف لي، فرأيتهم يعذّبون، فشفعت فيهم. فقالت صاحبة هذا القبر: وأنا معهم يا فقيه، قلت: من أنت؟ قالت: فلانة المغنيّة، فضحكت وقلت:
وأنت.
ومنها أن بعض الصّلحاء رأى المصطفى، ﷺ ، فقال له: «من قبّل قدم الحضرميّ دخل الجنّة» [٢] فبلغ الحكميّ مفتي زبيد، فقصده ليقبّلها، فلما وقع بصره عليه، مدّ له رجليه. انتهى ملخصا.
وفيها الشيخ نجم الدّين بن الحكيم عبد الله بن محمد بن أبي الخير الحمويّ [٣] الصّوفي الفقير.
كان له زاوية بحماة ومريدون، وفيه تواضع وخدمة للفقراء، وأخلاق
стр. 3434
حميدة. صحب الشيخ إسماعيل الكوراني، واتفق موته بدمشق، فدفن عنده بمقابر الصّوفية.
وفيها الشيخ عبد السّلام بن أحمد بن الشيخ القدوة غانم بن علي المقدسي [١] الواعظ. أحد المبرّزين في الوعظ، والنّظم، والنّثر. توفي بالقاهرة في شوال.
وفيها فاطمة ابنة الملك المحسن أحمد بن السلطان صلاح الدّين [٢] .
ولدت سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وسمعت من حنبل، وابن طبرزد.
وفيها السّلطان الملك السعيد ناصر الدّين أبو المعالي محمد بن الملك الظّاهر بيبرس [٣] .
ولد في حدود سنة ثمان وخمسين وستمائة، بظاهر القاهرة. وتملّك بعد أبيه سنة ست وسبعين في صفر، وكان شابا، مليحا، كريما، حسن الطّباع، فيه عدل، ولين، وإحسان، ومحبة للخير. خلعوه من الأمر، فأقام بالكرك أشهرا، ومات شبه الفجأة في نصف ذي القعدة بقلعة الكرك، ثم نقل بعد سنة ونصف إلى تربة والده، وتملّك بعده أخوه خضر.
وفيها ابن الصّيرفيّ، المفتي المعمّر، جمال الدّين أبو زكريا يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح بن رافع الحرّاني الحنبلي، ويعرف بابن الحبيشي [٤] .
стр. 3435
سمع من عبد القادر الرّهاوي بحرّان، ومن ابن طبرزد ببغداد، ومن الكندي بدمشق، واشتغل على أبي بكر بن غنيمة، وأبي بكر العكبري، والشيخ الموفق [١] . وكان إماما، عالما، متفننا، صاحب عبادة، وتهجد، وصفات حميدة. توفي في رابع صفر.