وثمانمائة، وكان السيد يحيى هذا جليل المقدار انتشرت خلفاؤه إلى أطراف الممالك- وأما صاحب الترجمة فذكر العلائي أنه دخل القاهرة بعد فتنة الطاغية إسماعيل شاه فلم يظهر مشيخة ولا سلوكا، ولا تقرّب من أرباب الدنيا، بل جلس في حانوت بقرب خان الخليلي يشتغل فيه الأقماع والكوافي على أسلوب العجم، بحسن صناعة، وجميل دربة، وإتقان صنع، وكان حافظا لعبارات كثير من المشايخ وآدابهم وأخلاقهم وحسن سيرتهم، مما خلا منه كثير من المتصدّرين، مع عدم التكبّر [١] والتبجح.
وتوفي ليلة الاثنين ثالث ربيع الأول، قال العلائي: عن مائة وثلاث عشرة سنة.
وفيها شمس الدّين محمد بن عبيد الضرير [٢] الشيخ الإمام العلّامة المقرئ المجوّد.
ولد سنة خمس وأربعين وثمانمائة، وكان قفافيا بميدان الحصى بدمشق، ثم اشتغل بالعلم، وأمّ وأقرأ بمسجد الباشورة بالباب الصغير، وكان عالما صالحا يقرئ «الشاطبية» وغيرها من كتب القراءات والتجويد، وانتفع به خلق كثير.
وتوفي يوم الأربعاء تاسع عشري القعدة ودفن بمقبرة باب الصغير بالقرب من ضريح الشيخ حمّاد، رحمهما الله تعالى.
وفيها شمس الدّين محمد بن ليل الزّعفراني التّونسي [٣] القاطن بالقاهرة.
قال في «الكواكب» : كان يحفظ أنواع الفضائل، وكان يتأنق في إيراد أنواع التحميدات، والتسبيحات، والصّلوات، ويعرف الألسن العربية المتنوعة، والخواص العجيبة، وكان يذكر أنه عارف بالصنعة.
مات بالقاهرة يوم الأربعاء تاسع عشري جمادى الآخرة ودفن بتربة المجاورين.
стр. 5007
وفيها محيي الدّين محمد بن محمد بن محمد البردعي الحنفي [١] أحد موالي الرّوم العالم الفاضل.
كان من أولاد العلماء، واشتغل على والده وغيره، ثم دخل شيراز وهراة، وقرأ على علمائها، وحصّل علما كثيرا، ثم ارتحل إلى بلاد الرّوم، وصار مدرّسا بمدرسة أحمد باشا بمدينة بروسا ثم بإحدى المدرستين المتلاصقتين بأدرنة.
وتوفي وهو مدرّس بها، وله «حواش على تفسير البيضاوي» و «حواش على شرح التجريد» للسيد الشريف، و «حواش على التلويح» و «شرح على آداب البحث» للعضد. وكان له حظّ وافر من العلوم، ومعرفة تامّة بالعربية، والتفسير، والأصول، والفروع.
وكان حسن الأخلاق، لطيف الذات، متواضعا، متخشعا، له وجاهة ولطف، ويكتب الخطّ الحسن، مع سرعة الكتابة.
وتوفي بأدرنة في هذه السنة، رحمه الله تعالى.
وفيها الأمير مرجان بن عبد الله الظّافري [٢] الذي عمّر قبة العيدروس بعدن، وهو مدفون معه فيها.
قال في حقّه العلّامة بحرق: الأمير المؤيد بتوفيق الله وعنايته، المسدّد بحفظ الله ورعايته، الذي فتح الله بنور الإيمان عين بصيرته، وطهّر عن سوء العقيدة باطن سريرته، وصار معدودا من الأولياء لموالاته لهم باطنا وظاهرا، وحاز من بين الولاة والحكّام من التواضع لله والرّفق بالفقراء والمساكين حظا وافرا، مرجان بن عبد الله الظافري لا زال على الأعداء ظافرا وإلى مرضاة مولاه مبادرا. انتهى.
وفيها نسيم الدّين قاضي مكّة الحنفي [٣] .
стр. 5008
قال العلائي: كان فاضلا، ذكيا، مستحضرا لكثير من المسائل، حافظا لمتن المجمع، ديّنا فصيحا، لطيفا، عفيفا، لا يتناول على القضاء شيئا البتة، وأخذ الفقه عن الشمس بن الضّياء، وعن جماعة من المصريين وغيرهم.
وتوفي بمكة سنة سبع وعشرين وتسعمائة. انتهى
стр. 5009
سنة ثمان وعشرين وتسعمائة
فيها توفي تقي الدّين أبو الصّدق أبو بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن شرف بن منصور بن محمود بن توفيق بن عبد الله، المعروف بابن قاضي عجلون الزرعي ثم الدمشقي [١] الشافعي الإمام العلّامة القدوة الرّحلة الأمة العمدة.
ولد بدمشق في شعبان سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، واشتغل على والده وأخيه شيخ الإسلام نجم الدّين، وعلى شيخ الإسلام زين الدّين خطاب. وسمع الحديث على المسند أبي الحسن بن بردس البعلي، والحافظ شمس الدّين بن ناصر الدّين وغيرهما، وأخذ عن ابن حجر مكاتبة، والعلم صالح البلقيني، والشمس المناوي، والجلال المحلّي.
وكان إماما، بارعا في العلوم، وكان أفقه أهل زمانه وأجلّ معاصريه وأقرانه، ودرّس بالجامع الأموي، والشامية البرانية، والعمرية، وبالقاهرة دروسا حافلة، وألّف منسكا لطيفا، وكتابا حافلا سمّاه «إعلام النّبيه مما زاد على المنهاج من الحاوي، والبهجة، والتنبيه» ، وانتهت إليه مشيخة الإسلام ورئاسة الشافعية ببلاد الشام، بل وبغيرها من بلاد الإسلام، وحصل له من السّعد في العلم، والرئاسة، وكثرة التلامذة، وقرّة العين بهم في دمشق ما حصل لشيخ الإسلام زكريا بالقاهرة، إلّا أن القاضي زكريا زاد عليه في السعادة بكثرة التصانيف، مع تحريرها وتحقّيقها، رحمهما الله تعالى.
стр. 5010
وبرع أكثر تلاميذ صاحب الترجمة في حياته، كالشيخ شمس الدّين الكفرسوسي، والشيخ تقي الدّين البلاطنسي، والسيد كمال الدّين بن حمزة، والقاضي رضي الدّين الغزّي، والبدر الغزّي، والشيخ بهاء الدّين الفصي البعلي، والشيخ تقي الدّين القاري، والشيخ علاء الدّين القيمري، والشرف العيثاوي، وغيرهم.
ولما قدم العلّامة برهان الدّين البقاعي دمشق في سنة ثمانين وثمانمائة، تلقاه الشيخ تقي الدّين هو وجماعة من أهل العلم إلى القنيطرة، ثم لما ألّف كتابه في الردّ على حجّة الإسلام الغزّالي في مسألة ليس في الإمكان أبدع مما كان، وبالغ في الإنكار على ابن العربي وأمثاله، حتى أكفر بعضهم. كان الشيخ تقي الدّين ممن أنكر على البقاعي ذلك وهجره بهذا السبب، خصوصا بسبب حجّة الإسلام، مع أنه كان ينهى عن مطالعة كتب ابن العربي.
قال الحمصي في «تاريخه» : وامتحن شيخ الإسلام مرارا، منها مرة في أيام الغوري بسبب فتياه في واقعة ابن محب الدّين الأسلمي المعارضة لفتيا تلميذه وابن أخيه السيد كمال الدّين بن حمزة، وطلب هو والسيد وجماعة إلى القاهرة، وغرم بسبب ذلك أموالا كثيرة، حتى باع أكثر كتبه، وانتهى الأمر آخرا على العمل بفتياه وإعادة تربة ابن محب الدّين المهدومة بفتوى السيد كما كانت، عملا بفتوى الشيخ تقي الدّين، وأعاد الشيخ تقي الدّين هو وولده الشيخ نجم الدّين إلى دمشق، وقد ولي ولده قضاء قضاة الشافعية بها.
وقال في «الكواكب» : أخبرنا شيخ الإسلام الوالد قال: أخبرنا شيخنا شيخ الإسلام تقي الدّين بن قاضي عجلون، عن أخيه شيخ الإسلام نجم الدّين، أن جميع أسماء الذين أفتوا في عهد سيدنا [١] رسول الله ﷺ في قوله:
لقد كان يفتي في زمان نبيّنا ... مع الخلفاء الراشدين أئمة
معاذ وعمّار وزيد بن ثابت ... أبيّ بن مسعود وعوف حذيفة
стр. 5011
ومنهم أبو موسى وسلمان حبرهم ... كذاك أبو الدرداء وهو تتمة
وأفتى بمرآه أبو بكر الرّضى ... وصدّقه فيها وتلك مزيّة
وتوفي صاحب الترجمة ضحوة يوم الاثنين حادي عشر رمضان، ودفن بمقبرة باب الصغير.
