سنة أربع وتسعين وسبعمائة
في شعبانها كان الحريق العظيم بدمشق، فاحترقت المئذنة الشرقية وسقطت، واحترقت الصّاغة والدهشة، وتلف من الأموال ما لا يحصى، وعمل في ذلك تقي الدّين ابن حجّة الحموي «مقامة» في نحو عشرة أوراق من رائق النثر وفائق النظم، وهي أعجوبة في فنّها. قاله ابن حجر.
وفيها ثار الغلاء المفرط بدمشق.
وفيها رجع تمرلنك إلى بلاد العراق في جمع عظيم، فملك أصبهان، وكرمان، وشيراز، وفعل بها الأفاعيل المنكرة، ثم قصد شيراز، فتهيأ منصور شاه لحربه، فبلغ تمرلنك اختلاف من في سمرقند فرجع إليها فلم يأمن منصور من ذلك، بل استمرّ على حذره، ثم تحقق رجوع تمرلنك، فأمن، فبغته تمرلنك، فجمع أمواله وتوجه إلى هرمز، ثم انثنى عزمه، وعزم على لقاء تمرلنك، فالتقى بعسكره وصبروا صبر الأحرار، لكن الكثرة غلبت الشّجاعة، فقتل منصور في المعركة ثم استدعى ملوك البلاد فأتوه طائعين، فجمعهم في دعوة وقتلهم أجمعين.
وفيها توفي ناصر الدّين إبراهيم بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر بن إسماعيل بن عمر بن بختيار [١] الصالحي، المعروف بابن السلّار [٢] .
ولد سنة أربع وسبعمائة، وسمع من عبد الله بن أحمد بن تمّام، وابن الزرّاد، وست الفقهاء بنت الواسطي، وهو آخر من روى عن الدّمياطي بالإجازة، وكان له نظم ونباهة ونوادر ومجاميع مشتملة على غرائب مستحسنة.
стр. 4167
توفي في شعبان عن تسعين سنة، وكان موت والده سنة ست عشرة وسبعمائة.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن علي الدّنيسريّ بن العطّار القاهري الشافعي [١] .
ولد سنة ست وأربعين، وقرأ القرآن، واشتغل بالفقه، ثم تولع بالأدب، ونظم فأكثر، وأجاد المقاطيع في الوقائع، ومدح [٢] الأكابر بالقصائد، ونظم «بديعية» ولم يكن ماهرا في العربية فيوجد في شعره اللّحن، وقد تهاجى هو وعيسى بن حجّاج، وله «نزهة الناظر في المثل السائر» .
وكان حادّ البادرة، وله ديوان قصائد نبوية نظمها بمكّة، سمّاها «فتوح مكة» وديوان مدائح في ابن جماعة سمّاه «قطع المناظر بالبرهان الحاضر» و «الدرر الثمين في التضمين» .
وهو القائل:
أتى بعد الصّبا شيبي وظهري ... رمي بعد اعتدال باعوجاج
كفى أن كان لي بصر حديد ... وقد صارت عيوني من زجاج
توفي في ربيع الآخر.
وفيها عبد الله بن خليل بن عبد الرحمن بن جلال الدّين البسطامي [٣] نزيل بيت المقدس، صاحب الأتباع.
كان للناس فيه اعتقاد كثير، وله زاوية في القدس معروفة، وكان نشأ ببغداد، وتفقه بمذهب الشافعي، إلى أن أعاد [٤] بالنظامية، فاتفق قدوم الشيخ علاء الدّين العشقي البسطامي فلازمه وانتفع به، وصار من مريديه، فسلّكه
стр. 4168
وهذّبه، وتوجه معه لزيارة بيت المقدس فطاب للشيخ المقام بها فأقام وكثر أتباعه، واستمر يتعانى المجاهدات وأنواع الرياضات إلى أن حضرت شيخه الوفاة، فعهد إليه أن يقوم مقامه، فقام [١] أتم قيام، ورزقه الله تعالى القبول، وكثرت أتباعه، وكان كثير التواضع، مهيبا.
توفي بالقدس في المحرم.
وفيها عبد الله بن ظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة المخزومي المكّي الشافعي [٢] ، والد قاضي مكّة وأخو قاضيها.
ولد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وسمع من عيسى الحجي، وعيسى بن الملوك، وغيرهما، وكان ديّنا، خيّرا، له نظم وعبادة.
توفي في ربيع الآخر وحدّث عنه ولده.
وفيها عبد الخالق بن علي بن الحسين بن الفرات المالكي [٣] ، موقّع الحكم. برع في الفقه، وشرح «مختصر الشيخ خليل» وحمل عن الشيخ جمال الدّين بن هشام، وكتب الخط المنسوب، ودرّس، ووقّع على القضاة راتبة مرارا، وكان سمع من أبي الفتح الميدومي، وحدّث، وتوفي في جمادى الآخرة.
وفيها فخر الدّين عبد الرحمن بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن مكانس الحنفي [٤] ، الكاتب النّاظم النّاثر المشهور.
ولي نظر الدولة مرارا، وتنقل في الولايات، وولي وزارة دمشق أخيرا، ثم استدعي أخيرا إلى القاهرة ليستقرّ وزيرا بها فاغتيل بالسمّ في الطريق فدخل القاهرة
стр. 4169
ميتا، وكان ماهرا في الكتابة، عارفا بصناعة الحساب، أعجوبة في الذكاء، له الشعر الفائق والنّظم الرائق.
قال ابن حجر: ما طرق سمعي أحسن من قوله في الرسالة التي كتبها للبشتكي لما صاد السمكة، وهي الرسالة الطويلة، منها: وقعد لصيد السمك بالمرصاد، وأطاعه حرف النصر، فكلما تلا لسان البحر نون تلا لسان العزم صاد.
وهو القائل:
علقتها معشوقة خالها ... قد عمّها بالحسن بل خصّصا
ما وصلها [١] الغالي وما جسمها ... لله ما أغلى وما أرخصا
سمعت من لفظه شيئا من الشعر، وكانت بيننا مودة.
قال المقريزي- بعد أن أثنى على أدبه وفضله-: إلّا أنه كان لعراقة آبائه في النّصرانية يستخف بالإسلام وأهله، ويخرج ذلك في أساليب من سخفه وهزله، من ذلك أنه سمع المؤذّن يقول: وأشهد أن محمدا رسول الله، فقال: هذا محضر له ثمانمائة سنة تؤدى فيه الشهادة وما ثبت.
ومات وله عدة بنات نصارى، عامله الله بما يستحقه. انتهى كلام المقريزي.
ومات في خامس عشر ذي الحجّة.
وفيها علاء الدّين أبو الحسن علي بن بهاء الدّين عبد الرحمن بن قاضي القضاة عزّ الدّين محمد بن قاضي القضاة تقي الدّين سليمان بن حمزة المقدسي الأصل ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي [٢] .
حضر على جدّ والده التّقي سليمان وغيره.
стр. 4170
قال الشيخ شهاب الدّين [١] بن حجي: سمعت منه قديما، وكان رجلا حسنا، وقد بقي صدر بيت الشيخ أبي عمر، وكان عنده كرم وسماحة، كثير الضافية للناس.
توفي ليلة السبت حادي عشري شعبان.
وفيها علاء الدّين علي [بن مجاهد] [٢] الجدلي [٣] .
اشتغل ببلده، ثم قدم القدس، فلازم التّقي القلقشندي، ثم قدم دمشق، فاشتغل، وقدم مصر سنة ثمانين، فأخذ عن الضّياء القرمي، وعاد إلى دمشق، وتصدّر بالجامع، وأشغل الناس، واختصّ بالقاضي سري الدّين، وأضاف إليه قضاء المجدل، ثم وقع بينهما، فأخذت وظائفه، ثم غرم مالا حتّى استعادها، وولي مشيخة النّجيبية بأخرة، وسكنها، وكان جيدا متوسطا في الفقه.
توفي في شهر رمضان. قاله ابن حجر.
وفيها شمس الدّين محمد بن أحمد بن عبد الله الحلبي بن مهاجر الحنفي [٤] .
ولد سنة ثمان وعشرين، وكان فاضلا، ورأس في الحنفية حتّى كان يقصد للفتوى، ثم ولي كتابة السرّ بحلب مدة، ثم صرف سنة سبع وثمانين، فدخل القاهرة، وتحوّل، فصار شافعيا، وولي قضاء حماة، ثم حلب، ثم عزل بابن أبي الرّضي، وكان ذا فضيلة في النّظم والنّثر، خيّرا، مهيبا، حسن الخطّ، أثنى عليه فتح الدّين بن الشهيد، وتوفي في ربيع الأول.
