والمستوفي بعد الوافي» ، و «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» ، وغير ذلك من المصنفات المفيدة النافعة.
ولد في القاهرة سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، ونشأ يتيما في حجر قاضي القضاة جلال الدين البلقيني المتوفى سنة (٨٢٤) هـ، وتأدب وتفقّه وقرأ الحديث على جمهرة من علماء عصره، وأولع بالتاريخ، فلازم مؤرخي عصره مثل العيني، والمقريزي، واجتهد إلى الغاية، وساعدته جودة ذهنه وحسن تصوّره، وصحة فهمه، ومهر وكتب، وحصّل، وصنّف، وانتهت إليه رئاسة فن التاريخ في عصره.
سمع شيئا كثيرا من كتب الحديث، وأجازه جماعات لا تحصى مثل الحافظ ابن حجر، والمقريزي، والعيني.
وتوفي في ذي الحجة من سنة أربع وسبعين وثمانمائة في القاهرة.
قلت: وقد قامت شهرة ابن تغري بردي على كتابيه المشار إليهما في صدر الترجمة، وقد طبع من الأول المجلد الأول فقط كما ذكر الزركلي في «الأعلام» ، وهو من الكتب الجديرة بالنشر والتحقيق العلمي نظرا لما فيه من الفوائد الكثيرة العديدة.
والثاني منهما مطبوع طبعة جيدة بدار الكتب المصرية بالقاهرة.
٤٢- السّخاوي
هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السّخاوي، أبو الخير، الإمام الحافظ المؤرّخ الكبير، صاحب «الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع» ، و «الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ أهل التأريخ» ، و «المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة» ، وغير ذلك من المصنفات المفيدة النافعة.
ولد في القاهرة في شهر ربيع الأول من سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة،
стр. 72
وحفظ القرآن الكريم وهو صغير، وجوّده، ثم حفظ «المنهاج» و «ألفية ابن مالك» ، و «ألفية العراقي» ، وغالب «الشاطبية» و «النخبة» لابن حجر، ومقدمة «الشاوي» في العروض، وبرع في العربية، والفقه، والقراءات، والحديث، والتاريخ، وشارك في الفرائض، والحساب، والتفسير، وأصول الفقه، والميقات، وغيرها.
وأما مقروءاته ومسموعاته، فكثيرة جدا لا تكاد تنحصر، وأخذ عن جماعة لا يحصون، يزيدون على أربعمائة شيخ، وأذن له غير واحد بالإفتاء، والتدريس، والإملاء، وسمع الكثير على شيخه الحافظ ابن حجر، وأقبل عليه بكليته إقبالا يزيد على الوصف، حتى حمل عنه علما جمّا، واختصّ به كثيرا بحيث كان أكثر الآخذين عنه، وأعانه على ذلك قرب منزله من منزله، وكان لا يفوته مما يقرأ عليه إلّا النادر، وقرأ عليه «الإصلاح» بتمامه، وسمع عليه جلّ كتبه، كالألفية وشرحها مرارا، وعلوم الحديث إلا اليسير، وأكثر تصانيفه في الرجال وغيرها، وغير ذلك من المصنفات الأخرى.
وقد رحل إلى عدد كبير من الأمصار في سبيل طلب العلم، منها دمشق، وحلب، وبيت المقدس، والخليل، ونابلس، والرملة، وحماة، وبعلبك، وحمص.
مات في المدينة المنورة يوم الأحد الثامن والعشرين من شعبان سنة اثنتين وتسعمائة، وصلي عليه بعد صلاة صبح يوم الإثنين، ودفن بالبقيع بقرب الإمام مالك رحمه الله تعالى.
قلت: وقد قامت شهرة السّخاوي على عدد من الكتب التي صنّفها، وأهمها كتبه الثلاثة المنوّه عنها في صدر الترجمة.
والأول منها مطبوع طبعة تجارية غير محققة.
والثاني مطبوع مرتين الأولى على يد الأستاذ حسام الدين القدسي ﵀ في مصر، وهي طبعة غير محققة وفيها الكثير من التحريف والتصحيف، والثانية ضمن كتاب المستشرق الدكتور فرانز روزنثال «علم التأريخ عند
стр. 73
المسلمين» الذي ترجمه الأستاذ الدكتور صالح العلي ونشر في العراق، وهي نشرة جيدة، غير أن المؤلف روزنثال كان قد أخرج من الكتاب رسالة الذهبي «الأمصار ذوات الآثار» التي ساقها السخاوي في الكتاب، فقام المترجم بإعادة هذه الرسالة من «الإعلان» المنشور على يد القدسي بكل ما فيها من السقط، والتحريف، والتصحيف، والخطأ، وهذا ما تأكد لنا لدى تحقيقنا لكتاب «الأمصار ذوات الآثار» للذهبي الصادر عن دار ابن كثير حديثا.
والكتاب الثالث وهو «المقاصد الحسنة» مطبوع في دار الكتب العلمية ببيروت بعناية الشيخ عبد الله الصّدّيق، وتقديم الشيخ عبد الوهّاب عبد اللطيف، ولكنها طبعة تفتقر إلى التحقيق والضبط والتخريج.
٤٣- ابن طولون
هو محمد بن علي بن أحمد بن حمّارويه بن طولون الدمشقي الصالحي، الإمام المؤرّخ، المحدّث، الفقيه، صاحب «مفاكهة الخلّان في حوادث الزمان» ، و «القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية» ، و «إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين» ، وغير ذلك من الكتب النافعة المفيدة.
ولد في شهر ربيع الأول من سنة ثمانين وثمانمائة في صالحية دمشق، ونشأ فاقد الأم، فقد ماتت والدته شهيدة بالطاعون وهو رضيع.
وقد تعلم ابن طولون الخط بمكتب المدرسة الحاجبية بالقرب من منزله، ثم حفظ القرآن بمكتب مسجد الكوافي المشهور في عصره بمسجد العساكرة.
وسمع وقرأ على جماعة من العلماء منهم: القاضي ناصر الدين أبو البقاء بن رزين، والخطيب سراج الدين الصيرفي، والجمال يوسف بن الهادي المعروف بابن المبرّد، والشيخ أبو الفتح السكندري المزّي، وابن النعيمي في آخرين، وتفقّه بعمّه الجمال بن طولون وغيره، وأخذ عن السيوطي إجازة مكاتبة في جماعة من المصريين وآخرين من أهل الحجاز، وقرأ عددا كبيرا من كتب الفقه، والحديث، وغير ذلك من العلوم.
стр. 74
وكانت أوقاته معمورة بالتدريس والإفادة، والتأليف والعبادة، وقد اشتغل في أثناء حياته بعدد كبير من العلوم وصنّف فيها، وكانت له وظائف عديدة أيضا، وكان متفرغا للعلم والعبادة، فلم تكن له زوجة ولا ولد.
مات يوم الأحد الحادي عشر من جمادى الأولى من سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، ودفن بتربة أسرته في صالحية دمشق.
قلت: وقد قامت شهرة ابن طولون على عدد من كتبه أهمها كتبه الثلاثة المشار إليها في صدر هذه الترجمة، وقد طبع الأول منها في مصر بتحقيق الأستاذ محمد مصطفى، وهي طبعة غير متقنة.
