الحنفي، إمام مقام الحنفية بمكّة. صحب الشيخ أحمد الأهدل اليمني، وتزهد، ودار بمكّة وفي عنقه زنبيل.
وفيها كمال الدّين محمد بن فخر الدّين أحمد بن كمال الدّين عبد الرحمن بن عبد الله بن سعيد بن حامد الهلالي الإسكندراني المالكي بن الرّبعي [١] قاضي الإسكندرية وابن قاضيها.
ولد بها سنة ثلاث وسبعمائة، وسمع من عبد الرحمن بن مخلوف وغيره، وسمع بمكّة من عيسى المحجّي، وسمع منه الحافظ العراقي، وهو الذي أرّخه.
وفيها عزّ الدّين محمد بن أبي بكر بن علي الصّوفي الصّالحي [٢] أحد المسندين بدمشق.
ولد سنة إحدى أو اثنتين وثمانين وستمائة، وسمع من ابن القواس «معجم ابن جميع» ومن إسماعيل بن الفرّاء بعض «سنن ابن ماجة» وحدّث، وتفرّد، وهو أحد من أجاز عاما.
توفي بالصالحية في أحد الجمادين.
وفيها جمال الدّين أبو الغيث محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن عبد الخالق ابن الصّايغ الدمشقي [٣] .
سمع من الحجّار، وأسماء بنت صصرى، وغيرهما. وولي قضاء حمص وغزّة، ودرّس بالعمادية بدمشق، وأقام عند جدّه بحلب مدة، وناب في الحكم بسرمين [٤] ومات في ذي الحجّة عن نحو الأربعين سنة.
стр. 3992
قال ابن حجر: وهو أخو شيخنا أبي اليسر أحمد.
وفيها بدر الدّين محمد بن محمد بن عيسى الاقصرائي [١] الحنفي.
قدم دمشق، وسمع على المزّي وغيره، ودرّس بالعزّيّة البرّانيّة بالشرف الأعلى، وخطب بها.
مات في ذي القعدة.
وفيها بدر الدّين محمد بن محمد بن يعقوب النابلسي [٢] ثم الدمشقي بن الجواشنيّ [٣] الحنفي.
سمع من عيسى المطعّم، وابن عبد الدائم، وغيرهما. وعني بالعلم، وناب في الحكم.
توفي [في] تاسع ربيع الآخر عن ستين سنة وأشهر.
وفيها محمد بن يوسف بن عبد الله بن محمد اليحصبي اللّوشي [٤]- بفتح اللام وسكون الواو بعدها معجمة- الغرناطي.
سمع من جعفر بن الزّين «سنن النسائي الكبرى» و «الشفا» و «الموطأ» .
وأخذ عن فضل المعافري. وكان عارفا بالحديث وضبط مشكله، وبالقراءات وطرقها، مشاركا في الفقه.
توفي في جمادى الآخرة.
وفيها شرف الدّين يحيى بن عبد الله الرّهوني- نسبة إلى رهون [٥]
стр. 3993
جبل قرب فاس- الفقيه المالكي [١] . اشتغل، ومهر، ودرّس بالشيخونية، والحديث في الصرغتمشية، وله تخاريج وتصانيف، وتخرّج به المصريون.
توفي في ثالث شوال.
وفيها يحيى بن محمد بن زكريا بن محمد بن يحيى العامري اليلدي الحموي ابن الخباز [٢] الشاعر الزجّال، تلميذ السّراج المحّار [٣] . تمهّر، ونظم في الفنون، وشارك في الآداب، وكتب عنه الصّفدي وغيره، وكان يتشيّع.
مات في ذي الحجّة وقد عمّر طويلا.
قال الصّفدي: سألته عن مولده فقال: سنة سبع وتسعين وستمائة.
стр. 3994
سنة أربع وسبعين وسبعمائة
فيها كان الوباء الكثير بدمشق، دام قدر ستة أشهر، وبلغ العدد [١] في كل يوم مائتي نفر.
وفيها كان الحريق بقلعة الجبل داخل الدّور السلطانية، استمرّ أياما وفسد منه شيء كثير، ويقال: إن أصله من صاعقة وقعت.
وفيها توفي إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الجعفريّ الدمشقي الحنفي [٢] .
برع في الفقه، وناب في الحكم، ودرّس، وتوفي في المحرّم.
وفيها إبراهيم بن محمد بن عيسى بن مطير اليمني [٣] .
كان عالما، صالحا، عارفا بالفقه، درّس وأفتى، وحدّث عن أبيه، وكان [٤] مقيما بأبيات حسين من سواحل اليمن. وكان يلقّب ضياء الدّين. وسمع من الحجري وغيره، وحدّث. قاله ابن حجر.
وفيها أحمد بن رجب بن حسين بن محمد بن مسعود البغدادي [٥] نزيل دمشق، والد الحافظ زين الدّين بن رجب الحنبلي.
стр. 3995
ولد ببغداد، ونشأ بها، وقرأ بالروايات، وسمع من مشايخها، ورحل إلى دمشق بأولاده فأسمعهم بها، وبالحجاز، والقدس، وجلس للإقراء بدمشق، وانتفع به. وكان ذا خير ودين وعفاف.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن عبد الوارث البكري الفقيه الشافعي [١] وهو والد الشيخ نور الدّين الذي ولي الحسبة، وأخو عبد الوارث المالكي، وجدّ نجم الدّين عبد الرحمن.
كان عارفا بالفقه والأصل والعربية، منصفا في البحث، اعتزل الناس في آخر عمره، وتوفي في رمضان.
وفيها الحافظ الكبير عماد الدّين إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن زرع البصرويّ [٢] ثم الدمشقي الفقيه الشافعي [٣] .
ولد سنة سبعمائة، وقدم دمشق وله سبع سنين، سنة ست وسبعمائة مع أخيه بعد موت أبيه، وحفظ «التّنبيه» وعرضه سنة ثمان عشرة، وحفظ «مختصر ابن الحاجب» وتفقه بالبرهان الفزاري، والكمال بن قاضي شهبة، ثم صاهر المزّي.
وصحب ابن تيميّة، وقرأ في الأصول على الأصبهاني. وألّف في صغره «أحكام التّنبيه» . وكان كثير الاستحضار، قليل النسيان، جيد الفهم، يشارك في العربية وينظم نظما وسطا.
ذكره الذهبي في «معجمه المختص» فقال: الإمام المحدّث المفتي البارع.
стр. 3996
ووصفه بحفظ المتون وكثرة الاستحضار جماعة، منهم الحسيني، و [ابن] العراقي وغيرهما.
وسمع من الحجّار، والقاسم ابن عساكر، وغيرهما. ولازم الحافظ المزّي وتزوّج بابنته، وسمع عليه أكثر تصانيفه، وأخذ عن الشيخ تقي الدّين بن تيميّة فأكثر عنه.
وقال ابن حبيب فيه: إمام روي التّسبيح والتهليل، وزعيم أرباب التأويل.
سمع، وجمع، وصنّف، وأطرب الأسماع بالفتوى وشنّف [١] ، وحدّث، وأفاد، وطارت أوراق فتاويه إلى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ، والحديث، والتفسير.
وهو القائل:
تمرّ بنا الأيام تترى وإنّما ... نساق إلى الآجال والعين تنظر
فلا عائد ذاك الشّباب الذي مضى ... ولا زائل هذا المشيب المكدّر
ومن مصنفاته «التاريخ» المسمى ب «البداية والنهاية» [٢] و «التفسير» [٣] ، وكتاب في «جمع المسانيد العشرة» [٤] واختصر «تهذيب الكمال» وأضاف إليه
стр. 3997
ما تأخر في «الميزان» . سمّاه «التكميل» و «طبقات الشافعية» وله «سيرة صغيرة» [١] وشرع في أحكام كثيرة حافلة كتب منها مجلدات إلى الحجّ، وشرح قطعة من «البخاري» وغير ذلك.
