← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

سنة ستين وثمانمائة فيها توفي المولى سيد علي العجمي [١] الحنفي. قال في «الشقائق» : حصّل العلوم في بلاده، ويقال: إنه قرأ على السيد الشريف، ثم أتى بلاد الرّوم، فأتى بلدة قسطموني وواليها إذ ذاك إسماعيل بك، فأكرمه غاية الإكرام، ثم أتى إلى مدينة أدرنة، فأعطاه السلطان مراد خان مدرسة جدّه السلطان بايزيد خان بمدينة بروسا، وعاش إلى زمن السلطان محمد [خان] ، واجتمع عنده مع علماء زمانه، وباحث [٢] معهم، وظهر فضله بينهم، وله من التصانيف «حواش على حاشية شرح الشمسية» للسيد الشريف، و «حواش على حاشية شرح المطالع» للسيد الشريف أيضا و «حواش على شرح المواقف» للسيد الشريف. وكان له خط حسن [٣] . انتهى. وفيها شمس الدّين محمد بن علي بن محمد بن نصير الدمشقي ثم القاهري [٤] . كان ممن تعانى الأدب، ومهر في عمل المواليا وغيره، وصار قيّما.

стр. 4657

وفيها منصور بن الحسين بن علي الكازروني الشّافعي [١] الإمام العلّامة. كان إماما، عالما، مصنّفا، مفيدا، صحيح العقيدة، صنّف «حجة السّفرة البررة على المبتدعة الفجرة الكفرة» . وتوفي بمكة المشرّفة.

стр. 4658

سنة إحدى وستين وثمانمائة فيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن محمد بن محمد بن محمد بن سليمان بن علي البعلي [١] الشافعي، المعروف بابن المراحلي [٢] . كان إماما فاضلا نبيلا. توفي في ذي الحجّة عن أربع وثمانين سنة. وفيها أبو العبّاس أحمد بن محمد بن عبد الغني السوسي [٣] الحنفي العارف بالله تعالى المسلك العالم العامل القطب الغوث. قال المناوي في «طبقاته» : كان من أفراد الصّلحاء المسلّكين بالقاهرة. عالي الرّتبة جدا، حتى يقال: إن الشيخ محمد الحنفي إنما نال ما وصل إليه بلحظه. وكان تفقّه على ذوي المذاهب الأربعة. وله كرامات ومكاشفات، منها أن الكمال بن الهمام لما دخل مكّة سأل العارف عبد الكريم الحضرمي أن يريه القطب فوعده لوقت معين، ثم دخل معه فيه إلى المطاف، وقال له: ارفع رأسك، فرفع،

стр. 4659

فوجد شيخا على كرسي بين السماء والأرض، فتأمله فإذا هو صاحب الترجمة، فاندهش [١] ، وصار يقول من دهشته بأعلى صوته: هذا صاحبنا، ولم نعرف مقامه، فاختفى عنه، ولما رجع الكمال إلى مصر بادر للسلام عليه، وقبّل قدميه، فقال: أكتم ما رأيته [٢] . وتوفي بالقاهرة عن نحو ثمانين سنة ودفن بالقرافة. وفيها القاضي قاسم بن القاضي جلال الدّين أبي [الفضل عبد الرحمن بن] عمر البلقيني [٣] الشافعي [٤] الإمام العالم. توفي في شوال عن خمس وستين سنة. قاله في «ذيل الدول» . وفيها كمال الدّين محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السيواسي ثم الإسكندري، المعروف بابن الهمام الحنفي [٥] الإمام العلّامة. قال في «بغية الوعاة» : ولد سنة تسعين وسبعمائة، وتفقه بالسّراج قارئ الهداية، ولازمه في الأصول وغيرها، وانتفع به وبالقاضي محبّ الدّين بن الشّحنة لما دخل القاهرة سنة ثلاث عشرة، ولازمه، ورجع معه إلى حلب، وأقام عنده إلى أن مات، وأخذ العربية عن الجمال الحميديّ والأصول. وغيره عن البساطي [٦] ،

стр. 4660

والحديث عن أبي زرعة ابن العراقي، والتّصوف [١] عن الخوافي [١] ، والقراآت عن الزّراتيتي، وسمع الحديث عن الجمال الحنبلي، والشمس الشامي، وأجاز له المراغي، وابن ظهيرة [١] ورقية المدنية [١] ، وتقدم على أقرانه، وبرع في العلوم، وتصدى لنشر العلم فانتفع به خلق، وكان علّامة في الفقه، والأصول، والنحو، والتصريف، والمعاني، والبيان، والتصوف، والموسيقي وغيرها، ومحقّقا، جدليا، نظّارا. وكان يقول: [١] أنا [١] لا أقلّد في المعقولات أحدا. وقال البرهان الأبناسي من أقرانه: طلبت حجج الدّين ما كان في بلدنا من يقوم بها غيره. وكان للشيخ نصيب وافر ممّا لأرباب الأحوال من الكشف والكرامات، وكان تجرّد أولا بالكلّية، فقال له أهل الطريق: ارجع فإنّ للناس حاجة بعلمك. وكان يأتيه الوارد كما يأتي الصّوفيّة لكنه [٢] يقلع عنه بسرعة لأجل مخالطته للناس [٣] . أخبرني بعض الصّوفية من أصحابه أنه كان عنده في بيته الذي بمصر، فأتاه الوارد، فقام مسرعا [٤] . قال الحاكي: وأخذ بيدي يجرّني، وهو يعدو في مشيه [٥] ، وأنا أجري معه إلى أن وقف عليّ المراكب، فقال: ما لكم واقفين ها هنا؟ فقالوا: أوقفتنا [٦] الرّيح. وما هو باختيارنا، فقال: هو الذي يسيّركم، وهو الذي يوقفكم. قالوا: نعم. قال الحاكي: وأقلع عنه الوارد، فقال [لي] : لعلي شققت عليك؟ قال:

