← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

حضرت على جدّها كثيرا، وعلى عبد الرحمن بن الزّين وغيرهما، وحدّثت، وانتشر عنها حديث كثير، وسمع منها الحافظان العراقي والهيثمي، والمقرئ ابن رجب وذكرها في «معجمه» . قال ابن رافع [١] : طال عمرها، وانتفع بها. توفيت بدمشق ليلة الأربعاء مستهل جمادى الأولى ودفنت بسفح قاسيون، وتقدم ذكر ولدها شمس الدّين محمد. وفيها قاضي القضاة عزّ الدّين أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي الأصل الدمشقي المولد المصري الشافعي [٢] . ولد بدمشق في المحرّم سنة أربع وتسعين وستمائة، ونشأ في طلب العلم، وسمع الكثير، وشيوخه سماعا وإجازة يزيدون على ألف وثلاثمائة. قاله ابن قاضي شهبة. وتفقه على والده والوجيزي وغيرهما، وأخذ الأصلين عن الباجي، والنحو عن أبي حيّان، وولي قضاء الدّيار المصرية مدة طويلة، وجعل النّاصر إليه تعيين قضاة الشام. وحدّث، وأفتى، وصنّف، وكان كثير الحجّ والمجاورة. وكان مع نائبه القاضي تاج الدّين المناوي كالمحجور عليه، له الاسم والمناويّ هو القائم بأعباء المنصب. فلما مات عجز القاضي عزّ الدّين عن القيام به فاستعفى، وكان يعاب بالإمساك ولم يحفظ عنه في دينه ما يشينه.

стр. 3957

ذكره الذهبي في «المعجم المختص» وقد مات قبله بنحو عشرين سنة، وقال فيه: الإمام، المفتي، الفقيه، المدرّس، المحدّث. قدم علينا بوالده طالب حديث في سنة خمس وعشرين، فقرأ الكثير، وسمع وكتب الطّباق، وعني بهذا الشأن. وكان خيّرا، صالحا، حسن الأخلاق، كثير الفضائل، سمعت منه وسمع منّي. انتهى. وكان يقول: أشتهي أن أموت بأحد الحرمين معزولا عن القضاء فنال ما تمنى، فإنه استعفى من القضاء في السنة التي قبلها، وحجّ فمات في جمادى الآخرة من هذه السنة ودفن بعقبة باب المعلاة [١] إلى جانب قبر الفضيل بن عياض، بينه وبين أبي القاسم القشيري. وفيها الملك المجاهد صاحب اليمن علي ابن داود بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول [٢] . ولي السلطنة بعد أبيه في ذي الحجّة سنة إحدى وعشرين، وثار عليه ابن عمّه الظّاهر بن المنصور فغلبه، وقبض عليه، ثم استقرّت بلاد اليمن بيد الظّاهر، وجعل تعزّ بيد المجاهد، ثم حاصره، فخرّبت من الحصار، ثم كاتب المجاهد الناصر صاحب مصر، فأرسل له عسكرا إلى أن آل أمره بعد قصص طويلة إلى أن استولى المجاهد على البلاد اليمنية جميعا. وحجّ في سنة اثنتين وأربعين وكسا الكعبة، وفرّق هناك مالا كثيرا، ولما رجع وجد [٣] ولده غلب على المملكة ولقّب المؤيد، فحاربه إلى أن قبض عليه، وقتله. ثم حجّ في سنة إحدى وخمسين، فقدم بخيله على محمل المصريين، فاختلفوا

стр. 3958

ووقع بينهم الحرب، فأسر المجاهد، وحمل إلى القاهرة، فأكرمه السلطان الناصر وحلّ قيده، وقرّر عليه مالا يحمله، وخلع عليه، وجهّزه إلى بلاده، واستمر إلى هذه السنة، فمات. وتسلطن بعده ولده الأفضل عبّاس. وفيها شمس الدّين محمد بن يوسف بن عبد القادر بن يوسف بن سعد الله بن مسعود الخليلي الحنبلي العدل [١] . سمع من سليمان بن حمزة، وعيسى المطعّم، وغيرهما. وحدّث، فسمع منه الحسيني وقال: خرّجت له «مشيخة» و «جزءا» من عواليه، وتفقه، وشهد على الحكّام، مع الصّيانة والرئاسة والتعفّف، وقد أجاز للشّهاب ابن حجّي. توفي يوم الأربعاء ثامن عشري شوال ودفن بسفح قاسيون. وفيها مجد الدّين أبو الفضل محمد بن محمد بن عيسى بن محمود بن عبد الضّيف بن أبي عبد الله الأنصاري البعلبكي الشافعي [٢] ، قاضي بعلبك، وابن قاضيها. ولد سنة إحدى وسبعمائة في رجب، واجتهد في الطلب، ودأب. وكان من الأئمة الحفّاظ والعلماء الراسخين. قاله العلّامة ابن ناصر الدّين [٣] .

стр. 3959

سنة ثمان وستين وسبعمائة فيها كانت زلزلة هائلة بصفد. وفيها توفي شهاب الدّين أحمد بن عثمان بن أبي بكر بن بصيص أبو العبّاس الزّبيدي [١] . قال الخزرجي: كان وحيد دهره في النحو واللغة والعروض، متفنّنا لوذعيّا، حسن السيرة، سهل الأخلاق، مبارك التّدريس. أخذ النحو عن جماعة، وأخذ عنه أهل عصره، وإليه انتهت الرئاسة في النحو، هرعت إليه الناس [٢] من أقطار اليمن. وشرح مقدمة ابن بابشاذ شرحا جيدا لم يتم، وله منظومة في القوافي والعروض، وغير ذلك، وكان بحرا لا ساحل له. مات يوم الأحد حادي عشري شعبان. وفيها آقبغا الأحمدي الجلب [٣] . قال في «الدّرر» : لا لا الملك الأشرف شعبان. كان من خواص يلبغا، ثم كان ممن اتفق على قتله [٤] ، واستقرّ بعده أميرا كبيرا، ثم وقع بينه وبين استدمر فآل أمره إلى أن مات في سجن الإسكندرية في ذي القعدة.

стр. 3960

وفيها عفيف الدّين أبو محمد عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان بن فلاح شيخ الحجاز اليافعي اليمني ثم المكيّ الشافعي [١] . ولد قبل السبعمائة بقليل، وكان من صغره تاركا لما يشتغل به الأطفال من اللّعب، فلما رأى والده آثار الفلاح عليه ظاهرة بعث به إلى عدن، فاشتغل بالعلم، وأخذ عن العلّامة أبي عبد الله البصّال وغيره، وعاد إلى بلاده، وحببت إليه الخلوة والانقطاع والسياحة في الجبال، وصحب الشيخ علي الطواشي، وهو الذي سلّكه الطريق، ثم لازم العلم، وحفظ «الحاوي الصغير» و «الجمل» للزّجاجي، ثم جاور بمكّة، وتزوج بها. ذكره الإسنوي في «طبقاته» وختم به كتابه، وذكر له ترجمة طويلة، وقال: كان إماما، يسترشد بعلومه ويقتدى، وعلما يستضاء بأنواره ويهتدى. صنّف تصانيف [٢] كثيرة في أنواع العلوم، إلا أن غالبها صغير الحجم، معقود لمسائل مفردة، وكثير من تصانيفه نظم، فإنه كان يقول الشعر الحسن الكثير بغير كلفة. ومن تصانيفه: قصيدة مشتملة على قريب من عشرين علما إلّا أن بعضها متداخل، كالتصريف مع النحو، والقوافي مع العروض، ونحو ذلك. وكان يصرف أوقاته في وجوه البرّ وأغلبها في العلم، كثير الإيثار والصّدقة، مع الاحتياج، متواضعا مع الفقر، مترفعا عن أبناء الدّنيا، معرضا عمّا في أيديهم. وكان نحيفا، ربعة من الرجال، مربّيا للطلبة والمريدين، ولهم به جمال وعزّة، فنعق بهم غراب التفريق، وشتّت شمل سالكي الطريق، فتنكرت [٣] طباعه، وبدت أوجاعه، فشكا من رأسه ألما، و [من] جسمه سقما، وأقام أياما قلائل.

