← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

وكلّ من فيها أتى طائعا ... إليك وانقاد لك العاصي وكان ذا فطنة، وحافظة مع رفاهية، وجمع تعليقا على «المنهاج» سماه «الابتهاج» في أربع مجلدات، واختصر «جمع الجوامع» وجمع كتابا كبيرا فيه نوادر وأشعار. وله شعر حسن منه تخميس الأبيات المشهورة لابن العفيف: غبتم فطرفي من الهجران ما غمضا ... ولم أجد عنكم لي في الهوى عوضا فيا عذولا بفرط اللّوم قد نهضا ... للعاشقين بأحكام الغرام رضا فلا تكن يا فتى بالعذل معترضا ... أنا الوفيّ بعهد ليس ينتقض وإن هم نقضوا عهدي وإن رفضوا ... فقلت لما بقتلي بالأسى فرضوا روحي الفداء لأحبابي وإن نقضوا ... عهد الوفاء الذي للعهد ما نقضا أحبابنا ليس لي عن عطفكم بدل ... وعن غرامي ووجدي لست أنتقل يا سائلي عن أحبّائي وقد رحلوا ... قف واستمع سيرة الصّبّ الذي قتلوا فمات في حبّهم لم يبلغ الغرضا ... قد حمّلوه غراما فوق ما يسع وعذّبوا قلبه هجرا وما انتفعوا ... دعي أجاب توالى سهده هجعوا رأى فحبّ فرام الصبر فامتنعوا ... فسام صبرا فأعيا نيله فقضى وتوفي في ثالث عشر رمضان. وفيها بدر الدّين محمد بن محمد الشّهير بابن الياسوفي [١] الدمشقي الشافعي المفتي المدرّس. ولد سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وسافر إلى القاهرة مرارا آخرها مطلوبا مع جماعة مباشري الجامع الأموي [٢] في جمادي الآخرة سنة ست عشرة

стр. 4902

وتسعمائة، فحصل له قبل دخول القاهرة توعك، واستمرّ إلى رابع يوم من وصوله إليها فتوفي يوم الاثنين تاسع رجب منها. وفيها شرف الدّين موسى بن عبد الله بن عبد الله [١] ، الشّهير بابن جماعة المقدسي [٢] الشافعي الإمام العلّامة خطيب المسجد الأقصى. ولد في حادي عشري رجب سنة خمس وأربعين وثمانمائة، وأجازه الشيخ زين الدّين بن الشيخ خليل وغيره. قال في «الأنس الجليل» : اشتغل في العلم على والده وغيره وخطب بالمسجد الأقصى، وله نحو خمس عشرة سنة، واستقرّ في الخطابة مشاركا لبقية الخطباء هو وأخوه الخطيب بدر الدّين محمد. قال: وأعاد الخطيب شرف الدّين بالمدرسة الصلاحية وفضل وتميّز، وصار من أعيان بيت المقدس، وهو رجل خيّر من أهل العلم وعنده فصاحة في الخطبة وعلى صوته الأنس والخشوع والناس سالمون من لسانه ويده. انتهى ودخل دمشق مع والده حين أسمع والده بها غالب مسموعاته، وكان والده من الأكابر يرحل للأخذ عنه، وكان صاحب الترجمة رجلا مهيبا. وتوفي ببيت المقدس في رجب أو شعبان.

стр. 4903

سنة سبع عشرة وتسعمائة فيها كما قال في «النّور السّافر» [١] : ولدت مولودة بقرية النّويدرة من اليمن وطلب من يؤذن في أذنها فحين بلغ (أشهد أن محمدا رسول الله) سمع الطفلة تقول: (الله أكبر الله أكبر) ثلاث مرات. وفيها [٢] خسف بفيل السلطان عامر بن عبد الوهاب المسمى مرزوق بقرية يقال لها الركز من زوايا الشيخ شهاب الدّين قطب زمانه أحمد بن علوان قريبا من قرية بفرس [٣] وكان قد أدخله بيت بعض فقراء الشيخ كرها وسألهم ما لا طاقة لهم بتسليمه فلم يشعروا حتى غاب أكثر الفيل في الأرض من قبل رجليه فصرخ صرخات ومات ألا [٤] رحم الله سائسه فكان عبرة لمن رأى ولم يقدر أحد على إخراج شيء منه من موضع الخسف [٢] . انتهى. وفيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج بن عبد الله الحنبلي [٥] مفتي الحنابلة الإمام العلّامة. ولد في ربيع الأول سنة ست وخمسين وثمانمائة، وأخذ عن أبيه وغيره. وتوفي بقرية مضايا من الزّبداني ليلة الجمعة سادس عشر شعبان، وحمل ميتا إلى منزله بالصالحية، ودفن بالروضة قرب والده.

стр. 4904

وفيها تقي الدّين أبو بكر بن الحافظ ناصر الدّين محمد بن زريق الحنبلي [١] الدمشقي الصالحي. كان إماما علّامة توفي يوم السبت ثاني عشر صفر. وفيها- تقريبا- أبو الخير بن نصر [٢] . قال في «الكواكب» : هو شيخ البلاد الغربية [٣] من أعمال مصر، ومحيي السّنّة بها. توفي في أواسط حدود هذه الطبقة، رحمه الله تعالى. انتهى وفيها صفي الدّين أحمد بن عمر المزجدالي [٤] . قال في «النّور» : كان فقيها إماما عالما [٥] عاملا صالحا مفتيا مدرّسا. توفي ضحى يوم الخميس رابع المحرم وأسف عليه والده أسفا كثيرا وصبر. انتهى. وفيها أبو القاسم بن علي بن موسى [٦] المشرع [٧] . قال في «النور» : كان فقيها صالحا حصل له في ليلة الجمعة حاد عشر ربيع الأول وهو قاعد في بيته بين الناس لقراءة مولد النبي ﷺ من ضربه على رأسه فانكسر فأقام تسعة أيام ثم مات ولم يعلم قاتله ودفن بمرجام إلى جنب أبيه وجده انتهى. وفيها شهاب الدّين أحمد الفيّومي [٨] . قال في «الكواكب» : هو الشيخ العلّامة خطيب جامع بردبيك بدمشق وهو

стр. 4905

المعروف بالجامع الجديد خارج بابي الفراديس والفرج [أي وهو المعروف الآن بجامع المعلق] [١] . توفي ثاني شهر رمضان [٢] وأخذ عنه الخطابة صاحب والد الشيخ يونس العيثاوي [٣] واستمرت في يده إلى أن مات. وفيها المولى باشا جلبي العالم ابن المولى زيرك الرّومي الحنفي [٤] . كان من الأفاضل. وله ذكاء تام، ولطف محاورة. وتخرّج عنده كثير من الطلبة، وكان من مشاهير المدرّسين، وتنقل في التدريس [٥] حتى ولي إحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة، وتوفي وهو مدرّس بها في حدود هذه السنة، وله شريك في اسمه سيأتي إن شاء الله تعالى. وفيها السيد الشريف الحسين بن عبد الله العيدروس [٦] . ولد سنة إحدى وستين وثمانمائة. وكان عالما بالكتاب والسّنّة، حافظا لكتاب الله تعالى، مواظبا على تلاوته ليلا ونهارا، قائما بما جرى عليه سلفه من الأوراد والأذكار وإكرام الوافدين والفقراء والمساكين وبذل الجاه في الشفاعات للمسلمين وإصلاح ذات بينهم، ولله درّ من قال فيه: إنّ الحسين تواترت أخباره ... في فضله عن سادة فضلاء غيث يسحّ على العفاة سحابه ... سحّا إذا شحّت يد الأنواء تال لآثار النبيّ محمد ... متمسك بالسّنّة البيضاء ورث المكارم والعلى عن سادة ... ورثوا عن الآباء فالآباء

стр. 4906

وروي عن والده أنه كان يقول: كنت كثير الدعاء في سجودي أن يرزقني الله ولدا عالما سنيا، وأرجو أن يكون هو الحسين. قال في «النور» : وكان مشاركا في جميع العلوم المنطوق منها والمفهوم. ومن مشايخه الفقيه عبد الله بن أحمد باكثير، والقاضي إبراهيم بن ظهيرة، والشيخ عبد الهادي السّودي قبل أن ينجذب. وكانت له اليد الطولى في علم الفلك. وحجّ وجاور بمكة سنتين، وزار قبر جدّه مرتين. وتوفي بتريم في سادس عشر المحرم ودفن عند أبيه. انتهى وفيها خليل العالم الفاضل المولى الرّومي الحنفي [١] المشهور بمنلا خليل [٢] . كان حليما كريما متواضعا متخشعا إلّا أنه كان يغلب عليه الغفلة في سائر أحواله. درّس في بعض مدارس الرّوم ثم بإحدى الثمانية، ثم بمدرسة أدرنة ثم أعطى قضاء القسطنطينية في دولة السلطان أبي [٣] يزيد ثم قضاء العسكر الأناضولي ثم الرّوم إيلي، ومات على ذلك في أوائل دولة السلطان سليم خان. قاله في «الكواكب» . وفيها العارف بالله تعالى رستم خليفة الرّومي البرسوي الحنفي [٤] . أصله من قصبة كونيك من ولاية أناضولي [٥] . وأخذ الطريق عن العارف حاجي خليفة الرّومي، وكان له خوارق ويتستر [٦] بتعليم الأطفال ولا يتكلم إلّا عن ضرورة، وله إنعام تام على الأغنياء والفقراء، وإذا أهدى إليه أحد شيئا كافأه

