الموشّين فيما يقال بالسين والشين» تتبع [١] فيه أوهام «المجمل» لابن فارس في ألف موضع، و «المثلث الكبير» في خمس مجلدات، و «الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف» [٢] و «تحفة القماعيل فيمن تسمى من الناس والملائكة بإسماعيل» و «أسماء السراح في أسماء النكاح» و «الجليس الأنيس في أسماء الخندريس [٣] » مجلد، و «أنواء الغيث في أسماء اللّيث» [٤] و «ترقيق الأسل في تصفيق [٥] العسل» كرّاسين، و «زاد المعاد في وزن بانت سعاد [٦] » وشرحه في مجلد، و «النّخب الظرائف في النّكت الشّرائف» وغير ذلك من مختصر ومطول.
وقال الخزرجي في «تاريخ اليمن» : إنه لم يزل في ازدياد من علو الجاه، والمكان، ونفوذ الشّفاعات والأوامر على القضاة في الأمصار، ورام في عام تسع وتسعين الوصول إلى مكة شرّفها الله تعالى، فكتب إلى السلطان ما مثاله ومما ينهيه إلى المعلوم الشريف: ضعف العبد، ورقّة جسمه، ودقّة بنيته، وعلو سنّه، وآل أمره إلى أن صار كالمسافر الذي تحزّم وانتقل إذ وهن العظم، والرأس اشتعل، وتضعضع السنّ، وتقعقع الشنّ، فما هو إلا عظام في جراب، وبنيان قد أشرف على الخراب، وقد ناهز العشر التي تسميها العرب دقّاقة الرّقاب، وقد مرّ على المسامع الشريفة غير مرّة في «صحيح البخاري» ، في [٧] قول النّبيّ ﷺ : «إذا بلغ المرء ستّين سنة فقد أعذر الله إليه» [٨] فكيف من نيّف على السبعين وأشرف على الثمانين، ولا
стр. 4412
يجمل بالمؤمن أن يمضي عليه أربع سنين ولا يتجدد له شوق إلى ربّ العالمين وزيارة سيّد المرسلين [١] وقد ثبت في الحديث النبوي ذلك [٢] والعبد له ست سنين عن تلك المسالك، وقد غلب عليه الشوق حتّى فاق عمرو بن طوق، ومن أقصى أمنيته أن يجدّد العهد بتلك المعاهد، ويفوز مرة أخرى تلك المشاهد، وسؤاله من المراحم العلية الصّدقة عليه بتجهيزه في هذا العام قبل اشتداد الحرّ وغلبة الأوام، فإن الفصل أطيب، والرّيح أزيب، وأيضا كان من عادة الخلفاء سلفا وخلفا أنهم كانوا يبردون البريد لتبليغ سلامهم لحضرة [٣] سيّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، فاجعلني- جعلني الله فداك- ذلك البريد، فلا أتمنى شيئا سواه ولا أريد:
شوقي إلى الكعبة الغرّاء قد زادا ... فاستحمل القلص الوخّادة الزّادا
واستأذن الملك المنعام زيد على ... واستودع الله أصحابا وأولادا
فلما وصل كتابه إلى السلطان كتب على طرّته ما مثاله: إن هذا الشيء ما ينطق به لساني ولا يجري به قلمي، فقد كانت بلاد [٤] اليمن عمياء، فاستنارت، فكيف يمكن أن نتقدم وأنت أعلم أن الله قد أحيا بك ما كان ميّتا من العلم، فبالله عليك إلا ما وهبتنا بقية هذا العمر، والله يا مجد الدّين يمينا بارّة إني أرى فراق الدنيا ونعيمها ولا فراقك، أنت اليمن وأهله.
стр. 4413
وقال الفاسي [١] : وله شعر كثير، ونثر أعلى [٢] ، وكان كثير الاستحضار لمستحسنات [من] الشعر والحكايات، وله خطّ جيّد مع السرعة. وكان كثير [٣] الحفظ، حتى قال: ما كنت أنام حتّى أحفظ مائتي سطر. وكانت له دار بمكّة على الصّفا عملها مدرسة للأشرف صاحب اليمن، وقرّر بها مدرسين وطلبة، وفعل بالمدينة كذلك، وله بمنى دور، وبالطائف بستان، وقد سارت الرّكبان بتصانيفه، سيما «القاموس» فإنه أعطي قبولا كثيرا.
قال الأديب المفلق نور الدّين علي بن محمد العفيف المكّي الشافعي [٤] لما قرأ عليه «القاموس» :
مذ مدّ مجد الدّين في أيامه ... من فيض بحر علومه القاموسا
ذهبت صحاح الجوهريّ كأنّها ... سحر المدائن حين ألقى موسى
ومن شعره هو:
أحبّتنا الأماجد إن رحلتم ... ولم ترعوا لنا عهدا وإلّا
نودّعكم ونودعكم قلوبا ... لعلّ الله يجمعنا وإلّا
وقال المقري في كتاب «زهر الرّياض» [٥] في أخبار عياض» : قلت: ومن أغرب ما منح الله به المجد مؤلّف «القاموس» أنه قرأ بدمشق بين باب النصر والفرج تجاه نعل النّبي [٦] ﷺ على ناصر الدّين أبي عبد الله محمد بن جهبل «صحيح مسلم» في ثلاثة أيام، وتبجّج بذلك فقال:
стр. 4414
قرأت بحمد الله جامع مسلم ... بجوف دمشق الشّام جوف الإسلام
على ناصر الدّين الإمام بن جهبل ... بحضرة حفّاظ مشاهير أعلام
وتمّ بتوفيق الإله وفضله ... قراءة ضبط في ثلاثة أيام
فسبحان المانح الذي يؤتي فضله من يشاء، وكان يرجو وفاته بمكّة فما قدّر له ذلك، بل توفي بزبيد ليلة العشري من شوال، وهو متمتّع بحواسه، وقد ناهز التسعين.
وفيها- أو في التي قبلها، وبه جزم في المنهل الصّافي- صدر الدّين أبو الحسن علي بن محمد قاضي القضاة الدمشقي الحنفي، المعروف بابن الأدمي [١] .
ولد بدمشق سنة سبع وستين وسبعمائة، ونشأ بها، وحفظ القرآن الكريم، وطلب العلم، حتّى تفقه وبرع، وشارك في عدة فنون، ومهر في الأدب، وقال الشعر الفائق الرائق، وولي كتابة سرّ دمشق، ثم عزل، وولي قضاءها، وكان خصيصا بالأمير شيخ المحمودي نائب دمشق، وامتحن من أجله، فلما تسلطن شيخ المذكور عرف له ذلك، وولّاه قضاء قضاة الحنفية بالدّيار المصرية فلم تطل مدته، بل باشر أقل من سنة.
ومن شعره:
يا متّهمي بالسّقم كن مسعفي ... ولا تطل رفضي فإني عليل
أنت خليلي فبحقّ الهوى [٢] ... كن لشجوني راحما يا خليل
ومنه:
قد نمّق العاذل يا منيتي ... كلامه بالزّور عند الملام
стр. 4415
وما درى جهلا بأنّي فتى ... لم يرع سمعي عاجلا فيك لام
ومنه قصيدته الرائية المشهورة [١] التي مطلعها [١] :
عدمت غداة البين قلبي وناظري ... فيا مقلتي حاكي السّحاب وناظري
وتوفي ليلة السبت ثامن شهر رمضان.
стр. 4416
سنة ثمان عشرة وثمانمائة
فيها كان بمصر طاعون وغلاء عظيمان.
وفي أولها كانت كائنة الشيخ سليم- بفتح السين- وذلك أنه كان بالجيزة بالجانب الغربي من النّيل كنيسة للنصاري، فقيل إنهم جدّدوا فيها شيئا كثيرا، فتوجه الشيخ سليم من الجامع الأزهر ومعه جماعة فهدموها، فاستعان النصارى بأهل الدّيوان من القبط، فسعوا عند السلطان بأن هذا الشيخ افتأت على المملكة وفعل ما أراد بيده بغير حكم حاكم، فاستدعى بالمذكور فأهين، فاشتدّ ألم المسلمين لذلك، ثم توصّل النصارى ببعض قضاة السوء إلى أن أذن لهم في إعادة ما تهدّم، فجر ذلك إلى أن شيّدوا ما شاءوا بعلّة إعادة المنهدم [١] الأول، فلله الأمر [٢] .
وفيها كانت كائنة شمس الدّين ابن عطاء الله الرّازي، المعروف بالهروي [٣] الذي شاع عنه أنه يحفظ اثني عشر ألف حديث، وأنه يحفظ «صحيح مسلم» بأسانيده، ويحفظ متون البخاري، فجرت مناظرة بينه وبين ابن حجر بحضرة الملك المؤيد، وظهر زيفه [٤] ومن جملتها أنه سأله أن يزيد على السبعة الذين يظلهم الله في ظله، فعجز فزاد ابن حجر سبعة أخرى بأحاديث حسان، وأربعة عشر بأحاديث ضعاف، وذكر ذلك في «إنباء الغمر» [٥] فراجعه.