стр. 4661

فقلت: أي والله، وانقطع قلبي من الجري. فقال: لا تأخذ عليّ فإني لم أشعر بشيء مما فعلته. وكان الشيخ يلازم لبس الطّيلسان كما هو السّنّة، ويرخيه كثيرا على وجهه وقت حضور الشيخونية. وكان يخفّف الحضور جدا ويخفّف صلاته، كما هو شأن الأبدال، فقد نقلوا أن صلاة الأبدال خفيفة. وكان الشيخ أفتى برهة من عمره، ثم ترك الإفتاء جملة. وولي من الوظائف تدريس الفقه بالمنصورية وبقبّة الصالح، وبالأشرفية، [التي بقرب المشهد النّفيسي، ثم نزل عنها لشيخنا الشيخ سيف الدّين الحنفي تلميذه، لما قرّره الأشرف برسباي شيخنا في مدرسته عوضا عن العلاء الرّومي، ثم رغب عنها، واستقرّ بعد ذلك في مشيخة] الشيخونية [١] ، فباشرها مدة أحسن مباشرة، غير ملتفت إلى أحمد من الأكابر وأرباب الدولة، ثم رغب عنها لمّا جاور بالحرمين، واستقرّ بعده شيخنا العلّامة محيي الدّين الكافيجي. وكان حسن اللّقاء، والسّمت، والبشر، والبزّة، طيّب النّغمة، مع الوقار والهيبة والتواضع المفرط، [والإنصاف] والمحاسن الجمّة. وكان أحد الأوصياء عليّ. وله تصانيف، منها «شرح الهداية» سمّاه «فتح القدير للعاجز الفقير» وصل فيه إلى أثناء الوكالة، و «التحرير في أصول الفقه» و «المسايرة» [٢] في أصول الدّين، و «كرّاسة في إعراب سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» . وله «مختصر» في الفقه سمّاه «زاد الفقير» . وله نظم نازل. مات يوم الجمعة سابع رمضان. انتهى.

стр. 4662

سنة اثنتين وستين وثمانمائة فيها وقع في بولاق حريق لم يسمع بمثله. وفيها توفي إبراهيم الزيّات المجذوب [١] . قال المناوي في «طبقاته» : كان معتقدا عند الخاصة والعامة، يزوره الأكابر والأصاغر. وله خوارق وكرامات كثيرة، وقصد للزيارة من الآفاق. وكان غالب أكله اللّوز. مات في ذي القعدة بموضع مقامه بقنطرة قديدار. انتهى. وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن حسين القاهري السّيفي يشبك الحنفي الصّوفي، ويعرف بابن مبارك شاه [٢] . قال في «ذيل الدول» : [٣] كان إماما علامة [٣] . انتهى. وفيها- أو في التي قبلها، وبه جزم العليمي [٤] في «طبقاته» - تقي الدّين

стр. 4663

أبو الصّدق أبو بكر بن إبراهيم بن يوسف بن قندس البعلي [١] الحنبلي الإمام العلّامة ذو الفنون. ولد على ما كتبه بخطه قرب [٢] سنة تسع وثمانمائة، وسمع على التاج بن بردس وغيره، وتفقّه في المذهب، وحفظ «المقنع» وعني بعلم الحديث كثيرا. وقرأ الأصول على ابن العصياتي بحمص، وأذن له بالإفتاء والتدريس جماعة، منهم الشيخ شرف الدّين بن مفلح، ثم قرأ المعاني والبيان على الشيخ يوسف الرّومي، والنحو على ابن أبي الجوف، وكان مفنّنا في العلوم، ذا ذهن ثاقب، ثم بعد وفاة شيخه ابن مفلح طلبه الشيخ عبد الرحمن بن داود وأجلسه في مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر، فتصدى لإقراء الطلبة ونفعهم، ثم ولي نيابة الحكم عن العزّ البغدادي مدة، ثم ترك ذلك، وأقبل على الاشتغال في العلم وكسب يده، وأخذ عنه العلم جماعة وانتفعوا به، منهم شيخ المذهب علاء الدّين المرداوي، والشيخ تقي الدّين الجراعي، وغيرهما من الأعلام. وكان من عباد الله الصّالحين، وله «حاشية على الفروع» و «حاشية على المحرّر» . وتوفي يوم عاشوراء ودفن بالروضة قريبا من الشيخ موفق الدّين. وفيها تقريبا داود بن محمد بن إبراهيم بن شدّاد بن المبارك النّجدي الأصل الرّبيعي النسب الحموي المولد الحنبلي، المعروف بالبلاعي [٣]- نسبة إلى بلدة تسمّى البلاعة- الفقيه الفرضي. أخذ العلم عن قاضي القضاة علاء الدّين بن المغلي. وكان له يد طولى في الفرائض والحساب. ومن تلامذته الأعيان من قضاة طرابلس وغيرها. وتوفي بحماة.

стр. 4664

وفيها القاضي نور الدّين علي بن محمد بن أقبرس الشافعي [١] الإمام العلّامة. قال في «العنوان» : ولد سنة إحدى وثمانمائة بالقاهرة، وأخبرني أنه تلا بالسبع على الشّمس الزراتيتي [٢] ، والشيخ أمير حاج، وأنه أخذ الفقه عن الشيخ شمس الدّين الأبو صيري، والشيخ عزّ الدّين بن جماعة، والشمس البرماوي. والمنطق [٣] . وكان رفيقه الكمال بن الهمام عن الجلال الهندي، وأثنى على علمه به، ولازم الشمس البساطي فانتفع به في النحو، والتصريف، والمعاني، والبيان، والأصلين، والمنطق، وغير ذلك. وعنده فضيلة، وكلامه أكثر من فضيلته، وعنده جرأة وطلاقة لسان وقدرة على الدخول في الناس، وعلى صحبة الأتراك. صحب جقمق العلائي، ولازمه حتّى عرف به، فلما ولي السلطنة حصل له منه حظ وولّاه وظائف، منها نظر الأوقاف، ووسّع في دنياه جدا. وناب في القضاء للشمس الهروي وغيره، وله نظم وسط ربما وقع فيه الجيد، وكذا نثره، وسمع شيخنا ابن حجر وغيره، وحجّ، وجاور، وسافر إلى دمشق، وزار القدس، ودخل ثغر إسكندرية ودمياط. ومن نظمه: يا ربّ ما لي غير رحمتك التي ... أرجو النّجاة بها من التّشديد مولاي لا علمي ولا عملي إذا ... حوسبت ما عندي سوى التّوحيد انتهى ملخصا. وتوفي بالقاهرة في صفر وقد جاوز الستين.