стр. 4907

بأضعافه [١] . ولم يكن له منصب ولا مال. وحكى عن نفسه أنه رمد مرة فلم ينفعه الدواء، فرأى رجلا فقال له: يا ولدي اقرأ المعوّذتين في الركعتين الأخيرتين من السنن المؤكدة. قال: فداومت على ذلك فشقي بصري. وكان بعض جماعته يرى أن ذلك الرجل هو الخضر ﵇. وتوفي ببروسا ودفن بها. وفيها- تقريبا- المولى عبد الوهاب بن عبد الكريم الفاضل ابن الفاضل المولى ابن المولى الرومي الحنفي [٢] . قرأ على جماعة منهم المولى عذارى والمولى لطفي التوقاتي والمولى خطيب زاده [٣] والمولى القسطلاني. وكان ذكيا عارفا بالعلوم الشرعية والعقلية مهيبا طارحا للتكلف مع أصحابه ودرّس [٤] بالقسطنطينية ثم صار حافظا لدفتر الديوان السلطاني، ثم ولي قضاء بعض البلاد قاله في «الكواكب» [٥] . وفيها علاء الدّين علي بن محمد بن علي بن عبد الله بن مليك الحموي [٦] ثم الدمشقي الفقاعي الحنفي الشاعر. ولد بحماة سنة أربعين وثمانمائة، وأخذ الأدب عن الفخر عثمان بن العيد [٧] التّنوخي وغيره. وأخذ النحو والعروض عن بهاء الدّين بن سالم، وقدم دمشق فتسبّب ببيع الفقّاع عند قناة العوني. ثم تركه وصار يتردّد إلى دروس الشيخ برهان الدّين بن عون. وأخذ عنه فقه الحنفية. وصارت له فيه يد طولى، وشارك في اللغة والنحو والصرف. وكان له معرفة بكلام العرب، وبرع في الشعر، حتى لم يكن له نظير في فنونه وجمع لنفسه ديوانا [٨] في نحو خمس عشرة كراسة، وخمّس المنفرجة، ومدح النبيّ ﷺ بعدة قصائد.

стр. 4908

ومن لطائفه قوله [١] : لم أجعل الفقّاع لي حرفة ... إلّا لمعنى حسنك الشّاهد أقابل الواشي بالحدّ وال ... عاذل أسقيه من البارد ومنها: ولمّا احتمت منا الغزالة في السّما ... وعزّت على قنّاصها أن تنالها نصبنا شباك الماء في الأرض حيلة ... عليها فلم نقدر فصدنا خيالها ومن لطائفه [٢] : يا من به رقّ شعري ... وزاد بالنّعت وصفه قد مزّق الشّعر شاشي ... والقصد شيء ألفّه وكان له صوف عتيق فقلبه وقال [٢] : قد كان لي صوف عتيق طالما ... قد كنت ألبسه بغير تكلّف والآن لي قد قال حين قلبته ... قلبي يحدّثني بأنّك متلفي [٣] وحكي عنه أنه مرّ بالمرجة على قوم جلوس للشرب، وكانوا يعرفونه، فدعوه إلى الزاد، فقعد عندهم يذاكرهم. فبينما هم كذلك إذ جاءهم جماعة الوالي فأخذوهم وأخذوه معهم، فلما وصلوا للقاضي للتسجيل عليهم عرفه القاضي، فلامه فقال [٢] : والله ما كنت رفيقا لهم ... ولا دعتني للهوى داعيه وإنّما بالشّعر نادمتهم ... لأجل ذا ضمّتني القافيه

стр. 4909

فخلوا عنه وله دوبيت: الطرف يقول قد رماني القلب ... والقلب لناظري يقول الذنب والله لقد عجبت من حالهما ... هذا دنف ودمع هذا صبّ وشعره كله جيد. وتوفي في شوال بدمشق ودفن بمقبرة باب الفراديس. وفيها العارف بالله سيدي علي بن ميمون بن أبي بكر بن علي بن ميمون [١] بن أبي بكر بن يوسف بن إسماعيل بن أبي بكر بن عطاء الله بن حسون بن سليمان بن يحيى بن نصر الشيخ المرشد المربي القدوة الحجة ولي الله تعالى السيد الحسيب النسيب الشريف أبو الحسن بن ميمون الهاشمي القرشي المغربي الغماري التباسي. أصله من جبل غمارا- بالغين المعجمة من معاملة فاس- وسكن مدينة فاس، واشتغل بالعلم ودرّس. ثم ولي القضاء، ثم ترك ذلك ولازم الغزو على السواحل، وكان رأس العسكر ثم ترك ذلك أيضا وصحب مشايخ الصوفية منهم الشيخ عرفة القيرواني فأرسله إلى أبي العبّاس أحمد التّوزي الدبّاسي- ويقال التباسي بالتاء- ومن عنده توجه إلى المشرق. قال الشيخ موسى الكناوي: فدخل بيروت في أول القرن العاشر، وكان اجتماع سيدي محمد بن عراق به أولا هناك ولما دخل بيروت استمرّ ثلاثة أيام لم يأكل شيئا فاتفق أن ابن عراق كان هناك فأتي بطعام فقال لبعض جماعته أدع لي ذلك الفقير فقام السيد علي وأكل، وقال ابن عراق لأصحابه: قوموا بنا نزور الإمام الأوزاعي فصحبهم ابن ميمون لزيارته، ففي أثناء الطريق لعب ابن عراق على جواده كعادة الفرسان فعاب عليه ابن ميمون، فقال له: أتحسن لعب الخيل أكثر مني؟ قال: نعم. فنزل ابن عراق عن فرسه فتقدم إليها ابن ميمون فحلّ الحزام، وشدّه كما يعرف،

стр. 4910

وركب ولعب على الجواد، فعرفوا مقداره في ذلك، ثم انفتح الأمر بينهما إلى أن أشهر الله تعالى سيدي علي بن ميمون. وقال في «الشقائق» : إنه دخل القاهرة وحجّ منها ثم دخل البلاد الشامية وربي كثيرا من الناس ثم توطن مدينة بروسا ثم رجع إلى البلاد الشامية وتوفي بها. قال: وكان لا يخالف السّنّة حتى نقل عنه أنه قال: لو أتاني السلطان أبو يزيد بن عثمان لا أعامله إلّا بالسّنّة، وكان لا يقوم للزائرين ولا يقومون له وإذا جاءه أحد من أهل العلم يفرش له جلد شاة تعظيما له. وكان قوّالا بالحق، لا يخاف في الله لومة لائم، وكان له غضب شديد إذا رأى في المريدين منكرا يضربهم بالعصا. قال: وكان لا يقبل وظيفة ولا هدايا الأمراء والسلاطين، وكان مع ذلك يطعم كل يوم عشرين نفسا من المريدين وله أحوال كثيرة ومناقب عظيمة. انتهى. وكان من طريقته ما حكاه عنه سيدي محمد بن عراق في كتابه «السّفينة» أنه لا يرى لبس الخرقة ولا إلباسها. وذكر الشيخ علوان أنه كان لا يرى الخلوة ولا يقول بها، وكان يقول جواب الزفوت السكوت. ومن وصاياه اجعل تسعة أعشارك صمتا وعشرك كلاما. وكان يقول: الشيطان له وحي وفيض فلا تغتروا بما يجري في نفوسكم وعلى ألسنتكم من الكلام في التوحيد والحقائق حتّى تشهدوه من قلوبكم. وكان ينهي أصحابه عن الدخول بين العوام وبين الحكام ويقول: ما رأيت لهم مثلا إلا الفأر والحيّات، فإن كلا منهما مفسد في الأرض، وكان شديد الإنكار على علماء عصره ويسمي القضاة القصاة. ومن كلامه: لا ينفع الدار إلّا ما فيها. ومنه: لا تشتغل بعدّ أموال التجار وأنت مفلس. ومنه: اسلك ما سلكوا تدرك ما أدركوا. ومنه: عجبت لمن وقع عليه نظر المفلح كيف لا يفلح.