стр. 4417
قلت: أوصلهم بعضهم إلى تسع وثمانين، وممن أوصلهم إلى هذا المقدار العلّامة ابن علّان المكّي المدرك في كتابه «شرح رياض الصالحين» [١] للنووي.
وفيها توفي أيوب بن سعد بن علوي الحسباني الشّاغوري الدمشقي الشافعي [٢] .
ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وحفظ «التنبيه» وعرض على ابن جملة [٣] وطبقته، وأخذ عن العماد الحسباني وذويه، ثم فتر عن الطلب، واعتذر بأنه لم يحصل له نيّة خالصة، وكان ذا أوراد، من تلاوة، وقيام، وقناعة، واقتصاد في الحال، وفراغ عن الرئاسة مع سلامة الباطن.
توفي في صفر.
وفيها خلف بن أبي بكر النّحريري المالكي [٤] . أخذ عن الشيخ خليل في شرح ابن الحاجب، وبرع في الفقه، وناب في الحكم، وأفتى ودرّس، ثم توجه إلى المدينة المنورة، فجاور بها معتنيا بالتدريس، والإفادة، والانجماع، والعبادة، إلى أن مات بها في صفر عن ستين سنة.
وفيها جمال الدّين عبد الله بن أبي عبد الله الدّمشقي الفرخاوي [٥]- نسبة إلى فرخا، بفاء وخاء معجمة مفتوحتين، بينهما راء ساكنة، قرية من عمل نابلس-، قال ابن حجر: عني بالفقه، والعربية، والحديث، ودرّس وأفاد، وكان قد أخذ عن العنّابي، فمهر في النحو، وكان يعتني ب «صحيح مسلم» ويكتب منه نسخا، وقد سمع من جماعة من شيوخنا بدمشق.
ومات في عمل الرّملة.
стр. 4418
وفيها موفق الدّين علي بن أحمد بن علي بن سالم الزّبيدي الشافعي [١] .
أصله من مكّة. ولد بها سنة سبع وأربعين وسبعمائة، وعني بالعلم، فبرع في الفقه والعربية، ورحل إلى مصر والشام، وأخذ عن جماعة، ثم رجع إلى مكّة، وتحوّل إلى زبيد فمات بها في ذي القعدة.
وفيها أبو الحسن علاء الدّين بن محمد بن العفيف النّابلسي الحنبلي [٢] .
ولد سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وولي قضاء نابلس.
قال العليمي في «طبقاته» : كان من أئمة الحديث، وهو من مشايخ شيخنا شيخ الإسلام [٣] تقي الدّين [٣] القرقشندي.
وتوفي بنابلس. انتهى.
وفيها عزّ الدّين محمد بن أحمد بن محمد بن جمعة بن مسلم الدمشقي الحنفي الصّالحي، المعروف بابن خضر [٤] .
ولد سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، واشتغل، ومهر، وأذن له في الإفتاء، وناب في الحكم، وصار المنظور إليه في أهل مذهبه بالشام.
وتوفي في شوال.
وفيها شمس الدّين محمد بن جلال بن أحمد بن يوسف التركماني الأصل التّبّاني- بالمثناة الفوقية وتشديد الموحدة نسبة إلى بيع التبن- الحنفي [٥] .
ولد في حدود السبعين وسبعمائة، وأخذ عن أبيه وغيره، ومهر في العربية والمعانيّ، وأفاد ودرّس، ثم اتصل بالملك المؤيد، وهو حينئذ نائب الشام، فقرّره
стр. 4419
في نظر الجامع الأموي وفي عدة وظائف، وباشر مباشرة غير مرضية، ثم ظفر به النّاصر فأهانه وصادره، فباع ثيابه واستعطى باليد [١] وأحضره [٢] إلى القاهرة، ثم أفرج عنه، فلما قدم المؤيد القاهرة عظم قدره، ونزل له القاضي جلال الدّين البلقيني عن درس التفسير بالجمالية، واستقرّ في قضاء العسكر، ثم رحل مع السلطان في سفرته إلى نوروز، فاستقرّ قاضي الحنفية بالشام فباشره مباشرة لا بأس بها، ولم يكن يتعاطى شيئا من الأحكام بنفسه بل له نوّاب يفصلون القضايا بالنّوبة على بابه.
وتوفي بدمشق في تاسع عشري رمضان.
وفيها نجم بن عبد الله القابوني [٣] أحد الفقراء الصّالحين.
انقطع بالقابون ظاهر دمشق مدة، وكان صحب جماعة من الصالحين، وكان ذا اجتهاد وعبادة، وتحكى عنه كرامة، وللناس فيه اعتقاد.
وتوفي في صفر.
стр. 4420
سنة تسع عشرة وثمانمائة
استهلت والغلاء والطّاعون باقيين زائدين بمصر وطرابلس، حتى قيل مات بطرابلس في عشرة أيام عشرة آلاف نفس، وتواتر انتشار الطّاعون في البلاد، حتّى قيل إن أهل أصبهان لم يبق منهم إلّا النّادر، وأن أهل فاس أحصوا من مات منهم في شهر واحد فكانوا ستة وثلاثين ألفا، حتى كادت البلدان تخلو من أهلها [١] .
وفيها أمر السلطان الخطباء إذا وصلوا إلى الدّعاء له في الخطبة أن يهبطوا من المنبر درجة أدبا ليكون اسم الله ورسوله في مكان أعلى من المكان الذي يذكر فيه السلطان، فصنع ذلك واستمرّ.
وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن قاضي المالكية بمكّة تقي الدّين علي بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن السيد الشريف الحسني الفاسي [٢] محتدا المكي مولدا ومنشأ ووفاة، المالكي مذهبا، والد الحافظ المؤرخ تقي الدّين الفاسي.
قال ولده المذكور في «تاريخه» : ولد والدي في الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة أربع وخمسين وسبعمائة بمكّة، وسمع بها على قاضيها شهاب الدّين الطّبري تساعيّات جدّه الرّضي الطّبري، وتفرّد بها عنه، وعلى الشيخ خليل المالكي «صحيح مسلم» خلا المجلد الرابع من تجزئة أربعة، وسمعه بكماله على
стр. 4421
الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي، وعلى القاضي عزّ الدّين بن جماعة «الأربعين التساعية» له، ومنسكه الكبير، وغير ذلك، وعلى القاضي موفق الدّين الحنبلي قاضي الحنابلة بمصر، وسمع بالقاهرة من قاضيها أبي البقاء السّبكي «صحيح البخاري» ومن غيره، وسمع بحلب، وأجاز له جماعة من أصحاب ابن البخاري وطبقته وغيرهم، وحفظ كتبا علمية في صغره، واشتغل في الفقه، والمعاني، والبيان، والعربية، والأدب، وغير ذلك، وكان ذا فضل ومعرفة تامّة بالأحكام والوثائق، وله نظم كثير ونثر، ويقع له في ذلك أشياء حسنة، إلى أن قال: وتوفي بأثر صلاة الصبح من يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال بمكّة ودفن بالمعلاة.
وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن نشوان بن محمد بن نشوان بن محمد بن أحمد الحوراني [١] ثم الدمشقي الشافعي [٢] .
ولد سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وقدم دمشق من بلده، وقرأ القرآن، ثم أقرأ ولدي الشيخ شهاب الدّين الزّهري، واشتغل في العلم معهما وبسببهما على الشيخ شهاب الدّين ولازمه كثيرا، وحضر عند مشايخ العصر، إلى أن تنبّه، وفضل، ومهر، واشتهر بالفضل، وناب في الحكم بدمشق، وأفتى ودرّس، ولازم الجامع للاشغال [٣] ، وانتفع به الطلبة، وقصد بالفتاوى، وكان يكتب عليها كتابة حسنة، ودرّس في آخر عمره بالعذراوية، وكان عاقلا، ذكيا، يتكلم في العلم بتؤدة وسكون، وعنده إنصاف، وله محاضرة حسنة، ونظم رائق، منه قوله:
وا خجلتي وفضيحتي في موقف ... صعب المسالك والخلائق تعرض
وتوقّعي لمهدّد لي قائل ... أصحيفة سودا وشعرك أبيض
стр. 4422
وتوفي في جمادى الأولى من هذه السنة، ووهم من أرخه سنة تسع [١] .
وفيها ظهيرة بن حسين بن علي بن أحمد بن عطية بن ظهيرة القرشي المخزومي المكّي [٢] .
ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وسمع بمكّة من العزّ بن جماعة وغيره، وأجاز له من شيوخ مصر الجزائري، وأبو الحرم القابسي، وجماعة، وروى عن القلانسي «جزء الغطريف» بسماعه له من ابن خطيب المزّة، وأخذ عنه حافظ العصر ابن حجر «جزء الغطريف» لغرابة اسمه.