стр. 3961

وتوفي وهو إذ ذاك فضيل مكّة وفاضلها، وعالم الأبطح وعاملها، يرتفع ببركة دعائه عنها الويل، وينصبّ الوبل، وتنفتح [١] أبواب السماء، فيحضر [٢] منها العالي ويسيل السّافل. انتهى. وقال ابن رافع: [اشتهر ذكره وبعد صيته] [٣] وصنّف كتبا، منها: «مرهم العلل المعضلة» في أصول الدّين، و «الإرشاد والتّطريز» في التّصوف، وكتاب «نشر المحاسن» وكتاب «نشر الرّوض العطر في حياة سيدنا أبي العبّاس الخضر» وغير ذلك. وكان يتعصب للأشعري، وله كلام في ذمّ ابن تيميّة، ولذلك غمزه بعض من يتعصب لابن تيميّة من الحنابلة وغيرهم. ومن شعره: وقائلة ما لي أراك مجانبا ... أمورا وفيها للتّجارة مربح فقلت لها ما لي بربحك حاجة ... فنحن أناس بالسّلامة نفرح توفي بمكّة في جمادى الآخرة، ودفن بمقبرة باب المعلاة جوار الفضيل بن عياض. واليافعي: نسبة إلى يافع، بالياء والفاء والعين المهملة، قبيلة من قبائل اليمن من حمير. وفيها نجم الدّين عبد الجليل بن سالم بن عبد الرحمن الرّويسوني الحنبلي [٤] الإمام الجليل القدوة. اشتغل بالعلم، وحفظ «المحرّر» في الفقه، وأعاد بالقبة البيبرسية. وكان حسن الأخلاق، متواضعا، من أعيان الحنابلة بمصر.

стр. 3962

توفي بالقاهرة يوم الخميس تاسع عشري ربيع الأول. ورويسون: من أعمال نابلس. وفيها عبد الوهاب بن أحمد بن وهبان الدمشقي الحنفي [١] . قال في «الدّرر» : ولد قبل الثلاثين وسبعمائة، ومهر في الفقه والعربية والقراءات [والأدب] . ودرّس، وولي قضاء حماة. وكان مشكور السيرة، ماهرا في الفقه والعربية [٢] ونظم قصيدة رائية من الطويل ألف بيت، ضمّنها غرائب المسائل في الفقه، وشرحها، وهي نظم [جيد] متمكن. مات في ذي الحجّة. وفيها محيي الدّين محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن نباتة [٣] الشّاعر المشهور المتقدم. تعانى الأدب، ونظم وسطا، وكتب النسخ وقلم الحاشية والغبار، وتكسّب من ذلك بدمشق، وقدم القاهرة بعد السبعين، ومات بها بالقرب من ذلك. كذا قال في الدرر، وجزم مختصر ضوء السخاوي [٤] أنه توفي في هذه السنة. وفيها يلبغا بن عبد الله الخاصكي النّاصري [٥] الأمير الكبير الشهير، أول ما أمّره النّاصر حسن مقدم ألف بعد موت تنكز، ثم كان يلبغا رأس من قام على أستاذه الناصر حسن، حتّى قتل، وتسلطن المنصور محمد بن حاجي، فاستقرّ

стр. 3963

أتابكه، ثم خلعه في شعبان سنة أربع وستين، وتسلطن الأشرف شعبان، فتناهت إلى يلبغا الرئاسة ولقّب نظام الملك، وصار إليه الأمر والنّهي، وهو السّلطان في الباطن والأشرف بالاسم، وارتقى إلى أن صار العدد الكثير من مماليكه نواب البلاد، ومقدّمي ألوف، واستكثر من المماليك الجلبان، وبالغ في الإحسان إليهم والإكرام حتّى صاروا يلبسون الطّرر الذهبية العريضة، فإذا وقعت الشمس عليهم تكاد من شدّة لمعانها تخطف البصر، وبلغت عدة مماليكه ثلاثة آلاف، وكان يسكن الكبش بالقرب من قناطر السّباع، وكان موكبه أعظم المواكب، وأمنت في زمنه الطّرقات من العربان والتّركمان لقطعه أخبارهم [١] وآثارهم، وكان في زمنه وقعة الإسكندرية، وأخذ الفرنج لها في أوائل سنة سبع وستين، فقام أتمّ قيام، ونزعها من أيديهم، وصادر جميع النّصارى والرّهبان، واستنقذ من جميع الديار ما بها من الأموال فحصل [٢] على شيء كثير جدا، حتّى يقال: اجتمع عنده اثنا عشر ألف صليب، منها صليب ذهب زنته عشرة أرطال مصرية. وكانت له صدقات كثيرة على طلبة العلم ومعروف كثير في بلاد الحجاز، وهو الذي حطّ المكس عن الحجّاج بمكّة، وعوّض أمراءها بلدا بمصر، وكان يتعصب للحنفية، حتى كان يعطي لمن يتمذهب لأبي حنيفة العطاء الجزيل، ورتّب لهم الجامكيات الزائدة، فتحول جمع من الشافعية لأجل الدنيا حنفية، وحاول في آخر عمره أن يجلس الحنفيّ فوق الشافعي فعاجله القتل، وذلك أن مماليكه منهم اقبغا المتقدم ذكره في أول هذه السنة، اجتمعوا على قتله ففرّ، ثم جاء طائعا في عنقه منديل، فأمر السلطان بحبسه، ثم أذن في قتله، وذلك في ربيع الآخر. قاله في «الدّرر» .

стр. 3964

سنة تسع وستين وسبعمائة في ثاني عشري محرّمها طرق الفرنج طرابلس في مائة وثلاثين مركبا، فقتلوا وأسروا، وأفسدوا ونهبوا، ورجعوا. وفيها توفي شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن لؤلؤ المصري الشافعي [١] . ولد سنة اثنتين وسبعمائة، واشتغل بالعلم وله عشرون سنة، فأخذ الفقه عن التّقي السّبكي، والقطب السّنباطي، وغيرهما. وأخذ النحو عن أبي حيّان، وبرع واشتغل بالعلم، وانتفع به الناس، وتخرّج به فضلاء، وحدّث، وصنّف تصانيف نافعة، منها «مختصر الكفاية» في ست مجلدات، و «نكت المنهاج» في ثلاث مجلدات. وهي كثيرة الفائدة، وكتاب على «المهذّب» في مجلدين، و «تهذيب التّنبيه» مختصر نفيس. ذكره صاحبه الإسنوي فقال: كان عالما بالفقه، والقراءات، والتفسير، والأصول، والنحو، يستحضر من الأحاديث شيئا كثيرا، أديبا، شاعرا، ذكيا، فصيحا، صالحا [٢] ، ورعا، متواضعا، طارحا للتكلّف، متصوفا. كثير البرّ والمروءة، حسن الصوت بالقراءة، كثير الحجّ والمجاورة بمكّة والمدينة. وافر العقل، مواظبا على الاشتغال والإشغال والتصنيف، لا أعلم في أهل العلم بعده

