الذّب عن المسند» و «بلوغ المرام بأدلة الأحكام» و «بذل الماعون في فضل [١] الطّاعون» و «المنحة فيما علّق به الشافعي القول على الصحة» و «الأجوبة المشرقة على الأسئلة المفرقة» و «منسك الحج» و «شرح مناسك المنهاج» و «تصحيح الرّوضة» كتب منه ثلاث مجلدات، و «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر» وشرحها «نزهة النظر بتوضيح نخبة الفكر» و «الانتفاع بترتيب الدارقطني على الأنواع» و «مختصر البداية والنهاية» لابن كثير [٢] ، و «تخريج الأربعين النووية بالأسانيد العلية» و «الأربعين المتباينة» و «شرح الأربعين النووية» و «ترجمة النووي» ، وغير ذلك.
وله ديوان شعر.
ومن شعره:
أحببت وقّادا كنجم طالع ... أنزلته برضا الغرام فؤادي
وأنا الشّهاب فلا تعاند عاذلي ... إن ملت نحو الكواكب الوقّاد
وكان- رحمه الله تعالى- صبيح الوجه، للقصر أقرب، ذا لحية بيضاء، وفي الهامة نحيف الجسم، فصيح اللّسان، شجي الصوت، جيد الذكاء، عظيم الحذق، رواية للشعر وأيام من تقدمه ومن عاصره، هذا مع كثرة الصّوم، ولزوم العبادة، واقتفاء السّلف الصالح، وأوقاته مقسمة للطلبة، مع كثرة المطالعة والتأليف والتصدي للإفتاء والتصنيف.
وتوفي ليلة السبت ثامن عشري ذي الحجّة ودفن بالرّميلة. وكانت جنازته حافلة [٣] مشهودة [٤] .
وفيها الأمير سيف الدّين أبو محمد تغري برمش بن عبد الله الجلالي
стр. 4622
المؤيدي [١] الفقيه الحنفي، نائب القلعة بالديار المصرية.
قال هو: قدم بي الخواجا جلال الدّين من بلادي إلى حلب، فاشتراني جقمق بحلب ولي سبع أو ثمان سنين، وأتى بي إلى الدّيار المصرية، وقدّمني إلى أخيه الأمير [٢] جاركس القاسمي المصارع، فأقمت عنده إلى أن خرج عن طاعة الملك الناصر فرج، واستولى الناصر على مماليكه، فأخذني فيمن أخذ، وجعلني من جملة المماليك السّلطانية الكتابية بالطبقة بقلعة الجبل، إلى أن قتل الناصر، واستولى المؤيد شيخ على الدّيار المصرية [٣] اشتراني فيمن [٣] اشتراه من المماليك الناصرية، وأعتقني، وجعلني جمدارا مدة طويلة.
قال صاحب «المنهل» : استمر تغري برمش إلى أول رجب سنة أربع وأربعين وثمانمائة فأنعم عليه بإمرة عشرة، ونيابة القلعة، فباشر ذلك بحرمة وافرة، وصار معدودا من أعيان الدولة، وقصدته الناس لقضاء حوائجهم، ثم أخذ أمره في انتقاص لسوء تدبيره، وصار يتكلّم في كل وظيفة، ويداخل السلطان فيما لا يعنيه، فتكلّم فيه من له رأس عند السلطان وهو لا يعلم، إلى أن أمر بنفيه إلى القدس في السنة التي قبل هذه، فذهب إلى القدس، وأقام به إلى أن توفي به.
وكان له فضل ومعرفة بالحديث، لا سيما أسماء الرجال، فإنه كان بارعا في ذلك، وكانت له مشاركة جيدة في الفقه، والتاريخ، والأدب، محسنا لفنون الفروسية، فصيحا باللغة العربية والتركية، ومقداما، محبا لطلبة العلم وأهل الخير، متواضعا، كثير الأدب، جهوري الصّوت، أشقر، ضخما، للقصر أقرب. كثّ اللّحية، بادره الشيب. قرأ «صحيح البخاري» على القاضي محب الدّين بن نصر الله الحنبلي، و «صحيح مسلم» على الزّين الزركشي، و «السنن الصّغرى» للنسائي على الشّهاب الكلوتاتي، و «سنن ابن ماجة» على شمس الدّين محمد
стр. 4623
المصري، و «سنن أبي داود» على الحافظ ابن حجر. وقرأ ما لا يحصى على من لا يحصى. وتفقه بسراج الدّين قارئ الهداية، وبسعد الدّين الديري.
وتوفي في ثالث شهر رمضان عن نيف وخمسين سنة.
وفيها زين الدّين أبو النّعيم- بفتح النون المشددة- رضوان بن محمد بن يوسف بن سلامة بن البهاء بن سعيد العتبي [١] الشافعي المستملي المصري [٢] البارع، مفيد القاهرة.
ولد في رجب سنة تسع وستين وسبعمائة بمينة عقبة الجيزة، ونشأ بها، ثم دخل القاهرة، واشتغل بها في عدة علوم، وتلا بالسبع على الإمام نور الدّين الدّميري المالكي سبع ختمات، ثم بالسبع، وقراءة يعقوب على الشمس الغماري، وأجاز له ثم بالثمان المذكورة على ركن الدّين الأشعري المالكي. وتفقه بالشّمس العراقي، والشمس الشّطنوفي، والشمس القليوبي، والصّدر الأمشيطي، والعزّ بن جماعة، وغيرهم. وأخذ النحو عن شمس الدّين الشّطّنوفي، والغماري، والشمس البساطي. وكتب عن الزّين العراقي مجالس كثيرة من أماليه، وسمع الحديث من التّقي بن حاتم، والبرهان الشامي، وابن الشّحنة، وخلائق. ثم حبّب إليه الحديث، فلازم السماع من أبي الطّاهر بن الكويك. فأكثر عنه، ولازم الحافظ ابن حجر، وكتب عنه الكثير، وتفقه به أيضا، وحجّ ثلاث حجّات، وجاور مرتين.
وسمع بمكّة من الزّين المراغي وغيره، وخرّج لبعض الشيوخ ولنفسه «الأربعين المتباينات» وغير ذلك. وكان ديّنا، خيّرا، متواضعا، غزير المروءة، رضي الخلق، ساكنا، بشوشا، طارحا للتكلّف، سليم الباطن.
توفي عصر يوم الاثنين ثالث رجب بالقاهرة.
стр. 4624
وفيها قطب الدّين محمد بن عبد القوي [١] بن محمد بن عبد القوي [١] البجائي، ثم المكّي المالكي [٢] شاعر مكة.
كان إماما أديبا ماهرا.
توفي في ذي الحجّة، وقد جاوز التسعين، والله أعلم.
стр. 4625
سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة
فيها توفي ألوغ بك بن القآن معين الدّين شاه رخّ [١] ، صاحب هراة، ابن الطّاغية تيمور لنك، وقيل: اسمه تيمور على اسم جدّه، وقيل: محمد، صاحب سمرقند، فريد دهره ووحيد عصره في العلوم العقلية، والهيئة، والهندسة، طوسي زمانه، الحنفي المذهب.
ولد في حدود تسعين وسبعمائة، ونشأ في أيام جدّه، وتزوج في أيامه أيضا.