وفيها شهاب الدّين أبو السعود أحمد بن عبد العزيز السّنباطي المصري [١] الشافعي العلّامة المحدّث.
ولد سنة سبع وثلاثين وثمانمائة، وكان أحد العدول بالقاهرة. وسمع «صحيح البخاري» على المشايخ المجتمعين بالمدرسة الظاهرية القديمة بين القصرين بالقاهرة، وكانوا نحو أربعين شيخا، منهم العلّامة علاء الدّين القلقشندي، وابن أبي المجد، والتّنوخي.
ومن مشايخه أبو السعادات البلقيني، والشّهاب الأبدي صاحب «الحدود» في النحو، والعلّامة ناصر الدّين بن قرقماس الحنفي صاحب «زهر الربيع في شواهد البديع» أخذه عنه.
وممن أخذ عن صاحب الترجمة الشيخ نجم الدّين الغيطي، قرأ عليه جميع «صحيح البخاري» .
وتوفي في هذه السنة، رحمه الله تعالى.
وفيها شهاب الدّين أحمد [٢] .
قال في «الكواكب» : الشيخ الفاضل العريق ابن الشيخ العالم، المعروف بالراعي، شارح «الجرومية» .
قال العلائي: وهو ممن سمع على شيخ الإسلام ابن حجر، وتقدم في صناعة التوريق والتسجيل واعتبر، وله فيه [٣] مصنّفات.
стр. 5012
وتوفي في [١] تاسع جمادي الأولى.
وفيها القاضي غرس الدّين خليل بن محمد بن أبي بكر بن خلفان- بفتح المعجمة والفاء، وإسكان اللام بينهما، وبالنون آخره- الدمشقي الحنبلي، المعروف بالسّروجي [٢] .
ولد في ربيع الأول سنة ستين وثمانمائة بميدان الحصا، واشتهر بالشهادة، ثم فوّض إليه نيابة الحكم مدة يسيرة.
وتوفي يوم الخميس سابع شهر رمضان ودفن بتربة الجورة بالميدان.
وفيها القاضي محيي الدّين عبد القادر النّبراوي الحنبلي [٣] .
كان أقدم الحنابلة بمصر وأعرفهم بصناعة التوريق والقضاء والفقاهة، مع سماع له ورواية، وكان أسود اللون، وله مع ذلك تمتع بحسان النّساء للطف عشرته ودماءة أخلاقه. وكان يصبغ بالسواد مع كبر سنّه.
مات ليلة الأربعاء خامس عشر جمادى الآخرة عن نيّف وتسعين سنة.
وفيها زين الدّين عبد القادر المكّي الشّيباني الحنفي [٤] .
دخل مصر متوجها إلى بلاد الرّوم لطلب قضاء الحنفية بمكّة، ثم رحل من القاهرة في قافلة صحبة الأمير جانم الحمزاوي ليلة الاثنين سادس جمادى الآخرة، فتوفي في أمّ الحسن.
وفيها عبد الكريم بن محمد بن يوسف المباهي الأموي الدمشقي الشافعي المقرئ [٥] .
стр. 5013
كان فاضلا صالحا. قرأ على البدر الغزّي كثيرا. قاله في «الكواكب» .
وفيها جلال الدّين محمد بن أسعد الدّواني [١]- بفتح المهملة وتخفيف النون، نسبة لقرية من كازرون- الكازروني الشافعي الصّدّيقي القاضي بإقليم.
فارس.
قال في «النور السافر» : هو المذكور بالعلم الكثير، والعلّامة في المعقول والمنقول، وممن أخذ عنه المحيوي اللّاري، وحسن بن البقّال، وتقدم في العلوم، سيما العقليات، وأخذ عنه أهل تلك النواحي، وارتحلوا إليه من الرّوم، وخراسان، وما وراء النهر.
ذكره السخاوي في «ضوئه» فقال: وسمعت الثناء عليه من جماعة ممن أخذ عني، واستقره السلطان يعقوب في القضاء، وصنّف الكثير، من ذلك «شرح على شرح التجريد» للطوسي. عمّ الانتفاع به. وكذا كتب على «العضدي» مع فصاحة، وبلاغة، وصلاح، وتواضع، وهو الآن حيّ. في سنة تسع وتسعين ابن بضع وسبعين. انتهى كلام «الضوء» .
وفيها المولى محمد بن خليل [٢] .
قال في «الكواكب» : العالم الفاضل المولى محمد الرّومي الحنفي، قاضي أذنة.
توجه إلى الحجّ الشريف فتوفي بالمدينة قبل وصوله إلى مكة في ذي القعدة. انتهى.
وفيها خير الدّين أبو الخير محمد بن عبد القادر بن جبريل الغزّي ثم الدمشقي [٣] المالكي قاضي القضاة العلّامة.
стр. 5014
ولد بغزّة في ثاني عشر شوال سنة اثنتين وستين وثمانمائة، واشتغل وبرع، ثم قدم دمشق وحضر دروس الشيخ عبد النّبيّ المالكي، وظهرت فضيلته خصوصا في علم الفرائض والحساب، ثم ولي قضاء المالكية بالشام في سنة إحدى عشرة وتسعمائة، وسار في القضاء سيرة حسنة بعفّة وزهد وقيام في نصرة الحق، واستمر حتى عزل في رمضان سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، فتوجه إلى بلده ثم [إلى] مكة المشرّفة وبها توفي في صفر ودفن بالمعلاة.
وفيها شمس الدّين محمد بن الشيخ العلّامة علاء الدّين علي المحلّي المصري [١] الشافعي المفتي، المعروف بابن قرينة.
تلقى عن أبيه تدريس التفسير بالبرقوقية، وتدريس الفقه بالمؤيدية والأشرفية. وكان ذا علم وعقل وتؤدة.
وتوفي في ثامن ربيع الثاني وخلّف ولدا صغيرا، أسند الوصاية عليه إلى جماعة منهم السيد كمال الدّين بن حمزة الشامي.
وفيها زين الدّين محمد بن عمر البحيري [٢] العلّامة، فقيه السلطان الغوري.
توفي بمرض الاستسقاء [ليلة الخميس] [٣] سادس عشر شعبان بعد أن نزل عن وظائفه ووقف كتبه.
وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن علي بن أبي اللطف الحصكفي ثم المقدسي [٤] سبط العلّامة تقي الدّين القلقشندي.
توفي والده شيخ الإسلام أبو اللطف وهو حمل في عاشر جمادي الآخرة سنة
стр. 5015
تسع وخمسين وثمانمائة، فنشأ بعده واشتغل [١] بالعلم على علماء بيت المقدس، منهم الكمال بن أبي شريف، ورحل إلى القاهرة، فأخذ عن علمائها، منهم الشمس الجوجري، وسمع الحديث، وقرأه على جماعة، وأذن له بالإفتاء والتدريس، وصار إماما علّامة، من أعيان العلماء الأخيار الموصوفين بالعلم والدّين والتواضع. وكان عنده تودّد، ولين جانب، وسخاء نفس، وإكرام لمن يردّ عليه، وأجمع الناس على محبّته.
وتوفي ليلة السبت ثالث عشر القعدة ببيت المقدس.
وفيها ولي الدّين محمد بن القاضي شمس الدّين محمد بن عمر الدّورسي الصّالحي الحنبلي [٢] الإمام العالم.
توفي بصالحية دمشق يوم السبت تاسع عشر ذي الحجّة ودفن بها.
وفيها قاضي القضاة شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله الطّولقي المالكي [٣] .
سمع على العلّامة جمال الدّين الطّمطامي.
قال ابن طولون: قدم علينا دمشق، واتجر بحانوت بسوق الذراع، ثم ولي قضاء دمشق عوضا عن قاضي القضاة شمس الدّين المرّيني، وعزل عن القضاء، ثم وليه مرارا، ثم استمر معزولا مخمولا إلى أن توفي يوم الأربعاء ثاني عشري شعبان فجأة، وكان له مدة قد أضرّ، وصار يستعطي ويتردّد إلى الجامع الأموي.
وكان يكتب عنه على الفتوى بالأجرة له، ودفن بمقرة باب الصغير. انتهى.
وفيها- أو في التي بعدها- المولى يعقوب الحميدي [٤] ، العلّامة الشهير باجه خليفة، أحد الموالي الرّومية.
стр. 5016
خدم المولى علاء الدّين الفناري، ودرّس في عدة مدارس، آخرها مدرسة مغنيسا، وهو أول مدرس بها.
ومات عنها.
وكان فاضلا صالحا متصوفا، له مهارة في الفقه ومشاركة في غيره، ذو سمت حسن، صحيح العقيدة، رحمه الله تعالى.
