← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

سنة تسعين وسبعمائة فيها أصاب الحاجّ [١] في رجوعهم في [٢] ليلة تاسع المحرم عند ثغرة [٣] حامد سيل عظيم، مات منه عدد كثير، عرف [٤] منهم مائة وسبعة وثلاثين نفسا، وأما من لم يعرف فكثير جدا [٥] . وفيها- كما قال ابن حجر-: هبّت ريح عظيمة بمصر وتراب شديد إلى أن كاد يعمي المارة في الطرقات، وكان ذلك صبيحة المولد الذي يعمله الشيخ إسماعيل بن يوسف الأنبابي فيجتمع فيه من الخلق من لا يحصى عددهم، بحيث إنه وجد في صبيحته مائة وخمسين جرّة من جرار الخمر فارغات، إلى ما كان في تلك الليلة من الفساد، من الزنا، واللواط، والتجاهر بذلك، فأمر الشيخ إسماعيل بإبطال المولد بعد ذلك فيما يقال، ومات في سلخ شعبان. وكان نشأ على طريقة حسنة، واشتغل بالعلم، وانقطع بزاويته، وصار يعمل عنده المولد كما يعمل بطنتدا، ويحصل فيه من المفاسد والقبائح ما لا يعبّر عنه. انتهى. وفيها توفي برهان الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن الخطيب زين الدّين أبي محمد عبد الرحيم بن قاضي مصر والشام بدر الدّين محمد بن جماعة الكناني الحموي الأصل المقدسي الشافعي [٦] ، قاضي مصر والشام، وخطيب الخطباء، وشيخ الشيوخ، وكبير طائفة الفقهاء، وبقية رؤساء الزّمان.

стр. 4132

ولد بمصر في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين، وقدم دمشق صغيرا، فنشأ عند أقاربه بالمزّة، وأحضر على جدّه، وسمع من أبيه وعمّه، وطلب الحديث بنفسه وهو صغير في حدود الأربعين، وسمع من شيوخ مصر والشام، ولازم المزّي، والذهبي، وأثني على فضائله، وحصّل الأجزاء، وتخرّج على الشيوخ، واشتغل في فنون العلم، وتوفي والده سنة تسع وثلاثين وهو صغير، فكتبت خطابة القدس باسمه، واستنيب له، ثم باشر بنفسه وهو صغير، وانقطع ببيت المقدس، ثم أضيف إليه تدريس الصّلاحية [١] بعد وفاة العلائي، ثم خطب إلى قضاء الدّيار المصرية بعد عزل أبي البقاء في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين، وباشره بنزاهة وعفّة ومهابة وحرمة، وعزل نفسه، فسأله السلطان وترضّاه حتّى عاد، واستمرّ إلى أن عزل نفسه ثانيا في شعبان سنة سبع وسبعين، وعاد إلى القدس على وظائفه، ثم سئل في العود إلى القضاء [٢] فأعيد في صفر سنة إحدى وثمانين، فباشرها ثلاث سنين إلى أن عزل نفسه في صفر سنة أربع وثمانين، وعاد إلى القدس، ثم خطب إلى قضاء دمشق والخطابة بعد موت القاضي ولي الدّين في ذي القعدة سنة خمس وثمانين، ثم أضيف إلى مشيخة الشيوخ بعد سنة من ولايته، وقام في أمور كبار تمّت له. قال الحافظ ابن حجر: عزل نفسه في أثناء ولايته غير مرّة ثم يسأل ويعاد، وكان محببا إلى الناس [٣] ، وإليه انتهت رئاسة العلماء في زمانه، فم يكن أحد يدانيه في سعة الصّدر، وكثرة البذل، وقيامة الحرمة، والصّدع بالحقّ، وقمع أهل الفساد، مع المشاركة الجيدة في العلوم، واقتنى من الكتب النّفيسة بخطوط مصنّفيها وغيرهم ما لم يتهيأ لغيره. انتهى. وجمع «تفسيرا» في عشر مجلدات، وفيه غرائب وفوائد، وتوفي شبه الفجأة في شعبان ودفن بتربة أقاربه بني الرّحبي بالمزّة.

стр. 4133

وفيها جمال الدّين أحمد بن محمد [١] بن عبد الرحيم بن إبراهيم بن يحيى بن أبي المجد اللّخمي الأسيوطي [٢] ثم المكّي [٣] . ولد سنة خمس عشرة وسبعمائة، وتفقه للشافعي بالزّملكوني، والتاج التّبريزي، والكمال النّسائي، ولازم الشيخ جمال الدّين الإسنوي، وصحب شهاب الدّين بن الميلق، وأخذ عنه في الأصول والتصوف، وسمع «صحيح البخاري» من الحجّار، وسمع «مسلم» من الواني، وحدّث عنهما وعن الدّبوسي ونحوه بالكثير، وسمع بدمشق من الرّضي، والمزّي، وجماعة، ومهر في الفنون، وناب في الحكم، ثم جاور بمكّة مدة طويلة من سنة سبعين وتصدى [٤] للتدريس والتحديث، وجمع بين «الشرح الكبير» و «الروضة» و «التهذيب» بيّض نصف الكتاب في سبع مجلدات، وله «شرح بانت سعاد» . وتوفي بمكة في ثالث رجب. وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن شمس الدّين أبي عبد الله محمد بن القاضي نجم الدّين أبي حفص عمر بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن ذؤيب بن مشرف الأسدي الشافعي، المعروف بابن قاضي شهبة [٥] ، وهو والد صاحب «طبقات الشافعية» . قال ولده: مولده في رجب سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وحفظ «التنبيه» وغيره، واشتغل على والده وأهل طبقته، وأذن له والده بالإفتاء، واشتغل في الفرائض، ومهر فيها، وصنّف فيها مصنّفا، ودرّس وأعار [٦] ، وجلس للاشتغال

стр. 4134

بالجامع الأموي مدة، وكان كريم النّفس جدا، كثير الإحسان إلى الطلبة والفقهاء والغرباء، وإلى أقاربه وذوي رحمه، ولم يكن ببلده في طائفته أكرم منه ومن الشيخ نجم الدّين بن الجابي. توفي في ذي القعدة ودفن بالباب الصغير بمقبرة والده، رحمهما الله تعالى. انتهى. وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن غازي بن حاتم [١] التركماني المعروف بابن الحجازي [٢] . ولد سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وحضر على أبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم وغيره، وأجاز له ابن المهتار، وست الوزراء، وغيرهما، وهو جدّ أبيه لأمّه، وطلب بنفسه بعد الثلاثين، وسمع من جماعة، وأجاز له جماعة، وكان فاضلا مشاركا. أقرأ الناس القراءات، ومات في رجب. وفيها شجاع الدّين أبو بكر بن محمد بن قاسم السّنجاري الحنبلي [٣] ، نزيل بغداد، الشيخ الإمام المحدّث. كان فاضلا، مسندا، حدّث بالكثير، فمن ذلك «جامع المسانيد» و «مسند الشافعي» و «رموز الكنوز» في التفسير للرّسعني، و «كتاب التّوابين» لشيخ الإسلام موفق الدّين بن قدامة [٤] ، وحدّث عنه الشيخ نصر الله البغدادي، وولده قاضي القضاة محبّ الدّين، وتوفي عن ثمانين سنة.

стр. 4135

وفيها عبد الله بن محمد بن محمد بن سليمان النيسابوري الأصل ثم المكّي، المعروف بالنّشاوري [١] [٢] . ولد سنة خمس وسبعمائة، وقيل قبل ذلك، وسمع من الرّضي الطّبري، وأجاز له أخوه الصّفي، وحدّث بالكثير. قال ابن حجر العسقلاني: سمعت عليه «صحيح البخاري» بمكة، وتفرّد عن الرّضي بسماع «الثقفيات» وقد حضر إلى القاهرة في أواخر عمره، وحدّث، ثم رجع إلى مكّة، وتغيّر قليلا، ومات بها في ذي الحجّة. وفيها عبد الواحد بن عبد الله المغربي، المعروف بابن اللّوز [٣] . كان فاضلا، ماهرا في الطب والهيئة وغير ذلك، مات في شوال. قاله ابن حجر. وفيها العلاء علاء الدّين بن أحمد بن محمد بن أحمد السّيرامي- بمهملة مكسورة بعدها تحتانية ساكنة [٤]-. قال في «إنباء الغمر» : كان من كبار العلماء في المعقولات، قدم من البلاد الشرقية بعد أن درّس في تلك البلاد، فأقام في ماردين مدة، ثم فارقها لزيارة القدس، فلزمه أهل حلب للإفادة، وبلغ خبره الملك الظّاهر، فاستدعى به فقرّره شيخا ومدرّسا بمدرسته التي أنشأها بين القصرين، وأفاد النّاس في علوم عديدة، وكان إليه المنتهى في فعل المعاني والبيان، وكان متودّدا إلى الناس، محسنا إلى الطّلبة، قائما في مصالحهم، لا يلوي بشره عن أحد، مع الدّين المتين والعبادة الدائمة. مات في ثالث جمادى الأولى، وكانت جنازته حافلة، وقد جاوز السبعين. انتهى.