стр. 4665

وفيها نور الدّين أبو الحسن علي بن محمد المتبولي، الشهير بابن الرزّاز الحنبلي [١] الإمام العلّامة. كان من أعيان فقهاء الدّيار المصرية وقضاتها، باشر نيابة القضاء عن ابن المغلي ومن بعده، وكان يكتب على الفتوى عبارة حسنة. وتوفي بالقاهرة في حادي عشر ربيع الأول ودفن بتربة الشيخ نصر المنبجي. وفيها زين الدّين عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن زهر [٢] الحنبلي الحمصي [٣] . كان من أهل الفضل. قرأ «المقنع» على والده، وروى الحديث بسند عال، روى عن الشيخ شمس الدّين بن اليّونانية عن الحجّار. وكان ملازما للعبادة والخشوع والصّلاح.

стр. 4666

سنة ثلاث وستين وثمانمائة فيها توفي شهاب الدّين أحمد بن محمد بن صالح بن عثمان الأشليمي [١] ثم الحسيني القاهري الشافعي [٢] الإمام العلّامة [٣] . وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن المجد المخزومي الحنبلي النابلسي [٤] الإمام العالم. توفي بنابلس. وتوفي فيها أيضا في هذه السنة زين الدّين عبد المغيث ابن الأمير ناصر الدّين محمد بن عبد المغيث الحنبلي [٥] . وفيها برهان الدين أبو الخير إبراهيم بن أحمد بن عبد الكافي الطّباطبي [٦] المقرئ الصّوفي الشافعي السّيّد الشريف.

стр. 4667

قال المناوي: كان يطلق بكل صالحة يده ولسانه، ويطوي على المعارف اليقينية جنانه، ولا يلتفت إلى الدنيا ولا يقبلها، ويشتري حاجته من السوق ويحملها. أخذ عن المحبّ الطّبري، والكمال الكازروني، والحافظ ابن حجر. وتصدى للإقراء بالحرمين، وأخذ عنه الأماثل، وله اليد الطولى في التصوف، وعنه أخذ جدّنا الشّرف المناوي التصوف، واستمرّ ملازما طريقته المرضية إلى أن حان أجله وأدركته المنيّة، وتوفي بمكة. انتهى. وفيها شمس الدّين محمد بن عبد الله بن خليل بن أحمد البلاطنسي [١] ثم الدمشقي الشافعي [٢] الإمام العالم. توفي في صفر عن أربع وستين سنة. وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن علي بن أحمد الحموي ثم الحلبي الشافعي الصّوفي، ويعرف بابن الشمّاع [٣] . كان إماما، عالما، عاملا [٤] ، زاهدا، علّامة. توفي بطيبة المشرّفة في ذي القعدة عن بضع وسبعين سنة، ودفن بالبقيع.

стр. 4668

سنة أربع وستين وثمانمائة فيها كان الطّاعون العظيم بغزّة، ثم الشام والقدس، ومات فيه من لا يحصى. وفيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن علي بن محمد بن داود البيضاوي ثم المكّي الشافعي، ويعرف بالزّمزمي [١] الإمام العلّامة. توفي في ربيع الأول عن ست وثمانين سنة. وفيها شهاب الدّين أحمد بن علي بن محمد بن الشحّام [٢] الحنبلي المؤذن بالجامع الأموي. ولد في خامس عشري المحرم سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، وسمع من جماعة، وروى عنه جماعة من الأعيان. وتوفي بالقدس الشريف في نهار الثلاثاء تاسع جمادى الآخرة. وفيها تقريبا قاضي القضاة تقي الدّين أبو الصّدق أبو بكر بن محمد بن الصّدر البعلي الحنبلي [٣] . ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وروى عمّن عن الحجّار. وسمع على الشيخ شمس الدّين بن اليّونانية البعلي ببعلبك. وولي قضاء طرابلس مدة

стр. 4669

طويلة، وكان حسن السيرة، وأجاز الشيخ نور الدّين العصياتي، وأخذ عنه جماعات. وفيها جلال الدّين محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم المحلّي [١] الشافعي تفتازاني العرب، الإمام العلّامة. قال في «حسن المحاضرة» : ولد بمصر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، واشتغل، وبرع في الفنون، فقها، وكلاما، وأصولا، ونحوا، ومنطقا، وغيرها. وأخذ عن البدر محمود الأقصرائي، والبرهان البيجوري، والشمس البساطي، والعلاء البخاري، وغيرهم. وكان علّامة، آية في الذكاء والفهم. كان بعض أهل عصره يقول فيه: إن ذهنه يثقب الماس. وكان هو يقول عن نفسه: إنّ فهمي لا يقبل الخطأ، ولم يك [٢] يقدر على الحفظ، وحفظ كرّاسا من بعض الكتب فامتلأ بدنه حرارة. وكان غرّة هذا العصر في سلوك طريق السّلف، على قدم من الصّلاح والورع، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يواجه بذلك أكابر الظّلمة والحكّام، ويأتون إليه فلا يلتفت إليهم، ولا يأذن لهم في الدخول عليه. وكان عظيم الحدّة جدا لا يراعي أحدا في القول، يؤسي في عقود المجالس على قضاة القضاة وغيرهم وهم يخضعون له ويهابونه ويرجعون إليه، وظهرت له كرامات، وعرض عليه القضاء الأكبر فامتنع، وولي تدريس الفقه بالمؤيّدية والبرقوقية، وقرأ عليه جماعة. وكان قليل الإقراء، يغلب عليه الملل والسآمة، وسمع الحديث من الشّرف بن الكويك. وكان متقشفا في مركوبه وملبوسه، ويتكسّب بالتجارة، وألّف كتبا تشدّ إليها الرّحال في غاية الاختصار والتحرير والتنقيح وسلاسة العبارة وحسن المزج والحل، وقد

стр. 4670

أقبل عليها الناس وتلقوها بالقبول وتداولوها، منها «شرح جمع الجوامع» في الأصول، و «شرح المنهاج» في الفقه، و «شرح بردة المديح» و «مناسك» و «كتاب في الجهاد» ومنها أشياء لم تكمل ك «شرح القواعد» لابن هشام، و «شرح التسهيل» كتب منه قليلا جدا، و «حاشية على شرح جامع المختصرات» و «حاشية على جواهر الأسنوي» و «شرح الشمسية» في المنطق، وأجلّ كتبه التي لم تكمل «تفسير القرآن» كتب منه من أول الكهف إلى آخر القرآن، وهو ممزوج محرّر في غاية الحسن، وكتب على الفاتحة وآيات يسيرة من البقرة وقد كملته [١] بتكملة على نمطه من أول البقرة إلى آخر الإسراء [٢] . وتوفي في أول يوم من سنة أربع وستين وثمانمائة انتهى.