وتوفي بمكّة ليلة الخميس العاشر من صفر [٣] .
وفيها عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن حمزة المقدسي الحنبلي [٤] .
قال ابن حجر: من بيت كبير، ولد في ذي الحجّة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وسمع من عبد الرحمن بن إبراهيم بن علي بن بقاء الملقّن، وأحمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي وغيرهما، وحدّث، ومات بالصّالحية. انتهى.
وفيها زين الدّين أبو هريرة عبد الرحمن بن محمد بن علي بن عبد الواحد بن يوسف بن عبد الرحيم الدّكّالي [٥] بفتح الدال المهملة، والكاف المشددة، وباللام نسبة إلى دكّالة بلد بالمغرب [٦]- ثم المصري الشافعي ابن النقّاش.
قال ابن حجر: ولد في [٧] رابع عشر ذي الحجّة سنة سبع وأربعين وسبعمائة
стр. 4423
بالقاهرة، واشتغل بالعلم، ودرّس بعد وفاة أبيه وله بضع عشرة سنة، وسمع من محمد بن إسماعيل الأيوبي، والقلانسي وغيرهما، واشتهر بصدق اللهجة، وجودة الرأي، وحسن التذكير، والأمر بالمعروف، مع الصّرامة والصّدع بالوعظ في خطبه وقصصه، وصارت له وجاهة عند الخاصة والعامة، وانتزع خطابة جامع ابن طولون من ابن بهاء الدّين السّبكي، فاستمرت بيده، وكان مقتصدا في ملبسه مفضالا على المساكين، كثير الإقامة في منزله مقبلا على شأنه، عارفا بأمر دينه ودنياه، يتكسب من الزراعة وغيرها، ويبرّ أصحابه مع المحبة التّامة في الحديث وأهله، وله حكايات مع أهل الظّلم، وامتحن مرارا، ولكن ينجو سريعا بعون الله، وقد حجّ مرارا وجاور، وكانت بيننا مودة تامة.
مات ليلة الحادي عشر من ذي الحجّة ودفن عند باب القرافة، وكان الجمع في جنازته حافلا جدا، فرحمه الله تعالى. انتهى.
وفيها زين الدّين عبد الرحمن بن يوسف الكردي الدمشقي الشافعي [١] .
حفظ «التنبيه» في صباه، وقرأ على الشّرف بن الشّريشي، ثم تعانى عمل المواعيد فنفق سوقه فيها، واستمر على ذلك أكثر من أربعين سنة، وصار على ذهنه من التفسير والحديث وأسماء الرجال شيء كثير، وكان رائجا عند العامة مع الدّيانة وكثرة التّلاوة، وكان ولي قضاء بعلبك، ثم طرابلس، ثم ترك واقتصر على عمل المواعيد بدمشق، وقدم مصر وجرت له محنة مع القاضي جلال الدّين البلقيني، ثم رضي عنه وألبسة ثوبا من ملابسه، واعتذر إليه ورجع إلى بلده، وكان يعاب بأنه قليل البضاعة في الفقه، ومع ذلك لا يسأل عن شيء إلّا بادر بالجواب، ولم يزل بينه وبين الفقهاء منافرات.
قال ابن حجر: ويقال: إنه يرى حلّ المتعة على طريقة ابن القيم وذويه.
ومات مطعونا في ربيع الآخر وهو في عشر السبعين.
стр. 4424
وفيها أمين الدّين عبد الوهاب بن محمد بن أحمد بن أبي بكر الحنفي الطّرابلسي [١] .
نزيل القاهرة القاضي ابن القاضي.
ولد سنة أربع وسبعين وسبعمائة، واشتغل في حياة أبيه، وولي القضاء استقلالا بعد موت الملطي فباشره بعفّة ومهابة، وكان مشكور السيرة إلا أنه كان كثير التعصب لمذهبه مع إظهار محبته [٢] للآثار عار من أكثر الفنون إلّا استحضار شيء يسير من الفقه.
توفي بالطّاعون في خامس عشري ربيع الأول.
وفيها علاء الدّين أبو الحسن علي بن عيسى الفهري البسطي [٣] .
اشتغل ببلاده، ثم حجّ، ودخل الشام، ونزل بحلب على قاضيها الجمال النّحريري، واقرأ بحلب «التسهيل» وعمل المواعيد، وكان يذكر في المجلس بنحو سبعمائة سطر يرتّبها أولا ثم يلقيها ويطرّزها بفوائد ومجانسات، ثم رحل إلى الرّوم، وعظم قدره ببرصا [٤] ، وكان فاضلا ذكيا أديبا يعمل المواعيد بالجامع، ثم دخل الرّوم فسكنها، وحصل له ثروة، ثم دخل القرم، وكثر ماله، واستمر هناك إلى أن مات.
وفيها شمس الدّين أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن الحسن بن حمزة بن محمد بن ناصر الحسيني الدمشقي [٥] الشافعي المحدّث الشهير.
مات أبوه سنة خمس وستين وسبعمائة وهو صغير، فحفظ القرآن و «التنبيه» ، وقرأ على ابن السلّار، وابن اللّبان، ومهر في ذلك، حتّى صار شيخ الإقراء بالقرمية، وكتب الخطّ المنسوب، وجلس مع الشهود مدة، ووقّع، وكان عين البلد
стр. 4425
في ذلك، وكان مشكورا في ذلك، وولي نقابة الأشراف مدة يسيرة، وولي نظر الأوصياء أيضا، ومات في شوال.
وفيها جلال الدّين غانم بن محمد بن محمد بن يحيى بن سالم الخشبي- بمعجمتين مفتوحتين ثم موحدة- المدني الحنفي [١] .
ولد سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وسمع من ابن أميلة وغيره بدمشق، وسمع منه ابن حجر، وكان نبيها في العلم، ثم خمل، وانقطع بالقاهرة، وتوفي بالطّاعون.
وفيها محمد بن أحمد بن أبي البيريّ ابن الحدّاد الشافعي [٢] . أخذ عن أبي جعفر، وأبي عبد الله الأندلسيّين، وتمهّر في العربية، وحفظ «المنهاج» وكان يستحضر أشياء حسنة، وحدّث عن شرف الدّين ابن قاضي الجبل وغيره، وتوفي بالبيرة [٣] .
وفيها أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن عمر التّونسي المالكي المعروف بالوانّوغيّ [٤]- بتشديد النون المضمومة، وسكون الواو، بعدها معجمة-.
قال السيوطي: ولد بتونس سنة تسع وخمسين وسبعمائة، ونشأ بها، وسمع من مسندها أبي الحسن بن أبي العبّاس البواني خاتمة أصحاب ابن الزّبير بالإجازة، وسمع أيضا من ابن عرفة، وأخذ عنه الفقه، والتفسير، والأصلين، والمنطق، وعن الولي بن خلدون الحساب، والهندسة، والأصلين، والمنطق، والنحو عن أبي العبّاس البصّار، وكان شديد الذكاء، سريع الفهم، حسن الأداء للتدريس والفتوى، وإذا رأى شيئا وعاه وقرّره وإن لم يعتن به، وله تآليف على
стр. 4426
قاعدة ابن عبد السّلام، وعشرون سؤالا في فنون من العلم تشهد بفضله بعث بها إلى القاضي جلال الدّين البلقيني، وقد وقفت على الأسئلة وجوابها ولم أقف على الردّ، وكان يعاب عليه إطلاق لسانه في العلماء ومراعاة السائلين في الإفتاء، وأجاز لغير واحد من شيوخنا المكيين [١] .
ومات بمكة المشرّفة سحر يوم الجمعة تاشع عشري [٢] ربيع الآخر.
وفيها محمد بن أيوب بن سعيد بن علوي الحسباني الأصل الدمشقي الشافعي [٣] .
ولد سنة بضع وسبعين وسبعمائة، واشتغل، وحفظ «المنهاج الفقهي» و «المحرّر» لابن عبد الهادي، وغيرهما، وأخذ عن الزّهري، والشّريشي، والصّرخدي، وغيرهم، ولازم الملكاوي، ومهر في الفقه والحديث، وجلس للاشتغال [٤] بالجامع والنّفع إلى الطلبة، وكان قليل الغيبة والحسد، بل حلف أنه ما حسد أحدا.
توفي مطعونا في ربيع الآخر.
وفيها عزّ الدّين محمد بن شرف الدّين أبي بكر بن عزّ الدّين عبد العزيز بن بدر الدّين محمد بن برهان الدّين إبراهيم بن سعد الله ابن جماعة الشافعي [٥] .
ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة بمدينة ينبع.