стр. 4136

وفيها شمس الدّين محمد بن إبراهيم بن يعقوب، شيخ الوضوء، الشافعي [١] . كان يقرئ بالسبع، ويشارك في الفضائل، وقيل له: شيخ الوضوء لأنه كان يطوف على المطاهر فيعلّم العامة الوضوء [٢] . قال ابن حجي: قدم من صفد، وسمع على السّادجي أحد أصحاب الفخر، وتفقه بوالدي وغيره، وأذن له ابن الخطيب يبرود في الإفتاء، وكان التّاج السّبكي يثني عليه ويسلك مع ذلك طريق التصوف، ودخل القاهرة واجتمع بالسلطان، ورتّب له راتبا على المارستان المنصوري، وكان حسن الفهم، جيد المناظرة، يعتقد ابن عربي، وأقام بالقاهرة تسع سنين، وتوفي في جمادى الآخرة وقد جاوز السبعين. انتهى. وفيها شمس الدّين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن المنبجي الأسمري [٣] ، خطيب المزّة. سمع الكثير من التّقي سليمان، ووزيره، وابن مكتوم، وغيرهم، وتفرّد بأشياء، وأكثروا عنه، وهو آخر من حدّث عن ابن مكتوم ب «الموطأ» ، وعن وزيره ب «مسند الشافعي» وولي بأخرة قضاء الزّبداني، وتوفي في ذي القعدة عن ست وثمانين سنة. وفيها بدر الدّين محمد بن إسماعيل الإربلي بن الكحّال [٤] .

стр. 4137

قال ابن حجر: عني بالفقه والأصول، وكان جيد الفهم، فقيرا، ذا عيال، وهو مع ذلك راض قانع، جاوز الأربعين [١] . انتهى. وفيها عزّ الدّين أبو اليمن محمد بن عبد اللطيف بن محمود بن أحمد الرّبعي بن الكويك [٢] . أصله من تكريت، ثم سكن سلفه الإسكندرية، وكانوا تجارا بها [٣] . وسمع بالإسكندرية من العتبي، ووجيهة بنت الصّعيدي، وبدر الدّين بن جماعة، وعلي بن قريش، وأبي حيّان، وغيرهم. وكان رئيسا، مسموع الكلمة عند القضاة. توفي في جمادى الأولى عن خمس وسبعين سنة.

стр. 4138

سنة إحدى وتسعين وسبعمائة توفي شهاب الدّين أبو الخير أحمد بن عمر بن محمد بن أبي الرّضا [١] قاضي القضاة الحموي الشافعي، نزيل حلب. اشتغل في الفقه وغيره، وأخذ عن العلّامة شرف الدّين يعقوب خطيب قلعة حماة، ورحل إلى الشام، وقرأ على أهلها، ورحل إلى القاهرة، واشتغل بها، وقدم حلب سنة بضع وسبعين قاضي العسكر ومفتي دار العدل، فأقام بها يفتي ويفيد، ثم تولى قضاء حلب فحمدت سيرته. ذكره الحافظ برهان الدّين الحلبي سبط ابن العجمي فقال: فريد الشام ذكاء ومعرفة ودهاء وحفظا، غير أنه كان له أناس يعادونه وما يصنعه يخرجونه في قوالب رديئة ويتكلمون فيه بأشياء ليست فيه، ولكن الحسد حملهم على ذلك، وكان أوحد العلماء، متقنا، متفننا، أستاذا في القراءات وتوجيهها، والتفسير، والمعاني، والبيان، والبديع، والعروض، والنّظم، والنّثر الفائق، والإنشاء، عالما بالفقه والأصلين، ويحفظ جملة صالحة من الحديث وصناعته، يكاد يحفظ «شرح مسلم» و «معالم السنن» للخطابي، وكان أستاذا في معرفة الطبّ والعلاج، وهو رجل غريب في بابه، وكان يحافظ على الجلوس في المسجد لا يكاد يخرج منه إلّا لحاجته، وعنده حشمة، وله سياسة وكياسة، يعظّم العلم وأهله، ولا يقدّم عليهم أحدا. لم أر بحلب أحدا بعده من أهلها أعلم منه ولا من غيرها إلّا ما كان من شيخنا سراج الدّين البلقيني، إلى أن قال: وله مؤلفات

стр. 4139

نفيسة، منها كتاب «الناسخ والمنسوخ» وكتاب في فنون القراءات [١] مجلد ضخم، ونظم «غريب القرآن» للعزيزي على قافية «الشّاطبية» ووزنها، وكتاب «مفاخرة بين السيف والقلم» وكتاب ليس فيه حرف معجم، وغير ذلك. ودخل بين التّرك فأخذ وحبس بالقلعة، ثم حمل مقيّدا إلى قريب من خان شيخون وقتل هناك في ذي القعدة، ثم نقل إلى حماة إلى مقبرة والده وأهله. وقال العيني في «تاريخه» : قتل شرّ قتلة، وكان ذلك أقلّ جزائه، فإن الظّاهر هو الذي جعله من أعيان الناس وولّاه القضاء من غير بذل ولا سعي، فجازاه بأن أفتى في حقّه بما أفتى، وقام في نصر أعدائه بما قام، وشهر السّيف، وركب بنفسه والمنادي بين يديه ينادي [٢] : قوموا انصروا الدولة المنصورية بأنفسكم وأموالكم، فإن الظّاهر من المفسدين العصاة الخارجين، فإن سلطنته ما صادفت محلا، إلى غير ذلك، وكان عنده بعض شيء من العلم، ولكنه كان يرى نفسه في مقام عظيم، وكان مولعا بثلب أعراض الكبار، وكان باطنه رديئا وقلبه خبيثا. قال: وسمعت أنه كان يقع في حقّ الإمام أبي حنيفة. انتهى كلام العيني ملخصا. وفيها شهاب الدّين أحمد بن زين الدّين عمر بن الشّهاب محمود بن سلمان [٣] بن فهد الحلبي الأصل الدمشقي، المعروف بالقنّبيط [٤] . قال ابن حجر: ولد سنة عشر أو نحوها، وسمع من أمين الدّين محمد بن أبي بكر بن النّحاس وغيره، ووقع في الدّست، فكان أكبرهم سنا وأقدمهم. مات في ربيع الأول عن ثمانين سنة وزيادة ولم يحدّث شيئا، وهو الذي أراد صاحبنا شمس الدّين بن الجزري بقوله:

стр. 4140

باكر إلى دار عدل جلّق يا ... طالب خير فالخير في البكر فالدّست قد طاب واستوى وغلا ... بالقرع والقنّبيط والجزر وأشار بالقنّبيط إلى هذا، وبالجزر إلى نفسه، وبالقرع إلى أبي بكر بن محمد الآتي ذكره سنة أربع وتسعين. انتهى. وفيها محبّ الدّين أحمد بن محمد المعروف بالسبتي [١] . انقطع بمصلى حولان ظاهر مصر، وكان معتقدا ويشار إليه بعلم الحروف والزايرجا [٢] . ومات في عشري صفر وقد جاوز الثمانين ظنا، وكان حسن السّمت. وفيها شهاب الدّين أحمد بن موسى بن علي، المعروف بابن الوكيل [٣] . عني بالفقه والعربية، وقال النظم فأجاد، وكان سمع بمكّة من الجمال بن عبد المعطي المكّي، وبدمشق من الصّلاح بن أبي عمر. ومن شيوخه في العلم صلاح الدّين العفيفي، ونجم الدّين بن الجابي، وجمال الدّين الأسيوطي، وشمس الدّين الكرماني، وكان يتوقد ذكاء. مات بالقاهرة في صفر. وفيها شهاب الدّين أحمد بن ركن الدّين بن أبي يزيد بن محمد السّرائي الحنفي الشهير بمولانا زاده [٤] . قال [ابن حجر] [٥] في «إنباء الغمر» : كان والده كثير المراعاة للعلماء