стр. 4911

ومنه: كنزك تحت جدارك وأنت تطلبه من عند جارك. وله من المؤلفات «شرح الجرومية» على طريقة الصّوفية، وكتاب «غربة الإسلام في مصر والشام وما والاهما من بلاد الروم والأعجام» ورسائل عدة منها رسالة لطيفة سمّاها «تنزيه الصديق عن وصف الزّنديق» ترجم فيها الشيخ محي الدّين بن العربي ترجمة في غاية الحسن والتعظيم. وذكر ابن طولون أنه دخل دمشق في أواخر سنة اثنتي عشرة وتسعمائة، ونزل بحارة السّكة بالصالحية وهرع الناس إليه للتبرك به. وممن صعد إليه للأخذ عنه الشيخ عبد النّبيّ شيخ المالكية، والشيخ شمس الدّين بن رمضان شيخ الحنفية، وتسلكا على يديه هم وخلق من الفضلاء. وقال سيدي محمد بن عراق في «سفينته» : إنه لم يشتهر في بلاد العرب بالعلم والمشيخة والإرشاد إلّا بعد رجوعه من الرّوم إلى حماة سنة إحدى عشرة، ثم قدم منها إلى دمشق في سابع عشري رجب سنة ثلاث عشرة وتسعمائة. قال: وأقام في قدمته هذه ثلاث سنوات وخمسة أشهر وأربعة عشر يوما يربّي ويرشد ويسلّك، ويدعو إلى الله تعالى على بصيرة. قال: واجتمع عليه الجمّ الغفير، ثم دخل عليه قبض وهو بصالحية دمشق واستمرّ ملازما له حتى ترك مجلس التأديب وأخذ يستفسر عن الأماكن التي في بطون الأودية ورؤوس الجبال، حتّى ذكر له سيدي محمد بن عراق مجدل معوض فهاجر إليها في ثاني عشر محرم هذه السنة. قال سيدي محمد بن عراق: ولم يصحب غيري والولد علي، وكان سنّه عشر سنين وشخص آخر عملا بالسّنّة، وأقمت معه خمسة أشهر وتسعة عشر يوما. وتوفي ليلة الاثنين حادي عشر جمادى الآخرة ودفن بها في أرض موات بشاهق جبل حسبما أوصى به. قال: ودفن خارج حضرته المشرّفة رجلان وصبيان وامرأتان وأيضا امرأتان وبنتان، الرجلان محمد المكناسي، وعمر الأندلسي، والصبيان ولدي عبد الله، وكان عمره ثلاث سنين، وموسى بن عبد الله التركماني، والامرأتان أمّ إبراهيم وبنتها عائشة زوجة الذعري، والامرأتان الأخرتان مريم

стр. 4912

القدسية، وفاطمة الحموية، وسألته عند وفاته أين أجعل دار هجرتي، فقال: مكان يسلم فيه دينك ودنياك، ثم تلا قوله تعالى: الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ٤: ٩٧ [النساء: ٩٧] . وفيها سراج الدّين أبو حفص عمر بن عبد العزيز الفيّومي [١] الأصل الدمشقي. قال في «الكواكب» : كانت له مشاركة جيدة وقال الشعر الحسن وله ديوان شعر في مجلد ضخم، ومدح الأكابر والأعيان، وخمّس «البردة» تخميسا حسنا ورزق فيه السعادة التّامة، واشتهر في حال حياته، وكتبه الناس لحسنه وعذوبة ألفاظه. ومن شعره: إن كان هجري لذنب حدّثوك به ... عاتب به ليبين العبد أعذاره وإن يكن حظ نفس ما له سبب ... فلا تطعها فإن النّفس أمّاره وتوفي بدمشق ودفن بمقبرة باب السريجة على والده. وفيها شمس الدّين أبو الفضل محمد بن صارم الدّين إبراهيم الرّملي الشافعي، الشهير بابن الذّهبي [٢] الإمام العالم، أحد الشهود المعتبرين بدمشق. ذكر النّعيمي أنه كان قائما بخدمة الشيخ رضي الدّين الغزّي، وأن ميلاده كان سنة تسع وخمسين وثمانمائة. وقال البدر الغزّي: كان يعرف القراءات. وتوفي بدمشق ليلة الجمعة ثالث عشر المحرم بعد عوده من القاهرة.

стр. 4913

وفيها عزّ الدّين محمد بن شهاب الدّين أحمد الكوكاجي [١] الحموي ثم الدمشقي الحنبلي، أقضى القضاة. ولد بعد الأربعين وثمانمائة. وتوفي عشية الثلاثاء تاسع عشر ذي القعدة بدمشق وصلّي عليه بالجامع الأموي، ودفن بالروضة من سفح قاسيون. وفيها جمال الدّين محمد بن إسماعيل المشرع عجيل اليمني [٢] . قال في «النّور» : كان إماما عالما صالحا. توفي بمدينة زبيد ضحى يوم الخميس الثالث عشر من شهر رمضان ودفن إلى جنب أبيه قبلي تربة الشيخ إسماعيل الجبرتي. انتهى وفيها شمس الدّين محمد بن خليل الشيخ الإمام العالم الطرابلسي الشافعي [٣] ، خليفة الحكم بمدينة طرابلس. دخل إلى دمشق في ضرورة له، فتوفي بها غريبا يوم الأربعاء سابع شعبان ودفن بباب الفراديس. وفيها محمد بن عبد الرحمن الأسقع [٤] بالعلوي اليمني [٥] الشافعي. قال في «النور» : حفظ «الحاوي» و «منظومة البرماوي» في الأصول و «ألفية ابن مالك» وقرأ الكثير، ودأب في الطلب، وأخذ عن الكثير من الأعلام، منهم إبراهيم بن ظهيرة، والسّخاوي وله منه إجازة، ومكث في مكّة مدة لطلب العلم، وحصّل الكثير من العلوم وأقبل على نفع الناس إقراء وإفتاء مع الدّين المتين

стр. 4914

والتحقيق والإتقان وشدة الورع والزّهد والعبادة والخمول، وكان حسن التقرير. أخذ عنه غير واحد. وتوفي بتريم في شوال. ومن كراماته أن بعض خدمه سرق داره فقال له: اذهب إلى المكان الفلاني تجد ما أخذ لك، ففعل فوجد ما سرق له في ذلك المكان الذي عيّنه. انتهى وفيها- تقريبا- المولى قوام الدّين يوسف [١] العالم الفاضل، الشهير بقاضي بغداد. كان من بلاد العجم من مدينة شيراز، وولي قضاء بغداد مدة، فلما حدثت فيه فتنة ابن أردبيل ارتحل إلى ماردين، وسكن بها مدة ثم رحل إلى بلاد الرّوم، فأعطاه السلطان أبو يزيد سلطانية بروسا، ثم إحدى الثمانية، وكان عالما، متشرعا، زاهدا، وقورا، صنّف شرحا عظيما على «التجريد» وشرحا على «نهج البلاغة» وكتابا جامعا لمقدمات التفسير، وغير ذلك، رحمه الله تعالى.

стр. 4915

سنة ثمان عشرة وتسعمائة فيها توفي العلّامة برهان الدّين إبراهيم بن علي القرصلي ثم الحلبي [١] . كان من قرصه- بفتح القاف، وسكون الراء، وضم الصاد المهملة، قرية من القصير- وكان من جملة فلاحيها، فتعلّم الخط، ثم رأى في المنام أنه على لوح في البحر وبيده عصا يحركه فأوّل له ذلك بأنه يكون من أهل العلم، وكان كما أوّل له من العلماء، ودرّس بمسجد العناتبة بحلب وغيره. قال ابن الحنبلي: وأكبّ على دروسه جماعة في العقليات لمهارته فيها، وإن كان في النقليات أمهر، وفضله فيها أظهر. انتهى وفيها السلطان الأعظم أبو يزيد خان بن السلطان محمد خان [٢] ابن السلطان مراد خان بن السلطان محمد خان بن السلطان بايزيد خان ابن السلطان مراد خان بن السلطان أورخان بن السلطان عثمان خان سلطان الرّوم، وهو الثامن من ملوك بني عثمان. ولد سنة ست وخمسين وثمانمائة. قال الشيخ مرعي في كتابه «نزهة الناظرين» : ولي السلطنة سنة سبع وثمانين وثمانمائة، وكان محبّا للعلماء، والمشايخ، والأولياء، وله رياضيات، وفي أيامه تزايد الفتح ببلاد الرّوم، وفتح عدة قلاع وحصون، وبنى المدارس [٣] ، والجوامع،

