← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

ولد سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وتفقه، وتعانى، حفظ السير والمغازي، فكان يستحضر شيئا كثيرا منها، وكان كثير اليسار، فتزوج الشيخ شهاب الدّين الغزّي ابنته فماتت بعد أمّها بقليل. قاله ابن حجر. وفيها أبو الحسن علي بن مسعود بن علي بن عبد المعطي المالكي المكّي الخزرجي [١] . ولد سنة أربعين وسبعمائة، وسمع من عثمان بن الصّفي الطّبري «سنن أبي داود» ومن إبراهيم بن محمد بن نصر الله الدمشقي «مشيخته» وحدّث بمكة، وكان مشاركا في الفقه، مع الدّيانة والمروءة. وتوفي في تاسع المحرم. وفيها أمّ الحسن فاطمة بنت أحمد بن محمد علي بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن زيد الحسنية الحلبية [٢] ، أخت نقيب الأشراف. ولدت سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وسمعت على جدّها لأمّها جمال الدّين إبراهيم بن الشّهاب محمود، وأجاز لها المزّي وجماعة، وحدّثت بحلب. وتوفيت في العشر الأول من المحرم وقد جاوزت الثمانين سنة. وفيها بدر الدّين محمد بن خاص بك السّبكي الحنفي [٣] . كان ينسب إلى الظّاهر بيبرس من جهة النساء. اشتغل في مذهب الحنفية فبرع، وأخذ عن أكمل الدّين وغيره، وكان يجيد البحث، مع الدّيانة، والمروءة، والعصبية لمذهبه وأهله. وتوفي في خامس رجب وقد جاوز الخمسين.

стр. 4377

وفيها شمس الدّين محمد بن علي بن محمد بن عمر بن عيسى المصري الشافعي، المعروف بابن القطّان [١] . كان أبوه قطّانا وأخوه كذلك، واشتغل هذا بالعلم، ومهر، ولازم الشيخ بهاء الدّين بن عقيل وصاهره على بنت له من جارية، وسكن مصر، ودرّس، وأفتى، وصنّف. قال ابن حجر: قرأت عليه، وأجاز لي، ولم يحصل له سماع في الحديث على قدر سنه، وقد حدّث ب «صحيح مسلم» بإسناد نازل، وسمع معنا على بعض شيوخنا كثيرا وبقراءتي، وكان ماهرا في القراءات، والعربية، والحساب، وناب في الحكم بأخرة فتهالك على ذلك إلى أن مات انتهى. أي وتوفي في أواخر شوال عن نيف وثمانين سنة. وفيها شمس الدّين محمد بن سعد الدّين بن محمد بن نجم الدّين محمد البغدادي، نزيل القاهرة الزركشي [٢] مهر في القراءات، وشارك في الفنون، وتعانى النّظم، وله قصيدة حسنة في العروض وشرحها، ونظم «العواطل الحوالي» ست عشرة قصيدة على ستة عشرة بحرا ليس فيها نقطة، وسمع منه ابن حجر، وسمع هو أيضا من ابن حجر، ورافقه في السماع، وجرت له في آخر عمره محنة. وتوفي في ذي الحجّة. وفيها شمس الدّين محمد بن محمد الشّوبكي الحنبلي [٣] . قدم دمشق، وتفقه بها، وتولى وظائف وخطابة. وتوفي في المحرم. وفيها شمس الدّين محمد بن محمود بن بون [٤] الخوارزميّ الحنفي،

стр. 4378

المعروف بالمعيد [١] ، نزيل مكة وإمام مقام الحنفية بها. جاور بمكّة زيادة على أربعين سنة، وسمع الحديث، وتفقّه، وبرع، وأفتى، ودرّس، واستقرّ معيدا بدرس الحنفية للأتابك يلبغا العمري بمكة فعرف بالمعيد، وكان بارعا في الفقه، والأصول، والعربية، وتصدّر للإقراء بالمسجد الحرام عدة سنين وانتفع الناس به، مع الدّيانة والصّيانة، وحدّث عن الوادي آشي وغيره. ومن شعره: أفنى بكلّ وجودي في محبّته ... وأنثني ببقاء الحبّ ما بقيا لا خير في الحبّ إنّ لم يغن صاحبه ... وكيف يوجد صبّ بعد ما لقيا وتوفي بمكة المشرّفة في آخر جمادى الأولى وقد جاوز الثمانين.

стр. 4379

سنة أربع عشرة وثمانمائة في رجبها رجم رجل تركماني بدمشق تحت قلعتها اعترف بالزّنا وهو محصن فأقعد في حفرة ورجم حتّى مات [١] . وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن حسين الموصلي ثم المصري [٢] ، نزيل مكة المشرّفة المالكي. أقام بمكة ثلاثين سنة، وكان يتكسّب بالنسخ بالأجرة، مع العبادة، والورع، والدّين المتين، وكان يحجّ ماشيا من مكة، وأثنى عليه المقريزي، وتوفي بمكّة. وفيها محيى الدّين أحمد بن إبراهيم بن أحمد الشيخ الإمام العلّامة القدوة ابن النّحاس الدمشقي الشافعي [٣] . صنّف في الجهاد كتابا حافلا سمّاه «مصارع العشاق» [٤] استجاب الله فيه دعاءه، فإنه قال في أول سجعه فيه [٥] : أحمدك اللهم [ربّ] وأسألك أعلى رتب الشهادة. واختصره هو بنفسه، وله «تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين» في الحوادث والبدع نفيس في بابه، قتل بدمياط لما دهمها الفرنج، فخرج هو وجماعة من أهلها، وجرت وقعة كبيرة، فقتل في المعركة مقبلا غير مدبر.

стр. 4380

وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن مفلح بن مفرج الرّاميني ثم الدمشقي الصّالحي [١] الحنبلي، وأخو الشيخ تقي الدّين. ولد سنة أربع وخمسين وسبعمائة، واشتغل على أخيه الشيخ برهان الدّين وغيره، وحصّل ودأب، وأجاز له جدّه قاضي القضاة جمال الدّين المرداوي، وقاضي القضاة شرف الدّين بن قاضي الجبل، وناب في الحكم بدمشق مدة، ثم ترك ذلك، وأقبل على الله تعالى، وكان فقيها صالحا متعبدا. توفي بالصّالحية وصلّي عليه بالجامع المظفّري ودفن بالرّوضة عند رجل والديه. وفيها بدر الدّين حسين بن علي بن محمد بن عبد الرحمن الأذرعي ثم الصالحي الشافعي، المعروف بابن قاضي أذرعات [٢] . تفقه في صباه على الشّرف ابن الشّريشي، والنّجم بن الجابي، وتعانى الأدب، وفاق الأقران، ومهر في الفنون، ودرّس، وأفتى، وناظر، وناب في الحكم، ثم تركه تورعا، وولي عدة إعادات، وأذن له البلقيني بالإفتاء لما قدم الشام سنة ثلاث وتسعين، وكان يثني عليه كثيرا، ودخل القاهرة بعد الكائنة العظمى، واجتمع بابن حجر، فسمع كل منهما من الآخر. وتوفي بدمشق بالطّاعون في المحرم أو صفر، ودفن بمقبرة الشيخ رسلان. وفيها أبو الفضل عبد الرحمن بن شهاب الدّين أحمد بن محمد بن أبي الوفا الشّاذلي المالكي المصري [٣] . اشتغل في صباه قليلا، وتعانى النّظم، فقال الشعر الفائق، وكان ذكيا، حسن الأخلاق، لطيف الطّباع. ومن نظمه في «مرثية محبوب» له:

стр. 4381

مضت قامة كانت أليفة مضجعي ... فلله ألحاظ لها ومراشف ولله أصداغ حكين عقاربا ... فهنّ على الحكم المعنّى سوالف وما كنت أخشى أمس إلا من الجفا ... وإنّي على ذاك الجفا اليوم آسف رعى الله أيّاما وناسا عهدتهم ... جيادا ولكنّ اللّيالي صيارف غرق في بحر النّيل. وهو: محمد بن عبيد اليشكالسي [١] . وعبد الله بن أحمد التّنسي [٢] جمال الدّين قاضي المالكية وابن قاضيهم. وفيها علي بن سيف [٣] علي بن سليمان اللّواتي الأصل الأبياري النّحوي الشافعي المصري [٤] ، نزيل دمشق. ولد سنة بضع وخمسين وسبعمائة بالقاهرة، ونشأ بغزّة يتيما فقيرا، فحفظ «التنبيه» ثم دخل دمشق فعرضه على تاج الدّين السّبكي فقرّره في بعض المدارس، واستمرّ في دمشق، وأخذ عن العنّابي وغيره، ومهر في العربية، وأشغل الناس، وأدّب أولاد ابن الشهيد، وقرأ عليه «التيسير» وسمع الكمال بن حبيب، وابن أميلة، وغيرهما، وكان خازن كتب السميساطية، وحصّل كثيرا من الكتب والوظائف، وفاق في حفظ اللغة، وعني بالأصول، فقرا «مختصر ابن الحاجب» دروسا على المشايخ، وأكثر مطالعة كتب الأدب، ولم يتزوج قطّ، ونهب ما حصّله في فتنة اللّنك، ودخل القاهرة بعد الكائنة العظمى، فأقام بها، وحصّل كتبا، ثم قدم دمشق، ثم رجع ففوضت له مشيخة البيبرسية، ثم قرّر في تدريس الشافعي، وحدّث بالبيبرسية ب «سنن أبي داود» و «جامع الترمذي» عن ابن أميلة، وبغير ذلك. وسمع منه ابن حجر. قال: وكان فقير النّفس، شديد الشكوى، وكلما