قال السيوطي في ترجمته العلّامة المفنّن، المتكلّم الجدلي النّظّار النّحوي
стр. 4427
اللّغوي البياني الخلافي، أستاذ الزّمان، وفخر الأوان، الجامع لأشتات جميع العلوم.
وقال ابن حجر: سمع من القلانسي، والعرضي، وغيرهما، وحفظ القرآن في شهر واحد كل يوم حزبين، واشتغل بالعلوم على كبر، وأخذ عن السّراج الهندي، والضّياء القرمي، والمحبّ ناظر الجيش، والرّكن القرمي، والعلاء السّيرامي، وجار الله، والخطابي، وابن خلدون، والحلاوي، والتاج السّبكي وأخيه البهاء، والسراج البلقيني، والعلاء بن صفير الطبيب، وغيرهم، وأتقن العلوم، وصار بحيث يقضى له في كل فنّ بالجميع، حتى صار المشار إليه بالدّيار المصرية في الفنون العقلية، والمفاخر به علماء العجم في كل فنّ، والمعوّل عليه، وأقرأ، وتخرّج به طبقات من الخلق، وكان أعجوبة زمانه في التقرير، وليس له في التأليف حظ، مع كثرة مؤلفاته حتى التي [١] جاوزت الألف، فإن له على كل كتاب أقرأه التأليف والتأليفين والثلاثة وأكثر، ما بين شرح مطول ومتوسط ومختصر، وحواش ونكت، إلى غير ذلك، وكان قد سمع الحديث على جدّه، والبايني، والقلانسي، وغيرهم، وأجاز له أهل عصره مصرا وشاما، وكان ينظم شعرا عجيبا غالبه بلا وزن، وكان منجمعا عن بني الدّنيا، تاركا للتعرض للمناسب، بارّا بأصحابه، مبالغا في إكرامهم، يأتي مواضع النّزه، ويحضر حلق المنافقين [٢] وغيرهم، ويمشي بين العوام، ولم يحجّ، ولم يتزوج، وكان لا يحدّث إلّا متوضئا ولا يترك أحدا يستغيب عنده مع محبته المزاح والمفاكهة واستحسان النادرة، وكان يعرف علوما عديدة، منها الفقه، والتفسير، والحديث، والأصلين [٣] ، والجدل، والخلاف، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والبديع، والمنطق، والهيئة، والحكمة، والزّيج، والطبّ، والفروسية، والرّمح، والنّشاب، والدّبوس، والثقاف، والرّمل، وصناعة النفط، والكيمياء، وفنون أخر.
وعنه أنه قال: أعرف ثلاثين علما لا يعرف أهل عصري أسماءها.
стр. 4428
وقال في رسالته «ضوء الشمس» : سبب ما فتح به عليّ من العلوم منام رأيته.
وقال السيوطي: وقد علّقت أسماء مصنّفاته في نحو كرّاسين، ومن عيونها في الأصول «شرح جمع الجوامع مع [١] نكت عليه» و «ثلاث نكت على مختصر ابن الحاجب» و «حاشية على شرح البيضاوي للإسنوي» و «حاشية على المغني» و «ثلاثة شروح على القواعد الكبرى» و «ثلاث نكت عليها» و «ثلاث شروح على القواعد الصّغرى» و «ثلاث نكت عليها» و «إعانة الإنسان على أحكام اللّسان» و «حاشية على الألفية» و «حاشية على شرح الشافية للجار بردي» وغير ذلك.
وأخذ عنه جمع، منهم: الكمال بن الهمام، وابن قزيل، والمشس القاياتي، والمحبّ بن الأقصرائي، وابن حجر، وقال: لازمته من سنة تسعين [٢] إلى أن مات، وكنت لا أسميه في غيبته إلّا إمام الأئمة، وقد أقبل في الأخير على النظر في كتب الحديث، وكان ينهى أصحابه عن دخول الحمّام أيّام الطّاعون، فقدّر أن الطّاعون ارتفع أو كاد، فدخل هو الحمّام وخرج فطعن عن قرب، ومات.
وقال العلّامة البقاعي: حدّثني الشيخ محبّ الدّين الأقصرائي- وكان ممن لازم الشيخ عزّ الدّين- أنه رأى رجلا تكروريا اسمه الشيخ عثمان ما غفا- بالغين المعجمة والفاء- وردّ إلى القاهرة، وله عشرة بنين، رجال أتى بهم إلى الشيخ عزّ الدّين للاستفادة، فقرأ عليه كتابا، فكان إذا قرّر له مسألة ففهمها [٣] وقف ودار ثلاث دورات على هيئة الراقص، ثم انحنى للشيخ على هيئة الراكع [٤] ، وجلس، فإذا جلس قام بنوه العشرة ففعلوا مثل فعله.
وقال ابن حجر: وكان يعاب الشيخ عزّ الدّين بالتزيّي بزيّ العجم من طول الشارب [٥] وعدم السّواك حتّى سقطت أسنانه.
стр. 4429
وتوفي في عشري ربيع الآخر، واشتد أسف الناس عليه، ولم يخلّف بعده مثله.
وفيها شمس الدّين محمد بن علي بن محمد المشهدي بن القطّان [١] .
قال ابن حجر: أخذ عن الشيخ ولي الدّين الملوي ونحوه، واعتنى بالعلوم العقلية، واشتغل كثيرا حتّى تنبه، وكان يدري الطبّ ولكن ليست له معرفة بالعلاج. سمعت من فوائده.
ومات في الطّاعون عن نحو ستين سنة. انتهى.
وفيها محمد بن علي بن معبد القدسي المالكي، المعروف بالمدني [٢] .
ولد سنة تسع وخمسين وسبعمائة، واشتغل قليلا، وأخذ عن جمال الدّين بن خير ولازمه، وسمع الحديث من محيى الدّين بن عبد القادر الحنفي، وحدّث، ثم ولي تدريس الحديث بالشيخونية فباشره، مع قلّة علمه به مدة، ثم نزل عنه، ثم ولي القضاء في الأيام الناصرية، ثم صرف وأعيد مرارا، وكان مشكورا في أحكامه، ووقعت له كائنة صعبة مع شريف حكم بقتله فأنكر عليه ذلك أهل مذهبه، ولم يكن بالماهر في مذهبه.
وتوفي في عاشر ربيع الأول.
وفيها ناصر الدّين محمد بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن أبي جرادة العقيلي الحلبي، نزيل القاهرة ابن العديم الحنفي [٣] .
ولد سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة بحلب، وأسمع على عمر بن ايدغمش مسند حلب، وعلى غيره، وقدم القاهرة مع أبيه وهو شاب فشغله في عدة فنون على عدة مشايخ، وقرأ بنفسه على العراقي قليلا من منظومته، وكان يتوقّد ذكاء،
стр. 4430
مع هوج ومحبّة في المزاح والفكاهة، إلى أن مات أبوه، وأوصاه أن لا يترك منصب القضاء ولو ذهب فيه جميع ما خلّفه، فقبل الوصية، ورشا على الحكم إلى أن وليه، ثم صار يرشي أهل الدولة بأوقاف الحنفية بأن يؤجّرها لمن يخطر منه ببال بأبخس أجرة ليكون عونا له على مقاصده، إلى أن كاد يخرّبها، ولو دام قليلا لخربت كلّها، وصار في ولايته القضاء كثير الوقيعة في العلماء، قليل المبالاة بأمر الدّين، كثير التّظاهر بالمعاصي ولا سيما الرّبا، سيء المعاملة جدا، أحمق أهوج، متهوّرا، وقد امتحن وصودر، وهو مع ذلك قاضي الحنفية، ثم قام في موجب قتل الناصر قياما بالغا ولم ينفعه ذلك، لأنه ظنّ أن ذلك يبقيه في المنصب، فعزل عن قرب، ثم لما وقع الطّاعن في هذه السنة ذعر منه ذعرا شديدا، وصار دأبه أن يستوصف ما يدفعه ويستكثر من ذلك أدوية وأدعية ورقى، ثم تمارض لئلا يشاهد ميّتا ولا يدعى إلى جنازة لشدة خوفه من الموت، فقدّر الله أنه سلم من الطّاعون وابتلي بالقولنج الصّفراوي، فتسلسل به الأمر إلى أن اشتد به الخطب، فأوصى، ثم مات في ليلة السبت تاسع ربيع الآخر. قاله ابن حجر.
وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن عبد الله بن مؤذّن الزنجبيلية الحنفي [١] .
اشتغل وهو صغير، فحفظ «مجمع البحرين» و «الألفية» وغيرهما، وأخذ الفقه عن البدري المقدسي، وابن الرّضي، ومهر في الفرائض، وأخذها عن الشيخ محبّ الدّين، واحتاج الناس إليه فيها، وجلس للاشتغال بالجامع الأموي، وكان خيّرا، ديّنا.
وتوفي في شوال.
وفيها نجم الدّين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد [٢] بن محمد [٢] بن عبد الدائم الباهي الحنبلي [٣] .
