طاهر بن نصر بن جهبل الشافعي الحلبي الأصل الدمشقي، المعروف بابن جهبل [١] .
ولد سنة سبعين وستمائة، وسمع من جماعة واشتغل بالعلم، ولزم الشيخ صدر الدّين بن المرحّل، وأخذ عن الشيخ شرف الدّين المقدسي وغيره، ودرّس بصلاحية القدس الشريف مدة ثم تركها، وتحوّل إلى دمشق، فباشر مشيخة دار الحديث الظّاهرية، ثم ولي تدريس البادرائية بعد وفاة الشيخ برهان الدّين، وترك المشيخة المذكورة، واستمرّ في تدريس البادرائية إلى أن مات.
قال ابن كثير: ولم يأخذ معلوما من واحدة منهما. قال: وكان من أعيان الفقهاء وفضلائهم.
وقال السبكي: درّس، وأفتى، وأشغل مدّة بالعلم بالقدس ودمشق. وحدّث وسمع منه الحافظ علم الدّين البرزالي. قال: ووقفت له على تصنيف في نفي الجهة ردّا على ابن تيميّة لا بأس به، وسرده بمجموعة في «الطبقات الكبرى» في نحو كرّاسين.
توفي بدمشق في جمادى الآخرة ودفن بمقابر الصّوفية.
وفيها الأمير الكبير بكتمر السّاقي [٢] بدرب الحجاز بعيون القصب، ثم حمل فدفن بالتّربة التي أنشأها بالقرافة.
كان له عند السلطان مكانة عظيمة لا يفترقان، إما أن يكون عند السلطان أو السلطان عنده.
وكان فيه خير وسياسة وقضاء لحوائج الناس.
وكان في اصطبله مائة سطل لمائة سائس كل سائس على ستة رؤوس من الخيل العتاق، وبيع من خيله بما لا يحصى وقومت زردخاناه على الأمير قوصون
стр. 3782
بستمائة ألف دينار، وأخذ السلطان ثلاثة صناديق جوهر ليس لها قيمة، وأبيع له من كل نوع بما لا يحصى [١] .
وفيها أسماء بنت محمد بن سالم بن الحافظ أبي المواهب بن صصرى [٢] أخت القاضي نجم الدّين. سمعت من مكّي بن علّان، وتفرّدت وحجّت مرارا.
وتوفيت بدمشق في ذي الحجّة عن خمس وتسعين سنة، وكانت مسندة ذات صدقات وفضل، رحمها الله تعالى.
وفيها الإمام القدوة الولي الشيخ علي ابن الحسن الواسطي الشافعي [٣] .
كان من أعبد البشر، حجّ واعتمر أزيد من ألف مرّة، وتلا أزيد من أربعة آلاف ختمة، وطاف مرّات في اللّيل سبعين أسبوعا [٤] .
ومات ببدر محرما، رحمه الله تعالى. قاله في «العبر» .
وفيها الإمام المحدّث العدل شمس الدّين محمد بن إبراهيم بن غنائم بن المهندس الصالحي الحنفي [٥] سمع من ابن أبي عمر، وابن شيبان فمن بعدهما، وكتب الكثير، ورحل، وخرّج وتعب، ونسخ «تهذيب الكمال» [٦] مرتين. مع الدّين والتواضع، ومعرفة الشّروط.
وتوفي في شوال عن ثمان وستين سنة.
وفيها قاضي القضاة شيخ الإسلام بدر الدّين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن حازم بن صخر بن عبد الله الكناني الحموي الشافعي [٧] .
стр. 3783
ولد في ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وستمائة بحماة، وسمع الكثير، واشتغل، وأفتى، ودرّس. وأخذ أكثر علومه بالقاهرة عن القاضي تقي الدّين بن رزين. وقرأ النحو على الشيخ جمال الدّين بن مالك.
وولي قضاء القدس سنة سبع وثمانين، ثم نقل إلى قضاء الدّيار المصرية سنة تسعين، وجمع له بين القضاء ومشيخة الشيوخ. ثم نقل إلى دمشق وجمع له بين القضاء والخطابة ومشيخة الشيوخ. ثم أعيد إلى قضاء الدّيار المصرية بعد وفاة ابن دقيق العيد. ولما عاد الملك الناصر من الكرك عزله مدة سنة ثم أعيد، وعمي في أثناء سنة سبع وعشرين فصرف عن القضاء، واستمرّ معه تدريس الزاوية بمصر، وانقطع بمنزله بمصر قريبا من ست سنين يسمع عليه، ويتبرك به إلى أن توفي.
قال الذهبي في «معجم شيوخه» : قاضي القضاة، شيخ الإسلام، الخطيب المفسّر، له تعاليق في الفقه، والحديث، والأصول، والتواريخ، وغير ذلك، وله مشاركة حسنة في علوم الإسلام، مع دين، وتعبّد، وتصوّن، وأوصاف حميدة، وأحكام محمودة، وله النّظم، والنّثر، والخطب، والتلامذة، والجلالة الوافرة، والعقل التّام الرّضي، فالله تعالى يحسن له العاقبة، وهو أشعريّ فاضل.
وقال السّبكي في «الطبقات الكبرى» : حاكم الإقليمين مصرا وشاما، وناظم عقد الفخار الذي لا يسامى، متحلّ بالعفاف إلّا عن مقدار الكفاف، محدّث، فقيه، ذو عقل لا تقوم أساطين الحكماء بما جمع فيه.
ومن نظمه قوله:
لمّا تمكّن في فؤادي حبّه ... عاتبت قلبي في هواه ولمته
فرثى له طرفي وقال أنا الذي ... قد كنت في شرك الرّدى أوقعته
عاينت حسنا باهرا فاقتادني ... قسرا إليه عند ما أبصرته
стр. 3784
توفي في جمادى الأولى، ودفن قريبا من الإمام الشافعي، ﵄، وله أربع وتسعون سنة.
وفيها تقي الدّين أبو الثناء محمود بن علي بن محمود بن مقبل بن سليمان بن داود الدّقوقي ثم البغدادي [١] الحنبلي المحدّث الحافظ.
ولد بكرة نهار الاثنين سادس عشري جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وستمائة. وسمع الكثير بإفادة والده من عبد الصّمد بن أبي الجيش، وعلي بن وضاح، وابن السّاعي، وعبد الله بن بلدجي، وعبد الجبار بن عكبر، وغيرهم، وأجاز له جماعة كثيرة من أهل العراق والشام، ثم طلب بنفسه، وقرأ ما لا يوصف كثرة.
وكان يجتمع عنده في قراءة الحديث آلاف. وانتهى إليه علم الحديث والوعظ ببغداد، ولم يكن بها في وقته أحسن قراءة للحديث منه ولا معرفة بلغاته وضبطه، وله اليد الطّولى في النّظم والثّر وإنشاء الخطب.
وكان لطيفا، حلو النّادرة، مليح الفكاهة، ذا حرمة، وجلالة، وهيبة، ومنزلة، عند الأكابر.
وجمع عدة «أربعينيات» في معان مختلفة. وله كتاب «مطالع الأنوار في الأخبار والآثار الخالية عن السند والتكرار» وكتاب «الكواكب الدّرّية في المناقب العلوية» وتخرّج به جماعة في علم الحديث، وانتفعوا به، وسمع منه خلق، وحدّث عنه طائفة.
وتوفي يوم الاثنين بعد العصر عشرين المحرم ببغداد ﵀.
стр. 3785
سنة أربع وثلاثين وسبعمائة
فيها جاء بطيبة سيل عظيم أخذ الجمال وعشرين فرسا، وخرّب أماكن.
وفيها توفي قاضي القضاة جمال الدّين سليمان بن عمر بن سالم بن عمرو بن عثمان الزّرعي الشافعي [١] .
قال السّبكي: سمع من عبد الدائم، والجمال بن الصّيرفي وغيرهما، وولي قضاء زرع مدة، ثم تنقلت به الأحوال، وهو قوي النّفس، لا يطلب رزقا. عفيفا في أحكامه، ثم ولي هو قضاء القضاة بالدّيار المصرية عن ابن جماعة، ثم ولي قضاء الشام بعد ابن صصرى، ثم عزل بعد عام، وبقي شيخ الشيوخ ومدرّس الأتابكية.