стр. 4382

حصل له شيء اشترى به كتبا، ثم تحوّل بما جمعه إلى دمشق في هذه السنة، وجمع جزءا في الرد على «تعقبات أبي حيّان» لابن مالك. وتوفي بدمشق في ذي الحجّة وتفرّقت كتبه شذر مذر. وفيها شمس الدّين محمد بن خليل بن محمد العرضي الغزّي الشافعي [١] . ولد قبل الستين وسبعمائة، واشتغل بالفقه فمهر فيه إلى أن فاق الأقران، وصار يستحضر أكثر المذهب، مع المعرفة بالطبّ وغيره. توفي في جمادى الأولى. وفيها فتح الدّين محمد بن محمد بن الشيخ شمس الدّين محمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن الجزري الدمشقي [٢] الشافعي، نزيل بلاد الرّوم ثم دمشق. باشر الأتابيكة بدمشق إلى أن مات. قال ابن حجي: كان ذكيا، جيد الذهن، يستحضر «التنبيه» ويقرأ بالروايات. أخذ ذلك عن أبيه وعن الشيخ صدقة، وغيرهما، وعاش والده بعده دهرا، وباشر تدريس الأتابكية بدمشق ونظرها إلى أن توفي في صفر مطعونا. وفيها محمد الشّبراوي [٣] . قال ابن حجر: اشتغل كثيرا، وكان مقتدرا على الدّرس، فدرّس كتاب «الشفا» وعرضه، ثم درّس «مختصر مسلم» للمنذري، ولم يكن بالماهر. مات في سلخ السنة. انتهى.

стр. 4383

وفيها يحيى بن محمد بن حسن بن مرزوق المرزوقي الجبلي- بكسر الجيم وسكون الباء الموحدة- اليماني الشافعي [١] . تفقه على رضي الدّين بن أبي داود، وسمع من علي بن شدّاد، واشتغل كثيرا، وكان عابدا، ديّنا خيّرا [٢] ، يتعانى السّماعات على طريق الصّوفية ويجتمع الناس عنده لذلك. توفي في جمادى الآخرة وقد بلغ ثمانين سنة.

стр. 4384

سنة خمس عشرة وثمانمائة فيها تسلطن شيخ المحمودي، ولقّب بالمؤيد، وكنّي بأبي نصر، وذلك بعد خلع النّاصر وسلطنة المستعين الخليفة وخلعه، وقتل الناصر فرج. وفيها توفي إبراهيم بن أحمد بن حسين الموصلي المالكي [١] . تفقّه واحترف بتأديب الأطفال بالقاهرة، ثم حجّ وجاور، وسلك طريق الورع والنّسك، وصار يتكسّب بالنسخ، ويحجّ ماشيا، وكان غاية في الورع والتّحري. مات في عشر التسعين. وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن إسماعيل بن خليفة بن عبد العال قاضي القضاة الدمشقي الشافعي، المعروف بابن الحسباني [٢] . ولد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. قال المقريزي: وتفقّه بأبيه وغيره، وسمع من أصحاب الفخر، وطلب بنفسه فأكثر جدا بدمشق والقاهرة، ولم يزل يسمع حتّى سمع من هو دون شيوخه، مع ذكاء وتفنّن، وكتب تفسيرا أجاد فيه لو كمل، وعلّق على «الحاوي» في الفقه شرحا، وخرّج أحاديث «الرّافعي» وشرح «ألفية ابن مالك» في النحو، وناب في الحكم بدمشق مدة، ثم ولي قضاء القضاة بها غير مرّة فلم تحمد سيرته، وكان

стр. 4385

لا يزال يخرج على السلطان ويترامى على الشّرّ، ويلج في مضايق الفتن حبّا في الرئاسة. انتهى كلام المقريزي. وعدّة ابن ناصر الدّين في الحفّاظ وأثنى عليه [١] . وتوفي بدمشق في يوم الأربعاء عشر ربيع الآخر عن خمس وستين سنة وسبعة أشهر وأيام. وفيها شهاب الدّين أحمد بن رضي الدّين أبي بكر بن موفق الدّين علي بن محمد النّاشري الزّبيدي اليمني الشافعي [٢] . قال ابن حجر في «أنباء الغمر» : عني بالعلم، وبرع في الفقه، وشارك في غيره، وتخرّج به أهل بلده مدة طويلة، وولي قضاء زبيد، فراعى الحقّ في أحكامه فتعصبوا عليه فعزل، وانتهت إليه رئاسة الفتوى ببلده، وكان شديد الحطّ على صوفية زبيد المنتمين إلى كلام ابن العربي، وكان يستكثر من كلام من يرد عليه، فجمع من ذلك شيئا كثيرا في فساد مذهبه ووهاء عقيدته، اجتمعت به بزبيد ونعم الشيخ كان. مات في خامس عشري المحرم وقد جاوز السبعين. انتهى. وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن عماد بن علي المصري ثم المقدسي الشافعي الفرضي الحاسب ابن الهائم [٣] . ولد سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، واشتغل بالقاهرة، وحصّل طرفا صالحا من الفقه، وعني بالفرائض والحساب، حتّى فاق الأقران، ورحل إليه النّاس من الآفاق، وصنّف التصانيف النّافعة في ذلك، ودرّس بالقدس في أماكن، وناب عن القمني في تدريس الصّلاحية مدة، فلما قدم نوروز القدس في هذه السنة لملاقاة

стр. 4386

زوجته بنت الظّاهر قرّر الهروي في الصّلاحية ثم قسمها بينه وبين ابن الهائم لقيام أهل البلد معه، وسمع منه ابن حجر. وتوفي في بيت المقدس في جمادى الآخرة. وفيها تغري بردي بن عبد الله- ومعنى تغري بردي بلغة التتار الله أعطى- الظّاهري [١] نائب الشام. قال ولده في «المنهل الصّافي» : كان والدي روميّ الجنس، اشتراه الملك الظّاهر برقوق في أوائل سلطنته تقريبا وأعتقه، وجعله في يوم عتقه خازكيا، ثم صار ساقيا، وأنعم عليه فجعله رأس نوبة الجمدارية، وتنقلت به الأحوال إلى أن ولي نيابة دمشق غير مرّة. وقال ابن حجر: ولي نيابة حلب فسار فيها سيرة حسنة، وأنشأ بها جامعا، ثم ولي نيابة دمشق. قال القاضي علاء الدّين في «تاريخه» : كان عنده عقل وحياء وسكون، حليما، عاقلا، مشارا إليه بالتعظيم في الدول، وكان جميلا، حسن الصّورة جدا، وكان يلهو لكن في سترة وحشمة وإفضال، والله يسمح له. انتهى. وقال ولده: استقرّ في نيابة دمشق ثالث مرة على كره منه، وذلك سنة ثلاث عشرة وثمانمائة. وتوفي واليا لها [٢] يوم الخميس سادس عشر المحرم، وصلّى عليه الملك النّاصر فرج لأنه كان يومئذ في دمشق، وشهد دفنه يوم الجمعة بتربة الأمير تنم نائب الشام بميدان الحصا، ثم قتل الناصر بعد أيام في صفر من السنة المذكورة، وخلّف والدي عشرة أولاد ستة ذكور وأربع إناث، وخلّف أموالا كثيرة استولى عليها الملك النّاصر فرج، منها ألف مملوك إلا ثلاثين مملوكا. وفيها جار الله بن صالح بن أحمد بن عبد الكريم الشّيباني المكّي [٣] .

