عليه تصانيفه وغيرها، وأذن له في التدريس وأكثر من السماع هناك على أبي الفرج المراغي، وسمع بمكة من كمالية بنت النّجم المرجاني، وشقيقها الكمال، والنّجم عمر بن فهد في آخرين. وانتفع به جماعة الطلبة في الحرمين.
وألّف عدة تآليف منها «جواهر العقدين في فضل الشرفين» ، و «اقتفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» [١] ، احترق قبل تمامه، و «مختصر الوفا» و «مختصره [٢] خلاصة الوفا لما يجب لحضرة المصطفى» [٣] وحاشية على «الإيضاح في مناسك الحج» للإمام النووي سمّاها «الإفصاح» وكذا على «الروضة» وسمّاها «أمنية المعتنين بروضة الطّالبين» وصل فيها إلى باب الرّبا، وجمع فتاويه في مجلد، وهي مفيدة جدا وحصّل كتبا نفيسة، احترقت كلّها، وهو بمكة في سنة ست وثمانين.
وزار بيت المقدس، وعاد إلى المدينة مستوطنا، وتزوج بها عدة زوجات، ثم اقتصر على السّراري، وملك الدّور وعمرها.
قال السخاوي: قلّ أن يكون أحد من أهلها لم يقرأ عليها.
وبالجملة فهو إمام مفنّن متميز في الأصلين والفقه، مديم العلم والجمع والتأليف، متوجه للعبادة والمباحثة والمناظرة، قوي الجلادة، طلق العبارة، مع قوة يقين، وعلى كل حال فهو فريد في مجموعه. انتهى وتوفي بالمدينة النبوية يوم الخميس ثامن عشر ذي القعدة.
وفيها الحافظ جلال الدّين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق [٤] الدين أبي بكر بن عثمان بن محمد بن خضر بن أيوب بن محمد بن الشيخ همام الدّين الخضيري السّيوطي [٥] الشافعي المسند المحقّق المدقّق، صاحب المؤلفات الفائقة النافعة.
ولد بعد مغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة،
стр. 4867
وعرض محافيظه على العزّ الكناني الحنبلي فقال له: ما كنيتك؟ فقال: لا كنية لي فقال: «أبو الفضل» وكتبه بخطّه.
وتوفي والده وله من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر، وقد وصل في القرآن إذ ذاك إلى سورة التّحريم، وأسند وصايته إلى جماعة، منهم الكمال بن الهمام، فقرّره في وظيفة الشيخونية، ولحظه بنظره، وختم القرآن العظيم، وله من العمر دون ثمان سنين، ثم حفظ «عمدة الأحكام» ، و «منهاج النووي» ، و «ألفية ابن مالك» ، و «منهاج البيضاوي» ، وعرض ذلك على علماء عصره وأجازوه، وأخذ عن الجلال المحليّ، والزّين العقبي، وأحضره والده مجلس الحافظ ابن حجر، وشرع في الاشتغال بالعلم من ابتداء ربيع الأول سنة أربع وستين وثمانمائة، فقرأ على الشمس السّيرامي «صحيح مسلم» إلّا قليلا منه، و «الشفا» و «ألفية ابن مالك» ، فما أتمّها إلّا وقد صنّف. وأجازه بالعربية، وقرأ عليه قطعة من «التسهيل» ، وسمع عليه الكثير من ابن المصنّف، و «التوضيح» و «شرح الشذور» و «المغني في أصول فقه الحنفية» ، و «شرح العقائد» للتفتازاني، وقرأ على الشّمس المرزباني الحنفي «الكافية» وشرحها للمصنّف، و «مقدمة ايساغوجي [١] » وشرحها للكاتي، وسمع عليه من «المتوسط» و «الشافية» وشرحها للجاربردي، ومن «ألفية العراقي» ولزمه حتى مات سنة سبع وستين، وقرأ في الفرائض والحساب على علّامة زمانه الشّهاب الشّارمساحي، ثم دروس العلم البلقيني من شوال سنة خمس وستين، فقرأ عليه ما لا يحصى كثرة، ولزم أيضا الشّرف المناوي إلى أن مات، وقرأ عليه ما لا يحصى، ولزم دروس محقّق الديار المصرية سيف الدّين محمد بن محمد الحنفي، ودروس العلّامة التّقي الشّمنّي، ودروس الكافيجي، وقرأ على العزّ الكناني، وفي الميقات على مجد الدّين ابن السّباع، والعزّ بن محمد الميقاتي،
стр. 4868
وفي الطّب على محمد بن إبراهيم الدواني لما قدم القاهرة من الرّوم، وقرأ على التّقي الحصكفي، والشّمس البابي وغيرهم وأجيز بالإفتاء والتدريس.
وقد ذكر تلميذه الداوودي في ترجمته أسماء شيوخه إجازة وقراءة وسماعا مرتّبين على حروف المعجم، فبلغت عدّتهم أحدا وخمسين نفسا. واستقصى أيضا مؤلفاته الحافلة الكثيرة الكاملة الجامعة النّافعة المتقنة المحرّرة المعتمدة المعتبرة، فنافت عدتها على خمسمائة مؤلّف [١] ، وشهرتها تغني عن ذكرها، وقد اشتهر أكثر مصنفاته في حياته في أقطار الأرض شرقا وغربا وكان آية كبرى في سرعة التأليف حتّى قال تلميذه الداوودي: عاينت الشيخ وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفا وتحريرا، وكان مع ذلك يملي الحديث ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة.
وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه رجالا وغريبا ومتنا وسندا واستنباطا للأحكام منه، وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث. قال: ولو وجدت أكثر لحفظته. قال: ولعله لا يوجد على وجه الأرض الآن أكثر من ذلك.
ولما بلغ أربعين سنة أخذ في التجرد للعبادة والانقطاع إلى الله تعالى والاشتغال به صرفا والإعراض عن الدنيا وأهلها كأنه لم يعرف أحدا منهم، وشرع في تحرير مؤلفاته، وترك الإفتاء والتدريس، واعتذر عن ذلك في مؤلّف سمّاه ب «التنفيس» . وأقام في روضة المقياس فلم يتحوّل منها إلى أن مات، ولم يفتح طاقات بيته التي على النّيل من سكناه. وكان الأمراء والأغنياء يأتون إلى زيارته، ويعرضون عليه الأموال النّفيسة فيردّها، وأهدى إليه الغوري خصيا وألف دينار، فردّ الألف، وأخذ الخصي، فأعتقه وجعله خادما في الحجرة النبوية، وقال لقاصد السلطان: لا تعد تأتينا بهدية قط فإنّ الله تعالى أغنانا عن مثل ذلك، وطلبه السلطان مرارا فلم يحضر إليه.
стр. 4869
ورؤي النبيّ ﷺ في المنام، والشيخ السّيوطي يسأله عن بعض الأحاديث والنبيّ ﷺ يقول له: «هات يا شيخ الحديث» [١] . ورأى هو بنفسه هذه الرؤيا، والنبيّ ﷺ يقول له: «هات يا شيخ الحديث» .
وذكر الشيخ عبد القادر الشّاذلي في كتاب ترجمته أنه كان يقول: رأيت النّبيّ ﷺ يقظة فقال لي: «يا شيخ الحديث» . فقلت له: يا رسول! الله أمن أهل الجنّة أنا؟ قال: «نعم» ، فقلت: من غير عذاب يسبق. فقال: «لك ذلك» .
وقال الشيخ عبد القادر: قلت له كم: رأيت النبيّ ﷺ يقظة؟ فقال: بضعا وسبعين مرة.
وذكر خادم الشيخ السيوطي محمد بن علي الحباك: أن الشيخ قال له يوما، وقت القيلولة وهو عند زاوية الشيخ عبد الله الجيوشي بمصر بالقرافة: أتريد أن تصلي العصر بمكة بشرط أن تكتم ذلك عليّ حتى أموت. قال: فقلت: نعم قال:
فأخذ بيدي وقال غمّض عينيك فغمّضتهما فرمى [٢] بي نحو سبع وعشرين خطوة.
ثم قال لي: افتح عينيك، فإذا نحن بباب المعلاة [٣] فزرنا أمّنا خديجة والفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة، وغيرهم، ودخلت الحرم فطفنا وشربنا من ماء زمزم، وجلسنا خلف المقام، حتى صلينا العصر، وطفنا وشربنا من زمزم، ثم قال لي:
يا فلان ليس العجب من طي الأرض لنا وإنما العجب من كون أحد من أهل مصر المجاورين لم يعرفنا، ثم قال لي: إن شئت تمضي معي وإن شئت تقيم حتى يأتي الحاج قال فقلت: أذهب مع سيدي، فمشينا إلى باب المعلاة [٣] وقال لي: غمّض عينيك، فغمضتهما، فهرول بي سبع خطوات. ثم قال لي: افتح عينيك، فإذا نحن بالقرب من الجيوشي، فنزلنا إلى سيدي عمر بن الفارض.