стр. 4141

والتعهد للصالحين، وكان السلاطين من بلاد سراي قد فوّضوا إليه النظر على أوقافهم، فكانت تحمل إليه الأموال من أقطار البلاد ولا يتناول لنفسه ولا لعياله شيئا. وكان يقول: أنا أتجنبه ليرزقني الله ولدا صالحا، ثم مات الشيخ سنة ثلاث وستين وخلّف ولده هذا ابن تسع سنين، وقد لاحت آثار النّجابة عليه، فلازم الاشتغال حتّى أتقن كثيرا من العلوم، وتقدم في التدريس والإفادة وهو دون العشرين، ثم رحل من بلاده فما دخل بلدا [١] إلّا عظّمه أهلها [٢] لتقدمه في الفنون ولا سيما فقه الحنفية، ودقائق العربية، والمعاني، وكانت له مع ذلك يد طولى في النّظم والنّثر، ثم حبّب إليه السلوك، فبرع في طريق الصّوفية، وحجّ وجاور، ورزق في الخلوات فتوحات عظيمة، ثم دخل القاهرة، ثم رجع إلى المدينة فجاور بها، ثم رجع فأقام بخانقاه سعيد السعداء، واستقرّ مدرسا للمحدّثين بالظّاهرية الجديدة أول ما فتحت بين القصرين، وقرر مدرسا للصرغتمشية في الحديث أيضا، ثم إن بعض الحسدة دسّ إليه سمّا، فتناوله فطالت علّته بسببه إلى أن مات في المحرم. انتهى. وفيها صدر الدّين أبو المعالي عبد الخالق، ويقال له أيضا: محمد بن محمد بن محمد الشّعيبي- بالمعجمة والموحدة مصغرا- الإسفراييني [٣] . ولد سنة أربع وثلاثين، وكان عارفا بالفقه، وحدّث بكتاب «المناسك» تصنيف أبيه عنه، وشرح منه قطعة، وجمع هو كتابا في المناسك أيضا كثير الفائدة [٤] ، وكان مشهورا ببغداد. مات بفيد [٥] منصرفا من الحجّ في المحرم.

стр. 4142

وفيها القاضي جمال الدّين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن سليمان الإسكندراني المالكي، المعروف بابن خير [١] . سمع من ابن الصّفي، والوادي آشي، وغيرهما، وكان عارفا بالفقه، ديّنا، خيّرا. ولي الحكم فحمدت سيرته. قال ابن حجر: قرأت عليه شيئا. مات في سابع عشر رمضان واستقرّ بعده تاج الدّين بهرام الدّميري في قضاء المالكية بعناية الخليفة المتوكل. انتهى. وفيها نجم الدّين عبد الرحيم بن عبد الكريم بن عبد الرحيم بن رزين الحموي الأصل القاهري [٢] . قال ابن حجر: سمع «الصحيح» من وزيرة، والحجّار، وسمع من غيرهما. وحدّث. سمعت عليه بمصر. مات في جمادى الأولى وله إحدى وتسعون سنة. انتهى. وفيها تقي الدّين عبد الوهاب بن سبع البعلبكي [٣] . عني بالعلم وحصّل ودرّس، وألّف مختصرا في الأحكام، وولي قضاء بعلبك فلم يحمد في القضاء. مات بدمشق. وفيها فخر الدّين علي بن أحمد بن محمد بن التّقي سليمان بن حمزة المقدسي ثم الصّالحي الحنبلي [٤] . ولد سنة أربعين، وسمع الكثير، ولازم ابن مفلح، وتفقه عنده، وخطب

стр. 4143

بالجامع المظفّري، وكان أديبا، ناظما، ناثرا، منشئا، له خطب حسان ونظم كثير وتعاليق في فنون، وكان لطيف الشمائل. توفي في جمادى الآخرة. وفيها علي بن الجمال محمد بن عيسى اليافعي [١] . كان عارفا بالنحو في بلاد اليمن. مات بعدن في صفر. قاله السيوطي في «طبقات النّحاة» . وفيها شرف الدّين الأشقر عثمان بن سليمان بن رسول بن يوسف بن خليل بن نوح الكراديّ الحنفيّ [٢] . أصله من تركمان البلاد الشمالية، واشتغل في بلاده، ثم قدم القاهرة في دولة الأشرف، فصحب الملك الظّاهر قبل أن يتأمّر. وكانت له به معرفة من بلاده فلما كبر قرّره إماما عنده، وتقدم في دولته، وولاه قضاء العسكر ومشيخة الخانقاه البيبرسية. وكان حسن الهيئة، مشاركا في الفضائل، جيد المحاضرة. مات في رابع عشري ربيع الآخر عن نحو خمسين سنة. وفيها محبّ الدّين محمد بن بدر الدّين عبد الله بن محمد بن فرحون اليعمري المغربي ثم المدني المالكي [٣] . كانت له عناية بالعلم، وولي قضاء بلده ولم يجاوز الخمسين. وفيها تقي الدّين محمد بن عبد القادر بن علي بن سبع البعلي [٤] . قال ابن حجر: اشتغل ودرّس مكان عمّه أحمد في الأمينية وغيرها، وأفتى، ودرّس، وولي قضاء بعلبك وطرابلس، ولم يكن مرضيا في سيرته،

стр. 4144

وجمع كتابا في الفقه مع قصور في [١] فهمه. وكان يكتب خطا حسنا، ويقرأ في المحراب قراءة جيدة، ويخطب بجامع رأس العين. مات في المحرم. انتهى. وفيها بدر الدّين أبو اليمن محمد بن سراج الدّين عمر بن رسلان بن نصير الكناني المصري البلقيني الشافعي، سبط بهاء الدّين بن عقيل [٢] . قال ابن قاضي شهبة في «طبقاته» : ولد في صفر سنة ست، وقيل سنة سبع وخمسين، وقدم دمشق مع والده سنة تسع وستين وهو مراهق، وقد حفظ عدة كتب فعرضها على مشايخ الشام إذ ذاك، وأجاز له جماعة [٣] من أصحاب البخاري، وابن القوّاس، وغيرهم، وأخذ عن والده وعن غيره من علماء عصره، منهم: جدّه الشيخ بهاء الدّين، وجمال الدّين الإسنوي، وتقدم وتميّز، وفاق أقرانه باجتهاده وجودة ذهنه، ودرّس واشتغل وأفتى، ونزل له والده عن قضاء العسكر في شعبان سنة تسع وسبعين، وكان حسن الذات، مليح الصّفات، وكان يكثر البحث مع والده ويعارضه، وكان والده يسرّ بذلك كثيرا. وقد ذكر له الأديب زين الدّين طاهر بن حبيب ترجمة حسنة، وقال: كان كلفا بالجود لا متكلفا، مطبوعا على مكارم الأخلاق لا متطبعا، وأخذ الفقه عن والده شيخ الإسلام، وبرع فيه، إلى أن روت عنه أفواه المحابر وألسنة الأقلام، وشارك أهل العلوم. فكان لهم منه أوفى نصيب، وجامل أرباب الفنون فظهر لهم بكل معنى غريب، ثم دوّن العلم الشريف، وكرّس، وباشر الوظائف الجليلة، وأفتى [٤] ودرّس، وتولى قضاء العسكر بالدّيار المصرية، واستمرّ إلى أن تطاولت إليه يد القضاء

стр. 4145

القسرية، فتوفي في شعبان بالقاهرة، ودفن بمدرسة والده التي أنشأها بقرب جامع الحاكم وتألم والده عليه كثيرا، وتوفي عن نيف وثلاثين سنة. وفيها شمس الدّين محمد بن محمود بن عبد الله النيسابوري [١] ، ابن أخي جار الله الحنفي. قدم القاهرة، ولازم عمّه وغيره في الاشتغال، وولي إفتاء دار العدل، ومشيخة سعيد السّعداء، وكان بشوشا، حسن الأخلاق، عالما بكثير من المعاني والبيان والتصوف. ومات في ربيع الآخر ولم يكمل الخمسين. وفيها سعد الدّين مسعود بن عمر بن عبد الله [٢] هكذا أثبته السيوطي في «طبقات النحاة» بلفظ مسعود وهو المشهور، والذي أثبته ابن حجر في كتابيه «الدّرر الكامنة» و «إنباء الغمر» بلفظ محمود بن عمر بن عبد الله التّفتازاني الإمام العلّامة، عالم النحو، والتصريف، والمعاني، والبيان، والأصلين، والمنطق، وغيرهما. قال ابن حجر: ولد سنة اثنتي عشرة وسبعمائة بتفتازان- بفتح الفوقيتين والزاي، وسكون الفاء، وبالنون، قرية بنواحي نسا [٣]- وأخذ عن القطب والعضد، وتقدم في الفنون، واشتهر ذكره، وطار صيته، وانتفع الناس بتصانيفه، وكان في لسانه لكنة، وانتهت إليه معرفة العلم بالمشرق. انتهى ملخصا. وقال غيره: فرغ من تأليف «شرح الزّنجاني» حين بلغ ست عشرة سنة، ومن «شرح تلخيص المفتاح» في صفر سنة ثمان وأربعين بهراة، ومن اختصاره سنة ست وخمسين، ومن «شرح الرسالة الشّمسية» في جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين بمزارجام، ومن «شرح التلويح» في ذي القعدة سنة ثمان وخمسين