стр. 3965

من اشتمل على صفاته، ولا على أكثرها. ولم يكتب على فتوى تورعا، ولم يل تدريسا. وكان كثير الانبساط، حلو النّادرة، فيه دعابة زائدة. توفي في شهر رمضان بمصر، ودفن بتربة الشيخ جمال الدّين الإسنوي خارج باب النّصر. وفيها عز الدّين أبو يعلى حمزة بن موسى بن أحمد بن الحسين بن بدران [١] الإمام العلّامة الحنبلي المعروف بابن شيخ السّلامية. سمع من الحجّار، وتفقه على جماعة، ودرّس بالحنبلية وبمدرسة السلطان حسن بالقاهرة، وأفتى وصنّف تصانيف عدة، منها على «إجماع» ابن حزم استدراكات جيدة، وشرح على «أحكام» المجد بن تيميّة، وجمع على «المنتقى في الأحكام» عدة مجلدات، وله كتاب نقض الإجماع، واختار بيع الوقف للمصلحة موافقة لابن قاضي الجبل وغيره، وصنّف فيه مصنّفا سمّاه «رفع الماقلة في منع المناقلة» . وكان له اطلاع جيد ونقل مفيد على مذاهب العلماء المعتبرين، واعتناء بنصوص أحمد وفتاوى الشيخ تقي الدّين بن تيميّة. وله فيه اعتقاد صحيح وقبول لما يقوله وينصره ويوالي عليه ويعادي فيه، ووقف درسا وكتبا بتربته بالصّالحية، وعيّن لذلك الشيخ زين الدّين بن رجب. توفي بالصّالحية ليلة الأحد حادي عشري ذي الحجّة، ودفن عند والده وجدّه عند جامع الأفرم. وفيها بهاء الدّين أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عقيل الشافعي [٢] .

стр. 3966

قال ابن شهبة: رئيس العلماء، وصدر الشافعية بالدّيار المصرية، العقيلي الطّالبي البالسي الحلبي ثم المصري. ولد سنة أربع وتسعين وستمائة [وقيل: سنة سبعمائة] [١] وسمع الحديث، وأخذ الفقه عن الزّين بن الكتّاني [٢] وغيره، وقرأ النحو على أبي حيّان، ولازمه في ذلك اثنتي عشرة سنة، حتى قال أبو حيّان: ما تحت أديم السماء أنحى من ابن عقيل. وأخذ الأصول والفقه عن العلاء القونوي ولازمه، وقرأ القراءات على التّقي الصّايغ، واشتهر اسمه وعلا ذكره، وناب في الحكم عن القاضي جلال الدّين، ثم عن العزّ بن جماعة، ودرّس بزاوية الشافعي بمصر في آخر عمره، وولي التفسير بالجامع الطّولوني، وختم به القرآن تفسيرا في مدة ثلاث وعشرين سنة، ثم شرع بعد ذلك من أول القرآن، فمات في أثناء ذلك، وشرح «الألفية» شرحا متوسطا حسنا لكنه اختصر في النصف الثاني جدا. وشرح «التسهيل» شرحا متوسطا سمّاه ب «المساعد» ، وشرع في تفسير مطوّل وصل فيه إلى أثناء [سورة] النساء، وله آخر لم يكمله سماه ب «التعليق الوجيز على كتاب العزيز» . وقال ابن رافع [٣] : كان قويّ النّفس، تخضع له الدولة، ولا يتردد إلى أحد، وعنده حشمة بالغة وتنطع زائد في الملبس والمأكل. وكان لا يبقي على شيء. ومات وعليه دين، وقد ولي القضاء نحو ثمانين يوما، وفرّق على الطلبة والفقهاء في ولايته مع قصرها نحو ستين ألف درهم، يكون أكثر من ثلاثة آلاف دينار. وذكره الإسنوي في «طبقاته» ولم ينصفه، وفي كلامه تحامل عليه، وكان فيه لثغة.

стр. 3967

وروى عنه سبطه جلال الدّين، والجمال بن ظهيرة، والولي العراقي. ومات بالقاهرة ليلة الأربعاء ثالث عشري ربيع الأول ودفن بالقرب من الإمام الشافعي. ومن شعره: قسما بما أوليتم من فضلكم ... للعبد عند قوارع الأيّام [١] وفيها قاضي القضاة موفق الدّين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن عبد الباقي الحجّاوي [٢] الحنبلي، الإمام العلّامة قاضي القضاة بالدّيار المصرية. سمع الحديث بالقاهرة من ابن الصوّاف وطبقته، وحدّث، فسمع منه الحافظان الزّين العراقي والهيثمي، وتفقه وأفتى، ودرّس، وباشر القضاء من سنة ثمان وثلاثين إلى أن توفي. ذكره الذهبي في «معجمه المختص» فقال: عالم ذكيّ خيّر، صاحب مروءة وديانة وأوصاف حميدة. [وله يد طولى في المذهب] [٣] وقدم علينا، وهو طالب حديث سنة سبع عشرة، فسمع من ابن عبد الدائم، وعيسى المطعّم، وعني بالرواية، وهو ممن أحبه [في] الله، وحمدت سيرته في القضاء، وانتشر في أيامه مذهب أحمد بالديار المصرية وكثر فقهاء الحنابلة بها. انتهى. وأثنى عليه الأئمة، منهم أبو زرعة ابن العراقي، وابن حبيب.

стр. 3968

توفي نهار الخميس سابع عشري المحرم بالقاهرة، ودفن بتربته التي أنشأها خارج باب النصر. وفيها زين الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي بكر بن أيوب بن سعد أخو شمس الدّين بن قيّم الجوزية الحنبلي [١] . كان إماما قدوة. سمع من ابن عبد الدائم وعيسى المطعّم، والحجّار. وحدّث. وذكره ابن رجب في «مشيخته» وقال: سمعت عليه كتاب «التوكّل» لابن أبي الدنيا بسماعه على الشّهاب العابد [٢] ، وتفرّد بالرواية عنه. توفي ليلة الأحد ثامن عشري ذي الحجّة وصلّي عليه من الغد بجامع دمشق، ودفن بالباب الصغير. وفيها القاضي صدر الدّين أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر بن عيّاش بن عسكر، المعروف بابن الخابوري [٣] الشافعي، شيخ [٤] طرابلس وخطيبها ومفتيها. أخذ عن البرهان الفزاري، والزّين بن الزّملكاني، ودخل مصر، أخذ عن علمائها. وسمع وحدّث وأشغل [٥] وأفاد، وولي القضاء بصفد مدة، وكانت تأتيه الفتاوى من البلاد البعيدة. جاء رجل بفتوى إلى الشيخ فخر الدّين المصري، فقال له: من أين أنت؟ قال: من صفد، فقال: عندكم مثل ابن الخابوري وتسألنا هو أعلم منا؟ ورد الفتوى. ثم نقل إلى قضاء طرابلس، ثم عزل واستمرّ على الخطابة.

стр. 3969

قال ابن كثير: كان فقيها، جيدا، مستحضرا للمذهب، له اعتناء جيد، وقد أذن لجماعة بالإفتاء. توفي بالمحرّم وقد جاوز السبعين، ووالده كان قاضي بعلبك. قال ابن كثير: كان أكبر أصحاب الشيخ تاج الدّين الفزاري. توفي بدمشق في جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة عن سبعين سنة. وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن محمد بن يوسف بن قدامة الشيخ المسند المعمّر الأصيل الحنبلي [١] . ولد سنة ثمان وثمانين وستمائة، وحضر على ابن البخاري، وتفرّد عنه برواية «جزء ابن نجيب» وسمع منه الحافظان الزّين العراقي والنّور الهيثمي، والشيخ شهاب الدّين بن حجي. توفي يوم الثلاثاء ثاني ذي الحجّة بالصّالحية ودفن بقاسيون. وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن عبد اللطيف الحرّاني ثم المصري [٢] الحنبلي، الإمام القدوة. سمع «صحيح البخاري» على الحجّار، وسمع أيضا على حسن الكردي وغيره، وحدّث، فسمع منه أبو زرعة العراقي توفي في رمضان بالقاهرة. وفيها قاضي القضاة جمال الدّين أبو المحاسن يوسف بن محمد بن التّقي عبد الله بن محمد بن محمود الشيخ الإمام العلّامة الصّالح الخاشع، شيخ الإسلام المرداوي الحنبلي [٣] .