وعمل له جدّه العرس المشهور. ولما مات جدّه تيمور وآل الأمر إلى أبيه شاه رخ ولّاه سمرقند وأعمالها فحكمها نيّفا وثلاثين سنة، وعمل بها رصدا عظيما انتهى به إلى سنة وفاته، وقد جمع لهذا الرّصد علماء هذا الفنّ من سائر الأقطار، وأغدق عليهم الأموال، وأجرى [٢] لهم الرواتب الكثيرة، حتى رحل إليه علماء الهيئة والهندسة من البلاد البعيدة، وهرع إليه كل صاحب فضيلة، وهو مع هذا يتلفت إلى من يسمع به من العلماء في الأقطار ويرسل يطلب من سمع به هذا، مع علمه الغزير وفضله الجمّ واطلاعه الكبير وباعه الواسع في هذه العلوم، مع مشاركة جيدة إلى الغاية في فقه الحنفية، والأصلين، والمعاني، والبيان، والعربية، والتاريخ، وأيام الناس. قيل: إنه سأل بعض حواشيه ما تقول الناس عنّي وألحّ عليه، فقال:
يقولون: إنك ما تحفظ القرآن الكريم، فدخل من وقته وحفظه في أقل من ستة أشهر حفظا متقنا. وكان أسنّ أولاد أبيه، واستمر بسمرقند إلى أن خرج عن طاعته ولده
стр. 4626
عبد اللطيف، وسببه أنه لما ملك المترجم هراة طمع عبد اللطيف أن يوليه هراة فلم يفعل، وولاه بلخ، ولم يعطه من مال جدّه شاه رخ شيئا. وكان ألوغ بك هذا مع فضله وغزير علمه مسيكا، فسأمته أمراؤه لذلك، وكاتبوا ولده عبد اللطيف في الخروج عن طاعته، وكان في نفسه ذلك، فانتهز الفرصة وخرج عن الطّاعة، وبلغ أباه الخبر فتجرّد لقتاله، والتقى معه، وفي ظنّه أن ولده لا يثبت لقتاله، فلما التقى الفريقان وتقابلا هرب جماعة من أمراء ألوغ بك إلى ابنه، فانكسر ألوغ بك وهرب على وجهه، وملك ولده سمرقند، وجلس على كرسي والده أشهرا ثم بدا لألوغ بك العود إلى سمرقند، ويكون الملك لولده، ويكون هو كآحاد الناس، واستأذن ولده في ذلك فأذن له، ودخل سمرقند وأقام بها، إلى أن قبض عبد اللطيف على أخيه عبد العزيز وقتله صبرا في حضرة والده ألوغ بك فعظم ذلك عليه، فإنه كان في طاعته وخدمته حيث سار، ولم يمكنه الكلام فاستأذن [١] ولده عبد اللطيف في الحجّ فأذن له، فخرج قاصدا للحجّ إلى أن كان عن سمرقند مسافة يوم أو يومين، وقد حذّر بعض الأمراء ابنه منه، وحسّن له قتله، فأرسل إليه بعض أمرائه ليقتله، فدخل عليه مخيّمه واستحيا أن يقول: جئت لقتلك، فسلّم عليه ثم خرج، ثم دخل ثانيا وخرج، ثم دخل ففطن ألوغ بك، وقال له: لقد علمت بما جئت به فافعل ما أمرك به، ثم طلب الوضوء وصلّى، ثم قال: والله لقد علمت أن هلاكي على يد ولدي عبد اللطيف هذا من يوم ولد، ولكن أنساني القدر ذلك، والله لا يعيش بعدي إلّا خمسة أشهر ثم يقتل أشرّ قتلة، ثم سلّم نفسه فقتله المذكور، وعاد إلى ولده.
وقتل ولده عبد اللطيف بعد خمسة أشهر.
وفيها زين الدّين أبو محمد بن عبد الرحمن بن الشيخ شهاب الدّين أحمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن علي بن عيّاش المقرئ المسند الزّاهد المعمّر، الشهير بابن عيّاش [٢] .
стр. 4627
ولد بدمشق في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، وأخذ القراءات عن أبيه إفرادا وجمعا، وقرأ عليه ختمة جامعة للقراءات العشرة بما تضمنه كتاب «ورقات» المهرة في تتمة قراءات الأئمة العشرة» تأليف والده، وقرأ على الشيخ شمس الدّين محمد بن أحمد العسقلاني «القراءات العشرة» فساوى والده في علو السّند، وذلك لما رحل إلى القاهرة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، ثم رحل إلى مكة المشرّفة واستوطنها وانتصب بها لإقراء القراءات بالمسجد الحرام كلّ يوم، وانتفع به عامة الناس، وصار رحلة زمانه، وتردّد إلى المدينة المنوّرة، وجاور بها غير مرّة، وتصدى بها أيضا للإقراء، وأقام بها سنين، ثم عاد إلى مكة واستمر إلى أن مات بها في هذه السنة.
وفيها قاضي قضاة الحرمين، الشريف الحسيب سراج الدّين أبو المكارم عبد اللطيف بن أبي الفتح محمد بن أحمد بن أبي عبد الله محمد الحسني الفاسي الأصل المكّي الحنبلي [١] .
ولد في شعبان سنة تسع وثمانين وسبعمائة بمكّة المشرّفة، ونشأ بها، وسمع الحديث على العفيف النّشاوري، والجمال الأميوطي، وإبراهيم بن صديق، وغيرهم. وأجاز له السّراج البلقيني، والحافظان الزّين العراقي، والنّور الهيثمي، والسّراج ابن الملقّن، والبرهان الشامي، وأبو هريرة ابن الذّهبي، وأبو الخير ابن العلائي، وجماعة، وخرّج له التّقي ابن فهد «مشيخة» وولي إمامة الحنابلة بالمسجد الحرام، وقضاء مكة المشرّفة، ثم جمع له بين قضاء الحرمين الشريفين مكة والمدينة سنة سبع وأربعين وثمانمائة، واستمرّ إلى أن مات. وهو أول من ولي قضاء الحنابلة بالحرمين، ودخل بلاد العجم غير مرّة. وكان له حظّ وافر عند الملوك والأعيان.
وتوفي بعلة الإسهال، ورمي الدّم في ضحى يوم الاثنين سابع شوال بمكة المشرّفة، ودفن بالمعلاة.
стр. 4628
وفيها قاضي القضاة أمين الدّين أبو اليمن محمد بن محمد بن علي النّويري المكّي الشافعي [١] قاضي مكّة وخطيبها.
باشر خطابة مكّة عدة سنين، ثم ولّي قضاءها في سنة اثنتين وأربعين، ثم عزل، ثم ولّي. ومات قاضيا وخطيبا بمكة في هذه السنة.
وفيها شرف الدّين يحيى بن أحمد بن عمر الحموي الأصل الكركي القاهري، ويعرف بابن العطّار [٢] الشافعي المفنّن.
توفي في ذي الحجّة عن أزيد من أربع وستين سنة.
وفيها شرف الدين يحيى بن سعد الدّين محمد بن محمد المناوي المصري الشافعي [٣] قاضي القضاة.
ولد بالقاهرة، وبها نشأ تحت كنف والده، وكان والده يتعانى الخدم الديوانية، وتزوّج وليّ الدّين العراقي بابنته أخت المترجم، فحبّب لصاحب الترجمة طلب العلم لصهارته بالولي العراقي، فاشتغل وتفقّه بجماعة من علماء عصره، وأخذ المعقول عن الكمال بن الهمام وغيره، وبرع في الفقه، وشارك في غيره، وأفتى ودرّس، وعرف بالفضيلة والدّيانة، واشتهر ذكره. وولي تدريس الصّلاحية. ثم ولي قضاء قضاة الشافعية بعد علم الدّين البلقيني فلم يمتنع بل ابتهج بذلك، وأظهر السّرور، ثم غيّر ملبسه ومركبه، وترك ما كان عليه أولا من التقشف والتواضع، وسلك طريق من تقدمه من القضاة من مراعاة الدولة وامتثال ما يأمرونه به، ومال إلى المنصب ميلا كلّيا بخلاف ما كان يظنّ به، واستكثر من
стр. 4629
النّواب. وولي جماعة كثيرة، وانقسم الناس في أمره إلى قادح ومادح، وكانت ولايته القضاء قبيل موته بيسير.
وتوفي بالقاهرة في ثاني رجب.
وفيها أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل المغربي الأندلسي ثم القاهري، ويعرف بالرّاعي المالكي [١] .
كان إماما عالما، ولد بغرناطة سنة نيّف وثمانين وسبعمائة، واشتغل بالفقه، والأصول، والعربية، ومهر فيها، واشتهر اسمه بها، وسمع من أبي بكر بن عبد الله بن أبي عامر، وأجاز له جماعة، ودخل القاهرة سنة خمس وعشرين وثمانمائة، واستوطنها، وحجّ، ثم رجع إلى القاهرة، وأقرأ بها، وانتفع به جماعة، وأمّ بالمؤيدية، وله نظم حسن، وشرح «الألفية» و «الجرومية» وحدّث عنه ابن فهد وغيره، وأضرّ بأخرة.