وتوفي بالقاهرة في صفر عن تسع وثمانين سنة.
وقال الذهبي: كان مليح الشكل، وافر الحرمة، قليل العلم لكنه حكام.
وفيها زين الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمود بن عبيدان البعلي [٢] الفقيه الزّاهد.
قال ابن رجب: ولد سنة خمس وسبعين وستمائة، وسمع الحديث، وتفقه على الشيخ تقي الدّين وغيره، وبرع وأفتى، وكان إماما عارفا بالفقه وغوامضه، والأصول، والحديث، والعربية، والتّصوف، زاهدا، عابدا، ورعا، متألها، ربّانيا.
صحب الشيخ عماد الدّين الواسطي، وتخرّج به في السّلوك، وتذكر له أحوال وكرامات.
стр. 3786
ويقال: إنه كان يطّلع على ليلة القدر كلّ سنة، وقد نالته محنة مرّة بسبب حال حصل له.
وصنف كتابا في الأحكام على أبواب المقنع سمّاه «المطلع» وشرح قطعة من أول «المقنع» ، وجمع «زوائد المحرر على المقنع» وله كلام في التصوف، وحدّث بشيء من مصنفاته.
وتوفي في منتصف صفر ببعلبك ودفن بباب سطحا.
وفيها نجم الدّين أبو عمر عبد الرحمن بن حسين بن يحيى بن عمر اللّخمي المصري القبابي [١]- وقباب قرية من قرى الصّعيد- الحنبلي، الفقيه الزاهد العابد القدوة.
قال ابن رجب: كان رجلا صالحا، زاهدا، عابدا، قدوة، عارفا، فقيها، ذا فضل ومعرفة، وله اشتغال بالمذهب أقام بحماة في زاوية يزار بها، وكان معظّما عند الخاص والعام، وأئمة وقته يثنون عليه، كالشيخ تقي الدين بن تيميّة وغيره، وكان أمّارا بالمعروف نهّاء عن المنكر، من العلماء الربّانيين وبقايا السّلف الصّالحين. وله كلام حسن يؤثر عنه.
توفي في آخر نهار الاثنين رابع عشر رجب بحماة، وكانت جنازته مشهودة ودفن شمالي البلد.
وتوفي ولده الإمام سراج الدّين عمر [٢] بالقدس.
وكان جامعا بين العلم والعمل، واشتغل وانتفع بابن تيمية، ولم أر على طريقته في الصّلاح مثله، رحمه الله تعالى. انتهى كلام ابن رجب.
وفيها عماد الدّين أبو حفص عمر بن عبد الرحيم بن يحيى بن إبراهيم بن
стр. 3787
علي بن جعفر بن عبيد الله بن الحسن القرشي الزهري النّابلسي [١] الخطيب الشّافعي الإمام قاضي نابلس. تفقّه بدمشق وأذن له بالفتوى، وانتقل إلى نابلس، وولي خطابة القدس مدة طويلة وقضاء نابلس معها، ثم ولي قضاء القدس في آخر عمره.
قال ابن كثير: له اشتغال وفضيلة. وشرح «مسلما» في مجلدات. وكان سريع الحفظ، سريع الكتابة.
مات في المحرم ودفن بتربة ماملا.
وفيها- كما قال في «العبر» - الشيخ الضّال محمد بن عبد الرحمن السّيوفي [٢] ، صاحب ابن سبعين. هلك به جماعة. انتهى.
وفيها فتح الدّين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن [أحمد بن] [٣] عبد الله بن محمد بن يحيى ابن سيّد النّاس الشافعي الإمام الحافظ اليعمري الأندلسيّ الإشبيليّ المصري، المعروف بابن سيّد الناس [٤] .
قال ابن قاضي شهبة: ولد في ذي القعدة، وقيل في ذي الحجّة سنة إحدى وسبعين وستمائة بالقاهرة، وسمع الكثير من الجمّ الغفير، وتفقه على مذهب الشافعي. وأخذ علم الحديث عن والده، وابن دقيق العيد، ولازمه سنين كثيرة، وتخرّج عليه، وقرأ عليه أصول الفقه، وقرأ النّحو على ابن النحّاس، وولي دار الحديث بجامع الصالح، وخطب بجامع الخندق، وصنّف كتبا نفيسة: منها السيرة الكبرى سماها «عيون الأثر» في مجلدين، واختصره في كراريس وسماه
стр. 3788
«نور العيون» [١] وشرح قطعة من «كتاب الترمذي» إلى كتاب الصلاة في مجلدين، وصنّف في منع بيع أمهات الأولاد مجلدا ضخما يدلّ على علم كثير.
وذكره الذهبي في «معجمه المختص» : وقال أحد أئمة هذا الشأن، كتب بخطه المليح كثيرا، وخرّج، وصنّف، وصحّح وعلّل، وفرّع وأصّل، وقال الشعر البديع وكان حلو النادرة، حسن المحاضرة [٢] ، جالسته وسمعت قراءته وأجاز لي مروياته، عليه مآخذ في دينه وهديه، فالله يصلحه وإيانا.
وقال ابن كثير: اشتغل بالعلم فبرع وساد أقرانه في علوم شتى من الحديث، والفقه، والنحو، وعلم السير، والتاريخ، وغير ذلك، وقد جمع سيرة حسنة في مجلدين، وقد حرّر وحبّر وأجاد وأفاد، ولم يسلم من بعض الانتقاد، وله الشعر والنثر الفائق، وحسن التّصنيف، والتّرصيف، والتعبير، وجودة البديهة، وحسن الطويّة، والعقيدة السّلفية، والاقتداء للأحاديث النبوية.
وتذكر عنه شؤون أخر الله يتولاه فيها، ولم يكن بمصر في مجموعه مثله في حفظ الأسانيد، والمتون، والعلل، والفقه، والملح والأشعار، والحكايات.
وقال صاحب «البدر السافر» : وخالط أهل السّفه وشرّاب المدام، فوقع في الملام، ورشق بسهام الكلام، والناس معادن والقرين يكرم ويهين باعتبار المقارن.
قال: ولم يخلّف بعده في القاهرة ومصر من يقوم بفنونه مقامه، ولا من يبلغ في ذلك مرامه، أعقبه الله السلامة، في دار الإقامة.
وقال ابن ناصر الدّين [٣] : كان إماما، حافظا، عجيبا، مصنّفا، بارعا، شاعرا، أديبا. دخل عليه واحد من الإخوان يوم السبت حادي عشر شعبان، فقام لدخوله ثم سقط من قامته، فلقف ثلاث لقفات، ومات من ساعته، ودفن بالقرافة عند ابن أبي جمرة، رحمهما الله تعالى.
стр. 3789
سنة خمس وثلاثين وسبعمائة
فيها وقع بحماة حريق كبير ذهبت به الأموال، واحترق مائتان وخمسون دكانا. قاله في «العبر» .
وفيها توفي بدمشق رئيس المؤذنين وأطيبهم صوتا برهان الدّين إبراهيم بن محمد الخلاطي الواني الشافعي [١] .
حدّث عن الرّضي بن البرهان، وابن عبد الدائم وجماعة، ومات في صفر عن أكثر من تسعين سنة.
وفيها نصير الدّين أحمد بن عبد السلام بن تميم بن أبي نصر بن عبد الباقي بن عكبر البغدادي [٢] المعمّر الحنبلي.
سمع الكثير من عبد الصّمد بن أبي الجيش، وابن وضّاح، وهذه الطبقة.
وحدّث وسمع منه خلق، وتفقه، وأعاد بالمدرسة البشيرية للحنابلة، وأضرّ في آخر عمره، وانقطع في بيته.