стр. 4916

والتكايا، والزّوايا، والخوانق، ودار الشفاء، والحمامات، والجسور، ورتّب للمفتي الأعظم ومن في رتبته من العلماء لكل واحد في كل عام عشرة آلاف عثماني، وكان يرسل للحرمين في كل سنة أربعة عشر ألف دينار نصفها لمكّة ونصفها للمدينة. وفي أيامه قاتله أخوه السلطان جم على السلطنة ثم انهزم جمّ إلى مصر، وحجّ في زمن السلطان قايتباي ثم عاد فأكرمه قايتباي إكراما عظيما. ثم رجع إلى الرّوم، وقاتل أخاه ثانيا، فهزمه فهرب جمّ إلى بلاد النصارى، فأرسل بايزيد إليه من سمّه فحلق رأسه بموسى مسموم فمات. وفي أيامه كان ظهور إسماعيل شاه فاستولى على ملوك العجم، وأظهر مذهب الإلحاد والرّفض، وغيّر اعتقاد أهل العجم إلى يومنا هذا، وفي أيامه قدم عليه خطيب مكّة الشيخ محيى الدّين عبد القادر بن عبد الرحمن العراقي، والشيخ شهاب الدّين أحمد بن الحسين شاعر البطحاء وامتدحه بقصيدته الطنانة [١] التي أولها: خذوا من ثنائي موجب الحمد والشّكر ... ومن درّ لفظي طيّب [٢] النّظم والنّثر فأجازه عليها ألف دينار، ورتّب له في دفتر الصر كل سنة مائة دينار، فكانت تصل إليه ثم إلى أولاده من بعده. انتهى وقال في «الكواكب» : وكان قد استولى على المرحوم السلطان أبي يزيد في آخر عمره مرض النقرس، وضعف عن الحركة، وترك الحروب عدة سنين، فصارت عساكره يتطلبون سلطانا شابا قوي الحركة كثير الأسفار ليغازي بهم، فرأوا أن السلطان سليم خان من أولاد أبي يزيد أقوى إخوته وأجلدهم، فمالوا إليه وعطف عليهم، فخرج إليه أبوه محاربا فقاتله وهزمه أبوه، ثم عطف على أبيه ثانيا لما رأى من ميل العساكر إليه فلما رأى السلطان أبو يزيد توجه أركان الدولة إليه

стр. 4917

استشار وزراء وأخصاءه في أمره، فأشاروا أن يفرغ له عن السلطنة ويختار التقاعد في أدرنة، وأبرموا عليه في ذلك، فأجابهم حين لم ير بدا من إجابتهم، وعهد إليه بالسلطنة، ثم توجه مع بعض خواصه إلى أدرنة، فلما وصل إلى قرب جورا، وكان فيها حضور أجله، فتوفي بها. ووصل خبر موته هو وسلطان مكّة قايتباي بن محمد بن بركات الشريف، وسلطان اليمن الشيخ عامر بن محمد إلى دمشق في يوم واحد، وهو يوم الأحد ثامن عشري ربيع الأول من هذه السنة. انتهى وفيها شهاب الدّين أحمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن منجك الأمير الدمشقي [١] . قال في «الكواكب» : لم يحمد ابن طولون سيرته في أوقافهم، وكانت وفاته بطرابلس، وحمل إلى دمشق في محفّة ودخلوا به دمشق يوم الأحد سابع عشر المحرم، ودفن بتربتهم بميدان الحصا، وتولى أوقافهم بعده الأمير عبد القادر بن منجك. انتهى. وفيها شهاب الدّين أحمد بن حسن [٢] مفتي مدينة تعز من اليمن. توفي بها يوم الأربعاء ثالث عشر جمادى الأولى. وفيها الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر بأفضل الحضرمي [٣] . قال في «النّور» : ولد سنة خمسين وثمانمائة، وارتحل لطلب العلم إلى عدن وغيرها، وأخذ عن الإمامين محمد بن أحمد بأفضل، وعبد الله بن أحمد مخرمه، ولازم الثاني، وتخرّج به، وانتفع به كثيرا، وأخذ أيضا عن البرهان بن ظهيرة، وتميّز واشتهر ذكره، وبعد صيته، وأثنى عليه الأئمة من مشايخه وغيرهم، وكان حريا بذلك، وكان إماما، عالما، عاملا، عابدا، ناسكا، ورعا، زاهدا، شريف النّفس،

стр. 4918

كريما سخيا مفضالا، كثير الصّدقة، حسن الطّريقة ليّن الجانب، صبورا على تعليم العلم، متواضعا، حسن الخلق، لطيف الطّباع، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، له حرمة وافرة عند الملوك وغيرهم، حافظا أوقاته، لا يرى إلا في تدريس علم أو مطالعة كتاب أو اشتغال بعبادة وذكر. ولي التدريس بجامع الشحر وانتصب فيها للاشتغال [١] والفتوى، وصار عمدة القطر، وانتهت إليه رئاسة الفقه في جميع تلك النواحي، ولم يزل على ذلك حتّى توفي يوم الأحد خامس شهر رمضان، ودفن في طرف بلد الشحر من جهة الشمال في موضع موات، وهو أول من دفن هناك، ودفن النّاس إلى جانبه، حتى صارت مقبرة كبيرة. انتهى. وفيها زين الدّين عبد الحق بن محمد البلاطنسي [٢] الشافعي الإمام العلّامة. ولد في سنة ست وخمسين وثمانمائة. وتوفي فجأة يوم الأربعاء سابع شعبان، وصلّي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة ثالث رمضان. قاله في «الكواكب» وفيها عفيف الدّين عبد العليم بن القاضي جمال الدّين محمد بن حسين القماط [٣] اليمني. قال في «النّور» : كان نعم الرّجل فقها وصلاحا ودينا وأمانة [٤] وعفّة وصيانة، قدم في السّنّة التي قبلها من مدينة أب متوعكا إلى زبيد بعد طلوع ولده عفيف الدّين عبد الله إليه فجعله نائبا له، وقدم المدينة، فلم يزل بها مريضا إلى أن وصل ابنه عبد الله باستدعائه إليه فمات بعد قدومه في ليلة الاثنين سادس عشر المحرّم، ودفن إلى جنب والده بمجنة باب سهام. انتهى

стр. 4919

وفيها المولى مظفّر الدّين علي بن محمد الشّيرازي العمري الشافعي [١] . قطن حلب سنة ست عشرة وتسعمائة، وأخذ بها عن جماعة منهم الشّمس بن بلال، وكتب حواشي علي «الكافية» وكان صهرا لمنلا جلال الدّواني، وكان ماهرا في المنطق، حتّى كان يقول عنه منلا جلال الدّين: لو كان المنطق جسما لكان هو منلا مظفّر الدّين. وذكر في «الشقائق» أنه دخل بلاد الرّوم، وكان المولى ابن المؤيد قاضيا بالعسكر، وكان المنلا مظفّر الدّين مقدما عليه حال قراءتهما على الدواني، فأكرمه ابن المؤيد إكراما عظيما وعرضه على السلطان أبي يزيد فأعطاه مدرسة مصطفى باشا بالقسطنطينية، فدرّس بها مدة، ثم أعطاه إحدى المدارس الثمان، فدرّس بها مدة أيضا، ثم أضرّت عيناه، فعجز عن إقامة التدريس، فعين له السلطان سلم خان كل يوم ستين درهما بطريق التقاعد، وتوطن مدينة بروسا. قال: وكانت له يد طولى في الحساب، والهيئة، والهندسة، وزيادة معرفة بعلم [٢] الكلام والمنطق خاصة في «حاشية التجريد» وحواشي [٣] «شرح المطالع» . قال: ورأيت على كتاب إقليدس «من فنّ الهيئة» أنه قرأه من أوله إلى آخره على الفاضل أمير صدر الدّين الشّيرازي. قال: وكتب عليه حواشي محال مشكلات. قال: وكان سليم النّفس، حسن العقيدة، صالحا، مشتغلا بنفسه، راضيا من العيش بالقليل، واختار الفقر على الغني، وكان يبذل ماله للفقراء والمحاويج. وقال ابن الحنبلي: إنه مات مطعونا في هذه السنة. و [٤] قال في «الشقائق» : إنه مات بمدينة بروسا سنة اثنتين وعشرين، فالله أعلم.

стр. 4920

وفيها القاضي علاء الدّين علي الرّمليّ [١] الفاضل خليفة الحكم العزيز بدمشق. قال في «الكواكب» : قتل بين المغرب والعشاء ليلة السبت حادي جمادى الآخرة بسوق الرّصيف بالقرب من الجامع الأموي، وهو السوق المعروف الآن بدرويش باشا عند باب البريد، خرج عليه جماعة فقتلوه ولم يعرف [٢] قاتله، واتهم بقتله القاضي شهاب الدّين الرّملي إمام الجامع الأموي لما كان بينهما من المخاصمات الشديدة. انتهى وفيها محمد بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الله العيدروس باعلوى الشافعي [٣] . قال في «النور» : كان مشاركا في العلوم، وقرأ «المنهاج الفقهي» ومن محفوظاته «الإرشاد» و «ملحة الإعراب» . وتوفي بتريم، ودفن بمشهد جدّه الشيخ عبد الله. انتهى

стр. 4921

سنة تسع عشرة وتسعمائة فيها توفي الشيخ المعتقد [١] إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن الدّسوقي الشافعي [٢] الصوّفي الرّبّاني. ولد في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، ولبس خرقة التّصوف من الشيخ شهاب الدّين بن قرا، وتفقه به، ولقّنه الذّكر أبو العبّاس القرشي، وأخذ عليه العهد عن والده عن جدّه. قال الحمصي: وكان صالحا، مباركا، مكاشفا. وقال ابن طولون: كان شديد الإنكار على صوفية هذا العصر المخالفين له، خصوصا الطائفة العربية. قال: ولم تر عيناي متصوفا من أهل دمشق أمثل منه، لبست منه الخرقة، ولقنني الذكر، وأخذ عليّ العهد الجميع يوم السبت سادس عشري ذي الحجّة سنة اثنتي عشرة وتسعمائة. انتهى وذكره الجمال يوسف بن عبد الهادي في كتابه «الرّياض اليانعة في أعيان المائة التاسعة» فقال: اشتغل وتصوّف، وشاع ذكره، وعنده ديانة ومشاركة، وللناس فيه اعتقاد. انتهى وتوفي بدمشق ليلة الاثنين ثالث شعبان ودفن بمقبرة باب الصغير. وفيها برهان الدّين إبراهيم بن عثمان بن محمد بن عثمان بن موسى بن يحيى المرداوي [٣] الدمشقي الصالحي الحنبلي [٤] ، المعروف بجابي بن عبادة.

