← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

سنة أربع وعشرين وتسعمائة فيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن قاسم بن محمد، الشهير بابن الكيّال [١] الدمشقي الشافعي الفاضل المحدّث. توفي يوم الثلاثاء حادي عشر صفر، ودفن بمقبرة باب الصغير. قاله في «الكواكب» . وفيها شهاب الدّين أحمد بن علي بن إبراهيم [٢] الباعوني [٣] الأصل من قرية باعونة بالموصل الحلبي المولد والدار والوفاة الشاعر، المعروف بابن الصوّاف، والمعروف أبوه بالصّغير- بالتصغير-. كان أديبا شاعرا، ذكره جار الله بن فهد في رحلته إلى حلب سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، وذكره في «معجم الشعراء» الذين [٤] سمع منهم الشعر. وأنشد له [٥] : روحي الفداء لذي لحاظ قد غدت ... بسوادها البيض الصّحاح مراضا

стр. 4972

كالغصن قدّا والنّسيم لطافة ... والياسمين ترافة [١] وبياضا وله قصيدة التزم فيها واوين أول كل بيت وآخره مطلعها [٢] : وواد به [٣] الغيد الحسان قد استووا ... وورد ظباء الحيّ في ظلّه ثووا توفي بالحريق في داره بحلب. وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر الشهير بابن بريّ الخالديّ البابي الحلبي ثم الدمشقي [٤] الحنفي الصّوفي. ولد في ثالث صفر سنة أربعين وثمانمائة، وكان من أعيان الناس الصلحاء. وتوفي بدمشق يوم الأحد سادس عشر [٥] رجب ودفن بمقبرة الحمرية. وفيها زين الدّين عبد الرحمن بن جماعة المقدسي الشافعي [٦] العلّامة شيخ الصّلاحية بالقدس الشريف. توفي بالقدس في هذه السنة، وصلّي عليه وعلى الشيخ عبد القادر الدشطوطي غائبة بجامع بني أمية بدمشق يوم الجمعة ثاني عشر رمضان. قاله في «الكواكب» . وفيها الشيخ زين الدّين عبد القادر بن محمد الشيخ الصالح المعمّر المعتقد المجرّد العفيف العارف بالله تعالى الدّشطوطي [٧] كذا ضبطه العلائي، وضبطه السخاوي في «الضوء» الطشطوطي- بطاءات مهملات بينهما شين معجمة وواو، نسبة إلى دشطوط من قرى الصعيد-.

стр. 4973

قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في «طبقاته» : هو المعروف بالكرامات المشهورة بخوارق الآيات البينات والكشف العام والقبول التام عند الملوك فمن سواهم من الأعلام ذوو الصّفات التي اشتهرت والعجائب التي بهرت عند ما ظهرت. كان ضريرا وعمّر جوامع بمصر وقرارها، ووقف الناس عليها [١] أوقافا كثيرة، ومن كلامه أوصيك بعدم الالتفات لغير الله تعالى في شيء من أمر الدّارين، فإن جميع الأمور لا تبرز إلّا بأمره فارجع فيها لمن قدرها. وقال: إذا استحكمت هيبة الله في قلب عبد أخذ عن إدراك التكليف، وقامت به حالة حالت بينه وبين الحركة والصّلاة، وصار عليه كل بلاء أهون من صلاة ركعتين. وقال في بعض الكتب المنزلة يقول الله: «يا عبدي لو سقت لك ذخائر الكونين فنظرت بقلبك إليها طرفة عين فأنت مشغول عنّا لا بنا» . وكان صاحيا لكنه حافيا مكشوف الرأس، عليه جبّة حمراء، وكان لقبه بين الأولياء صاحب مصر. توقف النيل ثم هبط أيام الوفاء ثلاثة أذرع فخاض في البحر وقال: اطلع بإذن الله فطلع فورا، فاقتتل الناس عليه يتبركون به، وحجّ ماشيا حافيا طاويا، فلما وصل باب السلام وضع خدّه على العتبة فما أفاق، إلّا بعد ثلاث، وكان يرى مع الدليل تارة ومع السّاقة أخرى ويخفي ويظهر، وكان قايتباي إذا زاره يمرّغ وجهه على أقدامه. وقال: طلبت من الله مقام الحضور بين يديه فتجلى لي من حضرته أمر ذابت منه مفاصلي، وصرت أطلب طلوع روحي فما أجاب، فتوسلت بالمصطفى ﷺ فرحمني وأسدل عليّ الحجاب. ولما عمّر القبة التي دفن بها بزاويته صار يقول للشيخ جلال الدّين البكري: أسرع فالوقت قرب، وقال له: لا تجعل لأحد من الشهود والقضاة وظيفة في زاويتي إنما جعلت وقفها [٢] لمكشفي الركب من كل مقيم ووارد. انتهى

стр. 4974

وبالجملة فمناقبه كثيرة. وترجمه الحافظ السيوطي بالولاية، وألّف بسببه تأليفا في تطور الولي ذكر في أوله أن سبب تأليفه أن رجلين من أصحاب الشيخ المذكور حلف كل واحد منهما أن الشيخ عبد القادر بات عنده ليلة كذا، فرفع إليه سؤال في حكم المسألة. قال: فأرسلت إلى الشيخ عبد القادر وذكرت له القصة، فقال: لو قال أربعة إني بتّ عندهم لصدقوا. قال السيوطي: فأجبت بأنه لا يحنث واحد منهما، ثم حمل ذلك على تطور الولي وهو جزء لطيف حافل نقل فيه كلام فحول العلماء، كابن السبكي، والقونوي، وابن أبي المنصور، وعبد الغفّار القوصي، واليافعي رضي الله تعالى عنهم وعنه. وفيها قوام الدّين أبو يزيد [١] محمد بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن نصر [٢] بن عمر بن هلال الحبيشي الأصل الحلبي الشافعي العلّامة. قال في «الكواكب» : كان عالما فاضلا مناظرا، له حدة في المناظرة، وذكاء مفرط، وحفظ عجيب، حفظ «الشاطبية» وعرضها بحلب سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة، وسافر مع أبيه إلى بيت المقدس فعرض أماكن منها، ومن «الرائية» على إمام الأقصى عبد الكريم بن أبي الوفا، ثم جاور بمكة سنين، واشتغل بها، وسمع مع أبيه على الحافظ السخاوي، ثم عاد من مكة إلى حلب، واشتغل على عالمها البدر السّيوفي، فقرأ عليه «الإرشاد» لابن المقري، وسمع بقراءته الشيخ زين الدّين بن الشمّاع، ودرّس بجامع حلب ووعظ به، وكان يأتي في وعظه بنوادر الفوائد. وسرد مرّة النّسب النّبوي طردا وعكسا، ثم أعرض عن ذلك وصار صوفيا بسطاميا كأبيه يلف المئزر ويرخي له عذبة رعاية للسّنّة، وكانت وفاته في حياة أبيه في شوال بحلب. انتهى

стр. 4975

سنة خمس وعشرين وتسعمائة وفيها توفي شهاب الدّين أحمد بن القاضي محيي الدّين عبد القادر النّبراوي [١] المصري الحنبلي الشّاب الفاضل. توفي يوم الخميس خامس عشري ربيع الأول. وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن عبد الملك بن علي بن عبد الله الموصلي [٢] الشّيباني المقدسي ثم الدمشقي الشافعي الصّوفي الصالح الورع الزّاهد العابد المحقّق المسلّك. أحد مشايخ الصّوفية بدمشق والقدس، وشيخ زاويتي جدّه بهما. ولد بالقدس في ربيع الأول سنة أربع وأربعين وثمانمائة، وأخذ عن القطب الخيضري وغيره، ولبس الخرقة من ابن عمّه الشيخ زين الدّين عبد القادر بلباسه لها من والده الشيخ إبراهيم بلباسه لها من يد والده الشيخ العارف بالله تعالى سيدي أبي بكر الموصلي وهو جدّ المترجم أيضا. قال ابن طولون: جالسته كثيرا بالجامع الأموي، وانتفعت به، وأجاز لي شفاها غير مرّة، وكتبت عنه أشياء. انتهى وتوفي يوم الاثنين حادي عشري ذي القعدة، ودفن جوار قبر الشيخ إبراهيم النّاجي بباب الصغير.