стр. 4387

سمع على تاج الدّين ابن بنت أبي سعد، ونور الدّين الهمداني، وعزّ الدّين ابن جماعة، وشهاب الدّين الهكّاري، وحدّث عنهم. قال ابن حجر: قرأت عليه أحاديث من «جامع الترمذي» بمدينة ينبع، وكان خيّرا عاقلا. مات في هذه السنة. وهو الذي قال فيه صدر الدّين بن الآدمي البيتين المشهورين وسنذكرهما في ترجمته. انتهى. وفيها رقية بنت العفيف عبد السّلام بن محمد بن مزروع المدنية [١] . حدّثت بالإجازة عن شيوخ مصر والشام كالختني، وابن المصري، وابن سيّد النّاس من المصريين، والمزّي وغيره من الشاميين. وتوفيت عن سبع وثمانين سنة. وفيها طيبغا [٢] الشّريفي عتيق الشّريف شهاب الدّين [٣] ، نقيب الأشراف بحلب. قال القاضي علاء الدّين في «تاريخه» : سمع من أولاد مولاه من الجمال بن الشّهاب محمود، وتعلّم الخطّ معهم ففاق في الخطّ الحسن، وكتب الناس عليه، واستقرّ في وظيفة تعليم الخطّ بالجامع الكبير، وتسمى عبد الله، وأجلسه الكمال بن العديم مع الشهود العدول، وفرّ في الكائنة العظمى إلى القاهرة، فأقام بها مدة، وحدّث بها، وعلّم الخطّ. كتبت عليه بحلب، وقرأت عليه الحديث بالقاهرة في سنة ثمان وثمانمائة. وتوفي في آخر هذه السنة. انتهى. وفيها عائشة بنت علي بن محمد بن عبد الغني بن منصور الدمشقية [٤] .

стр. 4388

سمعت مع زوجها الحافظ شمس الدّين الحسني من ابن الخبّاز، والمرداوي، ومن بعدهما، وحدّثت. وتوفيت في رمضان عن بضع وستين سنة. وفيها جمال الدّين عبد الله بن محمد بن طيمان- بفتح الطاء المهملة وسكون الياء التحتانية- المصري الطّيماني الشّافعي [١] ، نزيل دمشق. ولد قبل السبعين وسبعمائة بيسير، وحفظ «الحاوي الصغير» ولازم البلقيني، وعزّ الدّين ابن جماعة، واشتغل بالقاهرة، ونبغ في الفقه، وشارك في الفنون، ثم نزل دمشق، وأفتى، ودرّس، وكان يلبس قريبا من زي التّرك، وكان ذكيا ماهرا لا يتكلم إلّا معربا، ويتعانى طريق الصّوفية، وكان يتردد إلى دمشق بسبب وقف له، وحضر عند شيوخها، وشهدوا له بالتقدم في الفقه. وأقام بدمشق يفتي، ويشغل، ويصنّف، ويدرّس، وشرع في جمع أشياء لم تكمل، واختصر شرح الشيخ شرف الدّين الغزي على «المنهاج» ولخص من كلام الأذرعي وغيره أشياء، على «المنهاج» لم تشتهر لغلاقة لفظه واختصاره، وأثنى عليه ابن حجي، وأخبر أنه أخذ عنه، وقتل بمنزله بالتعديل في الفتنة التي بين الناصر وغرمائه في صفر عن نحو سبع وأربعين سنة، ودفن بمقابر الحميرية [٢] بالقرب من قبر عاتكة إلى جانب الشيخ الزّاهد علي بن أيوب، رحمهما الله تعالى. وفيها سراج الدّين عمر بن عبد الله الهندي، المعروف بالفافا [٣] [٤] بفاءين، لقّب بذلك لكثرة نطفة بالفاء [٤] . قال ابن حجر: كان عارفا بالفقه والأصول والعربية، أقام بمكة أزيد من أربعين سنة، فأفاد الناس في هذه العلوم.

стр. 4389

ومات في ذي الحجّة عن سبعين سنة. وفيها الملك النّاصر فرج بن برقوق بن أنس [١] . ولد سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وسمّاه أبوه بلغاق، ثم سمّاه فرجا، وأجلس على التخت يوم الجمعة نصف شوال سنة إحدى وثمانمائة بعهد من أبيه وعمره عشر سنين وستة أشهر، وقتل بمصر سلطانا ليلة السبت سادس عشر صفر. وفيها زين الدّين أبو الخير محمد بن زيد الدّين أبي الطّاهر أحمد بن جمال الدّين محمد بن الحافظ محبّ الدّين عبد الله الطّبري [٢] . سمع من الفخر القونوي، وابن بنت سعد، وابن جماعة، والعلائي، وأجاز له أحمد بن علي الجزري، وابن القمّاح، وابن عالي، والمستوري، وغيرهم. وتفرّد بإجازة الجزري بمكّة، وحدّث بأشياء كثيرة بالإجازة عن جماعة من المصريين والشّاميين، وبرع في العلم، وعرف بالمروءة. وتوفي في رمضان. وفيها بهاء الدّين أبو حامد محمد بن أبي الطّيب أحمد بن بهاء الدّين محمد بن علي بن سعيد بن [٣] إمام المشهد الشافعي ظنا. ولد سنة سبع وستين وسبعمائة، وأحضره أبوه وأسمعه على بعض [٤] أصحاب الفخر، وابن القواس، ونحوهم. وتوفي أبوه وهو صغير، فأدّبه رجل أعمى، وبرع من [٥] صباه، وكان صحيح الفهم، دينا، عاقلا، نشأ نشأة حسنة، وأفتى، ودرّس، وعرض عليه حموه شهاب الدّين الحسباني النّيابة في الحكم فامتنع.

стр. 4390

وتوفي في ذي القعدة بعلّة الاستسقاء. وفيها جمال الدّين محمد بن الحسن بن عيسى بن محمد بن أحمد بن مسلم المكّي الحلوي [١]- بفتح المهملة وسكون اللام، نسبة إلى حلي كظبي مدينة باليمن، المعروف بابن العليف- بمهملة ولام وفاء مصغر-. ولد بحلي سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، ونزل بمكّة، وسمع من العزّ بن جماعة، وكان غاليا في التشيّع وتعاني والنّظم فمهر فيه وفاق أقرانه إلّا أنه كان عريض الدّعوى ومدح ملوك اليمن، وأمراء مكّة، وينبع، وانقطع إلى حسن بن عجلان بمكّة. ومن مدائحه في النّاصر لدين الله صلاح الدّين بن علي بن محمد صاحب صنعاء: جادك الغيث من طلول بوالي [٢] ... كبروج من النّجوم خوالي فقدت بيض أنسها فتساوى ... بيض أيامها وسود الليالي قاسمتني وجدي بها فتساوى ... حالها بعد من أحبّ وحالي وهي طويلة. وله فيه من أخرى: يا وجه آل محمّد في وقته ... لم يبق بعدك منهم إلا قفا لو كانت الأشراف آل محمد ... كتب العلوم لكنت فيها المصحفا أو كانت الأسباط آل محمد ... يا ابن النّبيّ لكنت فيها يوسفا وتوفي في سابع رجب. وفيها جمال الدّين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد البعلبكي المعروف بابن اليونانية [٣] .

стр. 4391

ولد أول سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، وسمع الحديث، وقرأ، ودرّس، وأفتى، وشارك في الفضائل، وكان عارفا بأخبار أهل بلده. [١] وهو ابن أخي الشيخ شمس الدّين البعلبكي. قاله ابن حجر [١] . وفيها محبّ الدّين أبو الوليد محمد بن محمد بن محمد بن محمود بن غازي ابن أيوب بن الشّحنة محمود [٢] والشّحنة جدّه الأعلى محمود، الشهير بابن الشّحنة التّركي الأصل الحلبي [٣] الحنفي. ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وحفظ القرآن العظيم وعدة متون، وتفقه، وبرع في الفقه، والأصول، والنحو، والأدب، وأفتى، ودرّس، وتولى قضاء قضاة الحنفية بحلب، ثم دمشق، إلى أن قبض عليه الظّاهر برقوق في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، وقدم به إلى القاهرة، ثم أفرج عنه، ورجع إلى حلب فأقام بها إلى أن قبض عليه الملك الناصر فرج سنة ثلاث عشرة وثمانمائة لقيامه مع جماعة على الناصر، ثم أفرج عنه، فقدم القاهرة، ثم عاد إلى دمشق صحبة الملك الناصر المذكور سنة أربع عشرة وثمانمائة، فلما انكسر الناصر وحوصر بدمشق ولّاه قضاء الحنفية بالقاهرة فلم يتمّ لأنه لما أزيلت دولة الناصر أعيد بن العديم لقضاء الدّيار المصرية، واستقرّ ابن الشّحنة في قضاء حلب وأعطى تداريس بدمشق. قال ابن حجر كان كثير الدعوى والاستحضار، عالي الهمّة، وعمل تاريخا لطيفا فيه أوهام عديدة، وله نظم فائق وخط رائق. ومن نظمه: ساق المدام فكلّ ما في النّا ... س من وصف المدامة فيكا فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيك ووجنتيك وفيكما