стр. 4922

ولد في رمضان سنة سبع وأربعين وثمانمائة، وسمع على البرهان بن الباعوني، والنّظام بن مفلح، والشّهاب بن زيد، وكان من الأفاضل. وتوفي يوم الخميس مستهل رجب. وفيها القاضي تقي الدّين أبو بكر الشيخ العلّامة الدمشقي الشافعي، المعروف بابن قاضي زرع [١] . كان أحد خلفاء الحكم بدمشق. وتوفي يوم الثلاثاء عاشر شهر رمضان. وفيها شهاب الدّين أحمد بن صدقة الشيخ الفاضل الشافعي [٢] ، أحد العدول بدمشق. توفي وهو متوجه إلى مصر بالعريش في أواخر [٣] جمادي الآخرة. وفيها قاضي القضاة العلّامة شهاب الدّين أحمد [بن علي بن أحمد] الشّيشني [٤] المصري الحنبلي. ولي قضاء الحنابلة بمصر سنين، وكان إماما علّامة. وتوفي في صفر وولي قضاء الحنابلة عوضه ولده قاضي القضاء عزّ الدّين. وفيها زين الدّين أو محبّ الدّين بركات بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأذرعي الدمشقي العاتكي الشافعي [٥] ، الشهير بابن سقط، الشيخ الإمام الفاضل. ولد في سابع عشر شعبان سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة، وكان أحد عدول دمشق.

стр. 4923

وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر شوال. وفيها- تقريبا- شرف الدّين شرف الصّعيدي [١] الشيخ الصّالح الورع الزّاهد. دخل مصر في أيام الغوري، وأقام بها حتّى مات، وكان يصوم الدّهر ويطوي أربعين يوما فأكثر، وبلغ الغوري أمره فحبسه في بيت وأغلق عليه الباب ومنعه الطعام والماء، ثم أخرجه فصلى بالوضوء الذي دخل به، فاعتقده الغوري اعتقادا عظيما، وكان يكاشف بما يقع للولاة وغيرهم. قاله في «الكواكب» . وفيها شيخ بن عبد الله بن العيدروس الشريف اليمني الشافعي [٢] . قال حفيده في «النّور السافر» : كان من أعيان عباد الله الصالحين، وخلاصة المقرّبين، حسن الأخلاق والشّيم، جميل الأوصاف، معروفا بالمعروف والكرم، سليم الصّدر، رفيع القدر، صحب غير واحد من الأكابر، كأبيه الشيخ عبد الله العيدروس، وعمّه الشيخ علي، وعمّه الشيخ أحمد، وأخيه الشيخ أبي بكر، ومن في طبقتهم، وأخذ عنهم، وتخرّج بهم، وصار وحيد عصره ومن المشار إليهم في قطره، ومحاسنه كثيرة وبحار فضائله غزيرة، لا سبيل إلى حصرها، والأولى الآن طيها دون نشرها، وفيه يقول حفيده وسميّه سيدي الشيخ الوالد، قدّس الله روحه [٣] : وفي شيخ ابن عبد الله جدّي ... معاشرة لحسن الخلق تبدي له قلب منيب ذو صفاء ... سليم الصّدر بالإنفاق يسدي له في الأولياء حسن اعتقاد ... كريم الأصل ذو فخر ومجد تربّى بالوليّ القطب حقا ... أبوه العيدروس الخير يهدي انتهى بحروفه.

стр. 4924

وفيها قاضي القضاة نجم الدّين عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلج الرّاميني [١] الأصل الدمشقي الصالحي الحنبلي [٢] . ولد سنة ثمان وأربعين وثمانمائة، وأخذ عن والده وغيره، وولي قضاء قضاة الحنابلة بدمشق مرارا آخرها سنة عشر وتسعمائة، واستمرّ فيه إلى أن توفي ليلة الجمعة ثاني شوال ودفن بالصالحية على والده، وكانت له جنازة حافلة حضرها نائب الشام سيباي، والقضاة الثلاثة، وخلائق لا يحصون. وفيها سراج الدّين عمر بن شيخ الإسلام علاء الدّين علي بن عثمان بن عمر بن صالح، الشهير بابن الصّير في الدمشقي الشافعي [٣] . ولد سنة أربع أو خمس وعشرين وثمانمائة، وقيل: سنة ثلاثين، وكان إماما عالما علّامة، خطيبا، مصقعا، له أسانيد عالية بالحديث النبوي، وولي نيابة القضاء بدمشق مدة طويلة والعرض والتقرير، وباشر خطابة الجامع الأموي نحو أربعين سنة. وتوفي ليلة الأحد سابع شوال، وصلى عليه السيد كمال الدّين بن حمزة بالأموي، ودفن بمقبرة باب الصغير على والده الحافظ علاء الدّين الصّيرفي غربي مسجد النّارنج. وفيها أبو حفص عمر البجائي المغربي المالكي [٤] الإمام العلّامة القدوة الحجّة الفهّامة. ولي الله تعالى والعارف به. قدم إلى مصر في زمان السلطان الغوريّ، وصار له عند الأكابر وغيرهم القبول التام، وكان له كشف ظاهر يخبر بالوقائع الآتية في مستقبل الزمان فتقع كما

стр. 4925

أخبر، وهو ممن أخبر بزوال دولة الجراكسة وقتالهم لابن عثمان، وقال: إن الدولة تكون للسلطان سليم، ومرّ على المعمار وهو يعمّر القبة الزرقاء للغوري تجاه مدرسته فقال: ليس هذا قبر الغوري، فقالوا له: وأين قبره؟ فقال: يقتل في المعركة فلا يعرف له قبر، وكان الأمر كما قال. وكان شابا، طويلا، جميل الصورة، طيب الرائحة على الدوام، حفظ «المدونة الكبرى» للإمام مالك، وسمع الحديث الكثير، وكان يصوم الدّهر، وقوته في الغالب الزّبيب، ولم يكن على رأسه عمامة إنما كان يطرح ملاءة عريضة على رأسه وظهره، ويلبس جبّة سوداء واسعة الأكمام، وسكن جامع الملك بالحسينية، ثم انتقل إلى جامع محمود، ثم عاد إلى قبة المارستان بخطّ بين القصرين، وبقي بها إلى أن مات، ولما سكن بجامع محمود قال فيه الشيخ شمس الدّين الدّمياطي [١] أبياتا، منها [٢] : سألتني أيّها المولى مديح أبي ... حفص وما جمعت أوصافه الغرر مكمّل في معانيه وصورته ... كمال من لا به نقص ولا قصر مطهّر القلب لا غلّ يدنّسه ... ولا له قطّ في غير التّقى نظر فهنّ جامع محمود بساكنه ... فإنّه [٣] الآن محمود ومفتخر وقل له فيك بحر العلم ليس له ... حدّ فيا لك بحرا كلّه درر وتوفي في هذه السنة أو التي بعدها، ودفن بالقرافة في حوش عبد الله بن وهب بالقرب من قبر القاضي بكّار. وفيها أو في التي بعدها مصلح الدّين مصطفى الرّومي الحنفي، الشهير بابن البركي [٤] الإمام العالم.