стр. 4976

وفيها شهاب الدّين أحمد الحسامي [١] القاهري الشافعي الإمام العلّامة المحقّق المجد الصّوفي. كان بارّا بأمّه، قائما بمصالحها، صابرا، متواضعا، يخدم نفسه ويشتري حوائجه من السوق ويحملها بنفسه، ولا يمكّن أحدا يحملها عنه، وكان يتعمم بالقطن من غير قصارة وثيابه قصيرة اقتداءا بالسّلف، وكان ملازما للطهارة، لا يكاد يدخل عليه وقت وهو محدث، وكان كثير الصّمت، قليل الكلام، تجلس معه اليوم واليومين فلا تسمع منه كلمة لغو، كثير الصّيام والقيام، يقوم النصف الثاني من الليل كل ليلة، وكان يتورع عن صدقات النّاس ولا يقبل هدية من أحد، وأخذ التصوف عن الشيخ علي المرصفي، وكان يذهب إلى مجلسه كل يوم جمعة، وكان العلماء مع ذلك يرجعون إليه في المعقولات ويعدلونه في العربية بابن مالك، وابن هشام. وتوفي بالقاهرة يوم الثلاثاء خامس عشر ربيع الثاني. وفيها- تقريبا- المولى إدريس بن حسام الدّين [البدليسي] العجمي [٢] ثم الرّومي الحنفي العالم الفاضل. قال في «الشقائق» : كان موقّعا لديوان أمراء العجم، ولما حدثت فتنة ابن أردويل ارتحل إلى الرّوم فأكرمه السلطان أبو يزيد غاية الإكرام، وعيّن له مشاهرة ومسانهة، وعاش في كنف حمايته عيشة راضية، وأمره أن ينشئ «تواريخ آل عثمان» بالفارسية فصنّفها، وكان عديم النّظير فاقد القرين بحيث أنسى الأقدمين ولم يبلغ إنشاءه أحد من المتأخرين، وله قصائد بالعربية والفارسية تفوت الحصر، وله رسائل عجيبة في مطالب متفرقة. وبالجملة كان من نوادر الدهر ومفردات العصر. انتهى وفيها بدر الدّين حسن بن إبراهيم بن أحمد بن خليل بن أحمد بن

стр. 4977

عثمان بن عيسى بن عمر بن علي بن سلامة العجمي [١] الأصل المقدسي ثم الصالحي الحنبلي. حفظ «المحرّر» للمجد بن تيمية وحلّه على شارحه الشيخ علاء الدّين البغدادي، ولازم شيخ الحنابلة الشّهاب العسكري في الفقه، وقرأ «توضيح» ابن هشام على الشّهاب بن شكم، ولازمه مدة طويلة، وتسبّب بالشهادة في مركز العشر. وتوفي يوم الخميس حادي عشر المحرم بالصالحية، ودفن بتربة القاضي علاء الدّين الزواوي. وفيها بدر الدّين حسن بن علي بن يوسف بن المختار الإربلي الأصل الحصكفي [٢] الحلبي الشافعي الشهير بابن السّيوفي العلّامة شيخ الإسلام. ولد- تقريبا- كما ذكره السخاوي في «الضوء اللامع» في سنة خمسين وثمانمائة بحصن كيفا، ونشأ به وحفظ القرآن العظيم، و «المنهاج» للنووي، و «الإرشاد» لابن المقري و «ألفيتي» العراقي في الحديث، وفي «السيرة» و «منهاج البيضاوي» الأصلي، و «الطوالع» له أيضا و «الشاطبية» و «الكافية لابن الحاجب» و «الألفية لابن مالك» و «تصريف العزّي» و «الشمسية» وقرأ «الشّاطبية» والقرآن العظيم بمضمونها على ابن مبارك شاه الهروي، وهو علي الجلال الهروي، وهو على ابن الجزري، وقرأ على الهروي المذكور في العروض، وأنهى عليه كتاب «القسطاس» للزمخشري. قرأه بحلب وقرأ أيضا بعض السبع على أبي الحسن الجبرتي نزيل سطح الجامع الأزهر في دخلته إلى القاهرة، وقرأ ثمن حزب أو دونه للأربعة عشر على الزّين جعفر السّنهوري، وأخذ الفقه وغيره بها عن الشّمس الجوجري، وسمع عليه وأخذ بالقدس عن الكمال بن أبي شريف، وأجازه وأخذ الفقه والحديث أيضا عن الشمس السّلامي الحلبي بها والأصول والمنطق والمعاني والبيان عن علي قرا درويش، والحديث أيضا عن البرهان الحلبي، وقرأ عليه «الصحيحين» و «الشفا»

стр. 4978

وعن الشيخ نصر الله «كافية ابن الحاجب» وعن منلا زادة «تفسير البيضاوي» والنحو عن المنلا عبد الرحمن الجامي، وحجّ سنة ست وستين وثمانمائة فأخذ بمكة عن التّقي بن فهد، وسمع بدمشق على الشيخ عبد الرحمن بن خليل الأذرعي، وأخذ عن البرهان البقاعي، وأجازه بالإفتاء والتدريس جماعة وصار أعجوبة زمانه وواسطة عقد أقرانه، ثم تصدّر ببلده للإفادة، وانتفع الناس به، وصار شيخ بلده ومفتيها ومحقّقها ومدقّقها، مع الديانة والصّيانة. قال في «الكواكب» : غير أنه كان يكثر الدعوى والتّبجح والمشاححة لطلبة العلم في الألفاظ وغيرها، وكان طويل القامة، نيّر الشّيبة، مهيبا، يخضب لحيته بالسواد في أول شيبه ثم ترك آخرا. ومن مؤلفاته حاشية على «شرح المنهاج» للمحلّي وحاشية على «شرح الكافية المتوسط» . ومن شعره: إذا ما نالت السّفهاء عرضي ... ولم يخشوا من العقلاء لوما كسوت من السكوت فمي لثاما ... وقلت نذرت للرحمن صوما وتوفي بحلب في ربيع الأول بعد أن ألمت به كائنة بغير حق من قبل قاضي حلب زين العابدين محمد بن الفناري. وفي «تاريخ ابن طولون» أنه مات قهرا بسبب تلك الكائنة ولم تطل [١] مدة القاضي بعده. وفيها شيخ الإسلام قاضي القضاة زين الدّين الحافظ زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري [٢] السنيكي ثم القاهري الأزهري الشافعي. قال في «النور» : ولد سنة ست وعشرين وثمانمائة بسنيكة من الشرقية ونشأ

стр. 4979

بها وحفظ القرآن، و «عمدة الأحكام» وبعض «مختصر التبريزي» ثم تحول إلى القاهرة سنة إحدى وأربعين فقطن في جامع الأزهر وكمل. حفظ «المختصر» ثم «حفظ المنهاج» الفرعي و «الألفية النحوية» و «الشّاطبية» و «الرائية» وبعض «المنهاج الأصلي» ونحو النصف من «ألفية الحديث» ومن «التسهيل» إلى كاد، وأقام بالقاهرة يسيرا ثم رجع إلى بلده وداوم الاشتغال وجدّ فيه، وكان ممن أخذ عنه القاياتي والعلم البلقيني والشّرف السّبكي والشّموس الوفائي، والحجازي، والبدرشي، والشّهاب بن المجدي، والبدر النّسابة والزّين البوشنجي، والحافظ ابن حجر، والزّين رضوان في آخرين، وحضر دروس الشرف المناوي، وأخذ عن الكافيجي، وابن الهمام، ومن لا يحصى كثرة، ورجع إلى القاهرة فلم ينفك عن الاشتغال والإشغال مع الطريقة الجميلة والتواضع وحسن العشرة والأدب والعفّة والانجماع عن أبناء الدنيا، مع التقلل وشرف النّفس، ومزيد العقل وسعة الباطن والاحتمال والمداراة، وأذن له غير واحد من شيوخه في الإفتاء والإقراء، منهم شيخ الإسلام ابن حجر، وتصدى للتدريس في حياة شيوخه، وانتفع به الفضلاء طبقة بعد طبقة، وشرح عدة كتب وألّف ما لا يحصى كثرة، فلا نطيل بذكرها إذ هي أشهر من الشمس، وقصد بالفتاوى، وزاحم كثيرا من شيوخه فيها، ورويته أحسن من بديهته وكتابته أمتن من عبارته، وعدم مسارعته إلى الفتاوى يعد من حسناته، وله الباع الطويل في كلّ فنّ خصوصا التصوف وولي تدريس عدة مدارس إلى أن رقي إلى منصب قضاء القضاة بعد امتناع كثير وذلك في رجب سنة ست وثمانين واستمر قاضيا مدة ولاية الأشرف قايتباي ثم بعد ذلك إلى أن كفّ بصره فعزل بالعمى، ولم يزل ملازم التدريس والإفتاء والتصنيف وانتفع به خلائق لا يحصون، منهم ابن حجر الهيثمي. وقال في «معجم مشايخه» : وقدمت شيخنا زكريا لأنه أجلّ من وقع عليه بصري من العلماء العاملين والأئمة الوارثين وأعلى من عنه رويت ودريت من الفقهاء الحكماء المهندسين، فهو عمدة العلماء الأعلام وحجّة الله على الأنام، حامل لواء المذهب الشافعي على كاهله، ومحرّر مشكلاته، وكاشف عويصاته، في بكره وأصائله، ملحق الأحفاد بالأجداد، المتفرد في زمنه بعلو الإسناد كيف ولم يوجد في عصره إلّا من أخذ عنه مشافهة أبو بواسطة أو بوسائط

стр. 4980

متعددة، بل وقع لبعضهم أنه أخذ عنه مشافهة تارة وعن غيره ممن بينه وبينه نحو سبع وسائط تارة أخرى، وهذا لا نظير له في أحد من أهل عصره، فنعم هذا التمييز الذي هو عند الأئمة أولى به وأحرى لأنه حاز به سعة التلامذة والأتباع وكثرة الآخذين عنه ودوام الانتفاع. انتهى وتوفي- رحمه الله تعالى- يوم الجمعة رابع ذي الحجّة بالقاهرة، ودفن بالقرافة بالقرب من الإمام الشافعي ﵁، وجزم في «الكواكب» بوفاته في السنة التي بعدها، وقال: عاش مائة وثلاث سنين انتهى. وفيها عبد الله بن أحمد باكثير- بفتح الكاف وكسر المثلثة- الحضرمي [١] ثم المكيّ الشافعي. قال في «النّور» : ولد في سنة ست أو سبع وأربعين وثمانمائة بحضر موت، ونشأ بها سبع سنين، ونقله والده إلى غيل باوزير فحفظ القرآن في سنة وعمره ثمان سنين، وحفظ «المنهاج» و «البهجة» لابن الوردي، و «خلاصة ابن ظفر» و «ألفية ابن مالك» وغيرها ثم سأل والده الاجتماع بشيخ من الصوفية فأشار عليه بالشيخ عبد الله العيدروس فتوجه إلى تريم وأخذ عنه وتربى على يديه وكان يقول لو أجتمع شيوخ الرسالة في جانب الحرم، وأنا في جانبه الآخر ما كنت أهتز إلى ما [٢] عندهم لما ملأني به الشريف، يعني الشيخ عبد الله، ورحل إلى مكة وأقام بها إلى أن مات، ولقي جماعة من العلماء وأجيز بالإفتاء والتدريس، فتصدى لذلك، وانتفع الناس به ونثر ونظم من ذلك «الدّرر اللوامع في نظم جمع الجوامع» ، «تتمة التمام» و «سفك المدام في عقائد الإسلام» . ومن شعره: من كان يعلم أن كل مشاهد ... فعل الإله فما له أن يغضبا بل واجب أن يرتضي ما شاهدت ... عيناه من ذاك الفعال ويطربا وكان كثير الفوائد، عالما، عاملا، عين المدرّسين بمكة، مع الزّهد