وفيها بدر الدّين أبو عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله المصري الزّركشي الشافعي، الإمام العلّامة المصنّف المحرّر [٥] .
стр. 4171
ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وأخذ عن الشيخين جمال الدّين الإسنوي، وسراج الدّين البلقيني، ورحل إلى حلب إلى الشيخ شهاب الدّين الأذرعي، وسمع الحديث بدمشق وغيرها، وكان فقيها، أصوليا، أديبا، فاضلا في جميع ذلك، ودرّس وأفتى، وولي مشيخة خانقاه كريم الدّين بالقرافة الصّغرى.
قال البرماوي: كان منقطعا إلى الاشتغال لا يشتغل عنه بشيء، وله أقارب يكفونه أمر دنياه، ومن تصانيفه «تكملة شرح المنهاج» للإسنوي، ثم أكمله لنفسه، و «خادم الشرح» و «الروضة» وهو كتاب كبير فيه فوائد جليلة، و «النكت على البخاري» و «البحر» في الأصول في ثلاثة أجزاء، جمع فيه جمعا كثيرا لم يسبق إليه، وشرح «جمع الجوامع» للسبكي في مجلدين، و «لقطة العجلان وبلّة الظمآن» ، وله غير ذلك. وكان خطّه ضعيفا جدا قلّ من يحسن استخراجه.
توفي بمصر في رجب ودفن بالقرافة الصّغرى بالقرب من تربة بكتمر السّاقي.
وفيها شمس الدّين محمد بن عبد الحميد بن محمد بن عبد الرحمن بن بركات اللّخمي، الملقّب بالقاضي ابن الشّيرازي [١] .
ولد في جمادى الأولى سنة سبعمائة، وسمع من جدّته ست الفخر ابنة عبد الرحمن بن أبي نصر «مشيخة كريمة» بسماعها منها، وتفرّد بذلك، وكان يذكر أنه سمع «البخاري» من ابن الشّحنة بحضور ابن تيمية، وكان من الرؤساء المعتبرين، وله مال جزيل وثروة، ووقف متسع، وأنفق ذلك على نفسه ومن يلوذ به قبل موته، وتوفي في جمادى الآخرة في عشر المائة.
стр. 4172
وفيها شمس الدّين محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن عمر بن أبي عمر الحنبلي الرّشيد [١] .
سمع القاضي، والمطعم، وابن سعد، وغيرهم. وحدّث وتوفي في شوال عن أربع وثمانين سنة.
وفيها محمد بن قاسم بن محمد بن مخلوف الصّقلي [٢] ، نزيل الحرمين.
كان خيّرا. سمع من الزّيادي، وابن أميلة وغيرهما [٣] ، ولازم قراءة الحديث بمكّة. توفي في شوال.
وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن إسماعيل بن أمين الدولة الحلبي الحنفي المرغياني [٤] .
ذكره ابن حبيب، وقال: سكن القاهرة، وكان من فضلاء الحنفية، وناب في الحكم، وولي مشيخة خانقاه طقز دمر بالقرافة، وتوفي في شوال.
وفيها جمال الدّين محمد بن محمد بن النّجيب نصر الله بن إسماعيل الأنصاري بن النّحاس [٥] .
ولد سنة سبع عشرة وسبعمائة سنة موت أبيه، وسمع من ابن الشّيرازي، وابن عساكر، والحجّار، وغيرهم، وأحضر على والده من مشيخة قريبه العماد ابن النّحاس، واعتنى به أخوه، فأسمعه الكثير، وخرّج له ابن الشّرائحي «مشيخة» فمات قبل أن يحدّث بها، وتوفي في شوال.
وفيها بدر الدّين محمد بن نصر الله بن بصاقة الدّمشقي [٦] .
стр. 4173
سمع على أسماء بنت صصرى، ولازم العنّابي، وابن هشام، ومهر في العربية، وأحسن الخطّ، وتوفي في رمضان.
وفيها شرف الدّين موسى بن ناصر بن خليفة الباعوني [١] ، أخو القاضي شهاب الدّين.
قدم دمشق، ونزل بالبادرائية، وقرأ بالسبع على ابن اللّبّان، وسمع من ابن أميلة وغيره، وطلب بنفسه، وكان أسنّ من أخيه، فأسمع أخاه معه [٢] قليلا، ولما ولي أخوه استنابه، وقرّر له بعض جهات. مات غريبا في رمضان.
وفيها محيي الدّين يحيى بن يوسف بن يعقوب بن يحيى بن زعب [٣] الرّحبي [٤] .
ولد سنة خمس عشرة، وسمع «الصحيح» من الحجّار، والمزّي، وحدّث به، وكان معتنيا بالعلم، وله رئاسة وحشمة، وكان البرهان بن جماعة قد صاهره، فكان له بذلك جاه كبير، وقد أكثر عن الجزري وغيره، ولازم ابن كثير، وأخذ عنه فوائد حديثية، وأخذ عن كثير من أصحاب ابن تيميّة، وكان تاجرا، فلما كبر دفع ماله لولده محمد، وأقبل على الإسماع، وكان يقصد لسماع «الصحيح» وله به نسخة قد أتقنها، وحجّ مرارا، وأصيب في رجليه بالمفاصل، وتوفي في شهر ربيع الأول، والله أعلم.
стр. 4174
سنة خمس وتسعين وسبعمائة
فيها عاث تمرلنك بالعراق، وخرّب بغداد، وتبريز، وشيراز، وغيرها، واتصل شرر فتنته إلى الشام، ووصل خبر ضرره إلى مصر، فارتاع كلّ قلب لما يحكى عنه، فإنه أوسع القتل والنّهب والأسر ببغداد وما حولها وما داناها، وعاد إلى البصرة والحلّة وغيرها، وأكثر النّهب والتعذيب، ثم توجه نحو الشمال، فوصل إلى ديار بكر، وعضت عليه قلعة تكريت فحاصرها من ذي الحجّة إلى أن أخذها بالأمان في صفر سنة ست وتسعين.
وفيها في ربيع الآخر حصل بحلب سيل عظيم، فساق جملة كثيرة من الوحوش والأفاعي، فوجد ثعبان فمه يسع ابن آدم إذا بلعه، وكان طوله أكثر من سبعة أذرع.
وفيها وقع الفناء بالإسكندرية، فيقال: مات في مدة يسيرة عشرة آلاف.
وفيها كان الطّاعون الشّديد بحلب بلغت عدة الموتى كلّ يوم خمسمائة نفس وأكثر.
وفيها اجتمع بالقدس أربعة من الرّهبان ودعوا الفقهاء لمناظرتهم، فلما اجتمعوا جهروا بالسوء من القول، وصرحوا بذمّ الإسلام، فثار الناس عليهم فأحرقوهم.
وفيها توفي أحمد بن إبراهيم الكتبي الصّالحي الحنفي [١] .
стр. 4175
كان من فضلاء الحنفية، مشاركا في الفنون، أفتى وناظر، ولازم أبا البقاء السّبكي مدة، وقرأ عليه «الكشّاف» ، وهو المشار إليه في كتابة «السجلات» .
توفي في رجب.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن صالح بن أحمد بن الخطّاب بن رقم البقاعي الدمشقي المعروف بالزّهري [١] ، الفقيه الشافعي.
ولد سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين، وأخذ عن النّور الأردبيلي، والفخر المصري، وابن قاضي شهبة، وأبي البقاء السّبكي، والبهاء الإخميمي، ومهر في الفقه وغيره، وسمع الحديث من البرزالي وغيره، ودرّس كثيرا، وأفتى، وتخرّج به البهاء، وناب في الحكم عن البلقيني وغيره، ودرّس بالشامية والعادلية وغيرهما، وولي إفتاء دار العدل، واستقلّ بالقضاء في ولاية منطاش وأوذي بسبب ذلك، وكانت مدة ولايته شهرا ونصفا، وعدّ ذلك من زلّات العقلاء.
قال ابن حجي: كان مشهورا بحلّ «المختصر» في الأصول، و «التمييز» في الفقه، وله نظم. وكان مشهورا [٢] ، له حظ من عبادة، مع حفظ لسانه من الوقيعة في الناس، مهيبا مقتصدا في معاشه، كثير التّلاوة، وقد انتهت إليه رئاسة الشافعية بدمشق.
وقال ابن قاضي شهبة: ومن تصانيفه «العمدة» أخذ «التنبيه» وزاده التصحيح، وشرح «التنبيه» في مجلدات، ومصنفاته ليست على قدر علمه، وكان شكلا حسنا مهيبا، كأنما خلق للقضاء.