стр. 4926

طلب العلم، وخدم المولى قاسم الشهير بقاضي زاده، ثم صار معيدا لدرسه، ثم درّس في بعض المدارس، ثم جعله السلطان أبو يزيد معلما لولده السلطان أحمد وهو أمير بأماسية، ثم أعطاه إحدى الثمانية، ثم قضاء أدرنة، وكان في قضائه حسن السيرة، محمود الطريقة، واستمرّ قاضيا بها مدة طويلة إلى أن عزله السلطان سليم في أوائل سلطنته، وعيّن له كل يوم مائة وثلاثين عثمانيا، وكان مفننا، فصيح اللّسان، طلق الجنان، رحمه الله تعالى. وفيها نجم الدّين محمد بن أحمد، الشهير بابن شكم الدمشقي الشافعي [١] الإمام العلّامة. قال الحمصي: كان عالما، صالحا، زاهدا. وقال ابن طولون: كتب عليّ أربعين مسألة بالشامية سأله عنها مدرّسها شيخ الإسلام تقي الدّين بن قاضي عجلون، فكتب عليها وعرضها عليه يوم الأربعاء سادس عشري ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وتسعمائة عند ضريح الواقفة، فأسفر عن استحضار حسن، وفضيلة تامّة. وتوفي يوم الاثنين خامس عشر شوال ودفن بصالحية دمشق. وفيها محيي الدّين محمد بن حسن بن عبد الصّمد السّاموني الرّومي الحنفي [٢] ، العالم العامل الزّاهد. قرأ على والده، وعلى المولى علاء الدّين العربي، ثم ولي التدريس، وترقى فيه، ثم صار قاضي أدرنة من قبل السلطان سليم. وتوفي وهو قاض بها. قال في «الشقائق» : كان مشتغلا بالعلم غاية الاشتغال، بحيث لا ينفك عن حلّ الدقائق ليلا ونهارا، وكان معرضا عن مزخرفات الدّنيا، يؤثر الفقراء على نفسه، حتى يختار لأجلهم الجوع والعري، راضيا من العيش بالقليل، له محبّة

стр. 4927

صادقة للصّوفية، وله حواش على «شرح المفتاح» للسيد الشريف، وحواش على «حاشية التجريد» للسيد أيضا، وحواش على «التلويح» للتفتازاني. انتهى وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن حسن بن محمد بن أبي بكر البابي المولد الحلبي المنشأ، الشافعي [١] ، المعروف بابن البيلوني، الإمام العالم العامل. لازم الشيخ بدر الدّين بن السّيوفي، وحدّث عنه، وقرأ على الكمال محمد بن النّاسخ الطّرابلسي، وهو نزيل حلب في شعبان سنة خمس وتسعمائة، من أول «صحيح البخاري» إلى أول تفسير سورة مريم، وأجازه ومن معه، وأجازه جماعة آخرون، منهم الحافظ السّخاوي وألبسه الطّاقية، وصافحه، وأسمعه الحديث المسلسل بالمصافحة، ومنهم الكمال والبرهان ابنا أبي شريف المقدسيان، وذلك عن اجتماع بهما [٢] وقراءة عليهما، وحدّث بجامع حلب على الكرسي ب «صحيح البخاري» وغيره، وولي إمامة السفاحية والحجازية بجامع حلب دهرا، وكان متقشفا، متواضعا، يعبّر عن نفسه بلفظ عبيدكم كثيرا. وتوفي بحلب يوم السبت ثاني عشري القعدة. وفيها شمس الدّين محمد بن جلال الدّين محمد بن فتح الدّين عبد الرحمن بن وجيه الدّين حسن المصري المالكي [٣] ، ويعرف كسلفه بابن سويد. قال في «النور» : ولد في سادس شعبان سنة ست وخمسين وثمانمائة، ونشأ في كنف أبيه، فحفظ القرآن، و «ابن الحاجب» الفرعي والأصلي، و «ألفية النحو» وغير ذلك، وعرض على خلق، واشتغل قليلا على والده، وورث عنه شيئا كثيرا فأتلفه في أسرع وقت، ثم أملق، وذهب إلى الصّعيد ثم إلى مكّة، وقرأ هناك على الحافظ السّخاوي «الموطأ» و «مسند الشافعي» و «سنن الترمذي» و «ابن ماجة»

стр. 4928

وسمع عليه «شرحه للألفية» [١] وغير ذلك من تصانيفه، ولازمه مدة، وذكره السخاوي في «تاريخه» فقال: كان صاحب ذكاء وفضيلة في الجملة، واستحضار، وتشدق في الكلام، وكانت سيرته غير مرضية، وأنه توجه إلى اليمن ودخل زيلع ودرّس وحدّث ثم توجه إلى كنباية، وأقبل عليه صاحبها. وقال الشيخ جار الله بن فهد: وقد عظم صاحب الترجمة في بلاد الهند، وتقرّب من سلطانها محمود شاه، ولقبه بملك المحدّثين لما هو مشتمل عليه من معرفة الحديث والفصاحة، وهو أول من لقب بها، وعظم بذلك في بلاده، وانقاد له الأكابر في مراده، وصار منزله مأوى لمن طلبه، وصلاته واصلة لأهل الحرمين، واستمر كذلك مدة حياة السلطان المذكور، ولما تولى ولده مظفّر شاه أخرج بعض وظائفه عنه بسبب معاداة بعض الوزراء فتأخر عن خدمته إلى أن مات. قال: ولم يخلّف ذكرا بل تبنى ولدا على قاعدة الهند، فورّثه مع زوجته، ولم يحصل لابنته التي بالقاهرة شيئا من ميراثها لغيبتها، ودفن بأحمد أباد من كجرات [٢] . انتهى

стр. 4929

سنة عشرين وتسعمائة فيها توفي المولى إبراهيم الرّومي الحنفي، الشهير بابن الخطيب [١] ، العالم الفاضل، أحد الموالي العثمانية. قرأ على أخيه المولى خطيب زاده وعلى غيره، وولي التداريس، وترقّى فيها حتّى صار مدرّسا بمدرسة السلطان مراد خان ببروسا. وتوفي وهو مدرّس بها. قال في «الشقائق» : كان سليم الطبع، حليم النّفس، منجمعا عن الخلق، مشتغلا بنفسه، أديبا، لبيبا إلا أنه لم يشتغل بالتصنيف لضعف دائم في مزاجه. انتهى وفيها شهاب الدّين أحمد بن حمزة الشيخ الإمام العالم العلّامة الصّالح التّركي الطّرابلسي الدمشقي الشافعي الصّوفي [٢] . ولد في شوال سنة أربع وثلاثين وثمانمائة، وكان إماما لكافل طرابلس الشام، ولما جاء من كفالة طرابلس إلى كفالة دمشق صحبه المترجم، وكان على طريقة حسنة. قال الحمصي: كان رجلا عالما صالحا، ومن محاسنه أنه صلى بالجامع الأموي في شهر رمضان بالقرآن جميعه في ركعتين.

стр. 4930

وقال النّعيمي: أصيب في بصره سنة خمس عشرة وتسعمائة بعد أن أصيب في أواخر القرن التاسع بأولاد نجباء وصبر، ثم انقطع عن الناس بالمدرسة التّقوية إلى أن توفي يوم الجمعة [١] خامس ذي القعدة. وفيها- تقريبا- شهاب الدّين أحمد بن عمر بن سليمان الجعفري الدمشقي الشافعي الصّوفي الوفائي [٢] . له كتاب لطيف شرح فيه «حكم ابن عطاء الله» وضعه على أسلوب غريب كلما تكلّم على حكمة اتبعها بشعر عقدها فيه فمن ذلك قوله [٣] : أجلّ أوقات عارف زمن ... يشهد فيه وجود فاقته متّصفا بالذي يقرّبه ... من ربّه من وجود زلّته عقد فيه قول ابن عطاء الله [٤] خير أوقاتك وقت شهدت فيه وجود فاقتك، وتردّ إلى وجود ذلّتك. وقال أيضا [٥] : خير ما تطلب منه ... هو ما يطلب منكا فاطلب التوفيق منه ... للذي يرضيه عنكا عقد فيه قول ابن عطاء الله [٦] : خير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك. وقال أيضا [٥] : إنّ وسع الكون صغي ... ر جرم جثمانيّتك فإنّه يضيق عن ... عظيم روحانيّتك

стр. 4931

عقد فيه قول ابن عطاء الله [١] : وسعك الكون من حيث جثمانيّتك، ولم يسعك من ثبوت روحانيّتك. وفرغ من تأليف هذا الكتاب يوم الجمعة ثالث عشري القعدة من السنة التي قبلها بمكة المشرّفة تجاه البيت الحرام. وفيها أحمد الشيخ الصّالح المعتقد، المعروف بأبي [٢] عراقية [٣] . أصله من العجم، وأقام بدمشق، وكان للأروام فيه اعتقاد زائد. قال ابن طولون: وهو ممن أخذ عنه، وقد أخبرنا كثيرا عن استيلائهم على هذه البلاد وعمارتهم على قبر المحيوي بن العربي، وعنده تكية قبل موته، وقد وقع ذلك بعد موته بسنتين كما قال. انتهى توفي في هذه السنة، ودفن عند صفة الدّعاء أسفل الروضة من سفح قاسيون. وفي حدودها صاحب خزانة الفتاوي وهو القاضي جكن- بضم الجيم، وفتح الكاف، وسكون النون، وهي كلمة هندية جعلت علما ومعناها بلسان الهند كثير المال. كان رحمه الله تعالى أحد إخوة أربعة كلهم فقهاء فضلاء ولّوا القضاء بنهر واله من إقليم الكجرات واسم القصبة التي نشأوا بها كري- بفتح الكاف، وكسر الراء، آخره ياء مثناة تحت- وكان في أواخر سلطنة السلطان محمود شاه بن محمد شاه بن أحمد شاه الكجراني. وفيها حسام الدّين حسين بن عبد الرحمن الرّومي الحنفي [٤] ، العالم الفاضل.