وذكر الشعراوي عن الشيخ أمين الدّين النجار إمام جامع الغمري، أن الشيخ أخبره بدخول ابن عثمان مصر قبل أن يموت، وأنه يدخلها في افتتاح سنة ثلاث
стр. 4870
وعشرين وتسعمائة، وأخبره أيضا بأمور أخرى، فكان الأمر كما قال.
ومناقبه لا تحصر كثرة، ولو لم يكن له من الكرامات إلّا كثرة المؤلفات مع تحريرها وتدقيقها لكفى ذلك شاهدا لمن يؤمن بالقدرة.
وله شعر كثير، جيده كثير، ومتوسطه أكثر، وغالبه في الفوائد العلمية والأحكام الشرعية، فمنه [١] وأجاد فيه [٢] :
فوّض أحاديث الصّفا ... ت ولا تشبّه أو تعطّل
إن [٣] رمت إلّا الخوض في ... تحقيق معظله فأوّل
إنّ المفوّض سالم ... مما تكلّفه المؤوّل
وقال [٤] :
حدّثنا شيخنا الكناني ... عن أبه صاحب الخطابة
أسرع أخا العلم في ثلاث ... الأكل والمشي والكتابة
وقال [٤] :
أيّها السائل قوما ... ما لهم في الخير مذهب
اترك الناس جميعا ... وإلى ربّك فارغب
وقال [٥] :
عاب الاملاء للحديث رجال ... قد سعوا في الضّلال سعيا حثيثا
إنّما ينكر الأمالي قوم ... لا يكادون يفقهون حديثا
وقال [٥] :
لم لا نرجي العفو من ربّنا ... وكيف لا نطمع في حلمه
وفي الصحيحين أتى إنّه ... بعبده أرحم من أمّه
وتوفي في سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى في منزله بروضة
стр. 4871
المقياس بعد أن تمرّض سبعة أيام بورم شديد في ذراعه الأيسر عن إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وثمانية عشر يوما، ودفن في حوش قوصون خارج باب القرافة.
وفيها علاء الدّين علي بن أحمد الإمام العلّامة الحنفي [١] نقيب أشراف دمشق.
كان عالما مفننا ذكيا بارعا في العلوم العقلية والنقلية.
توفي يوم الاثنين سادس عشري ذي القعدة.
وفيها الشيخ العارف بالله تعالى الصوفي محمد بن سلامة الهمذاني الشافعي [٢] .
قال الحمصي: ضرب بالمقارع إلى أن مات بسبب أنه تزوج بامرأة خنثى واضح، ودخل بها وأزال بكارتها، وكان لها ابن عم مغربي أراد أن يتزوجها فلم تقبل عليه، فذهب إلى رأس نوبة الأمير طرباي واشتكى عليهما فأحضرهما، وضربهما بالمقارع، وجرّسهما على ثورين وأشهرهما في القاهرة، فما وصل إلى باب المقشرة حتى مات ولم يسأل عنه ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: وتأسّف الناس عليه كثيرا، وكان موته في حادي عشر شهر رمضان رحمه الله تعالى.
وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن أبي بكر الشيخ العلّامة الموقت التّيزيني الدّمشقي الحنفي [٣] .
ولد في رجب سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وكان عنده عقل وتؤدة وحسن تصرف، وكان رئيس الموقّتين بالجامع الأموي.
وتوفي يوم السبت ثالث صفر.
وفيها شمس الدّين محمد بن مصطفى بن الحاج حسن [٤] ، المولى الفاضل الرّومي الحنفي.
стр. 4872
قرأ على علماء عصره، واتصل بخدمة المولى يكان، وولي التدريس والولايات، وتنقلت به الأحوال إلى أن ولاه السلطان محمد بن عثمان قضاء العسكر الأناضولية، ولما تولى السلطان أبو يزيد أقرّه في منصبه، ثم جعله قاضيا بالعسكر الرّوميلية، وبقي فيه حتّى توفي.
قال في «الشقائق» : وكان رجلا طويلا عظيم اللّحية طلق الوجه [متواضعا] محبا للمشايخ، بحرا في العلوم، محبا للعلم والعلماء، ألف «حاشية» على سورة الأنعام من «تفسير القاضي البيضاوي» ، و «حاشية» على «المقدمات الأربع في التوضيح» ، وكتابا في الصّرف سمّاه ميزان التصريف، وكتابا في اللغة جمع فيه غرائب اللغات، ولم يتم وبنى مدرسة بالقسطنطينية ومسجدا ودارا للتعليم وبها دفن وقد جاوز التسعين.
وفيها جمال الدين يوسف الحمامي المصري [١] المالكي القاضي الإمام العلّامة.
قال الحمصي: كان صالحا مباركا وباشر نيابة الحكم العزيز بمصر القاهرة، وتوفي بها سابع عشر شعبان.
وفيها يوسف الحميدي الشهير [٢] بشيخ بستان الرّومي [٣] الحنفي العالم الفاضل.
اشتغل بالعلم أشد الاشتغال [٤] ولم يكن ذكيا، لكن كان طبعه خالصا من الأوهام، وصار معيدا عند قاضي زاده، ثم وصل إلى خدمة خواجه زاده، ثم صار مدرّسا ببعض المدارس، وولي مدرسة أحمد باشا ابن ولي الدين ببروسا، وكان ساكنا ببروسا في بعض رباطاتها متجردا عن العلائق، راضيا بالقليل من العيش، ولم يتزوج، وله حواش على «شرح المفتاح» للسيد مقبولة، وتوفي ببروسا.
стр. 4873
سنة اثنتي عشرة وتسعمائة
وفيها توفي شهاب الدّين أحمد بن عبد الرحيم بن حسن التّلّعفري الدمشقي [١] القبيباتي الشافعي العلّامة، الشهير بابن المحوجب.
ولد في ربيع الأول سنة إحدى أو اثنتين وأربعين وثمانمائة، وطلب العلم.
وكان له خطّ حسن كتب به كثيرا، وكان مهابا عند الملوك والأمراء، وله كرم وافر وسماطه من أفخر الأطعمة، يأكل منه الخاص والعام، حتى نائب دمشق وقاضيها، وكانت له كلمة نافذة يأوي إليه كل مظلوم، وكان قد جزّأ الليل ثلاثة أثلاث ثلثا للسمر والكتابة، وثلثا للنوم وثلثا للتهجد والتّلاوة. وكان يتردّد إليه أكابر الناس العلماء والأمراء وغيرهم، خصوصا شيخ الإسلام زين الدّين خطاب.
وبالجملة فقد انتهت إليه الرئاسة والسيادة بالشام، وتردّد إلى مصر كثيرا، ووجه إليه السلطان قايتباي خطابة القدس وهو بمصر، فقبلها ثم نزل عنها لبعض المقادسة لما رأى من شدة عنايتهم بطلبها.
وكان كثّ اللحية والحاجبين، أشعر الأذنين، واسع الصدر.
وتوفي بدمشق يوم السبت ثالث عشري ربيع الأول ودفن قبلي قبر الشيخ تقي الدّين الحصني.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن العسكري الصالحي [٢] الدمشقي الحنبلي
стр. 4874
مفتي الحنابلة بها.
كان صالحا دينا زاهدا مباركا يكتب على الفتاوي كتابة عظيمة، ولم يكن له في زمنه نظير في العلم والتواضع والتقشف على طريقة السّلف، منقطعا عن الناس، قليل المخالطة لهم، ألّف كتابا في الفقه جمع فيه بين «المقنع» و «التنقيح» .
مات قبل تمامه في ذي الحجة ودفن بالصالحية.
وفيها حسين بن أحمد بن حسين الموصلي الأصل العزّازي الحلبي الشافعي المعروف بابن الأطعاني [١] .
قال ابن الحنبلي: كان صالحا، فاضلا، حسن الخط، له اشتغال على البدر السيوفي في العربية والمنطق.
توفي في هذه السنة بمكة.
قال بعض السقائين: طلبوا له مني [٢] ماء من سبيل الجوخي لقلة الماء بمكة إذ ذاك فذكرت أني الآن فارقته خاليا من الماء فصمموا عليّ في الذهاب إليه فذهبت لآتي بالماء من غيره فمررت به فإذا هو ممتلئ فملأت قربتي وعدت، وعدّ ذلك من كراماته رحمه الله تعالى.
وفيها نور الدّين حمزة المولى العالم الرّومي الحنفي، الشهير بليس چلبي [٣] .
قرأ على علماء عصره، وخدم المولى خواجه زاده، ثم صار حافظا لدفتر بيت المال، والديوان في زمن السلطان محمد خان، ثم صار مدرّسا بمدرسة السلطان مراد خان ببروسا، ثم صار حافظا لدفتر بيت المال أيضا، في زمن السلطان أبي يزيد خان، ثم عزل وبقي متوطنا ببروسا وبنى بها زاوية للفقراء.