توفي في المحرم ودفن بمقبرة الصّوفية.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن عمر بن هلال الإسكندراني ثم الدمشقي [٣] ، الفقيه المالكي.
стр. 4176
أخذ عن الأصفهاني وغيره، وشرح «ابن الحاجب» [١] في الفقه، وأخذ عن أبي حيّان وكان حسن الخط والعبارة، ماهرا في الأصول، فاضلا، إلّا أنه عيب عليه أنه كان يرتشي على الإذن في الإفتاء ويأذن لمن ليس بأهل، وشاع عنه أنه قال في النزع: قولوا لابن الشّريشي يلبس ثيابه ويلاقينا إلى الدرس، فمات ابن الشريشي عقب ذلك.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن الضّياء محمد بن إبراهيم بن إسحاق المناوي [٢] الشافعي ابن عمّ القاضي صدر الدّين.
ناب في الحكم، وولي مشيخة الخانقاه الجاولية، ومات في ربيع الأول.
وفيها ولي الدّين أبو حامد أحمد بن الحافظ ناصر الدّين محمد بن علي بن محمد بن عشاير [٣] ، خطيب حلب وابن خطيبها.
أسمعه أبوه الكثير بحلب وغيرها [٤] ، ورحل به إلى القاهرة، واشتغل ومهر، ونظم الشعر، وخطب بعد أبيه مدة، ومات بحلب [٥] في ذي الحجّة بالطّاعون شابا.
وفيها سليمان بن داود بن سليمان المزّي- بالزاي- المعروف بالعاشق [٦] .
حضر على ابن الشّيرازي وغيره، وحدّث، وكان كثير الحجّ.
توفي مستهل صفر.
وفيها الحافظ زين الدّين وجمال الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن الشيخ الإمام المقرئ المحدّث شهاب الدّين أحمد بن الشيخ الإمام المحدّث أبي أحمد
стр. 4177
رجب عبد الرحمن البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي الشهير بابن رجب [١] لقب جدّه عبد الرحمن، الشيخ الإمام العالم العلّامة، الزاهد القدوة، البركة، الحافظ، العمدة، الثقة، الحجّة، الحنبلي المذهب.
قدم من بغداد مع والده إلى دمشق وهو صغير سنة أربع أربعين وسبعمائة، وأجازه ابن النّقيب، والنّووي [٢] ، وسمع بمكّة على الفخر عثمان بن يوسف، واشتغل بسماع الحديث باعتناء والده، وحدّث عن محمد بن الخبّاز، وإبراهيم بن داود العطّار، وأبي الحرم محمد بن القلانسي، وسمع بمصر من صدر الدين أبي الفتح الميدومي، ومن جماعة من أصحاب ابن البخاري، ومن خلق من رواة الآثار، وكانت مجالس تذكيره للقلوب صارعة وللناس عامة مباركة نافعة، اجتمعت الفرق عليه، ومالت القلوب بالمحبة إليه، وله مصنّفات مفيدة، ومؤلّفات عديدة، منها «شرح جامع أبي عيسى الترمذي» و «شرح أربعين النّواوي» [٣] ، وشرع في شرح «البخاري» فوصل إلى الجنائز، سمّاه «فتح الباري في شرح البخاري» ينقل فيه كثيرا من كلام المتقدمين [٤] ، وكتاب «اللطائف» [٥] في الوعظ وأهوال القيامة، و «القواعد الفقهية» تدل على معرفة
стр. 4178
تامة بالمذهب [١] ، وتراجم أصحاب مذهبه رتّبه على الوفيات ذيّل بها على «طبقات ابن أبي يعلى» [٢] . وله غير ذلك من المصنّفات.
وكان لا يعرف شيئا من أمور الناس ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات، وكان يسكن بالمدرسة السّكرية بالقصّاعين.
قال ابن حجي: أتقن الفنّ- أي فنّ الحديث- وصار أعرف أهل عصره بالعلل، وتتبع الطرق، وتخرّج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق.
توفي- ﵀ ليلة الاثنين رابع شهر رمضان بأرض الخميرية ببستان كان استأجره وصلّي عليه من الغد، ودفن بالباب الصغير جوار قبر الشيخ الفقيه أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشّيرازي ثم المقدسي الدمشقي المتوفى في ذي الحجّة سنة ست وثمانين وأربعمائة.
قال ابن ناصر الدّين [٣] : ولقد حدّثني من حفر لحد ابن رجب أن الشيخ زين الدّين ابن رجب جاءه قبل أن يموت بأيام، قال [٤] : فقال لي: احفر لي هاهنا لحدا، وأشار إلى البقعة التي دفن فيها، قال: فحفرت له، فلما فرغ نزل في القبر واضطجع فيه فأعجبه، وقال: هذا جيد، ثم خرج.
قال: فو الله ما شعرت بعد أيام إلّا وقد أتي به ميتا محمولا في نعشه فوضعته في ذلك اللّحد.
وفيها زين الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي الحنبلي [٥] الإمام المفتي الزّاهد.
стр. 4179
سمع من إسماعيل بن الفرّاء وغيره، وحدّث، وكان فاضلا، متعبدا.
توفي في ثامن المحرم.
وفيها عبد الرحيم بن أحمد بن عثمان بن إبراهيم بن الفصيح الهمداني الأصل ثم الكوفي ثم الدمشقي الحنفي [١] .
قدم أبوه وعمّه دمشق، فأقام بها، وأسمع أحمد [٢] أولاده من شيوخ العصر بعد الأربعين، وقدم عبد الرحيم هذا القاهرة في هذه السنة، فحدّث عن أبي عمرو بن المرابط ب «السنن الكبرى» للنسائي بسماعه منه في «ثبت» كان معه، وحدّث عن محمد بن إسماعيل بن الخبّاز ب «مسند الإمام أحمد» كلّه، واعتماده على «ثبته» أيضا.
قال ابن حجر: وسمع منه غالب أصحابنا، ثم رجع إلى دمشق فمات بها في شوال هذه السنة، وهو والد صاحبنا شهاب الدّين بن الفصيح. انتهى.
وفيها علي بن أيدغدي التركي الأصل الدمشقي الحنبلي البعلي [٣] .
كان يلقب حنبل. سمع الكثير، وطلب بنفسه، وجمع «معجم شيوخه» وترجم لهم.
قال ابن حجي: علّقت من «معجمه» تراجم وفوائد. قال: ولا يعتمد على نقله.
مات في رجب.
وفيها علاء الدّين علي بن محمد بن عبد المعطي بن سالم، المعروف بابن السّبع [٤]- بفتح المهملة وسكون الموحدة وبالعين المهملة-.
стр. 4180
قال ابن حجر: حضر بعض «البخاري» على وزيره، والحجّار، وسمع من يحيى بن فضل الله، والقاضي، ومحمد بن غالي، وغيرهم، وكان ممن يخشى لسانه، وكان أبوه قاضي المدينة.
مات هو في رمضان وقد اختلط عقله. انتهى.
وفيها علاء الدّين علي بن محمود بن علي بن محمود بن علي بن محمود- ثلاثة على نسق- ابن العطّار الحرّاني [١] ، سبط الشيخ زين الدّين الباريني.
ولد بعد الستين وسبعمائة، وتفقه للشافعي بالشيخ أبي البركات الأنصاري وغيره، وبرع في النحو والفرائض، وتصدى لنفع الناس، وتصدر بأماكن، وكانت دروسه فائقة، وكان يتوقّد ذكاء.
ذكر القاضي علاء الدّين في «تاريخ حلب» أنه حفظ ربع «ألفية العراقي» في يوم واحد ولو عمّر لفاق الأقران، لكن مات عن نيف وثلاثين سنة في شهر رمضان.
وفيها علاء الدّين علي بن محمد بن عبد الرحيم الأفقهسي المقبري [٢] .
قدم من بلده سنة إحدى وثلاثين، وهو كبير، فاشتغل، وأخذ عن ابن عدلان، والكمال النسائي، وغيرهما. ومهر في الفقه، وشارك في غيره، وكان ديّنا، مع فكاهة فيه، ودرّس بأماكن بالقاهرة، وأفاد، وولي مشيخة خانقاه بشتك، وناب في الحكم، وتوفي في شوال، وانتفع به جمع كثير.
وفيها محبّ الدّين أبو البركات محمد بن أحمد بن الرّضي إبراهيم بن محمد بن أبي بكر الطّبري المكّي [٣] .
قال ابن حجر: ولد سنة بضع وعشرين، وسمع من عيسى الحجي، وطائفة من الوادي آشي، والأمين الأقشهري، وأجاز له الحجّار وآخرون، ومات في ذي القعدة.