والثاني منها طبع في دمشق مرتين بتحقيق الأستاذ المحقّق الشيخ محمد أحمد دهمان، الأولى نشرها بنفسه، والثانية صدرت عن مجمع اللغة العربية منذ ثلاث سنوات.
وأما الثالث وهو «إعلام السائلين» فقد أكرمني الله بتحقيقه، والتقديم له، والتعليق عليه، وقام والدي حفظه الله بقراءته والنظر في تحقيقه قبل دفعه للطبع، وقد صدر عن دار مؤسسة الرسالة في بيروت قبل سنوات [١] .
٤٤- العيدروس
هو عبد القادر بن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس، العلّامة المؤرّخ، صاحب «النور السافر عن أخبار القرن العاشر» الذي ينقل عنه ابن العماد كثيرا في تأريخه لحوادث القرن العاشر في كتابه.
والمترجم من أهل اليمن، سكن حضرموت، وانتقل إلى مدينة أحمد أباد بالهند فسكن فيها إلى أن توفي سنة (١٠٣٧) هـ كما جاء في حاشية الصفحة (٣٣٤) من «النور السافر» .
стр. 75
وقال الزركلي في «الأعلام» : وفي «المشرع الروي» (٢/ ١٤٧) وفاته سنة (١٠٤٨) هـ، ومثله في «تاريخ شعراء الحضرميين» (١/ ١٢٣) ، ومراجع «تاريخ اليمن» ص (١٧٢) .
قلت: وقد اشتهر المترجم بكتابه المنوّه عنه في صدر الترجمة، وهو مطبوع طبعة تجارية سقيمة في مصر دون ذكر اسم الدار الناشرة له، وهو بأمسّ الحاجة إلى التحقيق العلمي المتقن. وله مؤلفات أخرى كثيرة متنوعة ذكرها الزركلي في «الأعلام» (٤/ ٣٩) .
٤٥- الحلبي
هو علي بن إبراهيم بن أحمد الحلبي القاهري، أبو الفرج، العلّامة المؤرخ الفقيه، صاحب «إنسان العيون في سيرة الأمين والمأمون» المعروف ب «السيرة الحلبية» و «غاية الإحسان فيمن لقيته من أبناء الزمان» وغير ذلك من المصنفات النافعة.
ولد في مصر سنة (٩٧٥) هـ، وأخذ العلم عن عدد من العلماء فيها، ثم انصرف إلى التدريس والتصنيف.
توفي في آخر يوم من شهر شعبان سنة (١٠٤٤) هـ بالقاهرة ودفن فيها.
قلت: وقد قامت شهرة المترجم على كتابه «السيرة» وهو من بين الكتب التي نقل ابن العماد عنها مباشرة، وقد طبع قديما في مصر طبعة تجارية تفتقر إلى التحقيق والفهرسة، ثم صورت عدة مرات في بيروت دون أن تضاف إليها أية خدمة تذكر.
قلت: وهؤلاء المؤرخون المتقدّم ذكرهم هم من أبرز العلماء الذين تقدموا ابن العماد في فروع التأريخ الإسلامي الأربعة «السيرة النبوية» و «علم الأنساب» و «تدوين حوادث الدهر» و «سير الرجال» .
стр. 76
فإن التأريخ الإسلامي ليس محصورا بما جرى تدوينه من الأحداث في كتب بعض المؤرخين من متقدمين ومحدثين كما يتوهم بعضهم، وإنما يتكون من هذه الفروع الأربعة التي لا يمكن لأحدها أن يغفل إذا أريد للفظة التاريخ أن تكون صحيحة، فليس هناك حدث إلا ووراءه سبب ما، وأحداث التاريخ سببها الرّجال، وأعظم الرّجال في تاريخنا كله بلا شك هو نبيّنا محمد ﷺ ، الذي غيّر ببعثته مجرى التاريخ كله، فكانت رسالته الحدّ الفاصل بين عهدين في حياة بني الإنسان على وجه الأرض، عهد سادت فيه القوة الغاشمة، واستعبد فيه القويّ الضعيف، واستغلّ فيه الغنيّ الفقير أبشع استغلال، وعهد عادت فيه الحقوق إلى أهلها، وألغيت فيه عبودية الإنسان للإنسان إلى يوم القيامة، وأصبح فيه الغنيّ والفقير، والقويّ والضعيف، والأبيض والأسود في ميزان الفضل سواء بسواء.
وكذلك الحال، فإن علم الأنساب حفظ لنا الأسماء والألقاب والكنى من الخلط والتحريف والتصحيف والضياع.
وتدوين الحوادث التي مرّت في تاريخنا الإسلامي في بعض الكتب التي اختصّت بذلك- ومنها «شذرات الذهب» - حفظ لنا الصورة الصحيحة التي كان عليها واقع الحال للمسلمين بما فيه من صور مشرقة وأخرى مؤلمة دون أن يضيع منها شيء.
وأما كتب الرّجال فإنها لم تترك لنا صغيرة ولا كبيرة في سير الأعلام المتقدمين إلا وذكرتها، والأهم من ذلك، فقد جعلت هذه الكتب في مقدورنا معرفة الصفات التي كان عليها الرواة للأحداث، والأخبار، والأحاديث، والأمثال، والأشعار، فأصبح بمقدورنا لدى الرجوع إليها معرفة الصادق من الكاذب، والمتقن من المتهاون، والضابط من الواهم، والسليم النيّة من المغرض، فيما يعرض لنا من أسماء أولئك الرواة في كتب التاريخ، والحديث، والأدب.
ولله درّ أولئك الأئمة الأعلام الذين خلّفوا لنا كتب فروع هذا الفن الذي هو من أهم الفنون التي ترتكز عليها حضارتنا العربية الإسلامية.
ومما تجدر الإشارة إليه أن معظم هؤلاء الأعلام الذين تكلمت عليهم فيما
стр. 77
سبق هم أهم أصحاب المصادر التي نقل عنها «ابن العماد» مباشرة، أو بالواسطة، ومعظمهم اشتغلوا بالحديث النبوي، وصنّفوا فيه مصنفات مشهورة منتشرة، الأمر الذي يجعلني أجزم بأن خير المؤرخين المسلمين من العرب والعجم هم المؤرخون الذين كانت لهم عناية ودراية بحديث رسول الله ﷺ ورجاله، فإن هؤلاء تأثروا بمنهج المحدّثين من المسلمين، الذين اشترطوا لقبول رواية الراوي أن يتمتع بصفات محددة، أهمها أن يكون مسلما، مؤمنا، صادقا، عادلا، ضابطا، متقنا، محتاطا، وإلا فإن روايته تكون موضع الشك والريبة، الأمر الذي يفقدها أهم مقوّمات القبول، فتصبح ضعيفة، بل ومردودة أيضا إذا كان صاحبها ممّن اتّهم بالوضع أو الكذب.