стр. 4981

والصّلاح والعفّة والاحتمال والسكون والانجماع عن أبناء الدنيا. وتوفي بمكة ليلة السبت الثالث عشر ربيع الثاني، ودفن بالمعلاة وخلّف نحو عشرة أولاد ذكورا وإناثا. انتهى وفيها السيد تاج الدّين عبد الوهاب بن أحمد السيد الشريف [١] بن نقيب الأشراف وأمّه الفاضلة البارعة زينب بنت الباعوني. أخذ الفقه عن الشيخ برهان الدّين الطّرابلسي الحنفي المصري بها، وقرأ عليه مصنّفه في الفقه على طريقة المجمع، وتردّد إلى سيدي محمد بن عراق إلى أن توفي ليلة السبت في ربيع الأول بصالحية دمشق عن نحو ثلاثين سنة، وصلّي عليه بمدرسة أبي عمر ودفن بالروضة. وفيها علاء الدّين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الرحيم بن محمد بن علي بن إبراهيم بن مسعود بن محمد الحصكفي الموصلي الشافعي [٢] العلّامة المفنّن المتقن. قطن دمشق أولا مع أبيه، وقرأ بها على الشيخ عماد الدّين، المعروف بخطيب السّقيفة، والبرهان بن المعتمد، وغيرهما، وحجّ ماشيا، ثم قطن حلب، وقرأ بها على الفخر عثمان الكردي، والبدر السّيوفي، والشمس البازلي، وغيرهم، ودرّس بها، وأفاد وأفتى، وجلس بمكتب الشهادة بحلب تحت قلعتها، وتردد الطلبة إلى وتلقى منه جمع جمّ من الأفاضل، حتّى ترقى بعضهم إلى الإفادة، ثم لما أبطلت الدولة العثمانية مكاتب الشهود ترك ذلك وأقبل على الاشتغال والإشغال، وكان له يد طولى في النحو، والصّرف، والمنطق، والعروض، والقوافي، وله تقرير حسن في الفقه ومشاركة كلّية في الأدب. وشعره لطيف منه: تمرّ الليالي والحوادث تنقضي ... كأضغاث أحلام ونحن رقود وأعجب من ذا أنّها كلّ ساعة ... تجدّ بنا سيرا ونحن قعود وله ملغزا:

стр. 4982

يا إماما في النّحو شرقا وغربا ... من له باب [١] سرّه المكنون أيّما اسم قد جاء ممنوع صرف ... وأتى الجرّ فيه والتنوين وأجاب هو عنه بقوله: علم كان للمؤنّث جمعا ... سالما جمع ذين فيه يكون وأجاب عن قول بعض فضلاء النحو: سلّم على شيخ النحاة وقل له ... عندي سؤال من يجبه يعظم أنا إن شككت وجدتموني جازما ... وإذا جزمت فإنني لم أجزم بقوله: قل في الجواب بأنّ إن في شرطها ... جزمت ومعناها التردّد فاعلم وإذا بجزم الحكم إن شرطية ... وقعت ولكن شرطها لم يجزم وتوفي يوم الثلاثاء سابع شوال. وفيها فاطمة بنت يوسف التادفي [٢] الحنبلي الحلبي. قال ابن الحنبلي: وهو ابن أخيها كانت من الصّالحات الخيرات، وكان لها سماع من الشيخ المحدّث برهان الدّين، وكانت قد حجّت مرتين، ثم عادت إلى حلب وأقلعت عن ملابس نساء الدنيا بل عن الدنيا بالكلية ولبست العباءة وزارت بيت المقدس ثم حجت ثالثة وتوفيت بمكة المشرفة. انتهى وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن داود البازلي الكردي ثم الحموي [٣] الشافعي شيخ الإسلام مفتي المسلمين العلّامة. ولد في ضحوة يوم الجمعة سنة خمس وأربعين وثمانمائة في جزيرة ابن عمر، ونشأ بها، وانتقل إلى أذربيجان فحفظ بها كثيرا من الكتب، منها «الحاوي

стр. 4983

الصغير» و «عقائد النّفسي» و «عروض الأندلسي» و «الشمسية» و «كافية ابن الحاجب» و «تصريف العزّي» وأخذ المعقولات عن منلا ظهير، ومنلا محمد القتجفاني، ومولانا عثمان الباوي، والمنقولات عن والده وغيره وقدم الشام سنة تسعين وثمانمائة، وحجّ سنة خمس وتسعين وعاد من الحجاز إلى حماة فقطنها وكان زاهدا متقشفا كثير العبادة يصوم الدهر ويلازم التدريس وألّف عدة مؤلفات منها «حاشية شرح جمع الجوامع» للمحلّي، وكتاب سمّاه «غاية المرام في رجال البخاري إلى سيد الأنام» وكتاب «تقدمة العاجل لذخيرة الآجل» و «أجوبة شافية» عن إشكالات كانت ترد عليه وأسئلة ترفع إليه. وتوفي بحماة رحمه الله تعالى. وفيها شمس الدّين محمد بن علي بن الدّهن الحلبي الشافعي [١] المعمّر، شيخ القراء والإقراء بحلب، وإمام الحجازية بجامعها الكبير. قرأ على جماعة، منهم منلا سليمان بن أبي بكر المقري الهروي وغيره، وكان من العلماء المنوّرين. وفيها قاضي القضاة جلال الدّين محمد بن قاسم المصري المالكي [٢] العلّامة. قال الشعراوي: كان كثير المراقبة لله في أحواله، وكانت أوقاته كلها معمورة بذكر الله تعالى، وشرح «المختصر» و «الرسالة وانتفع به خلائق لا يحصون، وولاه الغوري القضاء مكرها، وكان حسن الاعتقاد في طائفة القوم. قال: وكان أكثر أيامه صائما لا يفطر في السنة إلا العيدين وأيام التشريق، وكان حافظا للسانه في حقّ أقرانه لا يسمع أحدا يذكرهم إلّا ويبجلهم. توفي بمصر في هذه السنة. وفيها محبّ الدّين أبو الثناء محمود بن محمد بن محمود بن خليل بن أجا

стр. 4984

التّدمري الأصل الحلبي ثم القاهري الحنفي [١] ، كاتب الأسرار الشريفة بالممالك الإسلامية، المعروف بابن أجا. قال السخاوي: ولد سنة أربع وخمسين وثمانمائة بحلب، واشتغل بالعلم في القاهرة إلى سنة ثمان وثمانين، ثم زار بيت المقدس، ورجع إلى حلب، وتميّز بالذكاء ولطف العشرة، وولي قضاء حلب في شهر رمضان سنة تسعين، وحجّ سنة تسعمائة، ثم رجع إلى حلب وطلبه السلطان الغوري، وولاه كتابة السّر بالقاهرة عوضا عن ابن الجيعان في أول ولايته سنة ست وتسعمائة، واستمرّ فيها إلى آخر الدولة الجركسية، وهو آخر من ولي كتابة السرّ، ثم حجّ في دولته سنة عشرين، فقرأ عليه المسند جار الله بن فهد عشرين حديثا عن عشرين شيخا وخرّجها له في جزء سمّاه «تحقيق الرجا لعلو المقر بن أجا» ثم عاد إلى القاهرة فشكا مدة فركب إليه السلطان وزاره لمحبته له ثم سافر صحبة الغوري إلى حلب سنة اثنتين وعشرين وأقام بها حتى قتل الغوري فرجع إلى القاهرة فولاه السلطان طومان باي كتابة السّر بها ثم لما دخل السلطان سليم إليها أكرمه وعرض عليه وظيفته فاستعفى منها واعتذر بكبر سنه وضعف يديه، ثم سأل السلطان سليم الإقامة بحلب فأجابه وعاد معه إلى حلب، واستقرّ في منزله إلى أن توفي بها، وكان ذا هيبة وشكالة حسنة وشيبة نيّرة، ظريفا، كيسا، يحب التواريخ، ويرغب في خلطة الأكابر ومدحه الناس كثيرا بالمدائح الحسنة، منهم عائشة الباعونية حين قدمت عليه القاهرة بقصيدتها الرائية التي أولها: حنيني لسفح الصّالحية والجسر ... أهاج الهوى بين الجوانح والصّدر وتوفي بحلب في العشر الأول من شهر رمضان. وفيها أو في التي بعدها نهالي بن عبد الله الرّومي الحنفي [٢] المولى الفاضل المشتهر بهذا اللقب.