стр. 4181
اجتمعت به وصلّيت خلفه مرارا، وكان أعرج لأنه سقط فانكسرت رجله، وباشر العقود، وعمّر بعده أخوه أبو اليمن دهرا. انتهى.
وفيها صلاح الدّين أبو عبد الله محمد بن محمد بن سالم بن عبد الرحمن ابن الأعمى الحنبلي [١] ، الشيخ الإمام العالم الجيلي ثم المصري.
اشتغل وحصّل وأشغل، وأعاد ودرّس، وأفتى، ودرّس بالظّاهرية الجديدة، وبمدرسة السلطان حسن.
وتوفي بالقاهرة ليلة الأربعاء سادس ربيع الأول ودفن من الغد بحوش الصّوفية.
وفيها أمين الدّين محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن أحمد الدمشقي الحنفي الآدمي [٢] .
ولد سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وأخذ عن زوج ابنته الفخر بن الفصيح، وسمع من ابن الخبّاز، وابن تبّع [٣] وغيرهما، وعني بالعربية، وأخذ عن الصّلاح الصّفدي وغيره، وكانت له وجاهة بدمشق، وباشر بها أماكن، وهو والد القاضي صدر الدّين.
قال ابن حجي: لم يكن محمودا بالنسبة إلى الوقيعة في الناس، ومع ذلك فكان أحد أوصياء تاج الدّين السّبكي، ثم صار من أخصاء البرهان بن جماعة، ودرّس بالإينالية، وحصل دنيا واسعة وأموالا جمّة، وعرض عليه بعض الحكّام نيابته [٤] فلم يقبل.
وتوفي في جمادى الأولى فجأة.
стр. 4182
وفيها جمال الدّين محمد بن يحيى بن سليمان السّكوني المغربي المالكي [١] .
قال في «إنباء الغمر» : كان عارفا بالمعقولات إلّا أنه طائش العقل، ولي قضاء حماة وطرابلس. فلم يحمد، ثم ولي قضاء دمشق شهرين بعد غلبة الظّاهر، فبدا منه طيش أهين بسببه، وذلك أنه تصدّى لأذى الكبار وتغريم بعضهم، فكوتب فيه السلطان، وعرّفوه ثبوت فسقه، فقدم مصر، ثم نفي إلى الرّملة فمات بها في أوائل هذه السنة.
وقال ابن حجي: كان كثير الدّعوي، ولما عزل عن القضاء وقف للسلطان بمصر وشكا من غرمائه، فقال له: أنا ما عزلتك هم حكموا بعزلك، فأخذ يعرّض ببعض الأكابر، فعملوا عليه حتّى أخرجوه.
وفيها شرف الدّين أبو البقاء محمود بن العلّامة جمال الدّين محمد بن الإمام كمال الدّين أحمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن الشريشي [٢] الشافعي، العلّامة الورع، بقية السّلف، مفتي المسلمين وأقدم المدرسين وأقضى القضاة، البكري الوائلي.
ولد سنة تسع وعشرين وسبعمائة بحمص، وأخذ العلم عن والده، والشيخ شمس الدّين بن قاضي شهبة، وأضرابهما، وقرأ في الأصول والنحو والمعاني والبيان، وشارك في ذلك كلّه [٣] ، مشاركة قوية، ونشأ في عبادة وتقشف وسكون وأدب وانجماع عن الناس، ودرس بالبادرائية، نزل بها والده عنها، واستمرّ يدرّس بها إلى حين وفاته من سنة خمسين، وناب للقاضي تاج الدّين في آخر عمره فمن بعده، ولازم الاشتغال والإفتاء، واشتهر بذلك، وصار هو المقصود بالفتاوى من سائر الجهات، وكان يكتب على الفتاوى كتابة حسنة.
стр. 4183
وقال الشيخ زين الدّين القرشي: يقبح علينا أن نفتي مع وجود ابن الشّريشي، وتخرّج به خلق كثير، وكتب بخطّه أشياء كثيرة، وكان محببا إلى الناس، كلّه خير، ليس فيه شيء من الشرّ، وانتهت إليه وإلى رفيقه الشيخ شهاب الدّين الزّهري رئاسة الشافعية، وكان مباركا له في رزقه، ليس له سوى البادرائية وتصدير على الجامع، ولا يزال [١] يضيف الطلبة ويحسن إليهم ويكثر الحجّ.
وقال ابن قاضي شهبة في «طبقاته» : لم أر في مشايخي أحسن من طريقته، ولا أجمع لخصال الخير منه، وكان يلعب بالشطرنج، وكان رأسا فيه.
توفي في صفر ودفن بتربتهم بالصالحية مقابل الجامع الأفرم بالسفح.
وفيها موسى بن أحمد بن منصور العبدوسي المالكي [٢] .
كان عالما، صالحا، عابدا، على طريقة السّلف.
نزل دمشق، وعيّن للقضاء فامتنع، ودرّس وأفاد، ثم تحوّل إلى القدس، وله أسئلة مفيدة واعتراضات واستنباطات حسنة.
توفي ببلد الخليل- صلوات الله عليه- بزاوية الشيخ عمر المجرّد [٣] في أحد الجمادين.
وفيها ناصر الدّين أبو الفتح نصر الله بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح بن هاشم بن نصر الله بن أحمد الكناني العسقلاني ثم المصري [٤] الشيخ الإمام علّامة الزّمان، قاضي قضاة الحنابلة بنابلس.
ولد سنة ثماني عشرة وسبعمائة، وسمع من الميدومي وجماعة، واشتغل
стр. 4184
في العلوم، وتفنّن، وأفتى، ودرّس، وناب في القضاء عن حموه قاضي القضاة موفق الدّين مدة طويلة، ثم استقلّ بالقضاء بعد وفاته سنة تسع وستين، وكانت مباشرته للقضاء نيابة واستقلالا ما يزيد على ست وأربعين سنة، وكان من القضاة العدول، مثابرا على التهجد بالليل، ودرّس بالشيخونية، وحدّث.
قال ابن حجر: كان دينا [١] ، عفيفا، مصونا، صارما، مهيبا، محبا في الطّاعة والعبادة. وحدّث ودرّس وأفاد، وأجاز لي بعد أن قرأت عليه شيئا.
انتهى.
توفي ليلة الأربعاء حادي عشري شعبان بالقاهرة ودفن عند حموه قاضي القضاة موفق الدّين خارج باب النصر، وحضر جنازته نائب السلطنة سودون والحجّاب والقضاة والأعيان، وغيرهم.
وفيها أبو تاشفين بن أبي حمو موسى يوسف [٢] التّلمساني [٣] آخر بني عبد الواد.
خرج على أبيه وحاربه، وجرت له معه خطوب وحروب، إلى أن قتل أبوه في محرم سنة اثنتين وتسعين، وأسر أخوه أبو عمر فقتله [٤] هو، وملك تلمسان، وصار [٥] يخطب لصاحب فاس لكونه نصره على أبيه ويقوم له كل سنة بمال، إلى أن قام أبو زبّان بن أبي حمو، فجمع جموعا، ونزل على تلمسان فحصرها، فكاده أخوه، وفرّق جمعه، ووفد على صاحب فاس فجهّز معه عسكرا، فمات أبو تاشفين صاحب الترجمة في شهر رمضان، فأقام وزيره أحمد بن العزّ ولده، فسار إليهم يوسف بن أبي حمو فقتل الصّبي والوزير، فخرج صاحب فاس إلى تلمسان
стр. 4185
فملكها، وانقضت دولة بني عبد الواد بتلمسان، وصارت لصاحب فاس، والله تعالى أعلم.
وفيها أمّة الرحيم، ويقال أمة العزيز بنت الحافظ صلاح الدّين العلائي [١] .
أسمعها [أبوها] من الحجّار وغيره، وحدّثت، وتوفيت في رابع شوال.
وكذلك أسماء أختها [٢] ، وماتت في العشرين منه.
стр. 4186
سنة ست وتسعين وسبعمائة
في أولها سار تمرلنك بنفسه وعساكره إلى تكريت فحاصرها في بقية المحرم كلّه ودخلها عنوة في آخر الشهر فقتل صاحبها، وبنى من رؤوس القتلى مأذنتين [١] وثلاث قباب، وخرّب [٢] البلد، واستولى على قلعتها، وهدم على أميرها دارا بعد أن نزل إليه بالأمان فمات تحت الرّدم، ثم أثخن في قتل الرجال وأسر النساء والأطفال.
ثم نازل الموصل فصالحه صاحبها وسار في خدمته.