стр. 4671

سنة خمس وستين وثمانمائة في صفرها كان بمكّة سيل عظيم [١] . وفيها توفي الملك الأشرف سيف الدّين أبو النصر إينال العلائي [٢] تسلطن في صبيحة يوم الاثنين لثمان مضين من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وهو الثاني عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم، وهو جركسي جلبه الخواجا علاء الدّين إلى مصر، فاشتراه الظّاهر برقوق، وأعتقه الناصر فرج بن برقوق، وتنقّل في الدولة إلى أن صار في أيام الأشرف برسباي أمير مائة مقدّم ألف، وولاه الظّاهر جقمق الدوادارية الكبرى، إلى أن جعله أتابكا، واستمر إلى أن تسلطن، وتم أمره في الملك، وطالت أيّامه نحو ثمان سنين وشهرين وأياما. وكان طويلا، خفيف اللحية، بحيث اشتهر بإينال الأجرود، وكان قليل الظّلم، قليل سفك الدماء، متجاوزا عن الخطأ والتقصير، إلّا أن مماليكه ساءت سيرتهم في الناس، واستمرّ سلطانا إلى أن خلع نفسه من السلطنة وعقدها لولده الملك المؤيد شهاب الدّين أبي الفتح أحمد بن إينال العلائي في يوم الأربعاء رابع عشر ليلة خلت من جمادى الأولى. وتوفي والده بعد ذاك بيوم واحد، ثم خلعه أتابكة خشقدم بعد خمسة أشهر وخمسة أيام، وولي السلطنة عوضه الملك الظّاهر خشقدم يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان.

стр. 4672

وفيها القاضي شهاب الدّين أحمد بن محمد بن محمد بن عمر البلقيني [١] الإمام العالم. توفي في ذي القعدة عن ثلاث وخمسين سنة. وفيها عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الكناني الحموي، المعروف بابن جماعة [٢] . توفي في ذي القعدة عن خمس وثمانين سنة. وفيها أبا علوي عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن اليمني الصّوفي [٣] . كان شيخ حضرموت، وركنها، وصوفيّها، وزاهدها. له أتباع وخدم، مع الولاية الظّاهرة والأسرار الباهرة. وتوفي في رمضان.

стр. 4673

سنة ست وستين وثمانمائة فيها توفي السيد حسن [١] بن محمد بن أيوب الحسني [٢] الشافعي، المعروف بالسّيّد النّسابة. كان إماما، عالما، أخباريا. توفي في مستهل صفر وقد قارب المائة. وفيها السّلطان خلف [بن محمد بن سليمان] الأيوبي [٣] صاحب حصن كيفا، وهو آخر ملوك الحصن من بني أيوب. وفيها شمس الدّين أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي بكر القاهري الشافعي [٤] الصّوفي الإمام الزاهد توفي في ربيع الأول عن نحو ثمانين سنة.

стр. 4674

سنة سبع وستين وثمانمائة في ربيع الآخر وقع بمكّة سيل عظيم حتى دخل المسجد الحرام، وارتقى الماء إلى نحو قفل باب الكعبة [١] . وفي حدودها توفي برهان الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن التّاج عبد الوهاب بن عبد السلام بن عبد القادر البغدادي الحنبلي [٢] . ولد في ثالث ذي الحجّة سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، وقرأ على علماء عصره، وجدّ، واجتهد، حتى صار إماما، عالما، محدّثا، زاهدا، يشار إليه بالبنان. وفيها أبو بكر [٣] بن محمد بن إسماعيل بن علي القلقشنديّ المقدسي الشافعي [٤] . كان إماما، عالما، عاملا، محدّثا، فقيها. توفي ببيت المقدس جمادي الآخرة عن بضع وثمانين سنة. وفيها أبو السّعادات [سعد] بن محمد بن عبد الله بن سعد النّابلسي الأصل المقدسي [٥] نزيل القاهرة الحنفي.

стр. 4675

كان إماما، عالما [١] ، علّامة، شيخ مذهب النّعمان في زمنه. توفي في ربيع الآخر عن نحو مائة سنة. وفيها تقريبا زين الدّين أبو عبد الله بلال بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم القادري [٢] الحنبلي الفقيه الإمام العالم. وفي حدودها شمس الدّين محمد بن عبد الله المتبولي الحنبلي، المشهور بابن الرزّاز [٣] . كان إماما، عالما، فقيها.

стр. 4676

سنة ثمان وستين وثمانمائة فيها توفي قاضي القضاة علم الدّين صالح بن شيخ الإسلام سراج الدّين عمر البلقيني [١] الشافعي الإمام العلّامة. قال السيوطي في «حسن المحاضرة» : وهو شيخنا حامل لواء مذهب الشافعي في عصره. ولد سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وأخذ الفقه عن والده وأخيه، والنحو عن الشّطّنوفي، والأصول عن العزّ ابن جماعة. وسمع على أبيه «جزء الجمعة» وختم «الدلائل» وغير ذلك، وعلى الشّهاب ابن حجي «جزء ابن نجيد» وحضر عند الحافظ أبي الفضل العراقي في الإملاء، وتولى مشيخة الخشابيّة والتفسير بالبرقوقية بعد أخيه، وتدريس الشريفيّة بعد القمني، وتولى القضاء الأكبر سنة ست وعشرين بعزل الشيخ ولي الدّين، وتكرّر عزله وإعادته، وتفرّد بالفقه، وأخذ عنه الجمّ الغفير، وألحق الأصاغر بالأكابر والأحفاد بالأجداد، وألّف «تفسير القرآن» وكمّل «التدريب» لأبيه وغير ذلك. قرأت عليه الفقه، وأجازني بالتدريس، وحضر تصديري، وقد أفردت ترجمته بالتأليف. ومات يوم الأربعاء خامس رجب. انتهى. وفيها جمال الدّين عبد الله بن أبي بكر بن خالد بن زهرا الحمصي الحنبلي [٢] الإمام العلّامة.