وتوفي في سابع عشري ذي الحجّة.
وفيها- بل في التي قبلها كما جزم به السّيوطي- زين الدّين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن يحيى السّندبيسيّ [٢]- بفتح السين المهملة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وكسر الموحدة، وسكون التحتية، آخره سين مهملة- النّحوي ابن النّحوي.
ولد سنة ثمان وثمانين وسبعمائة تقريبا، وبرع في الفنون، لا سيما في العربية. وكان أخذها عن الزّين الفارسكوري، وأخذ الحديث عن الولي العراقي، وسمع من الحلاوي، وابن الشّحنة، والسّويداوي، وجماعة. وأجاز له ابن العلاء، وابن الذّهبي، وخلق.
стр. 4630
وكان عالما، فاضلا، بارعا، مواظبا على الاشتغال، حسن الدّيانة، كثير التواضع، أقرأ الناس، وحدّث ب «جامع الحاكم» [١] . وسمع منه النّجم بن فهد وغيره.
وتوفي ليلة الأحد سابع عشر صفر.
стр. 4631
سنة أربع وخمسين وثمانمائة
فيها توفي شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم [١] .
قال ابن تغري بردي: الإمام، العالم، العلّامة، [البارع] ، المفنّن، الأديب، الفقيه، اللّغوي، النحوي، المؤرخ، الدمشقي، الحنفي، المعروف بابن عربشاه.
كان إمام عصره في المنظوم والمنثور، تردّد إلى القاهرة غير مرة، وصحبني في بعض قدومه إلى القاهرة، وانتسج بيننا صحبة أكيدة ومودة، وأسمعني كثيرا من مصنّفاته نظما ونثرا، بل غالب ما نظمه ونثره [٢] وألّفه، وكان له قدرة على نظم العلوم، وسبكها في قالب المديح والغزل، وسيظهر لك فيما كتبه لي لمّا استجزته، كتبه بخطّه، وأسمعنيه من لفظه غير مرة، وهو هذا:
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١: ١ الحمد الله الذي زيّن مصر الفضائل بجمال يوسفها العزيز، وجعل حقيقة ذراه مجاز أهل الفضل فحلّ به كل مجاز ومجيز، أحمده حمد من طلب إجازة كرمه فأجاز، وأشكره شكرا أوضح لمزيد نعمه علينا سبيل المجاز، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله يجيب سائله، ويثيب آمله، ويطيب لراجيه نائله، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، سيّد من روى عن ربّه وروي عنه، والمقتدى لكل من أخذ عن العلماء وأخذ منه صلى الله عليه ما رويت الأخبار، ورؤيت الآثار، وخلّدت أذكار الأبرار في صحائف الليل والنهار، وعلى آله وأصحابه وتابعيه وأحزابه، وسلّم، وكرّم، وشرّف، وعظم.
стр. 4632
وبعد: فقد أجزت الجناب الكريم العالي [١] ، ذا القدر المنيف الغالي، والصدر الذي هو بالفضائل حالي، وعن الرذائل خالي، المولوي الأميري الكبيري الأصيلي العريقيّ الكاملي الفاضلي المخدومي [الجماليّ] أبا المحاسن، الذي ورد فضائله وفواضله غير آسن، يوسف بن المرحوم المقرّ الأشرف الكريم العالي المولوي الأميري الكبيري المالكي المخدومي السّيفي تغري بردي الملكي الظاهري، أدام الله جماله وبلّغه [٢] من المرام كماله، وهو ممن تغذّى بلبان الفضائل، وتربى في حجر قوابل الفواضل، وجعل اقتناء العلوم دأبه، ووجه إلى مدين الآداب ركابه، وفتح إلى دار الكمالات بابه، وصيّر أحرازها في خزائن صدره اكتسابه، فحاز بحمد الله تعالى حسن الصّورة والسيرة، وقرن بضياء الأسرّة صفاء السّريرة، وحوى السّماحة، والحماسة، والفروسية، والفراسة، ولطف العبارة والبراعة، والعرابة واليراعة، والشهامة والشجاعة، فهو أمير الفقهاء، وفقيه الأمراء، وظريف الأدباء، وأديب الظّرفاء:
فمهما تصفه صف وأكثر فإنّه ... لأعظم ممّا قلت فيه وأكبر [٣]
فأجزت له معولا عليه- أحسن الله إليه- أن يروي عني هذه المنظومة المزبورة المرقومة، التي سمّيتها «جلوة الأمداح الجمالية في حلّتي العروض والعربية» عظّم الله تعالى شأن من أنشئت فيه، وحرسه بعين عنايته وذويه، وسائر ما تجوز لي وعني روايته، وينسب إلى علمه ودرايته، من منظوم ومنثور، ومسموع ومسطور، بشروطه المعتبرة، وقواعده المحرّرة، عموما، وما أذكر لي من مصنّفات خصوصا، فمن ذلك «مرآة الأدب في علمي المعاني والبيان» منها بعد ذكر الخطبة في تقسيم العربية وذكر فائدته وأقسامه:
بدر تأدّب حتّى كلّه أدب ... يقول من يهو وصلي يكتسب أدبي
стр. 4633
بدا بتاج جمال في حلى أدب ... تسربل الفضل بين العجب والعجب
يصن كلامي وخطّي في معاهدتي ... عن الخطا إنّني بدر من العرب
هذا وقدر علومي كالبروج [١] علا ... فمن ينلها يصر في الفضل كالشّهب
أصولها مثل أبواب الجنان زهت ... ينال من نالها ما رام من رتب
خذ بكر نظم تجلّت وجهها غزل ... وروحها العلم والجثمان من أدب
فريد لفظي إذا ما رمت جوهره ... ترى الصّحاح كثغر زين بالشّنب
وإن تصرّف من عقد ومن عقد ... إلى عقود فهذا الصّرف كالذّهب
لفظي من الشّهد مشتقّ بخطّي ذا ... سيف فدونك علم الضّرب والضّرب
أصل المعاني إذا ما رمت من كلمي ... فقل هي الدّرّ واقصد نحونا تصب
معناي زاد على حسني فصنّف في ... علم المعاني وفي حسني وفي حسبي
طورا أبين كما طورا أبين لذا ... فنّ البيان غدا مرآة مطّلبي
طبعي وشعري وأوزاني يناط بها ... علم العروض مناط الودّ بالسّبب
حسني وظرفي وآدابي قد انتظمت ... نظم القوافي فخذ علمي وسل نسبي
قد أخلف [٢] البان قدّي حين خطّ على ... خدّي لريحان خطّ ليس في الكتب
هذا على أصل حسني يستزاد فلا ... تعب ودونك علم الخطّ لا تخب
في وصفي النّظم والنّثر البديع فخذ ... علم القريض مع الإنشاء والخطب
وإن تحاضر فحاضر في مغازلتي ... واحفظ تواريخ ما أمليه من نخب
واقصد بديع معانيّ الّتي بهرت ... عند البيان عقول العجم والعرب
إنّي أنا البدر سار في منازله ... مكمّل الحسن بين الرّأس والذّنب
ومن ذلك «العقد الفريد في علم التوحيد» وأوله بعد الخطبة:
سبى القلب ظبيّ من بني العلم أغيد ... له مقلة كحلى وخدّ مورّد
стр. 4634
أوحّد من أنشاه للخلق فتنة ... فيسأل ما التّوحيد وهو يعربد
فقلت له: الإيمان بالله من يرى ... لحاظك باري الخلق والكون يشهد
فبالكتب والأملاك والرّسل صل فتى ... براه هواك القاتل المتعمّد
وإن تفنني هجرا أقم يوم بعثتي ... وقد نشر الأموات والحوض يورد
وقد كوّرت شمس وشقّقت السّما ... وكلّ الورى نحو القصاص تحشّدوا
وقد نصب الميزان وامتدّ جسرهم ... وأقبلت في ثوب الجمال تردّد
أنادي وقد شبّثت كفّي بذيله ... وتضريج أكفاني ولحظك يشهد
حبيبي بم استحللت قتل مبرّأ ... وما ذنبه إلّا ضنّي فيك مكمل.