ومات بها ودفن بزاويته المذكورة.
стр. 4875
وفيها علم الدّين سليمان البحيري المصري [١] المالكي العلّامة، شيخ المالكية ومفتيهم بمصر.
توفي في ثامن شعبان ودفن بالصحراء بالقاهرة.
وفيها الشّرف ابن وهيب [٢] الإمام العالم العلّامة مفتي مدينة تعز باليمن.
توفي عشية الثلاثاء عشري شوال.
وفيها عبد الله بن عمر بن سليمان بن عمر بن نصر الكنّاوي [٣] الصّفدي الشافعي جدّ الشيخ [٤] موسى الكنّاوي لأمه.
كان عالما عاملا مؤثرا للصمت والعزلة عن الناس لا يحضر مجالسهم إلّا لحضور الصّلوات والجنائز والتدريس وقراءة «صحيح البخاري» على كرسي بصوت حسن ونغمة طيبة وترتيل وتأن وحضور قلب وسكون جوارح.
وكان يقرر معاني الأحاديث لمن يحضر مجلسه. وكان إماما بالمسجد الذي يجري إليه الماء خارج كفركنا، وكان يفتي أهل تلك البلاد ويقرئ الطلبة في الحديث والفقه والفرائض والنحو ومكث على ذلك نحو خمسين سنة، وكان صوته في القرآن [٥] لطيفا، ومع ذلك كان يسمعه من يستمع [٦] لقراءته [٧] وهو يتهجد في هدوء الليل من نحو ميل وانتفع كثيرا بابن أرسلان ولازمه بالقدس الشريف مدة.
وتوفي ببلده [٨] كفركنّا [٩] في غرة شوال وهو في عشر التسعين.
стр. 4876
وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن حسن الشّاوي [١] الشافعي [٢] الشيخ الإمام شيخ الإسلام.
توفي يوم الجمعة سابع عشر شعبان.
وفيها محبّ الدّين، أبو الفضل محمد بن عرب [٣] المصري الشافعي الإمام العلّامة، أقضى القضاة خليفة الحكم العزيز بالديار المصرية.
قال الحمصي: كان عالما، فاضلا، مفننا، ذكيا، فقيها، كثير الأدب.
توفي بالقاهرة ثامن عشري المحرم.
وفيها أقضى القضاة شمس الدّين محمد بن عيسى الدمشقي الحنفي [٤] الإمام العلّامة قاضي دمشق ومفتيها.
قال الحمصي: كان عالما فاضلا مفنّنا يعرف صناعة التوريق والشهادة معرفة تامّة ذكيا متضلعا من العلوم محجاجا لا يجاري في بحثه.
توفي بدمشق في رجب ودفن بالصّالحية وتأسّف الناس عليه.
وفيها أقضى القضاة بدر الدّين محمد بن الشيخ العلّامة شمس الدّين محمد القرافي [٥] المالكي خليفة الحكم بالديار المصرية.
كان إماما علّامة.
توفي بالقاهرة يوم الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة، ودفن بالصحراء وكانت جنازته حافلة.
وفيها أمين الدّين محمد بن شيخ الإسلام شمس الدّين محمد
стр. 4877
الجوجري [١] المصري الشافعي- شارح «الإرشاد» - والده [٢] .
كان هو شابا عالما فاضلا بارعا مفننا توفي بالقاهرة مستهلّ صفر.
وفيها شمس الدّين محمد بن أبي عبيد المقرئ الشافعي [٣] الإمام العالم العلّامة خليفة الحكم العزيز بالقاهرة.
قال الحمصي: كان فاضلا ذكيا مفننا.
توفي بالقاهرة يوم الجمعة ثالث عشري شهر [٤] رمضان وكانت جنازته حافلة.
وفيها- تقريبا- بدر الدّين محمود بن محمد الرّومي الحنفي [٥] العالم الفاضل.
كان إماما للسلطان أبي يزيد خان ثم ولاه قضاء العسكر بولاية أناضولي [٦] سنة إحدى عشرة بعد أن ولّاه قضاء بروسا أكثر من عشر سنين، ثم عزل عن قضاء العسكر، وأعطى تقاعدا عنه كل يوم مائة عثماني ومات بعد زمن يسير.
قال في «الشقائق» : كان كريم النّفس حميد الأخلاق محبّا للعلماء والصّلحاء، رحمه الله تعالى.
وفيها شرف الدّين موسى بن عبد الغفار المالكي [٧] خليفة الحكم العزيز بالقاهرة وكاتب مستندات السلطان الغوري.
كان إماما علّامة.
توفي يوم الجمعة خامس عشري رجب.
стр. 4878
سنة ثلاث عشرة وتسعمائة
فيها غلب الفرنج على مدينة هرموز وأخذوها [١] .
وفيها توفي السّيد الشريف برهان الدّين إبراهيم بن محمد الحسني [٢] نقيب الأشراف بدمشق.
ولد سنة ثمان وأربعين وثمانمائة.
قال الحمصي: وكان رجلا شجاعا مقداما على الملوك، ووقع له مع السلطان الأشرف قايتباي وقائع يطول شرحها. ومات بالقاهرة وهو يومئذ نقيب الأشراف بدمشق في يوم الخميس خامس المحرم وأسند الوصايا على أولاده لكاتب الأسرار المحبّ بن أجا.
قال ابن طولون: وتقلّد أمورا في حياته وبعد موته، رحمه الله تعالى.
وفيها برهان الدّين إبراهيم الدّميري [٣] المالكي قاضي قضاة المالكية بالقاهرة.
كان إماما علّامة.
توفي ببيته [٤] بالقرب من الصالحية بين القصرين من القاهرة في يوم الأربعاء ثالث عشري رمضان، وكان سبب موته خطبته بين يدي السلطان الغوري لما أراد أن يسمع الخطباء.
стр. 4879
وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن خليل الحاضري [١] الأصل ثم الحلبي الحنفي، عرف بابن خليل [٢] .
أخذ عن الحافظ برهان الدّين الحلبي سبط ابن العجمي.
وكان إماما علّامة يفتي بحلب ويعظ بجامعها، وكان وعظه نافعا يكاد يغيب فيه لفرط خشوعه، وكان ديّنا خيّرا تلمذ له شيخ الشيوخ بحلب الموفق بن أبي ذر المحدّث.
قال ابن الحنبلي: وأخبرني أنه كان يتمثل بقول القائل:
وكان فؤادي خاليا قبل حبّكم ... وكان بذكر الخلق يلهو ويمرح
فلما دعا قلبي هواك أجبته ... فلست أرى قلبي لغيرك يصلح
وتوفي بحلب وتأسف الناس عليه.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن علي المقرئ القاهري [٣] ، شيخ القراء بها.
كان إماما عالما.
توفي يوم الأحد عاشر القعدة.
وفيها شهاب الدّين أحمد الأعزازي الدمشقي الصّالحي [٤] .
كان صالحا مباركا ديّنا ناب في القضاء بدمشق.
وتوفي بها في نهار الجمعة ثالث عشر ربيع الأول، وصلّي عليه بالأموي بعد صلاة الجمعة ودفن بمقبرة باب الصغير.
وفيها شهاب الدّين أحمد الخشّاب الدمشقي العلّامة الشافعي [٥] .
стр. 4880
كان خطيبا بجامع القصب.
وتوفي في ذي الحجّة.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن محمد الزّهيري [١] الصّالحي [٢] ثم الدمشقي الشاب الفاضل.
قال ابن طولون: اشتغل معنا على الشيخ محمد بن رمضان وغيره وبحث.
وتوفي يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الأول، ودفن بمقابر باب الصغير.
انتهى.
وفيها نجم الدّين طلحة بن محمد بن يحيى الجهمي صاحب «المصباح» .
كان إماما فقيها جليلا.
توفي باليمن ببلدة من أصاب ودفن هناك بجوار جدّه يحيى بن أحمد الجهمي وكثر عليه الأسف.
وفيها زين الدّين عبد الغفار المصري [٣] الضرير الشافعي الإمام العلّامة المفنّن.
قال الحمصي: مات قتلا ببلدة يقال لها مطبوس بالقرب من الإسكندرية.
قال: وسبب ذلك أن هذه كانت جارية في أقطاع الأمير طرباي [٤] رأس نوبة النوب وبها رجل متدارك لمالها اسمه ابن [٥] عمرو فوقع بينه وبين أهل البلدة لفسقه وظلمه
стр. 4881
فشكوا حالهم للأمير طرباي فأرسل أخاه للبلد يحرر ذلك، فلما حضر شكا أهل البلدة إليه ظلم ابن عمرو فضرب أخو طرباي واحدا من أهل البلدة بالدبوس فرجمه أهل البلدة فأمر بضرب السيف فيهم فقتل منهم ما يزيد على ثلاثين نفرا فقال الشيخ عبد الغفار: هذا ما يحل فضربت عنقه وألقى في البحر فساقه البحر إلى قرية تسمى كوم الأفراح [١] بها جمع من الأولياء فدفن بها وكانت له جنازة لم يشهد مثلها، وكان قتله رحمه الله تعالى يوم الجمعة سادس المحرم.