ثم نزل رأس العين فملكها.
ونازل الرّها فأخذها بغير قتال، ووقع النّهب والأسر، وانتهى ذلك في آخر صفر، واتفق هجوم الثلج والبرد، ولما بلغ ذلك صاحب الحصن جمع خواصه وما عنده من التّحف والذخائر، وقصد تمرلنك ليدخل في طاعته فقبل هديته وأكرم ملتقاه، ورعى له كونه راسله قبل جميع تلك البلاد، ثم خلع عليه وأذن له في الرجوع إلى بلاده.
ثم سار إلى ماردين وتملّك [٣] البلاد بأسرها، فاستولى على بلاد الجزيرة والموصل، وسار فيهم سيرة واحدة من القتل والسّبي، والأسر، والنّهب، والتعذيب.
стр. 4187
ثم أقام على نصيبين في شدة الشتاء، فلما أتى الرّبيع نازل ماردين [١] في جمادى الآخرة، وبنى قدامها جوسقا يحاصرها منه ففتحها عن قرب وقتل ما لا يحصى، ثم توجه إلى خلاط ففعل بها نحو ذلك، ثم رجع عن [٢] البلاد الشامية إلى تبريز لما بلغه أن طقتمش خان صاحب بلاد الدّشت والسراي وغيرهما، مشى على بلاده فصنع في بلاد الكرج عادته في غيرها من البلاد ثم رجع إلى تبريز فأقام بها قليلا.
ثم توجه إلى قتال صاحب السراي وغيرها، وكان طقتمش خان قد استعدّ لحربه، فالتقيا جميعا، ودام القتال، فكانت الهزيمة على القفجاق والسّراي فانهزموا وتبعهم إلى أن ألجأهم إلى داخل بلادهم.
وأرسل اللّنك صاحب سيواس القاضي برهان الدّين أحمد يستدعي منه طاعته فلم يجبه، وأرسل نسخة كتابه إلى الظّاهر صاحب مصر، وإلى أبي يزيد ملك الرّوم.
وفيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن عبد الله بن عمر الصّنهاجي المالكي القاضي [٣] .
ولد سنة سبع عشرة، وسمع من الوادياشي وغيره، وتفقه بدمشق على القاضي بدر الدّين الغماري المالكي، وتزوج بنته بعده، وكان يحفظ «الموطأ» وولي قضاء دمشق غير مرّة أولها سنة ثلاث وثمانين، فلما جاءه التوقيع لم يقبل، وصمّم على عدم المباشرة، وامتنع من لبس الخلعة فولّي غيره، ثم ولّي في ربيع الأول سنة ثمان وثمانين فامتنع أيضا، فلم يزالوا به حتّى قبل، فباشر ثلاث سنين، ثم صرف، ومات في ربيع الآخر فجأة بعد أن خرج من الحمّام وقد ناهز الثمانين، وهو صحيح النّقيبة، حسن الوجه واللّحية.
وفيها السلطان أبو العبّاس أحمد بن إبراهيم بن علي بن عثمان بن
стр. 4188
يعقوب بن عبد الحقّ المريني صاحب فاس، لقبه المستنصر بالله أمير المسلمين [١] .
تملّك فاس في شوال سنة ثمان وثمانين، وملك طنجة وغيرها من بلاد المغرب.
توفي في المحرم وقام بعده ابنه أبو فارس ولم تطل مدته.
وفيها أبو السّباع وأبو العبّاس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى بن عبد الواحد بن أبي جعفر الحفصي [٢] الهنتاتي [٣]- بفتح الهاء، وسكون النون، بعدها مثناة فوقية، وبعد الألف مثناة أخرى، نسبة إلى هنتاتة قبيلة من البربر بالمغرب- صاحب تونس وإفريقية وغيرهما. كان يقال له أبو السّباع.
ولي المملكة في ربيع الأول من سنة اثنتين وسبعين، وكل من ذكر [٤] في عمود نسبه ولي السلطنة إلّا أباه وجدّ أبيه.
توفي في شعبان واستقرّ بعده ولده عبد العزيز.
وفيها أحمد بن يعقوب الغماري [٥] ، المالكي.
كان فاضلا في مذهبه، درّس وأفتى، وولي قضاء حماة، ثم صرف، فأقام بدمشق إلى أن مات في ذي القعدة عن نحو من ستين سنة.
وفيها تقي الدّين أبو بكر بن محمد بن الزكي عبد الرحمن المزّي ابن أخي الحافظ جمال الدّين [٦] .
سمع الحجّار، والمزّي، وغيرهما. وحدّث.
وتوفي في المحرم عن خمس وسبعين سنة.
стр. 4189
وفيها علاء الدّين علي بن نجم الدّين بن عبد الواحد بن شرف الدّين محمد بن صغير [١] ، رئيس الأطباء بالديار المصرية.
قال ابن حجر: كان فاضلا، مفنّنا، انتهت إليه المعرفة، وكان ذا حدس صائب جدا، يحفظ عنه المصريون أشياء كثيرة، وكان حسن الصورة، بهي الشكل، جميل الشّيبة، أخذ عنه شيخنا ابن جماعة، وكان يثني على فضائله، اجتمعت به مرارا، وسمعت فوائده، وكان له مال قدر خمسة آلاف دينار قد أفرده للقرض، فكان يقرض من يحتاج من غير استفضال، بل ابتغاء الثواب.
قرأت بخط الشيخ تقي الدّين المقريزي: كان يصف الدواء للموسر بأربعين ألفا [٢] ويصف الدواء في ذلك الداء بعينه للمعسر بفلس. قال: وكنت عنده، فدخل عليه شيخ شكا ما به من السّعال، فقال: لعلك تنام بغير سراويل؟ قال: أي والله، قال: لا تفعل، نم بسراويلك، فمضى فصدفت ذلك الشيخ بعد أيام فسألته عن حاله، فقال: عملت بما قال فبرئت.
قال: وكان لنا جار حدث لابنه رعاف [٣] حتّى أفرط، فانحلت قوى الصغير، فقال له شرّط آذانه [٤] فتعجب وتوقف، فقال: توكل على الله وافعل. قال:
ففعل ذلك فبرئ، وله من هذا النمط أشياء عجيبة.
مات بحلب في ذي الحجّة ثم نقلته ابنته إلى مصر فدفنته بتربتهم.
وفيها أبو الفتح محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن علي الحسني [٥] الفاسي ثم المكي المالكي، سبط الخطيب بهاء الدّين محمد بن التّقي عبد الله بن المحبّ الطبري [٦] .
стр. 4190
ولد بمكة في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين، وسمع بها على عثمان بن الصّفي أحمد بن محمد الطّبري وغيره، وبالمدينة على الزّين بن علي [١] الأسواني، والجمال الطّبري وغيرهما، وأجاز له جماعة من مصر والشام، وحدّث، وتوفي بمكة المشرّفة في خامس صفر.
وفيها محمد بن علي بن سالم الفرغاني [٢] أحد شهود الحكم بدمشق.
اشتغل بالقراءات، وتلا بالسبع على اللبّان، وأقرأ. وتوفي في ذي الحجّة.
وفيها ناصر الدّين محمد بن محمد بن داود بن حمزة [٣] .
ولد سنة ثمان وسبعمائة، وسمع على عمّ أبيه التّقي سليمان وغيره، وأجاز له الكمال إسحاق النحّاس، وأولاد ابن العجمي الثلاثة، وتفرّد بالرواية عنهم، وتوفي في رجب.
وفيها تاج الدّين محمد بن محمد المليحي، المعروف بصائم الدّهر [٤] .
ولي نظر الأحباس والجوالي والحسبة، وخطب بمدرسة السلطان حسن بالقاهرة، وكان ساكنا، قليل الكلام، جميل السيرة.
توفي في صفر.
وفيها أمين الدّين يحيى بن محمد بن علي الكناني العسقلاني الحنبلي [٥] .
قال ابن حجر: عمّ شيخنا عبد الله بن علاء الدّين.
سمع الميدومي وغيره، وحدّث، رأيته ولم يتفق لي أن أسمع منه.
стр. 4191
سنة سبع وتسعين وسبعمائة
فيها كانت الوقعة بين تمرلنك وبين طقتمش خان، فدام القتال ثلاثة أيام، ثم انكسر طقتمش خان، ودخل بلاد الروس، واستولى تمرلنك على القرم، وحاصر بلد كافا ثمانية عشر يوما ثم استباحها وخرّبها.
وفيها توفي أبو محمد إبراهيم بن داود الآمدي ثم الدمشقي [١] ، نزيل القاهرة.