فقال: أما هذا بتقدير من قضى ... وحكم مضى ما فيه قطّ تردّد
فقلت: بلى والخير والشّر قدّرا ... وكلّ بتقدير المهيمن مرصد
فقال: فمن هذا الّذي ذاك حكمه ... وتقديره صفه لكميا أوحّد
فقلت: إله واحد لا مشارك ... له، لم يلد، كلّا، ولا هو والد
واستطردت من ذلك إلى ذكر الصّفات وتنزيه الذات إلى أن قلت:
هو الله من أنشاك للخلق فتنة ... ليسفك من جفنيه سيف مهنّد
ومن: مصنّفاتي المنثورة تاريخ تمرلنك «عجائب المقدور في نوائب تيمور» [١] .
ومنها: «فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظّرفاء» . ومنها «خطاب الإهاب [٢] الناقب وجواب الشّهاب الثاقب» . ومنها: «الترجمان المترجم بمنتهى الأرب في لغة الترك والعجم والعرب» .
ومن النظم القصيدة المسماة «العقود النصيحة» أولها:
لك الله هل ذنب فيعتذر الجاني ... بلى صدق ما أنهاه إنّي بكم فاني
стр. 4635
ومن سوء حظّ الصّبّ أن يلعب الهوى ... بأحشائه، والحبّ يومي بولعان
ومن شيم الأحباب قتل محبّهم ... إذا علموه فيهم صادقا عاني
ومن ذلك: «غرة السّير في دول الترك والتتر» .
وكان عند كتابة هذه الإجازة لم يتم. واقتصر في «التذكرة» على هذه المصنّفات العشرة للوجازة لا للإجازة.
هذا، وأما مولدي فداخل دمشق ليلة الجمعة الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة تسعين وسبعمائة، ثم ذكر ترجمة طويلة لنفسه.
قال صاحب «المنهل» : ومن نظمه معمّى [١] :
وجهك الزّاهي كبدر ... فوق غصن طلعا
واسمك الزّاكي كمشكا ... ة سناها لمعا
في بيوت أذن اللّ- ... هـ لها أن ترفعا
عكسها [٢] صحّفه تلقى ... الحسن فيها أجمعا
وتوفي يوم الاثنين [٣] خامس رجب بالقاهرة عن اثنتين وستين سنة وستة أشهر وعشرين يوما. انتهى.
وفيها كمال الدّين محمد بن صدقة المجذوب الصّاحي [٤] ، الولي المكاشف الدمياطي الأصل ثم المصري الشافعي.
اشتغل، وحفظ «التنبيه» و «الألفية» وتكسّب بالشهادة بمصر، ثم حصل له جذب، وظهرت عليه الأحوال الباهرة والخوارق الظاهرة، وتوالت كراماته، وتتابعت آياته، واشتهر صيته، وعظم أمره، وهرع الأكابر لزيارته، وانقاد له الأماثل، حتّى الفقهاء، كالكمال إمام الكاملية وغيره.
стр. 4636
ومن كراماته أن رجلا سأله حاجة فأشار بتوقفها على خمسين دينارا، فأرسلها إليه، فوصل القاصد إليه بها، فوجده قاعدا بباب الكاملية، فبمجرّد وصوله إليه أمره بدفعها لامرأة مارّة بالشارع لا تعرف، فأعطاها إيّاها، فانكشف بعد ذلك أن ولدها كان في الترسيم على ذلك المبلغ بعينه لا يزيد ولا ينقص عند من لا رحمة عنده، بحيث خيف عليه التلف.
توفي بمصر وصلّي عليه في محفل حافل، ودفن بالقرافة بجوار قبر الشيخ أبي العبّاس الخرّاز. قاله المناوي في «طبقات الأولياء»
.
стр. 4637
سنة خمس وخمسين وثمانمائة
في خامسها بويع بالخلافة القائم بأمر الله حمزة بن المتوكل على الله بعد وفاة أخيه المستكفي بالله سليمان بن المتوكل على الله [١] بويع سليمان هذا بالخلافة يوم موت أخيه المعتضد بالله [٢] وذلك في سنة خمس وأربعين وثمانمائة، وأقام في الملك عشر سنين، وبلغ من العزّ فوق أخيه، وحمل السلطان نعشه.
وفيها توفي كمال الدّين أبو المناقب أبو بكر بن ناصر الدّين محمد بن سابق الدّين أبي بكر بن فخر الدّين عثمان بن ناصر الدّين محمد بن سيف الدّين خضر بن نجم الدّين أيوب بن ناصر الدّين محمد بن الشيخ العارف بالله همام الدّين الهمامي الخضيري السّيوطي الشافعي [٣] .
قال ولده في «طبقات النحاة» : ولد في أوائل القرن بسيوط، واشتغل بها، ثم قدم القاهرة بعد عشرين وثمانمائة، فلازم الشيوخ شيوخ العصر، [ودأب] إلى أن برع في الفقه، والأصلين، والقراآت، والحساب، والنحو، والتصريف، والمعاني، والبيان، والمنطق، وغير ذلك، ولازم التدريس والإفتاء. وكان له في الإنشاء اليد الطّولى. وكتب الخطّ المنسوب، وصنّف «حاشية» على «شرح الألفية» لابن
стр. 4638
المصنّف حافلة في مجلدين، وكتابا في القراآت، وحاشية على «العضد» . وتعليقا على «الإرشاد» لابن المقرئ، وكتابا في صناعة التوقيع، وغير ذلك.
أخبرني بعض أصحابه أن الظّاهر جقمق عيّنه مرّة لقضاء القضاة بالديار المصرية، وأرسل يقول للخليفة المستكفي بالله: قل لصاحبك يطلع نوليه. فأرسل الخليفة قاصدا إلى الوالد [١] يخبره بذلك فامتنع.
قال الحاكي: فكلّمته في ذلك، فأنشدني:
وألذّ من نيل الوزارة أن ترى ... يوما يريك مصارع الوزراء
ومن نجباء تلامذته الشيخ فخر الدّين المقدسي، وقاضي مكّة برهان الدّين بن ظهيرة، وقاضيها نور الدّين بن أبي اليمن، وقاضي المالكية محيي الدّين بن تقي الدّين [٢] ، والعلّامة محيي الدّين بن مصيفح في آخرين.
مات ليلة الاثنين وقت أذان العشاء خامس صفر، ودفن بالقرافة قريبا من الشّمس الأصفهاني. انتهى.
وفيها أمير المدينة أميان بن مانع بن علي بن عطية الحسيني [٣] .
توفي في جمادى الآخرة، واستقرّ بعده زبيري [٤] بن قيس.
وفيها جمال الدّين أبو محمد بن عبد الله بن الشيخ الإمام العالم محبّ الدّين أبي عبد الله محمد بن هشام الأنصاري المصري الحنبلي [٥] القاضي.
كان من أهل العلم، ومن أعيان فقهاء الديار المصرية وقضاتها، باشر القضاء
стр. 4639
نيابة عن قاضي القضاة محبّ الدّين بن نصر الله، ثم عن قاضي القضاة بدر الدّين البغدادي، فوقعت حادثة أوجبت تغيّر خاطر بدر الدّين المذكور عليه، فعزله عن القضاء، ثم صار يحسن إليه ويبره إلى أن توفي بمصر في المحرّم الحرام.
وفيها الشيخ عبد الواحد البصير المقرئ الحنبلي الوفائي [١] .
توفي بدرب الحجاز الشريف في عوده من الحجّ بالعلا [٢] .
وفيها قاضي القضاة شمس الدّين محمد بن أحمد بن سعيد المقدسي الحنبلي [٣] قاضي مكّة المشرّفة.