وتلامذته كثيرة، منهم: ابن حجي، وقال فيه: أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث، وأعرفهم بجرحها، ورجالها، وصحيحها، وسقيمها، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك. وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلّا واستفدت منه.
وقال غيره كما قاله [٢] ابن قاضي شهبة في «طبقاته» - كانت له خصوصية بابن تيميّة ومناضلة عنه واتباع له في كثير من آرائه، وكان يفتي برأيه في مسألة الطلاق، وامتحن بسبب ذلك وأوذي.
وتوفي في شعبان ودفن بمقبرة الصّوفية عند شيخه ابن تيميّة انتهى.
стр. 3998
وفيها أبو بكر بن محمد بن يعقوب الشقّاني، المعروف بابن أبي حرمة [١] .
قال ابن حجر: كان فقيها، عارفا، فاضلا، زاهدا، صاحب كرامات شهيرة ببلاده، وهو من شقّان- بضم المعجمة وتشديد القاف وآخره نون من السواحل بين جدّة وحلي- انتهى.
وفيها رافع بن الفزاري الحنبلي [٢] ، نزيل مدرسة الشيخ أبي عمر. تفقه وعني بالحديث، وكان يقول الشعر، وولع بكتاب ابن عبد القوي «النظم» وزاد فيه وناقشه في بعض المواضع. ونسخ [منه عدة نسخ] [٣] .
وتوفي في ذي الحجّة بالطّاعون.
وفيها أبو قمر سليمان بن محمد بن حميد بن محاسن الحلبي ثم النّيربي الصّابوني [٤] .
ولد سنة إحدى وسبعمائة بمصر، وأحضر على الحافظ الدّمياطي، وحدّث عن ستّ الوزراء، والحجّار. وذكره ابن رافع في «معجمه» ، وسمع منه البرهان محدّث حلب، وتوفي بالنّيرب في شهر رمضان.
وفيها عبد العزيز بن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحقّ أبو فارس المرّينيّ [٥] صاحب فاس.
لما مات أبوه أبو الحسن اعتقل، ثم أخرجه الوزير عمر بن عبد الله وبايعه
стр. 3999
وسلطنه، وذلك في شعبان سنة ثمان وستين، ثم قتل [١] الوزير لما همّ بخلعه، واستولى على أمواله، وتوجه من فاس إلى مرّاكش، ونازل أبا الفضل وقتله، ثم حارب عامر بن محمد المتغلّب بفاس حتّى هزمه، ثم ظفر به فقتله، وقتل تاشفين في سنة إحدى وسبعين، ثم ملك تلمسان يوم عاشوراء سنة اثنتين وسبعين، ثم المغرب الأوسط، وثبتت قدمه، ودفع الثوار والخوارج، واستمال العرب، ولم يزل إلى [أن] طرقه ما لا بد منه، فمات بمعسكره من تلمسان في شهر ربيع الآخر، وتسلطن بعده ولده السّعيد محمد.
وفيها أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سعد [٢] الأنصاري بن معاذ [٣] .
قال ابن حجر: كان يذكر أنه من ذرّية سعد بن معاذ الأوسي. وكان فاضلا، مشاركا في عدة علوم، متظاهرا بمذهب أهل الظّاهر، يناضل عنه ويجادل، مع شدّة بأس وقوة جنان، وكان يعاشر أهل الدولة، خصوصا القبط، وكتب بخطّه شيئا كثيرا خصوصا من كتب الكيمياء، وقد سمع من ابن سيّد النّاس ولازمه مدة طويلة، وسمع منه البرهان محدّث حلب، وأخذ عنه الشيخ أحمد القصير مذهب أهل الظّاهر، وكان يذكر لنا عنه فوائد ونوادر وعجائب.
توفي بمصر في رابع شوال.
وفيها علي بن الحسن بن قيس البابي الشّافعي [٤] . عني بالعلم، وأفتى، وانتفع الناس به، ودرّس بالإسكندرية، ومات في صفر.
وفيها عمر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم الكنانيّ الصالحي، المعروف بابن الكفتي [٥] .
стр. 4000
سمع من ابن القوّاس «معجم ابن جميع» و «جزء ابن عبد الصّمد» وغير ذلك. وتفرّد بذلك، ومات في ذي القعدة عن نيف وثمانين سنة.
وفيها ولي الدّين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن يوسف العثماني الدّيباجي، المعروف بابن المنفلوطي الشافعي [١] .
ولد سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وسمع من جماعة، وتفقه، وبرع في فنون العلم، وأخذ عن النّور الأردبيلي، وحدّث، وأشغل، وكان قد نشأ بدمشق ثم طلب إلى الدّيار المصرية في أيام النّاصر حسن، ودرّس بالمدرسة التي أنشأها، والتفسير بالمنصورية، وغيرهما.
قال الولي العراقي: برع في التفسير، والفقه، والأصول، والتصوف، وكان متمكنا من هذه العلوم، قادرا على التصرف فيها، فصيحا، حلو العبارة، حسن الوعظ، كثير العبادة والتّألّه. جمع وألّف، وأشغل وأفتى، ووعظ وذكّر، وانتفع النّاس به، ولم يخلّف في معناه مثله.
وقال الحافظ ابن حجي: كان من ألطف الناس وأظرفهم، شكلا وهيئة، وله تآليف بديعة الترتيب.
توفي في ربيع الأول، وذكر أنه لما حضرته الوفاة قال: هؤلاء ملائكة ربّي قد حضروا وبشّروني بقصر في الجنّة، وشرع يردد السلام عليكم، ثم قال: انزعوا ثيابي عنّي فقد جاءوا بحلل من الجنّة، وظهر عليه السّرور، ومات في الحال.
وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الصّمد بن مرجان الحنبلي [٢] الشيخ الصّالح القدوة، شيخ التّلقين بمدرسة
стр. 4001
شيخ الإسلام أبي عمر. روى عن التّقي سليمان، ويحيى بن سعد الكثير، وحدّث، فسمع منه الحافظ ابن حجي، وتوفي في عاشر شعبان.
وفيها الحافظ تقي الدّين أبو المعالي محمد بن جمال الدّين رافع بن هجرس بن محمد بن شافع السّلّامي- بتشديد اللام- العميدي [١] المتقن المعمّر الرّحلة المصري المولد والمنشأ، ثم الدمشقي الشافعي.
ولد في ذي القعدة سنة أربع وسبعمائة، وأحضره والده على جماعة، وأسمعه من آخرين، واستجاز له الحافظ الدّمياطي وغيره، ورحل به والده إلى الشام سنة أربع عشرة، وأسمعه من طائفة، ورجع به. وتوفي والده فطلب بنفسه بعد وفاته في حدود سنة إحدى وعشرين، وتخرّج في علم الحديث بالقطب الحلبي، وابن سيّد الناس، وسمع [وكتب، ثم رحل إلى الشام أربع مرات، وسمع] [٢] بها من حفّاظها المزّي، والبرزالي، والذهبي، وذهب إلى بلاد الشمال، ثم قدم الشام خامسا صحبة القاضي السّبكي واستوطنها ودرّس بها بدار الحديث النّورية وبالفاضلية، وعمل لنفسه «معجما» في أربع مجلدات، وهو في غاية الإتقان والضبط، مشحون بالفضائل والفوائد، مشتمل على أكثر من ألف شيخ، وجمع وفيات ذيّل بها على البرزالي. وصنّف ذيلا على تاريخ بغداد لابن النجار أربع مجلدات، وقد عدم هو و «المعجم» في الفتن، وتخرّج به جماعة من الفضلاء وانتفعوا به، وخرّج له الذهبي «جزءا من عواليه وحدّث قديما وحديثا.