стр. 5017
سنة تسع وعشرين وتسعمائة
فيها توفي شهاب الدّين أحمد بن إسكندر بن يوسف، وقيل ابن يوسف بن إسكندر، المعروف بابن الشيخ إسكندر الحلبي [١] نزيل دمشق الشافعي.
قال النجم الغزّي: هو جدّ أخي لوالدي لأمّه الشيخ العلّامة العارف بالله تعالى شهاب الدّين أحمد الغزّي.
أخذ عن جماعة، منهم جدّي، ووالدي، وكان علّامة.
قال والدي: وكان له يد في علم الهيئة، والمنطق، والحكمة، وغير ذلك، وكان مدرّس السيبائية بتقرير من واقفها سيباي نائب الشام [٢] ، وناظرا على وقف سيدي إبراهيم بن أدهم، ﵁.
قتله اللّصوص بدرب الرّوم. انتهى وفيها شهاب الدّين أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بالحاج الشافعي بأفضل [٣] .
قال في «النور» : ولد يوم الجمعة خامس شوال سنة سبع وسبعين وثمانمائة، وتفقه بوالده، وبالفقيه محمد بن أحمد فضل، وأخذ عن قاضي، القضاة يوسف بن يونس المقرئ وغيره، وبرع، وتميّز، وتصدّر للإفتاء والتدريس في زمن والده،
стр. 5018
وكان إماما، عالما، علّامة، فقيها، حسن الاستنباط، قوي الذهن، شريف النفس، وكان والده يعظّمه ويثني عليه، وحجّ مرارا، واجتمع في حجّته الأخيرة بسيدي محمد بن عراق، فصحبه ولازمه، وتسلّك على يديه، وكان سخيا، كثير الصدقة وفعل المعروف، محبّا للصالحين والفقراء، حسن العقيدة، ولم يزل على ذلك حتّى استشهد في معركة الكفّار لما دخل الإفرنج الشحر، وقتلوا وأسروا ونهبوا، وذلك بعد فجر يوم الجمعة عاشر ربيع الثاني، ودفن عند والده.
وله من التصانيف: «نكت على روض ابن المقري» [في مجلدين] [١] و «نكت على الإرشاد» و «مشكاة الأنوار» .
قال مؤلّفه: عليك بالأوراد التي علقتها في كراريس سمّيتها «مشكاة الأنوار» فإني ضمنتها والله الاسم الأعظم الذي هو إكسير الأولياء.
وله وصية مختصرة.
ومن كلامه من كان همّه المعالف فاتته المعارف. انتهى وفيها شهاب الدّين أحمد البحيري المصري المالكي [٢] العلّامة المفنّن، السالك، الشاعر المعمّر.
حفظ القرآن العظيم، وسلك في شبوبيته على الشيخ العالم أبي العبّاس الشّربيني، وأخذ عن الشيخ مدين، واشتغل في العلم، وأمعن في العربية ولا سيما التصريف، وألّف فيه شرحا جيدا على «المراح» وأخذ الفقه عن الشيخ يحيى العلمي، وكتب بخطّه كثيرا.
وله نظم جيد وألغار، وكان قانعا، متقللا، وتزوج وهو شاب ثم تجرّد.
وتوفي في خامس شوال.
وفيها إدريس بن عبد الله [٣] .
стр. 5019
قال في «الكواكب» : الشيخ الفاضل اليمني الشافعي، نزيل دمشق. كان من أصحاب شيخ الإسلام الوالد. حضر دروسه، وشملته إجازته، وكان قد عزم على قراءة «المنهاج» عليه وعلى غيره فعاجلته المنية.
وفيها المولى الفاضل بالي الإيديني الرومي الحنفي [١] .
أخذ العلم عن علماء عصره، واتصل بخدمة المولى خطيب زاده، ثم بخدمة المولى سنان جلبي، ثم تنقّل في التدريس حتّى صار مدرسا بإحدى الثمانية، ثم تقاعد عنها بثمانين عثمانيا، ثم أعطي قضاء بروسا، ثم أعيد إلى إحدى الثمانية، ثم ولي قضاء بروسا ثانيا، ثم أعيد إلى إحدى الثمانية، واستمر بها إلى أن مات.
وكانت له مشاركة جيدة في سائر العلوم، قادرا على حلّ غوامضها. قويّ الحفظ، مكبا على الاشتغال، حتّى سقط مرّة عن فرسه فانكسرت رجله، فاستمر ملقى على ظهره أكثر من شهرين، ولم يترك الدرس، وألّف رسالة أجاب فيها عن إشكالات سيدي الحميدي.
وتوفي في هذه السنة ودفن عند مسجده بالقسطنطينية.
وفيها زين الدّين بركات بن أحمد بن محمد بن يوسف، الشهير بابن الكيّال الشافعي [٢] الصّالح الواعظ.
كان في ابتداء أمره تاجرا، ثم ترك التجارة بعد أن ترتّبت عليه ديون كثيرة، ولازم الشيخ برهان الدّين النّاجي زمانا طويلا، وانتفع به.
قال الحمصي: قرأ عليه «صحيح البخاري» كاملا، وكتبا من مصنّفاته، ودرّس بالجامع الأموي في علم الحديث، وكان متقنا، محرّرا، وخرّج أحاديث «مسند الفردوس» وانتفع الناس به وبوعظه وحديثه.
وقال ابن طولون: رأس بعد موت شيخه، ولازم الجامع الأموي تجاه
стр. 5020
محراب الحنابلة، ووعظ بمسجد الأقصاب، وجامع الجوزة، وغيرهما، وخطب بالصّابونية سنين، وحصّل دنيا كثيرة، وصنّف عدة كتب أي، منها كتاب «حياة القلوب ونيل المطلوب» في الوعظ، ومنها «الكواكب الزاهرات [١] في معرفة من اختلط من الرواة الثقات» [٢] ومنها «أسنى المقاصد في معرفة حقوق الولد على الوالد» و «الجواهر الزواهي في ذم الملاعب والملاهي» و «الأنجم الزواهر في تحريم القراءة بلحون أهل الفسق والكبائر» .
وتوفي يوم الأحد ثامن ربيع الأول بسبب أنه خرج من بيته لصلاة الصبح بالجامع الأموي فلقيه اثنان فأخذا عمامته عن رأسه وضربه أحدهما على صدره، فانقطع مدة ثم أراد الخروج إلى الجامع فما استطاع، فتوضأ وصلى الصبح والضحى.
وتوفي بعد صلاة الضحى، ودفن بمقبرة باب الصغير.
وفيها منلا بدر الدّين حسن بن محمد الرّومي الحنفي [٣] .
قدم دمشق مع الدفتردار الزّيني عمر الفيقي. وكان يقرئ ولده، فأخذ له تدريس الحنفية بالقصاعية فدرّس بها، وكان أولاد العرب منهم القطب بن سلطان مدرّس الظاهرية الجوانية، وحجّ في السّنة التي قبلها.
وتوفي يوم الأربعاء ثامن عشري جمادى الآخرة قادما من الحجّ.
وفيها زين الدّين عبد الرحمن شيخ الصوابية [٤] بصالحية دمشق.
كان صالحا مسلّكا.
توفي بها يوم الخميس ثامن عشري رجب.
стр. 5021
وفيها علاء الدّين علي بن أبي القاسم الإخميمي القاهري [١] قاضي قضاة الشافعية العدل العفيف السخي.
قال العلائي: كان له انقطاع عن الناس وانجماع بالكلية، وكان له معرفة في الصناعة وتصميم [٢] في [٣] المهمات، وإن كان قليل العلم.
توفي سادس عشر القعدة، وصلّي عليه بالأزهر.
وفيها علاء الدّين علي بن حسن السّرميني ثم الحلبي [٤] الشافعي الفرضي الحيسوب.
كان يعرف بالنّعش المخلع، وهذا على عادة الحلبيين في الألقاب أخذ الفرائض والحساب عن الجمال الإسعردي، ومهر فيهما، واشتهر بهما، وكان له في الدولة الجركسية مكتب على باب دار [٥] العدل بحلب يطلب منه لكتابة الوثائق، ثم لما أبطلت الدولة العثمانية مكاتب الشهود أخذ في كتابة المصاحف والانتفاع بثمنها وتأديب الأطفال بمكتب داخل باب أنطاكية بحلب، وبه قرأ عليه ابن الحنبلي [٦] القرآن العظيم سنة سبع وعشرين وتسعمائة.
وتوفي صاحب الترجمة في رمضان هذه السنة بحلب.
وفيها- تقريبا- نور الدّين أبو الحسن علي الأشموني [٧] الشافعي الفقيه الإمام العالم العامل الصّدر الكامل المقرئ الأصولي.
أخذ القراءات عن ابن الجزري.
قال الشعراوي: ونظم «المنهاج» في الفقه وشرحه، ونظم «جمع الجوامع»
стр. 5022
في الأصول وشرحه، و «شرح ألفية ابن مالك» شرحا عظيما. وكان متقشفا في مأكله وملبسه وفرشه. قاله في «الكواكب» .