ولد بكفر لبد من أعمال نابلس في سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، وسكن مدينة حلب قديما ودمشق، وسمع على الأعيان، وقرأ على ابن اللحّام، والتّقي ابن مفلح، والحافظ زين الدّين بن رجب، وكان عالما، خيّرا، كتب الشروط، ووقّع على الحكّام دهرا طويلا، وتفرّد بذلك، وصنّف التصانيف الجيدة، منها «سفينة الأبرار الحاملة للآثار والأخبار» ثلاث مجلدات في الوعظ، وكتاب «الآداب» وكتاب «المسائل المهمة فيما يحتاج إليه العاقل في الخطوب المدلهمّة» وكتاب «كشف الغمّة في تيسير الخلع لهذه الأمة» و «المنتخب الشافي من كتاب الوافي» اختصر فيه «الكافي» للموفق. وجاور بمكّة مرارا، وجلس بالحضرة النبوية بالمدينة الشريفة بالرّوضة، واستجازه الأعيان، وآخر مجاوراته سنة ثلاث وخمسين، فمات قاضي مكّة في تلك السنة فجهّز إليه الولاية في أوائل سنة أربع وخمسين، فاستمر بها قاضيا نحو سنة.
وتوفي في أوائل هذه السنة وخلّف دنيا ولا وارث له، رحمه الله تعالى.
стр. 4640
وفيها القاضي شمس الدّين محمد بن محمد بن خالد بن زهر الحمصي الحنبلي [١] .
قرأ «المقنع» وشرحه على والده، وأصول ابن الحاجب، و «ألفية ابن مالك» .
على غيره، وأذن له القاضي علاء الدّين ابن المغلي بالإفتاء، وولي القضاء بحمص بعد وفاة والده، واستمرّ قاضيا إلى أن توفي بها في ذي القعدة ودفن بباب تدمر.
وفيها بدر الدّين أبو الثناء، وأبو محمد، محمود بن القاضي شهاب الدّين أحمد بن القاضي شرف الدّين موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود العينتابي الأصل والمولد والمنشأ المصري الدار والوفاة، الحنفي، المعروف بالعيني [٢] .
قال تلميذه ابن تغري بردي: هو العلّامة، فريد عصره ووحيد دهره، عمدة المؤرّخين، مقصد الطّالبين قاضي القضاة.
ولد سادس عشري شهر رمضان سنة اثنتين وستين وسبعمائة في درب كيكن.
ونشأ بعينتاب، وحفظ القرآن العظيم، وتفقّه على والده وغيره، وكان أبوه قاضي عينتاب.
وتوفي بها في سنة أربع وثمانين وسبعمائة.
ورحل صاحب الترجمة إلى حلب، وتفقه بها أيضا، وأخذ عن العلّامة جمال الدّين يوسف بن موسى الملطي الحنفي وغيره، ثم قدم القدس، فأخذ عن العلاء السّيرامي لأنه صادفه زائرا به، ثم صحبه معه إلى القاهرة في سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وأخذ عنه علوما جمّة، ولازمه إلى وفاته، وأقام بمصر مكبّا على
стр. 4641
الاشتغال والإشغال [١] . وولي حسبة القاهرة بعد محن جرت له من الحسدة، وعزل عنها غير مرة، وأعيد إليها. ثم ولي عدة تداريس ووظائف دينية، واشتهر اسمه، وبعد صيته، وأفتى، ودرّس، وأكب على الأشغال والتصنيف، إلى أن ولي نظر الأحباس، ثم قضاء قضاة الحنفية بالديار المصرية يوم الخميس سابع عشري ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثمانمائة، فباشر ذلك بحرمة وافرة وعظمة زائدة، لقربه من الملك الأشرف برسباي، واستمرّ فيه إلى سنة اثنتين وأربعين، وكان فصيحا باللغتين العربية والتركية. وقرأ وسمع ما لا يحصى من الكتب والتفاسير، وبرع في الفقه، والتفسير، والحديث، واللغة، والنحو، والتصريف، والتاريخ.
ومن مصنّفاته: «شرح البخاري» في أكثر من عشرين مجلدا، و «شرح الهداية» و «شرح الكنز» و «شرح مجمع البحرين» و «شرح تحفة الملوك» في الفقه، و «شرح الكلم الطّيب» لابن تيمية، و «شرح قطعة من سنن أبي داود» و «قطعة كبيرة من سيرة ابن هشام» و «شرح العوامل المائة» و «شرح الجاربردي» وله كتاب في «المواعظ والرقائق» في ثمان مجلدات، و «معجم مشايخه» مجلد.
و «مختصر الفتاوى الظهيرية» و «مختصر المحيط» و «شرح التّسهيل» لابن مالك مطولا ومختصرا، و «شرح شواهد ألفية ابن مالك» شرحا مطولا وآخر مختصرا، وهو كتاب نفيس احتاج إليه صديقه وعدوه، وانتفع به غالب علماء عصره فمن بعدهم، و «شرح معاني الآثار» للطحاوي في اثنتي عشرة مجلدة، وله كتاب «طبقات الشعراء» و «طبقات الحنفية» و «التاريخ الكبير» [٢] على السنين في عشرين مجلدا، واختصره في ثلاث مجلدات، و «التاريخ الصغير» في ثمان مجلدات، وعدة تواريخ أخر. وله «حواش على شرح ألفية بن مالك» و «حواش على شرح السيد عبد الله» و «شرح عروض ابن الحاجب» و «اختصر تاريخ ابن خلكان» . وله غير ذلك. وكان أحد أوعية العلم، وأخذ عنه من لا يحصى. ولما أخرج عنه نظر
стр. 4642
الأحباس في سنة ثلاث وخمسين عظم عليه ذلك لقلّة موجودة، وصار يبيع من أملاكه وكتبه، إلى أن توفي ليلة الثلاثاء رابع ذي الحجّة بالقاهرة، وصلّي عليه بالجامع الأزهر، ودفن بمدرسته التي بقرب داره، وكثر أسف الناس عليه، رحمه الله تعالى
стр. 4643
سنة ست وخمسين وثمانمائة
فيها توفي زين الدّين أبو الفرج عبد الرحمن ابن الشيخ تقي الدّين أبي الصّدق أبي بكر بن الشيخ نجم الدّين أبي سليمان داود بن عيسى الحنبلي الدمشقي الصّالحي الصّوفي القادري البسطامي [١] شيخ الطّريقة، وعلم الحقيقة، العالم الناسك.
ولد سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، وتفقه بجماعة، منهم برهان الدّين، وأكمل الدين ابنا شرف الدّين بن مفلح صاحب «الفروع» وتخرّج بجماعة، منهم والده. ونشأ على طريقة حسنة، ملازما للذكر وقراءة القرآن والأوراد التي رتّبها والده.
كان محبّبا إلى الناس، يتردد إليه النّواب، والقضاة، والفقهاء، من كل مذهب.
اشتغل في فنون كثيرة، وكتب بخطّه الحسن كثيرا، وألّف كتبا عديدة، منها «الكنز الأكبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» وهو أجلّها، وكتاب «نزهة النّفوس والأفكار في خواص النبات والحيوان والأحجار» وكتاب «الدرّ المنتقى المرفوع في أوراد اليوم والليلة والأسبوع» و «المولد الشريف» .
وكان بشوشا يتعبّد بقضاء الحوائج، مسموع الكلمة في الدولة الأشرفية والظّاهرية، وتكلّم على مدرسة الشيخ أبي عمر، والبيمارستان القيمري، فحصل
стр. 4644
له [١] به النّفع من عمارة جهاتهما، وعمل مصالحهما، ورغب الناس في نفع الفقراء بكل ممكن.
وتوفي ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر، ودفن بالتربة التي أنشأها قبلي زاويته المشرفة على الطريق يمين الداخل.
أخبرني أخي في الله الشيخ أحمد بن علي بن أبي سالم أنه سلّم عليه فردّ ﵇ من قبره [٢] ، رحمه الله تعالى.
وفيها القاضي أمين الدّين عبد الرحمن بن قاضي القضاة شمس الدّين محمد، وأخو شيخ الإسلام سعد الدّين بن عبد الله بن الدّيري العبسي المقدسي الحنفي [٣] ، ناظر حرمي القدس والخليل.
ولد بالقدس في شعبان سنة سبع عشرة وثمانمائة، وحفظ القرآن العزيز، وبعض مختصرات في مذهبه، وتفقه بأخيه سعد الدّين، وغلب عليه الأدب، وقال الشعر الجيد، وكان له خفّة وزهو، ويتزيّا بزيّ الأمراء، وله كرم وإفضال على ذويه، وربما يتحمل من الديون جملا بسبب ذلك.
وتوفي على نظر القدس الشريف في أوائل ذي الحجّة.