وذكره الذهبي في «المعجم المختص» فقال فيه: العالم المفيد، الرحّال المتقن، إل غير ذلك.
وقال الحافظ شهاب الدّين بن حجي: كان متقنا، محرّرا لما يكتبه، ضابطا لما ينقله، وعنه أخذت هذا العلم- أي علم الحديث- وقرأت عليه الكثير، وعلّقت
стр. 4002
عنه فوائد كثيرة، وكان يحفظ «المنهاج» و «الألفية» لابن مالك، ويكرر عليهما.
وحصل له وسواس في الطهارة حتّى انحلّ بدنه وفسدت ثيابه وهيئته، ولم يزل مبتلى به إلى أن مات في جمادى الأولى بدمشق ودفن بباب الصغير.
وقال ابن حبيب: إمام تقدم في علم الحديث ودراسته، وتميّز بمعرفة أسماء ذوي إسناده وروايته، ورحل وطلب، وسمع بمصر ودمشق وحلب، وأضرم نار التحصيل وأجج، وقرأ، وكتب، وانتقى، وخرّج، وعني بما روي عن سيّد البشر.
وجمع «معجمه» [١] الذي يزيد على ألفي نفر. وكان لا يعتني بملبس ولا مأكل، ولا يدخل فيما أبهم عليه من أمر الدنيا أو أشكل، ويختصر في الاجتماع بالناس، وعنده في طهارة ثوبه وبدنه أيّ وسواس. انتهى.
وفيها ظهير الدّين أبو محمد محمد بن عبد الكريم بن محمد بن صالح بن قاسم بن العجمي الحلبي [٢] .
سمع «صحيح البخاري» و «سنن ابن ماجة» وغير ذلك.
ولد سنة أربع وتسعين وستمائة. وسمع منه العراقي وأرّخه، وابن عساكر، وأبو إسحاق سبط ابن العجمي، وهو أقدم شيخ له، والبرهان آخر من روى عنه، وآخرون.
وكتب الطبّاق والأجزاء، ونسخ كثيرا من الكتب بالأجرة، وكان يسترزق من الشهادة، وإذا طلب منه السماع طلب الأجرة لما يفوته من الشهادة بقدر ما يكفيه من القوت. قاله ابن حجر.
وفيها شمس الدّين محمد بن فخر الدّين عثمان بن موسى بن علي بن الأقرب الحلبي الحنفي [٣] .
стр. 4003
قال ابن حجر: كان فاضلا، متواضعا، درّس بالأتابكية والقليجية، ومات في نيف وسبعين.
وقال ابن كثير: كان من أحاسن الناس وفيه حشمة ورئاسة وإحسان.
وأخوه شهاب الدّين أحمد [١] . كان فاضلا، رحل إلى مصر واشتغل بها، ومهر في المعقول، وولي قضاء عينتاب [٢] .
وأخوهما علاء الدّين [٣] تلمذ للقوام الأبزازي، ومهر في الفتوى.
وفيها ناصر الدّين محمد بن عوض بن عبد الخالق بن عبد المنعم البكري [٤] الفقيه الشافعي.
ولد سنة سبعمائة، واشتغل كثيرا، ثم ولي تدريس الفيّوم مدة طويلة، وكان عالما بالأصلين، والفقه، والعربية، والهيئة، وصنّف تصانيف مفيدة، وهو والد نور الدّين البكري، المعروف بابن قتيلة، مات بدهروط في شهر رمضان وهو يصلّي الصّبح.
وفيها ناصر الدّين محمد بن محمد بن أحمد بن الصّفي بن العطّار [٥] الدمشقي الحنفي الحاسب.
نشأ في طلب العلم، وسمع الحديث، ومهر في الفقه، وبرع في الحساب، وأتقن المساحة إلى أن صار إليه [٦] المنتهى في ذلك، والمرجع إليه عند الاختلاف، ولم يكن في دمشق من يدانيه في ذلك، ثم ترك ذلك بأخرة، واشتغل بالتّلاوة، وكان مأذونا له بالإفتاء ولوالده.
стр. 4004
ومن شعره:
حديثك لي أحلى من المنّ والسّلوى ... وذكرك شغلي كان في السّرّ والنّجوى
سلبت فؤادي بالتّجنّي وإنّني ... صبرت لما ألقى وإن زادت البلوى
وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن عبد الكريم بن رضوان الموصلي الشافعي [١] ، نزيل دمشق.
ولد على رأس القرن، وكتب الخطّ المنسوب، ونظم الشعر فأجاد، وكان أكثر مقامه بطرابلس، ثم قدم دمشق، وولي خطابة يلبغا واتّجر في الكتب، فترك تركة هائلة تبلغ ثلاثة آلاف دينار.
قال ابن حبيب: عالم علت رتبته الشهيرة، وبارع ظهرت في أفق المعارف شمسه المنيرة، وبليغ تثني على قلمه ألسنة الأدب، وخطيب تهتز لفصاحته أعواد المنابر من الطّرب. كان ذا فضيلة مخطوبة وكتابة منسوبة، وجرى في الفنون الأدبية ومعرفة بالفقه واللغة والعربية، وله نظم «المنهاج» ونظم «المطالع» وعدة من القصائد النّبوية، وهو القائل في الذهبي لما اجتمع به:
ما زلت بالطّبع أهواكم وما ذكرت ... صفاتكم قطّ إلّا همت من طربي
ولا عجيب إذا ما ملت نحوكم ... والنّاس بالطّبع قد مالوا إلى الذّهب
تصدّر بالجامع الأموي، وولي تدريس الفاضلية بعد ابن كثير.
وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد الصّالحي، عرف بالمنبجي [٢] الحنبلي الشيخ الإمام العالم. له مصنّف في الطّاعون وأحكامه، جمعه في الطّاعون الواقع سنة أربع وستين، وفيه فوائد غريبة.
وفيها بدر الدّين محمد بن شمس الدّين محمد ابن الشّهاب محمود الحلبي [٣] ناظر الجيش والأوقاف بحلب. سمع على الحجّار، ومحمد بن
стр. 4005
النحّاس، وغيرهما. وحدّث وولي عدة وظائف، وأخذ عنه الحافظ العراقي وغيره، وتوفي عن خمس وسبعين سنة.
وفيها شمس الدّين محمد بن يوسف بن الصالح الدمشقي المالكي القفصي [١] . سمع من الشّرف البارزي وغيره وولي مشيخة الحديث بالسّامرية، وناب في الحكم، وتوفي في ربيع الأول عن ثلاث وسبعين سنة.
وفيها منكلي بغا بن عبد الله الشّمسي [٢] أتابك العساكر بعد قتل أسندمر، وكان قبل نائب السلطنة بمصر، وولي إمرة دمشق، وحلب، وصفد، وطرابلس، وتزوّج بنت الملك الناصر، ثم بنت ابنه حسين أخت الملك الأشرف، وكان مشكور السيرة.
قال ابن كثير: أثر بدمشق آثارا حسنة وأحبه أهلها، وهو الذي فتح باب كيسان، وهو من عهد نور الدّين الشهيد لم يفتح، وجدّد خطبة بمسجد الشّهرزوري، وبنى بحلب جامعا من أحسن الجوامع، وعمر الخان عند جسر المجامع والخان بقرية سعسع.
وفيها شرف الدّين يعقوب ابن عبد الرحمن بن عثمان بن يعقوب بن خطيب القلعة الحموي [٣] .