стр. 4882
سنة أربع عشرة وتسعمائة
فيها كان حريق عظيم بمدينة عدن احترق به من الآدميين نحو ثلاثين نفسا وتلف من الأموال والبيوت ما لا يحصى [١] .
وفيها توفي الشيخ العارف بالله تعالى إبراهيم الشاذلي المصري [٢] .
كان ينفق نفقة الملوك ويلبس ملابسهم، وذلك من غيب الله تعالى لا يدري أحد له جهة معينة تأتيه منها الدنيا ولم يطلب الطريق حتى لحقه المشيب فجاء إلى سيدي محمد المغربي الشّاذلي وطلب منه التربية فقال له يا إبراهيم، تريد تربية بيتية وإلا سوقية. فقال له: ما معنى ذلك؟ قال: التربية السوقية هي أن أعلمك كلمات في الفناء والبقاء ونحوهما، وأجلسك على السجادة، وأقول لك خذ كلاما وأعط كلاما من غير ذوق ولا انتفاع. والتربية البيتية بأن تفني اختيارك في اختياري، وتشارك أهل البلاء [٣] ، وتسمع في حقك ما تسمع فلا تتحرك لك شعرة اكتفاء بعلم الله تعالى. فقال أطلب التربية البيتية. قال: نعم لكن لا يكون فطامك إلّا بعدي [٤] على يد الشيخ أبي المواهب. وكان الأمر كذلك، ولذلك لم يشتهر إلا بالمواهبي، ثم قال له الشيخ محمد: قف غلاما اخدم البيت والبغلة، وحسّ الفرس، وافرش تحتها الزبل، وكب التراب، فقال: سمعا وطاعة. فلم يزل يخدم عنده حتّى مات، فاجتمع على سيدي أبي المواهب ولم يزل عنده يخدم كذلك ولم يجتمع مع الفقراء في قراءة حزب ولا غيره حتّى حضرت سيدي أبا المواهب الوفاة فتطاول
стр. 4883
جماعة من فقرائه إلى الأذن فقال الشيخ: هاتوا إبراهيم فجاءه، فقال: افرشوا له السجادة فجلس عليها وقال له: تكلم على إخوانك في الطريق فأبدى الغرائب والعجائب، فأذعن له الجماعة كلهم.
وكان له ديوان شعر وموشحات، وشرح «حكم ابن عطاء الله» شرحا حسنا.
وتوفي في هذه السنة ودفن بزاويته بالقرب من قنطرة سنقر وقبره بها ظاهر يزار.
وفيها القطب الرّباني شمس الشّموس أبو بكر بن عبد الله باعلوى [١] .
قال في «النور السّافر» : ولد بتريم- وتريم بتاء مثناة فوقية، ثم راء مكسورة، ثم تحتية، ثم ميم، على وزن عظيم: بلدة من حضرموت، أعدل أرض الله هواء وأصحّها تربة، وأعذبها ماء. وهي قديمة معشش الأولياء ومعدنهم ومنشأ العلماء [٢] وموطنهم، وهي مسكن الأشراف آل باعلوى.
روي أن الفقيه محمد بن أبي بكر عبّاد، رحمه الله تعالى، كان يقول: إذا كان يوم القيامة أخذ أبو بكر الصّدّيق، ﵁، آل تريم كلهم قبضة في يده، ورمى بهم في الجنّة [٣] .
قال في «النّور» : ولما كانت خير بلاد الله بعد الحرمين وبيت المقدس أكرمها الله تعالى بخير عباده، وأكرمهم عليه الذين زيّنهم باتباع السّنّة الغرّاء، مع صحة نسبهم المتصل بالسيدة الزّهراء، ويذكر أنها تنبت الصّالحين كما تنبت الأرض البقل، واجتمع بها في عصر واحد من العلماء الذين بلغوا رتبة الإفتاء ثلاثمائة رجل، وإن بتربتها ممن شهد بدرا مع رسول الله ﷺ وغيرهم من الصّحابة سبعين نفرا. انتهى ملخصا.
ثم قال في «النور» : ولد المترجم بتريم سنة إحدى وخمسين وثمانمائة وأخذ عن عمّه الشيخ علي والفقيه محمد بن أحمد بالفضل، وقرأ الكثير، وأجازه علماء الآفاق كالسخاوي، والشيخ يحيى العامري اليمني، وغيرهما.
стр. 4884
وعدّه جار الله بن فهد في «معجمه» من شيوخه في الحديث.
وقد ذكر العلّامة محمد بن عمر بحرق في كتابه «مواهب القدوس في مناقب ابن العيدروس» : من مناقبه جملة كافية شافية تنشرح بمطالعتها الصدور.
ثم قال في «النّور» : وكان من أكابر الأولياء، بل هو قطب زمانه كما شهد به العارفون بالله تعالى شرقا وغربا ولم يمتر في ذلك ذو بصيرة من أهل الطريق، وكان في الجود آية من آيات الله تعالى، يذبح لسماطه في رمضان كل يوم ثلاثين كبشا، ولذلك بلغت ديونه مائتي ألف دينار، فقضاها الأمير الموفق ناصر الدّين بالحلوان في حياته، فإنه كان يقول: إن الله وعدني أن لا أخرج من الدنيا إلّا وأدى عني ديني.
وحكى من مجاهداته أنه هجر النوم بالليل أكثر من ثلاثين سنة، ومن كراماته أنه لما رجع من الحجّ دخل زيلع [١] ، وكان الحاكم بها يومئذ محمد بن عتيق، فاتفق أنه ماتت أم ولد للحاكم المذكور وكان مشغوفا بها، فكاد عقله يذهب لموتها، فدخل عليه سيدي لما بلغه عنه من شدّة الجزع ليعزيه ويأمره بالصّبر، وهي مسّجاة بين يديه بثوب، فعزّاه وصبّره فلم يفد فيه ذلك، وأكبّ على قدمي الشيخ يقبّلهما، وقال: يا سيدي إن لم يحي الله هذه متّ أنا أيضا، ولم تبق لي عقيدة في أحد، فكشف سيدي عن وجهها وناداها باسمها فأجابته: لبيك، وردّ الله روحها وخرج الحاضرون، ولم يخرج سيدي الشيخ حتى أكلت مع سيدها الهريسة وعاشت مدة طويلة.
قال: وقد صنّف في مناقبه غير واحد من العلماء الأعلام.
وله مؤلّفات منها ثلاثة «أوراد» بسيط، ووسيط، ووجيز، وديوان شعر منه:
أنا الجواد ابن عبد الله إن عرضت ... للجود مكرمة إني لها الشاري
وإني العيدروس ابن البتول إذا ... حرّ تسلسل من أصلاب أطهار
أما ترى أنّني قضيت دين أبي ... وكان ذاك ثلاثون ألف دينار
مجدي قديم أخير لا يسايره ... مجد لما حزت من صبر وإيثار
стр. 4885
توفي ليلة الثلاثاء رابع عشر شوال بعدن وقبره بها أشهر من الشمس الضاحية يقصد للزيارة والتبرك من الأماكن البعيدة. انتهى ملخصا قلت: ولعله هو مبتكر القهوة المتقدم ذكره في سنة تسع وتسعمائة، فليحرر، والله أعلم.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن كرك الصّالحي الحنفي [١] العدل.
قال ابن طولون: اشتغل على شيخنا الزّيني بن العيني وغيره، وذهب إلى مصر صحبة التاج نائب ديوان القلعة، فمرض في بيت أمير مجلس سودون العجمي، فتوفي يوم السبت تاسع عشر شوال وأوقف وقفا على ذريته وعتقائه وقراءة بخاري. انتهى وبخط القاضي أكمل بن مفلح هذا جدّ والدتي أبو أمها وهو حلبي الأصل يعرف بابن شموا معلم دار الضرب بها ولابن شموا وقف بحلب، وفي آخره كتبه أكمل بن ستيته بنت آمنة بنت أحمد بن كرك. انتهى وفيها شهاب الدّين أحمد بن عيد الحنفي [٢] ولي نيابة القضاء بالقاهرة، وسافر إلى دمشق، وولي بها نيابة القضاء عن ابن يوسف، وتزوج بدمشق زوجة القاضي إسماعيل الحنفي، وطلع هو وهي إلى البستان بالمزّاز [٣] فنزل عليه السّراق ليلا فقتلوه وقتلوا غلامه، فأصبح نائب الشام سيباي رسم على زوجته بسببه، وكان ذلك يوم الخميس ثاني عشري ذي الحجة.