стр. 4146

بكلستان تركستان، ومن «شرح العقائد» في شعبان سنة ثمان وستين، ومن «حاشية شرح مختصر الأصول» في ذي الحجّة سنة سبعين، ومن «رسالة الإرشاد» سنة أربع وسبعين كلّها بخوارزم، ومن «مقاصد الكلام» وشرحه في ذي القعدة سنة أربع وثمانين بسمرقند، ومن «تهذيب الكلام» في رجب، ومن شرح «القسم الثالث من المفتاح» في شوال كلها في سنة تسع وثمانين بظاهر سمرقند. وشرع في تأليف «فتاوى الحنفية» يوم التاسع من ذي القعدة سنة تسع وستين. ومن تأليفه «مفتاح الفقه» سنة اثنتين وسبعين، ومن «شرح تلخيص الجامع» سنة ست وثمانين كلها بسرخس، ومن «شرح الكشّاف» في الثاني من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين بظاهر سمرقند. ومن شعره: إذا خاض في بحر التفكّر خاطري ... على درّة من معضلات المطالب حقرت ملوك الأرض في نيل ما حووا ... ونلت المنى بالكتب لا بالكتائب ومنه أيضا: فرق فرق الدّرس وحصل مالا ... فالعمر مضى ولم تنل آمالا ولا ينفعك القياس والعكس ولا ... افعنلل يفعنلل افعنلالا ومنه: طويت بإحراز العلوم وكسبها ... رداء شبابي والجنون فنون فلمّا تحصّلت العلوم ونلتها ... تبيّن لي أن الفنون جنون وحكي بعض الأفاضل أن الشيخ سعد الدّين كان في ابتداء طلبه بعيد الفهم جدا، ولم يكن في جماعة العضد أبلد منه ومع ذلك فكان كثير الاجتهاد ولم يؤيسه جمود فهمه من الطلب، وكان العضد يضرب به المثل بين جماعته في البلاد، فاتفق أن أتاه إلى خلوته رجل لا يعرفه فقال له: قم يا سعد الدّين لنذهب إلى السير، فقال: ما للسير خلقت أنا، لا أفهم شيئا مع المطالعة فكيف إذا ذهبت

стр. 4147

إلى السير ولم أطالع، فذهب وعاد، وقال له: قم بنا إلى السير، فأجابه بالجواب الأول ولم يذهب معه، فذهب الرجل وعاد، وقال له مثل ما قال أولا، فقال: ما رأيت أبلد منك، ألم أقل لك ما للسير خلقت فقال له: رسول الله- ﷺ يدعوك فقام منزعجا ولم ينتعل بل خرج حافيا حتّى وصل به إلى مكان خارج البلد به شجيرات، فرأى النّبيّ- ﷺ في نفر من أصحابه تحت تلك الشجيرات فتبسم له، وقال: «نرسل إليك المرّة بعد المرّة ولم تأت» . فقال: يا رسول الله ما علمت أنك المرسل وأنت أعلم بما اعتذرت به من سوء فهمي وقلة حفظي، وأشكو إليك ذلك. فقال له رسول الله- ﷺ : «افتح فمك» وتفل له فيه ودعا له، ثم أمره بالعود إلى منزله وبشّره بالفتح، فعاد وقد تضلّع علما ونورا. فلما كان من الغد أتى إلى مجلس العضد وجلس مكانه فأورد في أثناء جلوسه أشياء ظنّ رفقته من الطلبة أنها لا معنى لها لما يعهدون منه فلما سمعها العضد بكى وقال: أمرك يا سعد الدّين إليّ فإنك اليوم غيرك فيما مضى، ثم قام من مجلسه وأجلسه فيه وفخّم أمره من يومئذ. انتهى. وتوفي- ﵀ بسمرقند، وكان سبب موته ما ذكره في «شقائق النّعمان» في ترجمة ابن الجزري أن تيمورلنك جمع بينه وبين السيد الشّريف فأمر التّيمور بتقديم السّيد على السّعد، وقال: لو فرضنا أنكما سيّان في الفضل فله شرف النّسب، فاغتم لذلك العلّامة التّفتازاني وحزن حزنا شديدا فما لبث حتّى مات- رحمه الله تعالى-، وقد وقع ذلك بعد مباحثتهما عنده، وكان الحكم بينهما نعمان الدّين الخوارزمي المعتزلي فرجح كلام السيد الشريف على كلام العلّامة التّفتازاني. انتهى. وفيها منهاج الدّين الرّومي الحنفي [١] . كان أعجوبة في قلّة العلم والتلبيس على التّرك في ذلك.

стр. 4148

قدم القاهرة فولي تدريس الحنفية [بمدرسة أم الأشرف. قاله ابن حجر. وقال: قال شيخنا ناصر الدّين بن الفرات: حضرت درسه] [١] مرارا، فكان لا ينطق في شيء من العلم بكلمة، بل إذا قرأ القارئ شيئا استحسنه، وربما تكلّم بكلام لا يفهم منه شيء. مات في رابع عشري ربيع الأول.

стр. 4149

سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة في صفرها أخرج برقوق الملك الظّاهر من السّجن وعاد إلى ملكه، فاستمرّ إلى أن مات سنة إحدى وثمانمائة في شوالها كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وفيها توفي القاضي شهاب الدّين أحمد بن ظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة بن محمد بن علي بن عليّان بن هاشم بن مرزوق المخزومي المكّي الشافعي القرشي [١] . قال ابن أخيه القاضي جمال الدّين في معجم شيوخه الذي سمّاه «إرشاد الطالبين إلى شيوخ ابن ظهيرة جمال الدّين» ما لفظه: أبو العبّاس شهاب الدّين أحمد بن ظهير الدّين ظهيرة عمّي الإمام الفقيه المفتي. ولد بمكة في شهور سنة ثماني عشرة وسبعمائة، وسمع بها من القاضي نجم الدّين محمد [بن الجمال] [٢] بن المحبّ الطّبري، وأخيه الزّين محمد، وأحمد بن الرّضي الطّبري، والأمين الأقشهري، والجمال محمد بن أحمد بن خلف المطري، وعيسى بن عبد العزيز الحجي. سمع منه «صحيح البخاري» في آخرين، وتفقه على جماعة، منهم: العلّامة نجم الدّين الأصفوني وبه تخرّج، وأخذ الحساب والفرائض، وأخذ الأصول عن العلّامة جمال الدّين

стр. 4150

عبد الرحيم الإسنوي، وقرأ بالروايات على أبي إسحاق إبراهيم بن مسعود المروزي وغيره، وأذن له الحافظ أبو سعيد بن العلائي وغيره بالإفتاء، وتصدّر للاشتغال بالمسجد الحرام فانتفع به جماعة، وناب في الحكم عن القاضيين تقي الدّين وكمال الدّين، ثم ولي قضاء مكّة وخطابتها بعد موت شيخنا القاضي أبي الفضل، ثم عزل عن ذلك سنة ثمان وثمانين، فلازم شغل الطلبة بالحرم الشريف إلى أن توفي ليلة السبت ثالث عشري ربيع الأول وصلّي عليه من الغد بالمسجد الحرام ودفن بالمعلاة. وفيها شهاب الدّين أحمد بن موسى بن علي بن الحداد الزّبيدي [١] الحنفي الفرضي [٢] . كان عارفا بالفرائض فاضلا. مات بزبيد في ذي الحجة. قاله ابن حجر. وفيها شرف الدّين إسماعيل بن حاجي الفروي [٣]- بفتح الفاء وسكون الراء نسبة إلى فروة جد- الفقيه الشافعي [٤] . كان أحد علماء بغداد، ثم قدم دمشق في حدود السبعين فأفاد بها في الجامع وغيره، ودرّس بالعينية وغيرها، وكان ديّنا، خيّرا، تصدّق بما يملكه في مرض موته، ومات في صفر. وفيها سرحان بن عبد الله الفقيه المالكي [٥] . قال ابن حجر: كان عارفا بمذهبه. مات في ذي الحجّة بالقاهرة، وكان أكولا مشهورا بذلك.

