ثم قال ابن رجب وغيره: ذكر نبذة من مفرداته وغرائبه:
اختار ارتفاع الحدث بالمياه المعتصرة كماء الورد ونحوه.
والقول بأن المائع لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلّا أن يتغير قليلا كان أو كثيرا.
والقول بجواز المسح على النّعلين والقدمين وكل ما يحتاج في نزعه من الرّجل إلى معالجة باليد أو بالرّجل الأخرى، فإنه يجوز المسح عليه مع القدمين.
واختار أن المسح على الخفّين لا يتوقت مع الحاجة، كالمسافر على البريد ونحوه، وفعل ذلك في ذهابه إلى الديار المصرية على خيل البريد، ويتوقت مع إمكان النزع وتيسره.
واختار جواز المسح على اللفائف ونحوها.
واختار جواز التيمم لخشية [١] فوات الوقت في حق غير المعذور، كمن أخّر الصلاة عمدا حتّى تضايق وقتها. وكذا من خشي فوات الجمعة والعيدين وهو محدث.
واختار أن المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت وشق عليها النزول إلى الحمّام وتكرره، أنها تتيمم وتصلي.
واختار أن لا حدّ لأقلّ الحيض ولا لأكثره، ولا لأقلّ الطّهر بين الحيضتين، ولا لسنّ الإياس [من الحيض] [٢] ، وأن ذلك يرجع [٣] إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها.
واختار أن تارك الصلاة عمدا لا يجب عليه القضاء، ولا يشرع له، بل يكثر من النوافل [٤] .
стр. 3747
وأن القصر يجوز في قصير السفر وطويله، كما هو مذهب الظّاهرية.
واختار القول بأن البكر لا تستبرأ وإن كانت كبيرة، كما هو قول ابن عمر واختاره البخاري صاحب «الصحيح» .
والقول بأن سجود التلاوة لا يشترط له وضوء، كما هو مذهب ابن عمر واختيار البخاري.
والقول بأن من أكل في شهر رمضان معتقدا أنه ليل وكان نهارا لا قضاء عليه كما هو الصحيح عن عمر بن الخطّاب ﵁، وإليه ذهب بعض التابعين وبعض الفقهاء بعدهم.
والقول بجواز المسابقة بلا محلّل وإن أخرج المتسابقان.
والقول باستبراء المختلعة بحيضة، وكذلك الموطوءة بشبهة، والمطلقة آخر ثلاث تطليقات.
والقول بإباحة وطء الوثنيات بملك اليمين.
وجواز طواف الحائض، ولا شيء عليها إذا لم يمكنها أن تطوف طاهرا.
والقول بجواز بيع الأصل بالعصير، كالزيتون بالزيت، والسّمسم بالسّيرج.
والقول بجواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلي وغيره كالخاتم ونحوه بالفضة متفاضلا، وجعل الزايد من الثمن في مقابلة الصّنعة والقول.
ومن أقواله المعروفة المشهورة التي جرى بسبب الإفتاء بها محن وقلاقل قوله بالتكفير في الحلف بالطلاق، وأن الطّلاق الثلاث لا يقع إلّا واحدة، وأن الطلاق المحرّم لا يقع، وله في ذلك مؤلفات كثيرة لا تنحصر ولا تنضبط.
وقال ابن رجب: مكث الشيخ معتقلا في القلعة من شعبان سنة ست وعشرين إلى ذي القعدة سنة ثمان وعشرين، ثم مرض بضعة وعشرين يوما، ولم يعلم أكثر الناس بمرضه، ولم يفجأهم إلّا موته.
وكانت وفاته في سحر ليلة الاثنين عشري ذي القعدة، ذكره مؤذن القلعة
стр. 3748
على منارة الجامع، وتكلّم به الحرس على الأبرجة، فتسامع الناس بذلك، وبعضهم علم به في منامه، واجتمع الناس حول القلعة حتّى أهل الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل الأسواق، ولا فتحوا كثيرا من الدكاكين، وفتح باب القلعة.
واجتمع عند الشيخ خلق كثير من أصحابه يبكون ويثنون، وأخبرهم أخوه زين الدّين عبد الرحمن أنه ختم هو والشيخ منذ دخلا القلعة ثمانين ختمة، وشرعا في الحادية والثمانين، وانتهيا إلى قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ٥٤: ٥٤- ٥٥ [القمر: ٥٤- ٥٥] .
فشرع حينئذ الشيخان الصّالحان عبد الله بن المحبّ الصّالحي، والزّرعيّ الضّرير- وكان الشيخ يحب قراءتهما- فابتدأ من سورة الرحمن حتى ختما القرآن.
وخرج من عنده من كان حاضرا إلّا من يغسّله ويساعد على تغسيله، وكانوا جماعة من أكابر الصّالحين وأهل العلم، كالمزّي وغيره، وما فرغ من تغسيله حتّى امتلأت القلعة وما حولها بالرّجال، فصلّى عليه بدركات القلعة الزّاهد القدوة محمد بن تمّام، وضجّ الناس حينئذ بالبكاء، والثناء، والدعاء بالتّرحم.
وأخرج الشيخ إلى جامع دمشق، وصلّوا عليه الظّهر، وكان يوما مشهودا [١] لم يعهد بدمشق مثله، وصرخ صارخ: هكذا تكون جنائز أئمة السّنّة، فبكى الناس بكاء كثيرا، وأخرج من باب البريد، واشتد الزحام، وألقى الناس على نعشه مناديلهم، وصار النّعش على الرؤوس يتقدم تارة ويتأخر أخرى، وخرجت جنازته من باب الفرج، وازدحم الناس على أبواب المدينة جميعا للخروج، وعظم الأمر بسوق الخيل، وتقدم في الصلاة عليه هناك أخوه عبد الرحمن، ودفن وقت العصر أو قبلها بيسير إلى جانب أخيه شرف الدّين عبد الله بمقابر الصّوفية. وحزر من حضر جنازته بمائتي ألف، ومن النساء بخمسة عشر ألفا. وختمت له ختمات كثيرة، ﵀ ورضي عنه.
стр. 3749
وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن يحيى بن محمد بن بدر الجزري ثم الصّالحي [١] المقرئ الفقيه الحنبلي.
ولد في حدود السبعين وستمائة، وقرأ بالروايات على الشيخ جمال الدّين البدوي [٢] وسمع من جماعة من أصحاب ابن طبرزد، والكندي، ولزم المجد التّونسي. وأخذ عنه علم القراءات، حتى مهر فيها، وأقبل على الفقه، وصحب القاضي ابن مسلم مدة وانتفع به.
وكان من خيار الناس، دينا، وعقلا، وحياء، ومروءة، وتعففا.
اقرأ القراءات، وحدّث.
وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. قاله ابن رجب.
وفيها أبو العبّاس أحمد بن محمد بن عبد الولي بن جبارة المقدسي [٣] المقرئ الفقيه [٤] الحنبلي الأصولي النحوي شهاب الدّين بن الشيخ تقي الدّين.
ولد سنة سبع أو ثمان وأربعين وستمائة، وسمع من خطيب مردا، حضورا، وابن عبد الدائم.
وارتحل إلى مصر بعد الثمانين، فقرأ بها القراءات على الشيخ حسن الرّاشدي، وصحبه إلى أن مات. وقرأ الأصول على شهاب الدّين القرافي المالكي، والعربية على بهاء الدّين بن النّحاس، وبرع في ذلك. وتفقه في المذهب.
وقدم دمشق، ثم تحوّل إلى حلب، وأقرأ بها.
стр. 3750
ثم استوطن بيت المقدس. وتصدّر لإقراء القراءات والعربية، وصنّف شرحا كبيرا ل «الشاطبية» ، وشرحا آخر ل «الرائية» في الرسم، وشرحا ل «ألفية ابن معطي» وصنّف «تفسيرا» وأشياء في القراءات. ذكره الذهبي في «معجم شيوخه» فقال: كان إماما، مقرئا، بارعا، فقيها، نحويا، نشأ إلى اليوم في صلاح ودين وزهد. سمعت منه مجلس البطاقة، وانتهت إليه مشيخة بيت المقدس.