стр. 4985

قال في «الشقائق» : ولم نعرف [١] اسمه، وكان عتيقا لبعض الأكابر، وقرأ في صغره مبادئ العلوم، ثم خدم العلماء، وفاق على أقرانه ومهر في العربية والأصول والتفسير، وكان له نظم بالعربية والتركية والفارسية، ووصل إلى خدمة المولى محمد بن الحاج حسن، ودرّس بالمدرسة التي بناها المولى المذكور بالقسطنطينية، ثم بمدرسة مصطفى باشا بالقسطنطينية أيضا، ثم فرغ عن التدريس، وسافر إلى الحجّ، فلما أتمّ الحجّ مرض، فعاهد الله تعالى إن صحّ من مرضه لم يعاود التدريس، وندم على ما مضى من عمره في الاشتغال بغير الله تعالى، فأدركته المنية في مرضه ذلك بمكّة المشرّفة ودفن بها.

стр. 4986

سنة ست وعشرين وتسعمائة فيها توفي أبو النّور التّونسي المالكي [١] ، نزيل المدرسة المقدّمية بحلب. كان حافظا لكتاب الله تعالى، مقرئا يؤدّب الأطفال بالمدرسة المذكورة، وكان من عادته أنه يقرأ ثلث القرآن بعد المغرب وثلثه بعد العشاء. ومن غريب ما اتفق له أنه لما ركب البحر من تونس إلى الإسكندرية [٢] حصل لملّاح السّفينة- وكان فرنجيا- حمّى غب أشغلته عن مصلحة السفينة، وعجز ركابها عن علاج ينفعه وطلب من الشيخ أبي النّور ما يكتب للحمّى، فكتب له في ورقة خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ ٦٩: ٣٠- ٣٢ [الحاقّة: ٣٠- ٣٢] ولف الورقة ودفعها له فوضعها في رأسه فما مضت تلك الليلة حتّى ذهبت عنه الحمّى. وتوفي الشيخ بحلب، ودفن بمقبرة الرّحبي. وفيها الشيخ أحمد بن بترس [٣] الصّفدي [٤] الشيخ العارف بالله تعالى، المكاشف بأسرار غيب الله. كان ظاهر الأحوال بصفد، مسموع الكلمة عند حكامها، وكان الناس

стр. 4987

يترددون إليه فيشفع [١] لهم، ويقضي حوائجهم، ويقرّبهم ويضيفهم، وكان ذا شيبة نيّرة، وكان إذا أراد أن يتكلم بكشف يطرق رأسه إلى الأرض ثم يرفعه وعيناه كالجمرتين يلهث كصاحب الحمل الثقيل، ثم يتكلم بالمغيّبات. وكان في بدايته ذا رياضة ومجاهدة. وتوفي بصفد. قال ابن طولون: صلّي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة ثامن عشري ذي القعدة سنة ست وعشرين وتسعمائة. انتهى. وفيها شهاب الدّين أحمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن عيسى بن محمد بن أحمد بن مسلم الشّهاب بن البدر [٢] المكّي، ويعرف كأبيه بابن العليف- بضم العين المهملة تصغير علف- الشافعي [٣] . قال في «النور» : ولد بمكة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، ونشأ بها، وحفظ القرآن و «الألفية النحوية» و «الأربعين النووية» والكثير من «المنهاج» . وسمع بمكة على التّقي بن فهد، وولده النّجم، والزين عبد الرحمن الأسيوطي، وأبي الفضل المرجاني، ولازم النّور الفاكهي في دروسه الفقهية والنحوية، وبالقاهرة، من الجوجري وغيره، ودخل القاهرة مرارا. قال السخاوي: وكنت ممن أخذ عنه بها وبالحرمين، وتكسّب بالنساخة، مع عقل وتودد، وحسن عشرة، وتميّز، ومع ذلك فلم يسلم ممن يعاديه، بل كاد أن يفارق المدينة لذلك. قال: وأغلب إقامته الآن بطيبة على خير، وانجماع، وتقلّل، ونعم الرجل. انتهى.

стр. 4988

وألّف لسلطان الرّوم بايزيد بن عثمان «الدّر المنظوم في مناقب سلطان الرّوم» ومدحه وغيره من أمرائه، فرتّب له خمسين دينارا في كل سنة، ومدح السّيد بركات الحسني صاحب مكة، واقتصر على مدحه، وحظي عنده لبلاغته، حتّى صار متنبي زمانه، ثم أصيب بكثرة الأمراض في آخره. ومن نظمه الفائق القصيدة العجيبة التي منها: خذ جانب العليا ودع ما يترك ... فرضي البريّة غاية لا تدرك واجعل سبيل الذّلّ عنك بمعزل ... فالعزّ أحسن ما به تتمسّك وامنح مودّتك الكرام فربّما ... عزّ الكريم وفات ما يستدرك وإذا بدت لك في عدوّ فرصة ... فافتك فإن أخا العلا من يفتك ودع الأماني للغبيّ فإنّما ... عقبى المنى للحرّ داء مهلك من يبتغي سببا بدون عزيمة ... ضلّت مذاهبه وعزّ المدرك تعست مداراة العدوّ فإنها ... داء تحول به الجسوم وتوعك وهي طويلة [١] . وتوفي بمكة المشرفة يوم الثلاثاء، من ذي [٢] الحجة ودفن بالمعلاة. وفيها تقي الدّين باكير الرّومي الشيخ الفاضل [٣] ناظر التكية السليمية، وولي نظارة الجامع الأموي. قال في «الكواكب» : نزل عند شيخ الإسلام الجدّ، وكان من أصحابه وتلاميذه، وترجمته بالولاية والفضل، ثم عزل من الجامع الأموي وأعطي تولية التكية السّليمية، ثم عزل عنها بالشيخ أبي الفتح بن مظفّر الدّين المكّي، ثم سافر

стр. 4989

إلى الرّوم، وعاد بتوليه الجامع والتكية معا، ودخل دمشق عاشر رجب هذه السنة، فصرفه نائب الشام في تولية التكية دون الجامع. وتوفي ليلة الجمعة خامس ذي الحجة الحرام ودفن بالقرب من الشيخ محيي الدّين بن عربي تحت السماء. وفيها المولى التّوقاتي الحنفي [١] العالم المدرّس ببلدة أماسية. قال النجم الغزّي: كان فاضلا، منقطعا عن الناس بالكلّية، مشتغلا بالدّرس والعبادة. وكان لا يقدر على الحضور بين الناس وحشة منهم وحياء. وكان صالحا، مباركا. مات بأماسية في أوائل سلطنة السلطان سليمان خان. انتهى. وفيها حمزة بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي بكر بن علي بن محمد النّاشري اليمني الشافعي [٢] . قال في «النور» : ولد ثالث عشر شوال سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وأخذ الفقه والحديث عن العلّامة قاضي القضاة الطيب بن أحمد النّاشري، مصنّف «الإيضاح على الحاوي» وعن والده [٣] قاضي القضاة عبد الله وغيرهما. وروى عن القاضي مجد الدّين الفيروزآبادي صاحب «القاموس» وغيره. وأجازه شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، وكتب له بالإجازة هو وعلماء مصر، كالشيخ زكريا الأنصاري، والجوجري، والسيوطي، وابن أبي شريف، وغيرهم. ومن الحجاز أبو الخير السّخاوي، واشتهر باللّطافة والعلم. وكان كثير الزواج، قارب المائة وهو يفتض الأبكار، ورزق كثيرا من الأولاد. مات غالبهم. وتفقه به خلائق كثيرون، كالحافظ ابن الدّبيع، وأبي البركات النّاشري.

стр. 4990

وله مصنّفات حسنة غريبة، منها «الأربعون التهليلية» و «مسالك التحبير من مسائل التكبير» ومختصره «التحبير في التكبير» و «انتهاز الفرص في الصّيد والقنص» ، وكتاب النبات العظيم الشأن المسمى «حدائق الرّياض وغوصة الفياض» و «عجائب الغرائب وغرائب العجائب» و «سالفة العذار في الشعر المذموم والمختار» وغير ذلك. وله شعر لطيف منه: إذا نظرت إلى العيناء [١] تحسبها ... جاما من التّبر فيه فصّ ياقوت أو خدّ غانية يحمرّ من خجل ... أو قرص عاشقة أدماه كالتّوت وتوفي يوم الخميس تاسع عشر ذي الحجة بمدينة زبيد، ودفن بمقبرة سلفه الصّالح بباب سهام قريبا من قبر الشيخ إسماعيل الجبرتي. انتهى وفيها السلطان سليم بن أبي يزيد بن محمد السّلطان المفخم والخاقان المعظم سليم خان بن عثمان تاسع ملوك بني عثمان [٢] . هو من بيت رفع الله على [٣] قواعده فسطاط السلطنة الإسلامية، ومن قوم أبرز الله تعالى لهم ما ادخره من الاستيلاء على المدائن الإيمانية، فرفعوا [٤] عماد الإسلام وأعلوا مناره، وتواصوا باتباع السّنّة المطهّرة، وعرفوا للشرع الشريف مقداره، وصاحب الترجمة منهم هو الذي ملك بلاد العرب واستخلصها من أيدي الجراكسة بعد ما شتت جمعهم فانفلوا عن مليكهم وجدوا في الهرب. ولد بأماسية في سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، وجلس على تخت السلطنة وعمره ست وأربعون سنة بعد أن خلع والده نفسه عن السلطنة وسلّمها إليه، وكان