стр. 4151

وفيها عبد المؤمن بن أحمد بن عثمان المارداني ثم الدمشقي الشافعي [١] . قدم دمشق، فاشتغل ومهر، واستنابه التاج السّبكي في إمامة الجامع والخطابة، واستمرّ ينوب في ذلك إلى أن مات. وكان ديّنا، خيّرا، ملازما للجامع، يشغل الطلبة. مات في ربيع الآخر. وفيها علاء الدّين علي بن خلف بن خليل بن عطاء الله الشافعي الغزّي [٢] ، قاضي غزّة. مولده سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وهو أخو القاضي شمس الدّين الغزّي، وأسنّ منه. قال الحافظ ابن حجي: كان له قديم اشتغال بدمشق، وسمع من ابن الشّحنة، وجماعة، أجاز لي ولم أسمع منه. انتهى. وقال ابن قاضي شهبة: بلغني أن أخاه والشيخ عماد الدّين الحسباني قرءا عليه في أول أمرهما وأنه اجتمع بالشّيخ سراج الدّين البلقيني فسأله عن شيء يمتحنه به، فقال: تمتحنني وأنا لي تلميذان أفتخر بهما على الناس أخي والحسباني [٣] . وولي قضاء غزّة مدة، ثم عزل بسبب سوء سيرة أولاده، وأقام مدة بقرن الحارة منقطعا إلى العبادة ورأيت آخرا بخطّه «مختصر تاريخ الإسلام» للذهبي، وبلغني أنه اختصر «التاريخ» جميعه. توفي في ربيع الآخر أو جمادى الأولى بغزّة. انتهى.

стр. 4152

وفيها زين الدّين أبو حفص عمر بن مسلم بن سعيد بن عمر بن بدر بن مسلم الكتّاني [١]- بتشديد الفوقية وبالنون- القرشي الملحي الدمشقي الإمام الفقيه الشافعي المحدّث المفسّر الواعظ. قال ابن قاضي شهبة: ولد في شعبان سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وورد دمشق بعد الأربعين، واشتغل بالفقه [٢] على خطيب جامع جرّاح شرف الدّين قاسم، وأخذ عن الشيخ علاء الدّين حجّي [٣] ، وأخذ الأصول عن البهاء الإخميمي، واشتغل في الحديث، وشرع في عمل المواعيد، وكان يعمل مواعيد نافعة تفيد الخاصة والعامة، وانتفع به خلق كثير من العوام، وصار لديهم فضيلة، وأفتى، وتصدّر للإفادة، ودرّس بالمسرورية ثم بالناصرية، ووقع بينه وبين ابن جماعة بسببها وحصل له محنة، ثم عوض عنها بالأتابكيّة، ثم أخذت عنه فلما ولي ولده قضاء دمشق في سنة إحدى وتسعين ترك له الخطابة وتدريس النّاصرية والأتابكية، ثم فوض إليه دار الحديث الأشرفية، فلما عادت دولة الظاهر أخذ واعتقل مع ابنه بالقلعة، وجرت لهما محن، وطلب منهما أموال، فرهن الشيخ كثيرا من كتبه على المبلغ الذي طلب منهما. قال الحافظ ابن حجّي: برع في علم التفسير، وأما علم الحديث، فكان حافظا للمتون، عارفا بالرجال، وكان سمع الكثير من شيوخنا، وله مشاركة في العربية. انتهى. وكان مشهورا بقوة الحفظ ودوامه، إذا حفظ شيئا لا ينساه، شجاعا مقداما، كثير المساعدة لطلبة العلم، يقول الحقّ على من كان من غير مداراة في الحق ولا محاباة، وملك من نفائس الكتب شيئا كثيرا، وكان كثير العمل والاشتغال لا يملّ، ولم يزل حاله على أحسن نظام إلى أن قدّر الله عليه ما قدّر

стр. 4153

فتوفي معتقلا بقلعة دمشق في ذي الحجّة ودفن بالقبيبات وحضر جنازته من لا يحصى كثرة. وفيها شمس الدّين محمد بن أحمد بن علي المصري [١] ، المعروف بالرفاء. قال ابن حجر: عني بالعلم قليلا، وسمع الحديث فأكثر، وسمع العالي والنازل، وجاور كثيرا فكان يلقّب حمامة الحرم، وكان يسكن الناصرية بين القصرين، صحبته قليلا، ومات في جمادى الأولى. وفيها فخر الدّين محمد بن مجد الدّين أحمد بن عمر بن عبد الكريم بن محبوب سبط شرف الدّين ابن الحافظ [٢] . سمع من يحيى بن سعيد، وابن الشّحنة، والتقيّ ابن تيميّة، وغيرهم. وكان مكثرا من الحديث، وقد تفقّه على جدّه وأذن له في الإفتاء، وكان فاضلا، ذكيا، يتعانى كل شيء يراه حتّى الخياطة والنجارة والبناء والموسيقى، مع حسن الشكالة ولطف المعاشرة، ورقّة النّظم. مات في ربيع الأول عن ثمان وثمانين سنة. وفيها محمد بن إسماعيل الأفلاقي [٣]- نسبة إلى أفلاق قرية بالقرب من دمنهور- المالكي. كان فاضلا ينظم الشعر نظما وسطا. توفي في سادس جمادى الأولى. وفيها جمال الدّين محمد بن عبد الله بن عبد الله بن أبي بكر الحثيثي- بمهملة ومثلثتين مصغرا- الصّرد في الرّيمي- بفتح الراء بعدها تحتانية ساكنة نسبة إلى ريمة ناحية باليمن- الشافعي [٤] . اشتغل في العلم [٥] ، وتقدم في الفقه،

стр. 4154

فكانت إليه الرحلة في زمانه. وصنّف التصانيف النافعة منها «شرح التّنبيه» في أربعة وعشرين سفرا، أثابه الملك الأشرف على إهدائه إليه أربعة وعشرين ألف دينار ببلادهم، يكون قدرها ببلادنا أربعة آلاف دينار، وله «المعاني الشريفة» و «بغية الناسك في المناسك» و «خلاصة الخواطر» وغير ذلك. ولّي قضاء الأقضية بزبيد دهرا. قال ابن حجر: قال لي الجمال المصري: كان الرّيمي كثير الازدراء بالنّووي، فرأيت لسانه في مرض موته قد اندلع [١] واسودّ، فجاءت هرة فخطفته فكان ذلك آية للناظرين. انتهى. توفي في أوائل المحرم، وقيل: في أول صفر بزبيد قاضيا بها. وفيها شمس الدّين أبو [٢] عبد الله محمد بن سليمان الصّرخدي [٣] الشافعي الإمام العلّامة المصنّف الجامع بين أشتات العلوم. أخذ [٤] العلوم عن مشايخها، وممن أخذ عنه شمس الدّين بن قاضي شهبة، والعماد الحسباني. وكان أجمع أهل البلد لفنون العلم. أفتى ودرّس، وأشغل وصنّف، غير أن لسانه كان قاصرا، وقلمه أحسن من لسانه، وكان حظّه من الدنيا قليلا، لم يحصل له شيء من المناصب، وإنما درّس بالتقوية والكلّاسة نيابة له، وتصدّر بالجامع، وكان ينصر مذهب الأشعري كثيرا ويعادي الحنابلة، وصنّف «شرح المختصر» ثلاثة أجزاء، واختصر «إعراب» السفاقسي. واعترض عليه [٥] في مواضع، واختصر «قواعد العلائي» و «التمهيد» للإسنوي واعترض عليهما في مواضع، واختصر «المهمات» وله غير ذلك. وكتب الكثير بخطّه