стр. 4431
برع في الفنون، وتقرّر مدرسا للحنابلة في مدرسة جمال الدّين برحبة باب العيد، وكان عاقلا، صيّنا، التأدّب.
توفي في [١] ليلة الجمعة رابع عشري ربيع الأول بالطّاعون عن بضع وثلاثين سنة.
وفيها قطب الدّين محمد الأبرقوهي [٢] .
أحد الفضلاء ممن قدم القاهرة في رمضان سنة ثماني عشرة، فأقرأ «الكشاف» و «العضد» وانتفع به الطلبة.
ومات في آخر صفر مطعونا.
وفيها مساعد بن ساري بن مسعود بن عبد الرحمن الهوّاري المصري [٣] ، نزيل دمشق، الشافعي.
ولد سنة بضع وثلاثين وسبعمائة، وطلب بعد أن كبر، فقرأ على الشيخ صلاح الدّين العلائي، والولي المنفلوطي، والبهاء بن عقيل، والإسنوي وغيرهم، ومهر في الفرائض، والميقات، وكتب بخطه الكثير لنفسه ولغيره، ثم سكن دمشق، وانقطع بقرية عقربا، وكان الرؤساء يزورونه، وهو لا يدخل البلد، مع أنه لا يقصده أحد إلّا أضافه وتواضع معه، وكان متديّنا، متقشّفا، سليم الباطن، حسن الملبس، مستحضرا لكثير من الفوائد وتراجم الشيوخ الذين لقيهم، وله كتاب سمّاه «بدر الفلاح في أذكار المساء والصباح» .
وتوفي بقرية عقربا شهيدا بالطّاعون، وكان ذميم الشّكل جدا، ﵀.
وفيها همام الدّين، همام بن أحمد الخوارزمي الشافعي [٤] .
اشتغل في بلاده، ثم جاء إلى حلب قبل اللّنكية، فأنزله القاضي شرف الدّين
стр. 4432
في دار الحديث البهائية، ثم قدم القاهرة في الدولة الناصرية وحصل له بها حظ عظيم [١] وجاه كبير، وسماع كلمة، وأقبل عليه الطلبة لأجل الجاه، وأقرأ «الحاوي» و «الكشّاف» ثم طال الأمر، فاقتصر على «الكشّاف» وكان ماهرا في إقرائه إلّا أنه بطيء العبارة جدا بحيث يمضئ قدر درجة حتى ينطق بقدر عشر كلمات، وكانت مشاركة في العلوم العقلية مع اطراح التكلّف، وكان يمشي في السّوق، ويتفرج في الحلق في بركة الرطلي وغيرها، وكانت له ابنة ماتت أمّها فصار يلبسها بزيّ الصّبيان ويحلق شعرها. ويسمّيها سيدي علي، وتمشي معه في الأسواق، إلى أن راهقت، وهي التي تزوجها الهروي فحجبها بعد ذلك.
وتوفي في العشر الأخير من ربيع الأول وقد جاوز السبعين. قاله ابن حجر.
وفيها صلاح الدّين يوسف [بن أحمد بن غازي] ابن أخي الملك العادل سليمان [٢] .
قال البرهان البقاعي: كان إماما، عالما، صالحا، ذكيا جدا، زاهدا، حتى قال شيخنا: ما رأيت مثله، وكان قد عرفت نفسه عن الدّنيا فتركها، ورحل إلى القاهرة لقصد الاشتغال بالعلم، ثم التوجه إلى بعض الثّغور للجهاد، فاخترمته المنية في الطّاعون.
وفيها يوسف بن عبد الله المارديني الحنفي [٣] .
قدم القاهرة، ووعظ الناس بالجامع الأزهر، وحصّل كثيرا من الكتب، مع لين الجانب والتواضع والخير والاستحضار لكثير من التفسير والمواعظ.
توفي بالطّاعون وقد جاوز الخمسين، وخلّف تركة جيدة [٤] ورثها أخوه أبو بكر، ومات بعده بقليل.
стр. 4433
سنة عشرين وثمانمائة
فيها قتل الشيخ نسيم الدّين التّبريزي [١] ، نزيل حلب، وهو شيخ الحروفية [٢] .
سكن حلب، وكثر أتباعه، ونشأت بدعته، وشاعت، فآل أمره إلى أن أمر السلطان بقتله، فضربت عنقه، وسلخ جلده، وصلب.
وفيها- كما قال ابن حجر- وضعت جاموسة ببلبيس [٣] مولودا برأسين وعينين وأربع أيد وسلسلتي ظهر، ودبر واحد، ورجلين اثنتين لا غير، وفرج واحد أنثى، والذنب مفروق باثنين، فكانت من بديع صنع الله تعالى.
وفي أواخرها مالت المئذنة التي بنيت على البرج الشمالي بباب زويلة بمصر من جامع المؤيد، وكادت تسقط، واشتد خوف الناس منها، وتحولوا من حواليها، فأمر السلطان بنقضها فنقضت بالرّفق إلى أن أمنوا شرّها، وعامل السلطان من ولي بناءها بالحلم، وكان ناظر العمارة ابن البرجي، فقال تقي الدّين بن حجّة في ذلك:
على البرج من بابي زويلة أنشئت ... منارة بيت الله والمعبد المنجي
فأخنى بها البرج الخبيث أمالها ... ألا صرّحوا يا قوم باللعن للبرجي
стр. 4434
وقال الشّهاب بن حجر العسقلاني:
لجامع مولانا المؤيد رونق ... منارته بالحسن تزهو وبالزّين
تقول وقد مالت عن القصد أمهلوا ... فليس على جسمي أضرّ من العين
فغضب الشيخ بدر الدّين العيني وظنّ أن ابن حجر عرّض به، فاستعان بالنّواجي الأبرص فنظم له بيتين معرّضا بابن حجر، ونسبهما العينيّ لنفسه، وهما:
منارة كعروس الحسن إذ جليت ... وهدمها بقضاء الله والقدر
قالوا أصيبت بعين قلت ذا غلط ... ما أوجب الهدم إلّا خسة الحجر
وفيها توفي [١] شهاب الدّين أحمد بن أحمد الغزّاوي المالكي [٢] .
قال ابن حجر: اشتغل كثيرا، وبرع في العربية وغيرها، وشارك في الفنون، وشغل الناس، وقد عيّن مرّة للقضاء فلم يتمّ ذلك.
مات في تاسع عشر شعبان. انتهى.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن يهودا الدمشقي الطرابلسي النحوي الحنفي [٣] .
ولد سنة بضع وسبعين وسبعمائة، وتعابى العربية، فمهر في النحو، واشتهر به، وأقرأ فيه، ونظم «التسهيل» في تسعمائة بيت، وكان تحول بعد فتنة اللّنك إلى طرابلس فقطنها فانتفع به أهلها إلى أن مات في آخر هذه السنة، وكان يتكسّب بالشهادة.
وفيها برهان الدّين حيدرة الشيرازي ثم الرّومي [٤] .
стр. 4435
قال السيوطي: كان علّامة بالمعاني، والبيان، والعربية، وأخذ عن التّفتازاني، وشرح «الإيضاح» للقزويني شرحا ممزوجا وقدم الرّوم [وأقرأ] وأخذ عنه شيخنا العلّامة محيى الدّين الكافيجي. انتهى.
وفيها داود بن موسى الغماري المالكي [١] .
عني بالعلم، ثم لازم العبادة، وتزهّد، وجاور بالحرمين أزيد [٢] من عشرين سنة، وكانت إقامته بالمدينة المنوّرة أكثر منها بمكة.
وتوفي في مستهل المحرّم.
وفيها جمال الدّين عبد الله بن إبراهيم بن خليل البعلبكي الدمشقي، المعروف بابن الشرائحي الشافعي [٣] .
قال ابن حجر: ولد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وأخذ عن الشيخ جمال الدّين بن بردس وغيره، ثم دخل دمشق، فأدرك جماعة من أصحاب الفخر، وأحمد بن سنان، ونحوهم، فسمع منهم، ثم من أصحاب ابن القوّاس، وابن عساكر، ثم من أصحاب القاضي، والمطعّم، ومن أصحاب الحجّار، ونحوه، ومن أصحاب الجزري، وبنت الكمال، والمزّي فأكثر جدا، وهو مع ذلك أمّي وصار أعجوبة دهره في معرفة الأجزاء والمرويات ورواتها، ولديه مع ذلك محفوظات وفضائل ومذاكرات حسنة، وكان لا ينظر إلّا نظرا ضعيفا، وقد حدّث بمصر والشام، وسمعت منه، وسمع معي الكثير في رحلتي، وأفادني أشياء، وكان شهما، شجاعا، مهابا جدا كله، لا يعرف الهزل.
قدم القاهرة بعد الكائنة العظمى فقطنها مدة طويلة، ثم رجع إلى دمشق، وولي تدريس الحديث بالأشرفية إلى أن مات في هذه السنة. انتهى.