وكان يذكر أنه من أولاد عكبر الذي تاب هو وأصحابه من قطع الطرق [٣] لرؤيته عصفورا ينقل رطبا من نخلة إلى أخرى حائل، فصعد فنظر حيّة عمياء والعصفور يأتيها برزقها، فتاب هو وأصحابه. ذكره ابن الجوزي في «صفة الصّفوة» [٤] .
توفي صاحب الترجمة في جمادى الأولى ببغداد عن خمس وتسعين سنة.
стр. 3790
وفيها الواعظ شمس الدّين حسين بن راشد بن مبارك بن الأثير [١] . سمع الحافظ عبد العظيم، وعبد المحسن بن عبد العزيز المخزومي، والنّجيب. وكان حسن المذاكرة والعلم.
توفي بمصر عن أربع وثمانين سنة.
وفيها المعمّرة زينب بنت الخطيب يحيى بن الشيخ عز الدين بن عبد السلام السّلمية [٢] .
روت عن اليلداني، وإبراهيم بن خليل، وابن خطيب القرافة، وغيرهم.
ولها إجازة من السّبط. وروت الكثير وتفرّدت.
وتوفيت في ذي القعدة عن سبع وثمانين سنة.
وفيها مسند الوقت بدر الدّين عبد الله بن حسين بن أبي التائب الأنصاري الدمشقي الشاهد [٣] . حدّث عن ابن علّان، والعراقي، والبلخي، وعثمان بن خطيب القرافة، وجماعة، وسماعه صحيح، لكنه لين تفرّد بأشياء.
وتوفي في صفر عن قريب من تسعين سنة.
وفيها أقضى القضاة زين الدّين أبو محمد عبد الكافي بن علي بن تمّام بن يوسف بن تمّام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن علي بن سوار بن سليم الأنصاري الخزرجي السّبكي المصري، والد الشيخ تقي الدين السّبكي الشافعي [٤] .
سمع من جماعة، وقرأ الفروع على الظّهير، والسّديد، والأصول على
стр. 3791
القرافي. وتنقل في أعمال الدّيار المصرية، وحدّث بالقاهرة والمحلّة، وخرّج له ولده تقي الدّين مشيخة، حدّث بها.
قال حفيده القاضي تاج الدّين: كان من أعيان نواب القاضي تقي الدّين بن دقيق العيد، وكان رجلا صالحا كثير الذكاء، وله نظم كثير، غالبه زهد ومدح في النّبيّ- ﷺ .
وتوفي في رجب.
وفيها الحافظ الكبير الإمام قطب الدّين عبد الكريم بن عبد النّور بن منير الحلبي [١] .
تلا بالسبع على إسماعيل المليحي. وسمع من ابن العماد، وإبراهيم المنقري، والعزّ، والفخر علي، وبنت مكّي، وابن الفرات الإسكندراني. وصنّف وخرّج وأفاد، مع الصّيانة، والدّيانة، والأمانة، والتواضع والعلم، ولزوم الاشتغال والتآليف.
حج مرّات.
قال الذهبي: حدّثنا بمنى، وعمل «تاريخا» كبيرا لمصر، بيّض بعضه، وشرح «السيرة» لعبد الغني في مجلدين، وعمل «أربعين تساعيات» و «أربعين متباينات» و «أربعين بلدانيات» ، وعمل معظم «شرح البخاري» في عدة مجلدات، وكان حنفي المذهب، يدرّس بالجامع الحاكمي.
وتوفي بمصر في رجب عن إحدى وسبعين سنة.
وفيها العدل الأديب الفاضل أحمد بن عبد الكريم ابن عبد الصّمد أنو شروان التبريزي الحنفي، عرف المكوشت [٢] ، كان يشهد قبالة المسمارية، وعنده معرفة بالشروط، وكتابة حسنة، وله شعر كثير.
стр. 3792
ومن قوله:
أترى تمثّل طيفك الأحلام ... أم زورة الطّيف الملمّ حرام
يا باخلا بالطّيف في سنة الكرى ... ما وجه بخلك والملاح كرام
لو كنت تدري كيف بات متيّم ... عبثت به في حبّك الأسقام
لرحمت كلّ متيّم من أجله ... وعلمت أهل العشق كيف ينام
إن دام هجرك والتّجنّي والقلا ... فعلى الحياة تحيّة وسلام
نار الغرام شديدة لكنّها ... برد على أهل الهوى وسلام
وفيها مفيد الجماعة أمين الدّين محمد بن إبراهيم [١] [الخلاطي الواني] المذكور في أول هذه السنة.
روى المترجم عن الشّرف بن عساكر، وابن الحسن اللمتوني، وابن مؤمن، وعدة، وارتحل مرّات، وحجّ وجاور. وكتب وخرّج، وأفاد، ومات بعد والده بشهر.
وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمود بن قاسم بن البرزالي البغدادي [٢] الفقيه الحنبلي الأصولي الأديب النّحوي.
قرأ الفقه على الشيخ تقي الدّين الزريراتي، وكان إماما، متقنا، بارعا في الفقه، والأصلين، والعربية، والأدب، والتفسير، وغير ذلك، وله نظم حسن وخطّ مليح.
درّس بالمستنصرية بعد شيخه الزّريراتي.
وكان من فضلاء أهل بغداد. وكذلك كان والده أبو الفضل إماما عالما مفتيا صالحا.
توفي أبو عبد الله ببغداد في هذه السنة.
стр. 3793
وفيها مجوّد دمشق بهاء الدّين محمود ابن خطيب بعلبك محيي الدّين محمد بن عبد الرحيم السّلمي [١] . كتب «صحيح البخاري» وكان دينا صينا مليح الشكل متواضعا، عمّر سبعا وأربعين سنة. قاله في «العبر» .
وفيها ملك العرب حسام الدّين مهنّا بن الملك عيسى بن مهنّا الطائي [٢] بقرب سلمية في ذي القعدة، عن نيف وثمانين سنة، وأقاموا عليه المآتم ولبسوا السواد، وكان فيه خير وتعبّد. قاله في «العبر» أيضا.
стр. 3794
سنة ست وثلاثين وسبعمائة
فيها توفي الشيخ الصّالح أحمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الهكّاري الصّرخدي [١] . حدّث عن خطيب مردا، وابن عبد الدائم.
وتوفي في ربيع الأول عن تسعين سنة.
وفيها الرئيس الإمام شهاب الدّين أحمد بن محمد بن إبراهيم المرادي المغربي [٢] العشّاب، وزير تونس.
حدّث عن يوسف بن خميس وغيره، وطلب الحديث، وبرع في النّحو وأقرأه.
ومات بالثغر في ربيع الأول عن سبع وثمانين سنة.
وفيها ناظر الخزانة عزّ الدّين أحمد بن الزّين محمد بن أحمد العقيلي بن القلانسي [٣] المحتسب.
كان مليح الشكل، متواضعا، نزها، دينا، ورعا. أخذت منه الحسبة عام أول واعتقل لامتناعه من شهادة.
وتوفي بدمشق عن ثلاث وستين سنة.
وفيها كمال الدّين أبو القاسم أحمد بن محمد بن محمد بن هبة الله بن
стр. 3795
محمد بن هبة الله ابن الشّيرازي [١] الشافعي الصّدر الكبير العالم.
مولده سنة سبعين وستمائة، وسمع من جماعة، وحفظ «مختصر المزني» ، وتفقه على الشيخين تاج الدّين الفزاري، وزين الدّين الفارقي، وقرأ الأصول على الشيخ صفي الدّين الهندي، ودرّس في وقت بالبادرائية مدة يسيرة لما انتقل الشيخ برهان الدّين إلى الخطابة، ودرّس بالشامية البرّانية وبالنّاصرية الجوانية مدة سنين إلى حين وفاته.
قال الذهبي: كان فيه معرفة وتواضع وصيانة.
وقال ابن كثير: كان صدرا كبيرا، ذكر لقضاء دمشق غير مرة، وكان حسن المباشرة والشكل.
وتوفي في صفر ودفن بتربهم بسفح قاسيون.
وفيها والي دمشق شهاب الدّين أحمد بن سيف الدّين أبي بكر بن برق الدمشقي [٢] .