стр. 4155

واحترق غالب مصنّفاته في الفتنة قبل تبييضها. وكان فقيرا ذا عيال. توفي في ذي القعدة ودفن بباب الصغير بالقرب من معاوية رضي الله تعالى عنه. وفيها صدر الدّين محمد بن علاء الدّين علي بن محمد بن محمد بن أبي العزّ الحنفي الصالحي [١] . اشتغل قديما، ومهر، ودرّس، وأفتى، وخطب بحسبان مدة، ثم ولي قضاء دمشق في المحرم سنة تسع وسبعين، ثم ولّي قضاء مصر بعد ابن عمّه، فأقام شهرا، ثم استعفى ورجع إلى دمشق على وظائفه، ثم بدت منه هفوة فاعتقل بسببها، وأقام مدة مقترا خاملا إلى أن جاء النّاصري فرفع إليه أمره فأمر بردّ وظائفه فلم تطل مدته بعد ذلك، وتوفي في ذي القعدة. وفيها شمس الدّين محمد بن شرف الدّين محمد بن أحمد بن إبراهيم بن فلاح الإسكندراني [٢] ثم الدمشقي. سمع الحجّار، وحدّث، وكان ينسب إلى غفلة. قاله ابن حجر. وفيها صلاح الدّين محمد بن محمد بن عمر الأنصاري البلبيسيّ [٣] نزيل مصر. سمع «صحيح مسلم» على الشريف الموسوي موسى بن علي بن أبي طالب، والعزّ محمد بن عبد الحميد، وتفرّد عنهما بالسماع، وقد تأخر بعده رفيقه محمد بن يس لكنه كان حاضرا. توفي في رمضان عن سبع وثمانين سنة. وفيها الحافظ شمس الدّين أبو العبّاس محمد بن موسى بن محمد بن

стр. 4156

سند بن تميم، الإمام العالم الحافظ اللّخمي المصري الأصل الدمشقي الشافعي، المعروف بابن سند [١] . ولد في ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وطلب الحديث في حدود الخمسين، وسمع من جماعة بدمشق ومصر، وقرأ الفقه على شرف الدين بن قاسم خطيب جامع جرّاح، وقرأ الأصول بالديار المصرية على الجمال الإسنوي، وأخذ العربية عن التاج المراكشي، وأذن له في إقرائها، وأخذ في القدس عن الحافظ صلاح الدّين العلائي وأجازه بالفتوى والتدريس، وصحب القاضي تاج الدّين ولازمه وناب في الحكم عن القاضي سري الدّين المالكي، ثم عن القاضي ولي الدّين. ذكره الذهبي في «المعجم المختص» [٢] وهو آخر من ذكرهم فيه وفاة. وقال الحافظ شهاب الدّين بن حجّي: كان من أحسن الناس قراءة للحديث كان يرجح على كل أحد لحسن فصاحته، وخرّج لنفسه أربعين متباينة المتن والإسناد، وخرّج لغيره، وتعين في الفنّ. سمعنا بقراءته كثيرا وله محفوظات في الفقه، والأصول، والعربية، وأجازه بالفتيا ابن كثير، والقاضي تاج الدّين. وقال في «إنباء الغمر» : ناب عن بعض القضاة الشافعية، كالتاج السّبكي، وكان شديد اللزوم له وقارئا لتصانيفه، وناب عنه في مشيخة دار الحديث الأشرفية وغيرها [٣] ، ثم تحول مالكيا فناب عن بعض المالكية، ثم رجع فناب عن أبي البقاء، ومات شافعيا عاشر صفر بدمشق، ودفن بمقبرة الصوفية وهو القائل: الحافظ الفرد إن أحببت رؤيته ... فانظر إليّ تجدني ذاك منفردا كفى لهذا دليل أنّني رجل ... لولاي أضحى الورى لم يعرفوا سندا

стр. 4157

وقرأت بخطّ البرهان المحدّث أنه اختلط قبل موته بسنة بسبب مرض طال به اختلاطا فاحشا. وقرأت بخط ابن حجي: أنه تغير في أخرة تغيّرا شديدا، ونسي بعض القرآن، فكان يقال: إن ذلك لكثرة وقيعته في الناس. انتهى ملخصا. وفيها شرف الدّين يعقوب بن عيسى الأقصرائي ثم الدمشقي [١] . ولد سنة عشرين، وسمع من الحجار والمزّي وغيرهما. وحدّث وخطب ودرّس، وناب في الحكم، وكان رجلا خيرا. مات في ذي الحجة.

стр. 4158

سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة فيها توفي أحمد بن زيد التّميمي الفقيه الشافعي [١] أحد المعلّمين في بلاد المخلاف [٢] . سخط عليه الإمام صلاح الدّين بن علي في قضية جرت له، فأمر بقتله، فحمل المصحف مستجيرا به على رأسه فلم يغن ذلك عنه، وقتل في تلك الحالة، ثم أصيب الإمام بعد قليل، فقيل كان ذلك سببه. وفيها ولي الدّين أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خير المالكي [٣] قاضي القضاة. قرّر في بعض وظائفه ابنه بعد موته، منها درس الحديث بالشيخونية، ومات شابا في جمادى الآخرة. وفيها أحمد بن قطلوبغا العلائي الحلبي [٤] . سمع من إبراهيم بن صالح بن العجمي شيئا من «عشرة الحداد» [٥] . وحدّث. مات في شعبان وقد جاوز السبعين.

стр. 4159

وفيها جلال بن أحمد بن يوسف بن طوع رسلان الثّيري [١]- بكسر المثلثة وسكون التحتية [٢] بعدها راء- الشيخ العلّامة جلال الدّين التبّاني الحنفي، وقيل: اسمه رسول. قدم القاهرة في آخر دولة الناصر، فأقام بمسجد بالتبّانة فغلب عليه نسبته إليها، وكان يذكر أنه سمع «صحيح البخاري» على علاء الدّين التركماني، وتلمذ للشيخين جمال الدّين بن هشام، وبهاء الدّين بن عقيل، فبرع في العربية، وصنف فيها وتفقّه على القوام الأتقاني، والقوام الكاسي، وانتصب للإفادة مدة وشرح «المنار» ، ونظم في الفقه «منظومة» وشرحها في أربع مجلدات، وعلّق على البزدوي، واختصر «شرح البخاري» لمغلطاي، وعلّق على «المشارق» و «التلخيص» ، وصنّف في منع تجدد الجمعة وفي أن الإيمان يزيد وينقص، وانتهت إليه رئاسة الحنفية وعرض عليه القضاء مرارا فامتنع وأصرّ على الامتناع. ومات بالقاهرة في ثالث رجب. وفيها صلاح بن علي بن محمد بن علي العلويّ الزّيديّ [٣] الإمام. ولي الإمامة بصعدة، وحارب صاحب اليمن مرارا وكاد يتغلّب على المملكة كلّها، فإنه ملك لحج وأبين، وحاصر عدن وهدم أكثر سورها، وحاصر زبيد فكاد أن يملكها ورحل عنها، ثم هاداه الأشرف، وصار يهاديه، وكان مهابا فاضلا عالما عادلا، سقط عن بغلته بسبب نفورها من طائر طار فتعلّل حتّى مات بعد ثلاثة أشهر في ذي القعدة. قاله ابن حجر. وفيها عائشة بنت السّيف أبي بكر بن عيسى بن منصور بن قواليج [٤] الدمشقيّة [٥] بنت عمّ بدر الدّين بن قواليج.

стр. 4160

روت عن القاسم بن مظفّر والحجّار، وغيرهما، وحدّثت، وماتت في شوال. وفيها عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد بن بهرام السّروجي [١] ، حفيد القاضي شمس الدّين محمد بن بهرام. قال في «إنباء الغمر» : ولد سنة اثنتي عشرة وسبعمائة. واشتغل وتفقه [٢] ، وتعانى الشروط، وصنّف فيه، وولي قضاء عين تاب، وكان حسن الخطّ، قدوة في فنّه. وفيها شرف الدّين أبو حاتم عبد القادر بن شمس الدّين أبي عبد الله محمد الآتي ذكره ابن عبد القادر الجعفري النابلسي الحنبلي [٣] قاضي القضاة العلّامة. كان من أهل العلم وبيته ورئاسته، تولّى قضاء دمشق في حياة والده، ولمّا دخل متواليا إليها في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة. سلّم له الموافق والمخالف في كثرة علومه، وكان في مبدإ أمره يقف الصفان له في صغره، يتأمّلون حسنه وحسن شكله. توفي مسموما بدمشق في شهر رمضان ومات سائر من أكل معه، وهو والد القاضي بدر الدين قاضي نابلس الآتي ذكره أيضا إن شاء الله تعالى، ولما بلغ والده موته انزعج لذلك كثيرا واختلط عقله، وما زال مختلطا إلى أن مات. وفيها صدر الدّين عمر بن عبد المحسن بن عبد اللطيف بن رزين [٤] . سمع الدّبوسي، والقطب الحلبي، وغيرهما، وأجاز له الحجّار، وابن الزرّاد، وطائفة، وحدّث، وناب في الحكم بصلابة ومهابة، ودرّس بأماكن