قاله في «الكواكب» .
وفيها محيى الدّين عبد القادر بن محمد بن عثمان بن علي المارديني [٤] الأصل الحلبي المولد والمنشأ والدار والوفاة، الشافعي، الشهير بالأبّار. هو وأبوه
стр. 4886
لأنه كان يصنع الإبر بحانوت له، ثم اشتغل بالعلم ورحل في طلبه، وأخذ الحديث عن السّخاوي، وكتب له إجازة حافلة، وسمع منه المسلسل بالأولية وغيره وأخذ الفقه، وغيره عن الشمس الجوجري. وغيره، وأجازه وأذن له بالإفتاء، وأثنى عليه، ومدحه وأنشده لنفسه ملمحا ومضمنا [١] .
كانت مساءلة الركبان تخبرنا ... عن علمكم ثم عنكم أحسن الخبر
ثم التقينا وشاهدت العجائب من ... غزير علم حمته دقة النّظر
فقلت حينئذ والله ما سمعت ... أذناي أحسن مما قد رأى بصري
وبالجملة فقد برع وساد، وأكب واجتهد، حتّى صار فقيه حلب ومفتيها.
وأخذ عنه فضلاؤها، كالبرهان العمادي، والزّين بن الشّماع، وكان مع البراعة حسن العبارة، شديد التحرّي في الطّهارة، طارح التكلّف، ظاهر التقشف، حسن المحادثة، حلو المذاكرة، اتّفق على محبته الخاصّ والعام. وكانت علامة القبول والصّدق ظاهرة في أقواله وأفعاله.
قال ابن الحنبلي: وكان يقول نحن من بيت بماردين مشهور ببيت رسول، وجدنا الشيخ أرسلان الدمشقي غير أني لا أحب بيان ذلك خوفا من أن أنسب إلى تحميل نسبي على الغير وأن يقدح في بذلك.
وتوفي في يوم الثلاثاء خامس عشر ذي القعدة.
وفيها بدر الدّين محمد بن جمعة الفيّومي الحنفي [٢] أحد أعيان علماء مصر ومشاهيرهم.
دخل إلى الرّوم مرتين ودخل فيهما دمشق.
قال النجم الغزّي: وكتب بدمشق عند جوازه بها قاصدا للملك أبي يزيد بن عثمان في نصف صفر سنة ست وتسعين وثمانمائة لغزا صورته [٣] :
стр. 4887
يا من له أدب وفضل لا يحد ... ومحاسن فوق الحساب فلا تعد
ويحل إن نفث البليغ معانيا ... في مبهمات اللّفظ فهي لها عقد
ما اسم تركّب من حروف مثلما ... قد قامت الأركان منّا بالجسد
فاعجب لها من أربع قد ركّبت ... فردين مع زوجين في اللّفظ انعقد
فرد وزوج أوّلان اتّصلا ... كأنّ ذا وذاك روح وجسد
وآخران انفصلا بعدهما ... كعاشق معشوقه عنه انفرد
فبين فردين أتى زوج كذا ... ما بين زوجين لنا فرد ورد
والأول النصف لثان عدّه ... والثالث النصف لرابع العدد
والثالث الثلث الأوّل كما ... رابعه ثلث لثانيه يعد
وعدّ حرف منه ساوى عدد ال ... باقي لمن قابل ذا بذا وعد
حرف له نصف وحرف ثلث ... وحرف السدس حسابا لن يرد
ذاك ثلاثة وهذا اثنان وال ... لآخر إن تطلبه واحد أحد
يلقى الذي يلقاه أو لم يلقه ... جوى بقلب واجب طول الأبد
قد بان ما قد بان من لغز يرى ... طردا وعكسا في نظام اطّرد
فهاك لغزي إن ترد جوابه ... تجده دونه بدا يا ذا الرّشد
فأت به مبيّنا مفصّلا ... وحلّ ما في النّظم حلّ وانعقد
فأجابه شيخ الإسلام الجدّ بقوله [١] :
يا سيّدا حاز الفضائل وانفرد ... بمعارف قد جدّ فيها واجتهد
ما زلت تبدي كلّ حين تحفة ... بعجائب من بحر عرفان تمد [٢]
أرسلت لي لغزا بديعا وصفه ... عقدته بنوادر لا تنتقد
في اسم تركّب من حروف أربع ... معلومة مثل الطبائع في العدد
стр. 4888
فردين مع زوجين فيها ركّبا ... من أول مع آخر أيضا ورد
مع ما ذكرت به من الألغاز في ... نظم ببحر كامل منه استمد
وطلبت فيه جواب ما ألغزته ... منّي بتفصيل يحلّل ما انعقد
وجواب لغزك بيّن أوضحته ... بصريح لفظ فيه بالمعنى اتّحد
النصف منه الربع أو إن شئت قل ... نصف وربع نصفه من غير رد
والربع نصف ربعه أو ضعفه ... من طرده أو عكسه حيث اطّرد
والربع نصف سدسه أو سدسه ... هندسة ما ثمّ من لها جحد
والقلب واجبا إذا انتدبته ... لذا وليس خافيا على أحد
وهو الصواب إن حذفت أوّلا ... عوّضته بسورة بلا فند
وهو الجوى بحذف آخر وإن ... يبدل بدال فجواد ذو مدد
وإنه المسؤول عنه ظاهرا ... فدم بجنّة الرّضا إلى الأبد
توفي الشيخ بدر الدّين بن جمعة صاحب الترجمة في يوم الخميس ثاني جمادى الآخرة. انتهى.
وفيها محمد بن زرعة المصري [١] أحد أتباع الشيخ إبراهيم المتبولي.
قال المناوي في «طبقاته» : كان مشمولا بالبركة، مقبولا في السكون والحركة، أعلام ولايته مشهورة، وألوية مصارفه منشورة، وكان زمنا أقعده الفقراء بقنطرة قد يدار، ولم يزل قاعدا بالشباك الذي دفن فيه، وكان يتكلم ثلاثة أيام ويسكن ثلاثة أيام، ويتكلم على الخواطر. انتهى.
توفي في هذه السنة ودفن في الشباك الذي كان يجلس فيه.
وفيها شمس الدّين [٢] محمد بن محمد [٢] بن إسماعيل الشيخ الإمام العالم العلّامة الصالح الشهير بالقيراطي [٣] الدمشقي الشافعي.
стр. 4889
ولد في سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة.
قال الحمصي: وكان فاضلا مفننا، حفظ «المنهاج» للنّووي، والتصحيح الكبير عليه للشيخ نجم الدّين بن قاضي عجلون.
وتوفي ليلة الثلاثاء ثاني عشر رمضان.
وفيها أقضى القضاة محيى الدّين يحيى بن شهاب الدّين أحمد بن حسن بن عثمان الزّرعي الشهير بالأخنائي [١] الشافعي خليفة الحكم العزيز بدمشق.
ولد في خامس عشر رمضان سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة، وخطب مرة بالجامع الأموي عن قريبه قاضي القضاة نجم الدّين بن شيخ الإسلام تقي الدّين بن قاضي عجلون لضعف حصل للخطيب سراج الدّين الصّيرفي، فحصل له ارتعاد في الخطبة وكان ذلك تاسع شوال هذه السنة ثم توفي يوم الاثنين سابع القعدة ودفن بباب الصغير عند أبيه وأخيه غربي القلندرية.
стр. 4890
سنة خمس عشرة وتسعمائة
فيها كما قال في «النّور» ظهر في السماء في أواخر [١] الليل من مطلع العقرب على هيئة قوس قزح أبيض له شعاع وهو أزج له رأس مائل نحو مطلع سهيل واستدام يطلع كل ليلة في الوقت المذكور نحو ثلاث عشرة ليلة ثم اضمحل [٢] .
وفيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن حسن الشيخ العلّامة النّبيسي الشّيشري [٣] ، ونبيس قرية في حلب والشّيشر من بلاد العجم. قاله النّجم وقال: كان من فضلاء عصره، وله مصنّفات في الصّرف، و «قصيدة تائية» في النحو لا نظير لها في السلاسة، وله «تفسير» من أول القرآن إلى سورة يوسف، ومصنّفات في التصوف، وقتل في أرزنجان قتله جماعة من الخوارج. انتهى وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن أحمد الإمام العالم المحدّث الدمشقي الشافعي، الشهير بابن طوق [٤] .
ولد في ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وثمانمائة.
وتوفي يوم الأحد ثالث أو رابع رمضان بدمشق.
стр. 4891
وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن عثمان الشيخ الإمام الفرضي الشهير بابن أمير غفلة الحلبي [١] الحنفي.