стр. 4392

وله: أسير بالجرعى أسيرا ومن ... همّي لا أعرف كيف الطّريق. في منحني الأضلع وادي الغضا ... وفوق سفح الخدّ وادي العقيق انتهى. وقال القاضي علاء الدّين في «ذيل تاريخ حلب» : وله: «ألفية رجز» تشتمل على عشرة علوم، و «ألفية» اختصر فيها منظومة النّسفي وضم إليها مذهب أحمد. وله تآليف أخرى في الفقه، والأصول، والتفسير. انتهى. وتوفي بحلب يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر. وفيها شرف الدّين مسعود بن عمر بن محمود بن أنمار الأنطاكي النّحوي [١] ، نزيل دمشق. قدم إلى حلب، وقد حصّل طرفا صالحا من العربية، ثم قدم دمشق، فأخذ عن الصّفدي، وابن كثير، وغيرهما، وتقدم في العربية، وفاق في حسن التّعليم حتّى كان يشارط عليه إلى أمد معلوم بمبلغ معلوم، وكان يكتب حسنا وينظم جيدا، وكان يتعانى الشّهادة ولو لم يكن بالمحمود فيها، وكان مزّاحا قليل التّصوّن. مات في تاسع شعبان وهو في عشر الثمانين. قاله ابن حجر.

стр. 4393

سنة ست عشرة وثمانمائة في ربيعها الأول ظهر الخارجيّ الذي ادعى أنه السّفيانيّ، وهو رجل عجلونيّ يسمّي عثمان بن ثقالة، اشتغل بالفقه قليلا بدمشق، ثم قدم عجلون فنزل بقرية الجيدور [١] ودعا إلى نفسه، فأجابه بعض الناس، فأقطع الإقطاعات، ونادى أن مغل هذه السنة مسامحة، ولا يؤخذ من أهل الزراعة بعد هذه السنة التي سومح بها سوى العشر، فاجتمع عليه خلق كثير من عرب، وعشير، وترك، وعمل له ألوية خضراء، وسار إلى وادي إلياس، وبث كتبه إلى النّواحي ترجمتها بعد البسملة: [من] السّفياني إلى حضرة فلان، أن يجمع فرسان هذه الدولة السّلطانية الملكية الإمامية الأعظمية الربّانية المحمدية السّفيانية، ويحضر بخيله ورجاله مهاجرا إلى الله ورسوله، ومقاتلا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، فسار عليه في أوائل ربيع الآخر غانم الغزّاوي، وجهز إليه طائفة، وطرقوه وهو بجامع عجلون، فقاتلهم فقبضوا عليه وعلى ثلاثة من أصحابه، فاعتقل الأربعة، وكتب إلى المؤيد بخبره فأرسلهم إلى قلعة صرخد [٢] . وفيها توفي إبراهيم بن أحمد بن خضر الصّالحي الحنفي [٣] . ولد في رمضان سنة أربع وأربعين وسبعمائة، واشتغل على أبيه، وناب في القضاء بمصر، ودرّس وأفتى، وولي إفتاء دار العدل، وكان جريئا مقداما، ثم ترك الاشتغال بأخرة وافتقر.

стр. 4394

وتوفي في ربيع الأول، وكانت وفاة أبيه سنة خمس وثمانين وسبعمائة. وفيها برهان الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن بهادر بن أحمد الشّافعي الغزّي القرشي النّوفلي، الشهير بابن زقّاعة [١]- بضم الزاي، وفتح القاف المشدّدة، وألف، وعين مهملة، وهاء-. قال في «المنهل» : كان إماما بارعا مفنّنا في علوم كثيرة لا سيما معرفة الأعشاب، والرياضة، وعلم التصوف. مولده سنة أربع وعشرين وسبعمائة على الصحيح. قال المقريزي: عانى صناعة [٢] الخياطة، وأخذ القراءات عن الشيخ شمس الدّين الحكري، والفقه عن بدر الدّين القونوي، والتّصوف عن الشيخ عمر حفيد الشيخ عبد القادر، وسمع الحديث من نور الدّين على الفويّ، وقال الشعر، ونظر في النّجوم وعلم الحرف، وبرع في معرفة الأعشاب، وساح في الأرض، وتجرّد وتزهّد فاشتهر ببلاد غزّة، وعرف بالصّلاح. انتهى اختصارا. قلت: بالجملة كانت رئاسته في علوم كثيرة، وله حظّ وافر [٣] عند ملوك مصر، ونال من الحرمة والوجاهة ما لم ينله غيره من أبناء جنسه، فإنه كان يجلس فوق قضاة القضاة. ومن شعره اللّطيف: ومن عجبي أن النّسيم إذا سرى ... سحيرا بعرف البان والرّند والآس يعيد على سمعي حديث أحبّتي ... فيخطر لي أن الأحبّة جلّاسي ومنه أيضا: ووردي خدّ نرجسيّ لواحظ ... مشايخ علم السّحر عن لحظه رووا وواوات صدغيه حكين عقاربا ... من المسك فوق الجلّنار قد التووا

стр. 4395

ووجنته الحمراء تلوح كجمرة ... عليها قلوب العاشقين قد انكووا وودّي له باق ولست بسامع ... لقول حسود والعواذل إن عووا وو الله لا أسلو ولو صرت رمّة ... وكيف وأحشائي على حبّه انطووا وتوفي بالقاهرة في ثامن عشر ذي الحجة، ودفن خارج باب النصر انتهى. ما قاله صاحب «المنهل» باختصار. وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن علاء الدّين حجّي بن موسى بن أحمد بن سعيد [١] بن غشم بن غزوان بن علي بن مسرور بن تركي الحسباني الدمشقي الشافعي [٢] الحافظ، مؤرخ الإسلام. قال ابن قاضي شهبة في «طبقاته» : ولد في المحرم سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وحفظ «التنبيه» وغيره، وسمع الحديث من خلائق، وأجاز له خلق من بلاد شتّى، وقرأ بنفسه الكثير، وكتب الكثير، وقد كتب أسماء مشايخه مجرّدا في بعض مجاميعه على حروف المعجم، وأخذ الفقه عن والده، والشيخ شمس الدّين بن قاضي شهبة، وقاضي القضاة بهاء الدّين أبي البقاء وغيرهم، واستفاد من مشايخ العصر، منهم الأذرعي، والحسباني، وابن قاضي الزّبداني، وابن خطيب يبرود، والغزّي، والقاضي تاج الدّين السّبكي، وشمس الدّين الموصلي، وتخرّج في علوم الحديث بالحافظين ابن كثير، وابن رافع، وأخذ النحو عن أبي العبّاس العناني وغيره، ودرّس وأفتى، وأعاد وناب في الحكم، وصنّف، وكتب بخطّه الحسن ما لا يحصى كثرة، فمن ذلك شرح على «المحرّر» لابن عبد الهادي، كتب منه قطعة، وردّ على مواضع من «المهمات» للإسنوي، وعلى مواضع من الألغاز له وبيّن [٣] غلطه فيها، وجمع فوائد في علوم متعددة في

стр. 4396

كراريس كثيرة سمّاها «جمع المفترق» وكتابا سمّاه «الدارس من أخبار المدارس» يذكر فيه ترجمة الواقف وما شرطه، وتراجم من درّس بالمدرسة إلى آخر وقت، وهو كتاب نفيس يدلّ على اطلاع كثير، وقد وقفت على كراريس منه. وكتب «ذيلا» [١] على «تاريخ ابن كثير» وغيره، بدأ فيه من سنة إحدى وأربعين يذكر فيه حوادث الشهر، ثم من توفي فيه، وهو مفيد جدا، كتب منه ست سنين، ثم بدأ من سنة تسع وستين فكتب إلى قبيل وفاته بيسير، وكان قد أوصاني بتكميل الخرم المذكور فأكملته، وأخذت «التاريخ» المذكور وزدت عليه حوادث من تواريخ المصريين وغيرهم بقدر ما ذكره الشيخ، وتراجم أكثر من التراجم التي ذكرها بكثير، وبسطت الكلام في ذلك، وجاء إلى آخر سنة أربعين وثمانمائة في سبع مجلدات كبار، ثم اختصرته في نحو نصفه، وقد ولي الشيخ في آخر عمره، الخطابة ومشيخة الشيوخ شريكا لغيره، وانتهت المشيخة في البلاد الشامية إليه،