стр. 4161

وكان [١] بيده تدريس الحديث بالظّاهرية البيبرسية وبالفاضلية، واستقرّ فيهما بعده العراقي، وتوفي في المحرم. وفيها فاطمة بنت عمر بن يحيى المدنيّة [٢] ، وتعرف ببنت الأعمى. أجاز لها الدّشتي، والقاضي، والمطعم، وحدّثت بمصر مدة، وماتت في آخر السنة. وفيها فتح الدّين أبو بكر محمد بن إبراهيم بن محمد القاضي، العالم المتفنّن الأديب الكاتب الفقيه الشافعي النابلسي الأصل ثم الدمشقي، المعروف بابن الشهيد [٣] . كان كاتب السّرّ بدمشق. ولد سنة ثمان وعشرين، واشتغل في العلوم، وتفنّن، وفاق أقرانه في النّظم والنّثر والكتابة. وولي كتابة السر، ومشيخة الشيوخ في ذي القعدة سنة أربع وستين، فباشر مدة ثلاث سنين ونصف، ثم عزل ثم أعيد إلى الوظيفتين بعد أشهر، واستمرّ أكثر من سبع سنين، ثم عزل من كتابة السرّ، وأعيد غير مرّة ومدة ولايته خمس عشرة سنة وأشهر، ودرّس بالناصرية الجوانية والظّاهرية الجوّانية، وولاه منطاش الخطابة. وكان يخطب خطبا فصيحة بليغة لكن لم يكن عليها قبول، وكان بينه وبين الأمر سيف الدّين نائب الشام عداوة شديدة عند ما يلي نيابة الشام يعزل المذكور ويصادر ويؤذى، وتارة يختفي، وفي بعض النّوب في اختفائه منه نظم «السيرة النّبوية» من عدة كتب ثلاث مجلدات في خمسة وعشرين ألف بيت وسمّاه «الفتح

стр. 4162

القريب من سيرة الحبيب» وضمّ إلى ذلك فوائد «الرّوض» [١] مع زيادات وإشكالات تدلّ على طول باعه في العلم، وحدّث بها بدمشق، وممن سمع ذلك الحافظ شهاب الدّين بن حجّي، وحدّث بها بالقاهرة أيضا وشرح مجلدة منها في اثنتي عشرة مجلدة، وهو الثلث من المنظومة. وكان الشيخ سراج الدّين البلقيني يثني على فضائله. توفي قتيلا بظاهر القاهرة لقيامه على الظّاهر في شعبان. قال ابن حجر: لما آل الأمر إلى برقوق حقد عليه فأمر بالقبض عليه- أي من الشام- فحمل إلى القاهرة مقيّدا وأودع السّجن مع أهل الجرائم، ثم أمر به فأخرج إلى ظاهر القاهرة فضربت عنقه بالقرب من القلعة وذلك قبل رمضان بيوم، ودفن إلى جانب أخيه شمس الدّين محمد بن إبراهيم [١] لأنه كان مقيما بالقاهرة ومات قبل قتل أخيه في هذه السنة. وإلى جانب أخيه الآخر نجم الدّين محمود بن إبراهيم [٢] أخو اللذين قبله. تنقّل في البلاد، وولي كتابة السرّ بتنّيس عشرين سنة، ثم قدم [٣] القاهرة، فمات بها بعد أخويه في ذي القعدة، واتّفق أن دفن الثلاثة في قبر واحد بعد الشتات الطّويل. وفيها تقي الدّين محمد [بن أحمد] [٤] بن عبد الرحمن الدمشقي ابن الظّاهري [٥] . سمع من الحجّار ومحمد بن محمد بن عرب شاه وتفقه، وتوفي في صفر.

стр. 4163

وفيها تقي الدّين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حاتم المصري [١] ابن إمام جامع ابن الرّفعة. قال ابن حجر: ولد سنة سبع عشرة، وسمع علي الحجّار، والواني، والدّبوسي وغيرهم، وكان عالما بالفقه، درّس بالشريفية ودرّس للمحدّثين بقبة بيبرس، وحدّث، وأفاد، ومات في ذي القعدة. وفيها فتح الدّين أبو الفتح محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد العسقلاني [٢] المقرئ، إمام جامع طولون. ولد سنة أربع وسبعمائة، وتلا بالسبع على التّقي الصّائغ، وسمع عليه «الشاطبية» فكان خاتمة أصحابه بالسماع، وأقرأ الناس بأخرة فتكاثروا عليه. مات في المحرم. وفيها أبو الوليد محمد بن أحمد بن أبي الوليد محمد بن أبي محمد القرطبي ثم الغرناطي [٣] ، نزيل دمشق. أمّ بالجامع، وكان فاضلا. توفي في ذي الحجّة. وفيها بدر الدّين محمد بن أحمد بن محمد بن مزهر الشافعي الدمشقي [٤] ، كاتب السرّ، وليها مرتين قدر عشر سنين [٥] ، وكان قد تفقه على ابن قاضي شهبة، وهو الذي قام معه في تدريس الشّامية البرّانية، ونشأ على طريقة مثلي، وباشر بعفة ونزاهة.

стр. 4164

وفيها أبو الحسن محمد بن أحمد بن موسى بن عيسى البطرقي الأنصاري [١] . سمع من والده كثيرا، وأجاز له أبو جعفر بن الزّين، وقاضي فاس أبو بكر محمد بن محمد بن عيسى بن منتصر، وتفرّد بذلك، وكان آخر المسندين ببلاد إفريقية، وكان زاهدا، مقبلا على القراءات والخير. مات بتونس في ذي القعدة عن تسعين سنة وأشهر. وفيها محمد بن إسماعيل بن سراج الكفربطناوي [٢] . حدّث بالصحيح عن الحجّار بمصر وغيرها، وكان من فقهاء المدارس بدمشق، وأذن له ابن النّقيب، وتوفي في إحدى الجمادين ببيسان راجعا من القاهرة. وفيها شمس الدّين محمد بن علي بن أحمد بن محمد اليونيني البعلي الحنبلي، المعروف بابن اليّونانية [٣] . ولد سنة سبع وسبعمائة، وسمع من الحجّار، وتفقه فصار شيخ الحنابلة على الإطلاق، وسمع الكثير، وتميّز، وولي قضاء بعلبك سنة تسع وثمانين عوضا عن ابن النّجيب، وسمع عليه ببعلبك القاضي تقي الدّين بن الصّدر قاضي طرابلس، ولخص «تفسير ابن كثير» في أربع مجلدات وانتفع به. وتوفي في شوال. وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن يوسف الرّكراكي المالكي [٤] . قال ابن حجر: كان عالما بالأصول والمعقول وينسب لسوء الاعتقاد وسجن بسبب ذلك ونفي إلى الشام ثم تقدم عند الظاهر وولاه القضاء وسافر معه في هذه

стр. 4165

السنة فمات بحمص في رابع شوال ورثاه حجّاج بن عيسى بقوله: لهفي على قاضي القضاة محمّد ... إلف العلوم الفارس الرّكراكي قد كان رأسا في القضا فلأجل ذا ... أسفت عليه عصابة الأتراك ولما سمع شيخنا سراج الدّين بموته قال: لله درّ عقارب حمص، وكانت هذه تعدّ من [١] نوادر شيخنا، إلى أن وجد في «ربيع الأبرار» أن أرض حمص [٢] لا تعيش فيها عقارب [٢] وإن أدخل فيها عقرب غريبة [٣] ماتت من ساعتها. وفيها مراد بن أورخان ثالث ملوك بني عثمان [٤] . ولي السلطنة بعد موت أبيه سنة إحدى وستين [٥] وسبعمائة، وكان شديد البطش والفتك في الكفّار، وافتتح كثيرا من البلاد منها أدرنة، ولما ضاق الكفّار به ذرعا أظهر واحد من ملوكهم الطّاعة له، وقدم ليقبّل يده فضرب السلطان بخنجر كان بيده، فاستشهد رحمه الله تعالى. وفيها شرف الدّين موسى بن عمر [بن منصور] [٦] اللّوبياني الشّامي [٧] . ولد بعد سنة عشرين، وسمع من الحجّار، وكان فقيها نبيها، أذن له ابن النّقيب في الإفتاء، وكان يدرّس ويفتي ويرتزق من الشهادة. توفي في ربيع الأول.