وذكر البرزالي أنه حجّ وجاور بمكة، وأنه يعدّ في العلماء الصّالحين الأخيار، وقال: قرأت عليه بدمشق والقدس عدة أجزاء.
وتوفي بالقدس سحر يوم الأحد رابع رجب، وذكر الدّبيثي أنه مات فجأة.
وفيها الشيخ جمال الدّين عبد الله بن محمد بن علي ابن العاقولي الواسطي [١] الشّافعي، مدرّس المستنصرية.
قال ابن قاضي شهبة في «طبقاته» : مولده في رجب سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث من جماعة، واشتغل وبرع.
وقال ابن كثير: درّس بالمستنصرية مدة طويلة، نحو أربعين سنة، وباشر نظر الأوقاف، وعيّن لقضاء القضاة في وقت، وأفتى من سنة سبع وخمسين وإلى أن مات، وذلك إحدى وسبعون سنة، وهذا شيء غريب جدا. وكان قويّ النّفس، له وجاهة في الدولة، كم كشفت به كربة عن النّاس بسعيه وقصده.
وقال السّبكي: ولي قضاء القضاة بالعراق.
وقال الكتبي: انتهت إليه رئاسة الشافعية ببغداد، ولم يكن يومئذ من يماثله ولا يضاهيه في علومه وعلو مرتبته، وعيّن لقضاء القضاة فلم يقبل.
توفي في شوال ببغداد وله تسعون سنة وثلاثة أشهر، ودفن بداره، وكان وقفها على شيخ وعشرة صبيان يقرؤون القرآن، ووقف عليها أملاكه كلّها.
стр. 3751
وفيها الفقيه المعمّر جمال الدّين عبد الرحمن بن أحمد بن عمر بن شكر المقدسي الحنبلي [١] .
ولد في رمضان سنة تسع وثلاثين وستمائة، وسمع من النّور البلخي، والمرسي، ومحمد بن عبد الهادي، وطائفة.
توفي بالصّالحية في ذي القعدة.
وفيها عفيف الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد المحسن بن أبي الحسن البغدادي، ابن الخراط الحنبلي [٢] .
قال الذهبي: الإمام الواعظ، مسند العراق، شيخ المستنصرية.
مولده في ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
سمع من عجيبة كثيرا، وابن الخير، وابن قميرة، وأخيه، وطائفة. وتفرّد.
ومات ببغداد في جمادى الأولى.
وفيها قاضي القضاة شمس الدّين محمد بن عثمان بن أبي الحسن الدّمشقي الحنفي بن الحريري [٣] .
ولد في صفر سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وحدّث عن ابن الصّيرفي، والقطب بن عصرون، وابن أبي اليسر.
وكان عادلا، مهيبا، صارما، ديّنا، رأسا في المذهب.
وتوفي بمصر في جمادى الآخرة.
стр. 3752
سنة تسع وعشرين وسبعمائة
فيها توفي العلّامة شيخ الإسلام برهان الدّين إبراهيم بن شيخ الشّافعية تاج الدّين عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري المصري الأصل الشافعي بل شافعيّ الشّام [١] .
ولد في شهر ربيع الأول سنة ستين وستمائة. وسمع الكثير من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وعدّة، وله مشيخة خرّجها العلائي، وأخذ عن والده، وبرع، وأعاد في حلقته، وأخذ النحو عن عمّه شرف الدّين، ودرّس بالبادرائية بعد وفاة أبيه، وخلفه في إشغال الطلبة والإفتاء، ولازم الإشغال والتّصنيف، وحدّث بالصحيح مرات، وعرض عليه القضاء فامتنع، وباشر الخطابة بعد موت عمّه مدة يسيرة، ثم تركها، وصنّف «التعليقة على التّنبيه» في نحو عشر مجلدات، وله «تعليقة» على مختصر ابن الحاجب في الأصول، وله مصنّفات أخر.
ذكره الذهبي في «المعجم المختص» وقال: انتهت إليه معرفة المذهب ودقائقه ووجوهه، مع علمه متون الأحكام وعلم الأصول والعربية، وغير ذلك، وسمع الكثير وكتب مسموعاته. وكان يدري علوم الحديث، مع الدّين والورع، وحسن السّمت، والتّواضع.
توفي بالبادرائية في جمادى الأولى ودفن بباب الصغير عند أبيه وعمه.
стр. 3753
وفيها مجد الدين أبو الفداء إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن الفرّاء الحرّاني ثم الدمشقي [١] الفقيه الحنبلي، شيخ المذهب.
ولد سنة خمس أو ست وأربعين وستمائة بحرّان. وقدم دمشق مع أهله سنة إحدى وسبعين، فسمع بها الكثير من ابن أبي عمر، وابن الصّيرفي، والكمال عبد الرحيم، وابن البخاري، والإربلي، وابن حامد الصّابوني، وغيرهم.
وطلب بنفسه، وسمع «المسند» والكتب الكبار، وتفقه بالشيخ شمس الدّين ابن أبي عمر وغيره، ولازمه حتّى برع في الفقه.
وتصدّى للإشغال والفتوى مدة طويلة، وانتفع به خلق كثير. مع الدّيانة والتّقوى، وضبط اللسان، والورع في المنطق وغيره واطّراح التكلّف في الملبس وغيره.
قال الطّوفي: كان من أصلح خلق الله وأدينهم، كأنّ على رأسه الطير. وكان عالما بالفقه، والحديث، وأصول الفقه، والفرائض، والجبر، والمقابلة.
وقال الذهبي: كان شيخ الحنابلة.
وقال غيره: يقال: إنه أقرأ «المقنع» مائة مرة.
وكان عديم التكلّف، يحمل حاجته بنفسه، وليس له كلام في غير العلم، ولا يخالط أحدا، وأوقاته محفوظة.
وقال هو: ما وقع في قلبي الترفّع على أحد من الناس، فإني أخبر بنفسي ولست أعرف أحوال الناس.
وقال ابن رجب: كان سريع الدّمعة، سمعت بعض شيوخنا يذكر عنه أنه كان لا يذكر النّبيّ ﷺ في دروسه إلّا ودموعه جارية، ولا سيما إن ذكر شيئا من الرقائق أو أحاديث الوعيد ونحو ذلك.
стр. 3754
وقد قرأ عليه عامة أكابر شيوخنا ومن قبلهم، حتّى الشيخ تقي الدين الزّريرانيّ [١] شيخ العراق وحدّث. وسمع منه جماعة، منهم: الذهبي وغيره.
وتوفي ليلة الأحد تاسع جمادى الأولى بالمدرسة الجوزية، ودفن بمقابر الباب الصّغير.
وفيها الصّاحب الأمجد رئيس الشام عزّ الدّين حمزة بن المؤيد بن القلانسي الدمشقي [٢] .
كان محتشما، معظّما، متنعّما. عمل الوزارة وغيرها. وروى عن البرهان، وابن عبد الدائم.
وتوفي في ذي الحجّة عن ثمانين سنة وأشهر. قاله في «العبر» .
وفيها الإمام تقي الدّين أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن أبي البركات بن مكّي بن أحمد الزّريراتيّ [١] ثم البغدادي [٣] الحنبلي فقيه العراق ومفتى الآفاق.
ولد في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وستمائة.
وحفظ القرآن وله سبع سنين، وسمع الحديث من إسماعيل بن الطبّال وخلائق.
وتفقه ببغداد على جماعة، منهم: الشيخ مفيد الدّين الحربي وغيره، ثم ارتحل إلى دمشق، فقرأ بها المذهب على الشيخ زين الدّين بن المنجّى، والشيخ مجد الدّين الحرّاني، ثم عاد إلى بلده.
وبرع في الفقه وأصوله، ومعرفة المذهب، والخلاف، والفرائض، ومتعلقاتها.
стр. 3755
وكان عارفا بأصول الدّين، وبالحديث، وبأسماء الرجال، والتواريخ، وباللغة، والعربية، وغير ذلك، وانتهت إليه معرفة الفقه بالعراق.