وفيها أمين الدّين أبو الجود محمد بن أحمد بن عيسى بن النّجار الشافعي الدمياطي ثم المصري [١] الإمام الأوحد العلّامة الحجّة.
ولد سنة خمس وأربعين وثمانمائة، وأخذ العلم عن صالح البلقيني، والتّقي الشّمنّي، وزينب بنت عبد الرحيم العراقي، وغيرهم.
وأخذ عنه النحو [٢] النجم الغيطي، والبدر الغزّي، وغيرهما. وكان ممن جمع بين العلم والعمل، إماما في علوم الشرع، وقدوة [٣] في علوم الحقيقة، متواضعا، يخدم العميان والمساكين ليلا ونهارا، ويقضي حوائجهم وحوائج الأرامل، ويجمع لهم أموال الزكاة، ويفرّقه عليهم، ولا يأخذ لنفسه منه شيئا، ويلبس الثياب الزرق والجبب السود، ويتعمم بالقطن غير المقصور، ولا يترك قيام الليل صيفا ولا شتاء، وكان ينام بعد الوتر لحظة ثم يقوم وينزل إلى الجامع الغمري فيتوضأ ويصلي، والباقي للفجر نحو سبعين درجة، ثم يصعد الكرسي ويتلو نحو ربع [٤] القرآن سرّا، فإذا أذّن الصبح قرأ جهرا قراءة تأخذ بجوامع القلوب.
ومرّ نصراني من مباشري القلعة يوما في السحر فسمع قراءته فرق قلبه وأسلم على يديه، وكان يأتيه الناس للصلاة خلفه من الأماكن البعيدة لحسن صوته، وخشوعه، وكثرة بكائه، حتّى يبكي غالب الناس خلفه، وكان الشيخ أبو العباس الغمري يقول: الجامع جثة والشيخ أمين الدين روحها.
وكان يقري ويضيف كل وارد ويخدم بنفسه، ومع هذا فله هيبة عظيمة يكاد من لا يعرفه يرعد من هيبته.
стр. 5023
وانتهت إليه الرئاسة بمصر في علوم السّنّة بالكتب [١] الستة وغيرها، ويقرأ للأربعة عشر، ومناقبه كثيرة.
وتوفي ليلة السابع والعشرين من ذي القعدة.
وفيها أبو السعود محمد بن دغيم الجارحي القاهري [٢] الفقيه الصّوفي المتعبد المتنسك، المعتقد عند الملوك فمن دونهم.
وكان والده من أعيان كوم الجارح والمتسببين به في أنواع المتاجر، فنشأ الشيخ أبو السعود على خير، وحفظ القرآن العظيم، واشتغل في الفقه والنحو، ثم أقبل على العبادة والمجاهدة، ومكث عشرين سنة صائما لا يدري بذلك أهله.
وكان يصلي مع ذلك بالقرآن في ركعة أو ركعتين في تلك المدة، وأخذ في التقليل من الأكل، فانتهى أكله إلى لوزة وربما تركها.
قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في «طبقاته» : هو عارف، علومه [٣] جمّة، وصوفي ذو أحوال وكرامات بين الأمة، قدوة في علمه ودينه، فريد في عصره وحينه، اجتهد وترقى في المقامات، وأخذ عن الشيخ أحمد المرحومي عن الشيخ مدين عن الزاهد، وارتفعت روحه، وسمت عن مقعر فلك القمر، وارتفع إلى الحضرة التي لا ليل فيها ولا نهار، وضوءها وضّاح كحال أهل الجنّة في الجنّة.
ولما دخلها صار يكتب الكراريس العديدة حال ظلمة الليل كما يكتب نهارا بغير فرق، وكان له قبول تام عند الأكابر، تقف الأمراء بين يديه فلا يأذن لهم بالقعود، وحملوا في عمارة زاويته الحجر والتراب، وشق السلطان طومان باي وعليه جبّة من جبب الشيخ.
وكان يقول: لا يفلح الفقير القانع بالزي أبدا لقصور همته.
وكان يقول: ينبغي للعارف أن يجعل في بيته دائما شيئا من الدنيا ولو كيميا خوفا أن يقع في رائحة الاتهام لله في أمر الرزق.
стр. 5024
وكثيرا ما كان ينظر للمريد بحال فيتمزق لوقته.
ومحاسنه وكراماته أكثر من أن تحصر.
وتوفي ليلة الأربعاء مستهل جمادى الأولى، وصلّي عليه بجامع عمرو بن العاص، ودفن بزاويته بكوم الجارح بالقرب من جامع عمرو في السرداب الذي كان يتعبّد فيه، وقبره مشهور يزار.
وفيها المولى [١] محيى الدّين محمد بن علي بن يوسف بالي الفناري الإسلامبولي [٢] الحنفي العالم الكامل، قاضي قضاة العساكر بالولاية الأناضولية ثم بالولاية الرّوميلية، المشهور بمحمد باشا.
قال في «الشقائق» : كان- رحمه الله تعالى- ذا أخلاق حميدة، وطبع ذكيّ، ووجه بهي، وكرم وفي، وعشرة حسنة، ووقار عظيم، وله «حواش» على «شرح المواقف» و «شرح الفرائض» كلاهما للسيد الشريف، و «حواش» على أوائل «شرح الوقاية» لصدر الشريعة.
توفي وهو قاضي العسكر الروم إيلي، ودفن عند قبر جدّه المولى شمس الدّين بمدينة بروسا.
وفيها جمال الدّين أبو المحاسن يوسف بن محمد أو ابن أحمد الشهير بابن المبيّض الحمصي الأصل ثم المقدسي ثم الدمشقي [٣] الشافعي أحد الوعاظ بدمشق، العلّامة المحدّث.
[و] من شعره ما كتبه عنه ابن طولون من إملائه عاقدا للحديث المسلسل بالأولية:
جاءنا فيما روينا أنّنا ... يرحم الرحمن منّا الرّحما
стр. 5025
فارحموا جملة من في الأرض من ... خلقه يرحمكم من في السّما
توفي بدمشق يوم الاثنين ثاني عشر شوال ودفن بباب الصغير.
وفيها قاضي القضاة جمال الدّين أبو المحاسن يوسف بن إسكندر بن محمد بن محمد الحلبيّ [١] الحنفي، المشهور والده بالخواجا ابن الجق [٢] ، وهو ابن أخت المحب بن أجا كاتب السّر.
اشتغل بالفقه وغيره على الزّيني عبد الرحمن بن فخر النساء وغيره، وسمع على الجمال إبراهيم القلقشندي، وعلى المحبّ أبي القاسم محمد بن جرباش «سيرة ابن هشام» وأجاز له كل منهما ما يجوز له وعنه. روايته وتولى القضاء بحلب بعناية خاله، ثم ولي في الدولة، الرّومية تدريس الحلاوية ووظائف أخرى، ثم رحل إلى القاهرة وتولى مدرسة المؤيدية بها، وسار فيها السيرة المرضية، وكان له شكل حسن، وشهامة، ورئاسة، وفخامة، وألّف رسالة في تقوية مذهب الإمام الأعظم في عدم رفع اليدين قبل الركوع وبعده.
وحجّ من القاهرة ثم قدمها موعكا، فتوفي بها ليلة الأربعاء ثامن عشر صفر.
وفيها شرف الدّين يونس بن محمد، المعروف بابن سلطان الحرافيش [٣] بدمشق.
قال ابن طولون: كان علّامة من المتعقلين في المجالس، ولكن حصل به النفع في آخر عمره بملازمته المشهد الشرقي بالجامع الأموي لإقراء الطلبة، وكان في ابتداء أمره شاهدا تجاه باب المؤيدية.
وتوفي يوم الأربعاء حادي عشري جمادي الآخرة، ودفن بباب الصغير، رحمه الله تعالى.
стр. 5026
سنة ثلاثين وتسعمائة
فيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم اليمني الحرازي القحطانيّ الحاتمي الشافعي [١] نزيل دمشق المقرئ الوقور.
أخذ عن شيخ الإقراء بدمشق الشيخ شهاب الدّين الطّيبي وغيره.
قال في «الكواكب» : وتلمذ لشيخ الإسلام الوالد. قرأت بخط والدي- رضي الله تعالى عنه- بعد أن ترجم الشيخ برهان الدّين المذكور ما نصّه: قرأ عليّ «البخاري» كاملا قراءة إتقان، وكتب له به إجازة مطوّلة، وكان أحد المقتسمين ل «المنهاج» في مرتين ول «التنبيه» وأجزته بهما، وقرأ بعض «الألفية» وقرأ عليّ شيئا من القرآن العظيم، وصلى بي وبجماعة التراويح ثلاث سنين بالكاملية، ختم فيها نحو خمس ختمات [٢] وحضر دروسا كثيرة، ولزمني إلى أن مات شهيدا بالطاعون ثاني عشر جمادي الثانية، ودفن بباب الفراديس. انتهى.