стр. 4677

قرأ «الفروع» على ابن مغلي، وله عليه «حاشية» لطيفة. وقرأ «تجريد العناية» على مؤلّفه القاضي علاء الدّين بن اللحّام، والأصول له أيضا. وأخذ عن عمّه القاضي شمس الدّين، وعلماء دمشق. وكان من أكابر الفضلاء. وتوفي في هذه السنة عن أكثر من مائة سنة. وفيها أبو الحسن علي بن سودون البشبغاوي القاهري الحنفي [١] الإمام العلّامة. أخذ عن علماء عصره، وتفنّن في العلوم، وكان مملقا فأخذ في رواج أمره بالمجون، ويقال: إنه أول من أحدث خيال الظلّ، وألف كتابا حافلا صدّره «نظم فائق في مديح المصطفى ﷺ » وغيره وعجزه خرافات، ويقال: إن والده كان قاضيا بمصر، وأنه سمع بأن ولده تعاطى التمسخر مع الأراذل تحت قلعة دمشق، فأتى إلى الشام، ووقف على حلقة فيها ولده يتعاطى ذلك فلما رأى والده أنشد: قد كان يرجو والدي ... بأن أكن قاضي البلد ما تمّ إلّا ما يريد ... فليعتبر من له ولد وبالجملة فقد كان من أعاجيب الزمان. وتوفي بدمشق في رجب عن ثمان وخمسين سنة. وفيها السيد يحيى بن السيد بهاء الدّين الشّرواني الحنفي الصوفي الخلوتي [٢] . قال في «الشقائق» : ولد بمدينة شماخي، وهي أمّ مدائن ولاية شروان، وكان أبوه من أهل الثروة، وكان هو صاحب جمال وكمال، يلعب بالصّولجان، فبينا هو يلعب فيه إذ مرّ عليه الشيخ بيرزاده [ابن الشيخ الحاج عزّ الدّين] الخلوتي، فلما رأى أدبه وجماله دعا له بالفوز بطريق الصّوفية [فرأى السيد يحيى في تلك الليلة واقعة تغيّرت بها أحواله] ، فالتجأ المترجم إلى خدمة الشيخ صدر الدّين الخلوتي،

стр. 4678

ولازم خدمته، فكره والده ذلك لدخوله الخلوة مع الصّوفية مع هذا الجمال، وأنكر على الشيخ صدر الدّين [أيضا] لإذنه له في ذلك، ونصح ولده فلم ينفع، حتى قيل: إنه قصد إهلاك الشيخ صدر الدّين. واتفق أن السيد يحيى لم يحضر الجماعة في صلاة العشاء لاشتغاله بالتنور، وكان الوقت باردا، فدخل الشيخ بيته من كوة الدار، وأخذ بيده، وقال: قم يا ولدي، فقال له والده: لأي شيء دخل شيخك من الكوة ولم يدخل من الباب، وأنت تعتقد أنه متشرع، فقال: خاف من الشوك في الطريق، فقال: وأي شوك هو؟ قال: إنكارك [عليه] فعند ذلك زال إنكاره، ولازم أيضا خدمة الشيخ المذكور، ثم إن السيد يحيى انتقل بعد موت شيخه، من شماخي إلى بلدة باكو [١] من ولاية شروان، وتوطن هناك، واجتمع عليه الناس، حتى زادت جماعته على عشرة آلاف [٢] ، ونشر الخلفاء إلى أطراف الممالك. وكان هو أول من سنّ ذلك. وكان يقول بجواز إكثار الخلفاء لتعليم الآداب للناس، وأما المرشد فلا يكون إلّا واحدا. وحكي أنه لم يأكل طعاما في آخر عمره مقدار ستة أشهر. وتوفي في بلدة باكو. انتهى ملخصا. وفيها العزيز يوسف بن الأشرف برسباي [٣] . توفي بالإسكندرية في المحرم عن أربعين سنة. وتوفي بعده أخوه الشّهابي أحمد [٤] عن نحو سبع وعشرين سنة في هذه السنة أيضا، ولم يكن بينهما ثلاثة أشهر.

стр. 4679

سنة تسع وستين وثمانمائة فيها توفي قاضي القضاة شهاب الدّين أحمد بن الحسن [١] العباسي [٢] السيد الحسيب النّسيب الحنبلي، الإمام العلّامة. ولد سنة خمس وتسعين وسبعمائة، وأخذ عن ابن المغلي، وابن زهر الحمصي، وولي قضاء حماة فباشره فوق ثلاثين سنة بعفّة وديانة. وكان يروم الخلافة وربما تكلّم له فيها، لأنه كان من ذرّيّة العبّاس ﵁. وكان من أهل العلم والفضل. وتوفي بحماة في أوائل هذه السنة. وولي قضاء حماة بعده ولد ولده قاضي القضاة محيي الدّين عبد القادر بن القاضي موفق الدّين بن القاضي شهاب الدّين [٣] واستمرّ بها نحو عشر سنين إلى أن توفي ﵀. وفيها السلطان عبد الحق بن أبي سعيد المرّيني [٤] صاحب فاس. توفي في رمضان.

стр. 4680

سنة سبعين وثمانمائة فيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن أحمد بن ناصر بن خليفة المقدسي الشافعي الناصري الباعوني الدمشقي [١] ، الإمام العالم العلّامة. توفي في ربيع الأول عن بضع وتسعين سنة. وتوفي بعده في رمضان هذه السنة أخوه شمس الدّين محمد بن أحمد [٢] الإمام العالم النّاظم النّاثر. وفيها شهاب الدّين أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى المنوفي الشافعي، المعروف بابن أبي السعود [٣] . كان إماما، فاضلا، عالما. توفي بطيبة في شوال عن ست وخمسين سنة. وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن زيد الحنبلي [٤] الإمام العلّامة النحوي المفسّر المحدّث.

стр. 4681

قال العليمي: اعتنى بعلم الحديث كثيرا، ودأب فيه، وكان أستاذا في العربية، وله يد طولى في التفسير، وانتفع به الناس، وكان يقرأ على الشيخ علي ابن زكنون [١] «ترتيب مسند الإمام أحمد» له وكذلك غيره من كتب الحديث. وكان أستاذا في الوعظ، وله كتاب خطب في غاية الحسن، وتوفي في سلخ صفر. وفيها بيرنصع بن جهان شاه بن قرا يوسف بن قرا محمد التركماني [٢] صاحب بغداد. توفي في ثاني ذي القعدة. وفيها أبو الفضل عبد الرحمن بن علي بن عمر بن علي الأنصاري الأندلسي ثم القاهري الشافعي، المعروف بابن الملقّن [٣] .