стр. 3970

ولد سنة سبعمائة تقريبا، وسمع «صحيح البخاري» من ابن عبد الدائم، وابن الشّحنة، ووزيرة، وسمع من غيرهم، وأخذ النحو عن القحفازي. وولي قضاء الحنابلة بالشام سبع عشرة سنة بعد موت ابن المنجّى بعد تمنّع زائد وشروط شرطها عليهم، واستمر إلى أن عزل في سنة سبع وستين بشرف الدّين بن قاضي الجبل، وذلك لخيرة عند الله تعالى. وكان يدعو أن لا يتوفاه الله قاضيا. ذكره الذهبي في «المعجم المختص» فقال: الإمام المفتي الصّالح أبو الفضل، شاب خيّر، إمام في المذهب، وله اعتناء بالإسناد. وقال الشهاب بن حجي: كان عفيفا نزها، ورعا، صالحا، ناسكا، خاشعا، ذا سمت حسن [١] ووقار، يركب الحمارة [٢] ، ويفصل الحكومات بسكون، عارفا بالمذهب، لم يكن فيهم مثله، وشرح «المقنع» وجمع كتابا في الفقه سمّاه «الانتصار» ومصنّفا سمّاه «الواضح الجلي في نقض حكم ابن قاضي الجبل الحنبلي» وذلك أنه اختار جواز بيع الوقف لمصلحة وحكم به. وقال ابن حبيب في «تاريخه» : عالم علمه زاهر وبرهان ورعه ظاهر، وإمام تتّبع طرائقه وتغتنم ساعاته ودقائقه. كان لين الجانب، متلطفا بالطالب، رضيّ الأخلاق، شديد الخوف والإشفاق، عفيف اللّسان، كثير التواضع والإحسان، لا يسلك في ملبسه سبيل أبناء الزّمان، ولا يركب حتّى إلى دار الإمارة غير الأتان. توفي يوم الثلاثاء ثامن ربيع الأول بالصالحية، ودفن بتربة الموفق بسفح قاسيون.

стр. 3971

سنة سبعين وسبعمائة في رجبها هلك صاحب قبرس [١] الذي هجم على بلاد [٢] الإسكندرية وتولى ولده فأرسل بهدية [٣] إلى السلطان [٣] ، وطلب الهدنة فوقع الصّلح ولله الحمد. وفيها توفي صاحب تونس إبراهيم بن أبي بكر بن يحيى بن إبراهيم [٤] واستقرّ بعده ابنه أبو البقاء خالد. وفيها قاضي القضاة بدر الدّين الحسن بن محمد بن سليمان بن حمزة بن أحمد بن أبي عمر الحنبلي الشيخ الإمام المقدسي الأصل ثم الدمشقي [٥] . سمع من جدّه، وعيسى المطعم، وغيرهما. وحدّث، ودرّس بدار الحديث الأشرفية بسفح قاسيون، ودرس بالجوزية أيضا. وكان بيده نصف تدريسها، وناب في الحكم عن ابن قاضي الجبل. وتوفي ليلة الخميس خامس ربيع الأول ودفن بسفح قاسيون.

стр. 3972

وفيها رضي الدّين أبو مدين شعيب بن محمد بن جعفر بن محمد التّونسي النّحوي [١] . قال في «الدّرر» : كان أحد أذكياء العالم. ولد في شعبان سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وأخذ عن ابن عبد السلام وغيره، وكان علّامة في الفقه، والنحو، والفرائض، والحساب، والمنطق، جيد القريحة، وافر الفضل، أتقن علوما عدة، حتّى الكتابة والتّزميك، وقدم القاهرة سنة سبع وخمسين ثم توطن حماة ومات بها. وفيها القاضي شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن خلف بن كامل بن عطاء الله الغزي ثم الدمشقي الشافعي [٢] . مولده سنة ست عشرة وسبعمائة بغزّة، وأخذ بالقدس عن الشيخ تقي الدّين القلقشندي، وقدم دمشق، واشتغل بها، ثم رحل إلى القاضي شرف الدّين البارزي، فتفقه عليه. وأذن له بالفتيا، ثم عاد إلى دمشق، وجدّ واجتهد، وسمع الحديث، ودرّس، وأعاد، وناب للقاضي تاج الدّين السّبكي، وترك له تدريس الناصرية الجوانية، وألّف كتاب «ميدان الفرسان» جمع فيه أبحاث الرّافعي، وابن الرّفعة، والسبكي، وهو كتاب نفيس في خمس مجلدات. توفي في شهر رجب ودفن بتربة السبكيين. وفيها بدر الدّين أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن سمحان الوائلي البكري العلّامة الشافعي الأصيل، إمام أهل اللغة في عصره المعروف بابن الشّريشي [٣] أخذ عن والده، وقرأ النحو

стр. 3973

على أبي العبّاس الغسّاني، وبرع في الفقه، واللغة، والغريب، ونظم الشعر. وكان يستحضر «الفائق» للزمخشري و «الصحاح» و «الجمهرة» و «النهاية» و «غريب أبي عبيد» و «المنتهى في اللغة» للبرمكي وهو أكثر من ثلاثين مجلدا. وقد عقد له مجلس بحضرة أعيان علماء دمشق وامتحن في هذه الكتب في شعبان سنة ثلاث وستين، ونزل له والده عن درس الإقبالية، وكان قليل الاختلاط بالناس منجمعا على طلب العلم، وكان أخوه شرف الدّين يقول: أخي بدر الدّين أزهد مني. قال ابن حبيب في «تاريخه» : توفي في ربيع الآخر عن ست وأربعين سنة ودفن عند والده. وفيها أقضى القضاة صلاح الدّين أبو البركات محمد بن محمد بن المنجّى بن عثمان بن أسعد التّنوخي المعرّي الحنبلي [١] . سمع الحجّار وطبقته، وحفظ «المحرّر» ودرّس بالمسمارية والصّدرية، وناب في الحكم لعمّه قاضي القضاة علاء الدّين، ثم ناب للقاضي شرف الدّين بن قاضي الجبل. وكان من أولاد الرؤساء، ذا دين وصيانة. حدّث ودرّس، وحجّ غير مرة، وكان كريم النّفس، حسن الخلق والشكل، ذا حشمة ورئاسة، على قاعدة أسلافه. توفي ليلة الخميس رابع شهر ربيع الآخر، وصلّي عليه من الغد بجامع دمشق، ودفن بتربتهم بالصّالحية وقد جاوز الخمسين.

стр. 3974

سنة إحدى وسبعين وسبعمائة فيها توفي قاضي القضاة شرف الدّين أبو العبّاس أحمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة الحنبلي، الشيخ الإمام، جمال الإسلام، صدر الأئمة الأعلام، شيخ الحنابلة، المقدسي الأصل ثم الدمشقي المشهور بابن قاضي الجبل [١] . مولده على ما كتبه بخطّه في الساعة الأولى من يوم الاثنين تاسع شعبان سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وكان متفننا، عالما بالحديث وعلله، والنحو، واللغة، والأصلين، والمنطق. وله في الفروع القدم العالي. قرأ على الشيخ تقي الدّين بن تيميّة عدة مصنّفات في علوم شتّى، وأذن له في الإفتاء فأفتى في شبيبته، وسمع في الصّغر من الفرّاء، وابن الواسطي، ثم طلب بنفسه بعد العشر وسبعمائة، وأجازه والده، والمنجّى التنوخي، وابن القوّاس، وابن عساكر. وفي مشايخه كثرة. ودرّس بعدة مدارس، ثم طلب في آخر عمره إلى مصر ليدرّس بمدرسة السّلطان حسن. وولي مشيخة سعيد السعداء، وأقبل عليه أهل [٢] مصر وأخذوا عنه، وأقام بها مدة يدرّس ويشغل ويفتي، ورأس على أقرانه إلى أن ولي القضاء بدمشق بعد جمال الدّين المرداوي سنة سبع وستين، وكان عنده مداراة وحبّ