قال ابن الحنبلي: كان عالما عاملا، منوّر الشيبة حسن السّمت، فقيها فرضيا حيسوبا. تلمذ للعلّامة الفرضي الحيسوب جمال الدّين يوسف الإسعردي [٢] ثم الحلبي، وعلّق على «نزهة الحساب» تعليقا [حسنا] [٣] ، حمله على وضعه شيخنا العلّامة الموصلي كما نبه على ذلك في ديباجته. ولم يزل على ديانته يتعاطى صنعة التجارة إلى أن مات، وكان الناس مضطرين إلى الغيث، فأنزله الله في أول ليلة مكث في قبره، رحمه الله تعالى. انتهى وفيها فقيه بيت الفقيه باليمن عبد الله بن الخطيب بن أحمد بن حشيبر اليمني [٤] .
قال في «النور» : توفي ببلده يوم الاثنين خامس عشر ربيع الآخر، وكان فقيه بلده وعالمها.
وفيها زين الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن إبراهيم الشيخ الإمام القدوة الزاهد الرّبّاني [٥] الدمشقي الصالحي الحنبلي [٦] .
حفظ القرآن العظيم ثم قرأ «المقنع» وغيره، واشتغل وحصّل، وأخذ الحديث عن ابن زيد، وابن عبادة وغيرهما، وكان يقرئ الأطفال في مكتب مسجد ناصر الدّين غربي مدرسة أبي عمر.
وكان يقرأ «البخاري» في البيوت والمساجد وجامع الحنابلة بسفح قاسيون،
стр. 4892
وكان إذا ختم البخاري في الجامع المذكور يحضر عنده خلائق فإنه كان فصيحا وله في الوعظ مسلك حسن، ثم انجمع في آخر عمره عن الناس وقطن بزاوية المحيوي الرّجيحي بالسهم الأعلى إماما لها وقارئا ل «البخاري» .
وتوفي في هذه السنة ودفن بالروضة.
وفيها العارف بالله تعالى عبد القادر بن محمد بن عمر بن حبيب الصّفدي [١] الشافعي صاحب التائية المشهورة.
قال في «الكواكب» : أخذ العلم والطريق عن الشيخ العلّامة الصالح شهاب الدّين بن أرسلان الرّملي صاحب الصفوة وعن غيره. وكان خامل الذكر بمدينة صفد مجهول القدر عند أهلها، لا يعرفون محلّه من العلم والمعرفة. وكان يقرئ الأطفال ويباشر وظيفة الأذان حتى لقيه سيدي علي بن ميمون، فسمع شيئا من كلامه، فشهد له بالذوق وأنه من أكابر العارفين، وأعيان المحبين، فهنالك نشر ذكره، وعرف الناس قدره، كما ذكر ذلك الشيخ علوان الحموي في أول «شرح تائية ابن حبيب» .
قال النجم: وحدثني بعض الصالحين الثقات أن السيد علي بن ميمون كان سبب رحلته من المغرب طلب لقي جماعة أمره بعض رجال المغرب بلقيّهم [٢] منهم ابن حبيب، وأنه لا يزال يتطلع ويتنشق ويتصفح البلاد والناس حتى دخل صفد فتنشق أنفاس ابن حبيب فدخل عليه المكتب، فأضافه الشيخ عبد القادر وأكرمه، ثم لما أطلق الأولاد قال لابن ميمون: يا رجل إني أريد أن أغلق باب المكتب، فنظر إليه سيدي علي وقال: أعبد القادر أما كفاك ما أتعبتني حتى تطردني الآن فقال له يا أخي استرني قال: بل والله لأفضحنك وأشهرنّك، فما زال به حتى أشهره. انتهى ملخصا.
وقال الشيخ علوان: هذا وهو متسبب بأسباب الخمول، متلبس بأمور لا
стр. 4893
تسلمها علماء النقول، ولا تسعها [١] منهم العقول، إذ كان ممن أقيم في السماع وكشف [٢] القناع، والضرب ببعض الآلات، والبسط والخلاعات، ثم اعتذر عن ضربه بالآلات، بما هو مذكور في «شرح التائية» .
وبالجملة فكان ابن حبيب، ﵁، متسترا بالخلاعة، والنفخ في المواصيل، والضرب على الدف على الإيقاع حيثما كان في الأسواق والمحافل، كل ذلك لأجل التستر ويأبى الله إلّا أن يتم نوره، ويظهر أمره، حتى رسخ في النّفوس أنه من كمّل [٣] العارفين، وكان حيثما سمع الأذان وقف وأذّن، وكان ربما مشى بدبّوس أمام نائب صفد، وكان لا يمكن أحدا من تقبيل يده، وإنما يبادئ بالمصافحة، ويطوف على أهل السوق، فيصافحهم في حوانيتهم واحدا واحدا، وكان يداعب الناس ويباسطهم، وكان يقول يأتون فيقولون: سلكنا وغزلهم معرقل، وكان يقول: لو جاءني صادق لطبخته في يومين، وكان في ابتدائه يثور به الغرام، وتسري فيه المحبة والشوق حتى يفيض على رأسه الماء من [٤] إناء كبير فلا يصل إلى سرته من شدة الحرارة الكائنة في بدنه، وكان ينفرد الأيام والليالي في البراري والصّحاري حتى فجأته العناية ووافقته [٥] الهداية، وجاءته الفيوض العرفانية، والمواهب الربانية، وكان لا يتكلم في رمضان إلّا بالإشارة خوفا من النطق بما لا يعني، وكان لا يقبل هدايا الأمراء، وإذا جاءته رسالة من إخوانه لا يأخذها إلّا وهو متوضئ.
وقال: مرة لبعض أصحابه: تقدم فامش أمامي، ثم أخبره عن سبب ذلك أنه كان معه كتاب فيه بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١: ١ ففعل ذلك تعظيما.
وكان مبتلى بأمراض وعلل خطيرة حتى عمّت سائر جسده، وربما طرحته في الفراش، وهو على وظائفه ومجاهداته، وكان يعاقب نفسه إذا اشتهت شيئا بإحضار الشهوة ومنعها إياها أياما.
وكان يعتقد ابن عربي اعتقادا زائدا، ويؤول كلامه تأويلا حسنا.
стр. 4894
ومن شعره الدال على علو همّته، وسمو رتبته، «التائية» التي ذيّل بها على أبيات الشافعي رضي الله تعالى عنه، التي أولها:
لمّا عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من حمل المشقّات
وقد تلقاها الناس بالقبول وأداروا أبياتها فيما [١] بينهم إدارة الشمول وخدمت بالشروح، وهي جديرة بذلك. وقد اتفق لناظمها أنه رأى روحانية النبيّ ﷺ وهو يقظان، وعرضها عليه، وأصلح له بعض أبيات، وكان إذا ذكر فيها وصفا حسنا قال له: بلّغك الله ذلك يا عبد القادر، وإذا نفر من وصف قبيح قال له: أعاذك الله من ذلك يا عبد القادر.
ومن شعره أيضا:
أنا الضّيغم الضّرغام صمصام عزمها ... على كلّ صعب في الغرام مصمم
وما سدت حتّى ذقت ما الموت دونه ... كذا حسن عشقي في الأنام يترجم
وتوفي بصفد يوم الأحد عاشر جمادى الأولى.
وفيها- تقريبا- زين الدّين عبد القادر المنهاجي [٢] الإمام العلّامة المقرئ الشافعي المعروف بالمنهاجي نزيل مكة المشرفة.
قرأ على البرهان العمادي أحاديث من الكتب الستة، وأجازه برباط العبّاس.
وفيها عبد الودود الصواف [٣] الشيخ الصّالح العابد الزّاهد المقيم بنواحي قلعة الجبل بالقاهرة، وكان ينسج الصّوف ويتقوت [٤] منه، وكانت عمامته قطعة من الصّوف الأحمر. وكان سيدي محمد بن عنان يقصده بالزيارة، وكانت له مكاشفات وعلي أنس عظيم.
وفيها علاء الدّين علي بن ناصر المكّي الإمام العلّامة الشافعي [٥] .
стр. 4895
أخذ «صحيح البخاري» عن المسند زين الدّين عبد الرحيم المكي الأسيوطي، وعن غيره، وتفقّه بالشّرف المناوي عن الولي بن العراقي عن أبيه عن ابن النعماني عن النووي.
ومن مؤلفاته «مختصر المنهاج» وشرحه وتأليف في الحديث والتفسير والأصول. وأجاز البرهان العمادي.
وفيها شرف الدّين موسى بن أحمد النّحلاوي [١] الأصل الحلبي الدار الأردبيلي الخرقة الشافعي المذهب الشهير بالشيخ موسى الأريحاوي لسكناه بأريحا قديما، وكان إماما عالما، زاهدا صوفيا، فتح الله تعالى عليه من غير تعب بل من فضل الله تعالى.
وتوفي في أواخر ذي الحجة بحلب ودفن بتربة الخشّابين داخل باب قنسرين.