стр. 4682

كان إماما، علّامة. توفي في شوال عن ثمانين سنة. قاله في «ذيل الدول» . وفيها القاضي نور الدّين أبو الحسن علي بن شهاب الدّين أحمد الشّيشيني الحنبلي [١] الإمام العلّامة. قال العليمي: كان من أهل العلم، فقيها، مفتيا باشر نيابة الحكم بالدّيار المصرية، وكان يكتب على الفتوى كتابة جيدة، وأفتى في خلع الحيلة إن العمل على صحته ووقوعه، ورأيت خطه بذلك، وتقدم نظير ذلك في ترجمة ابن نصر الله البغدادي. انتهى ملخصا. وفيها ملك صنعاء عامر بن طاهر العدني اليماني [٢] . وفيها قاضي القضاة نظام الدّين عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح الرّاميني المقدسي ثم الصالحي الحنبلي [٣] الإمام العلّامة الواعظ الأستاذ. ولد ظنا سنة ثمانين وسبعمائة، فإن له حضورا على الشيخ الصّامت سنة أربع وثمانين، وسمع من والده، وعمه الشيخ شرف الدّين، وجماعة، وحضر عند ابن البلقيني، وابن المغلي، وغيرهما من الأئمة. وكان رجلا ديّنا يعمل الميعاد يوم السبت بكرة النهار على طريقة والده، وقرأ «البخاري» على الشيخ شمس الدّين بن المحبّ، وأجازه، وباشر نيابة الحكم بدمشق مدة، ثم استقلّ بالوظيفة بعد عزل ابن الحبّال سنة اثنتين وثلاثين، واستمرّت الوظيفة بينه وبين العزّ البغدادي دولا إلى أن مات البغدادي، وتوفي المترجم بصالحية دمشق ودفن بالرّوضة قريبا من والده وجده.

стр. 4683

وفيها شمس الدّين محمد بن علي الدمشقي ثم القوصي القاهري الشافعي، ويعرف بابن الفالاتي [١] . كان إماما عالما. توفي في ذي القعدة عن ست وأربعين سنة.

стр. 4684

سنة إحدى وسبعين وثمانمائة في حدودها توفي أحمد بن عروس المغربي التونسي [١] . قال المناوي في «طبقات الأولياء» : كان من أكابر الأولياء من أهل الجذب بتونس، له كرامات ظاهرة، وأحوال باهرة، منها أنه كانت الطيور الوحشية تنزل عليه وتأكل من يده. ومنها أنه كان عنده جمع وافر من الفقراء، فكان يمدّ يديه في الهواء ويحضر لهم ما يكفيهم من القوت. وكان مهابا جدّا، لا يقدر على لقائه كل أحد، يقشعر البدن لرؤيته. وكان جالسا على سطح فندق بتونس ليلا ونهارا، ولم يزل كذلك حتى مات. وفيها شهاب الدّين أحمد البيت لبدي الحنبلي [٢] الإمام العلّامة. وفيها القاضي وجيه الدّين أسعد بن علي بن محمد بن المنجّى التّنوخي الحنبلي [٣] . قال العليمي: كان من أهل الفضل ورواة الحديث الشريف، وهو من بيت مشهور بالعلماء، وتقدم ذكر أسلافه. باشر نيابة الحكم بدمشق عن بني مفلح وكانت سيرته حسنة. انتهى.

стр. 4685

وفيها أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن أحمد الخجندي المدني الحنفي [١] الإمام العالم. توفي في صفر ولم يكمل الثلاثين. وفيه قاضي القضاة شرف الدّين أبو زكريا يحيى بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن مخلوف بن عبد السلام المناوي المصري الشافعي [٢] جدّ الشيخ عبد الرؤوف المناوي شارح «الجامع الصغير» وذكره في «طبقاته» وأثنى عليه بما لا مزيد عليه. وقال السيوطي في «حسن المحاضرة» : هو شيخنا، شيخ الإسلام، ولد سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، ولازم الشيخ ولي الدّين العراقي، وتخرّج به في الفقه والأصول، وسمع الحديث عليه، وعلى الشّرف بن الكويك، وتصدّر للإقراء والإفتاء، وتخرّج به الأعيان، وولي تدريس الشافعي، وقضاء الدّيار المصرية. وله تصانيف، منها: «شرح مختصر المزني» . وتوفي ليلة الاثنين ثاني جمادى الآخرة، وهو آخر علماء الشافعية ومحقّقيهم، وقد رثيته بقولي: قلت لمّا مات شيخ العصر حقّا باتّفاق ... حين صار الأمر ما بين جهول وفسّاق أيّها الدّنيا لك الويل إلى يوم التّلاق انتهى.

стр. 4686

سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة قال في «ذيل الدول» [١] : في أواخر ربيعها الأول أمطرت السماء وقت العصر حصى أبيض زنة الحصاة ما بين رطل وأكثر وأقل، مع برق ورعد وظلمة، ثم وقع في عصر الذي يليه مطر على العادة، انتهى. وفيها توفي شهاب الدّين أحمد [٢] بن عبد الرحمن [٢] بن محمد بن خالد بن زهرا الحمصي الحنبلي [٣] الإمام العالم. قرأ «المقنع» على عمّه القاضي شمس الدّين، و «ألفية ابن مالك» وبحثها عليه، وقرأ الأصول على الشيخ بدر الدّين العصياتي. وتوفي بحمص. وفيها تقي الدّين أبو العبّاس أحمد بن العلّامة كمال الدّين محمد بن محمد بن علي بن يحيى بن محمد بن خلف الله الشّمنّي [٤]- بضم المعجمة والميم، وتشديد النون- القسنطيني [٥] الحنفي هو، المالكي والده وجدّه. قال