أخذ عن ابن جرير وغيره، ومهر في الفقه والعربية والقراءات، إلى أن انتهت إليه رئاسة العلم ببلده، وأخذ عنه أكثر فضلائها.
وذكره ابن حبيب في «تاريخه» وأثنى عليه، وقال: انتهت إليه مشيخة بلده، واشتهر بالعلم والدّين والصّلاح، وكان خطيبا بليغا واعظا مذكرا.
стр. 4006
وفيها بهاء الدّين أبو المحاسن يوسف بن محمد بن يوسف بن أحمد بن يحيى ابن محمد بن علي بن الزّكي القرشي الدمشقي الشافعي [١] .
وأجاز له في سنة خمس وتسعين وستمائة ابن عساكر، والعقيمي، والعزّ الفرّا، وآخرون. وأجاز له الرّشيد، وابن وزيرة، وابن الطبّال، وغيرهم من بغداد، وعني بالفقه والحساب، وكان يحفظ «التنبيه» وباشر نظر الأسرى وغير ذلك، وتوفي في ربيع الأول.
стр. 4007
سنة خمس وسبعين وسبعمائة
فيها توفي بدر الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عيسى بن عمر بن خالد ابن عبد المحسن بن نشوان المخزومي المصري بن الخشّاب الشّافعي [١] .
سمع على وزيرة، والحجّار، وابن القيم، وغيرهم. وحدّث، وناب في الحكم بالقاهرة، وكان فصيحا بصيرا بالأحكام، عارفا بالمكاتبات، ثم ولي قضاء حلب، ثم قضاء المدينة المنوّرة، وخرج منها بسبب مرض أصابه في أثناء هذه السنة، فمات في الطريق قرب ينبع.
وفيها أبو بكر بن عبد الله الدّهروطي الفقيه الشافعي السّليماني [٢] .
قال ابن حجر: كان يحفظ الكثير من «الشّامل» لابن الصبّاغ، مع الزّهد والخير، وكان لأهل بلاده [٣] فيه اعتقاد زائد، وكان يقول: إنه تجاوز المائة، ومات في شوال.
وفيها محيي الدّين عبد القادر بن محمد بن محمد بن نصر الله بن سالم بن أبي الوفا الحنفي القرشي [٤] .
стр. 4008
ولد سنة ست وتسعين وستمائة، وسمع وهو كبير، وأقدم سماع له على ابن الصوّاف. وسمع من الرّشيد بن العلم «ثلاثيات البخاري» ومن حسين الكردي «الموطأ» ومن خلائق. ولازم الاشتغال، فبرع في الفقه، ودرّس وأفاد، وصنّف، وشرح «الهداية» سماه «العناية» وشرح «معاني الآثار للطحاوي» وعمل «الوفيات» من سنة مولده إلى سنة ستين. وصنّف «الجواهر المضية في طبقات الحنفية» [١] وغير ذلك.
وتوفي في ربيع الأول بعد أن تغيّر وأضرّ.
وفيها علي بن الحسن بن علي بن عبد الله بن الكلائي البغدادي الحنبلي المقرئ، سبط الكمال عبد الحقّ [٢] .
ولد سنة ثمان وتسعين وستمائة، وأجاز له الدمياطي، ومسعود الحارثي، وعلي بن عيسى بن القيّم، وابن الصوّاف، وغيرهم.
قال ابن حبيب: كان كثير الخير والتّلاوة، وحجّ مرارا، وجاور، وخرّج له ابن حبيب «مشيخة» .
وفيها شمس الدّين محمد بن عبد الله [٣] ابن أحمد بن النّاصح عبد الرحمن [بن محمد] [٤] بن عيّاش [٥] بن حامد السّوادي الأصل الدمشقي، الحنبلي، المعروف بقاضي اللّب [٦] .
كان من رؤساء الدمشقيين. أفتى، ودرّس، وحدّث، مع المروءة التّامّة والهيئة الحنة. وسمع منه ابن ظهيرة، ومات في ذي الحجّة.
стр. 4009
وفيها بدر الدّين محمد بن عبد الله الإربلي [١] الأديب المعمّر.
ولد سنة ثمانين وستمائة، ومهر في الآداب، ودرّس بمدرسة مرجان ببغداد، ومات في جمادى الآخرة.
وفيها تاج الدّين محمد بن عبد الله الكركي [٢] .
كان قاضيا ببلده، ثم بالمدينة النبوية، ثم قدم القاهرة، وولي نيابة الحكم بمصر عن ابن جماعة، وكان منفردا بذلك فيها، إلى أن مات في شعبان. وكان فاضلا، مستحضرا، مشكور السيرة.
وفيها محبّ الدّين محمد بن عمر بن علي بن الحسيني القزويني ثم البغدادي [٣] ، إمام جامع بغداد.
كان أبوه آخر المسندين بها. حدّث عن أبيه وغيره، واشتغل بعد كبر إلى أن صار مفيد البلد، مع اللطافة، والكياسة، وحسن الخلق.
توفي عن نيف وستين سنة.
وفيها محمد بن عيسى اليافعي [٤] الفقيه الشافعي، قاضي عدن.
قال ابن حجر: كان فاضلا، خيّرا، وهو والد صاحبنا الفقيه عمر قاضي عدن.
وفيها صلاح الدّين محمد بن مسعود [٥] المقرئ المالكي.
تلا بالسبع على التّقي الصّايغ، وكان متصديا للإقراء، حتّى إن القاضي محبّ الدّين ناظر الجيش كان يقرأ عليه.
стр. 4010
وفيها محمود بن قطلوشاه السّرائي الحنفي بن عضد الدين [١] . قدم من بلاده وهو كبير فأقام بالشام مدة يشتغل، وأفاد وتخرج به جماعة، ثم أقدمه صرغتمش بعد وفاة القوام الإسنائي فولاه مدرسته، فلم يزل بها إلى أن مات، وكان غاية في العلوم العقلية والأصول والعربية والطب، مع التودد والسكون والانجماع، مع عظمة قدره عند أهل الدولة، مات في رجب عن أزيد من ثمانين سنة. قاله ابن حجر.
стр. 4011
سنة ست وسبعين وسبعمائة
فيها توفي كمال الدّين إبراهيم بن أمين الدولة أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم بن هبة الله الحلبي الحنفي [١] .
كان وكيل بيت المال بحلب، وولي بها عدة ولايات، وكان كاتبا مجيدا.
سمع من سنقر الزّيني «البخاري» و «مشيخته» تخريج الكاملي والذهبي، ومن جماعات.
وحدّث، فسمع منه ابن ظهيرة بحلب ودمشق.
وتوفي في جمادى الأولى عن إحدى وثمانين سنة.
وفيها أحمد بن الحسن بن أبي بكر بن الحسن الرّهاوي ثم المصري، المعروف بطفيق [٢] .
سمع من الكردي، والواني، والدّبوسي، والخثني [٣] ، وغيرهم.
وحدّث. وناب في الحسبة. سقط من سلّم فمات في ذي القعدة.
стр. 4012
وفيها شرف الدّين أحمد بن الحسين [١] بن سليمان الدمشقي الحنفي المعروف بابن الكفري [٢] .
أخذ عن أبيه وغيره، وناب في الحكم مدة، واشتغل، وتقدّم، ثم استقلّ بالحكم مدة أولها سنة ثمان وخمسين، ونزل عن القضاء لولده يوسف سنة ثلاث وستين، وأقبل على الإفادة والعبادة، وأقرأ القرآن بالروايات، حتّى مات عن خمس وثمانين سنة وقد كفّ بصره.
وفيها أحمد بن سليمان بن محمد بن سليمان الأربدي الدمشقي [٣] .