وفيها تقي الدّين أبو بكر بن محمد بن أبي بكر الحيشي [٣] ، ينتهي نسبه إلى زيد الخيل الصّحابي، الحيشي [٣] الأصل الحلبي [٤] الشافعي البسطامي [٥] .
стр. 5027
ذكره السخاوي في «الضوء اللامع» فقال: ولد سنة ثمان وأربعين وثمانمائة في مستهل جمادى الأولى بحلب، ولازم والده في النّسك، وقرأ، وسمع على أبي ذرّ بن البرهان الحافظ، وتدرّب في كثير من المهمات والغريب والرجال، بل وتفقّه به، وبالشمس البابي، وأبي عبد الله بن القيم، وابن الضعيف في آخرين، بل أجاز له ابن حجر، والعلم البلقيني، وغيرهما، وزار بيت المقدس، وحجّ في سنة ست وثمانين، وجاور، ولازم الشمس السّخاوي، وحمل عنه مؤلفاته.
وتوفي في رجب.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن عبد الوهاب بن عبد القادر الدمشقي الحنفي، سبط زين الدّين العيني [١] .
حفظ القرآن العظيم، و «المختار» و «الأجرومية» وغيرها. وقرأ على الشمس ابن طولون بدمشق، وعلى عمّه الجمال ابن طولون بمكّة. وقرأ على القطب بن سلطان بدمشق، وسمع على علماء عصره، وحضر بالجامع الأموي.
وتوفي مطعونا يوم الثلاثاء ثالث عشر رجب، وتقدم للصلاة عليه السيد كمال الدّين بن حمزة.
وفيها صفي الدّين وشهاب الدّين أبو السرور أحمد بن عمر بن محمد بن عبد الرحمن القاضي ابن القاضي [٢] ينتسب إلى سيف بن ذي يزن المذحجي السيفي المرادي الشهير بالمزجّد- بميم مضمومة، ثم زاي مفتوحة [ثم جيم مشدّدة مفتوحة] [٣] ودال مهملة- الشافعي الزّبيدي العلّامة، ذو التصانيف، المجمع على جلالته وتحرّيه.
قال في «النور» : ولد سنة سبع وأربعين وثمانمائة بجهة قرية الزيدية، ونشأ
стр. 5028
بها، وحفظ «جامع المختصرات» ثم اشتغل فيها على أبي القاسم بن [١] محمد مريغد [٢] ثم انتقل إلى بيت الفقيه ابن عجيل، فأخذ فيها على شيخ الإسلام إبراهيم بن أبي القاسم جعمان وغيره، ثم ارتحل إلى زبيد واشتغل فيها بالفقه على العلّامة أبي حفص الفتى، ونجم الدّين المقري بن يونس الجبائي، وبهما تخرّج وانتفع، وأخذ الأصول عن الشيفكي والجبائي، والحديث عن الحافظ يحيى العامري، وغيره، والفرائض عن الموفق الناشري وغيره، وبرع في علوم كثيرة، وتميّز في الفقه، حتى كان فيه أوحد وقته.
ومن مصنّفاته «العباب» في الفقه، وهو كاسمه، اشتهر في الآفاق، وكثر الاعتناء به، وشرحه غير واحد من الأعلام، منهم ابن حجر الهيتمي [٣] ، ومنها «تجريد الزوائد وتقريب الفوائد» وكتاب «تحفة الطلّاب» و «منظومة الإرشاد» في خمسة آلاف وثمانمائة وأربعين بيتا، وزاد على الإرشاد شيئا كثيرا، وله غير ذلك.
وتفقه به خلائق كثيرون، منهم أبو العبّاس الطّنبذاوي، والحافظ [ابن] الدّيبع، والعلّامة بحرق.
وله شعر حسن منه:
لا تصحب المرء إلا في استكانته ... تلقاه سهلا أديبا ليّن العود
واحذره إن كانت الأيام دولته ... لعلّ يوليك خلقا غير محمود
فإنّه في مهاو من تغطرسه ... لا يرعوي لك إن عادى وإن عودي
وقل لأيّامه اللاتي قد انصرمت ... بالله عودي علينا مرّة عودي
ومنه:
قلت للفقر أين أنت مقيم ... قال لي: في محابر العلماء
إنّ بيني وبينهم لإخاء ... [وعزيز عليّ قطع الإخاء] [٤]
стр. 5029
وتوفي فجر يوم الأحد سلخ ربيع الآخر بمدينة زبيد.
وفيها الشّهاب أحمد بن سليمان بن محمد بن عبد الله الكناني الحوراني، المقرئ الحنفي الغزّي [١] نزيل مكّة.
ولد في حدود الستين وثمانمائة بغزّة، ونشأ بها، وحفظ القرآن العظيم، و «مجمع البحرين» و «طيبة النشر» وغيرها. واشتغل بالقراءات وتميّز فيها، وفهم العربية، وقطن بمكة ثلاث عشرة سنة، وتردّد إلى المدينة، واليمن، وزيلع، وأخذ عن جماعة فيها وفي القاهرة.
قال السخاوي: قد لازمني في الدراية والرواية، وكتبت له إجازة، وسمعته ينشد من نظمه:
سلام على دار الغرور لأنّها ... مكدّرة لذّاتها بالفجائع
فإن جمعت بين المحبين ساعة ... فعمّا قليل أردفت بالموانع
قال: ثم قدم القاهرة من البحر في رمضان سنة تسع وثمانين، وأنشدني في الحريق والسّيل الواقع بالمدينة وبمكة قصيدتين من نظمه، وكتبهما لي بخطه، وسافر لغزّة لزيارة أمّه، وأقبل عليه جماعة من أهلها. انتهى أي، وتوفي بها.
وفيها أبو العبّاس أحمد بن محمد المغربي التّونسي المشهور بالتّبّاسي- بفتح المثناة الفوقية، وتشديد الموحدة، ويقال الدّباسي بالدال المهملة- المالكي [٢] العارف بالله تعالى، شيخ سيدي علي بن ميمون.
كان والده من أهل الثروة والنّعمة، فلم يلتفت إلى ذلك بل خرج عن ماله وبلاده، وتوجه إلى سيدي [٣] أبي العبّاس أحمد بن مخلوف الشّابي- بالمعجمة والموحدة- الهدلي القيرواني والد سيدي عرفة، فخدمه، وأخذ عنه الطريق، ثم أقبل على العبادة والاشتغال والإشغال، حتّى صار شيخ ذلك القطر.
стр. 5030
وتوفي بنفزاوة- بالنون والفاء والزاي- من معاملة الجناح الأخضر من المغرب في ذي القعدة وقد جاوز المائة.
وفيها الأمير عماد الدّين أبو الفداء إسماعيل بن الأمير ناصر الدّين محمد [١] بن الأكرم العنّابي الدمشقي [٢] .
سمع شيئا من «البخاري» على البدر بن نبهان، والجمال بن المبرد، وولي إمرة التركمان. في الدولتين الجركسية والعثمانية، ونيابة القلعة في أيام خروج الغزالي على ابن عثمان، وكان في مبدأ أمره من أفقر بني الأكرم فحصّل دنيا عريضة وجهات كثيرة، وفي آخر عمره انتقل من العنابة، وعمّر له بيتا غربي المدرسة المقدمية [٣] داخل دمشق، وكان عنده تودّد لطلبة العلم ومحبة لهم، واعتقاد في الصالحين، وبعض إحسان إليهم، [و] خرج مع نائب دمشق إلى قتال الدروز، فتضعّف بالبقاع، ورجع منه في شقدوف [٤] إلى أن وصل إلى قرية دمر، فمات بها، وحمل إلى دمشق وهو ميت، فغسّل بمنزله الجديد وصلّي عليه بالأموي، ودفن بالعنابة صبيحة يوم الخميس حادي عشر المحرم عن نحو سبعين سنة.
وفيها الشريف بركات بن محمد [٥] سلطان الحجاز والد الشريف أبي نمي.
وفيها أمين الدّين جبريل بن أحمد بن إسماعيل الكردي ثم الحلبي [٦] الشافعي، الإمام العلّامة، أحد معتبري حلب ومدرّسيها.
كان له القدم الراسخ في الفقه والكتابة الحسنة المعربة على رقاع الفتاوى.
أخذ الحديث عن السيد علاء الدّين الإيجي، وأجاز له جميع ما يجوز له
стр. 5031
وعنه روايته، وأخذ «الصحيحين» [١] عن الكمال بن الناسخ، و «صحيح مسلم» قراءة على نظام الدّين بن التادفي الحنبلي.
وكان ديّنا، خيّرا، متواضعا، مشغولا بإقراء الطلبة في الفقه، والعربية، وغيرهما.
وتوفي في هذه السنة بحلب.
وفيها خديجة بنت محمد بن حسن البابي الحلبي، المعروف بابن البيلوني [٢] الشافعي، الشيخة الصالحة المتفقهة الحنفية.