стр. 4687

السيوطي في «بغية الوعاة» : هو شيخنا الإمام العلّامة المفسّر المحدّث الأصولي المتكلّم النّحوي البياني، إمام النّحاة في زمانه، وشيخ العلماء في أوانه. شهد بنشر علومه العاكف والبادي، وارتوى من بحار علومه [١] الظمآن والصّادي. وأما التفسير، فهو بحر [٢] المحيط كشّاف دقائقه بلفظه الوجيز الفائق على الوسيط والبسيط. وأما الحديث، فالرحلة في الرواية والدّراية إليه، والمعوّل في حلّ مشكلاته وفتح مقفلاته عليه. وأما الفقه، فلو رآه النّعمان لأنعم به عينا، أو رام أحد مناظرته لأنشد: وألفى قولها كذبا ومينا [٣] وأما الكلام، فلو رآه الأشعريّ لقرّبه وقرّ به، وعلم، أنه نصير الدّين ببراهينه وحججه المهذّبة المرتّبة. وأما الأصول: فالبرهان لا يقوم عنده بحجّة، وصاحب المنهاج لا يهتدي معه إلى محجّة. وأما النحو: فلو أدركه الخليل لاتّخذه خليلا، أو يونس لآنس به وشفى منه غليلا. وأما المعاني: فالمصباح لا يظهر له نور عند هذا الصباح، وما [ذا] يفعل المفتاح، مع من ألقت إليه المقاليد أبطال الكفاح؟ إلى غير ذلك من علوم معدودة، وفضائل مأثورة مشهودة:

стр. 4688

هو البحر لا بل دون ما علمه البحر ... هو البدر [لا] بل ما دون طلعته البدر هو النّجم لا بل دونه النّجم رتبة ... هو الدّرّ لا بل دون منطقه الدّرّ هو العالم المشهور في العصر والذي ... به بين أرباب النّهى افتخر العصر هو الكامل الأوصاف في العلم والتّقى ... فطاب به في كلّ ما قطر الذّكر محاسنه جلّت عن الحصر وازدهى ... بأوصافه نظم القصائد والنّثر ولد بإسكندرية في رمضان سنة إحدى وثمانمائة، وقدم القاهرة مع والده، وكان من علماء المالكية، فتلا على الزراتيتي، وأخذ عن الشمس الشّطّنوفي، ولازم القاضي شمس الدّين البساطي وانتفع به في الأصلين، والمعاني، والبيان، وأخذ عن الشيخ يحيى السّيرامي وبه تفقه، وعن العلاء البخاري، وأخذ الحديث عن الشيخ ولي الدّين العراقي، وبرع في الفنون، واعتنى به والده في صغره، وأسمعه الكثير من التّقي الزّبيري، والجمال الحنبلي، والشيخ ولي الدّين وغيرهم. وأجاز له السّراج البلقيني، والزين العراقي، والجمال ابن ظهيرة، والهيثمي، والكمال الدّميري، والحلاوي، والجوهري، والمراغي، وآخرون. وخرّج له صاحبنا الشيخ شمس الدّين السّخاوي «مشيخة» وحدّث بها وبغيرها، وخرّجت له «جزءا» فيه الحديث المسلسل بالنّحاة وحدّث به. وهو إمام، علّامة، مفنّن، منقطع القرين، سريع الإدراك. قرأ التفسير، والحديث، والفقه، والعربية، والمعاني، والبيان، والأصلين، وغيرها، وانتفع به الجمّ الغفير، وتزاحموا عليه، وافتخروا بالأخذ عنه، مع العفّة، والخير، والتواضع، والشهامة، وحسن الشكل، والأبّهة والانجماع عن بني الدّنيا. وأقام بالجمالية مدة. ثم ولي المشيخة والخطابة بتربة قايتباي الجركسي بقرب الجبل، وطلب لقضاء الحنفية بالقاهرة سنة ثمان وستين فامتنع، وصنّف «شرح المغني» لابن هشام، و «حاشية على الشفا» و «شرح مختصر الوقاية» في الفقه و «شرح نظم النّخبة» في الحديث لوالده [١] . وله النّظم الحسن.

стр. 4689

ولم يزل الشيخ يودّني، ويحبّني، ويعظّمني [١] ، ويثني عليّ كثيرا. وتوفي- رحمه الله تعالى- قرب العشاء ليلة الأحد سابع عشري ذي الحجّة. انتهى. وفيها شهاب الدّين أحمد بن أبي بكر بن صالح بن عمر المرعشلي الحلبي [٢] الإمام العالم العلّامة. توفي في ذي الحجّة. وفيها شهاب الدّين أحمد بن أسد بن عبد الواحد الأميوطي الشافعي [٣] الإمام العالم. توفي في ذي الحجّة أيضا بين الحرمين. قاله في «ذيل الدول» . وفيها الملك جهان شاه بن قرا يوسف بن قرا محمد التركماني [٤] صاحب العراقين. وفيها السلطان الملك الظّاهر سيف الدّين أبو سعيد خشقدم الناصري [٥] . قال في «الأعلام» : ولي السلطنة يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة خمس وستين وثمانمائة، وهو روميّ جلبه الخواجا ناصر الدّين وبه عرف، واشتراه المؤيد شيخ وأعتقه، وصار خاصكيا عنده، وتقلّب في الدولة إلى أن جعله الأشرف إينال أتابكا لولده، فخلعه وتسلطن مكانه، وكان محبا للخير وكسا الكعبة الشريفة في أول ولايته على العادة، ولكن كانت كسوة الجانب الشرقي

стр. 4690

والجانب الشامي بيضاء بجامات سود، وفي الجامات التي بالجانب الشرقي بعض ذهب، وأرسل في سنة ست وستين منبرا. وكانت مدة سلطنته ست سنين ونصفا تقريبا. ومرض فطال مرضه. وتوفي يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول. وتسلطن في ذلك اليوم الملك الظّاهر أبو النصر بلباي المؤيدي وهو الرابع عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم، وكان ضعيفا عن تدبير الملك وتنفيذ الأمور، فخلعه الأمراء من السلطنة في يوم السبت لسبع مضين من جمادى الأولى، فكانت مدة سلطنته شهرين إلّا أربعة أيام. وتسلطن بعد خلعه عوضا عنه الملك الظّاهر أبو سعيد تمربغا الظّاهري وهو الخامس عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بمصر، وكان له فضل وصلاح وتودّد للناس وحذق ببعض الصنائع، بحيث صار يعمل القسي الفائقة بيده، ويعمل السّهام عملا فائقا، ويرمي بها أحسن رمي، مع الفروسية التّامة، ومع ذلك ما صفا له دهره يوما. ورماه عن كبد قوسه أبعد مرمى، وما زال به الأمر إلى أن خلعوه ونفوه إلى الإسكندرية. وولي السلطنة الملك الأشرف قايتباي المحمودي في ظهر يوم الاثنين. سادس رجب سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، وهو السادس عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بمصر. انتهى أي وكانت سلطنة الظّاهر تمربغا شهرين إلا يوما واحدا. وفيها عبد الأول بن محمد بن إبراهيم بن أحمد المرشدي المكّي الحنفي [١] الإمام العالم. توفي في ربيع الأول عن أربع وخمسين سنة. وفيها نور الدين علي بن نرد بك [٢] الفخري [٣] الحنفي الإمام الفاضل أحد الأفراد.