تفقه على ابن خطيب يبرود وغيره، وكان حنبليا ثم انتقل شافعيا فمهر في الفقه والأصول والأدب. وكان محبّبا إلى الناس، لطيف الأخلاق. أخذ القضاء عن الفخر المصري، وسمع من ابن عبد الدائم، وكانت له أسئلة حسنة في فنون من العلم.
مات ليلة الجمعة تاسع عشر صفر.
وفيها أبو العبّاس أحمد بن محمد بن محمد بن علي الأصبحي العنّابي [٤] النّحوي [٥] .
اشتغل في بلاده، ورحل إلى أبي حيّان فلازمه، واشتهر بصحبته، وبرع في زمنه، ثم تحوّل بعده إلى دمشق، فعظم قدره، واشتهر ذكره، وانتفع به الناس، وصنّف كتبا، منها «شرح التسهيل» و «شرح التقريب» .
стр. 4013
قال ابن حبيب: إمام، عالم، حاز أفنان الفنون الأدبية، وفاضل ملك زمام العربية.
وقال ابن حجّي: كان حسن الخلق، كريم النّفس، شافعي المذهب، مات بدمشق في تاسع عشري المحرم، وقد جاوز الستين.
وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن يحيى بن أبي بكر بن عبد الواحد التّلمساني، المعروف بابن أبي حجلة [١] .
نزيل دمشق ثم القاهرة.
قال ابن حجر: ولد بزاوية جدّة بتلمسان سنة خمس وعشرين وسبعمائة، واشتغل، ثم قدم إلى الحجّ فلم يرجع، ومهر في الأدب، ونظم الكثير، ونثر فأجاد، وترسل ففاق، وعمل المقامات وغيرها، وكان حنفيّ المذهب، حنبلي الاعتقاد، كثير الحطّ على الاتحادية.
وصنّف كتابا عارض به قصائد ابن الفارض، كلّها نبوية، وكان يحطّ عليه وعلى نحلته، ويرميه ومن يقول بمقالته بالعظائم، وقد امتحن بسبب ذلك على يد السّراج الهندي.
قرأت بخطّ ابن القطّان وأجازنيه. وكان ابن أبي حجلة يبالغ في الحطّ على ابن الفارض، حتّى إنه أمر عند موته فيما أخبرني به صاحبه أبو زيد المغربي أن يوضع الكتاب الذي عارض به ابن الفارض وحطّ عليه فيه معه في نعشه ويدفن معه في قبره، ففعل به ذلك.
قال: وكان يقول للشافعية: إنه شافعي، وللحنفية: إنه حنفي، وللمحدّثين: إنه على طريقهم.
стр. 4014
قال: وكان بارعا في الشعر مع أنه لا يحسن العروض.
قال: وكان كثير العشرة للظّلمة ومدمني الخمر.
قال: وكان جدّه من الصّالحين، فأخبرني الشّيخ شمس الدّين ابن مرزوق أنه سمّي بأبي حجلة لأن حجلة أتت إليه وباضت على كمّه. وولي مشيخة الصّهريج الذي بناه منجك. وكان كثير النّوادر، والنّكت، ومكارم الأخلاق.
ومن نوادره أنه لقّب ولده جناح الدّين، وجمع مجاميع حسنة، منها «ديوان الصّبابة» [١] و «منطق الطّير» و «السجع الجليل فيما جرى من النّيل» و «السكردان» و «الأدب الغض» و «أطيب الطّيب» و «مواصيل [٢] المقاطيع» و «النّعمة الشاملة في العشرة الكاملة» و «حاطب ليل» عمله كالتذكرة في مجلدات كثيرة و «نحر أعداء البحر» و «عنوان السّعادة» و «دليل الموت على الشهادة» و «بصيرات الحجال» [٣] .
وهو القائل:
نظمي علا وأصبحت ... ألفاظه منمّقه
فكلّ بيت قلته ... في سطح داري طبقه
مات في مستهل ذي الحجّة وله إحدى وخمسون سنة.
وفيها إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن جماعة الحموي الأصل المقدسي الشافعي [٤] أخو القاضي بدر الدّين بن جماعة.
ولد سنة عشر وسبعمائة، وسمع علي بن مزير وغيره، وناب في تدريس الصّلاحية، وخطب في المسجد الأقصى، وأفتى، ودرّس، ومات في ربيع الأول.
стр. 4015
وفيها أويس بن الشيخ حسين بن حسن بن آقبغا المغلي ثم التّبريزي [١] ، صاحب بغداد وتبريز، وما معهما.
بويع بالسلطنة سنة ستين، وكان محبّا للخير والعدل، شهما، شجاعا، خيّرا، عادلا، دامت ولايته تسع عشرة سنة، وقد خطب له بمكّة.
عاش سبعا وثلاثين سنة.
قيل: إنه رأى في النّوم أنه يموت في وقت كذا، فخلع نفسه من الملك، وقرّر ولده حسين، وصار يتشاغل بالصّيد، ويكثر العبادة، فاتفق موته في ذلك الوقت بعينه.
فيها بدر الدّين حسن بن علاء الدّين علي بن إسماعيل بن يوسف القونوي [٢] الشافعي [٣] .
ولد سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وسمع الحجّار وغيره، وناب في الحكم، وولي مشيخة سعيد السعداء، ودرّس بالشريفية، واختصر «الأحكام السلطانية» فجوّده، وكتب شيئا على «التنبيه» .
ومات في شعبان عن خمس وخمسين سنة.
وفيها جمال الدّين عبد الله بن أحمد بن علي بن عبد الكافي السّبكي [٤] .
مات هو، وأخوه عبد العزيز، وابن عمّهم علي ابن تاج الدّين الثلاثة في يوم واحد، خامس عشري ذي القعدة بالطّاعون، وعمّتهم ستيتة قبلهم بقليل.
وفيها عبد الله بن عبد الرحمن القفصي المالكي [٥] .
стр. 4016
كان مشهورا بالعلم، منصوبا للفتوى، وكان يوقّع عند الحكام.
مات في ثالث رمضان.
وفيها الشّريف جمال الدّين عبد الله بن محمد بن محمد الحسيني النيسابوري [١] .
كان بارعا في الأصول والعربية، وولي تدريس الأسدية بحلب وغيرها، وأقام بدمشق مدة وبالقاهرة مدة، وولي مشيخة بعض الخوانق. وكان يتشيّع، وكان أحد أئمة المعقول، حسن الشّيبة.
وهو القائل:
هذّب النّفس بالعلوم لترقى ... وترى الكلّ وهو للكلّ بيت
إنّما النّفس كالزّجاجة والعق ... ل سراج وحكمة الله زيت
فإذا أشرقت فإنّك حيّ ... وإذا أظلمت فإنّك ميت
توفي في هذه السنة عن سبعين سنة.
وفيها علي بن عبد الوهاب بن علي السّبكي [٢] .
ولي خطابة الجامع الأموي بعد أبيه وله عشر سنين، ودرّس في حياة أبيه بالأمينية وعمره سبع سنين، ومات كما تقدم [٣] مع ولدي عمّه [٤] في يوم واحد.
وفيها علي بن عثمان بن أحمد بن عمر بن أحمد بن هرماس بن مشرف [٥]
стр. 4017
التّغلبيّ الزّرعي ثم الدمشقي، المعروف بابن شمرنوح [١] .
ولد بعد الثمانين وستمائة، ولم يرزق سماع الحديث بعلو، وكانت له عناية بالعلم، وولي قضاء عدة بلاد بحلب، ثم ولي وكالة بيت المال بدمشق، ثم قضاء حلب مرّتين.