أجاز لها الكمال بن الناسخ الطرابلسي وغيره رواية «صحيح البخاري» واختارت مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، مع أن أباها وإخوتها شافعيون حفظا لطهارتها عن الانتقاض بما عساه يقع من مسّ الزوج لها، وحفظت فيه كتابا.
وكانت ديّنة، صيّنة، متعبدة، مقبلة على التّلاوة إلى أن توفيت في شهر رمضان.
وفيها السلطان صالح بن السلطان سيف [٣] متملك بلاد بني جبر.
كان من بيت السلطنة هو وأبوه وجدّه، وهو خال السلطان مقرن، وقد وقع بينهما وقعة عظيمة تشهد لصالح بالشجاعة التي لا توصف، فإنه كرّ على مقرن وعسكره وكانوا جمّا غفيرا بنفسه، وكان خارجا لصلاة الجمعة لا أهبة معه ولا سلاح، فكسرهم، ثم كان الحرب بينهما سجالا.
وقدم دمشق في سنة سبع وعشرين وتسعمائة، فأخذ عن علمائها، وأجازه منهم الرّضي الغزّي، وولده البدر. وكان في قدمته متسترا مختفيا غير منتسب إلى سلطنة، وسمى نفسه إذ ذاك عبد الرحيم، ثم حجّ وعاد إلى بلاده.
وكان مالكي المذهب، فقيها، متبحرا في الفقه والحديث، وله مشاركة جيدة
стр. 5032
في الأصول والنحو، وكان محبا للعلماء والصلحاء، شجاعا، مقداما، عادلا في ملكه، صالحا كاسمه.
توفي ببلاده. قاله في «الكواكب» .
وفيها المولى ظهير الدّين الأردبيلي الحنفي، الشهير بقاضي زاده [١] .
قرأ في بلاد العجم على علمائها، ولما دخل السلطان سليم إلى مدينة تبريز لقتال شاه إسماعيل الصوفي [٢] أخذه معه إلى بلاد الرّوم، وعيّن له كل يوم ثمانين درهما.
قال في «الشقائق» : كان عالما، كاملا، صاحب محاورة ووقار، وهيبة وفصاحة، وكانت له معرفة بالعلوم خصوصا الإنشاء والشعر، وكان يكتب الخط الحسن، وذكر العلائي أنه استمال أحمد باشا إلى اعتقاد إسماعيل شاه الصوفي [٢] طلبا لاستمداده واستظهاره معه بمكاتبات وغيرها، وعزم على إظهار شعار الرّفض واعتقاد الإمامية على المنبر، حتى قال: إن مدح الصحابة على المنبر ليس بفرض ولا يخلّ بالخطبة، فقبض عليه مع أحمد باشا الوزير يوم الخميس عشري ربيع الثاني وقطعت [٣] رأس صاحب الترجمة وعلّقت [٤] على باب زويلة بالقاهرة.
وفيها زين الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن يوسف بن عبد الله الكلّسي [٥] الأصل الحلبي [٦] المولد والدار والوفاة الحنفي العلّامة.
ولد بعد الستين وثمانمائة، واشتغل في النحو والصرف، ثم حجّ، ولازم السخاوي بمكة، وسمع من لفظه الحديث المسلسل بالأولية وغيره، وسمع عليه «البخاري» ومعظم «مسلم» وكثيرا من مؤلفاته. وأجاز له في ذي القعدة سنة ست وثمانين، وفي هذه السنة أجازت له أيضا المسندة زينب الشويكية ما سمعه عليها
стр. 5033
بمكة من «سنن ابن ماجة» من باب صفة الجنة والنار، إلى آخر الكتاب. وأذنت له في رواية سائر مروياتها، وأذن له الشمس البازلي بحماة بالإفتاء والتدريس، وأجاز له بعد أن وصفه بالإمام العالم العلّامة، الجامع بين المعقول والمنقول، المتبحر في الفروع والأصول، وأجاز له الكمال بن أبي شريف سنة خمس وتسعمائة أن يروي عنه سائر مؤلفاته ومروياته، ثم أجاز له الحافظ عثمان الدّيمي في سنة سبع [وتسعمائة] ، وكان قصير القامة، نحيف البدن، لطيف الجثة، حسن المفاكهة، كثير الملاطفة، له إلمام بالفارسية والتركية، واعتناء بالتنزهات، مع الدّيانة والصّيانة.
وتوفي بحلب في ذي القعدة.
وفيها محيي الدّين أبو المفاخر عبد القادر بن أحمد بن عمر بن محمد بن إبراهيم الدمشقي الحنفي، المعروف بابن يونس [١] قاضي قضاة الحنفية بدمشق [ولد في الحجّة سنة خمس وخمسين وثمانمائة. وقرأ القرآن العظيم، و «مجمع البحرين» لابن السّاعاتي، وغير ذلك، واشتغل وحصّل، وأفتى ودرّس بالقصاعية، وتولى القضاء بحلب ثم بدمشق] [٢] سنين إلى أن عزل عنه في سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة.
وتوفي بدمشق يوم الخميس ثالث عشر ذي القعدة ودفن بباب الصغير عند ضريح سيدنا بلال.
وفيها زين الدّين عرفة بن محمد الأرموي الدمشقي [٣] الشافعي، العلّامة المحقّق الفرضي الحيسوب.
كان خبيرا بعلم الفرائض والحساب، ويعرف ذلك معرفة تامة، وله فيه شهرة كلّية، وهو الذي رتّب مجموع الكلائي، وأخذ الفرائض عن الشيخ شمس الدّين
стр. 5034
الشهير بابن الفقيرة، عن العلّامة شهاب الدّين بن أرسلان الرّملي، عن العلّامة شهاب الدّين بن الهائم. وأخذ عنه الفرائض شهاب الدّين الكنجي وغيره.
وتوفي يوم الأحد حادي عشري شوال.
وفيها نور الدّين علي بن خليل المرصفي [١] العارف بالله تعالى الصّوفي.
قال المناوي في «طبقات الأولياء» : كان أبوه إسكافيا يخيط النّعال، ونشأ هو تحت كنفه كذلك، فوفق للاجتماع بالشيخ مدين وهو ابن ثمان سنين، فلّقنه الذكر، ثم أخذ عن ولد أخته محمد، وأذن له في التصدر للمشيخة، وأخذ العهد على المريد في جملة من أجاز، وكانوا بضعة عشر رجلا، فلم يثبت ويشتهر منهم إلّا هو، وأخذ عنه خلق، ودانت [٢] له مشايخ عصره، واختصر رسالة القشيري.
قال الشعراوي: لقنني الذكر ثلاث مرات، بين الأولى والثانية سبع عشرة سنة، وذلك أني جئت وأنا أمرد، وكنت أظن أن الطريق نقل كلام كغيرها [٣] ، ثم قعدت بين يديه وقلت: يا سيدي لقّني بحال فقال: اجلس متربعا وغمض عينيك واسمع مني لا إله إلا الله ثلاثا، ثم اذكر أنت ثلاثا، ففعلت فما سمعت منه إلّا المرة الأولى وغبت من العصر إلى المغرب.
وعاش حتّى انقرض جميع أقرانه، ولم يبق بمصر من يشار إليه في الطريق غيره.
ومن كلامه: أجمع أهل الطريق على أن الملتفت لغير شيخه لا يفلح، وقال: إذا ذكر المريد ربّه بشدة طويت له مقامات الطريق بسرعة، وربما قطع في ساعة ما لا يقطعه غيره في شهر.
وقال: السالك من طريق الذكر كالطائر المجد إلى حضرات القرب والسالك من غير طريقه كالصلاة والصوم كمن يزحف تارة ويسكن أخرى، مع بعد المقصد، فربما قطع عمره ولم يصل.
стр. 5035
وكان الجنيد إذا دعي لفقير قال: أسأل الله أن يدلّك عليه من أقرب الطرق.
وقال: إياك والأكل من طعام الفلاحين فإنه مجرب لظلمة القلب.
وقال الشعراوي: دخل سيدي أبو العباس الحريثي يوما فجلس عندي بعد المغرب إلى أن دخل وقت العشاء، فقرأ خمس ختمات وأنا أسمع، فذكرت ذلك لسيدي علي المرصفي، فقال: يا ولدي أنا قرأت مرة حال سلوكي ثلاثمائة، وستين ختمة في اليوم والليلة، كل درجة ختمة.
وتوفي يوم الأحد حادي عشر [١] جمادى الأولى بمصر، ودفن بزاويته بقنطرة أمير حسين، ولم يخلّف بعده مثله.
وفيها نور الدّين علي بن سلطان المصري الحنفي [٢] الشيخ الفاضل الناسك السالك.
كان متجرّدا، منقطعا، وله أخلاق حسنة دمثة.
توعك مدة وتوفي يوم الثلاثاء حادي عشر القعدة بمصر عن غير وارث.