كان جيد السياسة محبّبا إلى الناس، ولي ثلاث عشرة سنة، وحدّث عن ابن علّاق، والمجد بن الخليلي.
وتوفي عن أربع وستين سنة.
ومات بعده بيومين والي البرّ فخر الدّين عثمان بن محمد بن ملك الأمراء شمس الدّين لولو [٣] عن أربع وستين سنة أيضا. وكان أجود الرجلين. قاله في «العبر» .
وفيها شيخ الشّيعة الزّين جعفر بن أبي الغيث البعلبكي الكاتب [٤] .
стр. 3796
روى عن ابن علّان، وتفقه للشافعي، وترفض، ومات عن اثنتين وسبعين سنة.
وفيها الصّاحب الأمجد [١] .
قال الذهبي: عماد الدين إسماعيل بن محمد بن شيخنا الصّاحب فتح الدّين بن القيسراني.
كان منشئا، بليغا، رئيسا، ديّنا، صيّنا، نزها.
روى عن العزّ الحرّاني وغيره، وهو والد كاتب السرّ القاضي شهاب الدّين.
توفي بدمشق في ذي القعدة عن خمس وستين سنة.
وفيها القان أرياخان [٢] الذي تسلطن بعد أبي سعيد. ضربت عنقه صبرا يوم الفطر، وكانت دولته نصف سنة، خرج عليه علي باش، والقان موسى، فالتقوا فأسر المذكور ووزيره الذي سلطنه محمد بن الرّشيد الهمذاني وقتلا صبرا. وكان المصافّ في وسط رمضان فدقت لذلك البشائر بدمشق وجاء الرسول بنصرتهم.
قاله في «العبر» .
وفيها القان أبو سعيد بن خربندا ابن أرغون بن أبغا بن هلاكو المغلي [٣] .
كان يكتب الخطّ المنسوب، ويجيد ضرب العود، وفيه رأفة وديانة وقلّة شرّ.
هادن سلطان الإسلام وهادنه، وألقى مقاليد الأمور إلى وزيره ابن الرّشيد، وقدم بغداد مرّات، وأحبه الرّعية، وكانت دولته عشرين سنة.
وتوفي بالأزد، ونقل إلى السّلطانية فدفن بتربته، وله بضع وثلاثون سنة.
стр. 3797
وفيها عائشة بنت محمد بن المسلم الحرّانية [١] أخت محاسن.
روت عن العراقي، والبلخي حضورا. وعن اليلداني، ومحمد بن عبد الهادي. وتفرّدت.
وتوفيت في شوال عن تسعين سنة.
وفيها المسند الرّحلة أبو الحسن علي بن محمد بن ممدود ابن جامع البندنيجيّ البغداديّ الصّوفي [٢] .
سمع «صحيح مسلم» من الباذبيني و «جامع الترمذي» من العفيف بن الهيتي، وأجاز له جماعات، وتفرّد، وأكثروا عنه.
وتوفي بالسميساطية في المحرّم عن اثنتين وتسعين سنة.
وفيها قطب الدّين الأخوين، واسمه محمد بن عمر التّبريزي الشّافعي [٣] ، قاضي بغداد.
سمع «شرح السّنّة» [٤] من قاضي تبريز محيي الدّين.
وكان ذا فنون ومروءة وذكاء، وكان يرتشي، وعاش ثمانيا وستين سنة. قاله في «العبر» .
стр. 3798
سنة سبع وثلاثين وسبعمائة
فيها أخذ بمصر شمس الدّين بن اللّبّان الشّافعي [١] ، وشهد عليه عند الحاكم بعظائم تبيح الدّم، فرجع ورسم بنفيه.
وفيها قتل على الزّندقة عدوّ الله الحموي الحجّار [٢] بحماة وأحرق.
أضلّ جماعة، وقام عليه قاضي القضاة شمس الدّين. قاله في «العبر» .
وفيها الأديب البليغ شهاب الدّين أحمد بن محمد بن غانم الشّافعي [٣] النّاظم النّاثر. دخل اليمن، ومدح الكبار، وخدم في الديوان.
وروى عن ابن عبد الدائم وجماعة، ثم اختلط قبل موته بسنة أو أكثر، وربما ثاب إليه وعيه.
وله نظم ونثر ومعرفة بالتواريخ، وعاش سبعا وثمانين سنة.
ومات قبله بأشهر أخوه الصّدر الإمام علاء الدّين علي بن محمد المنشئ [٤] .
стр. 3799
روى عن ابن عبد الدائم، والزّين خالد، والنّظام ابن البانياسي، وعدة.
وحفظ «التنبيه» . وله النّظم والتّرسل الفائق، والمروءة التّامّة، وكثرة التلاوة، ولزوم الجماعات، والشيبة البهية، والنّفس الزّكية.
باشر الإنشاء ستين سنة، وحدّث بالصحيحين، وحجّ مرات.
وتوفي بتبوك في المحرم عن ست وثمانين سنة.
وفيها محبّ الدّين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السّعدي الصّالحي المقدسي الحنبلي بن المحبّ [١] .
ولد يوم الأحد ثاني عشر المحرم، سنة اثنتين وثمانين وستمائة بقاسيون، وأسمعه والده من الفخر بن البخاري، وابن الكمال، وزينب بنت مكّي، وجماعة.
ثم طلب بنفسه وسمع من عمر بن القوّاس، وأبي الفضل بن عساكر، ويوسف الغسولي، وخلق من بعدهم. وذكر أن شيوخه الذين أخذ عنهم نحوا من ألف شيخ.
قال الذهبي: كان فصيح القراءة، جهوري الصّوت، منطلق اللّسان بالآثار، سريع القراءة، طيّب الصّوت بالقرآن، صالحا، خائفا من الله تعالى، صادقا. انتفع الناس بتذكيره ومواعيده.
وذكره أيضا في «معجم شيوخه» [٢] وقال: كان شابا، فاضلا، صالحا، في سمعه ثقل ما، وقد حدّث كثيرا، وسمع منه جماعة.
وتوفي يوم الاثنين سابع ربيع الأول ودفن بالقرب من الشيخ موفق الدّين.
وفيها الزّاهد القدوة شمس الدّين أبو محمد عبد الله بن محمد بن
стр. 3800
يوسف بن عبد المنعم بن نعمة المقدسي النّابلسي [١] الفقيه الحنبلي.
ولد سنة تسع وأربعين وستمائة.
وحضر على خطيب مردا، وسمع من عمّ أبيه جمال الدّين عبد الرحمن بن عبد المنعم [٢] . وأجاز له سبط السّلفي، وتفقه، وأفتى، وأمّ بمسجد الحنابلة بنابلس نحوا من سبعين سنة. وكان كثير العبادة، حسن الشكل والصّوت، عليه البهاء والوقار. وحدّث وسمع منه طائفة.
وتوفي يوم الخميس ثاني عشري ربيع الآخر بنابلس ودفن بها [٣] .
وتوفي قبله في ربيع الأول من السنة بنابلس أيضا الإمام المفتي، عماد الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة [٤] .
وفيها قتل صاحب تلمسان أبو تاشفين عبد الرحمن بن موسى بن عثمان بن الملك عمر بن عبد الواحد الزّنّاتي البربري [٥] .
كان سيء السيرة، قتل أباه، وكان قتله له رحمة للمسلمين لما انطوى عليه من خبث السيرة وقبح السريرة، ثم تمكّن وتظلّم. وكان بطلا، شجاعا، تملّك نيفا وعشرين سنة، حاصره سلطان المغرب أبو الحسين المريني مدة ثم برز عبد الرحمن ليكبس المريني، فقتل على جواده في رمضان كهلا. قاله في «العبر» .
وفيها المعمّر الملك أسد الدّين عبد القادر بن عبد العزيز بن السلطان الملك المعظّم [٦] .
стр. 3801
روى «السيرة» وأجزاء عن خطيب مردا، وتفرّد. وكان ممتعا بحواسه، مليح الشكل، ما تزوّج ولا تسرّى.