وفيها- تقريبا- شمس الدّين محمد بن علي الصّمودي [٢] المالكي القاضي.
كان فقيها فاضلا، ناب عن العفيف بن حنبل قاضي المالكية بحلب وكتب بها على الفتوى.
وفيها محيي الدّين يحيى بن كمال الدّين محمد بن سلطان الحنفي [٣] .
كان عالما فاضلا.
توفي بمكة المشرّفة رابع عشر ذي الحجة.
وفيها جمال الدّين محمد الطيب بن إسماعيل مبارز اليمني [٤] .
قال في «النور» : كان فقيها إماما عالما عاملا علّامة فهّامة مدقّقا.
توفي عشية يوم الاثنين خامس شهر ربيع الآخر. انتهى، والله تعالى أعلم.
стр. 4896
سنة ست عشرة وتسعمائة
فيها كما قال في «النور» : انقض كوكب عظيم من نصف الليل آخذا في الشام وأضاءت الدّنيا لذلك إضاءة عظيمة حتّى لو أن الإنسان حاول رؤية الذرّ لم يمتنع عليه ثم غاب في الجهة الشامية وبقي أثره في السماء ساعة طويلة [١] .
وفيها زلزلت مدينة زبيد زلزالا شديدا ثم زلزلت مرة أخرى ثم ثالثة وانقض في عصر ذلك اليوم كوكب عظيم من جهة المشرق آخذا في جهة الشام ورئي نهارا وحصل عقبه رجفة عظيمة كالرّعد الشديد وزلزلت مدينة موزع ونواحيها زلزالا عظيما ما سمع بمثله واستمرت تتردد ليلا ونهارا زلازل صغار وزلازل [٢] كبار، وقد أضرّت بأهل الجهة إضرارا عظيما حتى تصدعت البيوت، ولم يسلم بيت من تشعّث، وتشقّقت الأرض المعدّة للزراعة، وتهدّمت القبور واختلطت الآبار.
انتهى [٣] .
وفيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن محمد بن سليمان بن عون بن مسلم بن مكّي بن رضوان الهلالي الدمشقي الحنفي، المعروف بابن عون [٤] مفتي الحنفية بدمشق.
ولد سنة خمس وخمسين وثمانمائة. وأخذ الحديث عن جماعة منهم الحافظان السخاوي والدّيمي، وترجمه الثاني في إجازته بالشيخ الإمام الأوحد المقرئ المجوّد العالم المفيد، وتفقه بجماعة منهم ابن قطلوبغا، وأخذ عنه ابن طولون.
стр. 4897
وتوفي ليلة الأحد سادس عشر شوال بدمشق ودفن بباب الصغير قبلي جامع جرّاح.
وفيها شهاب الدّين [١] أحمد بن شعبان [بن علي بن شعبان] [٢] الإمام العلّامة العمدة.
قال في «الكواكب» : أخذ العلم والحديث عن الشهاب الحجازي والشرف المناوي والجلال أبي هريرة وعبد الرحمن القمصي والمسند الشمس الملتوتي [٣] الوفائي، وتلقّن الذكر من العارف بالله زين الدين الحافي الشبريسي، والجمال بن نظام الشيرازي بجامع الأزهر وغيرهما، ولبس الخرقة القادرية والسّهروردية والأحمدية من جماعات.
وتوفي بغزة.
وفيها السلطان العادل المجاهد أبو الفتح أحمد [٤] بن محمد [٥] ، صاحب كجرات من بلاد الهند.
قال السخاوي في «الضوء» : ولد سنة ثمان وأربعين وثمانمائة تقريبا.
أسلم جدّه [٦] مظفّر على يد محمد شاه صاحب دلي وكان عاملا له على فتن من كجرات، فلما وقعت الفتن في مملكة دلي وتقسمت البلاد كان الذي خصّ مظفرا كجرات، ثم وثب عليه ابنه وسجنه، ولم يلبث أن استفحل أمر الأب بحيث قتل ولده، ثم بعد سنين انتصر أحمد لأبيه وقتل جدّه واستقر في كجرات. وخلفه ابنه غياث الدّين، ثم ابنه قطب الدّين، ثم أخوه داود، فلم يلبث سوى أيام، وخلع واستقر أخوهم أحمد شاه صاحب الترجمة، وذلك في سنة ثلاث وستين حين كان ابن خمس عشرة سنة ودام في المملكة إلى الآن وأخذ من الكفّار قلعة
стр. 4898
الشبابانير [١] فابتناها مدينة [٢] وسماها أحمد أباد، ومن جملة ممالكه كناية. انتهى وقال في «النور» : قال جار الله بن فهد أقول: وعمّر بمكة رباطا مجاور باب الدربية عرف بالكنباتية [٣] ، وقرّر به جماعة ودروسا وغير ذلك، وكان يرسل لهم مع أهل الحرمين عدة صدقات، ثم قطعها لما بلغه استيلاء النظار عليها، واستمر على ولايته إلى أن توفي يوم الأحد ثاني رمضان بأحمد أباد.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد الفرغاني [٤] الإمام العلّامة الصّالح القاضي.
توفي يوم الأربعاء ثامن عشري المحرم بمدينة تعز.
وفيها محبّ الدّين أبو بكر أحمد بن شرف الدّين أبي القاسم محمد [٥] بن محمد بن أحمد بن محمد الشيخ الإمام خطيب الخطباء بالمسجد الحرام، وإمام الموقف الشريف القرشي الهاشمي العقيلي النّويري المكي الشافعي.
أخذ عن أبي الفتح المراغي، وسمع «ثلاثيات البخاري» على جدّته لأمّه أم الفضل خديجة وتدعى سعادة بنت وجيه الدّين عبد الرحمن بن أبي الخير محمد بن فهد المكّي، وعلى العلّامة البرهان الزّمزمي وعلى أخيه المحبّ الزّمزمي كلهم عن أبي [٦] إسحاق إبراهيم بن محمد الرّسام عن الحجّار، وله شيوخ آخرون، وأجاز البرهان العمادي في السنة التي قبلها.
وتوفي في هذه السنة ظنا.
وفيها القاضي بدر الدّين حسن بن القاضي زين الدّين أبي بكر بن مزهر [٧] كاتب أسرار القاهرة.
стр. 4899
قال في «الكواكب» [١] : صودر وحبس، ثم ضرب بحضرة السلطان الغوري، ثم عصر ثم لف القصب والمشاق على يديه وأحرقت، ثم عصر رأسه ثم أحمي له الحديد ووضع على ثدييه [٢] وقطع ثديه، وأطعم لحمه، واستمرّ في العذاب إلى أن مات بقلعة مصر، وعذّب عذابا شديدا رحمه الله تعالى.
وكانت وفاته يوم الأربعاء رابع رجب سنة ست عشرة وتسعمائة. انتهى قلت: الصحيح موته في اليوم المذكور من الشهر المذكور لكن سنة عشر، والله أعلم.
وفيها بدر الدّين أبو علي حسن بن علي بن عبيد بن أحمد بن عبيد [٣] بن إبراهيم المرداوي [٤] ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي.
حفظ القرآن العظيم، وعدة كتب واشتغل على جماعة من آخرهم الشيخ زين الدّين بن العيني، وقرأ عليه شرحيه على «الألفية» و «الخزرجية» وأخذ الحديث عن ابن السّلمي، وابن الشريفة، والنظام بن مفلح، ورحل مع الجمال بن المبرد إلى بعلبك، فسمع بها غالب مسموعاته، وسمع على جماعة كثيرين، وكان له خط حسن، وكان يتكسب بالشهادة وهو من شيوخ ابن طولون ومجيزيه.
توفي يوم الخميس تاسع رمضان.
وفيها رضي الدّين الصّدّيق بن عبد العليم [٥] إقبال القرتبي [٦] .
قال في «النور» : كان فقيها، نبيلا، سريا.
توفي عصر يوم الثلاثاء من عشر ذي الحجّة ودفن بمجنة باب القرتب بجوار مشهد الفقيه أبي بكر بن علي الحداد. انتهى
стр. 4900
وفيها شمس الدّين علي بن موسى المشرع [١] عجيل.
كان فقيها خيّرا.
توفي بزبيد ليلة الاثنين خامس جمادى الأولى.
وفيها- تقريبا- زين الدّين عبد الرحيم بن صدقة المكّي الشافعي [٢] .
كان إماما، علّامة، ورعا، زاهدا، قرأ عليه البرهان العمادي الحلبي [٣] أحاديث من الكتب الستة، وأجازه برباط العباس تجاه المسجد الحرام في العشر الأول من الحجّة سنة خمس عشرة وتسعمائة. قاله في «الكواكب» .
وفيها القاضي [٤] جلال الدّين محمد بن عمر بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد القادر بن هبة الله النّصيبي [٥] الحلبي الشافعي سبط المحبّ أبي الفضل بن الشّحنة.