стр. 4932

قرأ على علماء عصره، ودخل إلى خدمة المولى أفضل زاده، ثم قرأ على المولى عبد الرحمن بن المؤيد ثم خدم المولى خواجه زاده، ثم ولي التداريس، حتّى صار مدرسا بمدرسة السلطان محمد ببروسا، ثم بمدرسة أبي يزيد باماسية، ثم بإحدى الثمانية، ومات وهو مدرّس بها، وكان فاضلا، بارعا، حسن الصّوت، لطيف المعاشرة، له أدب ووقار، وله حواش على «أوائل حاشية التجريد» وكلمات متعلقة ب «شرح الوقاية» لصدر الشريعة، ورسالة في جواز استخلاف الخطيب، ورسالة في جواز الذكر الجهري، وغير ذلك. قاله في «الكواكب» . وفيها عمر بن معوضة الشّرعبي [١] . قال في «النّور» : كان فقيها عالما صالحا. مات يوم الأربعاء ثاني عشر شوال بزبيد. انتهى وفيها أبو الوفا محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد الموصلي الأشعري الشافعي [٢] الشيخ الصالح المسلك المربي. قال في «الكواكب» : كان من أعيان الصّوفية بدمشق وأصلائهم أبا عن جد. توفي في ثامن عشر شهر رمضان، ودفن بمقبرة القبيبات، رحمه الله تعالى. وفيها جمال الدّين محمد بن الصّديق الصّائغ [٣] . قال في «النّور» : كان فقيها إماما علّامة. توفي بمدينة زبيد ليلة السبت الحادي عشر من شهر ربيع الأول، ودفن غربي مشهد الشيخ أحمد الصّيّاد. انتهى.

стр. 4933

سنة إحدى وعشرين وتسعمائة في حدودها توفي الشيخ شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن حسين بن محمد العليني المكي [١] نزيل المدينة الشافعي. ولد سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وسمع على جماعة، وأجازه آخرون. قال ابن طولون: أجازني في استدعاء بخطّ شيخنا النّعيمي مؤرّخ في سنة عشرين وتسعمائة. قال: وربما اجتمعت به. انتهى وفيها بدر الدّين حسن بن ثابت بن إسماعيل الزّمزميّ المكّي [٢] خادم بئر زمزم، وسقاية العبّاس، نزيل دمشق، الشافعي الإمام الحيسوب المفيد. قال في «الكواكب» : أخذ العلم عن قريبه الشيخ إبراهيم الزّمزمي وغيره، ثم اعتنى بعلم الزيارج، وبتصانيف الشيخ جلال الدّين السّيوطي، رحمه الله تعالى. وتوفي بالمدرسة البادرائية داخل دمشق في سابع عشر ربيع الأول تقريبا سنة إحدى وعشرين وتسعمائة تحقيقا ودفن بمقبرة باب الصغير. انتهى وفيها قاضي القضاة سري الدّين أبو البركات عبد البرّ بن قاضي القضاة محبّ الدّين أبي الفضل محمد بن قاضي القضاة محبّ الدّين أيضا أبي الوليد محمد بن الشّحنة [٣] الحنفي.

стр. 4934

ولد بحلب سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، ورحل إلى القاهرة، فاشتغل في علوم شتّى على شيوخ متعددة ذكرهم السخاوي في ترجمته في «الضوء اللامع» منهم والده وجدّه، ودرّس وأفتى، وتولى قضاء حلب ثم قضاء القاهرة، وصار جليس السلطان الغوري وسميره. قال الحمصي: كان عالما متقنا [١] للعلوم الشرعية والعقلية. وقال ابن طولون: ولم يثن الناس عليه خيرا. وذكر الحمصي أن عبيد السّلموني شاعر القاهرة هجاه بقصيدة قال في أولها: فشا الزّور في مصر وفي جنباتها ... ولم لا وعبد البرّ قاضي قضاتها [٢] وعقد على السّلموني بسبب ذلك مجلس في مستهل محرم سنة ثلاث عشرة بحضرة السلطان الغوريّ، وأحضر في الحديد، فأنكر، ثم عزّر بسببه بعد أن قرئت القصيدة بحضرة السلطان وأكابر الناس وهي في غاية البشاعة والشّناعة، والسّلموني المذكور كان هجاء خبيث الهجو ما سلم منه أحد من أكابر مصر فلا يعدّ هجوه جرحا في مثل القاضي عبد البرّ، وقد كان له في ذلك العصر حشمة، وفضل، وكان تلميذه القطب بن سلطان مفتي دمشق يثني عليه خيرا ويحتج بكلامه في مؤلفاته، وكان ينقل عنه أنه أفتى بتحريم قهوة البن، وله رحمه الله تعالى مؤلّفات كثيرة منها «شرح منظومة ابن وهبان» في فقه أبي حنيفة النّعمان، ومنها «شرح الوهبانية» [٣] في فقه الحنفية، و «شرح منظومة جدّه أبي الوليد بن الشحنة» التي نظمها في عشرة علوم، وكتاب لطيف في حوض دون ثلاثة أذرع هل يجوز فيه الوضوء، أولا وهل يصير مستعملا بالتوضي فيه أولا، ومنها «الذخائر الأشرفية في ألغار الحنفية» . وله شعر لطيف منه [٤] :

стр. 4935

أضار وها مناقبي الكبار [١] ... وبي والله للدنيا الفخار بفضل شائع وعلوم شرع ... لها في سائر الدنيا انتشار ومجد شامخ في بيت علم ... مفاخرهم بها الركبان ساروا وهمة لوذع منهم تسامى ... وفوق الفرقدين لها قرار وفكر صائب في كلّ فن ... إلى تحقيقه أبدا يصار وقال ناظما لأسماء البكّائين في غزوة تبوك [٢] وهم الذين نزلت فيهم وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ من الدَّمْعِ ٩: ٩٢ [التوبة: ٩٤] . ألا إنّ بكّاء الصّحابة سبعة ... لكونهم قد فارقوا خير مرسل فعمرو أبو ليلى وعلية سالم ... كذا سلمة عرباض وابن مغفل وذيّل عليه البدر الغزّي، فقال [٣] : كثعلبة عمرو وصخر وديعة ... وعبد بن عمرو وابن أزرق معقل قال البدر المذكور: وكنت قبل أن أقف على بيتي القاضي عبد البرّ المذكور قد استوفيت أسماءهم ونظمتها في هذه الأبيات [٤] : وفي الصّحب بكّاؤون بضعة عشر قد ... بكوا حزنا إذ فارقوا خير مرسل فمنهم أبو ليلى وعمرو بن عتمة ... وصخر بن سلمان وربّع بمعقل كذلك عبد الله وهو ابن أزرق ... كذاك ابن عمرو ثم نجل مغفل وثعلبة وهو ابن زيد وسالم ... هو ابن عمير في مقال لهم جلي أبو علية أو علية ووديعة ... وبالأمجد العرباض للعدّ أكمل

стр. 4936

وذكر ابن الحنبلي في «تاريخه» أن القاضي عبد البرّ نظم أبياتا في أسماء البكّائين المذكورين، وبيّن فيها اختلاف المفسّرين وأهل السير فيهم، وشرحها في رسالة لطيفة. ومن لطائفه قوله [١] : حبشيّة ساءلتها عن جنسها ... فتبسّمت عن درّ ثغر جوهري وطفقت أسأل عن نعومة ما طفا ... قالت فما تبغيه جنسي امحري وتوفي يوم الخميس خامس شعبان بحلب. وفيها تقريبا عزّ الدّين عبد العزيز بن عبد اللطيف بن أحمد بن جار الله بن زايد بن يحيى بن محيا بن سالم المكي الشافعي، المعروف كسلفه بابن زايد [٢] . ولد سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة بمكة، وحفظ القرآن العظيم، وسافر مع أبيه في التجارة إلى الهند واليمن، وسواكن، وغيرها، وسمع على أبي الفتح المراغي جميع «البخاري» خلا أبواب، وبعض «مسلم» وكتبا كثيرة، منها «السنن الأربعة» وسمع على الحافظ تقيّ الدّين بن فهد، ومنه أشياء كثيرة، وعلى الشّهاب الزّفتاوي «المسلسل بالأولية» و «جزء أيوب السختياني» و «البردة» للبوصيري، وغير ذلك، وأجاز له جماعة منهم الحافظ ابن حجر، وأحمد بن محمد بن أبي بكر الدّماميني، والعزّ عبد الرحيم بن الفرات، والسعد الدّيري، وجماعة آخر. وفيها- تقريبا- أيضا الحافظ عزّ الدّين أبو الخير وأبو فارس عبد العزيز بن العمدة المؤرخ الرّحال نجم الدّين [٣] أبي القاسم، وأبي حفص عمر بن العلّامة الرّحلة الحافظ تقي الدّين أبي الفضل محمد بن محمد بن محمد [بن محمد] [٤]