توفي في رمضان عن خمس وتسعين سنة، ودفن بالقدس الشّريف.
وفيها المحدّث المفيد، ناصر الدّين محمد بن طغريل [١] الصّيرفي [٢] .
قرأ الكثير، وتعب، ورحل، وخرّج. وقرأ للعوام. وحدّث عن أبي بكر بن عبد الدائم، وعيسى الدلّال.
ومات غريبا عن نيف وأربعين سنة، الله يسامحه.
وفيها الفقيه العالم شمس الدّين محمد بن أيوب بن علي الشافعي بن الطّحّان [٣] ، نقيب الشّامية والسبع الكبير سمع من عثمان بن خطيب القرافة، ومن الكرماني، والزّين خالد.
وتوفي بدمشق في رجب وله خمس وثمانون سنة وأشهر.
وفيها الشيخ محمد بن عبد الله بن المجد إبراهيم المصري المرشدي [٤] الزّاهد الشافعي.
قرأ في «التنبيه» والقرآن، وانقطع بزاوية له، وكان يقري الضّيفان، وربما كاشف، وللناس فيه اعتقاد زائد، ويخدم الواردين، ويقدم لهم ألوان المآكل، ولا خادم عنده، حتّى قيل: إنه أطعم الناس في ليلة ما قيمته مائة دينار، وأنه أطعم في ثلاث ليال متوالية ما قيمته ألف دينار.
стр. 3802
وزاره الأمراء والكبراء، وبعد صيته، حتّى إن بعض الفقهاء يقول: كان مخدوما.
وبلغني أنه كان في عافية، فأرسل إلى القرى المجاورة له: احضروا فقد عرض أمر مهمّ. ثم دخل خلوته فوجدوه ميتا في رمضان بقريته منية مرشد [١] كهلا.
قاله في «العبر» .
وفيها مسند مصر العدل شرف الدّين يحيى بن يوسف المقدسي [٢] . له إجازة ابن رواج، وابن الجميزي. وروى الكثير، وتفرّد.
وتوفي بمصر في جمادى الآخرة عن نيف وتسعين سنة.
وفيها أحمد بن علي بن أحمد النّحوي، يعرف بابن نور [٣] .
قال ابن حجر في «الدّرر الكامنة» : كان أبوه خوليا، وباشر هو صناعة أبيه، ثم اشتغل على النّجم الأصفوني، فبرع في مدة قريبة، ومهر في الفقه، والنّحو، والأصول. ودرّس وأفتى.
ومات بمرض السّلّ، رحمه الله تعالى.
стр. 3803
سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة
فيها كان أهل العراق وأذربيجان في خوف وحروب وشدائد لاختلاف التتار.
وفيها توفي الصّالح المسند أبو بكر بن محمد بن الرّضي الصّالحي القطّان [١] .
سمع حضورا من خطيب مردا، وعبد الحميد بن عبد الهادي، وسمع من عبد الله ابن الخشوعي، وابن خليل، وابن البرهان. وتفرّد وأكثروا عنه.
قال الذهبي: ونعم الشيخ كان، له إجازة السّبط. وجماعة.
وتوفي في جمادى الآخرة عن تسع وثمانين سنة.
ومات قبله بشهر المعمّر أبو بكر بن محمد بن أحمد بن عنتر الدمشقي [٢] عن ثلاث وتسعين سنة.
روى الكثير بإجازة السّبط. انتهى.
وفيها شيخ الشّافعية، زين الدّين عمر بن أبي الحزم بن عبد الرحمن بن يونس، المعروف بابن الكتّاني [٣] .
стр. 3804
قال الإسنوي: شيخ الشافعية في عصره بالاتفاق.
ولد سنة ثلاث وخمسين وستمائة بالقاهرة قريبا من جامع الأزهر، ثم سافر بعد سنة مع أبويه إلى دمشق، لأن أباه كان تاجرا في الكتّان من مصر إلى الشام، فاستقرّ بها، وتفقه وقرأ الأصول على البرهان المراغي، والفقه على التّاج الفركاح، وأفتى ودرّس.
ثم انتقل إلى الدّيار المصرية، فتولى الحكم بالحكر. [ثم ولاه ابن دقيق العيد دمياط، وبلبيس، ثم النّيابة بمصر ثم القاهرة] . ثم ولاه ابن جماعة الغربية، ثم عزل نفسه وانقطع عن ابن جماعة وهجره بلا سبب، وتولى مشيخة حلقة الفقه بالجامع الحاكمي، وخطابة جامع الصّالح، ومشيخة الخانقاه الطّيبرسية بشاطئ النّيل، وتدريس المدرسة المنكدمرية للطائفة الشافعية.
ثم فوّض إليه في آخر عمره مشيخة الحديث بالقبة المنصورية.
وكان نافرا عن الناس، سيء الخلق، يطير الذّباب فيغضب. ومن تبسم عنده يطرد إن لم يضرب. وأفضى به ذلك إلى أنه في غالب عمره المتصل بالموت، كان مقيما في بيته وحده، لم يتزوج، ولم يتسرّ، ولم يقن رقيقا ولا مركوبا، ولا دارا ولا غلاما. ولم يعرف له تصنيف ولا تلميذ، ومع ذلك كان حسن المحاضرة [١] ، كثير الحكايات والأشعار، كريما. وكتب بخطه حواشي على «الروضة» [٢] وكان قليل الفتاوى.
توفي بمسكنه على شاطئ النّيل بجوار الخانقاه التي مشيختها [٣] بيده يوم الثلاثاء، الخامس عشر من شهر رمضان، ودفن بالقرافة.
стр. 3805
وفيها زين الدّين أبو محمد عبادة بن عبد الغني بن عبادة الحرّاني ثم الدمشقي [١] الفقيه الحنبلي المفتي الشّروطي المؤذن.
ولد في رجب سنة إحدى وسبعين وستمائة. وسمع من القاسم الإربلي، وأبي الفضل بن عساكر، وجماعة.
وطلب الحديث وكتب الأجزاء، وتفقه على الشيخ زين الدّين بن المنجّى، ثم على الشيخ تقي الدّين بن تيميّة.
قال الذهبي في «معجم شيوخه» [٢] : كان فقيها، عالما، جيد الفهم، يفهم شيئا من العربية والأصول. وكان صالحا، دينا، ذا حظّ من تهجد، وإيثار، وتواضع، اصطحبنا مدة ونعم والله الصّاحب هو. كان يسع الجماعة بالخدمة والإفضال والحلم. خرّجت له جزءا [٣] ، وحدّث ب «صحيح مسلم» . انتهى.
وسمع من جماعة.
وتوفي في شوال ودفن بمقبرة الباب الصّغير.
وفيها قاضي القضاة شهاب الدّين محمد بن [عبد الله] المجد [٤] الإربلي ثم الدمشقي الشافعي [٥] .
روى عن ابن أبي اليسر، وابن أبي عمر، وجماعة. وأفتى وناظر، وحكم نحو ثلاث سنين، وجاء على منصبه قاضي الممالك جلال الدّين.
стр. 3806
وتوفي في آخر جمادى الأولى عن ست وسبعين سنة، نفرت به بغلته فرضّت دماغه، ومات إلى عفو الله بعد ست ليال.
وفيها الشيخ زين الدّين أبو عبد الله محمد بن علم الدّين عبد الله بن الشيخ الإمام زين الدّين عمر بن مكّي بن عبد الصّمد العثماني، المعروف بابن المرحّل [١] الشافعي.
سمع من جماعة، وأخذ الفقه والأصلين عن عمّه الشيخ صدر الدّين وغيره، ونزل له عمّه عن تدريس المشهد الحسيني بالقاهرة، فدرّس به مدة، ثم قايض الشيخ شهاب الدّين بن الأنصاري منه إلى تدريس الشامية البرّانية والعذراوية، فباشرهما إلى حين وفاته.
وناب في الحكم، فحمدت سيرته، ثم تركه.
وبيّض كتاب «الأشباه والنّظائر» لعمّه وزاد فيه.