стр. 4991

السلطان سليم ملكا قهّارا وسلطانا جبّارا، قوي البطش، كثير السفك، شديد، التوجه إلى أهل النجدة والبأس، عظيم التجسس عن أخبار الناس، وربما غيّر لباسه وتجسس ليلا ونهارا. وكان شديد اليقظة والتحفظ، يحب مطالعة التواريخ وأخبار الملوك، وله نظم بالفارسي، والرّومية، والعربية، منه ما ذكره القطب الهندي المكّي أنه رآه بخطّه في الكوشك الذي بني له بروضة المقياس بمصر ونصه: الملك لله من يظفر بنيل غنّى ... يردده قسرا ويضمن عنده الدّركا لو كان لي أو لغيري قدر أنملة ... فوق التّراب لكان الأمر مشتركا وقال الشيخ مرعي الحنبلي في كتابه «نزهة الناظرين» : وفي أيامه تزايد ظهور شأن إسماعيل شاه، واستولى على سائر ملوك العجم، وملك خراسان، وأذربيجان، وتبريز، وبغداد، وعراق العجم، وقهر ملوكهم، وقتل عساكرهم، بحيث قتل ما يزيد على ألف ألف [١] ، وكان عسكره يسجدون له ويأتمرون بأمره، وكاد يدّعي الرّبوبية، وقتل العلماء، وأحرق كتبهم ومصاحفهم، ونبش قبور المشايخ من أهل السّنّة وأخرج عظامهم [٢] وأحرقها، وكان إذا قتل أميرا أباح زوجته وأمواله لشخص آخر فلما بلغ السلطان سليم ذلك تحركت همّته لقتاله، وعدّ ذلك من أفضل الجهاد، فالتقى معه بقرب تبريز بعسكر جرّار، وكانت وقعة عظيمة، فانهزم جيش إسماعيل شاه، واستولى سليم على خيامه وسائر ما فيها، وأعطى الرّعية الأمان، ثم أراد الإقامة بالعجم للتمكن من الاستيلاء عليها فما أمكنه ذلك لشدة القحط، بحيث بيعت العليقة بمائتي درهم، والرّغيف بمائة درهم، وسببه تخلّف قوافل الميرة التي كان أعدّها السلطان سليم وما وجد في تبريز شيئا لأن إسماعيل شاه عند انهزامه أمر بإحراق أجران الحبّ والشعير، فاضطر سليم للعود إلى بلاد الرّوم.

стр. 4992

وفي أيامه كانت وقعة [١] الغوري، وذلك أن السلطان [٢] سليم لما رجع من غزو إسماعيل شاه تفحص عن سبب انقطاع قوافل الميرة عنه، فأخبر أن سببه سلطان مصر قانصوه الغوري، فإنه كان بينه وبين إسماعيل شاه محبّة ومراسلات وهدايا، فلما تحقّق سليم ذلك، صمّم على قتال الغوري، أولا، ثم بعده يتوجه لقتال إسماعيل شاه ثانيا، فتوجه بعكسره [٣] إلى جهة حلب سنة اثنتين وعشرين كما تقدّم، فخرج الغوري بعساكر عظيمة لقتاله، ووقع المصاف بمرج دابق شمالي حلب، ورمى عسكر سليم عسكر الغوري بالبندق، ولم يكن في عسكر الغوري شيء منه، فوقعت الهزيمة على عسكر الغوري بعد أن كانت النصرة له أولا، ثم فقد تحت سنابك الخيل كما مرّ عند ذكره، وكان ذلك بمخامرة خير بك والغزالي بعد أن عهد إليهما السلطان سليم بتوليتهما مصر والشام، ثم بعد الوقعة أخليا له حلب لأنهما معه في الباطن، فأقبل سليم إلى حلب فخرجوا إلى لقائه يطلبون الأمان ومعهم المصاحف يتلون جهارا: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ الله رَمى ٨: ١٧ [الأنفال: ١٧] فقابلهم بالإجلال والإكرام، ثم حضرت صلاة الجمعة، فلما سمع الخطيب خطب باسمه وقال: خادم الحرمين الشريفين، سجد لله شكرا على أن أهلّه لذلك، ثم ارتحل للشام بعد أن أخلاها له خير بك والغزالي، فخرجوا للقائه، ودعوا له، فأكرمهم، وأقام بها لتمهيد أمر المملكة، وأمر بعمارة قبّة على الشيخ محيي الدّين بن عربي بصالحية دمشق، ورتب عليها أوقافا كثيرة، ثم توجه إلى مصر، فلما وصل إلى خان يونس بقرب غزّة قتل فيه وزيره حسام باشا، ثم لما دخل مصر وقع بينه وبين طومان باي سلطان الجراكسة حروب يطول ذكرها، وقتل بها وزير سليم يوسف باشا سنان باشا، وكان مقداما، ذا رأي وتدبير، فأسف سليم عليه، بحيث قال: أي فائدة في مصر بلا يوسف، وقاتل طومان باي ومن معه من الأمراء قتالا شديدا، وظهر لطومان باي شجاعة قوية عرف بها، وشهد له بها الفريقان، وأوقع الفتك بعسكر السلطان سليم، ولولا شدة عضده بخير بك

стр. 4993

والغزالي ومكيدتهما ما ظفر بطومان باي، ثم لما ظفر به أراد أن يكرمه ويجعله نائبا عنه بمصر فعارضه خير بك وخاف عاقبة فعله، وقال لسليم: إنك إن فعلت ذلك استولى على السلطنة ثانيا، وحسّن له قتله، فقتله وصلبه بباب زويلة، ودفنه كما أسلفنا، ونزل السلطان سليم بالمقياس مدة إقامته بمصر بعدا عن روائح القتلى، وحذرا من المكيدة، إلى أن مهدها، ثم ولّى خير بك أمير الأمراء على مصر، وولىّ الغزالي على الشام، وولّى بمصر القضاة الأربع، وهم قاضي القضاة كمال الدّين الشافعي، وقاضي القضاة نور الدّين علي بن ياسين الطرابلسي الحنفي، وقاضي القضاة الدّميري المالكي، وقاضي القضاة شهاب الدّين أحمد بن النّجار الحنبلي، واستولى على الأرض الحجازية وغيرها، ورتّب الرواتب، وأبقى الأوقاف على حالها، ورتّب لأهل الحرمين في كل سنة سبعة آلاف أردّب حبّ، ثم عاد إلى القسطنطينية [١] وقد أصرف غالب خزائنه، فأخّر السفر عن بلاد العجم ليجمع ما يستعين به على القتال، فظهر له في ظهره جمرة منعته الراحة، وحرمته الاستراحة، وعجزت في علاجه حذّاق الأطباء، وتحيّرت في أمره عقول الألباء، ولا زالت به حتّى حالت بينه وبين الأمنية، وخلّت بينه وبين المنية، فتوفي- رحمه الله تعالى- في رمضان أو شوال بعد علّة نحو أربعين يوما. وذكر العلائي في «تاريخه» أنه خرج من القسطنطينية إلى جهة أدرنة وقد خرجت له تلك الجمرة تحت إبطه وأضلاعه، فلم يفطن بها حتّى وصل إلى المكان الذي بارز فيه أباه السلطان بايزيد [٢] حين نازعه في السلطنة، فطلب له الجرايحية والأطباء فلم يدركوه إلا وقد تآكلت ووصلت إلى الأمعاء، فلم يستطيعوا دفعا عنه ولا نفعا، ومات بها، ودفن بأدرنة عند قبر أبيه. انتهى وفيها- تقريبا- عبد الله بن إبراهيم الفاضل العلّامة الشهير بابن الشّيشري الحنفي [٣] .

стр. 4994

قال في «الكواكب» : قرأ على علماء العجم، وبرع هناك في العربية والمعقولات، ثم دخل بلاد الرّوم، وعيّن له السلطان سليم كل يوم ثلاثين عثمانيا، وعمل قصيدة بالفارسية نحو ثلاثين بيتا أحد مصراعي كل بيت تاريخ لسلطنة السلطان سليمان، والمصراع الثاني من كل بيت تاريخ فتح رودس. وله «حواش على حاشية شرح المطالع» للسيد الشريف، و «شرح على الكافية» و «رسالة في المعمّى» فارسية. انتهى وفيها- تقريبا- أيضا جمال الدّين عبد الله بن أحمد الشنشوري المصري الشافعي [١] الإمام العلّامة. له «شرح التدريب» للسّراج البلقيني، رحمهما الله تعالى. وفيها جمال الدّين عبد الله بن عبد الله بن رسلان البويضي- من قرية البويضة من أعمال دمشق- ثم الدمشقي الشافعي [٢] الشيخ الإمام العلّامة. ولد سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، وكان رفيقا للشيخ تقي الدّين البلاطنسي على مشايخه، وأخذ عنه الشيخ موسى الكناوي «صحيح البخاري» وغيره. توفي بالبيمارستان النوري يوم الخميس سادس أو سابع ذي القعدة وصلّى عليه إماما رفيقه البلاطنسي، ودفن بمقبرة باب الصغير جوار الشيخ نصر المقدسي بصفة الشهداء. وفيها قاضي القضاة بدر الدّين أبو البقاء محمد بن محمد بن عبد الله بن الفرفور الدمشقي الحنفي [٣] . قال في «الكواكب» : اشتغل يسيرا في الفقه على البرهان بن عون، ثم ولي كتابة السّر عوضا عن أمين الدّين الحسباني، ثم استنزل له عمه قاضي القضاة شهاب الدّين بن الفرفور قاضي القضاة محبّ الدّين القصيف عن نظر القصاعية