стр. 4397

وكان يكتب على الفتاوى كتابة حسنة، وخطه مليح، وكان يضرب المثل بجودة ذهنه وحسن أبحاثه، وكان حسن الشكل، ديّنا، خيّرا، له أوراد من صلاة وصيام، وعنده أدب كثير وحشمة وحسن معاشرة، وعنه أخذت هذا الفنّ، واستفدت منه كثيرا. توفي في المحرم ودفن عند والده على جادة الطّريق. انتهى كلام ابن قاضي شهبة. وفيها أحمد بن علي بن النّقيب المقدسي الحنفي [١] . قال ابن حجر: ولد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وتقدم في فقه الحنفية، وشارك في فنون، وكان يؤم بالمسجد الأقصى. وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن ناصر بن خليفة بن فرج بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن الناصري الباعوني الشافعي [٢] . قال ابن قاضي شهبة فيه: الشيخ الإمام العالم المفنّن، قاضي القضاة، خطيب الخطباء [٣] ، إمام البلغاء، ناصر الشّرع. ولد بقرية النّاصرة من البلاد الصّفدية سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، وحفظ القرآن، وله عشر سنين، وحفظ «المنهاج» في مدة يسيرة، ثم «المنهاج» للبيضاوي، و «الألفية» وغير ذلك، وقدم دمشق، وعرض كتبه على جماعة من العلماء، منهم القاضي [٤] تاج الدّين السّبكي، والمشايخ: ابن خطيب يبرود، وابن قاضي الزّبداني، وابن قاضي [٤] شهبة، وابن الشّريشي، والزّهري، وغيرهم. وأخذ عنهم، وسمع الحديث من جماعة من المسندين، وقرأ النحو على الشيخ أبي عبد الله المالكي، وغيره، ومهر في ذلك، وكتب الخطّ الحسن، ثم رجع إلى

стр. 4398

صفد، وقد أجيز، وأخذ من طلب العلم أربه، فاشتغل بالعلم، وأفتى، وفاق في النّظم، والنثر، وصحب الفقراء والصّالحين، ثم توجه إلى الدّيار المصرية، واجتمع بالملك الظّاهر فولاه خطابة بالجامع الأموي، فقدم في ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين، ثم لما قدم السلطان في سنة ثلاث وتسعين ولّاه القضاء في ذي الحجّة، فباشر بعفّة، ومهابة زائدة وتصميم في الأمور، مع نفوذ لحكمه، وكان يكاتب السلطان بما يريد فيرجع الجواب بما يختاره، وانضبطت [١] الأوقاف في أيامه، وحصل للفقهاء معاليم كثيرة، ودرّس الفقه والتفسير في مدارس كثيرة، وولي مشيخة الشيوخ، ثم وقعت له أمور أوجبت تغير خاطر السلطان عليه، منها أنه طلب أن يقرضه من مال الأيتام شيئا فامتنع فعزله بعد ما باشر سنتين ونصفا، وكشف عليه، وعقدت له مجالس وحصل في حقّه تعصب، ولفّقت عليه قضايا باطلة أظهر الله براءته منها ولم يسمع عنه مع كثرة أعدائه أنه ارتشى في حكم من الأحكام، ولا أخذ شيئا من قضاة البر كما فعله من بعده من القضاة، ثم ولي خطابة القدس مدة طويلة ثم خطابة دمشق ومشيخة الشيوخ، ثم ولاه الناصر القضاء في صفر سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، ولم يمكنه إجراء الأمور على ما كان أولا لتغير الأحوال واختلاف الدول، ثم صرفه الأمير شيخ عند استيلائه على دمشق في جمادى الآخرة من السنة وفي فتنة الناصر، ولي قضاء الدّيار المصرية مدة الحصار، ثم انتقض، وكان خطيبا بليغا له اليد الطولي في النّظم والنّثر، مع السّرعة في ذلك، وكان من أعظم أنصار الحقّ وأعوانه، أعزّ الله تعالى به الدّين، وكفّ به أكفّ المفسدين، وكان ظاهر الدّيانة، وكثير البكاء، وكتب الكثير بخطّه، وجمع أشياء. انتهى باختصار. وقال ابن حجر: اجتمعت به ببيت المقدس والقاهرة، وأنشدني من نظمه، وسمعت عليه، وهو القائل: ولما رأت شيب رأسي بكت ... وقالت عسى غير هذا عسى فقلت البياض لباس الملوك ... وإنّ السّواد لباس الأسى فقالت صدقت ولكنّه ... قليل النّفاق بسوق النّسا

стр. 4399

وله في العقيدة قصيدة أولها: أثبت صفات العلى وانف الشبيه فقد ... أخطا الذي على ما قد بدا جمدوا وضلّ قوم على التأويل قد عكفوا ... فعطّلوا وطريق الحقّ مقتصد انتهى. وتوفي في أوائل المحرم ودفن بسفح قاسيون بحوش زاوية الشيخ أبي بكر بن داود. وفيها زين الدّين هو زين الدّين أبو بكر بن حسين بن عمر بن محمد بن يونس العثماني المراغي ثم المصري [١] الشافعي، نزيل المدينة. ولد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وأجاز له أبو العبّاس بن الشّحنة، فكان آخر من حدّث عنه في الدنيا بالإجازة، وأجاز له أيضا المزّي، والبرزالي، والحجّار، وآخرون من دمشق، وحماة وحلب وغيرها، وتفرّد بالرواية عن أكثرهم، وسمع بالقاهرة من جماعة، وخرج له الحافظ ابن حجر أربعين حديثا عن أربعين شيخا، وقرأ على الشيخ تقي الدّين السّبكي شيئا من محفوظاته عرضا قبل أن يلي القضاء ولازم الشيخ جمال الدّين الأسنوي، وولي قضاء المدينة وخطابتها سنة تسع وثمانمائة، وأخذ عن مغلطاي وغيره من المحدّثين، وشرح المنهاج الفقهي، واختصر «تاريخ المدينة» وحصل للمدينة جهات تقوم بحاله، ولازم الأشغال، والتحديث بالروضة الشريفة إلى أن صار شيخها المشار إليه، ثم عزل عن قضائها فتألم لذلك. وتوفي بالمدينة المنورة في ذي الحجّة. وفيها رضي الدّين أبو بكر بن يوسف بن أبي الفتح العدني بن المستأذن [٢] .

стр. 4400

قال ابن حجر: حجّ كثيرا، وقدم القاهرة، وتعانى النّظر في الأدب، ومهر في القراءات، وتكلّم على النّاس بجامع عدن، وخطب ولم ينجب، سمعت من نظمه، وسمع مني كثيرا. مات وقد جاوز السبعين. انتهى. وفيها حسام الدّين حسن بن علي بن محمد الأبيوردي [١]- بفتح الهمزة والواو، وسكون التحتية، وكسر الباء، وسكون الراء- نسبة إلى باورد بلدة بخراسان، الشافعي الخطيب، نزيل مكة. أخذ عن السعد التّفتازاني وغيره، وبرع في المعقولات، ودخل اليمن، واجتمع بالناصر ففوض إليه تدريس بعض المدارس بتعز فعاجلته المنيّة بها، وصنّف «ربيع الجنان في المعاني والبيان» وغير ذلك. وفيها عائشة بنت محمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الأصل أبوها الصّالحية [٢] الحنبلية المذهب المحدّثة محدّثة دمشق. ولدت سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، وحضرت في أوائل الرابعة من عمرها جميع «صحيح البخاري» على مسند الآفاق الحجّار، وروت عن خلق، وروى عنها الحافظ ابن حجر، وقرأ عليها كتبا عديدة، وكانت في آخر عمرها أسند أهل زمانها، مكثرة سماعا وشيوخا. قاله العليمي [٣] في «طبقات الحنابلة» وتوفيت في أحد الربيعين ودفنت بالصالحية. قال ابن حجر: تفرّدت بالسّماع من الحجّار، ومن جماعة، وسمع منها