قال الذهبي: العلّامة، مدرّس الشّامية الكبرى، فقيه، مناظر، أصولي، وكان يذكر للقضاء.
وقال السّبكي: ولد بعد سنة تسعين وستمائة.
وكان رجلا، فاضلا، دينا، عالما، عارفا بالفقه وأصوله، صنّف في الأصول كتابين.
وقال الصّلاح الكتبي: كان من أحسن الناس شكلا، وربّي على طريقة حميدة في عفاف وملازمة للاشتغال بالعلوم وانجماع عن الناس. وكان يلقي الدروس بفصاحة وعذوبة لفظ، قيل: لم تكن دروسه بعيدة من درس ابن الزّملكاني. وكان من أجود الناس طباعا، وأكرمهم نفسا، وأحسنهم ملتقى.
توفي في رجب، ودفن بتربة لهم عند مسجد الذبّان عند جدّه.
стр. 3807
وفيها ولي العهد القائم بأمر الله محمد بن أمير المؤمنين المستكفي [سليمان بن أحمد [١]] .
كان سريّا، فقيها، شجاعا، مهيبا، وسيما. قيل: هو السبب في تسييرهم إلى قوص.
مات بقوص في ذي الحجّة عن أربع وعشرين سنة.
وفيها قاضي القضاة شرف الدّين أبو القاسم هبة الله بن قاضي القضاة نجم الدّين عبد الرحيم بن القاضي شمس الدّين إبراهيم، المعروف بابن البارزي [٢] الشافعي، قاضي حماة وصاحب التصانيف الكثيرة.
ولد في رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة، وسمع من والده، وجدّه، وعزّ الدّين الفاروثي، وجمال الدّين بن مالك، وغيرهم.
وأجاز له جماعة. وتلا بالسبع، وتفقه على والده، وأخذ النّحو عن ابن مالك، وتفنّن في العلوم، وأفتى ودرّس، وصنّف، وولي قضاء حماة، وعمي في آخر عمره. وحدّث بدمشق. وحماة، وسمع منه البرزالي، والذهبي، وخلق.
وقد خرّج له ابن طغريل مشيخة كبيرة. وخرّج له البرزالي جزءا.
وذكره الذهبي في «معجمه» فقال: شيخ العلماء، بقية الأعلام، صنّف التصانيف، مع العبادة والدّين والتواضع ولطف الأخلاق، ما في طباعه من الكبر ذرّة، وله ترام على الصّالحين، وحسن ظن بهم.
وقال الإسنوي: كان إماما، راسخا في العلم، صالحا، خيّرا، محبا للعلم ونشره، محسنا إلى الطلبة، وصارت إليه الرّحلة.
وقال السبكي: انتهت إليه مشيخة المذهب ببلاد الشام، وقصد من الأطراف.
стр. 3808
توفي في ذي القعدة عن ثلاث وتسعين سنة، وفيه يقول ابن الوردي:
حماة مذ فارقها شيخها ... قد أعظم العاصي بها الفرية
صرت كمن ينظرها بلقعا ... أو كالّذي مرّ على قرية
ومن تصانيفه «روضات الجنان في تفسير القرآن» عشر مجلدات، كتاب «الفريدة البارزية في حلّ الشاطبية» كتاب «المجتبى» كتاب «المجتنى» وكتاب «الوفا في أحاديث المصطفى» مجلدان وغير ذلك.
وفيها القاضي جمال الدّين أبو المحاسن يوسف بن إبراهيم ابن جملة بن مسلم بن تمّام بن حسين بن يوسف المحجّي الدمشقي الصّالحي الشافعي [١] .
ولد في سنة اثنتين وثمانين وستمائة، وسمع من جماعة، وأخذ عن الشيخين صدر الدّين ابن الوكيل، وشمس الدّين بن النّقيب. وولي القضاء مدة سنة ونصف، فشكرت سيرته ونهضته إلّا أنه وقع بينه وبين بعض خوّاص النائب فعزل وسجن مدة، ثم أعطي الشامية البرّانية.
قال البرزالي: خرّجت له جزءا عن أكثر من خمسين نفسا، وحدّث به بالمدينة النّبوية وبدمشق.
وكان فاضلا في فنون، اشتغل، وحصّل، وأفتى، وأعاد، ودرّس.
وله فضائل جمّة ومباحث وفوائد، وهمّة عالية، وحرمة وافرة، وفيه تودد وإحسان وقضاء للحقوق.
ولي قضاء دمشق نيابة واستقلالا ودرّس بالمدارس الكبار.
توفي في ذي القعدة بدمشق عن سبع وخمسين سنة ودفن بسفح قاسيون عند والده وأقاربه.
стр. 3809
سنة تسع وثلاثين وسبعمائة
فيها هلك بطرابلس الشام تحت الزّلزلة ستون نفسا.
وفيها قدم العلّامة شيخ الإسلام تقي الدّين السّبكي على قضاء الشّافعية بالشام وفرح الناس به.
وفيها توفي الشيخ موفق الدّين أحمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عثمان بن مكّي الشارعي [١] ، فكان آخر من حدّث بالسّماع عن جدّ أبيه.
وتوفي بمصر عن تسعين سنة.
وفيها القاضي كمال الدّين أحمد بن قاضي القضاة علم الدّين بن الأخنائي [٢] .
حدّث عن الدّمياطي وغيره، وكان قاضي العساكر وناظر الخزانة بالقاهرة وبها توفي.
وفيها قال الذهبي: شيخنا المعمّر الصّالح شرف الدّين الحسين بن علي بن محمد ابن العماد الكاتب [٣] ، عن ثمانين سنة وأشهر، درّس بالعمادية، وأفتى، وحدّث عن ابن أبي اليسر، وابن الأوحد، وجماعة. انتهى.
стр. 3810
وفيها نجم الدّين حسين بن علي بن سيد الكلّ [١] الأزدي المهلّبي الأسواني الشافعي [٢] .
مولده سنة ست وأربعين وستمائة، وتفقه على أبي الفضل جعفر التّزمنتي، وبرع، وحدّث. وأشغل الناس بالعلم مدة كثيرة.
قال الشيخ تقي الدّين السّبكي: وكان قد وصل إلى سنّ عالية، وتحصّل للطلبة به انتفاع في الاشتغال عليه وهو فقيه حسن، مفت، وله قدم هجرة وصحبة للفقراء، يتخلق بأخلاق حسنة.
وقال الإسنوي: كان ماهرا في الفقه يشتغل [٣] في أكثر العلوم، متصوفا، كريما جدا، مع الفاقة، منقطعا عن الناس، شريف النّفس، معزّا للعلم. اشتغل عليه الخلق طبقة بعد طبقة وانتفعوا به، وتصدّر بمدرسة الملك بالقاهرة، وتجرّد مع الفقراء في البلاد.
توفي في صفر، وقد زاحم المائة.
وفيها خطيب القدس زين الدّين عبد الرحيم ابن قاضي القضاة بدر الدّين محمد بن إبراهيم بن جماعة الشّافعي [٤] .
توفي بالقدس الشريف.
وفيها المعمّر نجم الدّين عبد الرحيم بن الحاج محمود السّبعي [٥] . حدّث عن ابن عبد الدائم وغيره، وتوفي بالصّالحية عن إحدى وتسعين سنة. ذكره الذهبي.
стр. 3811
وفيها عالم بغداد صفي الدّين عبد المؤمن بن الخطيب عبد الحق بن عبد الله بن علي بن مسعود بن شمائل البغدادي الحنبلي [١] الإمام الفرضي المتقن.
ولد في سابع عشري جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وستمائة ببغداد، وسمع بها الحديث من عبد الصّمد بن أبي الجيش، وابن الكسّار، وخلق.
وسمع بدمشق من الشّرف ابن عساكر وجماعة.
وبمكّة من الفخر التّوزري، وأجاز له ابن البخاري، وأحمد بن شيبان، وبنت مكّي وغيرهم من أهل الشام ومصر والعراق.