стр. 4937

الشريف العلوي الشهير كسلفه بابن فهد المكّي الشافعي. ولد في الثلث الأخير من ليلة السبت سادس عشري شوال سنة خمسين وثمانمائة بمكّة المشرّفة، وحفظ القرآن العظيم، و «الأربعين النووية» و «الإرشاد» لابن المقري، و «ألفية ابن مالك» و «النّخبة» لابن حجر، و «التحفة الوردية» و «الجرومية» وعرضها جميعها على والده وجدّه والثلاثة الأولى على جماعة غيرهما، واستجاز له والده جماعة منهم ابن حجر، وأسمعه على المراغي، والزّين الأسيوطي، والبرهان الزّمزمي وغيرهم، ثم رحل بنفسه إلى المدينة المنورة، ثم إلى الدّيار المصرية، وسمع بهما، وبالقدس، وغزّة، ونابلس، ودمشق، وصالحيتها، وبعلبك، وحماة، وحلب، وغيرها ممن لا يحصى، وجدّ واجتهد وتميّز، ثم عاد إلى بلده، ثم رجع إلى مصر بعد نحو أربع سنوات [١] وذلك في سنة خمس وسبعين، وقرأ على شيخ الإسلام زكريا، والشّرف عبد الحق السّنباطي في «الإرشاد» وعلى السخاوي «ألفية الحديث» وغيرها، ورجع إلى بلده، ثم سافر في موسم السنة التي تليها إلى دمشق، وقرأ بها على الزّين خطّاب، والمحبّ البصروي، وكان قد أخذ عنه بمكة أيضا، وحضر دروس التّقوي بن قاضي عجلون، وسافر إلى حلب، ثم رجع، وسافر إلى القاهرة، ثم عاد إلى بلده، ثم عاد إلى القاهرة، ولازم السّخاوي، وحضر دروس إمام الكاملية، والسّراج العبادي، ثم رجع إلى بلده، وأقام بها ملازما للاشتغال والإشغال، ولازم فيها عالم الحجاز البرهان ابن ظهيرة في الفقه والتفسير، وأخاه الفخر، والنّور الفاكهي في الفقه وأصوله، وأخذ النحو عن أبي الوقت المرشدي، والسيد السّنهوري مؤرخ المدينة، والنحو والمنطق عن العلّامة يحيى المالكي، وبرع في علم الحديث، وتميّز فيه بالحجاز، مع المشاركة في الفضائل وعلو الهمّة والتخلق بالأخلاق الجميلة، وصنّف عدة كتب، منها «معجم شيوخه» نحو ألف شيخ، و «فهرست مروياته» و «جزء في المسلسل بالأولية» وكتاب فيه المسلسلات التي وقعت له، و «رحلة» في مجلد، وكتاب «الترغيب والاجتهاد في الباعث لذوي الهمم العلية

стр. 4938

على الجهاد» و «ترتيب طبقات القرّاء» للذهبي، و «تاريخ» على السنين ابتدأ فيه من سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة. وذكر ابن طولون أنه أجازه مرارا، وسمع منه الحديث المسلسل بالأولية، ثم المسلسل بالمحمدين، ثم المسلسل بحرف [١] العين، وذلك يوم الاثنين سادس ذي الحجة سنة عشرين وتسعمائة بزيارة دار الندوة. انتهى وفيها جمال الدّين محمد بن محمد النّطاري [٢] . قال في «النّور» : كان نعم الرّجل، فقها، وعقلا، وصيانة، ودينا، وأمانة، وبذلا للمعروف، كافا للأذى، معينا للملهوف، له صدقات جليلة سرّا وعلانية، وكان قطب رحى المملكة السلطانية الظّافرية وعين الأعيان في الجهة اليمانية. ومن آثاره بناء المسجد ببيت الفقيه عجيل، عمره عمارة متقنة إلى الغاية، وبني مدرسة بمدينة أب، ووقف عليها وقفا جليلا، وجملة من الكتب النّفيسة، وله من الآثار الحسنة ما يجلّ عن الوصف. وتوفي يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى بمدينة أب بعد أن طلع إليها متوعكا من نحو شهر، وترك ولده الفقيه عبد الحق [٣] عوضا عنه بزبيد. انتهى

стр. 4939

سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة فيها زالت دولة الجراكسة بملوك بني عثمان خلّد الله دولتهم وأبّد سيادتهم. وفيها توفي القاضي برهان الدّين إبراهيم السّمديسي المصري الحنفي [١] . قال في «الكواكب» : ولي نيابة القضاء والوظائف الدينية بالقاهرة، وناب عن عمّه القاضي شمس الدّين السّمديسي في إمامة الغورية. وتوفي يوم الاثنين سادس عشر جمادى الأولى وصلّي عليه في الجامع [٢] الأزهر. انتهى وفيها برهان الدّين أبو الوفاء إبراهيم بن زين الدّين أبي هريرة عبد الرحمن بن شمس الدّين محمد بن مجد الدّين إسماعيل الكركي الأصل القاهري [٣] المولد والدار والوفاة، الحنفي إمام السلطان، ويعرف بابن الكركي. قال في «النّور السافر» : ولد وقت الزوال من يوم الجمعة تاسع شهر رمضان سنة خمس وثلاثين وثمانمائة بالقاهرة، وأمه أم ولد جركسية، وحفظ القرآن، و «أربعين النّووي» و «الشاطبية» و «مختصر القدوري» و «ألفية ابن مالك» وغيرها. وعرض محفوظاته على أئمة عصره، كالشهاب ابن حجر، والعلم البلقيني،

стр. 4940

والقلقشندي، واللولوي السقطي، وابن الدّيري، وابن الهمام، وجماعة آخرين، وكتبوا كلّهم له، وسمع «صحيح مسلم» أو أكثره على الزّين الزّركشي، وأقبل على العلم وتحصيله، فأخذ الفقه والعربية عن الشمس إمام الشيخونية، وكذا أخذ عن النجم الغزّي، والعزّ عبد السلام البغدادي، وسمع عليه «الشفا» وقرأ «الصحيحين» على الشّهاب بن العطّار، وحضر دروس الكمال بن الهمام، ولازم التّقي الحصني، والتّقي الشّمنّي، والكافيجي، وعظم اختصاصه بهم، وأخذ عن الشّمنّي التفسير، وعلوم الحديث، والفقه، والأصلين، والعربية، والمعاني، والبيان، ورتّبت له الوظائف الكثيرة، من جملتها دينار كل يوم، ونوه به في قضاء الحنفية، وكان شأنه أعلى من ذلك إذ كان القضاة وغيرهم يترددون إليه، ومال الأفاضل من الغرباء وغيرهم من الاستفادة منه والمباحثة معه، ولم يزل يزيد اختصاصه بالسلطان قايتباي بحيث لم يتخلف عنه في سفر ولا غيره. قال السخاوي: إنه تمنى بحضرته الموت فانزعج من ذلك وقال: بل أنا أتمناه لتقرأ عند قبري وتزورني، وصنّف، وأفتى، وحدّث، وروى، ونظم، ونثر، ونقّب، وتعقب، وخطب، ووعظ، وقطع، ووصل، وقدّم، وأخر. ومن تصانيفه فتاوى في الفقه مبوبة في مجلدين، و «حاشية على توضيح ابن هشام» هذا كله مع الفصاحة، والبلاغة، وحسن العبارة، والضبط، وجودة الخط، ولطف العشرة، والميل إلى النّادرة، واللطف، ومزيد الذكاء، وسرعة البديهة، والاعتراف بالنّعمة، والطبع المستقيم، إلى أن تنكد خاطر السلطان من جهته في سنة ست وثمانين فمنعه من الحضور في حضرته، فتوجه للإقراء في بيته فنون العلم والفتيا، وحجّ ثلاث حجّات، وأخذ عن أهل الحرمين، وأخذوا عنه. انتهى كلام صاحب «النّور» . وقال ابن فهد: إنه تولى قضاء الحنفية بالقاهرة في زمن الأشرف بن قايتباي في سنة ثلاث وتسعمائة، ثم عزل سنة ست، واستمرّ معزولا إلى أن مات. وقال في «الكواكب السائرة» : كانت وفاته يوم الثلاثاء خامس شعبان غريقا تجاه منزله من بركة الفيل بسبب أنه كان توضأ بسلالم قيطونه فانفرك به القبقاب
следующие страницы →