стр. 4166

سنة أربع وتسعين وسبعمائة في شعبانها كان الحريق العظيم بدمشق، فاحترقت المئذنة الشرقية وسقطت، واحترقت الصّاغة والدهشة، وتلف من الأموال ما لا يحصى، وعمل في ذلك تقي الدّين ابن حجّة الحموي «مقامة» في نحو عشرة أوراق من رائق النثر وفائق النظم، وهي أعجوبة في فنّها. قاله ابن حجر. وفيها ثار الغلاء المفرط بدمشق. وفيها رجع تمرلنك إلى بلاد العراق في جمع عظيم، فملك أصبهان، وكرمان، وشيراز، وفعل بها الأفاعيل المنكرة، ثم قصد شيراز، فتهيأ منصور شاه لحربه، فبلغ تمرلنك اختلاف من في سمرقند فرجع إليها فلم يأمن منصور من ذلك، بل استمرّ على حذره، ثم تحقق رجوع تمرلنك، فأمن، فبغته تمرلنك، فجمع أمواله وتوجه إلى هرمز، ثم انثنى عزمه، وعزم على لقاء تمرلنك، فالتقى بعسكره وصبروا صبر الأحرار، لكن الكثرة غلبت الشّجاعة، فقتل منصور في المعركة ثم استدعى ملوك البلاد فأتوه طائعين، فجمعهم في دعوة وقتلهم أجمعين. وفيها توفي ناصر الدّين إبراهيم بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر بن إسماعيل بن عمر بن بختيار [١] الصالحي، المعروف بابن السلّار [٢] . ولد سنة أربع وسبعمائة، وسمع من عبد الله بن أحمد بن تمّام، وابن الزرّاد، وست الفقهاء بنت الواسطي، وهو آخر من روى عن الدّمياطي بالإجازة، وكان له نظم ونباهة ونوادر ومجاميع مشتملة على غرائب مستحسنة.

стр. 4167

توفي في شعبان عن تسعين سنة، وكان موت والده سنة ست عشرة وسبعمائة. وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن علي الدّنيسريّ بن العطّار القاهري الشافعي [١] . ولد سنة ست وأربعين، وقرأ القرآن، واشتغل بالفقه، ثم تولع بالأدب، ونظم فأكثر، وأجاد المقاطيع في الوقائع، ومدح [٢] الأكابر بالقصائد، ونظم «بديعية» ولم يكن ماهرا في العربية فيوجد في شعره اللّحن، وقد تهاجى هو وعيسى بن حجّاج، وله «نزهة الناظر في المثل السائر» . وكان حادّ البادرة، وله ديوان قصائد نبوية نظمها بمكّة، سمّاها «فتوح مكة» وديوان مدائح في ابن جماعة سمّاه «قطع المناظر بالبرهان الحاضر» و «الدرر الثمين في التضمين» . وهو القائل: أتى بعد الصّبا شيبي وظهري ... رمي بعد اعتدال باعوجاج كفى أن كان لي بصر حديد ... وقد صارت عيوني من زجاج توفي في ربيع الآخر. وفيها عبد الله بن خليل بن عبد الرحمن بن جلال الدّين البسطامي [٣] نزيل بيت المقدس، صاحب الأتباع. كان للناس فيه اعتقاد كثير، وله زاوية في القدس معروفة، وكان نشأ ببغداد، وتفقه بمذهب الشافعي، إلى أن أعاد [٤] بالنظامية، فاتفق قدوم الشيخ علاء الدّين العشقي البسطامي فلازمه وانتفع به، وصار من مريديه، فسلّكه

стр. 4168

وهذّبه، وتوجه معه لزيارة بيت المقدس فطاب للشيخ المقام بها فأقام وكثر أتباعه، واستمر يتعانى المجاهدات وأنواع الرياضات إلى أن حضرت شيخه الوفاة، فعهد إليه أن يقوم مقامه، فقام [١] أتم قيام، ورزقه الله تعالى القبول، وكثرت أتباعه، وكان كثير التواضع، مهيبا. توفي بالقدس في المحرم. وفيها عبد الله بن ظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة المخزومي المكّي الشافعي [٢] ، والد قاضي مكّة وأخو قاضيها. ولد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وسمع من عيسى الحجي، وعيسى بن الملوك، وغيرهما، وكان ديّنا، خيّرا، له نظم وعبادة. توفي في ربيع الآخر وحدّث عنه ولده. وفيها عبد الخالق بن علي بن الحسين بن الفرات المالكي [٣] ، موقّع الحكم. برع في الفقه، وشرح «مختصر الشيخ خليل» وحمل عن الشيخ جمال الدّين بن هشام، وكتب الخط المنسوب، ودرّس، ووقّع على القضاة راتبة مرارا، وكان سمع من أبي الفتح الميدومي، وحدّث، وتوفي في جمادى الآخرة. وفيها فخر الدّين عبد الرحمن بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن مكانس الحنفي [٤] ، الكاتب النّاظم النّاثر المشهور. ولي نظر الدولة مرارا، وتنقل في الولايات، وولي وزارة دمشق أخيرا، ثم استدعي أخيرا إلى القاهرة ليستقرّ وزيرا بها فاغتيل بالسمّ في الطريق فدخل القاهرة

стр. 4169

ميتا، وكان ماهرا في الكتابة، عارفا بصناعة الحساب، أعجوبة في الذكاء، له الشعر الفائق والنّظم الرائق. قال ابن حجر: ما طرق سمعي أحسن من قوله في الرسالة التي كتبها للبشتكي لما صاد السمكة، وهي الرسالة الطويلة، منها: وقعد لصيد السمك بالمرصاد، وأطاعه حرف النصر، فكلما تلا لسان البحر نون تلا لسان العزم صاد. وهو القائل: علقتها معشوقة خالها ... قد عمّها بالحسن بل خصّصا ما وصلها [١] الغالي وما جسمها ... لله ما أغلى وما أرخصا سمعت من لفظه شيئا من الشعر، وكانت بيننا مودة. قال المقريزي- بعد أن أثنى على أدبه وفضله-: إلّا أنه كان لعراقة آبائه في النّصرانية يستخف بالإسلام وأهله، ويخرج ذلك في أساليب من سخفه وهزله، من ذلك أنه سمع المؤذّن يقول: وأشهد أن محمدا رسول الله، فقال: هذا محضر له ثمانمائة سنة تؤدى فيه الشهادة وما ثبت. ومات وله عدة بنات نصارى، عامله الله بما يستحقه. انتهى كلام المقريزي. ومات في خامس عشر ذي الحجّة. وفيها علاء الدّين أبو الحسن علي بن بهاء الدّين عبد الرحمن بن قاضي القضاة عزّ الدّين محمد بن قاضي القضاة تقي الدّين سليمان بن حمزة المقدسي الأصل ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي [٢] . حضر على جدّ والده التّقي سليمان وغيره.

стр. 4170

قال الشيخ شهاب الدّين [١] بن حجي: سمعت منه قديما، وكان رجلا حسنا، وقد بقي صدر بيت الشيخ أبي عمر، وكان عنده كرم وسماحة، كثير الضافية للناس. توفي ليلة السبت حادي عشري شعبان. وفيها علاء الدّين علي [بن مجاهد] [٢] الجدلي [٣] . اشتغل ببلده، ثم قدم القدس، فلازم التّقي القلقشندي، ثم قدم دمشق، فاشتغل، وقدم مصر سنة ثمانين، فأخذ عن الضّياء القرمي، وعاد إلى دمشق، وتصدّر بالجامع، وأشغل الناس، واختصّ بالقاضي سري الدّين، وأضاف إليه قضاء المجدل، ثم وقع بينهما، فأخذت وظائفه، ثم غرم مالا حتّى استعادها، وولي مشيخة النّجيبية بأخرة، وسكنها، وكان جيدا متوسطا في الفقه. توفي في شهر رمضان. قاله ابن حجر. وفيها شمس الدّين محمد بن أحمد بن عبد الله الحلبي بن مهاجر الحنفي [٤] . ولد سنة ثمان وعشرين، وكان فاضلا، ورأس في الحنفية حتّى كان يقصد للفتوى، ثم ولي كتابة السرّ بحلب مدة، ثم صرف سنة سبع وثمانين، فدخل القاهرة، وتحوّل، فصار شافعيا، وولي قضاء حماة، ثم حلب، ثم عزل بابن أبي الرّضي، وكان ذا فضيلة في النّظم والنّثر، خيّرا، مهيبا، حسن الخطّ، أثنى عليه فتح الدّين بن الشهيد، وتوفي في ربيع الأول. وفيها بدر الدّين أبو عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله المصري الزّركشي الشافعي، الإمام العلّامة المصنّف المحرّر [٥] .
следующие страницы →