وكان يحفظ «الهداية» و «الخرقي» وذكر أنه طالع «المغني» للشيخ موفق الدّين ثلاثا وعشرين مرة، وكان يستحضر أكثره، وعلّق عليه حواشي وفوائد.
قال ابن رجب: انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد من غير مدافع، وأقرّ له الموافق والمخالف، وكان الفقهاء من سائر الطوائف يجتمعون به، ويستفيدون منه في مذاهبهم، ويتأدّبون معه، ويرجعون إلى قوله، ويردّهم عن فتاويهم، فيذعنون له، ويرجعون إلى ما يقوله، حتّى ابن المطهّر شيخ الشيعة، كان الشيخ يبيّن له خطأه في نقله لمذهب الشيعة فيذعن له.
ويوم وفاته قال الشيخ شهاب الدّين عبد الرحمن بن عسكر شيخ المالكية:
لم يبق ببغداد من يراجع في علوم الدّين مثله.
وقرأ عليه جماعة من الفقهاء، وتخرّج به أئمة، وأجاز لجماعة، وولي القضاء.
توفي ببغداد ليلة الجمعة ثاني عشري جمادى الأولى ودفن بمقابر الإمام أحمد قريبا من القاضي أبي يعلى، رحمهم الله تعالى.
وفي حدودها نجم الدّين أبو الفضل إسحاق بن أبي بكر بن ألمى بن أطز [١] التّركي ثم المصري [٢] الفقيه الحنبلي المحدّث الأديب الشاعر.
ولد سنة سبعين وستمائة [٣] . وسمع بمصر من الأبرقوهي، ورحل، وسمع بالإسكندرية من القرافي، وبدمشق من أبي الفوارس. وإسماعيل بن الفرّاء، وبحلب من سنقر الزّيني، وتفقه. وقال الشعر الحسن، وسمع منه الحافظ الذهبي
стр. 3756
بحلب، ثم دخل العراق بعد السبعمائة، وتنقّل في البلاد، وسكن أذربيجان، ولم تكن سيرته هناك مشكورة، وبقي إلى حدود هذه السنة ولم تتحقق سنة وفاته، وليس له في الزّهد والعلم مشبه سوى الحسن البصري، وابن المسيّب. قاله ابن رجب.
وفيها قاضي القضاة علاء الدّين علي بن إسماعيل بن يوسف القونوي الشافعي [١] قاضي القضاة، وشيخ الشيوخ، فريد العصر.
ولد بمدينة قونوة [٢] سنة ثمان وستين وستمائة. واشتغل هناك، وقدم دمشق في أول سنة ثلاث وتسعين فازداد بها اشتغالا، وسمع الحديث من جماعة، وتصدر للإشغال بالجامع، ودرّس بالإقبالية، ثم تحوّل سنة سبعمائة إلى مصر، وسمع بها من جماعة، ولازم ابن دقيق العيد، وأثنى عليه ثناء بالغا، مع شدة احترازه في الألفاظ، وتولى بالقاهرة تدريس الشّريفية، ومشيخة الميعاد بالجامع الطولوني، وولي مشيخة الشيوخ في سنة عشر وسبعمائة، وانتصب للاشغال، وازدحم عليه الناس إلى أن تخرّج به خلق كثير. وصنّف شرحه المشهور على «الحاوي» وصنّف مصنّفا في «حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم» .
ذكره الذهبي في «المعجم المختص» [٣] فقال: قدم علينا دمشق في أوائل سنة ثلاث وتسعين، فحضر المدارس وبهرت فضائله، ودرّس وأفتى، وأعاد [٤] وأفاد، وبرع في عدة علوم، وتخرّج به أئمة. مع الوقار، والورع، وحسن السّمت، ولطف المحاورة، وجميل الأخلاق. قلّ أن ترى العيون مثله.
стр. 3757
وذكر له تلميذه الشيخ جمال الدّين الإسنوي ترجمة حسنة، وقال: كان أجمع من رأيناه للعوم، مع الاتّساع فيها، خصوصا العلوم العقلية واللّغوية، لا يشار بها إلّا إليه، ولا يحال فيها إلّا عليه، وولي القضاء بدمشق ومشيخة الشيوخ، وباشر على النّمط الذي كان عليه بالدّيار المصرية، مع الحرمة، والنّزاهة، والإشغال، والتّحديث، إلى أن توفي بدمشق في ذي القعدة، ودفن بجبل قاسيون.
وفيها الصّدر نجم الدّين علي بن محمد بن هلال الأزدي [١] .
حدّث عن ابن البرهان، والقاضي صدر الدّين بن سني الدولة، والزّين خالد والكرماني.
وطلب وحصّل الأصول، وولي نظر الأيتام، وكان تامّ الشكل حسن البزّة، ذا كرم وتحمّل.
ومات بدمشق في ربيع الآخر عن ثمانين سنة.
وفيها القاضي نجم الدّين أبو عبد الله محمد بن عقيل بن أبي الحسن بن عقيل البالسي ثم المصري [٢] الشافعي شارح «التنبيه» .
ولد سنة ستين وستمائة، وسمع بدمشق من جماعة، واشتغل وفضل، ثم دخل القاهرة، وسمع من ابن دقيق العيد، ولازمه، وناب في الحكم بمصر، ودرّس بالمعزّية والطّبيبرسية، وكان قويّ النّفس، كثير الإيثار مع التقلل، وانتفع به طلبة مصر، ودارت عليه الفتيا بها.
قال الذهبي: كان إماما زاهدا.
وقال السبكي في «الطبقات الكبرى» : شارح «التنبيه» ، واختصر «كتاب الترمذي» في الحديث، وكان أحد أعيان الشافعية. ديّنا وورعا.
стр. 3758
وقال الإسنوي: كان له في التّقوى سابقة قدم، وفي الورع رسوخ قدم، وفي العلم آثار هي أوضح للسّارين من نار على علم.
كان فقيها، محدّثا، ورعا، قوّاما في الحقّ.
توفي في المحرم بالقاهرة ودفن بالقرافة الصّغرى.
وفيها بدر الدّين أبو اليسر محمد بن محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق بن خليل بن مقلد بن جابر الأنصاري الدمشقي الإمام الزاهد ابن قاضي القضاة عز الدّين المعروف بابن الصائغ الشافعي [١] .
مولده في المحرّم سنة ست وسبعين وستمائة، وقرأ «التنبيه» ولازم الشيخ برهان الدّين الفزاري زمانا، وسمع الكثير، وحدّث، وسمع منه البرزالي، وخرّج له جزءا [٢] من حديثه، وحدّث به، ودرّس بالعمادية والدماغية.
وجاءه التقليد بقضاء القضاة في سنة سبع وعشرين فامتنع، وأصرّ على الامتناع فأعفي.
ثم ولي خطابة القدس، ثم تركها.
قال الذهبي: الإمام، القدوة، العابد. كان مقتصدا في أموره، كثير المحاسن، حجّ غير مرّة.
وقال ابن رافع: كان على طريقة حميدة، وعنده عبادة واجتماع وملازمة للصلحاء والأخيار، وإعراض عن المناصب. وكان معظّما، مبجّلا، وقورا.
توفي بدمشق في جمادى الأولى، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون.
وفيها العلّامة ناظر الجيش معين الدّين هبة الله بن مسعود بن حشيش [٣] .
стр. 3759
روى عن ابن البخاري وغيره، وله نظم ونثر، وقوة أدوات.
توفي بمصر عن ثلاث وستين سنة.
وفيها المسند المعمّر فتح الدّين يونس بن إبراهيم بن عبد القوي الكناني العسقلاني ثم المصري الدّبابيسي [١] .
كان آخر من روى عن ابن المقيّر بالسماع وبالإجازة، وعن المخيل، وحمزة بن أوس، وظافر بن شحم، وعدة، وتفرّد، وروى الكثير، وكان عاقلا منورا.
توفي بمصر في جمادى الأولى وقد جاوز التسعين بيسير.
стр. 3760
سنة ثلاثين وسبعمائة
فيها توفي مسند الدّنيا شهاب الدّين أحمد بن أبي طالب بن نعمة بن حسن الصّالحي الحجّار ابن الشّحنة [١] . من قرية من قرى وادي بردى بدمشق.