стр. 4995

وتدريسها، وأسمعه الحديث على جماعة من الدمشقيين، ثم ولي قضاء قضاة الحنفية بالشام مرارا عزل من [١] آخرها في شوال سنة ثلاث عشرة وتسعمائة. انتهى. وفيها المولى زين الدّين وقيل زين العابدين محمد بن محمد الفناري الرّومي الحنفي [٢] العالم الفاضل، أول قضاة القضاة بدمشق من الدولة العثمانية. قرأ على علماء عصره، منهم المولى الفاضل علاء الدّين الفناري، ثم وصل إلى خدمة المولى ابن المعروف معلّم السلطان بايزيد، ثم تنقلت به الأحوال إلى أن صار قاضيا بدمشق، ثم بحلب. قال في «الشقائق» : كان عالما، فاضلا، ذكيا، صاحب طبع وقّاد، وذهن نقّاد، قوي الجنان، طلق اللسان، صاحب مروءة وفتوة، محبا للفقراء والمساكين، يبرّهم ويرعى جانبهم. وكان في قضائه مرضي السيرة، محمود الطريقة. انتهى. وذكر ابن طولون أن سيرته بدمشق كانت أحسن منها بحلب، وتوفي وهو قاض بحلب في أول ربيع الأول. وفيها قاضي القضاة صلاح الدّين محمد بن أبي السعود بن إبراهيم الشيخ الإمام قاضي قضاة مكّة المشرّفة ابن ظهيرة المكّي الشافعي [٣] . جرت له محنة في أيام الجراكسة، وهي أن السلطان الغوري حبسه بمصر من غير جرم ولا ذنب، بل للطمع في مال يأخذه منه على عادته، ولما خرج بعساكره من مصر لقتال السلطان سليم بن عثمان أطلق كلّ من في حبسه من أرباب الجرائم وغيرهم، ولم يطلق صاحب الترجمة، فلما قتل الغوري أطلقه طومان باي، ثم لما وصل السلطان سليم إلى مصر جاء إليه القاضي صلاح الدّين، فأكرمه، وعظّمه، وخلع عليه، وجهّزه إلى مكة معزوزا مكرّما، مع الإحسان إليه. وجعله نائبه في تفرقة الصدقات السّليمية في تلك السنة، وخطب عامئذ في الموقف الشريف خطبة عرفة، وبقي بمكة إلى أن توفي بها في أواخر هذه السنة.

стр. 4996

وفيها نبهان بن عبد الهادي الصّفوري [١] الشافعي [٢] ، العالم الفاضل، العارف بالله تعالى [١] . قال في «الكواكب» : ذكره شيخ الإسلام الوالد في «معجم تلامذته» قال: وكان من عباد الله الصالحين، سريع الدّمعة، خاشع القلب، ساكن الحواس، قرأ على الوالد «ألفيته» في التصوف كاملة، وحضر دروسي كثيرا، واستجازني فأجزته. انتهى.

стр. 4997

سنة سبع وعشرين وتسعمائة فيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن أبي الوفاء بن أبي بكر بن أبي الوفاء الأرمنازي ثم الحلبي الشافعي [١] ، الشيخ الصّالح المعمّر. كان من حفّاظ كتاب الله تعالى، وكان إماما للسلطان الغوري حين كان حاجب الحجّاب بحلب، فلما تسلطن توجه الشيخ إبراهيم إليه إلى القاهرة وحجّ منها في سنة ست وتسعمائة، ثم عاد إليها واجتمع به فأحسن إليه، وأمره بالإقامة لإقراء ولده فاعتذر إليه فقبل عذره، ورتّب له ولأولاده من الخزينة في كل سنة ثلاثين دينارا، ثم عاد إلى حلب. قال ابن الحنبلي: واتفق له أنه قرأ في طريق الحاج ذهابا وإيابا وفي إقامته بمصر قدر شهرين ما يزيد على ثلاثمائة وخمسين ختمة، قيل: وكان راتبه في الإقامة مع قضاء مصالحه في اليوم والليلة ختمة وبدونه ختمة ونصفا، وكان يمشي في الأسواق فلا يفتر عن التّلاوة. وتوفي بحلب، رحمه الله تعالى. وفيها تقي الدّين أبو بكر الظّاهري المصري [٢] نزيل دمشق، الشيخ الفاضل العالم. توفي بدمشق في مستهل شهر [٣] رمضان.

стр. 4998

وفيها المولى أحمد باشا بن خضر بك بن جلال الدّين الرّومي الحنفي [١] . قال في «الكواكب» : كان عالما متواضعا للفقراء، ولما بني السلطان محمد خان المدارس الثمانية أعطاه واحدة منها، وسنّه يومئذ دون العشرين، ثم تنقل في المناصب حتّى صار مفتيا بمدينة بروسا في سلطنة السلطان بايزيد، وأقام بهامدة متطاولة، وله مدرسة هناك بقرب الجامع الكبير منسوبة إليه. وله كتب موقوفة على المدرسة. وتوفي في هذه السنة. قال في «الشقائق» : وقد جاوز التسعين. وفيها شهاب الدّين أحمد بن القاضي علاء الدّين علي بن البهاء بن عبد الحميد بن إبراهيم البغدادي ثم الدمشقي الصّالحي الحنبلي [٢] الإمام العلّامة. ولد ليلة الاثنين عاشر ربيع الأول سنة سبعين وثمانمائة، وأخذ العلم عن أبيه وغيره، وانتهت إليه رئاسة مذهبه، وقصد بالفتاوى، وانتفع الناس به فيها وفي الإشغال، وتعاطى الشهادة على وجه إتقان لم يسبق إليه، وفوض إليه نيابة القضاء في الدولة العثمانية زين العابدين الفناري، ثم ترك ذلك، وأقبل على العلم والعبادة، ومن تلاميذه البدر الغزّي، وللبدر عليه «مشيخة» أيضا، وهو الذي أشار عليه بالكتابة على الفتوى بمحضر من والده الشيخ رضي الدّين، وكان يمنعه أولا من الكتابة في حياة شيوخه فاستأذنه له فيها. وتوفي صاحب الترجمة بدمشق بكرة نهار الجمعة حادي عشري رجب، ودفن بتربة باب الفراديس. وفيها شهاب الدّين أحمد، المعروف بابن نابتة المصري الحنفي [٣] .

стр. 4999

حضر في الفقه على العلّامة الشمس قاسم بن قطلوبغا، والجلال الطرابلسي، والقراءات عن الشمس الحمصاني، وكان متزهدا، متقللا، وأقبلت عليه الطلبة، واشتغل الناس عليه، وأصيب بالفالج أشهرا، ثم توفي ليلة الأربعاء حادي عشر ربيع الثاني وهو في أواخر الثمانين، ودفن بتربة الجلال السيوطي. وفيها شهاب الدّين أحمد المنوفي [١] الشيخ الفاضل المحصّل المعتقد الشافعي متولي الظّاهرية القديمة بمصر. ولي قضاء بلده منوف العليا، فباشر القضاء بعفّة ونزاهة، وطرد البغايا من تلك الناحية، وأزال المنكرات، واستخلص الحقوق، بحيث كانت تأتيه الخصوم من بلاد بعيدة أفواجا، وتستخلص بهمته وعدله حقوقا كانت قد ماتت. قال العلائي: وقد أوقفني على عدة «مختصرات» له في الفقه، والفرائض، والحساب، والعربية، حوت مع الاختصار فوائد وفرائد خلت منها كثير من المختصرات والمطوّلات. وتوفي في مستهل شوال. وفيها صدر الدّين إدريس المارديني القاهري [٢] ، الإمام العالم المؤرّخ المنشئ. توفي بالقاهرة في هذه السنة. وفيها جان بردي بن عبد الله الجركسي، الشهير بالغزالي [٣] ، السّخيف الرأي. كان في الدولة الجركسية كافل حماة، ثم دمشق، ثم خامر على الغوري كما تقدم، ووعده السلطان سليم بنيابة [٤] دمشق، ومع هذا فإنه لما فرّ من ميسرة

стр. 5000

الغوري بمرج دابق مخامرة، رجع إلى مصر ولحق بطومان باي، وأعانه على السلطان سليم، ولما افتتح السلطان سليم مصر ثبت على ميثاقه ووعده، وولاه نيابة الشام، وخرج في ركابه من مصر إلى دمشق، ثم خرج في وداعه، ثم عاد إلى دمشق، وقد ولّى السلطان سليم قاضي القضاة ابن الفرفور بعد أن تحنّف، وكان شافعيا، وأبطل القضاة الأربعة إلّا ابن فرفور، فكان قاضيا. وكان الغزالي نائبا فأعاد الشهود إلى مراكزهم على عادتهم في الدولة الجركسية، ووقع بينه وبين ابن فرفور بهذا السّبب، غير أن الغزالي نشر العدل في دمشق وأعمالها، وأبطل ما كان حدث بها من اليسق [١] ، ومنع البوّابين أن يأخذوا شيئا من الداخلين إلى المدينة، وجرّد السيف على كل من تعرّض من الأروام لامرأة أو صبيّ. وكتب بذلك إلى السلطان سليم، وأخبره بأن دمشق غير معتادة لشيء من هذه المناكير، فأجيب بأنّا قلدناك أمر الرّعية فافعل ما هو الشرع، وعرض بالقضاء لقاضي القضاة شرف الدّين بن مفلح بدلا عن ابن فرفور، فأجيب إلى ذلك، فباشر الغزالي النيابة، وابن مفلح القضاء بسيرة حسنة إلى سنة ست وعشرين، فكان الغزالي ببيروت وجاءه الخبر بموت السلطان سليم، فركب من ساعته إلى دمشق وحاصر قلعتها، ثم سلّمها إليه أهلها، ونفي نائبها إلى بيت المقدس، وجعل نيابتها للأمير إسماعيل بن الأكرم، وأمر الخطباء أن ينوهوا بسلطنته ويدعوا له بها [٢] على المنابر، وفرح بذلك جهلة العوام دون عقلاء الناس، ثم توجّه إلى طرابلس، وحمص، وحماة، وحلب، وحاصر قلاعها، ولم يظفر بطائل، لكنه قبض على كافل حمص وقتله، ثم دخل حماة- وقد فرّ كافلها وقاضيها إلى حلب- فأخذ من كان معه في النّهب، وقتل من كان له غرض في قتله، وكان فرّ ابن فرفور أيضا إلى حلب خوفا من معرته، ولما بلغ السلطان سليمان خبره جهّز إليه جيشا، فصار الغزالي يحصّن قلعة دمشق وما حولها، ونصب بها منجنيقا ليرمي به المحاصرين، وصار يركب من دار السعادة إلى القلعة، ومن القلعة إلى دار السعادة، وضاقت عليه الأرض، وهمّ بالهرب، فثبّت