стр. 3975

للمنصب، ووقع بينه وبين الحنابلة، وباشر القضاء دون الأربع سنين إلى أن مات وهو قاض. وذكره الذهبي في «معجمه المختص» والحسيني فقال فيه: مفتي الفرق، سيف المناظرين. وبالغ ابن رافع وابن حبيب في مدحه. ومن إنشاده وهو بالقاهرة: الصّالحيّة جنّة ... والصّالحون بها أقاموا فعلى الدّيار وأهلها ... منّي التّحيّة والسّلام وله أيضا: نبييّ أحمد وكذا إمامي ... وشيخي أحمد كالبحر طامي واسمي أحمد وبذاك أرجو ... شفاعة أشرف الرّسل الكرام وله اختيارات في المذهب، منها «بيع الوقف للحاجة» ومنها أن النزول [عن الوظيفة] [١] تولية، وله عدة مصنّفات، منها كتاب «المناقلة في الأوقاف وما في ذلك من النزاع والخلاف» وتبعه على ذلك جماعة وكلّهم تبع للشيخ تقي الدّين [٢] . توفي بمنزله بالصالحية يوم الثلاثاء رابع عشر رجب ودفن بتربة جده الشيخ أبي عمر. وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن عمر بن حسين الشيخ الصّالحي المسند الشّيرازيّ الأصل ثم الدمشقي الحنبلي المعروف بزغنش- بزاي مضمومة ثم غين معجمة ثم نون مضمومة ثم شين معجمة كذا ضبطه صاحب «المبدع» في كتابه «المقصد الأرشد في ذكر أصحاب أحمد» - ويعرف أيضا بابن مهندس الحرم [٣] .

стр. 3976

ولد سنة بضع وسبعين وستمائة، وسمع على [١] الفخر بن البخاري، وحدّث فسمع منه الحسيني، وابن رجب، وغيرهما. وكان قيّم الضّيائية، رجلا، جيدا، كثير التّلاوة للقرآن، من الأخيار الصّالحين، وطال عمره، حتّى رأى من أولاده وأحفاده مائة، وهو جد المحدّث شهاب الدّين أحمد بن المهندس. توفي يوم الأحد ثامن المحرم ودفن بتربة الموفق بالرّوضة وقد قارب المائة. وفيها سري الدّين أبو الوليد إسماعيل بن محمد بن محمد بن علي بن عبد الله بن هانئ الغرناطيّ المالكي [٢] . ولد سنة ثمان وسبعمائة بغرناطة، وأخذ عن جماعة من أهل بلده كابن جزي، وقدم القاهرة فذاكر أبا حيّان، ثم قدم الشام، وأقام بحماة واشتهر بالمهارة في العربية، وولي قضاء المالكية بحماة وهو أول مالكي ولي القضاء بها، ثم قضاء الشام، ثم أعيد إلى حماة، ثم دخل مصر وأقام يسيرا، وشرح «تلقين» أبي البقاء في النحو، وقطعة من «التسهيل» وكان يحفظ من الشواهد كثيرا جدا، ولم يكن من المالكية بالشام مثله في سعة علومه، وبالغ ابن كثير في الثناء عليه. قال: وكان كثير العبادة وفي لسانه لثغة في حروف متعددة، ولم يكن فيه ما يعاب إلّا أنه استناب ولده، وكان سيىء السيرة جدا، وكان يحفظ «الموطأ» ويرويه عن ابن جزي. وروى عنه ابن عشائر [٣] ، والجمال خطيب المنصورية وجماعة. توفي في ربيع الآخر. قاله السيوطي في «طبقات النّحاة» . وفيها قاضي القضاة تاج الدّين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمّام بن يوسف بن موسى ابن تمّام السّبكي الشافعي [٤] .

стр. 3977

ولد بالقاهرة سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وسمع بمصر من جماعة، ثم قدم دمشق مع والده في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين، وسمع بها من جماعة، واشتغل على والده وغيره، وقرأ على الحافظ المزّي، ولازم الذهبي، وتخرّج به، وطلب بنفسه، ودأب، وأجازه شمس الدّين بن النّقيب بالإفتاء والتدريس، ولما مات ابن النّقيب كان عمره ثمان عشرة سنة، وأفتى، ودرّس، وصنّف وأشغل، وناب عن أبيه بعد وفاة أخيه القاضي حسين، ثم اشتغل بالقضاء بسؤال والده في شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين، ثم عزل مدة لطيفة، ثم أعيد، ثم عزل بأخيه بهاء الدّين، وتوجه إلى مصر على وظائف أخيه، ثم عاد إلى القضاء على عادته، وولي الخطابة بعد وفاة ابن جملة، ثم عزل، وحصل له فتنة شديدة، وسجن بالقلعة نحو ثمانين يوما، ثم عاد إلى القضاء. وقد درّس بمصر والشام بمدارس كبار، العزيزية والعادلية الكبرى، والغزالية، والعذراوية، والشاميتين، والناصرية، والأمينية، ومشيخة دار الحديث الأشرفية، وتدريس الشافعي بمصر والشيخونية والميعاد بالجامع الطولوني، وغير ذلك. وقد ذكره الذهبي في «المعجم المختص» وأثنى عليه. وقال ابن كثير: جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض قبله، وحصل له من المناصب ما لم يحصل لأحد قبله. وقال الحافظ شهاب الدّين بن حجي: خرّج له ابن سعد «مشيخة» ومات قبل تكميلها، وحصّل فنونا من العلم، من الفقه والأصول، وكان ماهرا فيه، والحديث والأدب، وبرع، وشارك في العربية، وكان له يد في النّظم والنثر، جيد البديهة، ذا بلاغة وطلاقة لسان وجراءة جنان، وذكاء مفرط، وذهن وقّاد، صنّف تصانيف عدة في فنون على صغر سنه وكثرة أشغاله قرئت عليه وانتشرت في حياته وبعد موته. قال: وانتهت إليه رئاسة القضاء والمناصب بالشام، وحصلت له محنة بسبب

стр. 3978

القضاء وأوذي فصبر، وسجن فثبت، وعقدت له مجالس فأبان عن شجاعة وأفحم خصومه مع تواطئهم عليه، ثم عاد إلى مرتبته وعفا وصفح عمن قام عليه، وكان سيّدا، جوادا، كريما، مهيبا [١] ، تخضع له أرباب المناصب من القضاة وغيرهم. توفي شهيدا بالطّاعون في ذي الحجّة خطب يوم الجمعة وطعن ليلة السبت رابعه ومات ليلة الثلاثاء ودفن بتربتهم بسفح قاسيون عن أربع وأربعين سنة. ومن تصانيفه «شرح مختصر ابن الحاجب» في مجلدين سمّاه «رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب» و «شرح منهاج البيضاوي» و «القواعد المشتملة على الأشباه والنظائر» و «طبقات الفقهاء الكبرى» في ثلاثة أجزاء و «الوسطى» مجلد ضخم، و «الصّغرى» مجلد لطيف، و «الترشيح» في اختيارات والده [٢] ، و «التوشيح» على التنبيه و «التصحيح» و «المنهاج» و «جمع الجوامع» في أصول الفقه وشرحه بشرح سماه «منع الموانع» و «جلب حلب» جواب عن أسئلة سأل عنها الأذرعي، وغير ذلك. وفيها موفق الدّين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن محمد بن علي بن شدّاد الحميري اليمني [٣] . قال الخزرجي: كان فقيها، عالما، نحويا، لغويا، محدّثا، عارفا، محقّقا في فنونه، انتهت إليه الرئاسة في اليمن في القراءات، ورحل إليه الناس، وانتشر ذكره. مات ليلة الاثنين تاسع شوال. وفيها أقضى القضاة بدر الدّين أبو المعالي محمد بن محمد بن عبد اللطيف أبي الفتح بن يحيى بن علي بن تمّام الأنصاري الشافعي السّبكي [٤] .