وهذا ما يجعلني أجزم أيضا بأن فنيّ التأريخ والحديث عند علماء المسلمين الثقات يتمتعان بمصطلح أقرب ما يكون إلى التطابق والانصهار في بوتقة واحدة، فقد أثبتت التجربة لي أثناء عملي في خدمة هذا الكتاب، وكتاب «الأمصار ذوات الآثار» للذهبي من قبل بإشراف والدي حفظه الله، بأن أهل الدراية بالحديث هم الجديرون حقا بتحقيق كتب التاريخ والرّجال، أو الإشراف على تحقيقها والكلام على ما يرد من النصوص الحديثية فيها على أقل تقدير، لأنهم من أعلم الناس بالأسماء، والأنساب، والكنى، والألقاب، وهي من أهم ما يقع فيه التصحيف، والتحريف، والخطأ، والسّقط في كتب التراث.
لذا يجدر بكل من يودّ تحقيق أو طبع أيّ كتاب من كتب التأريخ أو الرجال أن يرجع إلى أحد علماء الحديث المتقنين الثقات- وما أقلّهم في هذا العصر- ليتزوّد منه بالتوجيهات القيّمة التي تجعل كتابه يصدر على أحسن وجه، وأن يوكل إليه الحكم على الأحاديث التي قد ترد في كتابه من جهة الصحة والضعف إن استطاع، لكي يستكمل الكتاب شروط النشرة العلمية المتقنة، وإلا كان الكتاب عرضة لظهور الكثير من الأخطاء والتحريفات فيه، كتلك التي تظهر في معظم الكتب التي تغلب على طبعاتها الصفة التجارية، الأمر الذي يجعلها بحاجة إلى التحقيق والنشر من جديد
.
стр. 78
مصادر ومراجع مختارة [١]
١- أخبار القضاة: لوكيع محمد بن خلف بن حيّان، عالم الكتب، بيروت بدون تاريخ.
٢- الأخبار الطوال () : لأبي حنيفة الدينوري، تحقيق الأستاذ عبد المنعم عامر، ومراجعة الدكتور جمال الدين الشيال، مصوّرة مكتبة المثنى، بغداد بدون تاريخ.
٣- الأذكار () : للنووي، تحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، دار الملاح، دمشق ١٣٩١ هـ.
٤- أسد الغابة في معرفة الصحابة () : لابن الأثير، تحقيق الأساتذة: محمد إبراهيم البنّا، ومحمد أحمد عاشور، ومحمود عبد الوهاب فايد، كتاب الشعب، القاهرة ١٣٩٠ هـ.
٥- الأعلام: للعلّامة الأستاذ خير الدين الزركلي- الطبعة الرابعة- دار العلم للملايين، بيروت ١٣٩٩ هـ.
٦- إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين () : لابن طولون الدمشقي، حقّقه وقدّم له وعلّق عليه محمود الأرناؤوط، قرأه ونظر في تحقيقه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠٣ هـ.
٧- الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ أهل التأريخ: للسخاوي، بعناية الأستاذ حسام الدين القدسي، مصوّرة دار الكتاب العربي، بيروت ١٣٩٩ هـ.
٨- الأنساب: للسمعاني، الجزء الأول، تحقيق الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني. طبع محمد أمين دمج. بيروت ١٣٩٦ هـ.
стр. 79
٩- تاريخ أبو زرعة () : تحقيق الأستاذ شكر الله بن نعمة الله القوجاني، مجمع اللغة العربية، دمشق ١٤٠٠ هـ.
١٠- تاريخ الأمم والملوك () : للطبري، الجزء الأول، تحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم، مصوّرة دار سويدان، بيروت بدون تاريخ.
١١- تاريخ خليفة بن خياط () : تحقيق الدكتور أكرم ضياء العمري، مؤسسة الرسالة ببيروت، ودار القلم بدمشق، ١٣٩٧ هـ.
١٢- التاريخ العربي والمؤرخون: للدكتور شاكر مصطفى، دار العلم للملايين، بيروت ١٣٩٩ هـ.
١٣- الترغيب والترهيب () : للمنذري، تحقيق الأستاذ مصطفى محمد عمارة، شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ١٣٨٨ هـ.
١٤- التكملة لوفيّات النقلة () : للمنذري، تحقيق الدكتور بشّار عوّاد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠١ هـ.
١٥- جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ : لابن الأثير، تحقيق والدي الشيخ عبد القادر الأرناؤوط. مكتبة الحلواني، مطبعة الملّاح، مكتبة دار البيان، دمشق ١٣٨٩ هـ.
١٦- الجرح والتعديل () : لابن أبي حاتم، بعناية وتقديم الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني، دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد الدكن في الهند، ١٣٧١ هـ.
١٧- جمهرة أنساب العرب () : لابن حزم، تحقيق الأستاذ عبد السلام محمد هارون، دار المعارف بمصر، ١٣٨٢ هـ.
١٨- دائرة المعارف الإسلامية، لجماعة من المستشرقين، الطبعة العربية، الجزء الأول، إعداد وتحرير الأساتذة: إبراهيم زكي خورشيد، وأحمد الشنتناوي، وعبد الحميد يونس، كتاب الشعب، القاهرة ١٣٥٣ هـ.
١٩- دول الإسلام: للذهبي، تحقيق الأستاذين فهيم محمد شلتوت، ومحمد مصطفى إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ١٣٩٤ هـ.
٢٠- سنن ابن ماجة: تحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت ١٣٧٣ هـ.
٢١- سير أعلام النبلاء: للذهبي، تحقيق جماعة من الأفاضل، بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠١- ١٤٠٣.
стр. 80
٢٢- السيرة النبوية () : لابن إسحاق، تهذيب ابن هشام، تحقيق الأساتذة: مصطفى السقّا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي، مصوّرة مؤسسة علوم القرآن بدمشق وبيروت بدون تاريخ.
٢٣- شذرات الذهب: لابن العماد، بعناية الأستاذ حسام الدين القدسي، مصوّرة دار المسيرة، بيروت ١٣٩٩ هـ.
٢٤- طبقات الحفّاظ: للسيوطي، تحقيق الأستاذ علي محمد عمر، مكتبة وهبة، القاهرة ١٣٩٣ هـ.
٢٥- الطبقات الكبرى () : لابن سعد، تقديم الدكتور إحسان عباس، دار صادر ودار بيروت، بيروت ١٣٨٠ هـ.
٢٦- عناقيد ثقافية: تأليف محمود الأرناؤوط، دار المأمون للتراث بدمشق وبيروت ١٤٠٥ هـ.
٢٧- لسان العرب: لابن منظور، تحقيق الأساتذة: عبد الله علي الكبير، ومحمد أحمد حسب الله، وهاشم محمد الشاذلي، وسيد رمضان أحمد، دار المعارف بمصر، بدون تاريخ.
٢٨- المسند: للإمام أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي، ودار صادر، بيروت ١٣٨٩ هـ.
٢٩- المعرفة والتاريخ () : للفسوي، تحقيق الدكتور أكرم ضياء العمري، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠١ هـ.
٣٠- المغازي () : للواقدي، تحقيق المستشرق الدكتور مارسدن جونس، مصوّرة عالم الكتب ببيروت بدون تاريخ.
٣١- موارد الخطيب البغدادي: للدكتور أكرم ضياء العمري، دار القلم، دمشق ١٣٩٥ هـ.
٣٢- النور السافر: للعيدروس، بدون تاريخ ومكان الطبع
.