ولد في ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وثمانمائة بحلب، وحفظ «المنهاجين» و «الألفيتين» و «جمع الجوامع» وعرض ذلك على الجمال الباعوني وأخيه البرهان، والبدر بن قاضي شهبة، والنجم بن قاضي عجلون وأخيه التقوي، وأخذ الفقه عن أبي ذرّ، والأصول والنحو عن السّلامي، وولده الزّيني عمر ثم قدم القاهرة على جدّه لأمه سنة ست وسبعين وثمانمائة، فأخذ عن الجوجري [٦] وغيره، وقرأ «شرح الألفية» لابن أم قاسم على الشّمنيّ، وقرأ على السخاوي بعض مؤلفاته، وبرع، وتميّز، وناب في القضاء بالقاهرة ودمشق وحلب، وولي قضاء حماة وقضاء حلب أنشد فيه بعضهم لما ولي قضاء حماة:
حماة مذ صرت بها قاضيا ... استبشر الداني مع القاصي
стр. 4901
وكلّ من فيها أتى طائعا ... إليك وانقاد لك العاصي
وكان ذا فطنة، وحافظة مع رفاهية، وجمع تعليقا على «المنهاج» سماه «الابتهاج» في أربع مجلدات، واختصر «جمع الجوامع» وجمع كتابا كبيرا فيه نوادر وأشعار. وله شعر حسن منه تخميس الأبيات المشهورة لابن العفيف:
غبتم فطرفي من الهجران ما غمضا ... ولم أجد عنكم لي في الهوى عوضا
فيا عذولا بفرط اللّوم قد نهضا ... للعاشقين بأحكام الغرام رضا
فلا تكن يا فتى بالعذل معترضا ... أنا الوفيّ بعهد ليس ينتقض
وإن هم نقضوا عهدي وإن رفضوا ... فقلت لما بقتلي بالأسى فرضوا
روحي الفداء لأحبابي وإن نقضوا ... عهد الوفاء الذي للعهد ما نقضا
أحبابنا ليس لي عن عطفكم بدل ... وعن غرامي ووجدي لست أنتقل
يا سائلي عن أحبّائي وقد رحلوا ... قف واستمع سيرة الصّبّ الذي قتلوا
فمات في حبّهم لم يبلغ الغرضا ... قد حمّلوه غراما فوق ما يسع
وعذّبوا قلبه هجرا وما انتفعوا ... دعي أجاب توالى سهده هجعوا
رأى فحبّ فرام الصبر فامتنعوا ... فسام صبرا فأعيا نيله فقضى
وتوفي في ثالث عشر رمضان.
وفيها بدر الدّين محمد بن محمد الشّهير بابن الياسوفي [١] الدمشقي الشافعي المفتي المدرّس.
ولد سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وسافر إلى القاهرة مرارا آخرها مطلوبا مع جماعة مباشري الجامع الأموي [٢] في جمادي الآخرة سنة ست عشرة
стр. 4902
وتسعمائة، فحصل له قبل دخول القاهرة توعك، واستمرّ إلى رابع يوم من وصوله إليها فتوفي يوم الاثنين تاسع رجب منها.
وفيها شرف الدّين موسى بن عبد الله بن عبد الله [١] ، الشّهير بابن جماعة المقدسي [٢] الشافعي الإمام العلّامة خطيب المسجد الأقصى.
ولد في حادي عشري رجب سنة خمس وأربعين وثمانمائة، وأجازه الشيخ زين الدّين بن الشيخ خليل وغيره.
قال في «الأنس الجليل» : اشتغل في العلم على والده وغيره وخطب بالمسجد الأقصى، وله نحو خمس عشرة سنة، واستقرّ في الخطابة مشاركا لبقية الخطباء هو وأخوه الخطيب بدر الدّين محمد. قال: وأعاد الخطيب شرف الدّين بالمدرسة الصلاحية وفضل وتميّز، وصار من أعيان بيت المقدس، وهو رجل خيّر من أهل العلم وعنده فصاحة في الخطبة وعلى صوته الأنس والخشوع والناس سالمون من لسانه ويده. انتهى ودخل دمشق مع والده حين أسمع والده بها غالب مسموعاته، وكان والده من الأكابر يرحل للأخذ عنه، وكان صاحب الترجمة رجلا مهيبا.
وتوفي ببيت المقدس في رجب أو شعبان.
стр. 4903
سنة سبع عشرة وتسعمائة
فيها كما قال في «النّور السّافر» [١] : ولدت مولودة بقرية النّويدرة من اليمن وطلب من يؤذن في أذنها فحين بلغ (أشهد أن محمدا رسول الله) سمع الطفلة تقول: (الله أكبر الله أكبر) ثلاث مرات.
وفيها [٢] خسف بفيل السلطان عامر بن عبد الوهاب المسمى مرزوق بقرية يقال لها الركز من زوايا الشيخ شهاب الدّين قطب زمانه أحمد بن علوان قريبا من قرية بفرس [٣] وكان قد أدخله بيت بعض فقراء الشيخ كرها وسألهم ما لا طاقة لهم بتسليمه فلم يشعروا حتى غاب أكثر الفيل في الأرض من قبل رجليه فصرخ صرخات ومات ألا [٤] رحم الله سائسه فكان عبرة لمن رأى ولم يقدر أحد على إخراج شيء منه من موضع الخسف [٢] . انتهى.
وفيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج بن عبد الله الحنبلي [٥] مفتي الحنابلة الإمام العلّامة.
ولد في ربيع الأول سنة ست وخمسين وثمانمائة، وأخذ عن أبيه وغيره.
وتوفي بقرية مضايا من الزّبداني ليلة الجمعة سادس عشر شعبان، وحمل ميتا إلى منزله بالصالحية، ودفن بالروضة قرب والده.
стр. 4904
وفيها تقي الدّين أبو بكر بن الحافظ ناصر الدّين محمد بن زريق الحنبلي [١] الدمشقي الصالحي.
كان إماما علّامة توفي يوم السبت ثاني عشر صفر.
وفيها- تقريبا- أبو الخير بن نصر [٢] .
قال في «الكواكب» : هو شيخ البلاد الغربية [٣] من أعمال مصر، ومحيي السّنّة بها.
توفي في أواسط حدود هذه الطبقة، رحمه الله تعالى. انتهى وفيها صفي الدّين أحمد بن عمر المزجدالي [٤] .
قال في «النّور» : كان فقيها إماما عالما [٥] عاملا صالحا مفتيا مدرّسا.
توفي ضحى يوم الخميس رابع المحرم وأسف عليه والده أسفا كثيرا وصبر. انتهى.
وفيها أبو القاسم بن علي بن موسى [٦] المشرع [٧] .
قال في «النور» : كان فقيها صالحا حصل له في ليلة الجمعة حاد عشر ربيع الأول وهو قاعد في بيته بين الناس لقراءة مولد النبي ﷺ من ضربه على رأسه فانكسر فأقام تسعة أيام ثم مات ولم يعلم قاتله ودفن بمرجام إلى جنب أبيه وجده انتهى.
وفيها شهاب الدّين أحمد الفيّومي [٨] .
قال في «الكواكب» : هو الشيخ العلّامة خطيب جامع بردبيك بدمشق وهو
стр. 4905
المعروف بالجامع الجديد خارج بابي الفراديس والفرج [أي وهو المعروف الآن بجامع المعلق] [١] .
توفي ثاني شهر رمضان [٢] وأخذ عنه الخطابة صاحب والد الشيخ يونس العيثاوي [٣] واستمرت في يده إلى أن مات.
وفيها المولى باشا جلبي العالم ابن المولى زيرك الرّومي الحنفي [٤] .
كان من الأفاضل. وله ذكاء تام، ولطف محاورة. وتخرّج عنده كثير من الطلبة، وكان من مشاهير المدرّسين، وتنقل في التدريس [٥] حتى ولي إحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة، وتوفي وهو مدرّس بها في حدود هذه السنة، وله شريك في اسمه سيأتي إن شاء الله تعالى.
وفيها السيد الشريف الحسين بن عبد الله العيدروس [٦] .
ولد سنة إحدى وستين وثمانمائة. وكان عالما بالكتاب والسّنّة، حافظا لكتاب الله تعالى، مواظبا على تلاوته ليلا ونهارا، قائما بما جرى عليه سلفه من الأوراد والأذكار وإكرام الوافدين والفقراء والمساكين وبذل الجاه في الشفاعات للمسلمين وإصلاح ذات بينهم، ولله درّ من قال فيه:
إنّ الحسين تواترت أخباره ... في فضله عن سادة فضلاء
غيث يسحّ على العفاة سحابه ... سحّا إذا شحّت يد الأنواء
تال لآثار النبيّ محمد ... متمسك بالسّنّة البيضاء
ورث المكارم والعلى عن سادة ... ورثوا عن الآباء فالآباء