قال ابن حجر في «إنباء الغمر بأنباء الغمر» : أسلم على يد الشيخ تقي الدّين بن تيميّة وهو دون البلوغ، وصحبه إلى أن مات، وأخذ عن أصحابه، ثم قدم القاهرة فسمع بطلبه بنفسه من الحسن الإربلي، وابن السرّاج الكاتب، وإبراهيم بن الخيمي، وأبي الفتح الميدومي ونحوهم، وكان شافعي الفروع، حنبلي الأصول، ديّنا، خيّرا، متألها. قرأت عليه عدة أجزاء، وأجازني قبل ذلك. قلت له يوما: رضي الله عنكم وعن والديكم، فنظر إليّ منكرا ثم قال: ما كان على الإسلام. انتهى.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن علي بن عثمان الفيشي المصري الضّرير المقرئ [٢] .
أخذ القراءات عن الشيخ تقي الدّين البغدادي وغيره، وتوفي في صفر.
стр. 4192
وفيها أبو بكر بن عبد البرّ بن محمد الموصلي الشافعي [١] .
قال في «ذيل الإعلام» : الشيخ الإمام القدوة الزّاهد العابد الخاشع العالم النّاسك الرّبّاني بقية مشايخ علمه الصّوفية وجنيد الوقت.
كان في ابتداء أمره حين قدم من الموصل وهو شاب يتعانى الحياكة، وأقام بالقبيبات عند منزله المعروف زمانا طويلا على هذه الحال، وفي أثناء ذلك يشتغل بالعلم، ويسلك طريق الصّوفية والنّظر في كلامهم، ولازم الشيخ قطب الدّين مدة، واجتمع بغيره، وكان يطالع أيضا كتب الحديث، ويحفظ جملة من الأحاديث ويعزوها إلى رواتها، وله إلمام جيد بالفقه، وكلام الفقهاء، فاشتهر أمره، وصار له أتباع، وكان شعاره إرخاء عذبة خلف الظّهر، ثم علا ذكره وبعد صيته، وصار يتردد إليه نوّاب الشام ويمتثلون أوامره، وسافر بأخرة إلى مصر مستخفيا، وحجّ غير مرّة، ثم عظم قدره عند السلطان، وكان يكاتبه بما فيه نفع للمسلمين، ثم إن السلطان عام أول اجتمع به في منزله وصعد إلى علّية كان فيها، وأعطاه مالا فلم يقبله، وكان إذ ذاك بالقدس الشريف.
وقال في «إنباء الغمر» : وكان يشغل في «التنبيه» و «منازل السائرين» وكان ولده عبد الملك يذكر عنه أنه قال: كنت في المكتب ابن سبع سنين فربما لقيت فلسا أو درهما فأنظر أقرب دار فأعطيهم إيّاه وأقول: لقيته قريب داركم.
توفي بالقدس في شوال وقد جاوز الستين.
وفيها سعيد بن عمر بن علي الشريف البعلي الحنبلي [٢] .
قال ابن حجر: كان من قدماء الفقهاء بدمشق، أفاد ودرّس، وأفتى وحدّث.
مات في المحرم عن نيف وستين سنة.
стр. 4193
وفيه عبد الرحمن بن عبد الله بن أسعد اليافعي الشافعي المكي [١] ، ولد الشيخ عفيف الدّين.
اشتغل بفنون من العلم، وحفظ «الحاوي» وكانت تعتريه حدّة، وفيه صلاح، وله شعر منه قوله:
ألا إن مرآة الشّهود إذا انجلت ... أرتك تلاشي الصدّ والبعد والقرب
وصانت فؤاد الصّبّ عن ألم الأسى ... وعن ذلّة الشكوى وعن منّة الكتب
وله سماع من أبيه، وبالشام من ابن أميلة، وبمصر من البهاء بن خليل، ولزم السياحة، والتجريد، فمات غريقا بالرّحبة بين الشام والعراق، وله ست وأربعون سنة.
وفيها عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي الخير الشّماخي- بفتح المعجمة، وفي آخره خاء معجمة، نسبة إلى الشّماخ جدّ- الزّبيدي [٢] ، محدّث زبيد.
أخذ عنه عفيف الدّين العلوي وغيره، وتوفي في شعبان.
وفيها نور الدّين عبد الرحمن بن أفضل الدّين محمد بن عبد الرحمن بن محمد الإسفراييني الصّوفي الحنفي [٣] .
ولد سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، وكان عارفا بالفقه والتصوف، وله أتباع ومريدون، وقد حدّث ب «المشارق» [٤] ، عن عمر بن علي القزويني، عن محمد بن عراك الواسطي، عن الصّغّاني إجازة.
وهو القائل:
زعم الّذين تشرّقوا وتغرّبوا ... أنّ الغريب وإن أعزّ ذليل
فأجبتهم إن الغريب إذا اتّقى ... حيث استقلّ به الرّكاب جليل
стр. 4194
وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد القادر بن محيي الدّين عثمان بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور الجعفري النّابلسي الحنبلي [١] المعروف بالجنّة، الإمام العلّامة.
ولد بنابلس سنة سبع وعشرين تقريبا، وسمع بها من الإمام شمس الدّين أبي محمد عبد الله بن محمد بن يوسف، وسمع على الحافظ صلاح الدّين العلائي، والشيخ إبراهيم الزّيتاوي وغيرهم مما لا يحصى كثرة، ورحل إلى دمشق، فسمع بها، وكان من الفضلاء الأكابر، وكان يلقّب بالجنّة لكثرة ما عنده من العلوم لأن الجنّة فيها ما تشتهي الأنفس، وكان عنده ما تشتهي أنفس الطلبة، وانتهت إليه الرحلة في زمانه، ولما مات ولده قاضي القضاة شرف الدّين عبد القادر المتقدم ذكره حصل له عليه اختلاط وسلب عقله، واستمرّ على ذلك إلى أن مات ببلده نابلس في شوال. وله مصنّفات حسنة، منها «مختصر طبقات الحنابلة» ومنها «تصحيح الخلاف المطلق في المقنع» مطولا ومختصرا و «مختصر كتاب العزلة» لأبي سليمان الخطّابي، وقطعة من «تفسير القرآن العظيم» من أوله، وشرع في شرح «الوجيز» وصحب ابن قيّم الجوزية، فقرأ عليه أكثر تصانيفه، وكان خطّه حسنا جدا.
وفيها نور الدّين علي بن عبد الرحمن بن عبد المؤمن الهوريني [٢] .
سمع من الزّين الأسواني «الشفاء» للقاضي عياض، وحدّث عنه، وعن الوادي آشي، وقد ولي أبوه قضاء المدينة، وولي هو مشيخة خانقاه قوصون، وكان مشكورا، وتزوج ببنت القاضي فخر الدّين القاياتي، وعاش القاياتي بعده مدة، وناب في الحكم، وكان قد حفظ كتبا منها «الشفاء» و «الإلمام» و «المقامات» وعرضها. وتوفي في رجب.
стр. 4195
وفيها أبو الحسن علي بن عجلان بن رميثة بن أبي نمي الحسني [١] أمير مكة وابن أميرها.
ولي في أول شعبان سنة تسع وثمانين، وكان في غالب ولايته في الحروب، ولم يهنأ له عيش إلى أن قتل في شوال، قتله جماعة من آل بيتهم، ودفن بالمعلاة [٢] ، واستقرّ بعده أخوه حسن بن عجلان.
وفيها علي بن محمد القليوبي ثم المصري [٣] .
قال ابن حجر: أحد المهرة في مذهب الشافعي. ناب في الشيخونية، وتوفي في رجب.
وفيها سراج الدّين عمر بن محمد بن أبي بكر الكومي [٤] .
قال ابن حجر: سمع من أحمد بن علي الجزري، وعلي بن عبد المؤمن ابن عبد، وغيرهما، وحدّث، ولم يتهيأ لي السماع منه، مع حرصي على ذلك.
توفي بمصر وقد جاوز الثمانين.
وفيها أبو علي محمد بن أحمد بن علي بن عبد العزيز المهدوي ثم المصري، البزّاز بسوق الفاضل، المعروف بابن المطرّز [٥] .
سمع من الواني، والدبوسي، وغيرهما. وحدّث بالكثير، وأجاز له إسماعيل بن مكتوم، والمطعم، ووزيرة، وأبو بكر بن عبد الدّائم، وغيرهم من دمشق.
قال ابن حجر: قرأت عليه الكثير، وتوفي في جمادى الأولى.
стр. 4196
وفيها بدر الدّين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عيسى بن عبد الكريم بن عساكر بن سعد بن أحمد بن محمد بن سليم بن مكتوم القيسي السّويدي الأصل.