وفيها محمد بن عزّ الشيخ الصّالح المجذوب [٣] .
قال في «الكواكب» : كان ساكنا في الزاوية الحمراء خارج مصر، وكان يلبس ثياب الجند، ويمشي بالسّلاح والسّيف، وكان أكابر مصر يحترمونه، وللناس فيه مزيد اعتقاد.
وكان لا ينام من الليل ويستمر من العشاء إلى الفجر، تارة يضحك وتارة يبكي، حتى يرقّ له من يراه.
وكان لا يخبر بولاية أحد أو عزله [في وقت معين] [٤] فيخطئ أبدا [٥] .
стр. 5036
وكان مجاب الدعوة، زحمه إنسان بين القصرين فرماه على ظهره، فدعا عليه بالتوسيط [١] ، فوسّطه الباشا آخر النهار.
وكانت وفاته غريقا في الخليج بالقرّب من الزاوية الحمراء. انتهى.
وفيها جمال الدّين محمد بن عمر بن مبارك بن عبد الله الحميري الحضرمي الشافعي، الشهير ببحرق [٢]- بحاء مهملة بعد الموحدة، ثم راء مفتوحة، بعدها قاف-.
قال في «النور» : ولد بحضرموت ليلة النصف من شعبان سنة [٣] تسع وستين وثمانمائة، ونشأ بها، فحفظ القرآن ومعظم «الحاوي» و «منظومة البرماوي» في الفقه، والأصول، والنحو، وأخذ عن جماعة من فقهائها، ثم ارتحل إلى عدن، ولازم الإمام عبد الله بن أحمد بامخرمة [٤] ، وكان غالب انتفاعه به، ثم ارتحل إلى زبيد، وأخذ عن علمائها، كالإمام جمال الدّين الصّايغ، والشريف الحسين الأهدل، وألبسه خرقة التصوف، وعادت عليه بركته، وحجّ فسمع من السّخاوي [٥] ، وسلك السلوك في التصوف، وحكى عنه أنه قال: دخلت الأربعينية بزبيد فما أتممتها إلا وأنا أسمع أعضائي كلها تذكر الله تعالى.
ولزم الجدّ والاجتهاد في العلم والعمل، وأقبل على نفع الناس إقراء، وإفتاء، وتصنيفا.
وكان- رحمه الله تعالى- من محاسن الدّهر، من العلماء الراسخين والأئمة المتبحرين، له اليد الطولى في جميع العلوم.
وصنّف في أكثر الفنون.
стр. 5037
وبالجملة فإنه كان آية من آيات الله تعالى، وكتبه تدلّ على غزارة علمه وكثرة اطلاعه. وكان له بعدن قبول وجاه من أميرها مرجان، ثم لما مات مرجان توجه إلى الهند، ووفد على السلطان مظفّر فقرّبه، وعظّمه، وأنزله المنزلة التي تليق به.
ومن تصانيفه «الأسرار النبوية في اختصار الأذكار النووية» و «مختصر الترغيب والترهيب» للمنذري، و «الحديقة الأنيقة في شرح العروة الوثقية» و «عقد الدّر في الإيمان بالقضاء والقدر» و «العقد [١] الثمين في إبطال القول بالتقبيح والتحسين» و «الحسام المسلول على منتقصي أصحاب الرسول» و «مختصر المقاصد الحسنة» و «متعة الأسماع بأحكام السماع» مختصر من كتاب «الإمتاع» .
وشرح «المحلة» في النحو [٢] وشرح «لامية ابن مالك» في الصّرف شرحا مفيدا جدا [٣] ، وله غير ذلك في الحساب، والطبّ، والأدب، والفلك مما لا يحصى.
ومن شعره:
أنا في سلوة على كلّ حال ... إن أتاني الحبيب أو إن أباني
اغنم الوصل إن دنا في أمان ... وإذا ما نأى أعش بالأماني
قال السخاوي: وصاهر صاحبنا حمزة الناشري [على ابنته] ، وأولدها، وتولّع بالنظم. انتهى ملخصا.
وله هذا اللّغز اللطيف وشرحه نثر:
يا متقنا كلمات النحو أجمعها ... حدّا ونوعا وأفرادا ومنتظمه
ما أربع كلمات وهي أحرفها ... أيضا وقد جمعتها كلها كلمه
ثم قال هذا في تمثيل الوقف على هاء السكت، أي قولك: «لمه» فالكاف
стр. 5038
في قولك: كلمه للتمثيل، واللام للجرّ، والميم أصلها ما الاستفهامية حذفت ألفها، والهاء للسكت.
وله كرامات كثيرة. وكان غاية في الكرم [١] ، كثير الإيثار.
ومما قيل فيه:
لأيّ المعاني زيدت القاف في اسمكم ... وما غيرّت شيئا إذا هي تذكر
لأنّك بحر العلم والبحر شأنه ... إذا زيد فيه الشيء لا يتغيّر
وتوفي- رحمه الله تعالى- بالهند، شهيدا، قيل: إن الوزراء حسدوه لحظوته عند السلطان فسموه، وذلك في ليلة العشرين من شعبان.
وفيها موسى بن الحسن الشيخ [٢] الزاهد العالم العامل [٣] المعروف بالمنلا موسى الكردي اللألاني- بالنون- الشافعي، نزيل حلب.
اشتغل ببلاده على جماعة، منهم المنلا محمد الخبيصي، وأخذ عن الشمس البازلي نزيل حماة، وعن المنلا إسماعيل الشّرواني أحد مريدي خوجه [٤] عبيد النقشبندي، أخذ عنه بمكة «تفسير البيضاوي» وأخذ عن الشّهاب أحمد بن كلف بأنطاكية «شرح التجريد» مع حاشيته، و «متن الجغميني» في الهيئة، ثم قدم حلب، وأكبّ على المطالعة، ونسخ الكتب العلمية لنفسه، ولازم التدريس بزاوية الشيخ عبد الكريم الحافي بها، مع كثرة الصّيام، والقيام، والزّهد، والسّخاء، والصّبر على الطلبة. وممن أخذ عنه علم البلاغة ابن الحنبلي [٥] .
وتوفي مطعونا بحلب في شعبان، ودفن بتربة أولاد ملوك.
стр. 5039
سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة
فيها توفي الشاب الفاضل شهاب الدّين أحمد بن عبد الرحمن بن عمر الشويكي الأصل النابلسي ثم الصالحي الحنبلي [١] .
حفظ القرآن العظيم، ثم «المقنع» ثم شرع في حلّه على ابن عمّه العلّامة شهاب الدّين الشويكي الآتي ذكره، وقرأ «الشفا» للقاضي عياض على الشّهاب الحمصي، وقرأ في العربية على ابن طولون، وكان له سكون وحشمة وميل إلى فعل الخيرات.
وتوفي يوم الأربعاء تاسع شعبان، ودفن بالسفح، وتأسف الناس عليه، وصبر والده واحتسب، ومات وهو دون العشرين سنة.
وفيها المولى الفاضل بخشي خليفة الأماسي الرّومي الحنفي [٢] .
اشتغل في العلم بأماسية على علمائها، ثم رحل إلى ديار العرب، فأخذ عن علمائهم، وصارت له يد طولى في الفقه، والتفسير، وكان يحفظ منه كثيرا، وكان له مشاركة في سائر العلوم. وكان كثيرا ما يجلس للوعظ والتذكير، وغلب عليه التصوف، فنال منه منالا جليلا، وفتح عليه بأمور خارقة، حتى كان ربما يقول:
رأيت في اللوح المحفوظ مسطورا كذا وكذا فلا يخطئ أصلا. وله رسالة كبيرة جمع فيها ما اتفق له من رؤية النّبي ﷺ في المنام.
стр. 5040
وكان خاضعا، خاشعا، متورعا، متشرعا، يلبس الثياب الخشنة ويرضى بالعيش القليل. قاله في «الكواكب» .
وفيها العلّامة عبد الحقّ بن محمد بن عبد الحقّ السّنباطي القاهري الشافعي، ويعرف كأبيه بابن عبد الحق [١] .
قال في «النور» : ولد في إحدى الجمادين سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة بسنباط، ونشأ بها، وحفظ القرآن و «المنهاج الفرعي» ثم أقدمه أبوه القاهرة في ذي القعدة سنة خمس وخمسين، فحفظ بها «العمدة» و «الألفيتين» و «الشاطبيتين» و «المنهاج الأصلي» و «تلخيص المفتاح» و «الجعبرية» في الفرائض، و «الخزرجية» وعرض على خلق، منهم الجلال البلقيني، وابن الهمام، وابن الديّري، والولي السّنباطي، وجدّ في الاشتغال، وأخذ عن الأجلاء، وانتفع بالتّقي الحصني، ثم بالشّمنّي.
وأجاز له ابن حجر العسقلاني، والبدر العيني، وآخرون بالتدريس والإفتاء.