стр. 5001

جأشه جهلة عساكره الذين جمعهم من القرى، وقالوا: نحن فينا كفاية. قال الحمصي: وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر صفر أمر جان بردي الغزالي أن يخطبوا له بالسلطنة ويلقّبوه بالأشرف، وصلى بالجامع الأموي في المقصورة، وخطب له بالأشرف، ووقف على المقصورة بساط في اليوم المذكور. قال: وفي يوم السبت جمع مشايخ الحارات بالجامع الأموي وحلّفهم أن لا يخونوه، وأن يكونوا معه على كلمة واحدة، ثم خرج يوم الثلاثاء سابع عشريه هو والعساكر وأهل الحارات إلى مسطبة السلطان بالقابون، ووصل العسكر العثماني إلى القصير، وعدّته اثنان وستون ألفا باشهم الوزير الثالث فرحات، وصحبته نائب حلب قراجا باشا، والأمير شاه سوار، وقاضي القضاة ولي الدّين بن فرفور، وقد أعيد إلى القضاء على عادته. وكان صحبة الغزالي الأمير يونس بن القواس بعشيره والأمير عمر بن العزقي بعشيره، فالتقى العسكران بين دوما، وعيون فاسريا، والقصير، ففرّ ابن القواس بعشيره، وثبت الغزالي وقليل ممن معه، فقتلوا وقتل معه عمر بن العزقي، واستأصل جميع عسكره الأسافل، وذكروا أن عدة القتلى كانت سبعة آلاف، ثم دخل العسكر العثماني دمشق، فرأوا الأبواب مفتحة، وسلّمهم ابن الأكرم مفاتيح القلعة، ولو قصدوا قتل العوام لفعلوا، وكان ذلك يوم الثلاثاء سابع عشري صفر. وفيها بدر الدّين حسن بن عيسى بن محمد الفلوجي البغدادي الأصل، العالم الحنفي [١] . قال في «الكواكب» : اشتغل قليلا على الزّيني ابن العيني، واعتنى بالشهادة، ثم تركها، وحصّل دنيا واسعة، وحجّ سنة عشرين، وجاور، وولي نظر الماردانية والمرشدية، ونزل له أخوه شمس الدّين عن تدريسها وعدة مدارس، ولم يكن فيه أهليّة، فتفرقها الناس، مع أنه كان كثير الشرّ كما قال ابن طولون. ومات يوم الثلاثاء تاسع عشر صفر، ودفن يوم الأربعاء بالسفح.

стр. 5002

وفيها سيدي ابن محمود، المولى العالم الصالح الرّومي الحنفي، الشهير بابن المجلّد [١] . كان أصله من ولاية قوجه إيلي، واشتغل بالعلم، وحصّل، وصار مدرّسا بمدرسة عيسى بيك ببروسا، ثم رغب في التصوف، وعين له كل يوم خمسة عشر درهما بالتقاعد، ثم صحب الشيخ العارف بالله تعالى السيد البخاري. وكان فاضلا، مدقّقا، حسن الخطّ، صالحا، ديّنا، يخدم بيته بنفسه، ويشتري حوائجه ويحملها من السوق بنفسه، ملازما للمسجد، منعزلا عن الناس. وتوفي في حدود هذه السنة تقريبا. وفيها القاضي محبّ الدّين عبد الرحمن بن إبراهيم الشيخ العابد الدّيّن الصّالح الدسوقي [٢] . ولد في ذي الحجة سنة ثمان وستين وثمانمائة، وكان ناظر الأيتام بدمشق، وفوض إليه نيابة القضاء في سنة ست عشرة وتسعمائة. وتوفي ليلة السبت سابع ربيع الآخر فجأة، ودفن بمقبرة باب الصغير عند والده. وفيها محيي الدّين أبو المفاخر عبد القادر بن محمد بن عمر بن محمد بن يوسف بن عبد الله بن نعيم- بضم النون- النّعيمي [الدمشقي] [٣] الشافعي [٤] الشيخ العلّامة الرّحلة، مؤرخ دمشق، وأحد محدّثيها. ولد يوم الجمعة ثاني عشر شوال سنة خمس وأربعين وثمانمائة، ولازم الشيخ إبراهيم النّاجي، والعلّامة زين الدّين عبد الرحمن بن خليل، وزين الدّين خطاب

стр. 5003

الغزاوي، وزين الدّين مفلح بن عبد الله الحبشي المصري ثم الدمشقي، ولبس منه خرقة التصوف، وأخذ عن البدر بن قاضي شهبة، والشّهاب بن قرا. وقرأ على البرهان البقاعي مصنّفه المسمى ب «الأيذان» ، وأجاز له به، وبما يجوز [١] له وعنه روايته، وشيوخه كثيرة، ذكرهم في تواريخه. وألّف كتبا كثيرة، منها «الدارس في تواريخ المدارس» [٢] . ومنها «تذكرة الإخوان في حوادث الزمان» و «التبيين في تراجم العلماء والصالحين» و «العنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان» و «القول البين [٣] المحكم في إهداء القرب للنّبيّ ﷺ » و «تحفة البررة في الأحاديث المعتبرة» و «إفادة النّقل في الكلام على العقل» وغير ذلك. وتوفي- كما قال ولده المحيوي يحيى- وقت الغداء يوم الخميس رابع جمادى الأولى ودفن بالحمرية، رحمه الله تعالى. وفيها- وقيل في سنة عشر وتسعمائة وقيل سنة [٤] سبع عشرة ولعله الصحيح- علي النّبتيتي [٥] الشافعي الشيخ الإمام العلّامة ولي الله تعالى العارف به البصير بقلبه المقيم ببلدته نبتيت من أعمال مصر. كان رفيقا للقاضي زكريا في الطلب والاشتغال، وبينهما أخوة أكيدة، وأخذ العلم عن جماعة، منهم الكمال إمام الكاملية. وكان النّبتيتي من جبال العلم، متضلعا من العلوم الظّاهرة والباطنة، وله أخلاق شريفة، وأحوال منيفة، ومكاشفات

стр. 5004

لطيفة، وكان يغلب عليه الخوف والخشية، حتّى كأن النار لم تخلق إلّا له وحده، وكان الناس يقصدونه للعلم، والإفتاء، والإفادة، والتبرّك، والزيارة، من سائر الآفاق. وكانت ترفع إليه المسائل المشكلة من مصر، والشام، والحجاز، فيجيب عنها نظما ونثرا. وكانت نصوص الشافعي وأصحابه كأنّها نصب عينيه. وكان مخصوصا في عصره بكثرة الاجتماع بالخضر. قال الشعراوي: كان وقته كله معمورا بالعلم والعبادة ليلا ونهارا. وكان يقول: لا يكمل الرجل في العقل إلّا إن كان [١] كاتب الشمال لا يجد شيئا من أعماله يكتبه. وله مناقب كثيرة. ومن شعره- رضي الله تعالى عنه-: وما لي لا أنوح على خطائي ... وقد بارزت جبّار السماء قرأت كتابه وعصيت سرّا ... لعظم بليّتي ولشؤم دائي بلائي لا يقاس به بلاء ... وأعمالي تدلّ على شقائي فيا ذلّي إذا ما قال ربّي ... إلى النّيران سوقوا ذا المرائي فهذا كان يعصيني جهارا ... ويزعم أنّه من أوليائي تصنّع للعباد ولم يردني ... وكان يريد بالمعنى سوائي في أبيات أخر [٢] . توفي يوم عرفة ببلدة ودفن بها، وقبره بها يزار.