الدمشقي الشافعي، المعروف بابن مكتوم [١] ، الفقيه المحدّث النّحوي.
ولد في بضع وأربعين وسبعمائة، وسمع من جماعة، وحفظ «التّنبيه» ثم «الحاوي» وطلب الحديث، وقرأ بنفسه، وكان يقرئ «صحيح البخاري» بالجامع في رمضان بعد الظهر مدة.
قال ابن حجي: هو رجل فاضل، قرأ في الفقه على والدي، وعلى الحسباني ولازمه، وقرأ في النحو على أبي العبّاس العنّابي، وبرع فيه، وتصدى للإشغال بالجامع خمس عشرة سنة، وكان يفتي بأخرة، وأعاد بالنّاصرية وبالعادلية الصّغرى، وولي مشيخة النحو بالناصرية أيضا، وكان رجلا خيّرا، عنده ديانة، وله عبادة من صوم وقراءة. انتهى.
وقال ابن قاضي شهبة: كان فيه إحسان إلى طلبة العلم والفقراء، يضيفهم، ويفطّرهم في رمضان، وعنده برّ وصلة لأقاربه، وتقلّل في ملبسه، ويشتري حاجته بنفسه ويحملها، وهو قليل الخلطة بالفقهاء وغيرهم.
توفي في جمادى الأولى ودفن بمقبرة باب الصغير عند والده وعمّه عند قبر الشيخ حمّاد.
وفيها ناصر الدّين محمد بن عبد الدائم بن محمد بن سلامة الشّاذلي ابن بنت الميلق [٢] .
سمع من أحمد بن محمد الحكمي وغيره من أصحاب النّجيب وغيره،
стр. 4197
واعتنى بالعلم، وتعانى طريق التصوف، وفاق أهل زمانه في حسن الأداء في المواعيد، وأنشأ الخطب البليغة، وقال الشعر الرائق، والتفت عليه جماعة من الأمراء والعامة، إلى أن ولي القضاء، فباشره بمهابة وصرامة، ولم يحمد مع ذلك في ولايته، وأهين بعد عزله بمدة.
وقال ابن القطّان: كان شديد البخل بالوظائف، وكان أيام هو واعظا خيرا من أيام هو قاضيا.
توفي في أحد الجمادين وقد جاوز الستين.
وفيها محمد بن علي بن صلاح الحريري الحنفي [١] ، إمام الصرغتمشية. سمع من الوادي آشي، ومحمد بن غالي في آخرين [٢] واعتنى بالقراءات والفقه، وأخذ عن قوام الدّين الأتقاني وغيره، وله إلمام بالحديث، وناب في الحكم، وسمع منه ابن حجر وغيره، وتوفي في رجب.
وفيها غياث الدّين أبو المكارم محمد بن صدر الدّين محمد بن محيي الدّين عبد الله بن أبي الفضل محمد بن علي بن حمّاد بن ثابت الواسطي ثم البغدادي الشافعي، المعروف بابن العاقولي [٣] .
قال ابن قاضي شهبة في «طبقاته» : صدر العراق، ومدرّس بغداد وعالمها، ورئيس العلماء بالمشرق.
مولده في رجب سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة ببغداد، ونشأ بها، وسمع من والده وجماعة، وأجاز له جماعة.
قال الحافظ شهاب الدّين بن حجي: كان مدرس المستنصرية ببغداد كأبيه وجده، ودرّس أيضا بالنظامية كأبيه، ودرّس هو بغيرهما، وكان هو وأبوه وجدّه كبراء بغداد، وانتهت إليه الرئاسة بها في مشيخة العلم والتدريس، وصار المشار
стр. 4198
إليه والمعول عليه، تهرع القضاة والوزراء إلى بابه والسلطان يخافه، وكان بارعا في الحديث، والمعاني، والبيان، وشرح «مصابيح البغوي» وخرّج لنفسه «أربعين حديثا» ، وفيها أوهام وسقوط رجال في الأسانيد [١] ، وكانت نفسه قوية وفهمه جيدا، وكان بالغا في الكرم، حتّى ينسب إلى الإسراف، ولما دخل تمرلنك بغداد هرب منها مع السلطان أحمد، فنهبت أمواله، وسبيت حريمه، وقدم الشام، واجتمعنا به، وأنشدنا من نظمه، فلما رجع السلطان إلى بغداد رجع معه، فأقام دون خمسة أشهر.
وقال الحافظ برهان الدّين الحلبي: كان إماما علّامة، متبحرا في العلوم، غاية في الذكاء، مشارا إليه، وكان يدخله كل سنة زيادة على مائة ألف درهم وكلّها ينفقها، وصنّف في الردّ على الرافضة في مجلد.
توفي في صفر ودفن بالقرب من معروف الكرخي بوصية منه.
قال ابن حجر: شرح «منهاج البيضاوي» و «الغاية القصوى» له، وحدّث بمكّة وبيت المقدس، وأنشد لنفسه بالمدينة:
يا دار خير المرسلين ومن بها ... شغفي وسالف صبوتي وغرامي
نذر عليّ لئن رأيتك ثانيا ... من قبل أن أسقى كؤوس حمامي
لأعفّرنّ على ثراك محاجري ... وأقول هذا غاية الإنعام
وفيها محمد بن أبي محمد الأقصرائي، نزيل القاهرة الحنفي [٢] .
قال ابن حجر: درّس بمدرسة ايتمش للحنفية، وهو والد صاحبنا بدر الدّين محمود وأخيه أمين الدّين يحيى. وتوفي في جمادى الأولى.
стр. 4199
سنة ثمان وتسعين وسبعمائة
فيها رجع اللنك بعساكره من بلاد الدّشت بعد أن أثخن فيهم، فوصل إلى السلطانية في شعبان، ثم توجّه إلى همذان، وأمر بالإفراج عن الظّاهر صاحب ماردين، فوصل إليه في رمضان، فتلقاه واعتذر إليه، وأضافه أياما ثم خلع عليه وأعطاه مائة فرس وجمالا وبغالا وخلعا كثيرة، وعقد له لواء، وكتب له ستة وخمسين منشورا كل منشور بتولية بلد من البلاد التي كان تيمور افتتحها في سنة ست وتسعين ما بين أذربيجان إلى الرّها وشرط عليه أنه [١] يلبي دعوته كلّما طلبه.
وفيها توفي شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة الحنبلي، المعروف بابن العزّ [٢] ، الشيخ الإمام الفقيه المفتي.
سمع من عيسى المطعم، وابن عبد الدائم، والحجّار، وأكثر عن القاضي تقي الدّين سليمان، ويحيى بن سعد، وحدّث عن المعمار، وهو آخر من حدّث عنه، وعن القاضي [٣] بالسماع، وكان شيخا طوالا عليه أبّهة. أقعد في آخر عمره، وسمع «جزء ابن عرفة» على نحو من ثمانين شيخا، و «جزء ابن الفرات» على نحو من خمسين شيخا.
стр. 4200
توفي ليلة الاثنين العشرين من شهر ربيع الأول ودفن بمقبرة الشيخ موفق الدّين وقد كمل له إحدى وتسعون سنة إلّا خمسة أيام.
وفيها أحمد بن علي بن أيوب بن رافع الحنفي [١] إمام القلعة بدمشق.
قال ابن حجر: سمع من أبي بكر بن الرّضي وغيره، وحدّث، وأجاز لي غير مرة.
وتوفي في شوال وله ثمانون سنة.
وفيها أبو سعد أحمد بن شمس الدّين محمد بن موسى بن سند [٢] .
ولد سنة سبع وأربعين، وأحضره أبوه على ابن الخبّاز، وابن الحموي، وغيرهما. وأسمعه من ابن القيّم وغيره، واشتغل في العربية وغيرها، ووعظ الناس، ومات في شعبان.
وفيها عماد الدّين إسماعيل بن أحمد بن علي الباريني الحلبي [٣] الفقيه الشافعي.
ولد سنة تسع عشرة، وقدم من حلب إلى دمشق وهو طالب علم، فقرأ على الشيخ ولي الدّين المنفلوطي، وولاه البلقيني قضاء بعلبك، ثم ولي خطابة القدس، [ثم توجه إلى مصر، وكان ممن قام على التّاج السّبكي مع البلقيني، ثم ولي قضاء الشّوبك، ثم قضاء القدس] [٤] ، وحدّث، وأفتى، ودرّس.
وتوفي في ربيع الأول ببيت المقدس وقد جاوز الثمانين.
وفيها بدر الدّين خليل بن محمد بن عبد الله النّاسخ الحلبي [٥] .