стр. 4401

الرّحالة فأكثروا، وكانت سهلة في الأسماع، سهلة الجانب، ومن العجائب أن ستّ الوزراء كانت آخر من حدّثت عن ابن الزّبيدي بالسّماع، ثم كانت عائشة آخر من حدّثت عن صاحبه الحجّار بالسّماع وبين وفاتيهما مائة سنة. وفيها عبد القوي بن محمد بن عبد القوي المالكي البجائي المغربي [١] الأصل والمولد والمنشأ، نزيل مكة. قال ولده قطب الدّين أبو الخير، ولد والدي سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة ببجاية من بلاد الغرب، ورحل من بلده وعمره ثمان عشرة سنة، وقدم القاهرة، وحجّ سنة أربع وستين، ثم عاد إلى القاهرة، ثم حجّ في سنة سبعين، وقطن بمكة إلى أن مات. وقال الشيخ تقي الدّين الفاسي: قدم ديار مصر في شبيبته، فأخذ بها عن الشيخ [يحيى الرّهوني، وغيره من علمائها، وسكن الجامع الأزهر، ثم انتقل إلى مكة، وأخذ بها عن الشيخ] موسى المرّاكشي وغيره، وسمع بها من المناوي، وسعد الدّين الإسفرائيني، وغيرهما، ودرّس بالحرم الشريف، وأفتى باللفظ تورعا، وكان ذا معرفة بالفقه. قال ابن حجر: تفقه، وأفاد، ودرّس، وأعاد، وأفتى. وتوفي بمكة في شوال ودفن بالمعلاة. وفيها فخر الدّين عثمان بن إبراهيم بن أحمد الشيخ الإمام البرماوي [٢] الشافعي، شيخ قرّاء مدرسة الظّاهر برقوق. قال في «المنهل» : كان إماما بارعا في معرفة القراءات، عالما بالفقه

стр. 4402

والحديث والعربية، تصدّر للإقراء عدة سنين إلى أن توفي فجأة بعد خروجه من الحمّام يوم الاثنين تاسع عشر شعبان. والبرماوي: نسبة إلى برمة بلدة بالغربية من أعمال القاهرة بالوجه البحري وإليها ينسب جماعة كثيرة من الفقهاء وغيرهم. انتهى. وفيها فتح الدّين فتح الله بن معتصم بن نفيس الدّاودي التّبريزي الحنفي الطبيب [١] . ولد سنة تسع وخمسين وسبعمائة، وقدم مع أبيه إلى القاهرة فمات أبوه وهو صغير فكفله عمّه بديع بن نفيس فتميّز في الطب، وقرأ «المختار» في الفقه، وتردّد إلى مجالس العلم، وتعلم الخطّ، وباشر العلاج، وكان بارع الجمال، فانتزعه برقوق وصار من أخص المماليك عنده، واشتهر، وشاع ذكره، واستقر في رئاسة الطب بعد موت عمّه بديع، ثم عالج برقوق فأعجبه، وكان يدري كثيرا من الألسن، ومن الأخبار، فراج عند برقوق، وباشر رئاسة الطب بعفة ونزاهة. قال البقاعي: كان ذا باع طويل في الطبّ، حتّى إنه مرّ يوما في سوق الكتبيين فرأى شخصا ينسخ في كتاب وليس به مرض، فتأمله وقال: هذا يموت اليوم، فكان كذلك. وقال المقريزي: كان له فضائل جمّة غطّاها شحّه حتّى اختلق عليه أعداؤه معايب برأه الله منها، فإني صحبته مدة طويلة تزيد على العشرين [سنة] ، ورافقته سفرا وحضرا، فما علمت عليه إلّا خيرا، بل كان من خير أهل زمانه عقلا، وديانة، وحسن عبارة [٢] ، وتأله، ونسك، ومحبة للسّنّة وأهلها، وانقياد إلى الحقّ، وصبر على الأذى، وجودة للحافظة. وكان يعاب بالشّح بماله، فإنه كان يخذل صديقه أحوج ما يكون إليه، وقد جوزي بذلك فإنه لما نكب في هذه السنة تخلّى عنه كل أحد عن الزيارة، فلم يجد مغنيا ولا معينا، فلا قوة إلّا بالله.

стр. 4403

وفيها شمس الدّين محمد بن أحمد بن خليل المصري الغرّاقي [١]- بفتح المهملة، وتشديد الراء، وبعد الألف قاف، نسبة إلى بعض قرى الدّيار المصرية- الشافعي. اشتغل كثيرا، وتمهّر في الفرائض، وأشغل الناس فيها بالجامع الأزهر، وكثرت طلبته، وأمّ بالجامع المذكور نيابة، مع الدّين، والخير، وحسن السّمت، والتواضع، والصّبر على الطلبة. وكان يقسم «التنبيه» و «المنهاج» فيقرن بينهما جميعا في مدة لطيفة، وقد سمع من العزّ بن جماعة بمكّة، وحدّث، وجاور كثيرا، وكان يعتمر في كل يوم أربع عمر، ويختم كل يوم ختمة. وتوفي في خامس شعبان. وفيها محمد بن عبد الله الحجيني [٢] الحنفي، الملقب بالقطعة [٣] . قال ابن حجر: كان من أكثر الحنفية معرفة باستحضار الفروع، مع جمود ذهنه، وكان خطّه رديئا إلى الغاية، وكان رثّ الثياب والهيئة، خاملا. مات في رمضان. انتهى. وفيها جمال الدّين محمد بن عمر العوادي [٤]- بفتح المهملة وتخفيف الواو- التّعزي [٥] الشافعي. اشتغل ببلده، وأشغل الناس كثيرا، واشتهر، وأفتى، ودرّس، ونفع الناس، وكثرت تلامذته، وولي القضاء ببلده فباشر بشهامة، وترك مراعاة لأهل الدولة فتعصبوا عليه، حتّى عزل، وقد أراق في مباشرته الخمور، وأزال المنكرات، وألزم اليهود بتغيير عمائمهم، ثم بعد عزله أقبل على الاشتغال والنفع للناس إلى أن مات.

стр. 4404

وفيها شهاب الدّين موسى بن أحمد بن موسى الرّمثاوي ثم الدمشقي الشافعي [١] . ولد تقريبا سنة ستين وسبعمائة، واشتغل على الشيخ شرف الدّين الغزّي، ولازمه، وأذن له في الإفتاء، وأخذ الفرائض عن محبّ الدّين المالكي وفضل فيها، وأخذ بمكّة عن ابن ظهيرة، وأخذ طرفا من الطبّ عن الرئيس جمال الدّين، وكتب بخطّه، ومهر، وتعانى الزراعة، ثم تزوج بنت شيخه فماتت معه فورث منها مالا، ثم بذل مالا حتّى ناب في الحكم واستمرّ، ثم ولي قضاء الكرك. قال ابن قاضي شهبة في «تاريخه» : كان سيء السيرة، وفتح أبوابا من الأحكام الباطلة، فاستمرت بعده [٢] وكان عنده دهاء، وصاهر الإخنائي، وقد امتحن. ومات بدمشق في ربيع الأول، وقيل: إنه سمّ، والله أعلم.

стр. 4405

سنة سبع عشرة وثمانمائة في سابع شعبانها دخل الفرنج مدينة سبتة من بلاد المغرب وخرّبوها وأخذوا ما كان بها من الأموال والذخائر، حتّى الكتب العلمية، وتركوها قاعا خرابا، ومع ذلك فهي بأيديهم فلا قوة إلّا بالله، وكان أهلها وهم محاصرون أرسلوا قصيدة طنّانة يستجدون فيها أهل الإسلام من أهل مصر وغيرهم [١] مطلعها: حماة الهدى سبقا وإن بعد المدى ... فقد سألتكم نصرها ملّة الهدى فلم تفدهم شيئا، غير أن أجيبوا بقصيدة من نظم ابن حجّة ويا ليتها مثلها. وفيها توفي تقي الدّين أبو بكر بن علي بن سالم بن أحمد الكناني العامري- نسبة إلى قرية كفر عامر من قرى- الزّبداني [٢] ابن قاضي الزّبداني الشافعي. ولد في ذي الحجّة سنة خمسين وسبعمائة، واشتغل بدمشق، فبرع في الحساب، وشارك في الفقه، وقرأ في الأصول، وولي قضاء بعلبك وبيروت، وقدم القاهرة بعد الفتنة الكبرى، وكان قد أسر مع التمرية ثم تخلّص، وأخبر عن بعض من أسره أنه قال له: علامة وقوع الفتنة كثرة نباح الكلاب وصياح الدّيكة في أول الليل. قال: وكان ذلك قد كثر بدمشق قبل مجيء تمرلنك، وكان يقرأ في المحراب جيدا، وولي قضاء كفر طاب، وتقدم في معرفة الفرائض والحساب، وكان دينا، خيرا، يتعانى المتجر. توفي بدمشق في ذي الحجّة.