ومن شعره:
أحسن إلى من أسى ما اسطعت واعف إذا ... قدرت واصبر على رزء البليّات
وماء وجهك خير السّلعتين فلا ... تبعه بخسا ولو باليوسفيّات
فكلّ ما كان مقدورا ستبلغه ... وكلّ آت على رغم العدى [٢] آت
وكان يلقّب بالقرع. وكتب له بقضاء دمشق بعد السّبكي الكبير فلم يتمّ له، وباشر توقيع الدّست ونظر الجامع. وكان حسن الخطّ جدا، سريع الكتابة بحيث إنه كتب صداقا بمدة واحدة.
وكان مفرط الكرم، حتّى إنه افتقر آخرا جدا وانقطع ببستانه خاملا إلى أن مات في جمادى الآخرة.
وفيها علاء الدّين علي بن محمد بن علي بن عبد الله بن أبي الفتح بن هاشم الكناني العسقلاني الحنبليّ [٣] ، قاضي دمشق.
ولد سنة بضع عشرة، وسمع من أحمد بن علي الجزري، وأجاز له ابن الشّحنة، وناب أولا في الحكم بالقاهرة عن موفق الدّين، ثم ولي قضاء دمشق بعد موت ابن قاضي الجبل، وكان فاضلا متواضعا، ديّنا، عفيفا. وكان أعرج.
وهو والد جمال الدّين عبد الله بن علاء الدّين الجندي شيخ ابن حجر.
توفي في نصف شوال وقد نيّف على السبعين.
стр. 4018
وفيها أمين الدّين محمد بن القاضي برهان الدّين إبراهيم بن علي بن أحمد الدمشقي [١] ، الشهير بابن عبد الحق الحنفي، ويعرف بابن قاضي الحصن [٢] .
كان فاضلا، ممدّحا، من الأعيان.
اشتغل ودرس بالعذراوية والخاتونية، وولي الحسبة، ونظر الجامع الأموي [٣] .
ومدحه ابن نباتة وغيره.
توفي بدمشق في المحرم بالطّاعون عن بضع وستين سنة.
وفيها جمال الدّين محمد بن أحمد بن عبد الله الخزرجي المكّي [٤] .
ولد سنة اثنتين وسبعمائة، وسمع الكثير من جدّه لأبيه صفي الدّين أحمد الطّبري، وأخيه الرّضي، والفخر التّوزري، وجماعة. وكان عارفا بالفرائض والفقه، حدّث بالكثير من مسموعاته، وكان يقال له أحيانا ابن الصّفي نسبة لجدّه لأمّه.
توفي في تاسع عشر رجب.
وفيها شمس الدّين محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن جامع الدمشقي بن اللبّان المقري [٥] .
стр. 4019
ولد سنة عشر أو ثلاث عشرة، وأخذ القراءات عن سبط ابن السّلعوس [١] ، ثم رحل، فأخذ عن ابن السراج، وعلى المرداوي، وأبي حيّان، وغيرهم.
وتصدّر للإقراء، وأكثر الناس عليه. وكان يحفظ كثيرا من الشّواذ، وربما قرأ بعضها في الصّلاة فأنكر ذلك عليه. وحدّث عن ابن الشّحنة، ووجيهة بنت الصّعيدي الإسكندرانية، وغيرها.
ومات في ربيع الآخر وقد جاوز السبعين.
وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن الحسن بن عبد الله السيد الشّريف الحسيني الواسطي الشّافعي [٢] نزيل الشّامية الجوانية.
ولد سنة سبع عشرة وسبعمائة، واشتغل، وفضل، ودرّس بالصّارمية، وأعاد بالشّامية البرّانية، وكتب الكثير، نسخا، وتصنيفا بخط حسن، فمن تصانيفه [٣] «مختصر الحلية» لأبي نعيم في مجلدات سمّاه «مجمع الأحباب» و «تفسير كبير» ، و «شرح مختصر ابن الحاجب» في ثلاث مجلدات، و «كتاب في أصول الدّين» مجلد، و «كتاب في الردّ على الإسنوي في تناقضه» .
قال ابن حجي: كان منجمعا عن الناس وعن الفقهاء خصوصا.
توفي بدمشق في ربيع الأول ودفن عند مسجد القدم.
وفيها جمال الدّين أبو عبد الله محمد بن الحسن بن محمد بن عمّار بن متوّج بن جرير الحارثي الشافعي، مفتي الشام، المعروف بابن قاضي الزّبداني [٤] .
стр. 4020
ولد سنة ثمان وثمانين وستمائة، وسمع الحديث من جماعة، وتفقه على الفزاري، والكمال ابن قاضي شهبة، وابن الزّملكاني. وأذن له بالفتوى، ودرّس قديما بالنّجيبية، ثم بالظّاهرية الجوّانية، والعادلية الصّغرى، وأعاد بالشامية الجوانية. ودرّس بها نيابة.
قال ابن حجي: اشتهر بدمشق في شأن الفتوى، وصار المشار إليها فيها، ولم يضبط عليه فتوى أخطأ فيها، وكان معظّما، يخضع له الشيوخ، ويقصد لقضاء حوائج النّاس عند القضاة وغيرهم، وله تواضع وأدب زائد.
توفي بالطّاعون في مستهل المحرم، ودفن بسفح قاسيون.
وفيها لسان الدّين محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن أحمد بن علي السّلماني اللّوشي الأصل الغرناطي الأندلسي [١] .
كان والده بارعا فاضلا، وتقدم ذكره سنة إحدى وأربعين.
قال العلّامة المقري في كتابه «تعريف ابن الخطيب» : هو الوزير الشهير الكبير، الطائر الصّيت في المشرق والمغرب، المزرى [٢] عرف الثناء عليه بالعنبر والعبير، المثل المضروب في الكتابة، والشعر، والطبّ، ومعرفة العلوم على اختلاف أنواعها ومصنّفاته تخبر عن ذلك، ولا ينبئك مثل خبير. علم الرؤساء الأعلام الذي خدمته السّيوف والأقلام، وغني بمشهور ذكره عن مسطور التعريف والإعلام، واعترف له بالفضل أصحاب العقول الرّاجحة والأحلام، عرّف هو
стр. 4021
بنفسه آخر كتابه «الإحاطة» فقال: يقول مؤلّف هذا الديوان، تغمد الله خطله في ساعات أضاعها وشهوة من شهوات اللّسان أطاعها، وأوقات للاشتغال بما لا يعنيه استبدل بها اللهو لمّا باعها-: أما بعد حمد الله الذي يغفر الخطيّة، ويحثّ من النّفس اللّجوج المطيّة، فيحرك [١] ركابها البطيّة، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ميسّر سبل الخير الوطية، والرضى عن آله وصحبه منتهى الفضل [٢] ومناخ الطّيّة. فإنني لما فرغت من تأليف هذا الكتاب الذي حمل عليه [٣] فضل النشاط، مع الالتزام لمراعات السياسة السلطانية والارتباط، والتفتّ إليه، فراقني منه صوان درر، ومطلع غرر، قد تخلّدت مآثرهم بعد ذهاب أعيانهم، وانتشرت مفاخرهم بعد انطواء زمانهم، نافستهم في اقتحام تلك الأبواب، ولباس تلك الأثواب، وقنعت باجتماع الشّمل بهم، ولو في الكتاب. وحرصت على أن أنال منهم قربا، وأخذت [من] أعقابهم أدبا وحبّا. وكما قيل ساقي القوم آخرهم شربا. فأجريت نفسي مجراهم في التعريف، وحذوت بها حذوهم في بابي النّسب والتصريف، بقصد التشريف. والله لا يعدمني وإيّاهم واقفا يترحّم، وركاب الاستغفار بمنكبه يزحم، عند ما ارتفعت وظائف الأعمال، وانقطعت من التّكسّبات حبال الآمال، ولم يبق إلّا رحمة الله، التي تنتاش النّفوس وتخلّصها، وتعينها بميسم السّعادة وتخصصها. جعلنا الله ممن حسن ذكره ووقف على التماس ما لديه فكره [٤] بمنه.