ولد بدمشق بعد العشرين، وأحضره أبوه عند ابن تيميّة فمسح رأسه ودعا له، واشتغل فمهر في عدة فنون، ثم سكن حلب، ووقّع في الحكم، واشتهر،
стр. 4201
وكان يذكر أنه سمع من الوادي آشي، وابن النّقيب الشافعي.
توفي في ربيع الأول.
وفيها ستّ الرّكب بنت علي بن محمد بن محمد بن حجر [١] ، أخت كاتبه [٢] .
قال ابن حجر: ولدت في رجب سنة سبعين [٣] في طريق الحجّ، وكانت قارئة كاتبة أعجوبة في الذكاء، وهي أمي بعد أمي، أصبت بها في جمادى الآخرة من هذه السنة.
وفيها سعد بن إبراهيم الطّائي الحنبلي البغدادي [٤] .
قال في «إنباء الغمر» : كان فاضلا، وله نظم فمنه:
خانني ناظري وهذا دليل ... لرحيلي [٥] من بعده عن قليل
وكذا الرّكب إن أرادوا قفولا ... قدّموا ضوءهم أمام الحمول
وفيها سفر شاه بن عبد الله الرّومي الحنفي [٦] .
تقدم في العلم ببلاده، وتقدم عند أبي يزيد بن عثمان، وقدم القاهرة رسولا من صاحب الرّوم فأخذ عن فضلائها، وأكرمه السلطان، وحصل له وعك، واستمرّ إلى أن بغته الأجل بالقاهرة، فمات في جمادى الآخرة.
وفيها طقتمش خان التّركي صاحب بلاد الدّشت [٧] .
قتل في هذه السنة بعد أن انكسر من اللّنك، قتله أمير من أمراء التتار، يقال له تمرقطلو.
стр. 4202
وفيها عبد الله بن عمر بن محلى بن عبد الحافظ البيتليدي- بفتح الموحدة، وسكون المثناة التحتية [١] ، وفتح المثناة الفوقية، بعدها لام مكسورة خفيفة، ثم مثناة تحتانية ساكنة- الورّاق الدمشقي [٢] .
قال ابن حجر: سمع من أبي بكر بن الرّضي، وشرف الدّين بن الحافظ، ومحمد بن علي الجزري، وغيرهم. أجاز لي غير مرة، ومات في ذي القعدة.
وفيها فخر الدّين عثمان بن عبد الله العامري [٣] أخو تقي الدّين.
كان شافعيا بارعا في الفقه، وهو منسوب إلى كفر عامر قرية من ناحية الزّبداني، فربما قيل فيه الكفر العامري.
أخذ عن الشّرف الشّريشي، وأثنى عليه ابن حجي بحسن الفهم وصحة الذّهن، وهو ممن أذن له البلقيني في الإفتاء.
توفي في ذي الحجّة كهلا دون الأربعين.
وفيها موفق الدّين علي بن عبد الله الشّاوري الزّبيدي اليمني الشّافعي [٤] .
كان بارعا في الفقه والصّلاح، مع الدّين والتواضع، وعرض عليه القضاء فامتنع. توفي في صفر.
وفيها فرج بن عبد الله الشّرفي الحافظي الدمشقي [٥] ، مولى شرف الدّين بن الحافظ.
قال ابن حجر: سمع من يحيى بن سعد، وابن الزّرّاد وغيرهما، وأجاز لي غير مرّة. وتوفي في شوال وقد قارب التسعين.
стр. 4203
وفيها محبّ الدّين محمد بن أحمد بن محمد بن عماد المصري ثم المقدسي الشّافعي ابن الهايم [١] .
قال ابن حجر في «إنباء الغمر» : ولد سنة ثمانين أو إحدى وثمانين، وحفظ القرآن. وهو صغير جدا، وكان من آيات الله في سرعة الحفظ وجودة القريحة، واشتغل في الفقه، والعربية، والقراءات، والحديث، ومهر في الجميع في أسرع مدة، ثم صنّف، وخرّج لنفسه ولغيره، رافقني في سماع الحديث كثيرا، وسمعت بقراءته «المنهاج» عن شيخنا برهان الدّين وهو أذكى من رأيت من البشر، مع الدّين، والتواضع، ولطف الذات، وحسن الخلق، والصّيانة.
مات في رمضان وأصيب به أبوه وأسف عليه كثيرا، عوّضه الله الجنّة، انتهى بحروفه.
وفيها عزّ الدّين محمد بن محمد بن محمد بن عثمان الأماسي- بهمزة وميم مفتوحتين وبعد الألف سين مهملة- الدمشقي [٢] .
قال ابن حجر: سمع من الحجّار «صحيح البخاري» ، وحدّث. أجاز لي، وكان ناظر الأيتام بدمشق، ويتكسب بالشهادة تحت السّاعات، ويوقّع على الحكّام، أقام على ذلك أكثر من ستين سنة. مات في ربيع الآخر وقد ناهز الثمانين.
وفيها محمد بن محمد بن موسى بن عبد الله الشنشي [٣]- بمعجمتين وبينهما نون مفتوحتان [٤]- الحنفي.
ناب في الحكم، وكان أحد طلبة الصّرغتمشية، وكان فاضلا. جاور بمكة سنة ثلاث وثمانين، ومات في جمادى الأولى.
стр. 4204
وفيها مقبل بن عبد الله الصّرغتمشي [١] .
تفقه وتقدم في العلم، وصنّف وشرح، وشارك في العربية، ومات في رمضان. وأنجب ولده محمدا [٢] فشارك في الفضائل، ومهر في الحساب، وكان قصير القامة، أحدب مات قبل أبيه بشهرين. قاله ابن حجر.
وفيها ميكائيل بن حسين بن إسرائيل التّركماني الحنفي [٣] ، نزيل عنتاب، قدمها فأخذ عن الشيخ فخر الدّين إياس وغيره، وباشر بها بعض المدارس، ولازم الإفادة. أخذ عنه القاضي بدر الدّين العيني، وهو الذي ترجمه، وقال: إنه عاش أكثر من سبعين سنة.
مات في سابع عشر ذي الحجّة.
وفيها جمال الدّين أبو المحاسن يوسف بن تقي الدّين أحمد بن العزّ إبراهيم ابن الخطيب شرف الدّين عبد الله بن الشيخ أبي عمر المقدسي الحنبلي [٤] ، أخو مسند عصره صلاح الدّين الصّالحي إمام مدرسة جدّه الشيخ أبي عمر.
سمع من الحجّار وغيره، ومهر في مذهبه، وكان فاضلا، جيد الذّهن، صحيح الفهم، معروفا بذلك. أثنى عليه ابن حجي بذلك.
وقال ابن حجر: مهر في مذهبه، وكان يعاب بفتواه بمسألة الطلاق البتة.
أجاز لي. انتهى.
توفي يوم الأحد ثامن عشر رمضان وصلّي عليه من الغد، ودفن بمقبرة جدّه أبي عمر.
стр. 4205
سنة تسع وتسعين وسبعمائة
فيها وصلت كتب من جهة تمرلنك فعوقبت [١] رسله بالشام وأرسلت الكتب التي معهم إلى القاهرة ومضمونها التحريض على إرسال قريبه أطلمش الذي أسره قرا يوسف، فأمر السلطان أطلمش المذكور أن يكتب إلى قريبه كتابا، يعرّفه فيه ما هو عليه من الخير والإحسان بالدّيار المصرية، وأرسل السلطان ذلك مع أجوبته. ومضمونها: أنك إذا أطلقت الذين عندك من جهتي أطلقت من عندي من جهتك، والسلام.
وفيها توفي إبراهيم بن عبد الله الحلبي الصّوفي الملقّن [٢] .
قدم دمشق وهو كبير، وأقرأ القرآن بالجامع، وصارت له جماعة مشهورة، ويقال: إنه قرأ عليه أكثر من ألف نفس اسمه محمد خاصة، وكان الفتوح يأتيه فيفرّقه في أهل حلقته، وكان أول من يدخل الجامع وآخر من يخرج منه، واستسقوا به مرّة بدمشق، وكان شيخا طوالا، كامل البنية، وافر الهمّة، كثير الأكل.
مات في شعبان عن مائة وعشرين سنة، وكانت جنازته حافلة جدا.
وفيها إبراهيم بن عبد الله، وسمّاه الغسّاني في «تاريخه» حسن بن عبد الله [٣] .
قال الغسّاني المذكور: حسن بن عبد الله الأخلاطي الحسيني.
كان منقطعا في منزله، ويقال: إنه كان يصنع اللازورد، ويعرف الكيمياء،