انفرد بالرواية عن الحسين الزّبيدي. وبين سماعه للصحيح وموته مائة سنة.
وسافر إلى القاهرة مرتين مطلوبا مكرما ليحدّث بها.
قال البرزالي: مولده سنة ثلاث وعشرين وستمائة وعمّر مائة عام وسبعة أعوام، وانفرد في الدنيا [٢] بالإسناد عن الزّبيدي.
وكان أميّا، يوم لا يسمع عليه يخرج إلى الجبل مع الحجّارين يقطع الحجارة، وألحق أولاد الأولاد بالأجداد، وكان ربما خرج الطلبة إليه وهو يقطع الحجارة ليسمعهم فيقول: اقرؤوا على الفروة. وكان إذا قلب عليه سند حديث يقول: لم أسمعه هكذا، وإنما سمعته كذا وكذا، طبق ما في «الصحيح» .
وقال الذهبي: حدّث يوم موته، وسمع من ابن الزّبيدي، وابن اللّتي، وأجاز له ابن روزبه، وابن القطيعي، وعدة. ونزل الناس بموته درجة.
ومات بصالحية دمشق في الخامس والعشرين من صفر، ودفن بالتربة المحوط عليها بمحلّة تعرف بالسكة بالقرب من زاوية الدومي جوار جامع الأفرم.
стр. 3761
وفيها سيف الدّين بهادر آص المنصوري [١] .
كان من أمراء الألوف بدمشق وقبته خارج باب الجابية، ودفن بها وقد نيّف على السبعين.
وفيها المعمّر زين الدّين أيوب بن نعمة النّابلسي ثم الدمشقي الكحّال [٢] .
حدّث عن المرسي، والرّشيد العراقي، وعبد الله بن الخشوعي، وجماعة.
وتفرّد، وحدّث بمصر ودمشق.
ومات في ذي الحجّة عن أزيد من تسعين سنة.
وفيها فخر الدّين أبو عمرو عثمان بن علي بن عثمان بن إبراهيم بن إسماعيل بن يوسف بن يعقوب الطّائي الحلبي الشّافعي، المعروف بابن خطيب جبرين [٣] .
مولده بالقاهرة في ربيع الأول سنة اثنتين وستين وستمائة، تفقه على ابن بهرام قاضي حلب وغيرها. قرأ عليه «التعجيز» بقراءته له على مصنّفه، وقرأ على القاضي شرف الدّين البارزي وغيرهما، ودرّس، وأفتى، وأشغل الناس بالعلم بحلب وانتفع به، وشرح «مختصر ابن الحاجب» و «الحاوي الصغير» ولم يكمله و «التعجيز» و «الشامل الصغير» للقزويني، و «البديع» لابن السّاعاتي، وله منسك ومصنّفات أخر.
وولي وكالة بيت المال بحلب وقضاء القضاة بها بعد شمس الدّين بن النّقيب، ووقع بينه وبين نائب حلب فكاتب فيه فطلب إلى مصر بسبب حكومة فأدركه أجله هناك.
стр. 3762
وقال الكتبي: تخرّج به الفقهاء والقرّاء، واشتهر اسمه.
وتوفي بالقاهرة في المحرم ودفن بمقبرة الصّوفية.
وجبرين: بالجيم والباء والراء المكسورة قرية من قرى حلب [١] .
والصحيح في وفاته أنه في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة كما جزم به الإسنويّ، وابن قاضي شهبة، وغيرهما.
وفيها قاضي القضاة فخر الدّين أبو عمرو عثمان ابن محمد بن عبد الرّحيم بن إبراهيم بن هبة الله بن المسلم الجهني الحموي، المعروف بابن البارزي [٢] الشافعي، قاضي حلب.
ولد بحماة سنة ثمان وستين وستمائة، وناب عن عمّه القاضي شرف الدّين بحماة. وتولّى قضاء حمص مدة، ثم عاد إلى حماة وولي خطابة الجامع بها ثم ولي قضاء حلب.
قال الذهبي: حدّث ب «مسند الشافعي» عن ابن النّصيبي وحفظ كتبا وأفتى.
وذكره ابن حبيب، وأثنى عليه وقال: كان عارفا بمشكلات «الحاوي» وله عليه شرح يفيد السامع والراوي.
توفي بحلب فجأة في صفر ودفن خارج باب المقام.
وفيها المحدّث الزّاهد فخر الدّين عثمان [٣] .
قال الذهبي: ابن شيخنا الحافظ أحمد بن الظّاهري، حضر ابن علّاق، والنّجيب، وكان مكثرا ارتحل به أبوه ونسخ هو بخطه وحدّث.
وتوفي بمصر في رجب عن ستين سنة سوى أشهر.
стр. 3763
وفيها قاضي مكّة ومفتيها نجم الدّين محمد بن محمد بن الشيخ محبّ الدّين الطّبري الشافعي [١] .
ولد سنة ثمان وخمسين وستمائة. وسمع من جدّه الشيخ محبّ الدّين، ومن عمّ جدّه يعقوب بن أبي بكر الطّبري، والفاروثي، وغيرهم.
قال الإسنوي والسّبكي: كان فقيها شاعرا.
وقال الكتبي: كان شيخا، فاضلا، فقيها، مشهورا، يقصد بالفتاوى من بلاد الحجاز واليمن، وكان له النّظم الفائق، والنثر الرّائق، ولم يخلّف في الحرمين مثله.
توفي بمكّة في جمادى الآخرة ودفن بقية باب المعلاة [٢] .
стр. 3764
سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة
وفيها وصل إلى حلب نهر السّاجور بعد غرامة كثيرة وحفر طويل، وفرحوا به.
وفيها توفي مسند حلب وخاتمة أصحاب ابن خليل عزّ الدين إبراهيم ابن صالح بن العجمي [١] .
سمع بدمشق من خطيب مردا.
وتوفي في حلب بعد أيام خلت من رجب، وهو في سنّ التسعين.
وفيها أقضى القضاة جمال الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن محمد بن نصر الله بن المظفّر بن أسعد بن حمزة بن أسد بن علي بن محمد بن القلانسي [٢] الشافعي، الصدر الكبير، الرئيس الإمام العالم.
ولد سنة تسع وستين وستمائة، وحفظ «التنبيه» ثم «المحرّر» للرافعي، واشتغل على الشيخ تاج الدّين الفزاري. وقرأ النّحو على شرف الدّين الفزاري، والأدب على الرّشيد الفارقي. وولي قضاء العسكر ووكالة بيت المال، وتدريس الأمينية والظّاهرية والعصرونية.
قال ابن كثير: تقدم بطلب العلم والرئاسة، وباشر جهات كبار، ودرّس في
стр. 3765
أماكن، وتفرّد في وقته بالرئاسة في البيت والمناصب الدينية والدنيوية. وكان فيه تواضع، وحسن سمت، وتودّد وإحسان، وبرّ بأهل العلم والصّلحاء. وهو ممن أذن لي في الإفتاء. وكتب إنشاء ذلك وأنا حاضر على البديهة، فأجاد وأفاد، وأحسن التّعبير، وعظم في عيني.
وسمع الحديث من جماعة، وخرّج له فخر الدّين البعلبكي «مشيخة» سمعناها عليه.
توفي في ذي القعدة ودفن بتربتهم بالسّفح.
وفيها نائب السّلطنة أرغون الدويدار [١] ، الذي باشر النّيابة مدة ثم أخر.
وكان مليح الخطّ، نسخ «صحيح البخاري» وقرأ في مذهب أبي حنيفة، وحصّل كتبا نفيسة.
ومات بحلب في ربيع الأول كهلا.
وفي حدودها جمال الدّين عبد الحميد بن عبد الرحمن بن عبد الحميد الجيلوني الشّيرازي [٢] الشافعي، صاحب «البحر الصغير» و «العجالة» .
قال الإسنوي: كان فقيها، كبيرا، ذا حظ من كثير من العلوم، ورعا، زاهدا، بحث «الحاوي الصغير» بقزوين على ابن المصنّف في أربعين يوما، ثم عاد إلى بلده، وصنّف كتابه المسمى ب «البحر» وهو مختصر أوضح من «الحاوي» متضمن لزيادات.