стр. 3979

ولد بالقاهرة سنة أربع أو خمس أو ست وثلاثين وسبعمائة، وسمع من جماعة بمصر والشام، وكتب بعض الطّباق، [واشتغل في فنون العلم] [١] وحصّل، ودرّس، وأفتى، وحدّث بالرّكنية وعمره خمس عشرة سنة في حياة جدّه لأمّه تقي الدّين السّبكي، وناب في الحكم لخاله تاج الدّين، ثم ولي قضاء العسكر. ولما ولي خاله بهاء الدّين قضاء الشام كان هو الذي يباشر عنه القضاء والشيخ بهاء الدّين لا يباشر شيئا في الغالب. ودرّس بالشاميتين الجوّانية أصالة والبرّانية نيابة عن خاله تاج الدّين. قال ابن كثير: وكان ينوب عن خاله في الخطابة، وكان حسن الخطابة، كثير الأدب والحشمة، متوددا إلى الناس وهم مجمعون على محبته، شابا، حسن الشكالة. توفي بالقدس في شوال، ودفن بمقابر باب الرّحمة.

стр. 3980

سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة فيها ظهر في الشام، وحمص، وحلب، بعد العشاء حمرة عظيمة كأنها الجمر، وصارت في خلال النّجوم كالعمد البيض، حتّى سدت الأفق، ودام إلى الفجر، وخفي بسببه ضوء القمر، فتباكى النّاس وضجوا بالدعاء [١] . وفي محرّمها درّس بدمش بالمدرسة الأمينية تقي الدّين علي بن تاج الدّين عبد الوهاب السّبكي، وهو ابن سبع سنين وهذا من العجائب. وفيها توفي القدوة بدر الدّين الحسن بن محمد بن صالح بن محمد بن محمد بن عبد المحسن بن علي المجاور القرشي النابلسي الحنبلي [٢] . طلب الحديث بنفسه، وسمع من عبد الله بن محمد بن أحمد بنابلس، ومن جماعة، بمصر، والإسكندرية، ودمشق. وولي إفتاء دار العدل بمصر، ودرّس بمدرسة السلطان الملك الأشرف، ورحل إلى الثّغر، وذكر الذهبي أنه علّق عنه، وصنّف «البرق الوميض في ثواب العيادة والمريض» و «شمعة الأبرار ونزهة الأبصار» . وتوفي في رابع عشر جمادى الآخرة.

стр. 3981

وفيها جمال الدّين أبو محمد عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن إبراهيم القرشي الأموي الإسنوي المصري [١] الشافعي الإمام العلّامة، منقح الألفاظ ومحقّق المعاني. ولد بأسنا في رجب سنة أربع وسبعمائة، وقدم القاهرة سنة إحدى وعشرين، وسمع الحديث، واشتغل بأنواع العلوم، وأخذ الفقه عن الزّنكلوني، والسّنباطي، والسّبكي، والقزويني، والوجيزي، وغيرهم. والنحو عن أبي حيّان، والعلوم العقلية عن القونوي، والتّستري، وغيرهما. وانتصب للإقراء والإفادة من سنة سبع وعشرين، ودرّس التفسير بجامع طولون. وولي وكالة بيت المال، ثم الحسبة، ثم تركها وعزل من الوكالة، وتصدّى للإشغال والتّصنيف. ذكره تلميذه سراج الدّين بن الملقن في «طبقات الفقهاء» فقال: شيخ الشافعية، ومفتيهم، ومصنّفهم، ومدرّسهم، ذو الفنون: الأصول، والفقه، والعربية، وغير ذلك. وقال غيره: تخرّج به خلق كثير، وأكثر علماء الدّيار المصرية طلبته، وكان حسن الشكل، حسن التّصنيف، لين الجانب، كثير الإحسان للطلبة، ملازما للإفادة والتصنيف، من تصانيفه: «كافي المحتاج في شرح المنهاج» وصل فيه إلى المساقاة، وهو أنفع شروح «المنهاج» و «الكوكب الدّرّي» في تخريج مسائل الفقه على النحو، و «تصحيح التّنبيه» و «طبقات الشافعية» وغير ذلك. وقال السيوطي في «طبقات النّحاة» : انتهت إليه رئاسة الشافعية، وصار المشار إليه بالديار المصرية. وكان ناصحا في التعليم، مع البرّ، والدّين، والتواضع، والتودد، يقرّب الضعيف المستهان، ويحرص على إيصال الفائدة

стр. 3982

للبليد، ويذكر عنده المبتدئ الفائدة المطروقة فيصغي إليه كأنّه لم يسمعها، جبرا لخاطره، مع فصاحة العبارة، وحلاوة المحاضرة والمروءة البالغة. توفي فجأة ليلة الأحد ثامن عشري جمادى الأولى بمصر، ودفن بتربة بقرب مقابر الصّوفية. وفيها أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم النّميري الحنبلي [١] ، المعروف والده بابن الصقيل. كان إماما، مسندا، جليلا، تولى مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة وأقام بها مدة، وتوفي بقلعة الجبل بالقاهرة. وفيها علاء الدّين علي بن عمر بن أحمد بن عبد المؤمن الصّوري الأصل الصالحي الحنبلي [٢] الشيخ المسند الخيّر الصالح. ولد سنة اثنتين وتسعين وستمائة، وسمع من جدّه أحمد بن عبد المؤمن، والتّقي سليمان بن حمزة، وغيرهما. وأجاز له أبو الفضل بن عساكر، وابن القوّاس، ولحقه صمم [٣] ، وكان يتلو القرآن كثيرا. وسمع منه الشّهاب بن حجي. توفي في العشر الآخر من جمادى الآخرة بالصّالحية ودفن بسفح قاسيون. وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد الزّركشي المصريّ الحنبلي [٤] الشيخ الإمام العلّامة. كان إماما في المذهب، له تصانيف مفيدة، أشهرها «شرح الخرقي» لم يسبق إلى مثله، وكلامه فيه يدلّ على فقه نفسي وتصرف في كلام الأصحاب.

стр. 3983

أخذ الفقه عن قاضي القضاة موفق الدّين عبد الله الحجّاوي قاضي الدّيار المصرية، وقال ولده الشيخ زين الدّين عبد الرحمن: أخبرني والدي أن عمره- يعني عند وفاته- نحو خمسين سنة، وأن أصله من عرب بني مهنّا الذين هم من جند الشام ناحية الرّحبة. توفي ليلة السبت رابع عشري جمادى الأولى في حياة والدته الحاجة فقها، ودفن بالقرافة الصّغرى. وتوفيت والدته في خامس ربيع الآخر سنة ست وسبعين. وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك بن مكنون بن نجم العجلوني الدمشقي الحنبلي [١] خطيب بيت لهيا وابن خطيبها. سمع وزيرة، وأجاز له جماعة، منهم: القاسم ابن عساكر، وابن القوّاس، وحدّث، فسمع منه شهاب الدّين بن حجي «ثلاثيات البخاري» عن وزيرة. توفي في جمادى الأولى ببيت لهيا ودفن هناك. وفيها الجلال أبو ذر محمد بن محمد بن عبد الرحيم بن عبد الوهاب بن علي بن أحمد بن عقيل السّلمي البعلبكي [٢] الحافظ ابن الخطيب المنعوت بالجلال. ذكره ابن ناصر الدّين في منظومته [٣] فقال: محمّد فتى الخطيب الثّالث ... ذاك الجلال ذو علوم باحث وقال في «شرحها» [٤] : مولده سنة تسع وسبعمائة بيقين. وكان إماما،

стр. 3984

حافظا، من المتقنين، فقيها، كاتبا، ذا عربية ولغة، مع صلاح ودين. انتهى. وفيها أبو زكريا يحيى بن أحمد بن أحمد بن صفوان القيني [١] المالكي النّحوي المقرئ [٢] . كان إماما، عالما، عارفا بالقراءات والعربية، صالحا زاهدا. سمع ببلده من عبد الله بن أيوب، ومنه أبو حامد ابن ظهيرة، وجاور بمكّة مدّة، وأمّ بمقام المالكية، ومات بها. قاله السيوطي.