وتفقه على أبي طالب عبد الرحمن بن عمر البصري ولازمه حتّى برع، وأفتى، ومهر في علم الفرائض، والحساب، والجبر، والمقابلة، والهندسة، والمساحة. ونحو ذلك.
واشتغل في أول عمره بعد التفقه بالكتابة والأعمال الدّنيوية مدة ثم ترك ذلك، وأقبل على العلم فلازمه مطالعة وكتابة وتدريسا وتصنيفا وإشغالا وإفتاء إلى حين موته.
وصنّف في علوم كثيرة، فمن مصنّفاته «شرح المحرّر» في الفقه ست مجلدات، «شرح العمدة» مجلدان، «إدراك الغاية في اختصار الهداية» مجلد لطيف وشرحه في أربع مجلدات، «تلخيص المنقح في الجدل» ، «تحقيق الأمل في علمي الأصول والجدل» «اللّامع المغيث في علم المواريث» واختصر «تاريخ الطبري» في أربع مجلدات، واختصر «الرّد على الرافضي» للشيخ تقي الدين بن تيميّة في مجلدين لطيفين، واختصر «معجم البلدان» لياقوت. وله غير ذلك.
وخرّج لنفسه «معجما» لشيوخه بالسماع والإجازة نحوا من ثلاثمائة شيخ، وسمع منه خلق كثيرون.
стр. 3812
وله شعر كثير رائق، منه:
لا ترج غير الله سبحانه ... واقطع عرى الآمال من خلقه
لا تطلبنّ الفضل من غيره ... واضنن بماء الوجه واستبقه
فالرّزق مقسوم وما لامرئ ... سوى الّذي قدّر من رزقه
والفقر خير للفتى من غنى ... يكون طول الدّهر في رقّه
توفي- رحمه الله تعالى- ليلة الجمعة عاشر صفر ببغداد ودفن بمقبرة الإمام أحمد.
وفيها قاضي حلب ذو الفنون فخر الدّين عثمان بن علي الحلبي، المعروف بابن خطيب جبرين [١]- بالباء الموحدة والراء قرية من قرى حلب [٢]- وقد تقدمت ترجمته في سنة ثلاثين، والصحيح وفاته في هذه السنة.
وفيها الشيخ شرف الدّين أبو الحسين علي بن عمر البعلي [٣] ، شيخ الرّبوة والشّبلية.
حدّث عن الشيخ شمس الدّين بن أبي عمر، وابن البخاري، وطائفة.
وتوفي في المحرم وله بضع وثمانون سنة.
وفيها معيد البادرائية المعمّر علاء الدّين علي بن عثمان بن الخرّاط [٤] .
حدّث عن ابن البخاري وغيره، وعمل خطبا ومقامات، وتوفي بدمشق.
وفيها الحافظ علم الدّين القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد البرزالي الشافعي [٥] .
стр. 3813
قال الذهبي: الإمام الحافظ محدّث الشام، وصاحب «التاريخ» و «المعجم الكبير» .
أول سماعه في سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وكان له من العمر عشر سنين.
وروى عن ابن أبي الخير، وابن أبي عمر، والعزّ الحرّاني، وخلق كثير. ووقف جميع كتبه، وأوصى بثلثه، وحجّ خمس مرات انتهى.
وقال ابن قاضي شهبة.
ولد سنة ثلاث [١] وستين وستمائة، وسمع الجمّ الغفير، وكتب بخطّه ما لا يحصى كثرة، وتفقه بالشيخ تاج الدّين الفزاري وصحبه، وأكثر عنه، و [نقل عنه] [٢] الشيخ تاج الدّين في «تاريخه» وولي مشيخة دار الحديث النّورية، ومشيخة النّفيسية، وصنّف «التاريخ» ذيلا على «تاريخ أبي شامة» بدأ فيه من عام مولده وهو السنة التي مات فيها أبو شامة في سبع مجلدات، و «المعجم الكبير» وبلغ «ثبته» بضعا وعشرين مجلدا، أثبت فيه كل من سمع منه، وانتفع به المحدّثون من زمانه إلى آخر القرن.
وقال الذهبي أيضا في «معجمه» : الإمام، الحافظ، المتقن، الصّادق، الحجّة، مفيدنا ومعلّمنا ورفيقنا، مؤرّخ العصر، ومحدّث الشام.
مشيخته بالإجازة والسماع فوق الثلاثة آلاف، وكتبه وأجزاؤه الصحيحة في عدة أماكن، وهي مبذولة للطلبة وقراءته المليحة الفصيحة مبذولة لمن قصده، وتواضعه وبشره مبذول لكل غني وفقير.
стр. 3814
توفي محرما بخليص [١] في ذي الحجّة، وله أربع وسبعون سنة وأشهر.
وفيها بدر الدّين أبو اليسر محمد بن قاضي القضاة الإمام العادل عزّ الدّين محمد بن عبد القادر الأنصاري بن الصّايغ الدمشقي الشافعي [٢] .
قال الذهبي: القاضي الإمام القدوة العابد، مدرّس العمادية والدّماغية.
حدّث عن ابن شيبان، والفخر، وطائفة. وحفظ «التّنبيه» ولازم الشيخ برهان الدّين [زمانا] [٣] ، وجاءه التقليد والتشريف بقضاء القضاة في سنة سبع وعشرين فأصرّ على الامتناع فأعفي، ثم ولي خطابة القدس وتركها.
وكان مقتصدا في أموره، كثير المحاسن، حجّ غير مرّة، وتوفي في جمادى الأولى عن ثلاث وستين سنة.
وفيها قاضي قضاة الإقليمين جلال الدّين محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن الحسن بن علي بن إبراهيم بن علي بن أحمد بن دلف بن أبي دلف العجلي القزويني ثم الدمشقي الشافعي [٤] .
قال ابن قاضي شهبة: مولده بالموصل سنة ست وستين وستمائة، وتفقه على أبيه، وأخذ الأصلين عن الإربلي، وسكن الرّوم مع أبيه، واشتغل في أنواع العلوم، وسمع من أبي العبّاس الفاروثي وغيره، وخرّج له البرزالي جزءا من حديثه، وحدّث به، وأفتى ودرّس، وناب في القضاء عن أخيه، ثم عن ابن صصرى، ثم ولي الخطابة بدمشق، ثم القضاء بها، ثم انتقل إلى قضاء الدّيار
стр. 3815
المصرية لما عمي القاضي [١] بدر الدّين بن جماعة، فأقام بها نحو إحدى عشرة سنة، ثم صرف في جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين، ونقل إلى قضاء الشام، وألّف «تلخيص المفتاح» في المعاني والبيان، وشرحه بشرح سمّاه «الإيضاح» .
وقال الذهبي: أفتى، ودرّس، وناظر، وتخرّج به الأصحاب، وكان مليح الشكل، فصيحا، حسن الأخلاق، غزير العلم، وأصابه طرف فالج مدة.
وقال ابن رافع: حدّثني [٢] ، وسمع منه البرزالي، وخرّج له «جزءا» من حديثه عن جماعة من شيوخه.
وصنّف في الأصول كتابا حسنا، وفي المعاني والبيان كتابين كبيرا وصغيرا [٣] .
ودرّس بمصر والشام بمدارس، وكان لطيف الذات، حسن المحاضرة، كريم النّفس، ذا عصبية ومودة.
وقال الإسنوي: كان فاضلا في علوم، كريما، مقداما، ذكيا، مصنّفا، وإليه ينسب كتاب «الإيضاح» و «التلخيص» في علمي المعاني والبيان.
توفي بدمشق في جمادى الأولى ودفن بمقابر الصّوفية.
وفيها شمس الدّين محمد بن عبد العزيز بن الشيخ عبد القادر الجيلي [٤] .
قال الذهبي: شيخ بلاد الجزيرة، الإمام القدوة.
كان عالما، صالحا، وقورا، وافر الجلالة، حجّ مرتين، وروى عن الفخر عليّ بدمشق وببغداد، وخلّف أولادا كبارا لهم كفاية وحرمة.
стр. 3816
وتوفي في أول ذي الحجّة بقرية الجبال من عمل سنجار، عن سبع وثمانين سنة.