توفي بجبل من نواحي شيراز سنة نيّف وثلاثين وسبعمائة. انتهى.
وفيها ضياء الدّين أبو الحسن علي بن سليم بن ربيعة [٣] ، العالم القاضي الشافعي، الأنصاري الأذرعي.
стр. 3766
أخذ عن الشيخ محيي الدّين النّووي.
قال الذهبي: أخذ عن الشيخ تاج الدّين وغيره، وتنقّل لقضاء النّواحي نحوا من ستين سنة. وكان منطبعا بسّاما عاقلا.
وقال ابن كثير: تنقّل في ولايات الأقضية بمدائن كثيرة مدة ستين سنة، وحكم بطرابلس، ونابلس، وحمص، وعجلون، وزرع، وغيرها. وحكم بدمشق نيابة عن القونوي نحوا من شهر. وكان عنده فضيلة، وله نظم كثير. نظم «التنبيه» في ستة عشر ألف بيت وتصحيحه في ألف وثلاثمائة بيت وله غير ذلك.
توفي بالرّملة في ربيع الأول.
وفيها قاضي الحنابلة عزّ الدين محمد بن قاضي القضاة سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن أبي عمر المقدسي ثم الصّالحي الحنبلي [١] .
ولد في عشري ربيع الآخر، سنة خمس وستّين وستمائة. وسمع وناب عن والده في الحكم. وروى عن الشيخ، وعن أبي بكر الهروي، وبالإجازة عن ابن عبد الدائم.
قال الذهبي: كان متوسطا في العلم والحكم، متواضعا.
وقال غيره: ولي القضاء مستقلا بعد موت ابن المسلم، وكان ذا فضل، وعقل، وحسن خلق، وتودّد، وتهجّد، وقضاء حوائج للناس، وتلاوة، وحجّ ثلاث مرات.
وتوفي تاسع صفر ودفن بتربة جدّه الشيخ أبي عمر.
فيها السلطان أبو سعيد عثمان بن السلطان يعقوب بن عبد الحقّ المريني [٢] .
стр. 3767
كانت دولته اثنتين وعشرين سنة.
توفي بالمغرب في ذي القعدة وقد قارب التسعين.
وتملّك بعده ابنه السلطان الإمام الفقيه أبو الحسن.
وفيها تاج الدّين عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللّخمي الإسكندري الفاكهي [١] العلامة النحوي.
قال في «الدرر» : ابن الفاكهاني. سمع على ابن طرخان، والمكين الأسمر، وتفقه لمالك، وأخذ عن ابن المنيّر وغيره، ومهر في العربية والفنون، وصنّف «شرح العمدة» وغيرها.
ومن تصانيفه «الإشارة» في النحو، و «المورد في المولد» وغيرهما.
وحجّ من طريق دمشق سنة ثلاثين وسبعمائة، ورجع فمات في بلده سنة إحدى وثلاثين.
وقال الشّمنّي: له شرح مقدمة في النحو. وسمع من التّقي بن دقيق العيد، والبدر بن جماعة، وأجاز لعبد الوهاب الهروي. انتهى.
وفيها فاطمة بنت الشيخ الحافظ علم الدّين البرزالي [٢] بدمشق. حفظت القرآن، وسمعت الحديث من جماعة، وكتبت ربعة شريفة. و «صحيح البخاري» وعدة أجزاء، و «أحكام» مجد الدّين بن تيمية.
وفيها كماليّة بنت أحمد بن عبد القادر بن رافع الدّمّراوي [٣] وتسمّى ستّ الناس.
روت بالإجازة عن عبد الله بن برطلة الأندلسي، ومحمد بن الجرّاح، والشّرف المرسي.
وماتت في الثّغر في شعبان.
стр. 3768
وفيها نجم الدّين هاشم بن عبد الله البعلي الشّافعي [١] .
قرأ الأصول، والفقه.
ومن نظمه:
ولقد سمعت بسكّر من وصلكم [٢] ... فعساكم أن تجعلوه مكرّرا
وأظنّه حلوا لذيذا طعمه ... إذ كنت أسمع بالوصال ولا أرى
وفيها العدل بدر الدّين يوسف بن عمر الختني [٣] .
سمع من ابن رواج حضورا، وصالح المدلجي، والبكري، والرّشيد، والمرسي، وابن اللّمط الذي سمع من أبي جعفر الصّيدلاني، وتفرّد بأشياء.
وتوفي بمصر في صفر عن أربع وثمانين سنة.
стр. 3769
سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة
فيها جاء بحمص سيل فغرق خلق منهم في حمّام النائب بظاهرها نحو المائتين من نساء وأولاد.
وفيها توفي العلّامة رضي الدّين المنطيقي إبراهيم بن سليمان الرّومي [١] الحنفي مدرّس القيمازية. حجّ سبع مرّات. كان مفتيا، له علم وفضل، وتلامذة.
وتوفي بدمشق عن ست وثمانين سنة.
وفيها برهان الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل، الشيخ العلّامة المقرئ الشّافعي الرّبعي الجعبري [٢] شيخ بلد الخليل.
ولد بجعبر في حدود سنة أربعين وستمائة، وتلا بالسّبع على أبي الحسن الوجوهي، وبالعشر على المنتخب التّكريتي، وسمع ببغداد من جماعة وحفظ «التعجيز» وعرضه على مصنّفه وأخذ عنه الفقه.
ثم قدم دمشق، وسمع من جماعة، وخرّج له البرزالي «مشيخة» .
ثم دخل إلى بلد الخليل ﵇، وأقام به مدة طويلة نحو أربعين سنة، ورحل الناس إليه.
стр. 3770
وروى عنه السّبكي، والذهبي، وخلائق.
وصنف التصانيف الكثيرة، منها «شرح الشاطبية» و «شرح الرائية» واختصر «مختصر ابن الحاجب» و «مقدمته» في النحو، وحسبك قدرة على الاختصار من مختصر ابن الحاجب والحاجبية. وكمّل «شرح التعجيز» فإن مصنّفه لم يكمله كما تقدم.
قال بعضهم: وتصانيفه تقرب المائة.
وذكره الذهبي في «المعجم المختص» فقال: العلّامة ذو الفنون، مقرئ الشام، له التصانيف المتقنة في القراءات، والحديث، والأصول، والعربية، والتاريخ، وغير ذلك. وله مصنّف مؤلّف في علوم الحديث [١] .
توفي في بلد الخليل في شهر رمضان، وله اثنتان وتسعون سنة.
وفيها عماد الدّين إبراهيم بن يحيى بن الكيّال الدّمشقي الحنفي [٢] .
قرأ على ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وأيوب الحمّامي، وعدة.
وكان محدّثا، إماما، عالما، فصيحا، خدم في المواريث، وحصّل، ثم تاب وحجّ، وأمّ بالرّبوة وغيرها.
وتوفي في ربيع الآخرة عن سبع وثمانين سنة.
وفيها أبو العبّاس أحمد بن الفخر البعلبكي السّكاكيني [٣] .
روى عن خطيب مردا، وابن عبد الدائم. وروى كثيرا وكان مقرئا صالحا تقيا.
توفي بدمشق في صفر عن أربع وثمانين سنة.
وفيها صاحب حماة الملك المؤيد عماد الدّين إسماعيل بن الأفضل
стр. 3771
علي بن محمود بن عمر بن شاهنشاه ابن أيوب بن شاذي [١] ، العالم العلّامة المفنّن الشّافعي السّلطان.
مولده في جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين وستمائة، كما ذكره هو في «تاريخه» .
قال ابن قاضي شهبة: اشتغل في العلوم، وتفنّن فيها، وصنّف التصانيف المشهورة، منها «التاريخ» في ثلاث مجلدات، و «العروض والأطوال والكلام على البلدان» في مجلد، وله نظم «الحاوي الصغير» وكتاب «الكناش» مجلدات كثيرة.