стр. 3985

سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بها ابتدأ الحافظ ابن حجر كتابه «إنباء الغمر بأنباء العمر» [١] فإنه ولد في شعبانها. وفيها أمر السّلطان الملك الأشرف الأشراف أن يمتازوا عن الناس بعصائب خضر على العمائم ففعل ذلك بمصر والشام وغيرهما [٢] ، وفي ذلك يقول عبد الله بن جابر الأندلسي نزيل حلب: جعلوا لأبناء الرّسول علامة ... إنّ العلامة شأن من لم يشهر نور النّبوّة في كريم وجوههم ... تغني الشّريف عن الطّراز الأخضر وقال محمد بن [إبراهيم بن] بركة الدمشقي المزيّن [٣] : أطراف تيجان أتت من سندس ... خضر بأعلام على الأشراف والأشرف السّلطان خصّهم بها ... شرفا ليفرقهم من الأطراف وفيها توفي الأصيل المسند نجم الدّين أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر بن قدامة المعروف بابن النّجم الحنبلي [٤] .

стр. 3986

ولد سنة اثنتين وثمانين وستمائة، وروى عن ابن البخاري، والتّقي بن عساكر، وغيرهما. وحدّث، وعمّر، وتفرّد. وقال ابن حجي: سمعنا منه مسموعه من «مشيخة ابن البخاري» و «أمالي ابن سمعون» . توفي ليلة الجمعة ثالث جمادى الآخرة ودفن بمقبرة جدّه. وفيها شهاب الدّين أحمد بن بلبان بن عبد الله الدمشقي المالكي [١] الفقيه المفتي، كاتب الحكم. مات في صفر وخلّف مالا كثيرا. وفيها بهاء الدّين أبو حامد أحمد بن علي بن عبد الكافي بن يحيى بن تمّام السّبكي [٢] . ولد سنة سبع عشرة وسبعمائة، وكان اسمه أولا تمّاما ثم غيّره أبوه بعد أن بلغ سنّ التمييز، وحفظ القرآن صغيرا، وتلا على التّقي الصّايغ، وسمع من الحجّار وغيره، واشتغل بالعلوم فمهر فيها، وأفتى ودرّس، وله عشرون سنة. وولي وظائف أبيه بالقاهرة وله إحدى وعشرون سنة لما تحوّل والده إلى قضاء الشام. قال ابن حبيب: إمام، علم، زاخر اليّم، مقرون بالوفاء الجم، وفضله مبذول لمن قصد وأمّ، وقلمه كم باب عدل فتح، وكم شمل معروف منح، وكان مواظبا على التّلاوة والعبادة وهو القائل: أتتني فأولتني [٣] الّذي كنت طالبا ... وحيّت فأحيت لي منى ومآربا وقد كنت عبدا للكتابة أبتغي ... فرقّت على رقّي فصرت مكاتبا

стр. 3987

وقال فيه والده وقد حضر درسه دروس أحمد خير من دروس عليّ ... وذاك عند عليّ غاية الأمل فقال الصلاح الصّفدي بديها: لأنّ في الفرع ما في الأصل ثمّ له ... مزيّة وقياس النّاس فيه [١] جلي [٢] وذكره الذهبي في «المعجم المختص» فقال: له فضائل وعلم جيد، وفيه أدب وتقوى، ساد وهو ابن عشرين سنة، ودرّس في مناصب أبيه، وأثنى على دروسه. وقال غيره: كان كثير الحج والمجاورة والأوراد والمروءة، خبيرا بأمر دنياه وآخرته، ونال من الجاه ما لم ينله غيره، وولي إفتاء دار العدل، وقضاء الشام، وقضاء العسكر. وحدّث، فسمع منه الحفّاظ والأئمة، وصنّف «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» أبان فيه عن سعة دائرة في الفنّ، وصنّف غير ذلك. توفي بمكّة في رجب وله ست وخمسون سنة. وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن عثمان البكري بن المجد [٣] الشاعر. كانت له قدرة على النّظم وله مدائح في الأعيان. ومن شعره قصيدة أولها: رعاهم الله ولا روّعوا ... ما لهم ساروا ولا ودّعوا مات بمنية ابن خصيب [٤] في شهر رمضان.

стр. 3988

وفيها أبو بكر بن رسلان بن نصير [١] البلقيني أخو سراج الدّين [٢] . كان يتردد إلى أخيه وهو أسنّ منه بقليل، وكان على طريقة والده. قدم على أخيه في هذه السنة ليزوّج ولده جعفر، فمرض عند الشيخ ومات، فأسف عليه لأنه مات في غربة وهو شقيقه، فصار يقول: ذهب أبو بكر سيذهب عمر، فبينا هو في هذه الحال إذ سمع قارئا يقرأ: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ في الْأَرْضِ ١٣: ١٧ [الرّعد: ١٧] فعاش بعد أخيه اثنتين وثلاثين سنة، وقد أنجب أبو بكر هذا أولادا نبغ منهم رسلان، وجعفر، وناصر الدّين. وفيها تقي الدّين أبو بكر [بن] محمد العراقي ثم المصري الحنبلي [٣] . كان من فضلاء الحنابلة وتوفي في جمادى الأولى. وفيها بدر الدّين الحسن بن أحمد بن الحسن بن عبد الله بن عبد الغني المقدسي [٤] . سمع من سليمان بن حمزة وغيره، وتفقه، وبرع، وأفتى، وأمّ بمحراب الحنابلة بجامع دمشق. توفي بالصالحية في ثامن عشري شعبان. وفيها أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الجبرتي [٥] المقرئ المؤدّب [٦] ، نزيل مكّة. سمع بدمشق من المزّي، وبمكّة من الوادي آشي، والزّين الطّبري،

стр. 3989

وغيرهم. وحدّث، فسمع منه أبو حامد بن ظهيرة، ومات في صفر. وفيها شمس الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن العزّ محمد بن العزّ إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر الصّالحي الحنبلي [١] الشيخ الإمام الخطيب الفرضي. ولد في رجب سنة ثمان وتسعين وستمائة، وسمع من ابن حمزة، وابن عبد الدائم، وغيرهما. وسمع منه شهاب الدّين بن حجي، وكان من خيار عباد الله، وله يد طولى في الفرائض، وله حلقة وخطابة بالجامع المظفّري. توفي يوم الأربعاء مستهل جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون. وفيها فخر الدّين عثمان بن محمد بن أبي بكر بن حسن الحرّاني ثم الدمشقي، ابن المغربل، ويعرف قديما بابن سينا [٢] . ولد سنة ثمان وتسعين وستمائة، وسمع من القاسم بن مظفّر، وابن الشّيرازي، وغيرهما. وطلب بنفسه، وحصّل الكثير، وحدّث، وحجّ كثيرا. وذكره الذهبي في «المختص» . مات بحلب في حادي عشر ذي القعدة أو ذي الحجّة. وفيها سراج الدّين عمر بن إسحاق بن أحمد الغزنوي الهندي [٣] ، قاضي الحنفية بالقاهرة. تفقه على الوجيه الرّازي بمدينة دلّي [٤] بالهند، والسّراج الثّقفي،