стр. 4691

توفي في رمضان عن ثلاث وثلاثين سنة. وفيها القاضي محب الدّين محمد بن أحمد بن محمد بن الجناق القرشي الحنبلي [١] الإمام العلّامة. اشتغل ودأب، وقرأ على الشيخ تقي الدّين بن قندس، ثم على الشيخ علاء الدّين المرداوي، وأذن له في الإفتاء، وولي نيابة الحكم بالدّيار المصرية، فباشره بعفّة. وكان يلقي الدروس الحافلة، ويشتغل عليه الطلبة، ولما استخلفه القاضي عزّ الدّين في سنة ست وستين وثمانمائة أنشد لنفسه: إلهي ظلمت النّفس إذ صرت قاضيا ... وأبدلتها بالضّيق من سعة الفضا وحمّلتها ما لا تكاد تطيقه ... فأسألك التّوفيق واللّطّف في القضا وفيها قاضي القضاة شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن محمد العمري العليمي- نسبة إلى سيدنا علي بن عليل المشهور عند الناس بعلي بن عليم، والصحيح أنه عليل باللام وهو من ذريّة عمر بن الخطاب ﵁ الحنبلي المقدسي [٢] . قال ولده في «طبقات الحنابلة» : ولد في سنة سبع وثمانمائة بالرّملة، ونشأ بها، ثم توجه إلى مدينة صفد، فأقام بها، وقرأ القرآن وحفظه برواية عاصم، وأتقنها، وأجيز بها من مشايخ القراءة، ثم عاد إلى مدينة الرّملة، واشتغل بالعلم على مذهب الإمام أحمد، وحفظ «الخرقي» [٣] وكل أسلافه شافعية لم يكن فيهم حنبلي سواه، وهو من بيت كبير. ثم اجتهد في تحصيل العلم، وسافر إلى الشام، ومصر، وبيت المقدس. وأخذ عن علماء المذهب وأئمة الحديث، وفضل في فنون من العلم، وتفقّه بالشيخ يوسف المرداوي، وبرع في المذهب، وأفتى،

стр. 4692

وناظر، وأخذ الحديث عن جماعة من أعيان العلماء، وقرأ «البخاري» مرارا و «الشفا» كذلك، وكتب بخطه الكثير، وكان بارعا في العربية، خطيبا، بليغا. وصنّف في الخطب، وولي قضاء الرّملة استقلالا، ولم يعلم أن حنبليا قبله [١] وليها، ثم ولي قضاء القدس مدة طويلة، ثم أضيف إليه قضاء بلد الخليل ﵇، ثم ولي قضاء الرّملة تسعة وخمسين يوما إلى أن دخل الوباء، فتوفي بالطّاعون يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة. انتهى ملخصا.

стр. 4693

سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة فيها توفي جمال الدّين محمد بن أبي بكر النّاشري الصّامت [١] . قال المناوي في «طبقاته» : برع في الفقه، وشارك في عدة فنون، ثم أقبل على التعبّد والتزهّد، وترك الرئاسة، وحبّ الخمول والعزلة واستقل بخويصة نفسه حتى مات ولم يخلف بعده مثله. انتهى [٢] .

стр. 4694

سنة أربع وسبعين وثمانمائة فيها توفي جمال الدّين أبو المحاسن يوسف بن الأمير الكبير سيف الدّين تغري بردي [١] الحنفي [٢] الإمام العلّامة. ولد بالقاهرة سنة اثنتي عشرة [٣] وثمانمائة، وربّاه زوج أخته قاضي القضاة ناصر الدّين بن العديم الحنفي إلى أن مات، فتزوج بأخته جلال الدّين البلقيني الشافعي، فتولى تربيته، وحفظ القرآن العزيز، ولما كبر اشتغل بفقه الحنفية، وحفظ «القدوري» وتفقه بشمس الدّين محمد الرّومي، وبالعيني وغيرهما، وأخذ النحو عن التّقي الشّمنّي ولازمه كثيرا، وتفقه به أيضا، وأخذ التصريف عن الشيخ علاء الدّين الرّومي وغيره، وقرأ «المقامات الحريرية» على قوام الدّين الحنفي، وأخذ عنه العربية أيضا، وقطعة جيدة من علم الهيئة، وأخذ البديع والأدبيات عن الشّهاب بن عربشاه الحنفي وغيره، وحضر على ابن حجر العسقلاني، وانتفع به، وأخذ عن أبي السّعادات ابن ظهيرة، وابن العليف، وغيرهما، ثم حبّب إليه علم التاريخ، فلازم مؤرخي عصره، مثل العيني، والمقريزي، واجتهد في ذلك إلى

стр. 4695

الغاية، وساعدته جودة ذهنه وحسن تصوره، وصحة فهمه، ومهر، وكتب، وحصّل، وصنّف، وانتهت إليه رئاسة هذا الشأن في عصره، وسمع شيئا كثيرا من كتب الحديث، وأجازه جماعات لا تحصى مثل ابن حجر، والمقريزي، والعيني. ومن مصنفاته كتاب «المنهل الصّافي [١] والمستوفي بعد الوافي» في ستة مجلدات [٢] ، ومختصره المسمى ب- «الذيل [٣] الشّافي على المنهل الصّافي [١] ومختصر سمّاه «مورد اللطافة في ذكر من ولي السلطنة والخلافة» [٤] و «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» [٥] وذيل على «الإشارة» للحافظ الذهبي سماه ب «البشارة في تكملة الإشارة» [٦] وكتاب «حلية الصفات في الأسماء والصناعات» مرتبا على الحروف، وغير ذلك. ومن شعره: تجارة الحبّ غدت ... في حبّ خود كاسده ورأس مالي هبة ... لفرحتي بفائدة ومنه مواليا في عدة ملوك التّرك: أيبك قطن يعقبو بيبرس ذو الإكمال ... بعدو قلاوون بعدو كتبغا المفضال لاجين بيبرس برقوق شيخ ذو الإفضال ... ططر برسباي جقمق ذو العلا إينال وتوفي في ذي الحجّة.
следующие страницы →