ولي مملكة حماة في سنة عشرين إلى أن توفي، وكان الملك الناصر يكرمه ويحترمه ويعظّمه.
وله شعر حسن.
وكان جوادا، ممدّحا، امتدحه غير واحد.
وقال ابن كثير: وله مصنفات عديدة، وكان يحب العلماء ويقصدونه لفنون كثيرة، وكان من فضلاء بني أيوب الأعيان منهم.
وذكر له الإسنوي في «طبقاته» ترجمة عظيمة، وقال: كان جامعا لأشتات العلوم، أعجوبة من أعاجيب الدّنيا، ماهرا في الفقه، والتفسير، والأصلين، والنّحو، وعلم الميقات، والفلسفة، والمنطق، والطبّ، والعروض، والتاريخ، وغير ذلك من العلوم. شاعرا، ماهرا، كريما إلى الغاية. صنّف في كل علم تصنيفا أو تصانيف.
توفي في المحرّم فجأة عن ستين سنة إلّا ثلاثة أشهر وأياما.
وفيها سراج الدّين أبو عبد الله الحسين بن يوسف بن محمد بن أبي السّري الدّجيلي- بضم المهملة، وفتح الجيم، وسكون التحتية، نسبة إلى
стр. 3772
دجيل نهر كبير بنواحي بغداد على قرى كثيرة- ثم البغدادي [١] الفقيه الحنبلي المقرئ الفرضي النّحوي الأديب.
ولد سنة أربع وستين وستمائة، وحفظ القرآن في صباه، ويقال: إنه تلقّن سورة البقرة في مجلسين والحواميم في سبعة أيام، وسمع الحديث ببغداد من إسماعيل بن الطبّال، ومفيد الدّين الحربي الضّرير، وابن الدّواليني، وغيرهم، وبدمشق من المزّي. الحافظ وغيره، وله إجازة من الكمال البزّار وجماعة من القدماء، وحفظ كتبا في العلوم، منها: «المقنع» في الفقه، و «الشاطبية» و «الألفيتان» و «مقامات الحريري» و «عروض» ابن الحاجب، و «الدريدية» و «مقدمة في الحساب» وقرأ الأصلين، وعني بالعربية، واللّغة، وعلوم الأدب.
وتفقه على الزّريراتي. وكان في مبدأ أمره يسلك طريق الزّهد والتقشف البليغ والعبادة الكثيرة، ثم فتحت عليه الدّنيا. وكان له مع ذلك أوراد ونوافل، وصنّف كتاب «الوجيز في الفقه» وعرضه على شيخه الزّريراتي. وصنّف كتاب «نزهة الناظر» وكتاب «تنبيه الغافلين» وغير ذلك.
وتوفي ليلة السبت سادس ربيع الأول، ودفن بالشهيد [٢] قرية من أعمال دجيل.
وفيها وجيهيّة [٣] بنت علي بن يحيى ابن علي بن سلطان الأنصارية البوصيرية. وتدعى زين الدّور [٤] . روت عن أحمد بن النحّاس، وبالإجازة عن يوسف الشّاوي، والأمير يعقوب الهدباني.
وتوفيت بالإسكندرية في رجب.
стр. 3773
وفيها كبير الطبّ أمين الدّين سليمان بن داود [١] في عشر التسعين.
وكان فاضلا طبيبا درس بالدخوارية.
وفيها قاضي الحنابلة شرف الدّين عبد الله بن حسن بن عبد الله بن عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الصّالحي الحنبلي [٢] .
قرأ على ابن عبد الهادي، واليلداني، وخطيب مردا، وإبراهيم بن خليل، وغيرهم، وروى عنهم. وأجاز له جماعة، وطلب بنفسه، وتفقه، وأفتى، وناب في الحكم عن أخيه، ثم عن ابن مسلم مدة، ولازمهما [٣] . ثم ولي القضاء في آخر عمره مستقلا فوق سنة، ودرّس بالصّاحبية. وولي مشيخة الحديث بالصّادرية والعالمية.
وكان فقيها، عالما، صالحا، خيرا، منفردا بنفسه، ذا فضيلة جيدة، حسن القراءة، حميد السيرة في القضاء وحدّث. وسمع منه الذّهبي وخلق.
وتوفي فجأة وهو يتوضأ للمغرب آخر نهار الأربعاء، مستهل جمادى الأولى، ودفن بتربة الشيخ أبي عمر. وكان قد حكم ذلك اليوم بالمدينة وتوجه آخر النهار إلى السّفح.
وفيها أبو محمد وأبو الفرج، عبد الرحمن بن أبي محمد بن محمد بن سلطان بن محمد بن علي القرامزي [٤] العابد الحنبلي.
ولد سنة أربع وأربعين وستمائة تقريبا، وقرأ بالروايات، وسمع ابن عبد الدائم، وإسماعيل بن أبي اليسر وجماعة. وتفقه في المذهب، ثم تزهّد وأقبل
стр. 3774
على العبادة، والطّاعة، وملازمة الجامع، وكثرة الصّلوات. واشتهر بذلك، وصار له قبول وعظمة عند الأكابر.
وقد غمزه الذهبي بأنه نال بذلك سعادة دنيوية، وتمتّع بالدنيا وشهواتها التي لا تناسب الزّاهدين.
قال: وسمعت منه «اقتضاء العلم» [١] للخطيب. وكان قويّ النّفس، لا يقوم لأحد، وله محبّون، ومن حسناته أنه كان من اللّاعنين للاتحادية. انتهى.
توفي مستهل المحرّم ببستانه بأرض جوبر، ودفن بمقبرة باب الصّغير.
وفيها عزّ الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر بن قدامة المقدسي [٢] الحنبلي الفرضي الزّاهد القدوة.
ولد في تاسع عشر جمادى الأولى سنة ست وخمسين وستمائة، وسمع من ابن عبد الدائم وغيره، وحجّ صحبة الشّيخ شمس الدّين بن أبي عمر. وكمّل عليه قراءة «المقنع» بالمدينة النّبوية. وحجّ بعد ذلك مرات.
وسمع منه الذهبي، وذكره في «معجمه» [٣] فقال: كان فقيها، عالما، متواضعا، صالحا، على طريقة سلفه. وكان عارفا بمذهب أحمد، له فهم ومعرفة تامّة بالفرائض، وفيه تودّد وانطباع وعدم تكلّف.
أخذ عنه الفرائض جماعة وانتفعوا به.
وتوفي في ثامن شهر رجب ودفن بتربة الشيخ أبي عمر.
وفيها فخر الدّين أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن
стр. 3775
يوسف بن محمد بن نصر البعلي ثم الدمشقي [١] الحنبلي الفقيه المحدّث.
ولد يوم الخميس رابع عشري ربيع آخر سنة خمس وثمانين وستمائة، وسمع من ابن البخاري في الخامسة، ومن الشيخ تقي الدّين الواسطي، وعمر بن القوّاص، وعني بالحديث، وارتحل فيه مرات. وكتب العالي والنّازل، وخرّج لغير واحد من الشيوخ، وأفاد. وتفقّه وأفتى في آخر عمره، وولي مشيخة الصّدرية والإعادة بالمسمارية.
وسمع منه الذهبي وجماعة، وكان فقيها محدّثا، كثير الاشتغال بالعلم، عفيفا، ديّنا.
حجّ مرات، وأقام بمكة أشهرا.
وكان مواظبا على قراءة جزئين من القرآن العظيم في الصلاة كل ليلة، وله مؤلفات كثيرة، منها كتاب «الثمر الرّائق المجتنى من الحدائق» وانتفع بمجالسه الناس.
وتوفي يوم الخميس تاسع عشري ذي القعدة ودفن بمقبرة الصوفية ولم يعقب رحمه الله تعالى.
وفيها شمس الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد الحارثي ثم المصري [٢] الفقيه الحنبلي المناظر الأصولي.
ولد سنة إحدى وسبعين وستمائة. وسمع بقراءة والده الكثير بالدّيار المصرية من العزّ الحرّاني، وابن خطيب المزّة، وغازي الحلاوي، وشامية بنت البكري، وغيرهم. وبدمشق من ابن البخاري، وابن المجاور، وجماعة، وبالإسكندرية من العراقي.