стр. 4406

وفيها سعد الدّين سعد بن علي بن إسماعيل الهمداني الحنفي ثم العيني [١] نزيل حلب. كان فاضلا عاقلا، دينا له مروءة ومكارم أخلاق، وله وقع في النّفوس لخيره ونفعه للطلبة وإحسانه إليهم بعلمه وجاهه. مات في أول شعبان، وخلّف ولده سعد الدّين سعد الله، ولم تطل مدّته بل مات في [٢] سنة إحدى وعشرين ولم يتكهّل [٣] . وفيها عبد الله بن صالح بن أحمد بن عبد الكريم ابن أبي المعالي الشّيباني المكّي [٤] . سمع من عثمان بن الصّفي الطّبري، والسّراج الدّمنهوري، وغيرهما، وتفرّد بالرواية عنهم بمكة، وكان خطيبا بجدّة. توفي في ربيع الآخر وقد قارب الثمانين. وفيها جمال الدّين عبد الله بن علاء الدّين علي بن محمد بن علي بن عبد الله الكناني العسقلاني الحنبلي، المعروف بالجندي [٥] ، سبط أبي الحرم القلانسي. ولد سنة خمسين وسبعمائة، وأحضر على الميدومي، وسمع من الأتقوي، والعرضي، وألبسه الميدومي خرقة التصوف، وحدّث باليسير في آخر عمره، وأحب الرواية، وأكثروا عنه، وكان ذا سمت حسن، وديانة ونادرة حسنة، ويتكلم في مسائل الفقه، وسمع منه ابن حجر جزءا من حديث أبي الشيخ بسماعه على جدّه

стр. 4407

أبي الحرم القلانسي بسنده، وقرأ عليه أيضا «سباعيات» مونسة خاتون بنت الملك العادل بسماعه على جدّه أيضا عنها سماعا. وتوفي في القاهرة في رجب. وفيها زين الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن يوسف بن الحسن بن محمود المدني الزّرندي [١]- بالزاي، والراء، والنون، نسبة إلى زرند بلد بأصبهان- الحنفي. ولد في ذي القعدة سنة ست وأربعين وسبعمائة بالمدينة النبوية، وسمع على العزّ بن جماعة، والصّلاح العلائي، وأجاز له الزّبير الأسواني، وهو آخر من حدّث عنه، وتفقه، وبرع في الفقه وغيره، وولي قضاء الحنفية بالمدينة النبوية نحوا من ثلاث وثلاثين سنة مع حسبتها، وحمدت سيرته لعفّته ودينه، ولم يزل بالمدينة إلى أن توفي بها في ربيع الأول. وفيها الحافظ جمال الدّين أبو حامد محمد بن عبد الله بن ظهيرة بن أحمد بن عبد الله بن عطية بن ظهيرة بن مرزوق بن محمد بن سليمان المخزومي المكي الشافعي [٢] . ولد سنة خمسين وسبعمائة تقريبا، وعني بالحديث، فرحل فيه إلى دمشق، وحماة، وحلب، والقدس، ومصر، وغيرها، وحصل الأجزاء، ونسخ، وكتب الكثير بخطه الدقيق الحسن، وبرع في الفقه والحديث، وأخذ عن ابن أميلة، وصلاح الدّين بن أبي عمر، وجمع من أصحاب التّقي سليمان، ومن بعدهم، وتفقه بعمه أبي الفضل النّويري، وبالبهاء السّبكي، وبالأذرعي، والبلقيني، ولزم العراقي في الحديث، وانتفع الناس به بمكة، وأشغلهم نحوا من أربعين سنة، وخرّج له غرس الدّين خليل «معجما» عن شيوخه بالسماع والإجازة في مجلدة، وشرح هو قطعة من «الحاوي» وله عدة ضوابط نظما ونثرا، وله أسئلة تدل على باع

стр. 4408

واسع في العلم استدعى الجواب عنها من البلقيني فأجابه عنها، وهي معروفة تلقّب بالأسئلة المكّية، وحدّث بكثير من مروياته بالمسجد الحرام، وسمع منه ابن حجر، وقال: وهو أول شيخ سمعت الحديث بقراءته بمصر في [١] سنة ست وثمانين، وولي قضاء مكة، وعزل، وأعيد مرارا، وكان كثيرا العبادة والأوراد، مع السّمت الحسن والسّكون والسّلامة. وتوفي قاضيا بمكة في شهر رمضان. وفيها مجد الدّين أبو الطّاهر محمد بن يعقوب بن إبراهيم بن عمر الفيروزآبادي. [٢] اللّغوي الشافعي العلّامة. قال السخاوي في «الضوء اللّامع» : ولد في ربيع سنة تسع وعشرين وسبعمائة بكازرون، ونشأ بها، وحفظ القرآن وهو ابن سبع، وانتقل إلى شيراز، وهو ابن ثمان، وأخذ الأدب واللغة عن والده وغيره من علماء شيراز، وانتقل إلى العراق، فدخل واسط، وأخذ عن الشّرف عبد الله بن بكتاش، وهو قاضي بغداد، ومدرّس النّظامية بها، وولي بها تداريس وتصادير، وكثرت فضائله، وظهرت، وكثر الآخذون عنه، فكان ممن أخذ عنه الصّفدي، والفهّامة ابن عقيل، والجمال الإسنوي، وابن هشام، ثم قدم القاهرة وأخذ عن علمائها، ورجال في البلاد الشرقية والشامية، ودخل الرّوم والهند، ولقي جمعا من الفضلاء، وحمل عنهم شيئا كثيرا تجمعهم [٣] مشيخته تخريج الجمال بن موسى المرّاكشي، وفيه أن مروياته [٤] الكتب الستة، و «سنن البيهقي» و «مسند أحمد» و «صحيح ابن حبّان» و «مصنّف ابن أبي شيبة» وغير ذلك من [٥] مشايخ عديدة، وجمّ غفير، ثم دخل زبيد في

стр. 4409

رمضان سنة ست وتسعين بعد وفاة قاضي الأقضية باليمن كلّه الجمال الرّيمي شارح «التنبيه» فتلقاه الأشراف إسماعيل وبالغ في إكرامه، وصرف له ألف دينار سوى ألف أخرى أمر صاحب عدن أن يجهّزه بها، واستمر مقيما في كنفه على نشر العلم، وكثر الانتفاع به، وأضيف إليه قضاء اليمن كلّه في ذي الحجّة سنة سبع وتسعين بعد ابن عجيل، فارتفق بالمقام في تهامة، وقصده الطلبة، وقرأ السلطان فمن دونه عليه، واستمرّ بزبيد مدة عشرين سنة، وهي بقية أيام الأشرف ثم ولده الناصر، وكان الأشرف قد تزوّج ابنته لمزيد جمالها، ونال منه رفعة وبرّا بحيث إنه صنّف كتابا وأهداه له على طباق فملأها له دراهم، وفي أثناء هذه المدة قدم مكة مرارا، وجاور بالمدينة والطائف، وعمل بها مآثر حسنة، وكان يجب الانتساب إلى مكة ويكتب بخطّه الملتجئ إلى حرم الله تعالى، ولم يدخل بلدا إلّا وأكرمه متوليها وبالغ في تعظيمه، مثل شاه منصور ابن شجاع صاحب تبريز، والأشرف صاحب مصر، والسلطان بايزيد خان بن عثمان متولي الرّوم، وابن أويس صاحب بغداد، وتمرلنك، وغيرهم واقتنى كتبا كثيرة، حتى نقل عنه أنه قال: اشتريت بخمسين ألف مثقال كتبا، وكان لا يسافر إلّا وفي صحبته منها أحمال ويخرجها في كل منزل وينظر فيها، لكنه كان كثير التبذير، وإذا أملق باع منها، وإذا أيسر اشترى غيرها، وصنّف كتبا كثيرة، منها «بصائر ذوي التمييز في الطائف الكتاب العزيز» مجلدان، و «تنوير المقباس في تفسير ابن عبّاس» أربع مجلدات، و «تيسير فاتحة الإهاب بتفسير فاتحة الكتاب» مجلد كبير، و «الدرّ النّظيم المشير [١] إلى فضائل [٢] القرآن العظيم» و «حاصل كورة الخلاص في فضائل سورة الإخلاص» و «شرح خطبة الكشّاف» و «شوارق الأسرار العليّة في شرح مشارق الأنوار النّبوية» مجلدان، و «منح [٣] الباري بالسّيل [٤] الفسيح الجاري في شرح صحيح البخاري» كمّل ربع