стр. 4436
وقال ابن ناصر الدّين: الحافظ المفيد الضّرير.
كان فقيها، فرضيا، آية في حفظ الرّواة المتأخرين.
حدّث ب «صحيح مسلم» وثاني ليلة ختمه مات. انتهى.
وفيها جمال الدّين عبد الله بن أحمد بن عبد العزيز بن موسى بن أبي بكر البشيتي [١]- بفتح الموحدة، وكسر الشين المعجمة، وتحتية، وفوقية، نسبة إلى بشيت قرية بأرض فلسطين [٢] .
ولد عاشر شعبان سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وتفقه بسراج الدّين بن الملقّن، وأخذ العربية عن الشّمس الغماري، واختصّ به، وبرع في الفقه والعربية واللغة، وكتب الخطّ المنسوب، وصنّف كتابا جليلا في الألفاظ المعرّبة، وكتابا استوعب فيه أخبار قضاة مصر، وكتابا في شواهد العربية أوسع الكلام فيه.
وتوفي بالإسكندرية في رابع ذي القعدة.
وفيها فراج الكفل الحنبلي [٣] .
قال العليمي في «طبقاته» : هو الشيخ الإمام العالم الفقيه.
توفي في هذه السنة. انتهى.
وفيها عزّ الدّين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز النّويري ثم المكّي العقيلي الشافعي [٤] .
ولد سنة أربع أو خمس وسبعين وسبعمائة، واشتغل وهو صغير، وناب لأبيه في الخطابة والحكم، ثم استقلّ بعد وفاته في رمضان سنة تسع وتسعين إلى أن صرف في ذي الحجّة سنة ثمانمائة، ثم وليها مرارا، ثم استقرّت بيده الخطابة
стр. 4437
وغيرها، ثم استقرّ في الخطابة ونظر الحرم والحسبة حتّى مات. وكان مشكور السيرة في غالب أموره.
وتوفي في ربيع الأول.
وفيها شمس الدّين محمد بن علي بن جعفر البلالي- نسبة إلى بلالة من أعمال عجلون-.
نشأ هناك، وسمع الحديث، واشتغل بالعلم، وسلك طريق الصّوفية، وصحب الشيخ أبا بكر الموصلي. ثم قدم القاهرة فاستوطنها بضعا وثلاثين سنة، واستقرّ في مشيخة سعيد السعداء مدة متطاولة، مع التواضع الكامل، والخلق الحسن، وإكرام الوارد [١] ، وصنّف «مختصر الإحياء» فأجاد فيه، وطار اسمه في الآفاق، ورحل إليه بسببه، ثم صنّف تصانيف أخرى، وكانت له مقامات وأوراد، وله محبون معتقدون ومبغضون منتقدون.
توفي في رابع شوال وقد جاوز السبعين.
وفيها عزّ الدّين محمد بن بهاء الدّين علي بن عزّ الدّين عبد الرحمن بن محمد بن التّقي سليمان المقدسي الحنبلي [٢] ، خطيب الجامع المظفّري بالصّالحية وابن خطيبه.
ولد سنة أربع وستين وسبعمائة، وحفظ «المقنع» وسمع الحديث وبرع في الفقه والحديث، وأخذ عن ابن رجب، وابن المحبّ، وكان له النّظم الرائق، وباشر القضاء، وحج وأكثر المجاورة بمكة، ودرس بدار الحديث الأشرفية بالجبل، وكان في آخره عين الحنابلة، وألف مؤلفات حسنة، منها «نظم المفردات» سمّاه «النّظم المفيد الأحمد في مفردات الإمام أحمد» واقترح عليه صاحب مجد الدّين عمل مؤلّف على نمط «عنوان الشرف» لابن المقري [٣] فعمل قطعة نظما أولها:
стр. 4438
أشار المجد مكتمل المعاني ... بأن أحذو على حذو اليماني
وتوفي مغرب ليلة الأحد سابع عشري ذي القعدة.
وفيها كمال الدّين أبو البركات محمد بن أبي السّعود محمد بن حسين بن علي بن ظهيرة المخزومي المكّي الشافعي قاضي مكة [١] .
ولد سنة خمس وستين وسبعمائة، وأحضر في سنة سبع وستين على العزّ بن جماعة، وسمع من غير واحد، وولي قضاء مكة، ونظر الأوقاف بها والرّبط، وباشر ذلك، ثم عزل، واستمرّ معزولا إلى أن توفي بمرض ذات الجنب ليلة الخميس ثالث عشر ذي الحجّة ودفن صبيحتها بالمعلاة، وخلّف عدة أولاد صغار. قاله في «المنهل» .
وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبادة السّعدي [٢] الأنصاري الحنبلي قاضي قضاة دمشق.
أخذ عن ابن رجب، وابن اللّحام، وكان فردا في زمنه في معرفة الوقائع والحوادث، استقلّ بقضاء دمشق بعد وفاة ابن المنجّى، وكانت وظيفة القضاء دولا بينه وبين القاضي عزّ الدّين ناظم المفردات، إلى أن لحق بالله تعالى ليلة الخميس خامس رجب وله خمسون سنة.
وأما ولده قاضي القضاة شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد فولد في صفر سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وكان من خيار المسلمين، كثير التّلاوة لكتاب الله العزيز ناب لأبيه في القضاء، ثم استقلّ بعد وفاة والده في ربيع الأول سنة إحدى وعشرين، ثم عزل في صفر سنة ثلاث وعشرين، ثم عرض عليه المنصب مرارا فلم يقبله، وحصلت له الراحة الوافرة إلى أن توفي، ودفن عند والده بالروضة قريبا من الشيخ موفق الدّين ولم أطلع على تاريخ وفاته.
стр. 4439
وفيها شرف الدّين نعمان بن فخر بن يوسف الحنفي [١] .
ولد سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، وكان والده عالما، فأخذ عنه، وقدم دمشق، وجلس بالجامع بعد اللّنك للاشغال، ودرّس في أماكن، وكان ماهرا في الفقه، بارعا في ذلك.
مات في شعبان. قاله ابن حجر، والله أعلم.
стр. 4440
سنة إحدى وعشرين وثمانمائة
فيها كما قال برهان الدّين البقاعي: ومن خطّه نقلت في ليلة الأحد تاسع شعبان أوقع ناس من قريتنا خربة [١] روحا من البقاع يقال لهم بنو مزاحم بأقاربي بني حسن من القرية المذكورة، فقتلوا تسعة أنفس، منهم أبو عمر بن حسن الرّباط بن علي بن أبي بكر، وأخواه محمد سويد شقيقه وعلي أخوهما لأبيهما، وضربت أنا بالسيف ثلاث ضربات إحداها في رأسي فجرحتني، وكنت إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة، فخرجنا من القرية المذكورة واستمرّينا ننقل في قرى وادي التّيم والعرقون وغيرهما، إلى أن أراد الله تعالى بإقبال السعادتين الدّنيوية والأخروية، فنقلني جدّي لأمي علي بن محمد السّليمي إلى دمشق، فجودت القرآن وجددت حفظه، وأفردت القراآت وجمعتها على بعض المشايخ، ثم على الشّمس بن الجزري لما قدم إلى دمشق سنة سبع وعشرين وثمانمائة، واشتغلت بالنّحو، والفقه، وغيرهما من العلوم، وكان ما أراد الله من التنقل في البلاد والفوز بالعزّ والحجّ أدام الله نعمه آمين، ومن ثمرات ذلك أيضا الإراحة من الحروب والوقائع التي أعقبتها هذه الواقعة، فإنها استمرّت أكثر من ثلاثين سنة، ولعلها زادت على مائة وقعة، كان فيها ما قاربت القتلى فيه ألفا. انتهى بحروفه.
وفيها توفي القاضي شهاب الدّين أحمد بن علي بن أحمد القلقشندي الشافعي [٢] نزيل القاهرة.
стр. 4441
تفقه، ومهر، وتعانى الأدب، وكتب في الإنشاء، وناب في الحكم، وكان يستحضر «الحاوي» وكتب شيئا على «جامع المختصرات» وصنّف كتابا حافلا سمّاه «صبح الأعشى في معرفة الإنشا» [١] . وكان مستحضرا لأكثر ذلك، وصنّف غير ذلك، وكان مفضالا، وقورا في الدول إلى أن توفي ليلة السبت عاشر جمادى الآخرة عن خمس وستين سنة.
وفيها بدر الدّين أبو عمر حسين بن علي بن محمد بن داود البيضاوي الأصل المكّي، المعروف بالزّمزمي [٢] .
ولد قبل السبعين وسبعمائة، وأجاز له الصّلاح بن أبي عمر، وابن أميلة، وحسن بن الهبل، وجماعة من قادمي مكّة، واشتغل بالعلم، ومهر في الفرائض والحساب، وفاق الأقران في معرفة الهيئة والهندسة، وحدّث باليسير.