стр. 3776
وقدم دمشق بنفسه مرّة ثانية فسمع من عمر بن القوّاس وغيره، وعني بالسماع والطلب، وتفقّه بالمذهب حتّى برع. وأفتى وناظر، وأخذ الأصول عن ابن دقيق العيد، والعربية عن ابن النّحّاس، وناب عن والده وغيره في الحكم، ودرّس بالمنصورية، وجامع طولون، وغيرهما. وتصدّر للإشغال. وكان شيخ المذهب بالديار المصرية، وله مشاركة في التفسير، والحديث، مع الدّيانة والورع والجلالة، معدّ من العلماء العاملين، وحدّث، وسمع منه جماعة.
وتوفي يوم الجمعة سادس عشري ذي الحجّة بالمدرسة الصّالحية بالقاهرة، ودفن إلى جانب والده بالقرافة.
وفيها العلّامة شهاب الدّين عبد الرحمن بن محمد بن عسكر [١] المالكي البغدادي.
مدرّس المستنصرية، وله ثمان وثمانون سنة.
وفيها الإمام تاج الدّين أبو القاسم عبد الغفّار بن محمد بن عبد الكافي السّعدي الشّافعي [٢] .
سمع ابن أبي عصرون، والنّجيب، وعدّة، وخرّج «التساعيات» و «أربعين مسلسلات» وطلب وكتب الكثير، وتميّز وأتقن، وولي مشيخة الصّاحبة، وأفتى، ونسخ نحوا من خمسمائة مجلد، وخرّج لشيوخ.
ومات بمصر في ربيع الأول عن اثنتين وثمانين سنة.
وفيها محيي الدّين أبو محمد عبد القادر بن محمد بن إبراهيم المقريزي البعلي [٣] الحنبلي المحدّث الفقيه.
стр. 3777
ولد في حدود سنة سبع وسبعين وستمائة، وسمع بدمشق من عمر بن القوّاس وطائفة، وبمصر من سبط زيادة، وغيره وعني بالحديث، وقرأ وكتب بخطّه كثيرا، وخرّج وتفقه.
قال الذهبي: له مشاركة في علوم الإسلام، ومشيخة الحديث بالبهائية، وغير ذلك. علّقت عنه فوائد، وسمع منه جماعة.
وتوفي ليلة الاثنين ثامن عشر ربيع الأول، ودفن بمقبرة الصّوفية بالقرب من قبر الشيخ تقي الدّين [ابن تيمية] [١] رحمهما الله تعالى.
وفيها العدل نور الدّين علي بن التاج إسماعيل بن قريش المخزومي [٢] .
سمع الزكي المنذري، والرّشيد، وشيخ شيوخ حماة، وابن عبد السّلام.
وحضر عبد المحسن بن مرتفع في الرابعة.
وكان صالحا، مكثرا.
توفي بمصر في رجب عن ثمانين سنة.
وفيها الشيخ بدر الدّين محمد بن أسعد التّستري [٣]- بمثناتين فوقيتين بينهما سين مهملة نسبة إلى تستر مدينة بقرب شيراز- الشافعي.
أخذ عنه الإسنوي، وقال: كان فقيها، إمام زمانه في الأصلين والمنطق [والحكمة، محقّقا، مدقّقا، وكان أعجوبة في معرفة مصنّفات متعددة بخصوصها] مطّلعا على أسرارها، ووضع على كثير منها تعاليق متضمنة لنكت غريبة، وإن كانت عبارته [٤] قلقة ركيكة، منها: «شرح ابن الحاجب» و «شرح البيضاوي» و «المطالع» و «الطوالع» و «الغاية القصوى» .
стр. 3778
وشرح أيضا «كتاب ابن سينا» .
أقام بقزوين يدرّس نحو عشر سنين، وقدم الدّيار المصرية في أوائل سنة سبع وعشرين وسبعمائة فأقام بها أشهرا قلائل ثم رجع إلى العراق.
وكان يصيف بهمذان، ويشتي ببغداد لحرارتها.
وتوفي بهمذان في نيّف وثلاثين وسبعمائة.
قال: وكان مداوما على لعب الشطرنج، رافضيا، كثير التّرك للصلاة، ولهذا لم تكن عليه أنوار أهل العلم، ولا حسن هيئتهم مع ثروة زائدة، وحسن شكالة. انتهى.
وفيها قاضي القضاة علم الدّين محمد بن قاضي القضاة شمس الدّين أبي بكر بن عيسى بن بدران بن رحمة السّعديّ الإخنائي المصري الشافعي [١] .
ولد في رجب سنة أربع وستين وستمائة بالقاهرة، وسمع الكثير، وأخذ عن الدّمياطي وغيره، وولي قضاء الإسكندرية ثم الشام بعد وفاة القونوي.
قال الذهبي في «معجمه» : من نبلاء العلماء، وقضاة السّداد، وقد شرع في تفسير القرآن، وجملة من «صحيح البخاري» وكان أحد الأذكياء. وكان يبالغ في الاحتجاب عن الحاجات، فتتعطل أمور كثيرة، ودائرة علمه ضيقة لكنه وقور قليل الشرّ.
وقال في «العبر» : كان ديّنا، عادلا. حدّث بالكثير.
وقال ابن كثير: كان عفيفا، نزها، ذكيا، شاذّ العبارة، محبّا للفضائل، معظما لأهلها، كثير الاستماع للحديث في العادلية الكبرى، خيّرا، ديّنا.
توفي بدمشق في ذي القعدة ودفن بسفح قاسيون بتربة العادل كتبغا.
стр. 3779
وفيها ناظر الجيش الصّدر قطب الدّين موسى بن أحمد بن شيخ السّلامية [١] .
كان من رجال الدّهر، وله فضل وخبرة.
وتوفي بدمشق في ذي الحجّة، ودفن بتربة مليحة أنشأها. قاله في «العبر» .
وفيها زاهد الإسكندرية الشيخ ياقوت الحبشي الشّاذلي [٢] صاحب أبي العبّاس المرسي.
كان من مشاهير الزّهّاد، وكان يقول: أنا أعلم الخلق بلا إله إلا الله.
توفي بالإسكندرية عن ثمانين سنة.
стр. 3780
سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة
فيها توفي الفاضل أبو إسحاق إبراهيم بن شمس الدّين الفاشوشة الكتبي [١] .
اشتغل بالعربية والأدب.
ومن شعره في المشمش:
قد أتى سيّد الفواكه في ثو ... ب نضار والشّهد منه يفور
يشبه العاشق المتيّم حالا ... أصفر اللّون قلبه مكسور
وفيها الرئيس المعمّر تاج الدّين أحمد بن المحدّث إدريس بن محمد بن مزيز [٢] الحموي [٣] .
ذكر لوزارة بلده، وسمع من صفية حضورا، وبدمشق من ابن علّان، واليلداني، ومحمد بن عبد الهادي، وعدة. وأجاز له إبراهيم بن الخير، وابن العلّيق. وكان صدرا، رئيسا، محتشما.
توفي بحماة في رمضان عن تسعين سنة وشهرين.
وفيها الشيخ شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن يحيى بن إسماعيل بن
стр. 3781
طاهر بن نصر بن جهبل الشافعي الحلبي الأصل الدمشقي، المعروف بابن جهبل [١] .
ولد سنة سبعين وستمائة، وسمع من جماعة واشتغل بالعلم، ولزم الشيخ صدر الدّين بن المرحّل، وأخذ عن الشيخ شرف الدّين المقدسي وغيره، ودرّس بصلاحية القدس الشريف مدة ثم تركها، وتحوّل إلى دمشق، فباشر مشيخة دار الحديث الظّاهرية، ثم ولي تدريس البادرائية بعد وفاة الشيخ برهان الدّين، وترك المشيخة المذكورة، واستمرّ في تدريس البادرائية إلى أن مات.
قال ابن كثير: ولم يأخذ معلوما من واحدة منهما. قال: وكان من أعيان الفقهاء وفضلائهم.