стр. 4410

العبادات منه، في عشرين مجلدا، و «الإسعاد بالإصعاد إلى درجة الاجتهاد» ثلاثة مجلدات، و «النّفخة العنبرية في مولد خير البريّة» و «الصّلات والبشر في الصّلاة على خير البشر» و «الوصل والمنى في فضل منى» و «المغانم المطابة في معالم طابة» [١] و «مهيج [٢] الغرام إلى البلد الحرام» و «إثارة الحجون [٣] لزيارة الحجون» عمله في ليلة، و «أحاسن اللطائف في محاسن الطائف» و «فصل الدّرة من الخرزة في فضل السّلامة على الخبزة» و «روضة الناظر في ترجمة الشيخ عبد القادر [٤] » و «المرقاة الوفية في طبقات الحنفية» و «البلغة في ترجمة أئمة النّحاة واللغة [٥] » و «الفضل الوفي في العدل الأشرفي» و «نزهة الأذهان في تاريخ أصبهان» مجلد، و «تعيين الغرفات للمعين على عين عرفات» و «منية السّول في دعوات الرّسول» و «التجاريح في فوائد متعلقة بأحاديث المصابيح» و «تسهيل طريق الوصول إلى» الأحاديث الزائدة على جامع الأصول» و «الأحاديث الضعيفة» [٦] و «الدّر الغالي في الأحاديث العوالي» و «سفر السّعادة» و «المتفق وضعا المختلف صقعا» ، و «اللّامع المعلم العجاب الجامع بين المحكم والعباب» قدّر تمامه في مائة مجلد يقرب كل مجلد منه «صحاح الجوهري» كمل منه خمس مجلدات، و «القاموس المحيط» [٧] و «القابوس الوسيط» و «مقصود ذوي الألباب في علم الإعراب» مجلد، و «تحبير

стр. 4411

الموشّين فيما يقال بالسين والشين» تتبع [١] فيه أوهام «المجمل» لابن فارس في ألف موضع، و «المثلث الكبير» في خمس مجلدات، و «الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف» [٢] و «تحفة القماعيل فيمن تسمى من الناس والملائكة بإسماعيل» و «أسماء السراح في أسماء النكاح» و «الجليس الأنيس في أسماء الخندريس [٣] » مجلد، و «أنواء الغيث في أسماء اللّيث» [٤] و «ترقيق الأسل في تصفيق [٥] العسل» كرّاسين، و «زاد المعاد في وزن بانت سعاد [٦] » وشرحه في مجلد، و «النّخب الظرائف في النّكت الشّرائف» وغير ذلك من مختصر ومطول. وقال الخزرجي في «تاريخ اليمن» : إنه لم يزل في ازدياد من علو الجاه، والمكان، ونفوذ الشّفاعات والأوامر على القضاة في الأمصار، ورام في عام تسع وتسعين الوصول إلى مكة شرّفها الله تعالى، فكتب إلى السلطان ما مثاله ومما ينهيه إلى المعلوم الشريف: ضعف العبد، ورقّة جسمه، ودقّة بنيته، وعلو سنّه، وآل أمره إلى أن صار كالمسافر الذي تحزّم وانتقل إذ وهن العظم، والرأس اشتعل، وتضعضع السنّ، وتقعقع الشنّ، فما هو إلا عظام في جراب، وبنيان قد أشرف على الخراب، وقد ناهز العشر التي تسميها العرب دقّاقة الرّقاب، وقد مرّ على المسامع الشريفة غير مرّة في «صحيح البخاري» ، في [٧] قول النّبيّ ﷺ : «إذا بلغ المرء ستّين سنة فقد أعذر الله إليه» [٨] فكيف من نيّف على السبعين وأشرف على الثمانين، ولا

стр. 4412

يجمل بالمؤمن أن يمضي عليه أربع سنين ولا يتجدد له شوق إلى ربّ العالمين وزيارة سيّد المرسلين [١] وقد ثبت في الحديث النبوي ذلك [٢] والعبد له ست سنين عن تلك المسالك، وقد غلب عليه الشوق حتّى فاق عمرو بن طوق، ومن أقصى أمنيته أن يجدّد العهد بتلك المعاهد، ويفوز مرة أخرى تلك المشاهد، وسؤاله من المراحم العلية الصّدقة عليه بتجهيزه في هذا العام قبل اشتداد الحرّ وغلبة الأوام، فإن الفصل أطيب، والرّيح أزيب، وأيضا كان من عادة الخلفاء سلفا وخلفا أنهم كانوا يبردون البريد لتبليغ سلامهم لحضرة [٣] سيّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، فاجعلني- جعلني الله فداك- ذلك البريد، فلا أتمنى شيئا سواه ولا أريد: شوقي إلى الكعبة الغرّاء قد زادا ... فاستحمل القلص الوخّادة الزّادا واستأذن الملك المنعام زيد على ... واستودع الله أصحابا وأولادا فلما وصل كتابه إلى السلطان كتب على طرّته ما مثاله: إن هذا الشيء ما ينطق به لساني ولا يجري به قلمي، فقد كانت بلاد [٤] اليمن عمياء، فاستنارت، فكيف يمكن أن نتقدم وأنت أعلم أن الله قد أحيا بك ما كان ميّتا من العلم، فبالله عليك إلا ما وهبتنا بقية هذا العمر، والله يا مجد الدّين يمينا بارّة إني أرى فراق الدنيا ونعيمها ولا فراقك، أنت اليمن وأهله.

стр. 4413

وقال الفاسي [١] : وله شعر كثير، ونثر أعلى [٢] ، وكان كثير الاستحضار لمستحسنات [من] الشعر والحكايات، وله خطّ جيّد مع السرعة. وكان كثير [٣] الحفظ، حتى قال: ما كنت أنام حتّى أحفظ مائتي سطر. وكانت له دار بمكّة على الصّفا عملها مدرسة للأشرف صاحب اليمن، وقرّر بها مدرسين وطلبة، وفعل بالمدينة كذلك، وله بمنى دور، وبالطائف بستان، وقد سارت الرّكبان بتصانيفه، سيما «القاموس» فإنه أعطي قبولا كثيرا. قال الأديب المفلق نور الدّين علي بن محمد العفيف المكّي الشافعي [٤] لما قرأ عليه «القاموس» : مذ مدّ مجد الدّين في أيامه ... من فيض بحر علومه القاموسا ذهبت صحاح الجوهريّ كأنّها ... سحر المدائن حين ألقى موسى ومن شعره هو: أحبّتنا الأماجد إن رحلتم ... ولم ترعوا لنا عهدا وإلّا نودّعكم ونودعكم قلوبا ... لعلّ الله يجمعنا وإلّا وقال المقري في كتاب «زهر الرّياض» [٥] في أخبار عياض» : قلت: ومن أغرب ما منح الله به المجد مؤلّف «القاموس» أنه قرأ بدمشق بين باب النصر والفرج تجاه نعل النّبي [٦] ﷺ على ناصر الدّين أبي عبد الله محمد بن جهبل «صحيح مسلم» في ثلاثة أيام، وتبجّج بذلك فقال:

стр. 4414

قرأت بحمد الله جامع مسلم ... بجوف دمشق الشّام جوف الإسلام على ناصر الدّين الإمام بن جهبل ... بحضرة حفّاظ مشاهير أعلام وتمّ بتوفيق الإله وفضله ... قراءة ضبط في ثلاثة أيام فسبحان المانح الذي يؤتي فضله من يشاء، وكان يرجو وفاته بمكّة فما قدّر له ذلك، بل توفي بزبيد ليلة العشري من شوال، وهو متمتّع بحواسه، وقد ناهز التسعين. وفيها- أو في التي قبلها، وبه جزم في المنهل الصّافي- صدر الدّين أبو الحسن علي بن محمد قاضي القضاة الدمشقي الحنفي، المعروف بابن الأدمي [١] . ولد بدمشق سنة سبع وستين وسبعمائة، ونشأ بها، وحفظ القرآن الكريم، وطلب العلم، حتّى تفقه وبرع، وشارك في عدة فنون، ومهر في الأدب، وقال الشعر الفائق الرائق، وولي كتابة سرّ دمشق، ثم عزل، وولي قضاءها، وكان خصيصا بالأمير شيخ المحمودي نائب دمشق، وامتحن من أجله، فلما تسلطن شيخ المذكور عرف له ذلك، وولّاه قضاء قضاة الحنفية بالدّيار المصرية فلم تطل مدته، بل باشر أقل من سنة. ومن شعره: يا متّهمي بالسّقم كن مسعفي ... ولا تطل رفضي فإني عليل أنت خليلي فبحقّ الهوى [٢] ... كن لشجوني راحما يا خليل ومنه: قد نمّق العاذل يا منيتي ... كلامه بالزّور عند الملام

стр. 4415

وما درى جهلا بأنّي فتى ... لم يرع سمعي عاجلا فيك لام ومنه قصيدته الرائية المشهورة [١] التي مطلعها [١] : عدمت غداة البين قلبي وناظري ... فيا مقلتي حاكي السّحاب وناظري وتوفي ليلة السبت ثامن شهر رمضان.
следующие страницы →