وتوفي في ذي الحجّة.
وفيها صلاح الدّين وغرس الدّين أبو الصّفا خليل بن محمد [٣] بن محمد [٣] بن عبد الرحمن الأقفهسي المصري [٤] المحدّث الحافظ.
ولد سنة ثلاث وستين وسبعمائة تقريبا، واشتغل بالفقه قليلا وبالفرائض والحساب والأدب، ثم أحب الحديث، فسمع بنفسه من غرس الدّين المليجي، وصلاح الدّين البلبيسي، وصلاح الدّين الزّفتاوي، وغيرهم، ثم حجّ سنة خمس وتسعين، وجاور، فسمع بمكة من شيوخها، ثم قدم دمشق سنة سبع وتسعين للسماع، فسمع من ابن الذّهبي وغيره، وأكثر عن ابن العزّ، وسمع الكثير.
стр. 4442
قال ابن حجر: ثم قدم إلى مصر سنة ثمان وتسعين فلازمنا في الأسمعة، وسافر صحبتي إلى مكة في البحر، فجاور بها، ثم رحل إلى دمشق مرة ثانية، فأقام بها، ورافقني في السماع في سنة اثنتين وثمانمائة بدمشق، ورجع معي إلى القاهرة، ثم حجّ سنة أربع، وجاور سنة خمس، فلقيته في آخرها مشمرا على ما أعهده من الخير، والعبادة، والتخريج، والإفادة، وحسن الخلق، وخدمة الأصحاب، واستمر مجاورا إلى أن خرج إلى المدينة وتوجه في ركب العراق، ثم ركب البحر إلى كنباية [١] من بلاد الهند، ثم رجع إلى هرمز، ثم جال في بلاد المشرق، فدخل هراة، وسمرقند، وغيرها، وقد خرّج لشيخنا مجد الدّين الحنفي «مشيخة» ولشيخنا جمال الدّين بن ظهيرة «معجما» وخرّج لنفسه «المتباينات» فبلغت مائة حديث، وخرّج أحاديث الفقهاء الشافعية، ونظم الشعر.
وتوفي بيزد، خرج من الحمام فمات فجأة. انتهى.
وفيها سعد الله بن سعد بن علي بن إسماعيل الهمداني الحنفي [٢] .
قدم حلب مع والده وهو شاب، واشتغل بالعلم، وتفقّه، ومهر، ودرّس في حلب بمدارس منها، فاتفق أن فجأة الموت في رابع جمادى الأولى وأسف الناس عليه.
وفيها عبد الله بن إبراهيم بن أحمد الحرّاني ثم الحلبي الحنبلي [٣] .
كان يذكر أنه من ذريّة ابن أبي عصرون، وكان شافعي الأصل، وولي قضاء الثّغر شافعيا، وكانت له وظائف في الشافعية، ثم انتقل حنبليا، وولي قضاء الحنابلة بحلب.
قال القاضي علاء الدّين في «تاريخ حلب» : كان حسن السيرة، ولي القضاء، ثم صرف، ثم أعيد مرارا ثم صرف قبل موته بعشرة أشهر، فمات في شعبان.
стр. 4443
وفيها عبد الرحمن بن هبة الله الملحاني اليماني [١] .
قال ابن حجر: جاور بمكة، وكان بصيرا بالقراءات، سريع القراءة، قرأ في الشتاء في يوم ثلاث ختمات وثلث ختمة، وكان ديّنا، عابدا، مشاركا في عدة علوم.
مات في رجب. انتهى.
وفيها كمال الدّين محمد بن حسن بن محمد بن محمد بن خلف الله الشّمنّي- بضم المعجمة والميم، وتشديد النون، نسبة إلى شمنّة مزرعة بباب قسطنطينية- ثم الإسكندري المالكي [٢] .
ولد سنة بضع وستين، واشتغل بالعلم في بلده ومهر، ثم قدم القاهرة، فسمع بها من شيوخها، وسمع في الإسكندرية، وتقدم في الحديث، وصنّف فيه، وتخرّج بالبدر الزّركشي، والزّين العراقي، ونظم الشعر الحسن، ثم استوطن القاهرة، وأصيب في بعض كتبه.
وتوفي في ربيع الأول.
وفيها غياث الدّين محمد بن علي بن نجم الكيلاني التاجر [٣] .
ولد في حدود سبعين وسبعمائة، وكان أبوه من أعيان التّجار، فنشأ ولده هذا في عزّ ونعمة طائلة، ثم شغله أبوه بالعلم بحيث كان يشتري له الكتاب الواحد بمائة دينار وأزيد، ويعطي معلميه فيفرط، فمهر في أيام قلائل، واشتهر بالفضل، ونشأ متعاظما، ثم لما مات أبوه التهى عن العلم بالتجارة، وتنقلت به الأحوال، فصعد وهبط، وغرق وسلم، وزاد ونقص، إلى أن تزوّج جارية من جواري الناصر يقال لها سمراء، فهام بها، وأتلف عليها ماله وروحه، وطلّق لأجلها زوجته ابنة عمه، وأفرطت هي في بغضه إلى أن قيل: إنها سقته السّمّ فتعلّل مدة، ولم تزل به [٤]
стр. 4444
حتى فارقها، فتدلّه عقله من حبّها إلى أن مات ولها بها، ويحكى أنها تزوجت بعده رجلا من العوام فأذاقها الهوان وأحبّته وأبغضها عكس ما جرى لها مع غياث الدّين، ويحكى أنها زارته في مرضه واستحللته فحاللها من شدّة حبّة لها.
ومن شعره فيها:
سلوا سمراء عن حربي وحزني ... وعن جفن حكى هطّال مزن
سلوها هل عراها ما عراني ... من الجنّ الهواتف بعد جن
سلوا هل هزّت الأوتار بعدي ... وهل غنّت كما كانت تغنّي
ويقول في آخرها:
سأشكوها إلى مولى حليم ... ليعفو في الهوى عنّها وعنّي
قال ابن حجر: وهذا آخر ما عرفنا خبره من المتيّمين.
مات في سابع عشر شوال.
وفيها شرف الدّين أبو الطّاهر محمد بن عزّ الدّين أبي اليمن محمد بن عبد اللّطيف بن أحمد بن محمود، المعروف بابن الكويك الرّبعي التّكريتي ثم الإسكندري [١] ، نزيل القاهرة الشافعي المسند المحدّث.
ولد في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وأجاز له فيها المزّي، والبرزالي، والذهبي، وبنت الكمال، وإبراهيم بن القريشة، وابن المرابط، وعلي بن عبد المؤمن في آخرين، وهو آخر من حدّث عنهم بالإجازة في الدنيا، وسمع بنفسه من الإسعردي، وابن عبد الهادي، وغيرهما، ولازم القاضي عزّ الدّين بن جماعة، وتعانى المباشرات، فكان مشكورا فيها، وتفرّد بأخرة بأكثر مشايخه، وتكاثر عليه الطلبة ولازموه، وحبّب إليه التّحديث ولازمه.
قال ابن حجر: قرأت عليه كثيرا من المرويات بالإجازة والسماع، من ذلك «صحيح مسلم» في أربعة مجالس سوى مجلس الختم.
стр. 4445
وقال في «المنهل» تصدّر للإسماع عدة سنين، وأضرّ بأخرة، وكان شيخا، ديّنا، ساكنا، كافّا عن الشّرّ، من بيت رئاسة، ولم يشتهر بعلم.
وتوفي يوم السبت سادس عشري ذي القعدة.
وفيها جمال الدّين يوسف بن محمد بن عبد الله الحميدي- نسبة إلى امرأة ربّته كانت تعرف بأمّ عبد الحميد- الحنفي [١] .
نشأ بالإسكندرية، وتفقّه، وبرع في عدة علوم، وكانت له ثروة، ويتعانى المتجر، وتولى قضاء الإسكندرية فحمدت سيرته، وكانت له ديانة وصيانة، وأفتى ودرّس بالثّغر، إلى أن توفي بالإسكندرية ليلة خمس وعشرين من جمادى الآخرة وقد أناف على الثمانين.
стр. 4446
سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة
في ربيع الآخر منها، كما قال ابن حجر [١] : اتفق أن شخصا له أربعة أولاد ذكور، فلما وقع الموت في الأطفال، سألت أمهم [٢] أن تختنهم لتفرح بهم قبل أن يموتوا، فجمع الناس لذلك على العادة، وأحضر المزيّن، فشرع في ختن واحد بعد آخر، وكل من يختن يسقى شرابا مذابا بالماء على العادة، فمات الأربعة في الحال عقب ختنهم، فاستراب أبوهم بالمزيّن، وظنّ أن مبضعه مسموم، فجرح المزيّن نفسه ليبرئ ساحته، وانقلب فرحهم عزاء، ثم ظهر في الزّير الذي كان يذاب منه الشراب حيّة عظيمة ماتت فيه وتمزقت [٣] فكانت سبب هلاك الأطفال، ولله الأمر.
وفيها توفي شهاب الدّين أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن بدر بن مفرّج بن يزيد بن عثمان بن جابر العامري الغزّي ثم الدمشقي الشافعي [٤] .
ولد سنة بضع وستين وسبعمائة بغزّة، وأخذ عن الشيخ علاء الدّين بن خلف، وحفظ «التنبيه» وقدم دمشق بعد الثمانين وهو فاضل، فأخذ عن الشّريشي، والزّهري، وشرف الدّين الغزّي بلديّة، وغيرهم، ومهر في الفقه والأصول، وجلس بالجامع يشغل الناس في حياة مشايخه، وأفتى، ودرّس، وأعاد، ثم أصيب بماله
стр. 4447
وكتبه بعد الفتنة اللنكية، وناب في القضاء، وعيّن مرّة مستقلا فلم يتم، وولي إفتاء دار العدل، واختصر «المهمات» اختصارا حسنا، وكتب عليه «الحاوي» و «جمع الجوامع» ، ودرّس بأماكن، وأقبل على الحديث حتّى لم يبق بالشام في آخر عمره من يقاربه في رئاسة فقه الشافعية إلا ابني [١] نشوان، وكان يرجع إلى دين وعفّة من صغره، وعلو همّة، ومروءة، ومساعدة لمن يقصده، مع عجلة فيه، وحسن عقيدة، وسلامة باطن، وجاور في أواخر أمره بمكة فمات بها مبطونا في شوال وله اثنتان وستون سنة.
وفيها أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد المطريّ المدنيّ [٢] .
سمع من العزّ ابن جماعة، وعنى بالعلم، وكان يذاكر بأشياء حسنة، ثم تزهّد، ودخل اليمن، فأقام بها نحوا من عشرة أعوام، وكان ينسب إلى معاناة الكيمياء.
توفي في أول ذي الحجّة.
وفيها أحمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن علي بن عيّاش الجوخي الدمشقي [٣] ، نزيل تعز.
ولد سنة ست وأربعين وسبعمائة، وتعانى بيع الجوخ فرزق منه دنيا طائلة، وعني بالقراءات، فقرأ على جماعة، وكان يقرأ في كل يوم نصف ختمة، وكان قد أسمع في صغره على علي بن العزّ عمر حضورا «جزء ابن عرفة» وحدّث به عنه، وقرأ بدمشق على شمس الدّين بن اللّبان، وابن السلّار، وغيرهما، وتصدى للقراءات، فانتفع به جمع من أهل الحجار واليمن، وكان غاية في الزّهد في الدنيا، فإنه ترك بدمشق أهله، وماله، وخيله، وخدمه، وساح في الأرض، وحدّث، وهو مجاور بمكّة، واستمرّ في إقامته باليمن في خشونة العيش حتّى مات.
وكان بصيرا بالقراءات، كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنجب ولده المقرئ عبد الرحمن مقرئ الحرم.
стр. 4448
وفيها أحمد بن يوسف بن محمد الدمشقي [١] ، الشاعر المشهور، عرف بابن الزّعيفريني.
قال في «المنهل الصّافي» : كانت له فضيلة، ويكتب الخطّ المنسوب، وينظم الشعر، ويشتغل بعلم الحرف، ويزعم أن له فيه اليد الطّولى، وحصل له حظ بهذا المعنى عند جماعة من أعيان الأمراء وغيرهم، إلى أن ظفر بعض أعيان الدولة بأبيات من نظمه بخطّه نظمها للأمير جمال الدّين الاستادار يوهمه أنه سيملك مصر، ويملك بعده ابنه. فقطع الملك الناصر فرج لسانه وعقدتين من أصابعه، ورفق به عند القطع فلم يمنعه ذلك من النطق، لكنه أظهر الخرس مدة أيام الناصر، ثمّ تكلّم بعد ذلك، وأخذ في الظّهور والكتابة بيده اليسرى، فلم يرج في الأيام المؤيّدية، وانقطع إلى أن مات.
ومن شعره: ما كتبه بيده اليسرى إلى قاضي القضاة صدر الدّين علي بن الأدمي الحنفي:
لقد عشت دهرا في الكتابة مفردا ... أصوّر منها أحرفا تشبه الدّرّا
وقد صار خطي [٢] اليوم أضعف ما ترى ... وهذا الذي قد يسّر الله لليسرى
فأجابه صدر الدّين المذكور:
لئن فقدت يمناك حسن كتابة ... فلا تحتمل همّا ولا تعتقد عسرا
وأبشر ببشر دائم ومسرّة ... فقد يسّر الله العظيم لك اليسرى [٣]
وتوفي ابن الزّعيفريني يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول.
وفيها تندو بنت حسين بن أويس [٤] .
стр. 4449
كانت بارعة الجمال، وقدمت مع عمّها أحمد بن أويس إلى مصر، فتزوجها الظّاهر برقوق، ثم فارقها، فتزوجها ابن عمها شاه ولد ابن شاه زاده بن أويس، فلما رجعوا إلى بغداد ومات أحمد أقيم شاه ولد في السلطنة فدبّرت مملكته حتّى قتل، وأقيمت هي بعده في السلطنة، ثم ملكت تستر وغيرها، واستقلّت بالمملكة مدة، وصار في ملكها الحويزة وواسط، يدعى لها على منابرها، وتضرب السّكة باسمها، إلى أن ماتت في هذه السنة. وقام بعدها ابنها أويس بن شاه ولده. قاله ابن حجر.
وفيها علم الدّين أبو الرّبيع سليمان بن نجم الدّين فرج بن سليمان الحجبي [١] الحنبلي بن المنجّى.
ولد سنة سبع وستين وسبعمائة، واشتغل على ابن الطحّان وغيره، ورحل إلى مصر، فأخذ عن ابن الملقّن وغيره، ثم عاد بعد فتنة اللّنك، فناب في القضاء، وشارك في الفقه وغيره، وأشغل الناس بالجامع الأموي وبمدرسة أبي عمر.
وتوفي في ربيع الآخر.
وفيها عزّ الدّين عبد العزيز بن مظفّر بن أبي بكر البلقيني [٢] قريب شيخ الإسلام سراج الدّين الشافعي.
اشتغل على الشيخ سراج الدّين، وكان يشارك في الفنون، ويذاكر بالفقه مذاكرة حسنة.
قال ابن حجر: رافقنا في سماع الحديث كثيرا، وناب في الحكم، وكان سيء السيرة في القضاء، جمّاعة للمال من غير حلّه في الغالب، زري الملبس، مقترا على نفسه إلى الغاية.
توفي في ثالث عشري جمادي الأولى وخلّف مالا كثيرا جدا فحازه ولده.
стр. 4450
وفيها نجم الدّين عبد اللطيف بن أحمد بن علي الفاسي الشافعي [١] .
قال ابن حجر: سمع معنا كثيرا من شيوخنا، ولازم الاشتغال في عدة فنون، وأقام في القاهرة [٢] مدة بسبب الذّب عن منصب أخيه تقي الدّين قاضي المالكية، إلى أن مات مطعونا في هذه السنة. انتهى.
وفيها مجد الدّين فضل الله بن القاضي فخر الدّين عبد الرحمن بن عبد الرزّاق بن إبراهيم، الشهير بابن مكانس القبطي المصري الحنفي [٣] الشاعر المشهور.
ولد في سابع شعبان سنة سبع وستين وسبعمائة، ونشأ في كنف والده الوزير فخر الدّين، وعنه أخذ الأدب، وقرأ النحو، والفقه، والأدب على علماء مصره، إلى أن برع ومهر، ونظم الشعر وهو صغير السنّ جدا، وكتب في الإنشاء وتوقيع الدّست مدة في حياة أبيه بدمشق، وكان أبوه وزيرا بها، ثم قدم القاهرة وساءت حالته بعد أبيه، ثم خدم في ديوان الإنشاء، وتنقّلت رتبته فيه إلى أن جاءت الدولة المؤيدية فأحسن إليه القاضي ناصر الدّين البارزي كثيرا، واعتنى به، ومدح السلطان بقصائد فأثابه ثوابا حسنا. وشعره في الذّروة العليا، وكذلك منثورة، وجمع هو ديوان أبيه ورتّبه، وفيه يقول والده:
أرى ولدي قد زاده الله بهجة ... وكمّله في الخلق والخلق مذ نشا
سأشكر ربّي حيث أوتيت مثله ... وذلك فضل الله يؤتيه من يشا
ومن شعره هو:
تساومنا شذا أزهار روض ... تحيّر ناظر فيه وفكري
فقلت نبيعك الأرواح حقا ... بعرف طيّب منه ونشر