وفيها علي [٤] الدّين أبو الفتوح علي بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن علي القلقشندي الشافعي القرشي [٥] .
ولد بالقاهرة في ذي الحجّة سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، ونشأ بها، وحفظ
стр. 4645
القرآن العظيم وعدة متون في مذهبه، وتفقّه بعلماء عصره، كالسّراج البلقيني، وولده جلال الدّين، والعز بن جماعة، وسراج الدّين ابن الملقّن، وغيرهم. وأخذ الحديث عن الزّين العراقي، والنّور الهيثمي، وسمع على جماعة منهم البرهان الشامي، والعلاء بن أبي [١] المجد، والجمال الحلاوي، وبرع في الفقه، والأصول، والعربية، والمعاني، والبيان، والقراآت، وشارك في عدة علوم، وتصدى للإفتاء، والتدريس، والأشغال، وانتفع به الطلبة. وتفقّه به جماعة من الأعيان. وولي تدريس الشافعي، وطلب إلى قضاء دمشق فامتنع، ورشح لقضاء القضاة بالديار المصرية غير مرة، وتصدّر للتدريس وسنّة دون العشرين، وولي عدة مدارس.
وتوفي أول يوم من هذه السنة.
وفيها القاضي كمال الدّين محمد بن محمد [٢] بن محمد [٢] بن عثمان بن محمد الجهني الأنصاري الحموي ثم القاهري الشافعي [٣] أوحد الرؤساء، كاتب السرّ، بمصر.
كان إماما، عالما، ناظما، نائرا.
ولد بحماة في ذي الحجّة سنة ست وتسعين وسبعمائة، ونشأ بها تحت كنف والده، وحفظ القرآن العظيم، و «التمييز» في الفقه، وقرأه على الحافظ برهان الدّين الحلبي، المعروف بالقوف. ثم قدم الدّيار المصرية مع والده، فتفقه بالولي العراقي، والعزّ بن جماعة، وأخذ عنهما العقليات، وعن القاضي شمس الدّين البساطي المالكي، وغيرهم. وأخذ النحو عن الشيخ يحيى المغربي العجيسي، واجتهد في التحصيل، وساعده فرط ذكائه واستقامة ذهنه، حتى برع في المنطوق والمفهوم، وصارت له اليد الطولى في المنثور والمنظوم.
стр. 4646
ومن شعره ما كتب [١] به على سيرة ابن ناهض تهكّما بعد كتابة والده:
مرّت على فهمي وحلو لفظها ... مكرّر فما عسى أن أصنعا
ووالدي دام بقا سؤدده ... لم يبق فيها للكمال موضعا
وولي قضاء قضاة دمشق، وحج.
قال في «المنهل» : وكان أعظم من رأينا في هذا العصر.
وتوفي بالقاهرة يوم الأحد سادس عشري صفر.
وفيها يوسف بن الصّفّي الكركيّ ثم القاهري [٢] .
كان فاضلا أديبا.
ومن شعره [٣] :
كلّ يوم إلى ورا ... بدّل البول بالخرا
فزمانا تهوّدا ... وزمانا تنصّرا
وستصبو إلى المجو ... س إن الشّيخ عمّرا
توفي في رجب عن نحو تسعين سنة.
стр. 4647
سنة سبع وخمسين وثمانمائة
فيها توفي شهاب الدّين أحمد بن محمد بن علي بن أبي بكر النّاشري [١] الإمام العالم [٢] .
توفي في حياة أبيه عن بضع وأربعين سنة.
وفيها الملك الظّاهر أبو سعيد جقمق بن عبد الله العلائي الظّاهري [٣] ، سلطان الديار المصرية، والبلاد الشامية، والأقطار الحجازية، الرابع والثلاثون من ملوك التّرك، والعاشر من الجراكسة. جلب من بلاد الجركس إلى الدّيار المصرية.
آل أمره بعد تنقلات وتقلبات إلى أن ولي السلطنة، وتوطدت له الدولة خصوصا بعد أن قتل نائب حلب ونائب الشام [٤] لما خرجا عن طاعته، وصفا له الوقت، وغزا في أيامه رودس ولم يفتحها، وعمّر في أيامه أشياء كثيرة من مساجد، وجوامع، وقناطر، وجسور، وغير ذلك مما فعله هو وأرباب دولته، وعمّر عين حنين، وأصلح مجاريها، وعمّر مسجد الخيف بمنى، وجدّد في الحرم الشريف مواضع، ورمّم [٥] الكعبة، وصرف مالا عظيما في جهات الخير، وله مآثر حميدة.
وكان مغرما بحب الأيتام والإحسان إليهم وإلى غيرهم، متواضعا، محبّا للعلماء،
стр. 4648
والفقهاء، والأشراف، والصالحين، يقوم لمن يدخل عليه منهم، جوادا، برّا، طاهر الفم والذيل، فقيها، فاضلا، شجاعا، عارفا بأنواع الفروسية، لم يزن، ولم يلط، ولم يسكر، عفيفا عن المنكرات والفروج، لا نعلم أحدا من ملوك مصر في الدولة الأيوبية والتّركية على طريقته من العفّة والعبادة، مرض في أواخر ذي الحجة سنة ست وخمسين، وطال به المرض إلى أن خلع نفسه من السلطنة في يوم الخميس الحادي والعشرين من محرّم هذه السنة، وسلطن ولده الملك المنصور عثمان.
ثم توفي ليلة الثلاثاء ثالث صفر بعد خلعه باثني عشر يوما عن نيف وثمانين سنة، وكانت مدة سلطنته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر، ثم خلع ولده المنصور بعد أربعين يوما من ولايته وحبس بالإسكندرية.
وتولى السلطنة الملك الأشرف إينال.
قلت: وجقمق هذا غير جقمق [١] باني الجقمقية بقرب دمشق، فإن ذاك كان أمير دوادارا ثم ناب في دمشق، وتقدم ذكره في سنة أربع وعشرين وثمانمائة.
وفيها أبو القاسم محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن جعمان الصّوفي [٢] ، وبنو جعمان [٣] بيت علم وصلاح قل أن يوجد لهم نظير في اليمن.
قال المناوي في «طبقات الأولياء» في حقّ صاحب الترجمة: كان إماما، عالما، عارفا، محقّقا، عابدا، زاهدا، مجتهدا. أخذ عن النّاشري وغيره، وانتهت إليه الرئاسة في العلم والصّلاح في اليمن، وله كرامات، منها أنه كان يخاطبه الفقيه أحمد بن موسى عجيل من قبره، وإذا قصده أحد في حاجة توجه إلى قبره فيقرأ عنده ما تيسر من القرآن ثم يعلمه فيجيبه [٤] . انتهى.
стр. 4649
وفيها أبو القاسم محمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد النّويري القاهري المالكي [١] .
اشتغل على علماء عصره، ومهر، وبرع، ونظم ونثر، وكان علّامة.
وتوفي بمكة في جمادى الأولى.
وفيها أكمل الدّين أبو عبد الله محمد بن الشيخ شرف الدّين عبد الله [٢] بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرّج [٣] الشيخ الإمام العلّامة المفتي الحنبلي.
اشتغل بعد فتنة تمرلنك، ولازم والده، ومهر على يديه، وكان له فهم صحيح، وذهن مستقيم، وسمع من والده، والشيخ تاج الدّين بن بردس، وأفتى في حياة والده وبعد وفاته، وناب في الحكم عن القاضي محب الدّين بن نصر الله بالقاهرة، وعيّن لقضاء دمشق فلم ينبرم ذلك، وكان له سلطنة على الأتراك، ووعظ، ووقع له مناظرات مع جماعة من العلماء والأكابر، وحصل له في سنة ثلاث وأربعين داء الفالج، وقاسى منه أهوالا، ثم عوفي منه، ولكن لم يتخلص منه [٤] بالكلية.
وتوفي بدمشق ليلة السبت سادس عشر شوال، ودفن بالروضة على والده إلى جانب جدّه صاحب «الفروع» رحمهم الله تعالى.