وقال السبكي: درّس، وأفتى، وأشغل مدّة بالعلم بالقدس ودمشق. وحدّث وسمع منه الحافظ علم الدّين البرزالي. قال: ووقفت له على تصنيف في نفي الجهة ردّا على ابن تيميّة لا بأس به، وسرده بمجموعة في «الطبقات الكبرى» في نحو كرّاسين.
توفي بدمشق في جمادى الآخرة ودفن بمقابر الصّوفية.
وفيها الأمير الكبير بكتمر السّاقي [٢] بدرب الحجاز بعيون القصب، ثم حمل فدفن بالتّربة التي أنشأها بالقرافة.
كان له عند السلطان مكانة عظيمة لا يفترقان، إما أن يكون عند السلطان أو السلطان عنده.
وكان فيه خير وسياسة وقضاء لحوائج الناس.
وكان في اصطبله مائة سطل لمائة سائس كل سائس على ستة رؤوس من الخيل العتاق، وبيع من خيله بما لا يحصى وقومت زردخاناه على الأمير قوصون
стр. 3782
بستمائة ألف دينار، وأخذ السلطان ثلاثة صناديق جوهر ليس لها قيمة، وأبيع له من كل نوع بما لا يحصى [١] .
وفيها أسماء بنت محمد بن سالم بن الحافظ أبي المواهب بن صصرى [٢] أخت القاضي نجم الدّين. سمعت من مكّي بن علّان، وتفرّدت وحجّت مرارا.
وتوفيت بدمشق في ذي الحجّة عن خمس وتسعين سنة، وكانت مسندة ذات صدقات وفضل، رحمها الله تعالى.
وفيها الإمام القدوة الولي الشيخ علي ابن الحسن الواسطي الشافعي [٣] .
كان من أعبد البشر، حجّ واعتمر أزيد من ألف مرّة، وتلا أزيد من أربعة آلاف ختمة، وطاف مرّات في اللّيل سبعين أسبوعا [٤] .
ومات ببدر محرما، رحمه الله تعالى. قاله في «العبر» .
وفيها الإمام المحدّث العدل شمس الدّين محمد بن إبراهيم بن غنائم بن المهندس الصالحي الحنفي [٥] سمع من ابن أبي عمر، وابن شيبان فمن بعدهما، وكتب الكثير، ورحل، وخرّج وتعب، ونسخ «تهذيب الكمال» [٦] مرتين. مع الدّين والتواضع، ومعرفة الشّروط.
وتوفي في شوال عن ثمان وستين سنة.
وفيها قاضي القضاة شيخ الإسلام بدر الدّين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن حازم بن صخر بن عبد الله الكناني الحموي الشافعي [٧] .
стр. 3783
ولد في ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وستمائة بحماة، وسمع الكثير، واشتغل، وأفتى، ودرّس. وأخذ أكثر علومه بالقاهرة عن القاضي تقي الدّين بن رزين. وقرأ النحو على الشيخ جمال الدّين بن مالك.
وولي قضاء القدس سنة سبع وثمانين، ثم نقل إلى قضاء الدّيار المصرية سنة تسعين، وجمع له بين القضاء ومشيخة الشيوخ. ثم نقل إلى دمشق وجمع له بين القضاء والخطابة ومشيخة الشيوخ. ثم أعيد إلى قضاء الدّيار المصرية بعد وفاة ابن دقيق العيد. ولما عاد الملك الناصر من الكرك عزله مدة سنة ثم أعيد، وعمي في أثناء سنة سبع وعشرين فصرف عن القضاء، واستمرّ معه تدريس الزاوية بمصر، وانقطع بمنزله بمصر قريبا من ست سنين يسمع عليه، ويتبرك به إلى أن توفي.
قال الذهبي في «معجم شيوخه» : قاضي القضاة، شيخ الإسلام، الخطيب المفسّر، له تعاليق في الفقه، والحديث، والأصول، والتواريخ، وغير ذلك، وله مشاركة حسنة في علوم الإسلام، مع دين، وتعبّد، وتصوّن، وأوصاف حميدة، وأحكام محمودة، وله النّظم، والنّثر، والخطب، والتلامذة، والجلالة الوافرة، والعقل التّام الرّضي، فالله تعالى يحسن له العاقبة، وهو أشعريّ فاضل.
وقال السّبكي في «الطبقات الكبرى» : حاكم الإقليمين مصرا وشاما، وناظم عقد الفخار الذي لا يسامى، متحلّ بالعفاف إلّا عن مقدار الكفاف، محدّث، فقيه، ذو عقل لا تقوم أساطين الحكماء بما جمع فيه.
ومن نظمه قوله:
لمّا تمكّن في فؤادي حبّه ... عاتبت قلبي في هواه ولمته
فرثى له طرفي وقال أنا الذي ... قد كنت في شرك الرّدى أوقعته
عاينت حسنا باهرا فاقتادني ... قسرا إليه عند ما أبصرته
стр. 3784
توفي في جمادى الأولى، ودفن قريبا من الإمام الشافعي، ﵄، وله أربع وتسعون سنة.
وفيها تقي الدّين أبو الثناء محمود بن علي بن محمود بن مقبل بن سليمان بن داود الدّقوقي ثم البغدادي [١] الحنبلي المحدّث الحافظ.
ولد بكرة نهار الاثنين سادس عشري جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وستمائة. وسمع الكثير بإفادة والده من عبد الصّمد بن أبي الجيش، وعلي بن وضاح، وابن السّاعي، وعبد الله بن بلدجي، وعبد الجبار بن عكبر، وغيرهم، وأجاز له جماعة كثيرة من أهل العراق والشام، ثم طلب بنفسه، وقرأ ما لا يوصف كثرة.
وكان يجتمع عنده في قراءة الحديث آلاف. وانتهى إليه علم الحديث والوعظ ببغداد، ولم يكن بها في وقته أحسن قراءة للحديث منه ولا معرفة بلغاته وضبطه، وله اليد الطّولى في النّظم والثّر وإنشاء الخطب.
وكان لطيفا، حلو النّادرة، مليح الفكاهة، ذا حرمة، وجلالة، وهيبة، ومنزلة، عند الأكابر.
وجمع عدة «أربعينيات» في معان مختلفة. وله كتاب «مطالع الأنوار في الأخبار والآثار الخالية عن السند والتكرار» وكتاب «الكواكب الدّرّية في المناقب العلوية» وتخرّج به جماعة في علم الحديث، وانتفعوا به، وسمع منه خلق، وحدّث عنه طائفة.
وتوفي يوم الاثنين بعد العصر عشرين المحرم ببغداد ﵀.
стр. 3785
سنة أربع وثلاثين وسبعمائة
فيها جاء بطيبة سيل عظيم أخذ الجمال وعشرين فرسا، وخرّب أماكن.
وفيها توفي قاضي القضاة جمال الدّين سليمان بن عمر بن سالم بن عمرو بن عثمان الزّرعي الشافعي [١] .
قال السّبكي: سمع من عبد الدائم، والجمال بن الصّيرفي وغيرهما، وولي قضاء زرع مدة، ثم تنقلت به الأحوال، وهو قوي النّفس، لا يطلب رزقا. عفيفا في أحكامه، ثم ولي هو قضاء القضاة بالدّيار المصرية عن ابن جماعة، ثم ولي قضاء الشام بعد ابن صصرى، ثم عزل بعد عام، وبقي شيخ الشيوخ ومدرّس الأتابكية.
وتوفي بالقاهرة في صفر عن تسع وثمانين سنة.
وقال الذهبي: كان مليح الشكل، وافر الحرمة، قليل العلم لكنه حكام.
وفيها زين الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمود بن عبيدان البعلي [٢] الفقيه الزّاهد.
قال ابن رجب: ولد سنة خمس وسبعين وستمائة، وسمع الحديث، وتفقه على الشيخ تقي الدّين وغيره، وبرع وأفتى، وكان إماما عارفا بالفقه وغوامضه، والأصول، والحديث، والعربية، والتّصوف، زاهدا، عابدا، ورعا، متألها، ربّانيا.
صحب الشيخ عماد الدّين الواسطي، وتخرّج به في السّلوك، وتذكر له أحوال وكرامات.