ثم ساق نسبه وأوّليته بما يطول ذكره، إلى أن قال: ومع ذلك فلم أعدم الاستهداف للشّرور، والاستعراض للمحذور، والنّظر الشّزر، المنبعث من خزر العيون، شيمة من ابتلاه الله بسياسة الدّهماء، ورعاية [٥] سخطة أرزاق السماء، وقتلة الأنبياء، وعبدة الأهواء، ممّن لا يجعل الله إرادة نافذة، ولا مشيئة
стр. 4022
سابقة [١] ، ولا يقبل معذرة، ولا يجمل في الطلب، ولا يتجمّل [٢] مع الله بأدب، ربنا لا تسلّط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا. والحال إلى هذا العهد، وهو منتصف عام خمسة وستين وسبعمائة [٣] .
ثم قال المقري: وكان ﵀ مبتلى بداء الأرق لا ينام من الليل إلّا اليسير جدا. وقد قال في كتابه «الوصول لحفظ الصحة في الفصول» : العجب مني مع تأليفي لهذا الكتاب الذي لم يؤلّف مثله في الطبّ، ومع ذلك لا أقدر على داء الأرق الذي بي، ولذا يقال له ذو العمرين، لأن الناس ينامون وهو ساهر.
ومؤلفاته ما كان يصنّف غالبها إلّا بالليل. وقد سمعت بعض الرؤساء بالمغرب يقول: لسان الدّين ذو الوزارتين، وذو العمرين، وذو الميتتين، وذو القبرين.
ثم قال المقري: واعلم أن لسان الدّين لما كانت الأيام له مسالمة لم يقدر أحد أن يواجهه بما يدنّس معاليه، أو يطمس معالمه. فلما قلبت الأيام له ظهر مجنّها وعاملته بمنعها بعد منحها ومنّها، أكثر أعداؤه في شأنه الكلام، ونسبوه إلى الزّندقة والانحلال من ربقة الإسلام بتنقّص النّبيّ عليه أفضل الصلاة والسلام، والقول بالحلول والاتحاد، والانخراط في سلك أهل الإلحاد، وسلوك مذاهب الفلاسفة في الاعتقاد، وغير ذلك مما أثاره الحقد والعداوة والانتقاد، من مقالات نسبوها إليه خارجة عن السّنن السوي، وكلمات كدّروا بها منهل علمه الرّوي، لا يدين بها ويفوه إلا الضلال [٤] والغوي، والظنّ أن مقامه- رحمه الله تعالى- من لبسها بريء، وجنابه- سامحه الله- عن لبسها عري. وكان الذي تولى كبر محنته وقتله تلميذه أبو عبد الله بن زمرك [٥] ،................
стр. 4023
الذي لم يزل مضمر [١] الختلة، مع أنه حلّاه في «الإحاطة» أحسن الحلي، وصدّقه فيما انتحله من أوصاف العلى، ومن أعدائه الذين باينوه بعد أن كانوا يسعون في مرضاته سعي العبيد القاضي أبو الحسن بن الحسن النّباهي [٢] ، فكم قبّل يده ثم جاهره [٣] عند انتقال الحال، وجدّ في أمره مع ابن زمرك، حتّى قتل وانقضت دولته، فسبحان من لا يتحوّل ملكه ولا يبيد، وذلك أن ابن زمرك قدم على السلطان أبي العبّاس، وأحضر ابن الخطيب من السّجن، وعرض عليه بعض مقالات وكلمات وقعت له في كتاب «المحبّة» فعظم النكير فيها، فوبّخ ونكّل وامتحن بالعذاب، بمشهد من ذلك الملأ. ثم تلا إلى مجلسه واشتوروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجلة عليه، وإفتاء بعض الفقهاء فيه، فطوقوا عليه السّجن ليلا، وقتلوه خنقا، وأخرجوا شلوه [٤] من الغد، فدفن بمقبرة باب المحروق. ثم أصبح من الغد على شفير قبره طريحا، وقد جمعت له أعواد، وأضرمت عليه نار، فاحترق شعره، واسودّ بشره، فأعيد إلى حفرته. وكان في ذلك انتهاء محنته. أي ولذلك سمّي ذا القبرين، وذا الميتتين.
وكان- رحمه الله تعالى- أيام امتحانه بالسّجن يتوقع مصيبة الموت فتهجس هواتفه بالشعر يبكي نفسه، ومما قال في ذلك:
بعدنا وإن جاورتنا البيوت ... وجئنا بوعظ ونحن صموت
стр. 4024
وأنفسنا سكتت دفعة ... كجهر الصّلاة تلاها القنوت
وكنّا عظاما فصرنا عظاما ... وكنّا نقوت فها نحن قوت
وكنّا شموس سماء العلى ... غربن فناحت علينا السّموت
فكم جدّلت ذا الحسام الظّبا ... وذو البخت كم جدّلته البخوت
وكم سيق للقبر في خرقة ... فتى ملئت من كساه التّخوت
فقل للعدا ذهب ابن الخطيب ... وفات ومن ذا الذي لا يفوت
ومن كان يفرح منهم به ... فقل يفرح اليوم من لا يموت
هذا الصحيح كما ذكره ابن خلدون، فلا يلتفت إلى غيره، وقد رؤي بعد الموت فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي ببيتين قلتهما وهما:
يا مصطفى من قبل نشأة آدم ... والكون لم تفتح له أغلاق
أيروم مخلوق ثناءك بعد ما ... أثنى على أخلاقك الخلّاق
وقال ابن حجر: ومن مصنفاته «الإحاطة بتاريخ غرناطة» ، و «روضة التعريف بالحبّ الشريف» ، و «الغيرة على أهل الحيرة» ، و «حمل الجمهور على السّنن المشهور» ، و «التّاج» على طريقة «يتيمة الدّهر» ، و «الإكليل الزّاهر فيما ندر عن التّاج من الجواهر» كالذيل عليه. و «عائد الصّلة» [١] في التاريخ. وغير ذلك انتهى.
وفيها أبو جابر محمد بن عبد الله الهاروني الفقيه المالكي [٢] ، مشهور بقلبه.
كان ماهرا في مذهبه، كثير المخالفة في الفتوى، كثير الاستحضار، على هوج فيه. قاله ابن حجر.
стр. 4025
وفيها محمد بن عبد الله الصّفوي الهندي ثم الدمشقي الشافعي [١] .
وكان روميّ الأصل، أسمعه مولاه صفي الدّين الهندي. وحفظ «التنبيه» في صغره، وألبسه الخرقة، وكان يلبسها عن مولاه، وأجاز له ابن القوّاس، وعائشة بنت المجد، وجماعة. وكان حسن الشّيبة، يعرف شدّ المناكب ويجوّدها، يضرب بصنعته المثل، أثنى عليه البرزالي، وتوفي عن ثمان وسبعين سنة.
وفيها شمس الدّين محمد بن عبد الرحمن بن علي بن أبي الحسن الزّمرّديّ بن الصّايغ الحنفي النحوي [٢] .