وفيها شمس الدّين محمد بن إبراهيم بن عبد العزيز بن الجزري [١] ، صاحب «التاريخ الكبير» .
قال الذهبي: كان ديّنا، خيّرا، ساكنا، وقورا، به صمم.
روى عن إبراهيم بن أحمد، والفخر بن البخاري، وسمع ولديه مجد الدّين، ونصير الدّين كثيرا. وكان عدلا أمينا.
وقال غيره: كان من خيار الناس، كثير المروءة، من كبار عدول دمشق. أقام يشهد على القضاة مدة وإذا انفرد بشهادة يكتفون به لوثوقهم به. جمع «تاريخا» كبيرا ذكر فيه أشياء حسنة لا توجد في غيره.
توفي ببستانه الزّعيفرانية في وسط السنة وله إحدى وثمانون سنة.
وفيها بأطرابلس الشيخ ناصر الدّين محمد بن المعلم المنذري [٢] . سمع «المسند» من ابن شيبان.
وفيها وجيه الدّين يحيى بن محمد الصّنهاجي المالكي [٣] .
قال الذهبي: مات بالإسكندرية قاضيها العلّامة.
стр. 3817
سنة أربعين وسبعمائة
في صفر هبّت بجبل طرابلس سموم وعواصف على جبال عكّا، وسقط نجم اتصل نوره بالأرض برعد عظيم، وعلقت منه نار في أراضي الجون أحرقت أشجارا ويبّست ثمارا، وأحرقت منازل، وكان ذلك آية. ونزل من السماء نار بقرية الفيجة [١] على قبّة خشب أحرقتها وأحرقت إلى جانبها ثلاثة بيوت. وصحّ هذا واشتهر. قاله في «العبر» .
وبهذه السنة ختم الذهبي كتابيه «العبر» و «الدول» [٢] .
وفيها توفي نجم الدّين إبراهيم بن بركات بن أبي الفضل بن القرشية البعلبكي [٣] الصّوفي، أحد الأعيان الصّوفية وأكابر الفقهاء القادرية. حدّث عن الشيخ شمس الدّين بن أبي عمر، وكان خاتمة أصحابه، وعن ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر وجماعة، وولي مشيخة الشّبلية والأسدية.
وتوفي بدمشق في رجب عن تسعين سنة أو أكثر.
стр. 3818
وفيها مجد الدّين أبو بكر بن إسماعيل بن عبد العزيز الزّنكلوني المصري الشافعي [١] .
ولد سنة تسع وسبعين وستمائة، وتفقه على مشايخ عصره.
قال ابن قاضي شهبة: ولا أحفظ عمّن أخذ منهم وسمع منهم [٢] الحديث، وتصدى للاشتغال والتّصنيف.
وممن أخذ عنه الشيخ جمال الدّين الإسنوي، وذكر له في «طبقاته» ترجمة حسنة، فقال: كان إماما في الفقه، أصوليا، محدّثا، نحويا، ذكيا، حسن التّعبير، قانتا لله، لا يمكن أحدا أن تقع منه غيبة في مجلسه، صاحب كرامات، منقبضا عن الناس، ملازما لشأنه، لا يتردد إلى أحد من الأمراء، ويكره أن يأتوا إليه، وراض نفسه إلى أن صار يحمل طبق العجين على كتفه إلى الفرن، ويعود به، مع كثرة الطلبة عنده.
وكان ملازما للإشغال ليلا ونهارا ويمزج الدّروس بالوعظ وبحكايات الصّالحين، ولذلك بارك الله في طلبته، وحصل لهم نفع كبير.
وكان حسن المعاشرة، كثير المروءة، ولي مشيخة الخانقاه البيبرسية، وتدريس الحديث بها، وبالجامع الحاكمي.
توفي في ربيع الأول، ودفن بالقرافة.
وزنكلون: قرية من بلاد الشّرقية من أعمال الدّيار المصرية، وأصلها سنكلوم بالسين المهملة في أولها والميم في آخرها، إلّا أن الناس لا ينطقون إلا الزّنكلوني، ولذلك كان الشيخ يكتبه بخطّه كذلك غالبا.
ومن تصانيفه «شرح التّنبيه» الذي عمّ نفعه للمتفقهة ورسخ في النّفوس
стр. 3819
وقعه، و «المنتخب» مختصر الكفاية، وشرح «المنهاج» نحو «شرح التّنبيه» و «شرح التعجيز» و «مختصر التبريزي» وغير ذلك.
وفي حدودها علاء الدّولة وعلاء الدّين أبو المكارم أحمد بن محمد بن أحمد السّمنانيّ [١] .
ذكره الإسنوي في «طبقاته» وقال: كان إماما، عالما، مرشدا، له مصنّفات كثيرة في التفسير، والتصوف، وغيرهما.
وفيها القاضي محيي الدّين إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن نصر بن جهبل أبو الفداء الحلبي الأصل الدّمشقي الشّافعي [٢] .
ولد بدمشق في سنة ست وستين وستمائة، واشتغل، وحصّل، وحدّث عن ابن عطا، وابن البخاري، وأفتى، ودرّس بالأتابكية. وسمع منه جماعة منهم البرزالي، وخرّج له «مشيخة» وحدّث بها، وناب في الحكم بدمشق، وولي قضاء طرابلس مدة ثم عزل منها، وعاد إلى دمشق.
وتوفي في شعبان ودفن عند أخيه بمقبرة الصّوفية.
وفيها مسندة الشّام أمّ عبد الله زينب بنت الكمال أحمد بن عبد الرحيم المقدسية [٣] المرأة الصّالحة العذراء.
روت عن محمد بن عبد الهادي، وخطيب مردا، واليلداني، وسبط ابن الجوزي، وجماعة.
وبالإجازة عن عجيبة الباقدارية، وابن الخير، وابن العلّيق، وعدد كثير، وتكاثروا عليها وتفرّدت، وروت كتبا كبارا.
وتوفيت في تاسع عشر جمادى الأولى عن أربع وتسعين سنة.
стр. 3820
وفيها الخليفة المستكفي بالله أبو الرّبيع سليمان بن الحاكم بأمر الله [١] .
ولد في نصف المحرم سنة أربع وثمانين وستمائة، واشتغل قليلا، وبويع بالخلافة بعهد من أبيه في جمادى الأولى، سنة إحدى وسبعمائة، وخطب له على المنابر بالبلاد المصرية والشامية، وصارت البشارة بذلك إلى جميع الأقطار والممالك الإسلامية، وكانوا يسكنون بالكبش، فنقلهم السلطان إلى القلعة وأفرد لهم دارا.
وتوفي بقوص، وكانت خلافته ثمانيا وثلاثين سنة.
وبويع أخوه إبراهيم بغير عهد.
وفيها قبض على الصّاحب شرف الدّين عبد الوهاب القبطي [٢] في صفر وصودر، واستصفيت حواصله بمباشرة الأمير سيف الدّين شنكر النّاصري ومن جملة ما وجد له صندوق ضمّنه تسعة عشر ألف دينار وأربعمائة مثقال لؤلؤ كبار، وصليب مجوهر، ووجد بداره كنيسة مرخّمة بمحاريبها الشرقية ومذابحها وآلاتها، واستمرّ الملعون في العقوبة حتّى هلك في ربيع الآخر.
وفيها في ليلة السادس والعشرين من شوال وقع بدمشق حريق كبير شمل اللّبادين القبلية وما تحتها وما فوقها، إلى عند سوق الكتب، واحترق سوق الورّاقين، وسوق الذهب، وحاصل الجامع وما حوله، والمأذنة الشرقية، وعدم للناس فيه من الأموال والمتاع ما لا يحصر. قاله في «العبر» [٣] ، والله أعلم.
وفيها الحسن بن إبراهيم بن أبي خالد البلوي [٤] .
قال في «تاريخ غرناطة» : كان أديبا، فقيها، نحويا، أخذ عن ابن [٥] خميس، وأبي الحسن القيجاطي.