стр. 5005

وفيها المولى غياث الدّين الشهير بباشا جلبي الرّومي [١] الحنفي، العالم الفاضل، ابن أخي آق شمس الدّين الرّومي. قرأ على المولى الخيالي، والمولى خواجه زاده، وغيرهما، وصحب الصّوفية، ثم أعطي مدرسة المولى الكوراني بالقسطنطينية [٢] ، ثم إحدى الثمانية، ثم ترك ذلك، واختار مدرسة أبي أيوب الأنصاري، ثم أعطي سلطانية أماسية، مع منصب الفتوى، ثم تركها، وأعطى تقاعدا بسبعين عثمانيا كل يوم، ثم طلب مدرسة القدس الشريف فمات قبل السفر إليها. وله رسائل كثيرة، لكنه لم يدوّن كتابا، رحمه الله تعالى. وفيها شرف الدّين قاسم بن عمر الزواوي المغربي القيرواني [٣] المالكي الشيخ الفاضل الصالح المعتقد. كان أولا مقيما في صحبة رفيقه الشيخ العابد الزاهد محمد الزواوي بمقام الشيخ تاج الدّين بن عطاء الله الإسكندري، ثم أقام بمقام الإمام الشافعي- ﵁ خادما لضريحه، وصحب الشيخ جلال الدّين السيوطي، وارتبط به، وقلّده في ملازمة لبس الطيلسان صيفا وشتاء، وكان يتردد إلى التّقي الأوجاقي وغيره، وأخذ عنه البدر الغزّي. وتوفي يوم الثلاثاء رابع عشري شعبان. وفيها كمال الدّين محمد بن الشيخ غياث الدّين أحمد بن الشيخ كمال الدّين الشماخي [٤] الأصل والمولد- وشماخي أمّ المدائن بولاية شروان [٥]-. أخذ عن السيد يحيى بن السيد بهاء الدّين الشرواني الشماخي ثم الباكوي- وباكو بلدة من ولاية شروان أيضا- وبها توفي السيد يحيى سنة ثمان أو تسع وستين

стр. 5006

وثمانمائة، وكان السيد يحيى هذا جليل المقدار انتشرت خلفاؤه إلى أطراف الممالك- وأما صاحب الترجمة فذكر العلائي أنه دخل القاهرة بعد فتنة الطاغية إسماعيل شاه فلم يظهر مشيخة ولا سلوكا، ولا تقرّب من أرباب الدنيا، بل جلس في حانوت بقرب خان الخليلي يشتغل فيه الأقماع والكوافي على أسلوب العجم، بحسن صناعة، وجميل دربة، وإتقان صنع، وكان حافظا لعبارات كثير من المشايخ وآدابهم وأخلاقهم وحسن سيرتهم، مما خلا منه كثير من المتصدّرين، مع عدم التكبّر [١] والتبجح. وتوفي ليلة الاثنين ثالث ربيع الأول، قال العلائي: عن مائة وثلاث عشرة سنة. وفيها شمس الدّين محمد بن عبيد الضرير [٢] الشيخ الإمام العلّامة المقرئ المجوّد. ولد سنة خمس وأربعين وثمانمائة، وكان قفافيا بميدان الحصى بدمشق، ثم اشتغل بالعلم، وأمّ وأقرأ بمسجد الباشورة بالباب الصغير، وكان عالما صالحا يقرئ «الشاطبية» وغيرها من كتب القراءات والتجويد، وانتفع به خلق كثير. وتوفي يوم الأربعاء تاسع عشري القعدة ودفن بمقبرة باب الصغير بالقرب من ضريح الشيخ حمّاد، رحمهما الله تعالى. وفيها شمس الدّين محمد بن ليل الزّعفراني التّونسي [٣] القاطن بالقاهرة. قال في «الكواكب» : كان يحفظ أنواع الفضائل، وكان يتأنق في إيراد أنواع التحميدات، والتسبيحات، والصّلوات، ويعرف الألسن العربية المتنوعة، والخواص العجيبة، وكان يذكر أنه عارف بالصنعة. مات بالقاهرة يوم الأربعاء تاسع عشري جمادى الآخرة ودفن بتربة المجاورين.

стр. 5007

وفيها محيي الدّين محمد بن محمد بن محمد البردعي الحنفي [١] أحد موالي الرّوم العالم الفاضل. كان من أولاد العلماء، واشتغل على والده وغيره، ثم دخل شيراز وهراة، وقرأ على علمائها، وحصّل علما كثيرا، ثم ارتحل إلى بلاد الرّوم، وصار مدرّسا بمدرسة أحمد باشا بمدينة بروسا ثم بإحدى المدرستين المتلاصقتين بأدرنة. وتوفي وهو مدرّس بها، وله «حواش على تفسير البيضاوي» و «حواش على شرح التجريد» للسيد الشريف، و «حواش على التلويح» و «شرح على آداب البحث» للعضد. وكان له حظّ وافر من العلوم، ومعرفة تامّة بالعربية، والتفسير، والأصول، والفروع. وكان حسن الأخلاق، لطيف الذات، متواضعا، متخشعا، له وجاهة ولطف، ويكتب الخطّ الحسن، مع سرعة الكتابة. وتوفي بأدرنة في هذه السنة، رحمه الله تعالى. وفيها الأمير مرجان بن عبد الله الظّافري [٢] الذي عمّر قبة العيدروس بعدن، وهو مدفون معه فيها. قال في حقّه العلّامة بحرق: الأمير المؤيد بتوفيق الله وعنايته، المسدّد بحفظ الله ورعايته، الذي فتح الله بنور الإيمان عين بصيرته، وطهّر عن سوء العقيدة باطن سريرته، وصار معدودا من الأولياء لموالاته لهم باطنا وظاهرا، وحاز من بين الولاة والحكّام من التواضع لله والرّفق بالفقراء والمساكين حظا وافرا، مرجان بن عبد الله الظافري لا زال على الأعداء ظافرا وإلى مرضاة مولاه مبادرا. انتهى. وفيها نسيم الدّين قاضي مكّة الحنفي [٣] .

стр. 5008

قال العلائي: كان فاضلا، ذكيا، مستحضرا لكثير من المسائل، حافظا لمتن المجمع، ديّنا فصيحا، لطيفا، عفيفا، لا يتناول على القضاء شيئا البتة، وأخذ الفقه عن الشمس بن الضّياء، وعن جماعة من المصريين وغيرهم. وتوفي بمكة سنة سبع وعشرين وتسعمائة. انتهى

стр. 5009

سنة ثمان وعشرين وتسعمائة فيها توفي تقي الدّين أبو الصّدق أبو بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن شرف بن منصور بن محمود بن توفيق بن عبد الله، المعروف بابن قاضي عجلون الزرعي ثم الدمشقي [١] الشافعي الإمام العلّامة القدوة الرّحلة الأمة العمدة. ولد بدمشق في شعبان سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، واشتغل على والده وأخيه شيخ الإسلام نجم الدّين، وعلى شيخ الإسلام زين الدّين خطاب. وسمع الحديث على المسند أبي الحسن بن بردس البعلي، والحافظ شمس الدّين بن ناصر الدّين وغيرهما، وأخذ عن ابن حجر مكاتبة، والعلم صالح البلقيني، والشمس المناوي، والجلال المحلّي. وكان إماما، بارعا في العلوم، وكان أفقه أهل زمانه وأجلّ معاصريه وأقرانه، ودرّس بالجامع الأموي، والشامية البرانية، والعمرية، وبالقاهرة دروسا حافلة، وألّف منسكا لطيفا، وكتابا حافلا سمّاه «إعلام النّبيه مما زاد على المنهاج من الحاوي، والبهجة، والتنبيه» ، وانتهت إليه مشيخة الإسلام ورئاسة الشافعية ببلاد الشام، بل وبغيرها من بلاد الإسلام، وحصل له من السّعد في العلم، والرئاسة، وكثرة التلامذة، وقرّة العين بهم في دمشق ما حصل لشيخ الإسلام زكريا بالقاهرة، إلّا أن القاضي زكريا زاد عليه في السعادة بكثرة التصانيف، مع تحريرها وتحقّيقها، رحمهما الله تعالى.

стр. 5010

وبرع أكثر تلاميذ صاحب الترجمة في حياته، كالشيخ شمس الدّين الكفرسوسي، والشيخ تقي الدّين البلاطنسي، والسيد كمال الدّين بن حمزة، والقاضي رضي الدّين الغزّي، والبدر الغزّي، والشيخ بهاء الدّين الفصي البعلي، والشيخ تقي الدّين القاري، والشيخ علاء الدّين القيمري، والشرف العيثاوي، وغيرهم. ولما قدم العلّامة برهان الدّين البقاعي دمشق في سنة ثمانين وثمانمائة، تلقاه الشيخ تقي الدّين هو وجماعة من أهل العلم إلى القنيطرة، ثم لما ألّف كتابه في الردّ على حجّة الإسلام الغزّالي في مسألة ليس في الإمكان أبدع مما كان، وبالغ في الإنكار على ابن العربي وأمثاله، حتى أكفر بعضهم. كان الشيخ تقي الدّين ممن أنكر على البقاعي ذلك وهجره بهذا السبب، خصوصا بسبب حجّة الإسلام، مع أنه كان ينهى عن مطالعة كتب ابن العربي. قال الحمصي في «تاريخه» : وامتحن شيخ الإسلام مرارا، منها مرة في أيام الغوري بسبب فتياه في واقعة ابن محب الدّين الأسلمي المعارضة لفتيا تلميذه وابن أخيه السيد كمال الدّين بن حمزة، وطلب هو والسيد وجماعة إلى القاهرة، وغرم بسبب ذلك أموالا كثيرة، حتى باع أكثر كتبه، وانتهى الأمر آخرا على العمل بفتياه وإعادة تربة ابن محب الدّين المهدومة بفتوى السيد كما كانت، عملا بفتوى الشيخ تقي الدّين، وأعاد الشيخ تقي الدّين هو وولده الشيخ نجم الدّين إلى دمشق، وقد ولي ولده قضاء قضاة الشافعية بها. وقال في «الكواكب» : أخبرنا شيخ الإسلام الوالد قال: أخبرنا شيخنا شيخ الإسلام تقي الدّين بن قاضي عجلون، عن أخيه شيخ الإسلام نجم الدّين، أن جميع أسماء الذين أفتوا في عهد سيدنا [١] رسول الله ﷺ في قوله: لقد كان يفتي في زمان نبيّنا ... مع الخلفاء الراشدين أئمة معاذ وعمّار وزيد بن ثابت ... أبيّ بن مسعود وعوف حذيفة
следующие страницы →