وولي المناصب الجليلة في أماكن متعددة، وتصدق للإقراء بالجامع الأزهر وغيره، وكثر الآخذون عنه، وحجّ مع أبيه، وسمع هناك، ثم حجّ أيضا، وجاور بمكّة، ثم بالمدينة، ثم بمكة، وأقرأ الطلبة بالمسجدين متونا كثيرة، ثم رجع إلى القاهرة، فاستمرّ على الإقراء والإفتاء. هذا ملخص ما ذكره السخاوي.
ثم قال في «النور» : وكان شيخ الإسلام وصفوة العلماء الأعلام، على أجمل طريق من العقل والتواضع، وأقام بمكّة بأولاده وعائلته وأقاربه، وأحفاده ليموت بأحد الحرمين، فانتعشت به البلاد، واغتبط به العباد، وأخذ الناس عنه طبقة بعد أخرى [٢] وألحق الأحفاد بالأجداد، واجتمع فيه كثير من الخصال الحميدة، كالعلم، والعمل، والتواضع، والحلم، وصفاء الباطن، والتقشف، وطرح التكلّف، بحيث علم ذلك من طبعه، ولا زال على ذلك إلى أن توفي بمكة
стр. 5041
المشرّفة عند طلوع فجر يوم الجمعة مستهل شهر رمضان، ودفن بالمعلاة، وكثر التأسف عليه، رحمه الله تعالى. انتهى وفيها- تقريبا- عبد الحليم بن مصلح المنزلاوي الصّوفي [١] .
قال في «الكواكب» : المتخلق بالأخلاق المحمدية.
كان متواضعا، كثير الإزراء بنفسه والحطّ عليها، وجاءه مرة رجل، فقال له:
يا سيدي خذ عليّ العهد بالتوبة، فقال: والله يا أخي أنا إلى الآن ما تبت، والنجاسة لا تطهّر غيرها.
وكان إذا رأى من فقير دعوى سارقه [٢] بالأدب، وقرأ عليه شيئا من آداب القوم، بحيث يعرف ذلك المدّعي أنه عار عنها [٣] ، ثم يسأله عن معاني ذلك، بحيث يظن المدعي أنه شيخ، وأن الشيخ عبد الحليم هو المريد أو التلميذ.
وجاءه مرة شخص من اليمن فقال له: أنا أذن لي شيخي في تربية الفقراء، فقال: الحمد للَّه، الناس يسافرون في طلب الشيخ ونحن جاء الشيخ لنا إلى مكاننا.
وأخذ عن اليماني ولم يكن بذاك، وكان الشيخ يربيه في صورة التلميذ إلى أن كمّله، ثم كساه الشيخ عبد الحليم عند السفر، وزوّده، وصار يقبّل رجل اليماني.
وعمّر عدة جوامع في المنزلة، ووقف عليها الأوقاف، وله جامع مشهور في المنزلة، له فيه سماط لكل وارد، وبنى بيمارستان للضعفاء قريبا منه.
وكان يجذب قلب من يراه أبلغ من جذب المغناطيس للحديد.
وكان لا يسأله فقير قطّ شيئا من ملبوسه إلّا نزعه له في الحال ودفعه إليه، وربما خرج إلى صلاة الجمعة فيدفع كل شيء عليه ويصلي الجمعة بفوطة في وسطه.
стр. 5042
ومناقبه كثيرة مشهورة بدمياط والمنزلة.
وتوفي ببلده ودفن بمقبرتها الخربة، وقبره بها ظاهر يزار، رحمه الله تعالى.
وفيها- تقريبا أيضا- عبد الخالق الميقاتي الحنفي المصري [١] الشيخ الإمام العالم الصّالح.
كان له الباع الطويل في علم المعقولات، وعلم الهيئة، وعلم التصوف.
وكان كريم النّفس، لا ينقطع عنه الواردون في ليل ولا نهار.
وكان للفقراء عنده في الجمعة ليلة يتذاكرون فيها أحوال الطريق إلى الصباح.
وكان له سماط من أول رمضان إلى آخره.
وكان دائم الصّمت، لا يتكلم إلّا [٢] لضرورة، ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر.
وفيها- تقريبا أيضا- عبد العال المجذوب المصري [٣] .
قال في «الكواكب» : كان مكشوف الرأس لا يلبس القميص وإنما يلبس الإزار صيفا وشتاء، وسواكه مربوط في إزاره، وكان محافظا على الطهارة، خاشعا في صلاته، مطمئنا فيها، متألها.
وكان يحمل إبريقا عظيما يسقي به الناس في شوارع مصر.
وكان يطوف البلاد والقرى ثم يرجع إلى مصر.
وكان يمدح النّبيّ ﷺ ، فيحصل للناس من إنشاده عبرة ويبكون.
قال الشعراوي: ولما دنت وفاته دخل لنا الزاوية وقال: الفقراء يدفنوني في أي بلد، فقلت الله أعلم، فقال في قليوب. قال فكان الأمر كما قال بعد ثلاثة أيام.
стр. 5043
ودفن قريبا من القنطرة التي في شطّ قليوب وبنوا عليه قبّة.
وفيها المولى السيد الشريف عبد العزيز بن يوسف بن حسين الرّومي الحنفي، الشهير بعايد جلبي [١] خال صاحب «الشقائق» .
قرأ على المولى محيي الدّين السّاموني، ثم على المولى قطب الدّين حفيد قاضي زاده الرّومي، ثم المولى أخي جلبي، ثم المولى علي بن يوسف الفناري، ثم صار مدرّسا بمدرسة كليبولي، ثم قاضيا ببعض النواحي، ومات بمدينة كفه قاضيا بها.
وفيها جمال الدّين أبو عبد الله عبد القادر أبو عبيد بن حسن الصّاني- بصاد مهملة ونون، نسبة إلى صانية قرية داخل الشرقية من أعمال مصر- القاهري الشافعي [٢] الإمام العلّامة.
قال العلائي: سمع على الملتوني، وابن حصن، وغيرهما. وأخذ عن القاضي زكريا وكان رجلا معتبرا وجيها وثابا في المهمات حتى أن قيام دولة القاضي. زكريا وصمدته كانت منه.
وكان قوي البدن ملازما للتدريس والإقراء والإفتاء. انتهى.
وقال الشعراوي: كان قوالا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، يواجه بذلك الملوك فمن دونهم، حتى أداه ذلك إلى الحبس الضيق وهو اسم على الحقّ.
انتهى.
وأخذ عنه الشيخ نجم الدّين الغيطي وغيره.
وتوفي ليلة الأحد تاسع شوال.
وفيها محيي الدّين عبد القادر بن عبد العزيز بن جماعة المقدسي الشافعي القادري [٣] خطيب الأقصى، الإمام العارف باللَّه تعالى.
стр. 5044
أخذ عن والده، وعن العماد ابن أبي شريف، وعن العارف باللَّه سيدي أبي العون الغزّي.
وأخذ عنه الشيخ نجم الدّين الغيطي حين ورد القاهرة في السنة التي قبلها، وهو والد الشيخ عبد النّبيّ بن جماعة.
وفيها علاء الدّين علي بن خير الدّين [١] الحلبي [٢] نزيل القاهرة الحنفي الفقيه، شيخ الشيخونية بمصر.
قال العلائي: كان ليّن العريكة، أخذ عن ابن أمير حاج.
وتوفي ليلة الثلاثاء رابع عشري ربيع الأول.
وفيها نور الدّين علي الجارحي المصري، شيخ مدرسة الغوري [٣] .
كان مبجّلا عند الجراكسة، وكان من قدماء فقهاء طباقهم، يكتب الخطّ المنسوب، وظفر منهم بعزّ وافر.
قال الشعراوي: كان قد انفرد في مصر [٤] بعلم القراءات هو والشيخ نور الدّين السّمنهودي. وكان يقرئ الأطفال تجاه جامع الغمري.
وكان مذهب الإمام الشافعي نصب عينيه، وما دخل عليه وقت وهو على غير طهارة.
وقال: إنه كان ليله ونهاره في طاعة ربّه.
وكان يتهجّد كل ليلة بثلث القرآن. انتهى وتوفي في شعبان.
стр. 5045
وفيها المولى محيي الدّين محمد بن محمد القوجوي الرّومي الحنفي [١] .
كان عالما بالتفسير، والأصول، وسائر العلوم الشرعية والعقلية، وأخذ العلم عن والده. وكان والده من مشاهير العلماء ببلاد الرّوم، ثم قرأ على المولى عبدي الدرس بأماسية، ثم على المولى حسن جلبي بن محمد شاه الفناري، وولي التدريس والولايات حتى صار قاضي العسكر بولاية أناضولي، ثم استعفى منه فأعفي وأعطي إحدى المدارس الثمان. ثم صار قاضيا بمصر، فأقام بها سنة، ثم حجّ وعاد إلى القسطنطينية، وبها مات في هذه السنة. قاله في «الكواكب» .