стр. 81
الفصل الثاني لابن العماد
هو الإمام الفقيه الأديب المؤرّخ الأخباري أبو الفلاح عبد الحيّ بن أحمد بن محمد العكري [١] الدمشقي الصالحي الحنبلي، المعروف ب ابن العماد.
ولد في صالحية دمشق، وذلك يوم الأربعاء الثامن من شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وألف، وكان ذلك في أيام العثمانيين حكام الدولة الإسلامية الكبيرة التي عرفها التاريخ آنذاك، التي كانت فرائص أقوى الممالك في أوروبة ترتعد فرقا من سلاطينها لفترة طويلة من الزمن، تلك الدولة التي امتدت رقعتها من المحيط الأطلسي إلى بلاد فارس إلى أواسط أوروبة، والتي انتزعت القسطنطينية من أيدي الروم، وذلك قبل أن تتفق على تحطيمها الدول الاستعمارية الكبرى التي كانت تطمع في ممتلكاتها كما هو معلوم.
نشأ ابن العماد في دمشق، وقرأ القرآن الكريم، وطلب العلم مشمّرا عن ساعد الجدّ والاجتهاد، فأخذ من أعلام الأشياخ، وأجلّهم الشيخ أيوب الخلوتي [٢] .
стр. 82
وتلقى الفقه قراءة وأخذا عن ابن فقيه فصّة [١] مفتي الحنابلة في الشام في عصره، وعن الشيخ شمس الدين بن بلبان [٢] .
ثم رحل إلى القاهرة وأقام بها مدة طويلة للأخذ عن علمائها، فأخذ بها عن الشيخ سلطان المزّاحي [٣] والنّور الشّبراملّسي [٤] ، وشمس الدّين البابلي [٥] ،
стр. 83
وشهاب الدّين القليوبي [١] الشافعيين، وغيرهم.
ثم رجع إلى دمشق ولزم الإفادة والتدريس، وانتفع به كثير من أبناء عصره، منهم المحبّي [٢] صاحب «خلاصة الأثر» ، والشيخ عثمان بن أحمد بن عثمان النجدي الحنبلي، والشيخ مصطفى الحموي [٣] ، والشيخ عبد القادر البصري.
قال المحبّى في «خلاصة الأثر» (٢/ ٣٤٠- ٣٤١) : وكان مع كثرة امتزاجه بالأدب وأربابه، مائلا بالطبع [٤] إلى نظم الشعر، إلّا أنه لم يتفق له نظم شيء فيما علمته منه، ثم أخبرني بعض الإخوان أنه رأى في المنام كأنه ينشد هذين البيتين، قال: وأظن أنهما له، وهما:
كنت في لجّة المعاصي غريقا ... لم تصلني يد تروم خلاصي
أنقذتني يد العناية منها ... بعد ظنّي أن لات حين مناص
وقال: وكنت فى عنفوان عمري تلمذت له وأخذت عنه، وكنت أرى
стр. 84
لقيته فائدة أكتسبها، وجملة فخر لا أتعدّاها، فلزمته حتى قرأت عليه الصرف والحساب، وكان يتحفني بفوائد جليلة ويلقيها عليّ، وحباني الدهر مدة بمجالسته، فلم يزل يتردد إليّ تردّد الآسي إلى المريض، حتى قدّر الله تعالى الرحلة عن وطني إلى ديار الروم، وطالت مدة غيبتي وأنا أشوق إليه من كل شيق، حتى ورد عليّ خبر موته وأنا بها، فتجددت لوعتي أسفا على ماضي عهوده، وحزنا على فقد فضائله وآدابه.
مات في السادس عشر من ذي الحجة سنة تسع وثمانين وألف في مكة المكرمة عقب أدائه لفريضة الحج، رحمه الله تعالى برحمته الواسعة وأسكنه فسيح جنانه، وحشرنا وإياه يوم القيامة تحت لواء سيد المرسلين.
وقد خلّف ابن العماد ﵀ عددا من المصنفات في علوم مختلفة منها:
١- بغية أولي النهى في شرح المنتهى.
شرح فيه كتاب «منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات» للعلّامة تقي الدين أبي البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي [١] ، الشهير بابن النّجّار، المتوفى سنة (٩٧٢) هـ[٢] .
٢- شذرات الذهب في أخبار من ذهب.
وهو كتابنا هذا الذي قامت شهرة ابن العماد عليه، والذي نقوم بتحقيقه للمرة الأولى.
٣- شرح بديعية ابن حجّة الحموي الشهيرة التي مطلعها:
стр. 85
لي في ابتداء مدحكم يا عرب ذي سلم ... براعة تستهلّ الدّمع في العلم
٤- معطية الأمان من حنث الأيمان. وهو في الفقه.
٥- نزهة ذات العماد على تفسير العلّامة البيضاوي لسورة يس.
وهو مخطوط في دار الكتب الظاهرية بدمشق تحت رقم (٥٥٤٣) [١] .
٦- وله بعض الشعر [٢] .
стр. 86
مصادر ومراجع مختارة
١- الأعلام: للعلّامة الأستاذ خير الدين الزركلي، الطبعة الرابعة، دار العلم للملايين، بيروت ١٣٩٩ هـ.
٢- البديعيات: للأستاذ علي أبو زيد، عالم الكتب، بيروت ١٤٠٣ هـ.
٣- خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، للمحبي، مصوّرة دار صادر، بيروت بدون تاريخ.
٤- فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية (علوم القرآن الكريم) : للأستاذ صلاح محمد الخيمي، طبع مجمع اللغة العربية بدمشق ١٤٠٥ هـ.
٥- معجم المؤلفين: للأستاذ عمر رضا كحالة، مطبعة الترقي، دمشق ١٣٧٦ هـ.
٦- النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل: للشيخ محمد كمال الدين بن محمد الغزّي العامري، تحقيق وجمع الأستاذين محمد مطيع الحافظ، ونزار أباظة، دار الفكر، دمشق ١٤٠٢ هـ.
٧- هدية العارفين: للبغدادي، مصوّرة مكتبة المثنى، بغداد بدون تاريخ
.
стр. 87
الفصل الثالث القيمة الفنيّة لكتاب شذرات الذّهب
يعتبر هذا الكتاب من الوجهة الفنية من أهم مصنفات التاريخ العربي الإسلامي المختصرة، وقد استطاع مصنفه أن يؤرّخ فيه أحداث القرون الهجرية العشرة الأولى، كالحروب، والغزوات، والمعارك، والولادات، والوفيات، وسير الأعلام، وغير ذلك من الأحداث التي شهدها تاريخنا العربي الإسلامي خلال هذه الفترة الطويلة من عمر الزمن، باختصار من غير إخلال ولا إطناب إلا فيما ندر.
أضف إلى ذلك أنه يمتاز من غيره من كتب التاريخ بأمرين اثنين:
أولهما: كونه يؤرّخ من السنة الأولى إلى سنة ألف للهجرة، الأمر الذي يجعله من أوسع كتب التاريخ الإسلامي المختصرة من جهة استيعابه لما يقرب من ثلاثة قرون زيادة على كتب التاريخ الأخرى ك «تاريخ الإسلام» للذهبي، و «البداية والنهاية» لابن كثير، وغيرهما من مصنفات التاريخ.