стр. 3990

والرّكن البداوني [١] ، وغيرهم من علماء الهند. وحجّ فسمع بمكة. وقدم القاهرة نحو سنة أربعين فسمع بها، وظهرت فضائله، ثم ولي قضاء العسكر بعد أن كان ينوب عن الجمال التّركماني، ثم عزل، ثم قويت شوكته لما مات علاء الدّين التركماني، وولي ولده جمال الدّين فاستنابه، ولم يستنب غيره، فاستبدّ بجميع الأمور، وعظمت منزلته عند السلطان حسن، وقرر [٢] في قضاء الحنفية استقلالا سنة تسع وستين. ومن تصانيفه: «شرح المغني» و «شرح الهداية» و «شرح بديع ابن الساعاتي» و «تائية ابن الفارض» . قال ابن حجر: كان واسع العلم، كثير الإقدام والمهابة، وكان يتعصب للصّوفية الاتحادية، وعزّر ابن أبي حجلة لكلامه في ابن الفارض. مات في الليلة التي مات فيها البهاء السّبكي سابع رجب، وكان يكتب بخطّه مولدي سنة أربع وسبعمائة انتهى. وفيها زين الدّين عمر بن عثمان بن موسى الجعفري الدمشقي [٣] . قال ابن حجر: تفقه، وبرع، ودرّس بالجاروخية، وخطب بجامع العقيبة. مات في نصف المحرم راجعا من الحجّ. وفيها أبو الفتح بن يوسف بن الحسن بن علي السّجزيّ [٤] المكّي [٥] دلّي: بدال مهملة، ولام مشدّدة مكسورتين، ثم مثناة تحتية. قلت: وتعرف الآن ب «دهلي» أو «دلهي» وهو الاسم الشائع للمدينة الآن.

стр. 3991

الحنفي، إمام مقام الحنفية بمكّة. صحب الشيخ أحمد الأهدل اليمني، وتزهد، ودار بمكّة وفي عنقه زنبيل. وفيها كمال الدّين محمد بن فخر الدّين أحمد بن كمال الدّين عبد الرحمن بن عبد الله بن سعيد بن حامد الهلالي الإسكندراني المالكي بن الرّبعي [١] قاضي الإسكندرية وابن قاضيها. ولد بها سنة ثلاث وسبعمائة، وسمع من عبد الرحمن بن مخلوف وغيره، وسمع بمكّة من عيسى المحجّي، وسمع منه الحافظ العراقي، وهو الذي أرّخه. وفيها عزّ الدّين محمد بن أبي بكر بن علي الصّوفي الصّالحي [٢] أحد المسندين بدمشق. ولد سنة إحدى أو اثنتين وثمانين وستمائة، وسمع من ابن القواس «معجم ابن جميع» ومن إسماعيل بن الفرّاء بعض «سنن ابن ماجة» وحدّث، وتفرّد، وهو أحد من أجاز عاما. توفي بالصالحية في أحد الجمادين. وفيها جمال الدّين أبو الغيث محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن عبد الخالق ابن الصّايغ الدمشقي [٣] . سمع من الحجّار، وأسماء بنت صصرى، وغيرهما. وولي قضاء حمص وغزّة، ودرّس بالعمادية بدمشق، وأقام عند جدّه بحلب مدة، وناب في الحكم بسرمين [٤] ومات في ذي الحجّة عن نحو الأربعين سنة.

стр. 3992

قال ابن حجر: وهو أخو شيخنا أبي اليسر أحمد. وفيها بدر الدّين محمد بن محمد بن عيسى الاقصرائي [١] الحنفي. قدم دمشق، وسمع على المزّي وغيره، ودرّس بالعزّيّة البرّانيّة بالشرف الأعلى، وخطب بها. مات في ذي القعدة. وفيها بدر الدّين محمد بن محمد بن يعقوب النابلسي [٢] ثم الدمشقي بن الجواشنيّ [٣] الحنفي. سمع من عيسى المطعّم، وابن عبد الدائم، وغيرهما. وعني بالعلم، وناب في الحكم. توفي [في] تاسع ربيع الآخر عن ستين سنة وأشهر. وفيها محمد بن يوسف بن عبد الله بن محمد اليحصبي اللّوشي [٤]- بفتح اللام وسكون الواو بعدها معجمة- الغرناطي. سمع من جعفر بن الزّين «سنن النسائي الكبرى» و «الشفا» و «الموطأ» . وأخذ عن فضل المعافري. وكان عارفا بالحديث وضبط مشكله، وبالقراءات وطرقها، مشاركا في الفقه. توفي في جمادى الآخرة. وفيها شرف الدّين يحيى بن عبد الله الرّهوني- نسبة إلى رهون [٥]

стр. 3993

جبل قرب فاس- الفقيه المالكي [١] . اشتغل، ومهر، ودرّس بالشيخونية، والحديث في الصرغتمشية، وله تخاريج وتصانيف، وتخرّج به المصريون. توفي في ثالث شوال. وفيها يحيى بن محمد بن زكريا بن محمد بن يحيى العامري اليلدي الحموي ابن الخباز [٢] الشاعر الزجّال، تلميذ السّراج المحّار [٣] . تمهّر، ونظم في الفنون، وشارك في الآداب، وكتب عنه الصّفدي وغيره، وكان يتشيّع. مات في ذي الحجّة وقد عمّر طويلا. قال الصّفدي: سألته عن مولده فقال: سنة سبع وتسعين وستمائة.

стр. 3994

سنة أربع وسبعين وسبعمائة فيها كان الوباء الكثير بدمشق، دام قدر ستة أشهر، وبلغ العدد [١] في كل يوم مائتي نفر. وفيها كان الحريق بقلعة الجبل داخل الدّور السلطانية، استمرّ أياما وفسد منه شيء كثير، ويقال: إن أصله من صاعقة وقعت. وفيها توفي إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الجعفريّ الدمشقي الحنفي [٢] . برع في الفقه، وناب في الحكم، ودرّس، وتوفي في المحرّم. وفيها إبراهيم بن محمد بن عيسى بن مطير اليمني [٣] . كان عالما، صالحا، عارفا بالفقه، درّس وأفتى، وحدّث عن أبيه، وكان [٤] مقيما بأبيات حسين من سواحل اليمن. وكان يلقّب ضياء الدّين. وسمع من الحجري وغيره، وحدّث. قاله ابن حجر. وفيها أحمد بن رجب بن حسين بن محمد بن مسعود البغدادي [٥] نزيل دمشق، والد الحافظ زين الدّين بن رجب الحنبلي.

стр. 3995

ولد ببغداد، ونشأ بها، وقرأ بالروايات، وسمع من مشايخها، ورحل إلى دمشق بأولاده فأسمعهم بها، وبالحجاز، والقدس، وجلس للإقراء بدمشق، وانتفع به. وكان ذا خير ودين وعفاف. وفيها شهاب الدّين أحمد بن عبد الوارث البكري الفقيه الشافعي [١] وهو والد الشيخ نور الدّين الذي ولي الحسبة، وأخو عبد الوارث المالكي، وجدّ نجم الدّين عبد الرحمن. كان عارفا بالفقه والأصل والعربية، منصفا في البحث، اعتزل الناس في آخر عمره، وتوفي في رمضان. وفيها الحافظ الكبير عماد الدّين إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن زرع البصرويّ [٢] ثم الدمشقي الفقيه الشافعي [٣] . ولد سنة سبعمائة، وقدم دمشق وله سبع سنين، سنة ست وسبعمائة مع أخيه بعد موت أبيه، وحفظ «التّنبيه» وعرضه سنة ثمان عشرة، وحفظ «مختصر ابن الحاجب» وتفقه بالبرهان الفزاري، والكمال بن قاضي شهبة، ثم صاهر المزّي. وصحب ابن تيميّة، وقرأ في الأصول على الأصبهاني. وألّف في صغره «أحكام التّنبيه» . وكان كثير الاستحضار، قليل النسيان، جيد الفهم، يشارك في العربية وينظم نظما وسطا. ذكره الذهبي في «معجمه المختص» فقال: الإمام المحدّث المفتي البارع.
следующие страницы →