ولد سنة ثمان وسبعمائة أو بعدها بقليل، وسمع من الحجّار، والدّبوسي، وغيرهما. واشتغل في عدة فنون، ولازم أبا حيّان، ومهر في العربية وغيرها، ودرّس بجامع ابن طولون للحنفية. وولي قضاء العسكر. وكان فاضلا، بارعا، حسن النّثر والنّظم، كثير الاستحضار، قوي البادرة، دمث الأخلاق، وهو القائل:
لا تفخرّن بما أوتيت من نعم ... على سواك وخف من كسر جبّار
فأنت في الأصل بالفخّار مشتبه ... ما أسرع الكسر في الدّنيا لفخّار
ومن تصانيفه: «شرح الألفية» مجلدين. و «شرح المشارق» ست مجلدات، و «التذكرة النّحوية» ، و «المباني في المعاني» ، و «المنهج القويم في القرآن العظيم» ، و «التّمر الجني في الأدب السّني» ، و «الغمز على الكنز» و «الاستدارك على مغني ابن هشام» استفتحه بقوله: الحمد لله الذي لا مغني سواه.
ومن شعره أيضا:
стр. 4026
بروحي أفدي خاله فوق خدّه ... ومن أنا في الدنيا فأفديه بالمال
تبارك من أخلى من الشّعر خدّه ... وأسكن كلّ الحسن في ذلك الخال
وقال هو ما أحسن قول ابن أبي حجلة:
تفرّد الخال عن شعر بوجنته ... فليس في الخدّ غير الخال والخفر
يا حسن ذاك محيّا ليس فيه سوى ... خال من المسك في خال من الشّعر
توفي صاحب الترجمة في شعبان.
وفيها شمس الدّين أبو القاسم محمد بن علي بن عبد الله اليمني [١] .
أقام بمصر ملازما لعزّ الدّين بن جماعة. وكان فاضلا، شافعيا، ووقع بينه وبين الأكمل، فنزح إلى الشام فأكرمه التّاج السّبكي، وأنزله ببعض الخوانق، ثم ترك ذلك زهدا.
قال ابن حجّي: كان فاضلا، مفتيا.
وقال ابن حجر: وقفت له على عدة تصانيف لطاف، تدلّ على اتساعه في العلم.
توفي مطعونا.
وفيها محمد بن أبي محمد الشافعي [٢] .
قال ابن حجر: قدم القاهرة من بلاد العجم، وأخذ عن القطب التّحتاني، وبرع في المعقول، وقرر له منكلي بغا معلوما [٣] على تدريس بالمارستان
стр. 4027
المنصوري، ثم قرّره في تدريس الفقه بالمنصورية، ثم ولي تدريس جامع المارداني، وأعاد تدريس الشافعي. وشغل الناس كثيرا، وانتفعوا به.
مات في مستهل ذي الحجة.
وفيها أبو موسى محمد بن محمود بن إسحاق بن أحمد الحلبي ثم المقدسي [١] المحدّث الفاضل.
سمع من ابن الخبّاز، وابن الحموي، وغيرهما. ولازم صلاح الدّين العلائي وغيره، وقدم دمشق، فلازم ابن رافع، وبرع في هذا الشأن [٢] ، وجمع «تاريخ بيت المقدس» . وكان حنفيا فتحوّل شافعيا بعناية تاج الدّين البعلبكي.
وله «وفيات» مختصرة إلى قرب هذه السنة. توفي في رمضان.
وفيها جمال الدّين أبو المظفّر يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد بن علي بن إبراهيم العبادي ثم العقيلي السّرمري الحنبلي [٣] ، الشيخ العالم المفنّن الحافظ.
ولد في رجب سنة ست وتسعين وستمائة، وتفقه ببغداد على الشيخ صفي الدّين عبد المؤمن وغيره، ثم قدم دمشق وتوفي بها.
ومن تصانيفه «نظم مختصر ابن رزين» في الفقه. و «نظم الغريب في علوم الحديث» لأبيه نحو من [٤] ألف بيت. و «نشر القلب الميت بفضل أهل البيت» ، و «غيث السّحابة في فضل الصّحابة» ، و «الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة» ، و «عقود اللآلي في الأمالي» ، و «عجائب الاتفاق» ، و «الثمانيات» .
стр. 4028
قال ابن حجي: رأيت بخطّه ما صورته: مؤلفاتي تزيد على مائة مصنّف كبار وصغار في بضعة وعشرين علما، ذكرتها على حرف المعجم في «الروضة المورقة في الترجمة المونقة» وقد أخذ عنه ابن رافع مع تقدمه عليه، وحدّث عنه.
وذكره الذهبي في «المعجم المختص» [١] وأثنى عليه.
توفي في جمادى الأولى.
стр. 4029
سنة سبع وسبعين وسبعمائة
فيها كان الغلاء بحلب، حتّى بيع المكّوك [١] بثلاثمائة، ثم زاد إلى أن بلغ الألف، حتّى أكلوا الميتة والقطاط [٢] والكلاب، وباع كثير من المقلّين أولادهم، وافتقر خلق كثير، ويقال: إن بعضهم أكل بعضا حتّى أكل بعضهم ولده، ثم أعقب ذلك الوباء حتى فني خلق كثير حتى كان يدفن العشرة والعشرون في القبر الواحد بغير غسل ولا صلاة، ويقال: إنه دام بتلك البلاد الشامية ثلاث سنين، لكن أشدّه كان في الأولى.
وفيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن علم الدّين محمد بن أبي بكر الأخنائي [٣] ، وكان شافعي المذهب، وحفظ «التنبيه» ثم تحوّل مالكيا كعمّه.
سمع على الحجّار وغيره، وولي الحسبة ونظر الخزانة، وناب في الحكم. ثم ولي القضاء استقلالا إلى أن مات، وكان مهيبا، صارما، قوّالا بالحقّ، قائما بنصر الشرع، رادعا للمفسدين، وقد صنّف مختصرا في الأحكام.
مات في رجب.
وفيها أحمد بن عبد الكريم بن أبي بكر بن أبي الحسن البعلبكي الحنبلي الصّوفي [٤] المسند.
стр. 4030
سمع «صحيح مسلم» من زينب بنت كندي. وسمع من اليونيني وغيره، وأجاز له أبو الفضل بن عساكر، وابن القوّاس. وحدّث بالكثير، وارتحلوا إليه، واستدعاه التّاج السّبكي سنة إحدى وسبعين إلى دمشق، فقرأ عليه «الصحيح» .
قال ابن حجي: كان خيّرا، حسنا، أخرجت له جزءا [١] .
توفي مناهزا للتسعين.
وفيها القاضي جمال الدّين أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن إلياس ابن الخضر الدمشقي، المعروف بابن الرّهاوي الشافعي [٢] .
أدرك الشيخ برهان الدّين، وحضر عنده، وتفقه على جماعة من علماء العصر، وقرأ بالروايات، واشتغل بالعربية، وقرأ الأصول والمنطق على الشّمس الأصفهاني، ودرّس وأفتى، وتعانى الحساب، ودرّس بالمسروريّة والكلّاسة.
وولي وكالة بيت المال، وقام على القاضي تاج الدّين وآذاه من حوله، فمقته أكثر الناس لذلك، وناب في الحكم عن البلقيني. ودرّس بالشامية البرّانية، ثم أخذت منه بعد شهر، ودرّس بالنّاصرية الجوّانية ثم أخذت منه، وأوذي وصودر بعد موت القاضي تاج الدّين، وحصل له خمول، إلى أن توفي في ربيع الأول، عن سبع وسبعين سنة.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن يوسف بن فرج الله بن عبد الرحيم الشّارمساحي- نسبة إلى شارمساح بلد قرب دمياط [٣]- الشّافعي [٤] .
تفقه على الشيخ جمال الدّين الإسنوي وغيره، وبرع في الفقه والأصول، وولي قضاء المحلّة، ومنفلوط، ودمياط، وغيرها. وكان موصوفا بالفضل والعقل.