وفيها قاضي القضاة بدر الدّين أبو المحاسن محمد بن ناصر الدّين للصحابة الكرام وللتابعين وأتباعهم وهم خير خلق الله من أمة محمد ﷺ حتى يحصل لمتأخر عنهم بستة قرون، نسأل الله تعالى أن يلهمنا الصواب في القول والعمل والاعتقاد، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه إنه خير مسؤول. وانظر التعليق الذي كتبه والدي حفظه على الصفحة (٤٢٢) .
стр. 4650
محمد بن شرف الدّين عبد المنعم بن سليمان بن داود [١] البغدادي الأصل ثم المصري [٢] الحنبلي الإمام العالم.
ولد بالقاهرة سنة إحدى وثمانمائة، ونشأ بها، واشتغل بالعلم، وناب في القضاء بالديار المصرية، واشتغل، ودرّس، وناظر وأفتى، ثم استقلّ بقضاء القضاة يوم الاثنين عشري جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وثمانمائة، فباشر على أحسن وجه، وكان عفيفا في ولايته، لا يقبل رشوى ولا هدية، وبهذا ظهر أمره واشتهر اسمه في الآفاق. وكان مقصدا، وانتهت إليه في آخر عمره رئاسة المذهب، بل رئاسة عصره. وكان معظّما عند الملك الظّاهر جقمق، مسموع الكلمة عند أركان الدولة، وكانت له معرفة تامة بأمور الدنيا، ويقوم مع غير أهل مذهبه، ويحسن إليهم، ويرتّب لهم الأموال، ويأخذ لهم الجوائز، ويعتني بشأنهم، خصوصا أهل الحرمين الشريفين. وكان عنده كرم ويميل إلى محبّة الفقراء، وفتح عليه بسبب ذلك.
قال البرهان بن مفلح: ولقد شاهدته- وهو في أبهته وناموسه- بمسجد الخيف يقبّل يد شخص من الفقراء ويمرها على وجهه.
توفي يوم الخميس ثامن شهر جمادى الأولى.
وكان ولده شرف الدّين محمد [٣] توفي قبله. وكان ديّنا، عفيفا، فاضلا، له معرفة بالأمور كأبيه، وباشر نيابة الحكم عن والده، وانقطع نسله، ودفن خارج باب النصر في تربة جدّ والده الشيخ عبد المنعم، ووجد عليه والده والناس.
стр. 4651
سنة ثمان وخمسين وثمانمائة
فيها تقريبا توفي الشيخ عفيف الدّين أبو المعالي علي بن عبد المحسن بن الدّواليبي البغدادي ثم الشّامي الحنبلي [١] الخطيب شيخ مدرسة أبي عمر.
ولد ببغداد في حادي عشري المحرم سنة تسع وسبعين وسبعمائة، وسمع بها من شمس الدّين الكرماني «صحيح البخاري» في سنة خمس وثمانمائة، وقدم دمشق فاستوطنها، وولي خطابة الجامع المظفّري، ومشيخة مدرسة الشيخ أبي عمر.
وكان إماما عالما، ذا سند عال في الحديث.
وتوفي بصالحية دمشق ودفن بالسّفح.
стр. 4652
سنة تسع وخمسين وثمانمائة
فيها وقع سيل عظيم بمكّة، ودخل الحرم حتّى قارب الحجر الأسود.
وفيها توفي أمير مكة الزّين أبو زهير بركات بن البدر أبي المعالي حسن بن عجلان بن رميثة [١] ولم يكمل ستين سنة.
وفيها صاحب حصن كيفا حسن بن عثمان بن العادل الأيوبي [٢] .
وفيها عزّ الدّين عبد السلام بن أحمد بن عبد المنعم بن محمد بن أحمد القيلوي [٣]- بالقاف، ثم تحتانية ساكنة، ثم لام مفتوحة، وبعد الواو ياء النسب، نسبة إلى قرية بأرض بغداد يقال لها قيلويه مثل نفطويه- نزيل القاهرة الحنفي الإمام العلّامة.
قال البرهان البقاعي في «عنوان الزمان» : ولد سنة ثمانين وسبعمائة تقريبا بالجانب الشرقي من بغداد، وقرأ به القرآن برواية عاصم، وحفظ كتبا في الفقه، والأصول، والنحو، والمعاني، وغير ذلك. فأكثر من المحفوظات جدا، ثم سمع «البخاري» على الشيخ محمد بن الجاردي، وأخذ عنه فقه الحنابلة، وعن الشيخ عبد الله بن عزيز- بالزايين والتثقيل والمصغر- وعن الشيخ محمود المعروف بكريكر- بالتصغير-، وغيرهم. وبحث في فقه الشافعية أيضا. ثم تحنّف، وأخذ الأصول عن الشيخ أحمد الدواليبي، والنحو عن الشيخ أحمد بن المقداد وغيره، والطب
стр. 4653
عن الموفق الهمذاني، والفرائض عن الشيخ عبد القادر الواسطي، وانتفع به في غير ذلك، ثم ارتحل إلى العجم لما نجّاه [١] الله تعالى من فتنة تمرلنك العظمى، فلازم ضياء الدّين الهروي الحنفي، وأخذ عنه فقه الحنفية بعد أن حفظ «مجمع البحرين» [٢] وقرأ على غيره، وقرأ في عدة علوم على من لا يحصى، ثم ارتحل إلى أرزنجان [٣] من بلاد الرّوم، فأخذ التصوف عن الشيخ يار علي السيواسي، ثم دخل بلاد الشام، وحلب، وبيت المقدس، فاجتمع بالقدوة العلّامة شهاب الدّين بن الهايم، ثم رحل إلى القاهرة، فأخذ الحديث عن الولي العراقي، والجمال الحنبلي الجندي، والشّمس الشّامي، وهذه الطبقة فأكثر جدا، ودرّس في القاهرة بعدة أماكن، ولازمه الناس، وانتفعوا به جدا، وهو رجل خيّر، زاهد مؤثر للانقطاع عن الناس والعفّة والتقنّع بزراعات يزرعها، ولم يحصل له إنصاف من رؤساء الزّمان في أمر الدنيا، وعنده رياضة زائدة، وصبر على إشغال الناس له [٤] واحتمال جفاهم، ولم يعتن بالتصنيف.
ومن شعره:
شرابك المختوم في آنيه ... وخمر أعدائك في آنيه
فليت أيّامك لي آنيه ... قبل انقضاء العمر في آنيه
انتهى ملخصا. أي وتوفي في رمضان بالقاهرة وقد تجاوز الثمانين.
стр. 4654
وفيها معين الدّين عبد اللطيف بن أبي بكر بن سليمان القاضي بن القاضي الحلبي الأصل المصري المولد والمنشأ [١] الشافعي.
قال في «المنهل الصّافي» : ولد بالقاهرة سنة اثنتي عشرة وثمانمائة تخمينا، ونشأ بها تحت كنف والده، وحفظ القرآن العزيز، وصلّى بالناس في سنة أربع وعشرين، وحفظ عدة مختصرات، وتفقه على الشّرف السّبكي. وقرأ المعقول على التّقي الشّمنّي، وعلى الشّمس الرّومي، وكتب الخط المنسوب، وتدرّب بوالده وغيره، وكتب في التوقيع بديوان الإنشاء بالديار المصرية. ثم ولي كتابة سرّ حلب بعد عزل والده في آخر الدولة الأشرفية، فباشرها على أحسن وجه، وحظي عند نائبها ثم عزل، وعاد إلى توقيع دست القاهرة، واستمرّ على ذلك إلى أن توفي والده سنة أربع وأربعين وثمانمائة، فاستقرّ مكانه في كتابة السرّ بمصر.
وفيها شمس الدّين محمد بن حسن بن علي بن عثمان النّواجي [٢] الشافعي المصري [٣] الإمام العلّامة الأديب.