وثانيهما: صفة الحياد التي حاول المؤلف أن يتمسك بها في معظم المواطن التي ألمح فيها إلى الأحداث الأليمة التي شهدها التاريخ الإسلامي، ولا سيما في القرن الأول الذي شهد العدد الكبير جدا من تلك الأحداث، ولا يخفى على الدارسين بأن صفة الحياد إن وجدت لدى المؤرّخ فهي تعزّز الثقة بكلامه، وتجعل كتابه مصدر ثقة لكل باحث أو ناقل، والعكس بالعكس.
ولا بدّ من الإشارة أيضا إلى تمكّن المؤلف- ﵀ من فهم
стр. 88
النصوص القرآنية، والحديثية، والفقهية، وذلك ما يظهر واضحا في أكثر من موطن من مواطن الكتاب، كما في قصص الظّهار، وابن صيّاد، والتحكيم من هذا المجلد من الكتاب.
وإنك لتجد فوائد في الكتاب فيما يتصل بتراجم الأعيان من المحدّثين، والمؤرخين، والأدباء، والشعراء، والفرسان، والقادة، والأمراء، لا تجدها في غيره من المراجع إلّا بعد تتبّع واستقراء كبيرين، لذلك إن اعتبر ابن العماد أحد المؤرخين المتأخرين الذين اعتمدوا على النقل واختصار الأحداث من مصنفات المؤرخين من العلماء السابقين لهم، إلا أن منهجيته في الاختصار والنقل والتدوين تكاد تكون هي المنهجية المثلى لمن يريد التصنيف المختصر في أيّ من الموضوعات العلمية أو الأدبية في نظري.
ولقد عني المؤلّف في المقام الأول بذكر وفيات أعيان المحدّثين من رجال القرون العشرة التي استوعبها كتابه، وإنك لو تصفّحت الكتاب كله لوجدت منهم العدد الكبير جدا، الأمر الذي يجعل الباحثين في كتب الحديث النبوي الشريف يستفيدون فوائد قيّمة من هذا الكتاب، لدى رجوعهم إلى طبعته المحقّقة هذه إن شاء الله.
ولا بدّ لي من التنويه إلى أن المؤلف قد اقتصر على ذكر بعض الأحداث التي شهدها القرن الأول، وأغفل غيرها من الحوادث المهمة، الأمر الذي جعلني أذيّل عليه في بعض المواطن، وأسجل بتعليقات مسبوقة بالنجوم أهم ما شهده هذا القرن من الحوادث التي ارتأيت أن تدوينها في الكتاب أمر ضروري لاستكمال ما فيه من النقص.
وتجدر الإشارة أيضا إلى أن المؤلف- ﵀ اعتمد على عدد كبير من الكتب والمصنفات التي لم يشر إليها في مقدمته لكتابه، ولا في معرض نقله عنها في المواطن التي أثبت النقول منها، وقد ظهرت لي أثناء العمل، ويمكن للقارئ الكريم أن يلحظ أسماء معظمها في الحواشي التي أثبتها في هوامش الصفحات.
стр. 89
وهناك أمر مهم تجدر الإشارة إليه، وهو أن المؤلّف لم يكن ممّن يعوّل على النقل من غير تدقيق ولا تمحيص، بل على العكس من ذلك نراه يناقش أصحاب الكتب التي نقل عنها مناقشة تثبت تعمّقه في فهم التأريخ، ونرى ذلك جليّا في الردود التي أثبتها في كتابه على عدد من أصحاب الكتب التي نقل عنها، الأمر الذي يجعلنا نجزم بأن المؤلف كان أهلا لتدوين حوادث هذه الفترة الزمنية الطويلة من التاريخ، لأنه كان صاحب مشاركة في العديد من العلوم العقلية منها والنقلية.
وخلاصة القول: إن «شذرات الذهب» هو أحد كتب التاريخ الإسلامي التي استوعبت التأريخ لهذا العدد الكبير من السنوات الهجرية من غير إخلال ولا إطناب إلا فيما ندر، وهو الكتاب الوحيد من كتب المؤلّف، الذي يمكن للمرء أن يقف من خلاله على المستوي الرفيع الذي كان عليه ابن العماد بين علماء عصره، وهو الكتاب الوحيد أيضا الذي يمكنه أن يغني معظم القرّاء عن اقتناء الكثير من المصنفات فيما يتصل بالوفيات بشكل خاص والتراجم، والأحداث بشكل عام بعد اكتمال تحقيقه وطبعه إن شاء الله تعالى
.
стр. 90
الفصل الرّابع عملنا في تحقيق الكتاب
إن أهم ما يراد من تحقيق أيّ كتاب من كتب تراثنا العربي الإسلامي العظيم، هو الوصول به إلى جادة الصواب:
قال ابن منظور: حقّ الأمر يحقّه حقا وأحقّه: كان منه على يقين، تقول:
حققت الأمر وأحققته: إذا كنت على يقين منه [١] .
وقال أيضا: وأحققت الشّيء أي أوجبته. وتحقّق عنده الخبر، أي صحّ.
وحقّق قوله وظنّه تحقيقا، أي صدّق. وكلام محقّق، أي رصين، قال الرّاجز:
«دع ذا وحبّر منطقا محقّقا» [٢] وفن التحقيق كما تعلمته على يدي والدي- حفظه الله- يتفق تمام الاتفاق مع ما قاله ابن منظور، فإن والدي علّمني بأن التحقيق يعني محاكمة النص الذي يراد تحقيقه، بحيث لا يدع من يتصدى لتحقيق كتاب من الكتب كلمة أوردها المؤلّف دون أن يكون منها على يقين، وخاصة منها ما يحتمل التحريف والتصحيف والخطأ، كالآيات، والأحاديث، والأسماء، والكنى، والألقاب، وأسماء الأمصار، والأبيات الشعرية، والأمثال، والأقوال، وغير ذلك مما قد يرد في نص المؤلف، وذلك لتقويم ما قد يقع فيه من الخطأ، واستدراك السّقط، لأن العلماء المتقدمين الذين خلفوا لنا هذا التراث العظيم هم مثلنا من بني
стр. 91
البشر، وبنو البشر عرضة للخطأ والنسيان، مهما كان موقع أحدهم من أهل عصره.
ومن ثم تخريج كل ما يحتاج إلى التخريج من الآيات، والأحاديث، وأبيات الشعر، والأمثال، والتعليق على المواطن التي لا بدّ من التعليق عليها، وتجنّب الإطناب في التعليق على المواطن التي لا فائدة من التعليق عليها، وخاصة في المصنفات التي يقتنيها الباحثون بشكل عام، ثم فهرست الكتاب [١] .
ولقد اجتهدت في أثناء خدمتي لهذا الكتاب في تحقيق هذا المنهج على أفضل وجه، وإن كنت لا أدّعي بأني قد اقتربت من صفة الكمال، لأن الله يأبى إلّا أن يكون الكمال لكتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ولا بدّ من الإشارة إلى أن الذي حملني على العمل في تحقيق هذا الكتاب العظيم، هو ما وقع في طبعته السابقة المنتشرة من الخطأ، والسّقط، والتحريف، والتصحيف، وسوء الإخراج، إضافة إلى أنها خلت من الضبط، والترقيم، والتخريج، الأمر الذي قلّل من إمكانية الاعتماد عليها من قبل الباحثين إلى حدّ بعيد، فكان لا بدّ من العمل على إخراجه إخراجا جديدا يليق به من
стр. 92
جهة الشكل والمضمون، إنصافا له، ولمؤلفه العالم الكبير.
وقد جرى العمل في تحقيق الكتاب- وهذا المجلد منه على وجه الخصوص- وفق ما يلي:
١- قمت بقراءة المطبوع على والدي- المشرف على تحقيق الكتاب- وذلك لمقابلة المطبوع على الأصل، فصحّحنا الخطأ، والتحريف، والتصحيف الذي لحق بالنصوص، واستدركنا السّقط، وكنت في أثناء ذلك، أدوّن ملاحظات والدي القيّمة التي انحصرت بشكل أساسي فيما يتصل بضبط الأسماء، والأبيات الشعرية، والنصوص القرآنية منها والحديثية.
٢- وبعد ذلك قمت بتفصيل النصوص، وترقيمها، وضبط الألفاظ التي رأيت أن ضبطها أمر ضروري، ولا سيما الآيات، والأحاديث، وأسماء الأعلام، والبلدان، والأبيات الشعرية، وغير ذلك مما يراه القارئ الكريم في أثناء مطالعته للكتاب، وقد استعنت في ذلك بكتب اللغة والرّجال ودواوين الشعر.
٣- وقمت بالتذييل على هذا الجزء من الكتاب بشكل خاص، وذلك في المواطن التي تبين لي بأن المؤلف اختصر فيها من إيراد الحوادث التي جرت إلى حدّ بعيد، فأثبتّ ما صحّ من الأخبار في عدد من المصادر بعد التحقيق فيها، أو ما رأيت أن هناك شبه إجماع من المؤرخين المتقدمين عليه، وهذا ما تطلّب منّي جهدا إضافيا، ووقتا طويلا لإخراج هذا المجلد.
٤- وقمت بترقيم الآيات، وتخريج أبيات الشعر من مصادرها بالقدر الممكن، وشرحت ما ورد في النصوص من الألفاظ الغريبة، وعلّقت على عدد من المواطن من الكتاب، وعرّفت بعدد من الأعلام ممّن دعت الحاجة إلى التعريف بهم، ولا سيما الذين لم ترد لهم تراجم مستقلة في الكتاب، وتتبعت النقول التي وردت في الكتاب في مصادرها، فصحّحت ما وقع فيها من الخطأ، واستدركت ما حصل فيها من السّقط.
стр. 93
٥- ثم قمت بكتابة هذه المقدمة التي اجتهدت في جعلها مقدّمة تليق بهذا الكتاب العظيم وصاحبه بعد دراسة وإعداد طويلين.
ومن ثم شرعت بتقديم مواد الكتاب إلى والدي حفظه الله على مراحل لكي يقوم بمراجعته وتخريج النصوص الحديثية الواردة فيه تمشيا مع المنهج الذي وضعته لتحقيق الكتاب، وقد أضاف- حفظه الله- إلى تعليقاتي على الكتاب عددا من التعليقات جعلها مختومة بحرف (ع) .
بقي أن أشير إلى أننا اعتمدنا في تحقيق الكتاب على مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي تحت رقم (٣٤٦٥) عام، وعدد أوراقها (٥٤٦) ورقة بقياس (٣٠ ٤٢) سم، وكل ورقة تتألف من صفحتين، وفي كل صفحة ثمانية وثلاثون سطرا، وفي كل سطر ما يقرب من ثماني عشرة كلمة، وقد جاء في آخر هذه النسخة الخطية ما يلي:
وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة الشريفة صبيحة يوم الجمعة رابع عشر شهر شوّال، من شهور سنة خمس وثمانين وألف، على يد أحقر العباد، الفقير إلى الله تعالى شعبان بن عبد الله بن يوسف بن علي الشافعي الخزرجي، غفر الله له ولوالديه، ولمن دعا له بالمغفرة آمين.
ونقلت هذه النسخة المباركة من خط مؤلفها بلّغه الله مناه، وجعل الجنة جزاه، وهي ثالث نسخة تمّت، فلله الحمد والمنّة، وصلى الله على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه وتابعيه وأحزابه وسلّم تسليما كثيرا.
وقيمة هذه النسخة تعود إلى نسخها عن نسخة المؤلف في حياته، ولعلها قوبلت عليه.
وأرى من الواجب عليّ أن أتقدم بجزيل الشكر والعرفان بالجميل إلى العالم الكبير الأستاذ الدكتور شاكر الفحّام نائب رئيس مجمع اللغة العربية العامر بدمشق الذي أذن لي بالحصول على مصوّرة النسخة الخطبة من الظاهرية، وشجّعني على المضيّ في تحقيق الكتاب حين أطلعته على مقدمتي للكتاب،
стр. 94
وعلى نماذج مما تمّ طبعه من هذا المجلد، حفظه الله ذخرا للعلم وطلبته في هذا البلد.
ولقد كتبت إلى كل من أعلم أن في مقدوره مساعدتي في الحصول على مصوّرات لنسخ خطية أخرى من الكتاب، فجاءتني رسالة الأستاد الدكتور خالد عبد الكريم جمعة مدير معهد المخطوطات العربية في الكويت تعلمني عن وجود نسختين خطيتين من الكتاب في دار الكتب المصرية في القاهرة جزاه الله تعالى خيرا، وقد تعذّر عليّ الحصول على أيّ من النسختين، ولكن عزائي كان في أن الأستاذ حسام الدين القدسي رحمه الله تعالى وأحسن إليه قد اعتمد في طبعته على النسختين المذكورتين، الأمر الذي حملني على اعتماد طبعته كأصل ثان في العمل أثناء تحقيق الكتاب.
وجاءتني أيضا رسالة الأستاذ أحمد مشاري العدواني الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت تعلمني عن وجود نسخة من مخطوطات الكتاب في الهند، وعدد من الأوراق منه في ألمانيا، جزاه الله تعالى كل خير، وأقوم الآن بالسعي للحصول على النسختين المذكورتين.
وبعد: فهذه هي أهم الأسس التي ارتكز عليها عملنا في تحقيق هذا المجلد من الكتاب، وحسبنا أننا بلغنا فيه ما استطعناه من الجودة والإتقان، فإن أحسنّا فذلك من توفيق الله ، وإن قصّرنا وأخطأنا، فلسنا ممّن يدّعي العصمة، وإنّا لنرجو جميع العاملين بإخلاص على إحياء التراث العربي الإسلامي على اختلاف اختصاصاتهم أن لا يبخلوا علينا بملاحظاتهم واستدراكاتهم، لأننا سوف نرحب بما يردنا منها، وسوف نذكر بالجميل أصحابها، فإن هذا الكتاب هو في نهاية الأمر إرث لأفراد الأمة جميعهم، والنصح للقائمين على تحقيقه وإخراجه هو نصح للناطقين بالعربية في مشارق الأرض ومغاربها.
وختاما أتوجه بالشكر الجزيل إلى والدي وأستاذي المحدّث الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، الذي كان لخبرته الواسعة في مضمار التحقيق أكبر الأثر في ظهور
стр. 95
الكتاب على هذا الوجه الذي يسعد له فؤاد كل محبّ في الله، جزاه الله تعالى عنّي كل خير، وجعلني ممّن يترسمون خطاه ويسيرون على منواله.
وأسأله تعالى أن يمدّ في عمره، وأن يجعله من الرّجال الذين يجري النفع على أيديهم للمسلمين أجمعين.
وأتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الأستاذ الدكتور خالد عبد الكريم جمعة المدير الفذ لمعهد المخطوطات العربية في الكويت، والمحبّب إلى نفوس العاملين بصدق على تحقيق ونشر ما ينفع الناس من تراث أمتنا، لتفضله بتقديم الكتاب، على الرغم من ازدحام أوقاته بأعمال هي في مردودها أنفع لأهل العلم دون شك، جزاه الله تعالى كل خير ونفع به وأعلى مقامه في الدّنيا والآخرة.
وإلى الأستاذ الدكتور عدنان درويش مدير إدارة إحياء التراث العربي بوزارة الثقافة الذي أفدت من ملاحظاته التي تناولت مقدمتي للكتاب لدى اطلاعه على تجربة طبعها الأولى، حفظه الله تعالى ونفع به.
وإلى الأخ الصديق الأستاذ علي أبو زيد الذي أفدت من ملاحظاته أثناء عملي في تحقيق هذا المجلد، حفظه الله تعالى وزاده توفيقا.
وأرى من الواجب عليّ أيضا أن أذكر بالجميل الأخ الصديق الأستاذ علي مستو صاحب «دار ابن كثير» الذي بذل كل ما في وسعه لظهور هذا الكتاب على أحسن وجه من جهة الشكل والمضمون، وإني أسأل الله أن يعوّضه أضعاف ما أنفق من المال في طبعه هذا الكتاب وكل كتاب مما نشره في الماضي أو سينشره في المستقبل، لأنه والحقّ يقال، من أفاضل الناشرين في أيامنا هذه، سدّد الله خطاه، وأنجح مسعاه، وأحسن مثوبته يوم القيامة.
والأستاذ الفاضل محيي الدين مستو الذي شجعني على الاستمرار في تحقيق الكتاب، وكان من أسعد الناس بظهور هذا المجلد منه بهذا الإتقان لدى اطّلاعه على تجارب طبعه الأولى، بارك الله فيه.
стр. 96
بقي أن أشير أخيرا إلى الحثّ والتشجيع اللذين لمستهما خلال عملي في هذا المجلد من أستاذي الجليل سليم الزركلي كبير شعراء الشام في هذا العصر، فقد كانت سعادته عظيمة في إقدامي على خدمة هذا الكتاب، الذي هو أحد السجلّات الذهبية التي تفخر بها هذه الأمة في نظره، حفظه الله تعالى ذخرا لدنيا الأدب العربي الرفيع.
وأضرع إلى الله وأنا على مشارف هذه المقدمة أن يجعل خير أعمالي خواتيمها، وخير أيامي يوم ألقاه، إنه خير مسؤول.
دمشق: في ٢٤/ ربيع الآخر/ ١٤٠٦ هـ الموافق ل ٥/ كانون الثاني/ ١٩٨٦ م أبو عبد القادر محمود الأرناؤوط
стр. 97
بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه أستعين [١]
مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي خلق ما في الأرض جميعا للإنسان، وركّبه في أي صورة شاء على أكمل وضع بأبهر إتقان، وجعله بأصغريه القلب واللسان، فهذا ملك أعضائه، وهذا له ترجمان، فإذا صلح قلبه، صلح منه سائر الأركان، وكان ذلك على فوزه بخيري الدّارين أعظم عنوان، وإذا فسد فسد جسده واستدلّ على خسرانه بأوضح برهان، قضى سبحانه بأن يبلي ديباجة شبابه الجديدان [٢] ، ويصير حديثا لمن بعده من أولي البصائر والعرفان، وأعدّ تعالى له بعد النشأة الآخرة إحدى [٣] داري العزّ والهوان، حكمة بالغة تحيّر فيها عقول ذوي الأذهان.
أحمده حمد معترف بالتقصير، مقرّ بأن إليه المصير، وأشكره شكر من توالت عليه آلاؤه، وتتابع عليه من فضله عطاؤه.
وأشهد أنّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله أمات وأحيا، وخلق الزّوجين الذّكر والأنثى، وألهم نفس كلّ متنفّس الفجور والتّقوى، فإما أن يزكّيها فيسعد، أو يدسّيها [٤] فيشقى، قدم إلى عباده بالوعيد، وقسمهم كما
стр. 98
أخبر إلى شقيّ وسعيد، وأحصى لكل عامل ما فعل من طارف وتليد [١] ، حتى ما يَلْفِظُ من قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ٥٠: ١٨ [ق: ١٨] .
وأشهد أن سيّدنا محمّدا عبده ورسوله خير نبي أرسله، ففتح [به] [٢] آذانا صمّا، وأعينا عميا، وقلوبا مقفلة.
أرسله على حين فترة من الرّسل، وطموس لمعالم الهدى والسّبل، فكانت بعثته أنفع للخليقة من الماء الزّلال، بل من الأنفس، والأهل، والصّحب، والمال، إذ بمبعثه تمت للنّاس مصالح الدّارين، واتّصح [بها] [٣] لهم أقوم الطريقين، فطوبى لمن أمسى باتّباع شريعته قرير العين، وويل لمن نبذ ما جاء به ظهريّا وأخرج هديه من البين.
اللهم فصلّ وسلّم عليه أفضل صلاة وأكمل سلام، وآته الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود، أشرف مقام، وعلى آله وأصحابه خير صحب وآل، من بذلوا في طاعته رضا لمرسله المهج والمال، ففازوا بجزيل الثناء وجميل الخلال، وسعدوا بما نالوا من شريف المآل، وعلى تابعيهم، وأتباعهم بإحسان ما تعاقب الجديدان، وأشرق النّيّران [٤] آمين.
وبعد: فهذه نبذة جمعتها، تذكرة لي ولمن تذكّر، وعبرة لمن تأمّل فيها وتبصّر، من أخبار من تقدّم من الأماثل وغبر، وصار لمن بعده مثلا سائرا وحديثا يذكر.
جمعتها من أعيان الكتب، وكتب الأعيان، ممّن كان له القدم الرّاسخ في هذا الشّأن [٥] ، إذ جمع كتبهم في ذلك إمّا عسر أو محال، لا سيّما من كان
стр. 99
مثلي فاقد الجدة بائس الحال، فتسلّيت عن ذلك بهذه الأوراق، وتعلّلت بعلل [١] علّه يبرد أوام [٢] الاحتراق [٣] ، إذ هذا شأو [٤] لا يدرك دقّه وجلّه، فليكن كما قيل: ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه.
أردت أن أجعله دفترا جامعا لوفيات أعيان الرجال، وبعض ما اشتملوا عليه من المآثر، والسجايا، والخلال، فإنّ حفظ التأريخ أمر مهمّ، ونفعه من الدّين بالضرورة علم، لا سيما وفيات المحدّثين والمتحمّلين لأحاديث سيد المرسلين، فإن معرفة السّند لا تتم إلا بمعرفة الرّواة، وأجلّ ما فيها تحفظ السّيرة والوفاة.
فممّن جمعت من كتبهم، وكرعت من نهلهم [٥] وعلمهم مؤرّخ الإسلام الذّهبيّ [٦] ، وفي الأكثر على كتبه أعتمد، ومن مشكاة ما جمع في مؤلفاته أستمدّ، وبعده من اشتهر في هذا الشأن كصاحب «الكمال» [٧] و «الحلية» [٨]
стр. 100
و «المنهل» [١] و «ابن خلّكان» [٢] وغير ذلك من الكتب المفيدة، والأسفار الجميلة الحميدة، وسمّيته:
«شذرات الذّهب في أخبار من ذهب» .
ورتّبته على السنين، من هجرة سيّد الأوّلين والآخرين.
وأسأل الله تعالى أن يثقل به ميزان الحسنات، وأن يجعله مقرّبا إليه، وإنما الأعمال بالنّيّات، فأقول، ومنه أطلب العون والقبول.
стр. 101
السنة الأولى من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل صلاة وتحية
قدم النّبيّ ﷺ المدينة ضحى يوم الإثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل.
وفيها توفي النقيبان أسعد بن زرارة النّجاريّ، والبراء بن معرور السّلميّ [١] .
стр. 102
وفي الثانية
حوّلت القبلة، وذلك في ظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان [١] .
وفيه فرض الصوم [٢] .
وفي سابع عشر شهر رمضان منها يوم الجمعة كانت وقعة بدر، واستشهد من المسلمين أربعة عشر، ستة من قريش وهم: عبيدة بن الحارث
стр. 103
ابن عبد المطّلب بن عبد مناف المطّلبيّ، وعمير [١] بن أبي وقّاص الزّهري، وذو الشّمالين [٢] ، وعاقل بن البكير، ومهجع مولى عمر، وهو يمانيّ من عكّ بن عدثان [٣] ، وهو أول قتيل قتل يومئذ، وصفوان بن بيضاء.
ومن الأنصار ثمانية، خمسة من الأوس وهم: سعد بن خيثمة، ومبشّر ابن عبد المنذر، ويزيد [٤] بن الحارث، وعمير بن الحمام [٥] ، ورافع بن المعلّى، وثلاثة من الخزرج [وهم] [٦] حارثة بن سراقة، وعوف ومعوّذ ابنا عفراء، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
стр. 104
وقتل من الكفار سبعون.
وفيها توفيت رقيّة بنت رسول الله ﷺ .
وفي شوال منها دخل رسول الله ﷺ بعائشة ﵂ [١] .
وفيها بنى عليّ بفاطمة ﵄.
وفيها توفي عثمان بن مظعون القرشيّ الجمحيّ، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة بعد رجوعه من بدر، وقبّله النّبيّ ﷺ وهو ميت، وكان يزوره، ودفن إلى جنبه ولده إبراهيم، وكان ممن حرّم الخمر على نفسه قبل تحريمها، وكان عابدا مجتهدا، وسمع لبيد بن ربيعة [٢] ينشد:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل
فقال: صدقت، فلما قال:
وكلّ نعيم لا محالة زائل
قال: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: يا معشر قريش أكذّب في مجلسكم، فلطم بعض الحاضرين وجهه لطمة اخضرت منها عينه، وذلك في أول الإسلام، فقال له عتبة بن ربيعة: لو بقيت في منزلي [٣] ما أصابك
стр. 105
شيء، وكان قد ردّ عليه جواره، فقال له عثمان: إن عيني الأخرى لفقيرة إلى ما أصاب أختها في سبيل الله [١] .
وفيها ولد عبد الله بن الزّبير، وقيل: في الأولى [٢] .
стр. 106
السنة الثالثة
في نصف رمضان منها ولد الحسن بن عليّ [١] ﵄، وأما الحسين فمقتضى ما ذكروه في مدّة عمرهما، وتاريخ ولادتهما، أن يكون ولد في الخامسة، ولم يظهر كما سيأتي من تاريخ وفاتهما ما يقتضي ما ذكروه فليتأمل.
وقال القرطبي: ولد الحسن في شعبان من الرابعة، وعلى هذا ولد الحسين قبل تمام السنة من ولادة الحسن، ويؤيده ما ذكره الواقدي، أن فاطمة علقت بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة، وجزم النواويّ في «التهذيب» [٢] أن الحسن ولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة.
وقيل: لم يكن بين ولادتهما إلا طهر واحد [٣] .
стр. 107
وفي رمضان منها دخل ﷺ بحفصة، ودخل بزينب بنت جحش، وبزينب بنت خزيمة العامريّة أمّ المساكين، وعاشت عنده نحو ثلاثة أشهر ثم توفيت.
وفيها تزوج عثمان أمّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ .
وفيها تحريم الخمر [١] .
стр. 108
ووقعة أحد يوم السبت السابع من شوال، وصحح بعضهم أنها في الحادي عشر منه، وقتل فيها حمزة ﵁ عمّ النّبيّ ﷺ بعد أن قتل جماعة، وكان إسلامه في السنة الثانية، وقيل: في السادسة من المبعث، ولم يسلم من إخوته سوى العباس ﵁، وكانوا تسعة، وقيل: عشرة، وقيل: اثني عشر، ولما وقف ﷺ يوم أحد ورأى ما به من المثلة حلف ليمثّلنّ بسبعين منهم، فنزل قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ به ١٦: ١٢٦ [النحل: ١٢٦] الآية، فقال: «بل نصبر» وكفّر عن يمينه [١] .
وفي ذي القعدة منها [٢] . كانت غزوة بدر الصغرى [٣] ، وغزوة بني النّضير، والصواب أنها في الرابعة [٤] .
стр. 109
السنة الرابعة
في صفر منها غزوة بئر معونة [١] وكانوا سبعين، وقيل: أربعين [٢] .
وفي ربيع الأول منها غزوة بني النّضير [٣] نزلوا صلحا، وارتحلوا إلى خيبر.
وفي محرّمها غزوة ذات الرّقاع [٤] ، وغزوة الخندق عند بعضهم [٥] ، وكان مقام الأحزاب فيها خمسة عشر يوما، وقيل: أكثر من عشرين يوما.
وفيها نزل التميم، وقصة الإفك وبراءة عائشة ﵂.
стр. 110
السنة الخامسة
فيها صلاة الخوف عند بعضهم، وغزوة دومة الجندل [١] ، وغزوة ذات الرّقاع عند بعضهم [٢] ، وقيل: وغزوة الخندق [٣] ، ثم غزوة بني قريظة، وصحح في «الروضة» أن الخندق في الرابعة، وبني قريظة في الخامسة، وجزم ابن ناصر الدّين [٤] ، أنهما في الخامسة كما سيأتي، وهذا هو الصحيح، لأنه توجّه ﷺ إلى بني قريظة في اليوم الذي انصرف فيه من الأحزاب.
وفيها توفي سعد بن معاذ سيّد الأوس، واهتزّ لموته عرش الرّحمن [٥] .