قال في «عنوان الزمان» : ولد بالقاهرة بعد سنة خمس وثمانين وسبعمائة تقريبا، وقرأ بها القرآن، وتلا بعض السبع على الشيخ أمير حاج، والشّمس الزراتيتي [٤] ، وعلى شيخنا الشّمس الجزري، وحفظ «العمدة» و «التنبيه» و «الشاطبية» و «الألفية» وعرض بعضها على الشيخ زين الدّين العراقي، وذكر أنه أجاز له [هو] وغيره، ثم أقبل على التفهم، فأخذ الفقه عن الشمس البرماوي، والبرهان البيجوري، وغيرهما. والنحو وغيره من المعقول عن الشيخ عزّ الدّين بن جماعة، والشّمس البساطي، والشمس بن هشام العجيمي، وحجّ مرتين، ودخل دمياط، وإسكندرية، وتردّد إلى المحلّة، وأمعن النّظر في علوم الأدب، وأنعم حتى
стр. 4655
فاق أهل العصر، فما رام بديع معنى إلّا أطاعه، وأنعم وأطال الاعتناء بالأدب، فحوى فيه قصب السّبق إلى أعلى الرّتب.
ومن مصنّفاته «حاشية على التوضيح» في مجلدة، وبعض حاشية على «الجاربردي» وكتاب «تأهيل الغريب» يشتمل على قصائد مطوّلات كلّها غزل، و «الشّفا في بديع الاكتفاء» و «خلع العذار في وصف العذار» و «صحائف الحسنات» و «روضة المجالسة [١] [٢] في بديع المجانسة [٢] » و «مراتع الغزلان في وصف الحسان من الغلمان» و «حلبة [٣] الكميت في وصف الخمر» . وكان سمّاه أولا «الحبور والسّرور في وصف الخمور» فحصلت له بسببه محنة عظيمة واستفتى عليه فغيّر تسميته.
ومن شعره ما ذكره في «الشّفا» :
بعد صباح الوجه عيشي مضى ... فيا رعى الله زمان الصّباح
وبتّ أرعى النّجم لكنّني ... أهفو إذا هبّ نسيم الصّباح
ومنه:
عسى شربة من ماء ريقك تنطفي [٤] ... بها كبدي الحرّي وتبرى من الظّما
فحتّام لا أحظى بها وإلى متى ... أقضي زماني في عسى ولعلّ ما
ومنه:
لقد تزايد همّي مذ نأى فرج ... عنّي وصدري أضحى ضيّقا حرجا
ورحت أشكو الأسى والحال ينشدني ... يا مشتكي الهمّ دعه وانتظر فرجا
ثم ذكر له أشياء حسنة وأخرى بضدها، وأظهر تحاملا عليه، فلذلك لم أذكر شيئا من ذلك، فرحمهما الله تعالى.
стр. 4656
سنة ستين وثمانمائة
فيها توفي المولى سيد علي العجمي [١] الحنفي.
قال في «الشقائق» : حصّل العلوم في بلاده، ويقال: إنه قرأ على السيد الشريف، ثم أتى بلاد الرّوم، فأتى بلدة قسطموني وواليها إذ ذاك إسماعيل بك، فأكرمه غاية الإكرام، ثم أتى إلى مدينة أدرنة، فأعطاه السلطان مراد خان مدرسة جدّه السلطان بايزيد خان بمدينة بروسا، وعاش إلى زمن السلطان محمد [خان] ، واجتمع عنده مع علماء زمانه، وباحث [٢] معهم، وظهر فضله بينهم، وله من التصانيف «حواش على حاشية شرح الشمسية» للسيد الشريف، و «حواش على حاشية شرح المطالع» للسيد الشريف أيضا و «حواش على شرح المواقف» للسيد الشريف.
وكان له خط حسن [٣] . انتهى.
وفيها شمس الدّين محمد بن علي بن محمد بن نصير الدمشقي ثم القاهري [٤] .
كان ممن تعانى الأدب، ومهر في عمل المواليا وغيره، وصار قيّما.
стр. 4657
وفيها منصور بن الحسين بن علي الكازروني الشّافعي [١] الإمام العلّامة.
كان إماما، عالما، مصنّفا، مفيدا، صحيح العقيدة، صنّف «حجة السّفرة البررة على المبتدعة الفجرة الكفرة» .
وتوفي بمكة المشرّفة.
стр. 4658
سنة إحدى وستين وثمانمائة
فيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن محمد بن محمد بن محمد بن سليمان بن علي البعلي [١] الشافعي، المعروف بابن المراحلي [٢] .
كان إماما فاضلا نبيلا.
توفي في ذي الحجّة عن أربع وثمانين سنة.
وفيها أبو العبّاس أحمد بن محمد بن عبد الغني السوسي [٣] الحنفي العارف بالله تعالى المسلك العالم العامل القطب الغوث.
قال المناوي في «طبقاته» : كان من أفراد الصّلحاء المسلّكين بالقاهرة. عالي الرّتبة جدا، حتى يقال: إن الشيخ محمد الحنفي إنما نال ما وصل إليه بلحظه.
وكان تفقّه على ذوي المذاهب الأربعة. وله كرامات ومكاشفات، منها أن الكمال بن الهمام لما دخل مكّة سأل العارف عبد الكريم الحضرمي أن يريه القطب فوعده لوقت معين، ثم دخل معه فيه إلى المطاف، وقال له: ارفع رأسك، فرفع،
стр. 4659
فوجد شيخا على كرسي بين السماء والأرض، فتأمله فإذا هو صاحب الترجمة، فاندهش [١] ، وصار يقول من دهشته بأعلى صوته: هذا صاحبنا، ولم نعرف مقامه، فاختفى عنه، ولما رجع الكمال إلى مصر بادر للسلام عليه، وقبّل قدميه، فقال:
أكتم ما رأيته [٢] .
وتوفي بالقاهرة عن نحو ثمانين سنة ودفن بالقرافة.
وفيها القاضي قاسم بن القاضي جلال الدّين أبي [الفضل عبد الرحمن بن] عمر البلقيني [٣] الشافعي [٤] الإمام العالم.
توفي في شوال عن خمس وستين سنة. قاله في «ذيل الدول» .
وفيها كمال الدّين محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السيواسي ثم الإسكندري، المعروف بابن الهمام الحنفي [٥] الإمام العلّامة.
قال في «بغية الوعاة» : ولد سنة تسعين وسبعمائة، وتفقه بالسّراج قارئ الهداية، ولازمه في الأصول وغيرها، وانتفع به وبالقاضي محبّ الدّين بن الشّحنة لما دخل القاهرة سنة ثلاث عشرة، ولازمه، ورجع معه إلى حلب، وأقام عنده إلى أن مات، وأخذ العربية عن الجمال الحميديّ والأصول. وغيره عن البساطي [٦] ،
стр. 4660
والحديث عن أبي زرعة ابن العراقي، والتّصوف [١] عن الخوافي [١] ، والقراآت عن الزّراتيتي، وسمع الحديث عن الجمال الحنبلي، والشمس الشامي، وأجاز له المراغي، وابن ظهيرة [١] ورقية المدنية [١] ، وتقدم على أقرانه، وبرع في العلوم، وتصدى لنشر العلم فانتفع به خلق، وكان علّامة في الفقه، والأصول، والنحو، والتصريف، والمعاني، والبيان، والتصوف، والموسيقي وغيرها، ومحقّقا، جدليا، نظّارا.
وكان يقول: [١] أنا [١] لا أقلّد في المعقولات أحدا.
وقال البرهان الأبناسي من أقرانه: طلبت حجج الدّين ما كان في بلدنا من يقوم بها غيره.
وكان للشيخ نصيب وافر ممّا لأرباب الأحوال من الكشف والكرامات، وكان تجرّد أولا بالكلّية، فقال له أهل الطريق: ارجع فإنّ للناس حاجة بعلمك.
وكان يأتيه الوارد كما يأتي الصّوفيّة لكنه [٢] يقلع عنه بسرعة لأجل مخالطته للناس [٣] .
أخبرني بعض الصّوفية من أصحابه أنه كان عنده في بيته الذي بمصر، فأتاه الوارد، فقام مسرعا [٤] .
قال الحاكي: وأخذ بيدي يجرّني، وهو يعدو في مشيه [٥] ، وأنا أجري معه إلى أن وقف عليّ المراكب، فقال: ما لكم واقفين ها هنا؟ فقالوا: أوقفتنا [٦] الرّيح. وما هو باختيارنا، فقال: هو الذي يسيّركم، وهو الذي يوقفكم. قالوا: نعم.
قال الحاكي: وأقلع عنه الوارد، فقال [لي] : لعلي شققت عليك؟ قال: