← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

وكان حافظا لكتاب الله تعالى، له همّة مع الطلبة، ومهابة، ومودّة للخاص والعام، ونفس غنيّة. وكان متقللا من الوظائف، وتمنّى الموت لفتنة حصلت له [في الدّين] [١] لما دخلت الدولة العثمانية. ومن شعره يشير إلى ذلك: ليت شعري من على الشام دعا ... بدعاء خالص قد سمعا فكساها ظلمة مع وحشة ... فهي تبكينا ونبكيها معا قد دعا من مسّه الضّرّ من ال ... ظّلم والجور اللّذين اجتمعا فعلا الحجب الدّعا فانبعثت ... غارة الله بما قد وقعا فأصاب الشّام ما حلّ بها ... سنّة الله الذي قد أبدعا وتوفي نهار الأحد خامس عشر صفر ودفن بباب الصغير. وفيها السيد علاء الدّين علي بن محمد الحسيني العجلوني ثم البروسوي، المعروف بالحديدي خليفة [٢] الشيخ العارف بالله تعالى أبي السعود الجارحي. توطن بروسا من بلاد الرّوم نحو ثلاثين سنة، ثم حجّ، وعاد إلى القاهرة، وكان له عبث بعلم الوفق والأسماء وصناعة الكيمياء. وكان له أسانيد عالية، رحمه الله تعالى. وفيها محيي الدّين محمد بن سعيد الشيخ الإمام العلّامة، المعروف بابن سعيد [٣] . قدم دمشق فصار إماما لنائبها قصروه، وقرأ عليه عدة من الأفاضل، وصارت له كلمة مسموعة.

стр. 5077

وتوفي بحلب في هذه السنة. وفيها شمس الدّين محمد بن علي الحريري الحلبي الحنفي، المعروف بابن السيوفي [١] تعلّم القراءة والكتابة على كبر، وتفقّه بالزين ابن فخر النساء، وأخذ عن الزّين بن الشّمّاع. قال ابن الحنبلي: وكان يترجى أن يعمل كتابا في فقه الحنفية يرتّب فيه ذكر المسائل على ترتيب «منهاج النووي» . قال: وكان عبدا صالحا، ملك كتبا كثيرة. انتهى. وفيها القاضي نجم الدّين محمد الزّهيري الحنفي [٢] الشيخ الفاضل. كان نائب الباب بدمشق. وكان بيده تدريس الريحانية، والمرشدية، والمقدسية البرّانية، والعزيّة البرّانية. وقد كان عمرها وجدّد قاعة المدرّس بها. وأقام فيها الجمعة، وكان لها سنون بطّالة نحو ثلاثين سنة، مع إحسانه إلى مستحقيها. ولما مات بطل ذلك. وتوفي في سلخ ربيع الأول. وفيها محيي الدّين محمد الرّومي [٣] المولى الفاضل، الشهير بابن المعمار الحنفي. خدم المولى محمد بن الحاج حسن، ثم درّس بإسكوب [٤] ، ثم بمدرسة

стр. 5078

الوزير محمود باشا، ثم بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة، ثم بإحدى الثمانية، ثم ولي قضاء حلب، ثم أعيد إلى إحدى الثمانية، وعيّن له كل يوم ثمانون عثمانيا، ثم أعيد إلى قضاء حلب ومات بها. وفيها مجير الدّين الرّملي [١] الشيخ الفاضل أحد العدول بدمشق. قال ابن طولون: كان صالحا، وعنده فضيلة وببصره بعض تكسر. مات- ﵀ يوم الثلاثاء ثامن عشري ربيع الأول. وفيها نور الدّين محمود بن أحمد بن محمد بن أبي بكر القرشي البكري الحلبي [٢] الشافعي الأصيل [٣] المعمّر الجليل، خطيب المقام بقلعة حلب وابن خطيبه. أخذ عن الحافظ أبي ذرّ بن الحافظ برهان الدّين الحلبي. وأخذ عنه ابن الحنبلي ووالده «الحديث المسلسل بالأولية» واستجازاه فأجازهما [٤] . وتوفي نهار الأحد حادي عشري ربيع الآخر بحلب ودفن بمقابر الصّالحين. وفيها المولى مصلح الدّين مصطفى [٥] ، المشهور بحاكي [٦] الحنفي، أحد الموالي الرّومية. كان- رحمه الله تعالى- حائكا، ولما بلغ سنّ الأربعين رغب في العلم،

стр. 5079

وبرع فيه، وصار مدرّسا ببلده تيره [١] ، وصحب العارف بالله تعالى محمد الجمالي، والعارف بالله أمير البخاري، ثم انقطع عن التدريس وتقاعد بثلاثين عثمانيا. وكان يكتب على الفتوى ويأخذ عليها أجرا. وكان يحيى أكثر الليل، وربما غلب عليه الحال في الصّلاة.

стр. 5080

سنة خمس وثلاثين وتسعمائة فيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر البقاعي [١] الحنبلي ثم الشافعي، العارف بالله تعالى. ولد في ربيع الأول سنة خمس وثمانين وثمانمائة، وقرأ على البدر الغزّي في الأصول، والعربية، وغير ذلك، وقرأ عليه «البخاري» كاملا في ستة أيام أولها يوم السبت حادي عشري شهر رمضان سنة ثلاثين وتسعمائة، و «صحيح مسلم» كاملا في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين في خمسة أيام متفرقة في عشرين يوما، وقرأ عليه نصف «الشفا» الأول وغير ذلك، وترجمه البدر بأنه كان من الأولياء الذين لا يعلمون بأنفسهم. وتوفي شهيدا بالبطن يوم الثلاثاء حادي عشر شعبان. وفيها المولى برهان الدّين إبراهيم الحسيب النّسيب [٢] أحد موالي الرّوم الحنفي. كان والده من سادات العجم. رحل إلى الرّوم، وتوطن قرية من قرى أماسية يقال لها قريكجه، وكان من أكابر أولياء الله تعالى، وله كرامات وخوارق، منها أنه كفّ بصره في آخر عمره، فكشف ولده السيد إبراهيم المذكور رأسه بين يديه يوما، فقال له: يا ولدي لا تكشف رأسك ربما يضرّك الهواء البارد، فقال له ولده: كيف رأيتني وأنت بهذه الحالة، قال: سألت الله أن يريني وجهك، فمكنني من ذلك، فصادف نظري

стр. 5081

انكشاف رأسك، ونشأ ولده المذكور في حجره بعفّة وصيانة، ورحل في طلب العلم إلى مدينة بروسا، فقرأ على الشيخ سنان الدّين، ثم اتصل بخدمة المولى حسن السّاموني، ثم رغب في خدمة المولى خواجه زاده، ثم ولي التدريس حتّى صار مدرّسا بمدرسة السلطان بايزيد كل يوم بمائة عثماني على وجه التقاعد، ولما جلس السلطان سليم على سرير الملك اشترى له دارا في جوار أبي أيوب الأنصاري [١] والآن هي وقف وقفها السيد إبراهيم على من يكون مدرّسا بمدرسة أبي أيوب، وكان مجرّدا لم يتزوج في عمره بعد أن أبرم عليه والده في التزوج، وكان منقطعا عن الناس للعلم والعبادة، زاهدا، ورعا، يستوي عنده الذهب والمدر، ذا عفّة، ونزاهة، وحسن سمت، وأدب، واجتهاد، ما رؤي إلا جاثيا على ركبتيه، ولم يضطجع أبدا مع كبر سنّه. وكان طويل القامة، كبير اللحية، حسن الشيبة، يتلألأ وجه نورا، متواضعا، خاشعا، يرحم الصغير ويجلّ الكبير، ويكثر الصدقة. وكفّ في آخر عمره ثم عولج فأبصر ببعض بصره. وتوفي في هذه السنة ودفن عند جامع أبي أيوب الأنصاري، رحمه الله تعالى. وفيها المولى جلال الدّين الرّومي الحنفي الفاضل [٢] خدم المولى محمد بن الحاج حسن، ثم صار مدرّسا بمدرسة المولى المذكور بالقسطنطينية، ثم صار قاضيا بعدة من البلاد، ثم تقاعد بخمسة وثلاثين عثمانيا، وصرف جميع أوقاته في العلم والعبادة. وكان محقّقا مدقّقا، ذا شيبة نيّرة، بقية من الصالحين. وفيها داود بن سليمان القصيري [٣] الشافعي الفقيه البارع، أخو الشيخ عبده [٤] .

стр. 5082

وأخذ الفقه عن جماعة وبرع فيه [١] . وفيها عبد الرزاق التّرابي المصري [٢] الشيخ الصّالح الورع الزّاهد. أخذ الطريق عن سيدي على النّبتيتي، وسيدي أحمد التّرابي، والشيخ نجا النّبتيتي، وكان على قدم عظيم من الزّاهد والورع، وأقبل الناس عليه بالاعتقاد بعد موت شيخه الشيخ نجا، وله رسالة، في الطريق، ونظم لطيف. انتقل من الرّيف إلى مصر، وأقام بها مدة، ثم انتقل إلى الجيزة [٣] فأقام بها إلى أن مات. ومن كراماته أنه طلع مرة إلى الأمير خير بك والي مصر في شفاعة فلم يقبلها وأغلظ على [٤] الشيخ فخرجت له تلك الليلة جمرة ومات منها بعد سبعة أيام. وفيها الشيخ عبيد الدّنجاوي ثم البلقيني المصري [٥] العارف بالله تعالى، أحد أصحاب الشيخ محمد الكواكبي [٦] الحلبي. دخل مصر من قبل الشام في زمن السلطان قايتباي. وكان يعتقده أشد الاعتقاد، وكانت وظيفته خدمة شيخه المذكور، حتّى كان في كاهله أثر من حمل الماء وغيره على ظهره، وكان مشغولا بالخدمة، لا يحضر مع أصحاب شيخه أورادهم قطّ، فلما حضرت شيخه الوفاة تطاول ذو الهيئات للإذن فلم يلتفت إلى أحد منهم، وقال: هاتوا عبيد فأذن له بحضرتهم فحسدوه، وكادوا يقتلونه، فسافر إلى مصر ودخلها مجذوبا عريان ليس عليه سوى سراويل وطرطور، وكلاهما من جلد، ثم ذهب إلى الصعيد، وأقام بها مدة، ثم سكن بلقين، وعمّر

стр. 5083

بها زاوية، وأقبل الناس عليه من سائر الآفاق، ونزل السلطان إلى زيارته، ثم سكن في [١] مصر في الزاوية الحلاوية عمرها له الغوري، وكان ينزل هو وولده إلى زيارته، ثم ترك لباس الجلد وصار يلبس الملابس الفاخرة كملابس الملوك، وكان له سبعة نقباء لقضاء حوائج الناس عند السلطان فمن دونه، وكان لا تردّ له كلمة ولا شفاعة، وكان لا يردّ سائلا قطّ، ومن سأله درهما أعطاه ما يساوي خمسين دينارا أو ما يقرب منها. وتوفي في جمادى الأولى. وفيها قاضي القضاة نجم الدّين محمد بن شيخ مشايخ الإسلام تقي الدّين أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن شرف بن قاضي عجلون [٢] الشافعي الإمام العلّامة. ولد بدمشق سابع عشر شوال سنة أربع وسبعين وثمانمائة، واشتغل على والده، ودرّس عنه نيابة بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر، وولي خطابة جامع يلبغا، وفوض إليه قاضي القضاة شهاب الدّين بن الفرفور نيابة الحكم يوم الخميس حادي عشر جمادى الأولى سنة أربع وتسعمائة، ولما رحل [٣] مع أبيه إلى القاهرة- في حادثة محبّ الدّين ناظر الجيوش- ولّاه الغوري قضاء القضاة بالشام استقلالا، وذلك في سنة أربع عشرة، واعتقل بقلعة دمشق في جامعها عشية الخميس تاسع عشري جمادى الآخرة سنة خمس عشرة، ثم عزل في ثاني [ذي] القعدة منها، وأعيد القاضي ولي الدّين بن الفرفور. وتوفي القاضي نجم الدّين ليلة الثلاثاء عاشر ربيع الثاني ودفن عند والده بتربة باب الصغير. وفيها شمس الدّين محمد بن علي بن أحمد بن سالم الجناجي- بجيمين

стр. 5084

الأولى مضمومة، بينهما نون خفيفة، نسبة لجناج قرية بين البحرارية وسنهور من الغربية [١]- ثم القاهري الأزهري المكّي المالكي، وربما عرف بمكّة بابن وحشي. ولد سنة ستين وثمانمائة تقريبا، وحفظ القرآن [العظيم، ونحو النصف الأول من مختصر الشيخ خليل، ومن «ألفية النحو» . واشتغل في الفقه] [٢] والعربية على السّنهوري وغيره، وقرأ على الدّيمي «البخاري» وسمع على الكمال بن أبي شريف في «مسلم» وعلى الشاوي في «البخاري» بحضرة الخيضري. كذا ذكره السخاوي. قال وحجّ غير مرة، ولقيني في سنة سبع وتسعين بمكّة، فقرأ عليّ «الموطأ» ونحو النصف من «الشفا» بسماع باقيه، ولازمني في غير ذلك سماعا وتفهما. انتهى باختصار. وتوفي بمكة المشرّفة في ربيع الثاني ودفن بالمعلاة. وفيها القاضي رضي الدّين أبو الفضل محمد بن رضي الدّين محمد بن أحمد بن عبد الله بن بدر بن بدري بن عثمان بن جابر بن ثعلب بن ضوي بن شدّاد بن عاد بن مفرّج بن لقيط بن جابر بن وهب بن ضباب بن جحيش بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب [٣] . كذا ساق نسبه حفيده النجم في «الكواكب» وقال: الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، المحقّق المدقّق العمدة العلّامة الحجّة الفهّامة الغزّي الأصل الدمشقي المولد والمنشأ والوفاة، العامري القرشي الشافعي، جدّي لأبي. ولد في صبيحة اليوم العاشر من ذي القعدة سنة اثنتين وستين وثمانمائة، وتوفي والده شيخ الإسلام [رضي الدّين أبو البركات، وسنّه إذ ذاك دون السنتين، وأسند وصايته إلى شيخ الإسلام] [٤] زين الدّين خطاب بن عمر بن مهنّا الغزاوي

стр. 5085

الشافعي شيخ الشافعية بدمشق، فربّاه أحسن تربية، إلى أن ترعرع، وطلب العلم بنفسه، مشمّرا عن ساق الاجتهاد، مؤثرا لطريقة التصوف ومنعزلا عن الناس في زاوية جدّه لأمّه سيدي الشيخ أحمد الأقباعي بعين اللؤلؤة خارج دمشق، إلى أن برع في علمي الشريعة والحقيقة، ولازم الشيخ خطاب مدة حياته، وتفقّه عليه وانتفع به ثم تزوج ابنته بالتماس منه، ولزم أيضا الشيخ محبّ الدّين محمد البصروي، فأخذ عنه الفقه والحديث والأصول والعروض، ثم لزم الشيخ برهان الدّين الزرعي، وأخذ عنه الحديث وغيره، وولده الشيخ شهاب الدّين أحمد، وأخذ عنه المعقولات، والمعاني، والبيان، والعربية، وتفقّه أيضا بالبدر بن قاضي شهبة، والشيخ شمس الدّين محمد بن حامد الصّفدي، وغيرهم. وكان- رحمه الله تعالى- ممن قطع عمره في العلم طلبا وإفادة وجمعا وتصنيفا. أفتى ودرّس، وولي القضاء نيابة عن قريبه القطب الخيضري وسنّه إذ ذاك دون العشرين سنة، ثم عن الشّهاب بن الفرفور، ثم عن ولده القاضي ولي الدّين بعد أن تنزه عن الحكم، ثم ألزم به من قبل السلطان سليم خان، وباشر مدة ولايته القضاء بعفّة، ونزاهة، وطهارة يد ولسان، وقيام في الحقّ، لا يحابي أحدا، ولا تأخذه في الله لومة لائم، وهو آخر قضاة العدل. وممن أخذ عنه ولده شيخ الإسلام بدر الدّين، وأبو الحسن البكري، وأمين الدّين بن النجّار المصري، والسيد عبد الرحيم العبّاسي، والبدر العلائي، وغيرهم. ومن مؤلفاته «الدرر اللوامع نظم جمع الجوامع» في الأصول، و «ألفية في التصوف» سمّاها «الجوهر الفريد في أدب الصوفي والمريد» و «ألفية» في اللغة نظم فيها «فصيح ثعلب» و «ألفية» في علم الهيئة. و «ألفية» في علم الطب، و «منظومة» في علم الخطّ. ونظم رسالة السيد الشريف في علمي المنطق والجدل، ووضع على نظمه شرحا نفيسا، وألف «مختصرا» في علمي المعاني

стр. 5086

والبيان، سمّاه ب «الإفصاح عن لب الفوائد والتلخيص والمصباح» [١] ، ووضع عليه شرحا حافلا، وشرح «أرجوزة البارزي» في المعاني والبيان، و «شرح عقيدة جمع الجوامع» و «نظم عقائد الغزالي» وعقائد لبعض الحنفية، و «نخبة الفكر» لابن حجر في علم الحديث، و «قلائد العقيان في مورثات الفقر والنسيان» للشيخ إبراهيم النّاجي، وألّف كتاب «الملاحة في علم الفلاحة» وغير ذلك. ومن شعره: ما كان بكر علومي قطّ يخطبها ... إلا ذوو جدّة بالفضل أكفاء وغضّ منه ذوو جهل [٢] معاندة [٣] ... والجاهلون لأهل العلم أعداء وتوفي في شوال عن ثلاث وسبعين سنة، ودفن بمقبرة الشيخ رسلان. انتهى باختصار. وفيها شمس الدّين أبو البركات محمد بن العلّامة شمس الدّين محمد بن حسن البابي الأصل الحلبي، الشهير كأبيه بابن البيلوني [٤] وبإمام السفاحية. سمع بقراءة أبيه على الكمال بن الناسخ من أول «صحيح البخاري» إلى تفسير سورة مريم، وسمع على الزين بن الشّماع «الشمائل للترمذي» وأجازا له، وقرأ على العلاء الموصلي في «شرح الألفية» لابن عقيل، ودرّس بالحجازية. وكان له حظوة عند قاضي حلب عبيد الله سبط ابن الفناري، وكان له حركة وسعي في تحصيل الدنيا، فعرض له شيخه ابن الشّمّاع في ذلك، فذكر أنه إنما يطلب الدنيا للاكتفاء عن الحاجة إلى الناس، والاستعانة على الاشتغال بالعلم، والتوسعة على المحتاجين في وجوه البرّ. وتوفي بمنبج وهو دون الأربعين، ودفن وراء ضريح سيدي عقيل المنبجي.

стр. 5087

وفيها شهاب الدّين محمد الحلبي [١] المصري [٢] الإمام العالم. توفي في أوائل هذه السنة. وفيها محيي الدّين محمد، الشهير بابن قوطاس المولى الفاضل الرّومي الحنفي [٣] . كان أبوه من بلاد العجم، ودخل الرّوم، وصار قاضيا ببعض بلادها، واشتغل ابنه هذا على جماعة، منهم المولى ابن المؤيد، والمولى محمد بن الحاج حسن، ثم ولي التداريس حتّى درّس بإسحاقية إسكوب، ثم بمدرسة محمود باشا بالقسطنطينية. وتوفي وهو مدرّس بها. وكان فاضلا محقّقا مجتهدا في العبادة ملازما تلاوة القرآن طارحا للتكلّف، رحمه الله تعالى. وفيها شمس الدّين محمد الحصني السيد الحسيب النّسيب، قريب شيخ الإسلام تقي الدّين الحصني [٤] . رحل إلى القاهرة وأقام بها مدة، وتوفي بها. وكان إماما علّامة، صالحا، رحمه الله تعالى. وفيها محمود بن مصطفى بن موسى بن طليان القصيري الأصل الحلبي المولد الحنفي المشهور بابن طليان [٥] . ولي خطابة الجامع الكبير بحلب في أوائل الدولة العثمانية، وكان فقيها جيدا يصدع بالحقّ ولا يخاف في الله لومة لائم، لكن كان عنده حدّة، وحجّ في آخر عمره.

стр. 5088

وتوفي في شهر رمضان. وفيها المولى مصلح الدّين مصطفى بن خليل [١] والد صاحب «الشقائق النعمانية» . ولد ببلدة طاش كبري سنة خمس وخمسين وثمانمائة، وهي السنة التي فتحت فيها قسطنطينية، وقرأ على والده، ثم على خاله المولى التكشاري، ثم على المولى درويش بن المولى خضر شاه المدرّس بسلطانية بروسا، ثم على المولى بهاء الدّين المدرّس بإحدى الثمانية، ثم على المولى ابن مغنيسا [٢] ، ثم على المولى قاضي زاده، ثم على المولى علاء الدّين العربي، ثم على المولى خواجه زاده، ثم درّس بالأسدية ببروسا، ثم بالمدرسة البيضاء بأنقرة، ثم بالسيفية بها، ثم بإسحاقية إسكوب، ثم بحلبية أدرنة، ثم صار معلّما للسلطان سليم خان، ثم أعطي تدريس السلطانية ببروسا، ثم إحدى الثمانية، ثم صار قاضيا بحلب، ثم استعفى من القضاء، وعرض وصية والده له في ذلك على السلطان. وكان عالما، زاهدا، عابدا متأدبا، مشتغلا بنفسه، معرضا عن الدنيا، وله رسائل وحواش على نبذ من «شرح المفتاح» ورسالة في الفرائض، وغير ذلك، رحمه الله تعالى.

стр. 5089

سنة ست وثلاثين وتسعمائة فيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن يوسف بن خليل اليمني الزّبيدي ثم الحسوي المالكي [١] الإمام العلّامة. قال في «الكواكب» : لازم شيخ الإسلام الوالد سنين، وقرأ عليه في الفقه على مذهب الشافعي، وفي «ألفية ابن مالك» وقرأ عليه «شرحه المنظوم على الألفية» . انتهى وفيها برهان الدّين إبراهيم بن الشيخ شهاب الدّين أحمد بن حمزة الدمشقي [٢] الشافعي الإمام العلّامة. قال الشيخ يونس العيثاوي: كان رفيقنا في الاشتغال، ووالده من أهل العلم الكبار، وكان هو شابا، مهيبا، له يد طولى في المعقولات، دأب وحصّل، وجمع بين طرفي «المنهاج» على شيخنا البلاطنسي، ورافقنا على السيد كمال الدّين بن حمزة مع الأجلّة الأكابر، وله أبحاث عالية، وهمّة سامية، طارح للتكلّف. سكن المدرسة التقوية ومات بها ليلة الثلاثاء سابع ربيع الأول، ودفن بباب الفراديس. انتهى وفيها تقي الدّين أبو بكر بن محمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن أبي بكر البلاطنسي [٣] الشافعي الحافظ، شيخ مشايخ الإسلام، العلّامة المحقّق، الناقد المجتهد.

стр. 5090

ولد يوم الجمعة عاشر رجب سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، وأخذ العلم عن والده، وعن الزّين خطّاب، والبدر ابن قاضي شهبة، وشيخي الإسلام النّجمي والتّقوي ابني قاضي عجلون، والجمال بن الباعوني، والعلاء الأيجي، والبرهان النّاجي، والشهاب الأذرعي، وغيرهم. قال الشيخ يونس العيثاوي- وهو تلميذه-: هو من بيت صلاح وعلم، سمعت مدحه بذلك من السيد كمال الدّين بن حمزة، ودخل دمشق في طلب العلم، وأخذ عن علمائها المشار إليهم، ثم استوطنها، ولم يتناول من أوقافها شيئا. وكان يجلس في البادرائية. وأرسل إليه بأموال ووظائف فلم يقبل. وكان عالما، عاملا، ورعا، كاملا، له مهابة في قلوب الفقهاء والحكّام، يرجع إليه في المشكلات، لا يتردد إلى أحد لغناه، وله همّة مع الطلبة، ونصيحة واعتناء بالعلم، أمارا [١] بالمعروف، نهاء عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، لا يداهن في الحقّ، له حالة مع الله تعالى، يستغاث بدعائه [٢] ، ويتبرك بلحظه، قائما بنصرة الشريعة، حاملا لواء الإسلام، مجدّا في العبادة، مجانبا للرّياء، لا يحب أن يمدحه أحد، يختم القرآن في كل يوم جمعة، ويختم في شهر رمضان كل ليلة ختمتين [٣] ، وأكبّ في آخرة على التّلاوة. وله شعر متوسط، منه قصيدة نونية مدح فيها السلطان سليمان، وتعرّض فيها

стр. 5091

لما حصل في زمنه من الفتوحات، كرودس [١] وغيرها. وتوفي ليلة الاثنين ثاني المحرم، ودفن بباب الصغير جوار بلديه شيخ الإسلام شمس الدّين البلاطنسي، وقبرهما في آخر التربة من جهة الشمال. وفيها أحمد بن منلا شيخ، المعروف بخجا كمال العجمي اللالائي [٢]- نسبة إلى لالا قرية من أعمال تبريز [٣]- الشافعي. قال في «الكواكب» : كان له فضيلة ومشاركة، وهو أول من ولي نظارة النّظّار بدمشق. وتولى الجامع الأموي، والتكية السليمية، والبيمارستان، إلى جانبها. أخذ عن شيخي الإسلام الجدّ والوالد، وعن غيرهما، وربما انتقد عليه بعض الناس أمورا، ولكن لو لم يكن له من المكرمة إلّا مصاهرة شيخ الإسلام الجدّ له، كما صاهر القاضي برهان الدّين الأخنائي، والقاضي أمين الدّين بن عبادة لكفاه توثيقا وتعديلا. قال: ثم إن والد شيخنا أثنى على صاحب الترجمة لما أن حرق سوق باب البريد واحترق أبواب الجامع معه. قال: وكان المتكلم عليه الخجا العجمي من قبل حزم باشا، وأحسن النظر فيه وعمّر ما احترق من مال الوقف الذي كان مرصدا عنده، والحال أنه سرق له مال من منزله، وتحدّث الناس أنه يدّعي سرقة المال المرصد، ولو ادعاه لصدقوه، لكنه قال: مال الجامع محفوظ لم يسرق، فازداد الناس في مدحه وذكر عفّته. قال: وكان كذلك، فإنه لم يقطع على المستحقين شيئا بل هو الذي رتّب القراء تحت القبّة واستمر.

стр. 5092

وتوفي ليلة الخميس تاسع عشري ربيع الآخر، ودفن بباب الصغير. انتهى ملخصا. وفيها شهاب الدّين أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن عمر بن عبد الله بن أبي بكر الفاكهي الأصل المصري المكّي الشافعي [١] ابن أخت السّراج البلقيني. قال في «النور» : ولد في شعبان سنة ثمان وستين وثمانمائة بمكة، ونشأ بها، فحفظ القرآن و «أربعين النواوي» و «إرشاد ابن المقري» [٢] و «ألفية ابن مالك» وعرض على البرهان بن ظهيرة، والمحبّ الطّبري، والعلمي، وعمر بن فهد في آخرين. قال السخاوي: سمع مني بمكة والمدينة أشياء، بل قرأ عليّ بالقاهرة في «سنن أبي داود» وتكرّر قدومه لها، وهو حاذق فطن منوّر. وقال جار الله بن فهد: واستمر على حاله في التردد، والحذق، وكثرة دخول القاهرة، ومخالطة الأكابر، مع الحرص على تحصيل الوظائف، وتزوج واحدة بعد واحدة، ورزق جملة أولاد، أنجبهم عبد الله بن حبيشة، وله غيره من مكّيّة ومدنيّة، وحصل الأملاك وعمرها، ثم ضعف في آخر عمره، وطلع له فتق في بدنه، وانقطع في بيته نحو جمعة بالإسهال، ثم مات بمكة يوم الجمعة تاسع عشر المحرم بعد وصية، وحصل له بالإسهال الشهادة ووقي فتنة القبر بموته يوم الجمعة، ودفن على قبر أبيه وجدّه جوار الفضيل بن عياض. وفيها المولى شمس الدّين أحمد بن يوسف القسطنطيني [٣] المولد الحنفي، المعروف بابن الجصّاص. اشتغل، ثم خدم المولى ابن المؤيد، ثم درّس وترى في المدارس، حتى

стр. 5093

أعطي سلطانية بروسا، ثم ولي قضاء الشام، ثم عزل منها بعد إقامته بها شهرين وأربعة أيام، ثم أتاه أمر باستمراره في دمشق مفتشا على الأوقاف. وكان محافظا على الصلاة بالجماعة في الجامع الأموي، لا يحب أحدا يمشي أمامه على هيئة الأكابر، وصار بعد عوده إلى الرّوم مدرّسا بإحدى الثمانية بثمانين درهما. وكان عالما، عاملا، مدقّقا، ماهرا في العلوم العقلية، بعيدا عن التكلّف، صحيح العقيدة، رحمه الله تعالى. وفيها- ظنّا- جان التبريزي الشافعي، المعروف بميرجان الكبابي [١] ، القاطن بحلب. قال في «الكواكب» : كان عالما، كبيرا سنيا، صوفيا، قصد قتله شاه إسماعيل صاحب تبريز لتسنّنه، فخلع العذار، وطاف في الأزقة كالمجنون، ثم صار على أسلوب الدراويش. وقال ابن الحنبلي: زرته بحلب في العشر الرابع من القرن، وهو بحجرة ليس فيها إلّا الحصير. ومن لطيف ما سمعته منه السوقية كلاب سلوقية. وفي تاريخ ابن طولون المسمى «مفاكهة الإخوان» [٢] : وفي يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان- يعني سنة أربع وثلاثين- قدم دمشق عالم الشرق مرجان القبالي التبريزي الشافعي، وقيل: إنه كان إذا طلع محلّ درسه نادى مناد في الشوارع: من له غرض في حلّ إشكال فليحضر عند المنلا فلان. قال: ووقفت له على تفسير عدة آيات على طريقة نجم الدّين الكبرى في «تفسيره» . قال: وعنده اطلاع. انتهى

стр. 5094

ثم ذكر أنه سافر راجعا إلى بلاده من دمشق حادي عشر محرم سنة خمس وثلاثين. قال: وكان شاع عنه أنه يمسح على الرجلين من غير خفّ، وأنه يقدّم عليا ﵁ [١] ، وأنه استخرج ذلك من آية من القرآن العظيم. انتهى. وفيها عفيف الدّين عبد الله بن عبد اللطيف بن أبي بدرون [٢] السيد الشريف الحسيني الفاسي المكّي، قريب مؤرخ مكّة القاضي تقي الدّين. ولد في شوال سنة سبع وأربعين وثمانمائة، وأجازه الحافظ ابن حجر، ومن في طبقته باستدعاء المحدّث نجم الدّين عمر بن فهد في سنة خمسين، وله سماع على الشيخ أبي الفتح المراغي العثماني وغيره. وتوفي في شوال عن ثمان وثمانين سنة. وفيها- تقريبا- عبد الرحمن الشامي [٣] المدرّس بخانقاه سعيد السعداء بالقاهرة. قال في «الكواكب» : الشيخ الإمام الفقيه النحوي الصّوفي. كان يتعمّم بالصوف، وله تحقيق في العلوم الشرعية والعقلية، أقبلت عليه الأكابر والأمراء، واعتقدوه، وكانوا يجلسون بين يديه متأدبين، وهو يخاطبهم بأسمائهم من غير تعظيم ولا تلقيب. مات في حدود هذه الطبقة، ودفن قريبا من تربة السلطان إينال، ورؤيت الوحوش تنزل من الجبل فتقف على باب تربته في الليل فيخرج إليها ويكلمها فترجع. ذكره الشعراوي. انتهى. وفيها زين الدّين عبد القادر بن أحمد الحمصي، المعروف بابن الدّعاس [٤] الشيخ الفاضل العالم. قال في «الكواكب» : دخل دمشق، وحضر دروس شيخ الإسلام الوالد،

стр. 5095

وكتب نسختين من مؤلّفه المسمى ب «الدرّ النّضيد في أدب المفيد والمستفيد» واجتمع به في ذهابه إلى الروم سنة ست وثلاثين، ثم رجع الوالد سنة سبع وثلاثين فوجده قد مات بحمص. انتهى. وفيها المولى عبيد الله بن يعقوب المولى الفاضل الحنفي [١] أحد الموالي الرّومية، سبط الوزير أحمد باشا بن الفناري. قال في «الشقائق» : قرأ على علماء عصره، واشتغل بالعلم غاية الاشتغال، ثم وصل إلى خدمة الفاضل مصلح الدّين اليارحصاري، ثم انتقل إلى خدمة الشيخ محمود قاضي العسكر المنصور، ثم صار قاضيا بحلب. وكان فاضلا، ذكيا، له مشاركة في العلوم، ومعرفة تامة بعلم القراءات، قوي الحفظ، حفظ القرآن العظيم في ستة أشهر. [وكان] صاحب أخلاق حميدة جدا، من الكرم في غاية لا يمكن المزيد عليها، ملك كتبا كثيرة، وهي على ما يروى عشرة آلاف مجلد. قال: ورأيت له شرحا للقصيدة المسمّاة ب «البردة» . وقال: ابن الحنبلي: وكان له مدة إقامته بحلب شغف بجمع الكتب، سمينها وغثّها، جديدها ورثها، حتى جمع منها ما يناهز تسعة آلاف مجلد، وجعل فهرستها مجلدا مستقلا، ذكر فيه الكتاب، ومن ألّفه. وكان مع أصالته. فاضلا سيما في القراءات [٢] ، عارفا باللّسان العربي [والعبراني] [٣] ، سخيا [معطاء، يسامح في كثير من رسوم المحكمة] [٣] معتقدا في الصوفية، كثير التردد إلى مجلس الشيخ علي الكيزواني [٤] لتقبيل يده، من غير

стр. 5096

حائل ولا يتغالى في ملبسه، ولا يبالي به. وكان يقول من تعاطى الأوقاف فقد تحمل أحدا أوقاف [١] . انتهى ملخصا. وفيها الشيخ علوان علي بن عطية بن الحسن بن محمد بن الحداد الهيتي الحموي الشافعي الصّوفي الشّاذلي [٢] الإمام العلّامة الفهامة، شيخ الفقهاء والأصوليين، وأستاذ الأولياء والعارفين [٣] . سمع على الشمس البازلي كثيرا من «البخاري» و «مسلم» وعلى نور الدّين بن زهرة الحنبلي الحمصي. وأخذ عن القطب الخيضري، والبرهان النّاجي، والبدر حسن بن شهاب الدمشقيين، وغيرهم من أهلها. وعن ابن السّلامي الحلبي، وابن الناسخ الطرابلسي، والفخر عثمان الدّيمي المصري. وقرأ على محمود بن حسن البزوري الحنوي، ثم الدمشقي الشافعي. وأخذ طريقة التصوف عن سيدي علي بن ميمون المغربي. قال المترجم: اجتمعت به بحماة، وكنت أعظ من الكراريس بأحاديث الرقائق ونوادر الحكم، فقال: يا علوان عظ من الرأس ولا تعظ من الكرّاس، فلم أعبأ به، فأعاد القول ثانيا وثالثا، فتنبهت عند ذلك وعلمت أنه من أولياء الله تعالى، فأتيت في اليوم القابل فإذا بالسيد في قبالتي. قال: فابتدأت غيبا، وفتح الله عليّ، واستمر الفتح إلى الآن. قال: وأمرني بمطالعة «الإحياء» [٤] وأخذت عنه طريق الصوفية. وبالجملة، فقد كان سيدي علوان ممن أجمع الناس على جلالته، وتقدمه، وجمعه بين العلم والعمل، وانتفع الناس به وبتآليفه في الفقه، والأصول، والتصوف.

стр. 5097

وتآليفه مشهورة، منها «المنظومة الميمية» المسماة ب «الجوهر المحبوك في علم السلوك» وكتاب «مصباح الهداية ومفتاح الدراية» في الفقه. وكتاب «النصائح المهمة للملوك والأئمة» و «بيان المعاني في شرح عقيدة الشيباني» و «عقيدة مختصرة» وشرحها. ورسالة سمّاها «فتح اللطيف بإسرار التصريف» على نهج رسالة شيخه التي في إشارات «الجرومية» وشرح «يائية ابن الفارض» و «تائية ابن حبيب» وهو أشهر كتبه. وكتاب «مجلي الحزن» في مناقب شيخه السيد الشريف أبي الحسن. و «النفحات القدسية في شرح الأبيات الششترية» وهي التي نقلها سيدي أحمد زرّوق [١] في «شرح الحكم العطائية» . ومن نظمه في النفحات المذكورة: القتل في الحبّ أسنى منية الرّجل ... طوبى لمن مات بين السّيف والأسل سيف اللّحاظ ورمح القدّ كم قتلا ... من مستهام فقاداه إلى الأجل لو تعلم الرّوح فيمن أهدرت تلفا ... أضحت ومقدارها في نيل ذاك علي إن الغرام وإن أشفى [٢] السّقيم به ... على الهلاك لدرياق من العلل يا حبذا سقمي فيهم وسفك دمي ... به ارتفعت بلا شكّ على زحل أحباب قلبي بعيش قد مضى بكم ... جودوا بوصل فأنتم غاية الأمل أشكو انقطاعي وهجري والصّدود لكم ... إن تقطعوا بانصرام الودّ ما حيلي وحقّ معنى جمال يجتلي أبدا ... من حسن طلعتكم قدما من الأزل ما حلت عنكم ولا أبغي بكم بدلا ... فليس من شيمتي ميل إلى البدل

стр. 5098

هيهات أن أنثني يوما إلى أحد ... وليس غيركم في الكون يصلح لي وتوفي- ﵁ بحماة في جمادي الأولى. قال ولده سيدي محمد في «تحفة الحبيب» : ولقد أخبرني بموته قبل حلول مرضه، وعرف بأمور تصدر في بلدته وغيرها بعد موته من أصحابه وغيرهم، فجاءت مواعيده التي أشار بها كفلق الصبح. وفيها زين الدّين أبو حفص عمر بن أحمد بن علي بن محمود بن الشّماع الحلبي الشافعي [١] الإمام العلّامة المسند المحدّث. ولد سنة ثمانين وثمانمائة تقريبا، واشتغل على محيي الدّين بن الأبّار، والجلال النّصيبي، وغيرهما من علماء حلب. وأخذ الحديث عن التّقي الحبيشي الحلبي وغيره بحلب، وعن الجلال السّيوطي، والقاضي زكريا، والبرهان بن أبي شريف بالقاهرة، وقد زادت شيوخه بالسماع على مائتين، وبالإجازة العامة دون السماع، والإجازة الخاصة على مائة، وحجّ وجاور بمكة مرات، وسافر في طلب الحديث إلى حماة، وحمص، ودمشق، وبيت المقدس، وصفد، والقاهرة، وبلبيس، والحرمين الشريفين، وغيرها، وصحب بمكّة سيدي محمد بن عراق، ولبس منه الخرقة، وتلقّن منه الذكر، وأخذ الطريق أيضا عن الشيخ علوان الحموي، وصحبه، وأخذ عنه الشيخ علوان أيضا. وكان إماما، عالما، أمّارا بالمعروف نهاء عن المنكر، لا يقبل هدايا أهل الدنيا، ولا يتولى شيئا من الوظائف والمناصب، بل يتقنع [٢] بما يحصل له من ربح ما كان يضارب به رجلا من أصحابه. وله مؤلفات كثيرة، منها «مورد الظمآن في شعب الإيمان» ومختصره «تنبيه الوسنان إلى شعب الإيمان» ومختصر شرح الروض سمّاه «مغني الراغب في روض

стр. 5099

الطالب» وكتاب «بلغة المقتنع في آداب المستمع» و «الدّر الملتقط من الرياض النضرة في فضائل العشرة» و «العذب الزلال في فضائل الآل» و «اللآلي اللامعة في ترجمة الأئمة الأربعة» و «المنتخب من النظم الفائق في الزهد والرقائق» و «عرف الند في المنتخب من مؤلفات ابن فهد» و «الفوائد الزاهرة في السلالة الطاهرة» و «المنتخب المرضي من مسند الشافعي» و «لقط المرجان من مسند النعمان» وإتحاف العابد الناسك بالمنتقي من موطأ مالك» و «الدر المنضد من مسند أحمد» و «اليواقيت المكلّلة في الأحاديث المسلسلة» و «القبس الحاوي لغرر ضوء السخاوي» و «المواهب الملكية» ، و «تحفة الأمجاد» والتذكرة المسماة «سفينة نوح» والسيرة الموسومة ب «الجواهر والدرر» وكتاب «محرّك همم القاصرين لذكر الأئمة المجتهدين المتعبدين» و «النبذة الزاكية فيما يتعلق بذكر أنطاكية» و «عيون الأخبار فيما وقع له في الإقامة والأسفار» . ومن شعره في معنى الحديث المسلسل بالأولية: كن راحما لجميع الخلق منبسطا ... لهم وعاملهم بالبشر والبشر من يرحم النّاس يرحمه الإله كذا ... جاء الحديث به عن سيّد البشر وتوفي بحلب صبح يوم الجمعة قبيل أذانه ثاني عشر صفر، ودفن تحت جبل الجوشن عند الجادة التي يرد عليها من يرد من أنطاكية. وفيها كمال الدّين محمد بن علي القاهري الشافعي [١] قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية، الشهير بالطويل، الإمام العلّامة شيخ الإسلام. ولد سنة ست وأربعين وثمانمائة. قال الشعراوي: كان من أولاد الترك، وبلغنا أنه كان في صباه يلعب بالحمام في الريدانية، فمرّ عليه سيدي إبراهيم المتبولي، وهو ذاهب إلى بركة الحاج، فقال له: مرحبا بالشيخ كمال الدّين شيخ الإسلام، فاعتقد الفقراء أنه يمزح معه إذ لم يكن عليه أمارة الفقهاء، ففي ذلك اليوم ترك لعب الحمام واشتغل بالقراءة

стр. 5100

والعلم، وعاش جماعة الشيخ إبراهيم حتّى رأوه تولى مشيخة الإسلام وهي عبارة عن قضاء القضاة. أخذ الشيخ كمال الدّين العلم والحديث عن الشّرف المناوي، والشهاب الحجازي، وغيرهما. وسمع «صحيح مسلم» وغيره على القطب الخيضري، و «ألفية العراقي» وغيرها على الشرف المناوي. قال الشعراوي: وكان إماما في العلوم والمعارف، متواضعا، عفيفا، ظريفا، لا يكاد جليسه يملّ من مجالسته، انتهت إليه الرئاسة في العلم، ووقف الناس عند فتاويه، وكانت كتب مذهب الشافعي كأنها نصب عينيه لا سيما كتب الأذرعي، والزركشي، وقدم دمشق وحلب، وخطب بدمشق لما كان صحبة الغوري، وأخذ بحلب عنه الشمس السّفيري، والمحيوي بن سعيد، وعاد إلى القاهرة فتوفي بها، ورؤي في ليلة وفاته أن أعمدة مقام الشافعي سقطت، ودفن بتربته خارج باب النصر. وفيها شمس الدّين محمد بن علاء الدّين علي بن شهاب الدّين أحمد الحريري الدمشقي، الشهير بابن فستق الشافعي [١] ، الحافظ لكتاب الله تعالى، مع الإتقان. قال في «الكواكب» : كان فاضلا، صالحا، مقرئا، مجوّدا، في خدمة الجدّ شيخ الإسلام رضي الدّين الغزّي ومن أخصائه، ثم لازم شيخ الإسلام الوالد وحضر دروسه كثيرا. انتهى وفيها أبو الفتح محمد القدسي الشافعي [٢] الإمام العلّامة. كان شيخ الخانقاة السميساطية جوار جامع بني أمية بدمشق، وولي نظر العذراوية، وكان له سكون وله شرح على «البردة» . توفي يوم الجمعة عشري جمادى الآخرة.

стр. 5101

وفيها شمس الدّين محمد البانقوسي [١] الحلبي، عرف بابن طاش بصتي [٢] . تفقه على ابن فخر النساء، ودرّس بالأتابكية البرانية بحلب، وكان صالحا، مباركا، قليل الكلام، حسن الخط، كبير السنّ، كثير التهجد، رحمه الله تعالى.

стр. 5102

سنة سبع وثلاثين وتسعمائة وفيها توفي المولى سليمان الرّومي [١] أحد مواليهم. ترقّى في التدريس حتّى درّس بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة، ومات وهو مدرّسّ بها، وكانت وفاته في مجلس غاصّ بالعلماء في وليمة الختان لأولاد السلطان سليمان، سقط مغشيا عليه فحمل إلى خيمته فمات بها. وكان فاضلا، مشتغلا بنفسه. وفيها عبد الله المجذوب المصري [٢] . كان يصحن الحشيش في خرائب الأزبكية بالقاهرة، وكان من كرامته أن من أخذ من حشيشه وأكل منه يتوب لوقته ولا يعود إليها أبدا. قال الشعراوي: وكان من الراسخين. قال: وكان كثير الكشف، سمعته مرة يقول: وعزّة ربّي ما أخذها أحد من هذه اليد وعاد إليها- يعني الحشيشة-. مات في هذه السنة ودفن في خرائب الأزبكية مع الغرباء. وفيها- تقريبا- فخر الدّين عثمان السّنباطي الشافعي [٣] الإمام العلّامة. أخذ عن القاضي زكريا، والبرهان بن أبي شريف، والكمال الطويل، وصحب محمد الشنّاوي. وكان من العلماء العاملين، قليل الكلام، حسن السّمت، ولما ضرب

стр. 5103

القانون على القضاة عزل نفسه، وكان يقضي في بلده احتسابا، رحمه الله تعالى. وفيها- ظنا- عزّ الدّين المازندراني العجمي [١] . جاور بمكة، ثم قدم حلب سنة إحدى وثلاثين، وظهر له فضل في علوم شتى، لا سيما القراآت، فإنه كان فيها أمّة، وألّف فيها كتابا في وقف حمزة وهشام، وله شرح على «الجرومية» أجاد فيها وأتى بعبارات محكمة لكنها مغلقة على المبتدئ، ثم رحل إلى بلاده فمات بها. وفيها- أو ما يقرب منها- علاء الدّين علي بن محمد بن أحمد الكنجي [٢] الشافعي الدمشقي الإمام العلّامة. ولد بالقدس الشريف سنة تسعين وثمانمائة. وكان فاضلا، صالحا، مباركا، بارعا في علوم كثيرة، خيّرا كأبيه، رحمهما الله تعالى. وفيها علاء الدّين أبو الحسن علي بن أحمد بن موسى بن محمد الديري ثم الجوبري الدمشقي [٣] الشافعي الأديب. ولد بقرية الشوبك ببلاد نابلس في جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وكان مؤذّنا بالجامع الأموي، متسببا بباب البريد، فاضلا، بارعا، شاعرا له ديوان شعر ولم يشتهر. ومن شعره تخميس أبيات ابن حجر [٤] : أمر يطول ومدّة متقاصرة ... وبصائر عميت وعين باصره فإلى متى يا نفس ويحك صابره ... قرب الرّحيل إلى ديار الآخرة فاجعل إلهي خير عمري آخره

стр. 5104

فالعيش في الدّنيا كلّذة حالم ... وسواك يا مولاي ليس بدائم وإليك مرجعنا بأمر جازم ... فلئن رحمت فأنت أكرم راحم وبحار جودك يا إلهي زاخره ... يا ربّ إن الدّهر أبلى جدّتي وعصيت في جهل الشّباب وجدّتي [١] ... فإذا تصرّم ما بقي من مدّتي آنس مبيتي في القبور ووحدتي ... وارحم عظامي حين تبقى ناخره إن كنت ترحم من مضت أعوامه ... في لهوه حتّى نمت آثامه والعفو منك رجاؤه ومرامه ... فأنا المسكين الذي أيّامه ولّت بأوزار غدت متواترة ... فبوجهك الباقي وعزّ جلاله ومحمّد سرّ الوجود وآله [٢] ... رفقا بمن أنت العليم بحاله وتولّه باللطف عند مآله ... يا مالك الدّنيا وربّ الآخره توفي يوم الأربعاء سابع عشر صفر. وفيها أقضى القضاة علاء الدّين علي بن أحمد بن محمد بن عزّ الدّين الصغير بن عزّ الدّين بن محمد الكبير بن خليل الحاضري الأصل الحنفي [٣] . أخذ عن الشمس الدلجي وغيره، وجلس بمكتب العدول على باب جامع حلب الشرقي، وناب بمحكمة الجمالي يوسف بن إسكندر الحنفي، وكتب بخطه كثيرا من الكتب العلمية، ووعظ بجامع حلب.

стр. 5105

وكان صالحا عفيفا، سليم الصدر. وتوفي في شوال. وفيها- تقريبا- قاضي القضاة فضيل بن مفتي المملكة الرّومية علاء الدّين علي بن أحمد بن محمد الأقصرائي الحنفي [١] . كان ينسب إلى الشيخ جمال الدّين محمد الأقصرائي صاحب «موجز الطب» و «الإيضاح البياني» وغيرهما. وكان الشيخ جمال الدّين هذا ينسب إلى الفخر الرازي الذي هو من ذرّيّة أبي بكر الصّدّيق ﵁، كذا قال ابن الحنبلي. وذكر أنه قدم حلب في ذي القعدة سنة ستين متوليا قضاء بغداد، فاجتمع به، واستجازه، ثم ولي قضاء حلب، ثم في سنة إحدى وستين دخلها متوليا ووهبه رسالة له سمّاها «إعانة الفارض في تصحيح واقعات الفرائض» ولم يؤرّخ وفاته. وفيها قصير الحنفي [٢] مفتي بخارى. قال ابن طولون: دخل دمشق في أثناء جمادى الأولى سنة سبع [٣] وثلاثين وتسعمائة ومعه جماعة، وزار بيت المقدس، ثم عاد إلى دمشق، وحجّ منها. وكان عالما بالعربية، نزل بالشامية البرانية، وتردّد إليه الشيخ عبد الصّمد الحنفي، والشيخ تقي الدّين القاري، وقرأ عليه الثاني في «المصابيح» . انتهى. وفيها شمس الدّين محمد بن إبراهيم بن محمد بن مقبل البلبيسي ثم المقدسي ثم الدمشقي الوفائي الشافعي [٤] الإمام العلّامة، واعظ دمشق. أخذ عن الشيخ أبي الفتح المزّي، وغيره.

стр. 5106

وكان أسنّ من البدر الغزّي، ومع ذلك أخذ عنه قال في «فهرست تلاميذه» : أجزته ببعض مؤلفاتي وأشعاري، وحضر دروسا من دروسي. انتهى. وكان مجاورا في خلوة بالسميساطية، وانقطع بها خمس سنوات، وقد تعطّل شقّه الأيسر. وفي يوم السبت عاشر رجب سنة خمس وثلاثين وتسعمائة، دخل عليه اثنان من المناحيس وهو على هذه الحال، فأخذا منه منديل النفقة بما فيه وعدة من كتب وذهبا كان عنده، وكان ذلك قبل صلاة الصبح، فأقام الصوت عليهما فلم يدركا، وكان ذلك سببا في زيادة ابتلائه. وكان من عباد الله الصالحين. وتوفي في رجب هذه السنة. وفيها تقريبا شمس الدّين محمد بن إبراهيم الشنائي [١] المالكي [٢] العلّامة قاضي القضاة بالديار المصرية. كان ممن جمع بين العلم والعمل، صواما، قواما، له شرح عظم على «الرسالة» وعدة تصانيف مشهورة، وأجمع الناس على جلالته وتحريره لنقول مذهبه، وممن أخذ عنه السيد عبد الرحيم العبّاسي، رحمه الله تعالى. وفيها- ظنا- شمس الدّين محمد بن إبراهيم بن بلبان البعلي، المعروف بجدّه [٣] الشيخ الصالح. ولد تاسع عشر المحرم سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، وأخذ «ورد ابن داود» عن الشيخ عبد القادر بن أبي الحسن البعلي الحنبلي بحقّ روايته عن ولد المصنّف سيدي عبد الرحمن بن أبي بكر بن داود، عن أبيه. وفيها قاضي القضاة ولي الدّين محمد بن قاضي القضاة شهاب الدّين

стр. 5107

أحمد بن محمود بن عبد الله بن محمود بن الفرفور الدمشقي الشافعي [١] . قال في «الكواكب» : ولد في ثامن عشر جمادى الأولى سنة خمس وتسعين- بتقديم التاء- وثمانمائة، وحفظ القرآن العظيم، و «المنهج» في الفقه لشيخه شيخ الإسلام القاضي زكريا، و «جمع الجوامع» لابن السّبكي، و «ألفية ابن مالك» . وأخذ الفقه بدمشق عن شيخ الإسلام تقيّ الدّين بن قاضي عجلون، وبالقاهرة عن القاضي زكريا، والبرهان بن أبي شريف، وأخذ الحديث بدمشق عن الحافظ برهان الدّين النّاجي، والشيخ أبي الفتح المزّي، والشيخ أبي الفضل بن الإمام، والجمال بن عبد الهادي [٢] وبمصر عن المحدّث التّقي الأوجاقي وغيره. وأجاز له جماعات في استدعاءات. وولي قضاء قضاة الشافعية بدمشق بعد وفاة أبيه، وعزل عنه، وأعيد إليه مرارا، آخرها سنة ثلاثين وتسعمائة. وولي قضاء حلب سنة ست وعشرين، وكان آخر قاض تولى حلب من أولاد العرب، ومع توليته بدمشق وحلب في الدولة العثمانية لم ينتقل عن مذهبه، وصار لنائب دمشق عيسى باشا عليه حقد آخرا، فسافر من دمشق في رمضان سنة ست وثلاثين، ودخل حلب وعيّد بها، وفي ثالث شوال حضر أولاقان [٣] من جهة عيسى باشا نائب الشام ومعهما مكاتبات يخبر فيها بحضور مرسوم سلطاني بعود القاضي ابن الفرفور محتفظا للتفتيش عليه وتحرير ما نسب إليه من المظالم، وأن المتولي لذلك عيسى باشا، وقاضي الشام ابن إسرافيل المتولي مكانه، فرجع ابن الفرفور إلى دمشق فوصلها تاسع عشر شوال، ووضع في [٤] قلعتها، ونودي من الغد بالتفتيش عليه [واستمر التفتيش عليه] [٥] أياما في نحو خمسة عشر مجلسا، وخرج

стр. 5108

عليه من كان داخلا فيه وراكنا إليه، وشدّد عليه في الحساب من كان يعده من الأحباب، فأتاه الخوف من جانب الأمن [١] ، ومن حيث أمل الربح جاءه الغبن، وبقي مسجونا بالقلعة إلى أن توفي بها يوم الثلاثاء سلخ جمادى الآخرة، ودفن بتربته التي أنشأها شمالي ضريح الشيخ أرسلان، ورثاه جماعة. انتهى ملخصا. وفيها- تقريبا- شمس الدّين محمد بن خليل بن الحاج علي بن أحمد بن ناصر الدّين محمد بن قنبر العجمي- وبه اشتهر- الحلبي [٢] الإمام العالم، العلّامة العامل، الأوحد البارع الكامل. ولد سنة إحدى وتسعمائة. قال في «الكواكب» : قال شيخ الإسلام الوالد: حضر بعض مجالسي في قراءة «الحاوي» و «مغني اللبيب» في سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة بدمشق، ثم رحل إلى بلده حلب. قلت: ثم اجتمع به في حلب في رحلته إلى الرّوم سنة ست وثلاثين. انتهى. وفيها شمس الدّين محمد بن عبد الرحيم بن المنيّر البعلي [٣] الشافعي الإمام العالم الفاضل [٤] الزاهد ولي الله تعالى. كان رفيقا وصاحبا لشيخ الإسلام بهاء الدّين الفصّي. وكان يحضر درسه كثيرا. وكان يحترف بعمل الإسفيداج والسيرقون والزنجار، ويبيع ذلك وسائر أنواع العطر في حانوت ببعلبك، وفي كل يوم يضع من كسبه من الدنانير والدراهم والفلوس في أوراق ملفوفة، وإذا وقف عليه فقير أعطاه من تلك الأوراق ما يخرج في يده لا ينظر في الورقة المدفوعة ولا في الفقير المدفوع إليه. وكان كثير الصدقة، معاونا على البرّ والتقوى، يعمر المساجد الخراب

стр. 5109

ويكفّن الفقراء، وكان له مهابة عند الحكّام، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ناصحا للطلبة في الإفادة. له أوراد ومجاهدات وكرامات. توفي يوم الأحد ثاني صفر ودفن ببعلبك. وفيها جلال الدّين محمد بن قاسم المالكي [١] شيخ الإسلام. قال الشعراوي: كان كثير المراقبة لله تعالى، وكانت أوقاته كلها معمورة بذكر الله تعالى، شرح «المختصر» و «الرسالة» وانتفع به خلائق لا يحصون، وولاه السلطان الغوري القضاء مكرها. وكان أكثر أيامه صائما، وكان حافظا للسانه في حقّ أقرانه، لا يسمع أحدا يذكرهم إلا ويبجّلهم. وكان حسن الاعتقاد في الصوفية، رحمه الله تعالى. انتهى وفيها- تقريبا- محيي الدّين محمد مفتي كرمان الشافعي [٢] الإمام العلّامة. حجّ سنة خمس وثلاثين وتسعمائة، وقدم مع الحاج الشامي إلى دمشق حادي عشر صفر سنة ست وثلاثين، وزار الشيخ محيي الدّين بن عربي، وصحب بها الشيخ تقي الدّين [٣] القاري، وأكرمه قاضي دمشق وجماعة من أهلها وأحسنوا إليه، وأخبر عن نفسه أن له «تفسيرا» على القرآن العظيم، و «حاشية» على كتاب «الأنوار» للأردبيلي، وغير ذلك. وكان صحب ذلك معه فخاف عليه من العرب فردّه إلى بلاده كرمان. وفيها المولى بدر الدّين محمود بن عبيد الله [٤] أحد موالي الرّوم. كان من عتقاء الوزير علي باشا، وقرأ على جماعة، منهم ابن المؤيد، ودرّس بعدة مدارس ثم صار قاضيا بأدرنة، ومات وهو قاضيها في هذه السنة.

стр. 5110

وفيها- تقريبا- بدر الدّين محمود بن الشيخ جلال الدّين الرّومي [١] الحنفي، أحد الموالي الرّومية. قرأ، وحصّل، ودرّس، وترقّى في التدريس، حتى درّس بإحدى الثمانية، ومات مدرّسا بها. قال في «الشقائق» : كان عالما، فاضلا، ذا كرم ومروءة، اختلت عيناه في آخر عمره. انتهى. وفيها أبو زكريا يحيى بن علي وقيل ابن حسين، المعروف بابن الخازندار الحنفي الحلبي [٢] العالم العامل، إمام الحنفية بالجامع الكبير بحلب. ذكره البدر الغزّي في «المطالع البدرية» وأحسن الثناء عليه. وقال ابن الحنبلي: كان ديّنا، خيّرا، قليل الكلام، كثير السكينة، أخذ الحديث رواية عن الزّين بن الشمّاع، والتّقي أبي بكر الحبيشي. قال: وكان جدّه قجا فيما سمعت من مسلمي التتار الأحرار الذين لم يمسهم الرّقّ. وتوفي في هذه السنة. انتهى وفيها القاضي جمال الدّين يوسف بن محمد بن علي بن طولون الزرعي الدمشقي الحنفي [٣] . ترجمه ابن أخيه الشيخ شمس الدّين بالفضل والعلم، وذكر عن مفتي الروم عبد الكريم أنه لم ير في هذه المملكة أمثل منه في مذهب الإمام أبي حنيفة. وتوفي ليلة الأحد رابع المحرم بعلّة الإسهال ودفن بتربته بالصالحية.

стр. 5111

سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة فيها توفي شهاب الدّين أحمد بن بدر بن إبراهيم الطّيبي الشافعي [١] المقرئ والد الإمام بالجامع الأموي وواعظه شيخ الإسلام الطّيبي المشهور. تلا بالسبع على العلّامة إبراهيم بن محمود القدسي كاتب المصاحف، وعلى غرس الدّين خليل، وانتهى إليه علم التجويد في زمانه، وكان [٢] يتسبب بحانوت بباب البريد ويقرئ الناس. وتوفي ليلة الخميس سادس جمادى الأولى ودفن بباب الفراديس. وفيها شهاب الدّين أحمد البخاري المكّي [٣] ، السيد الشريف الإمام العلّامة إمام الحنفية بالمسجد الحرام. توفي ببندر جدة وهو قاض بها عن مستنيبه، فحمل إلى مكة على أعناق الرجال، فوصلها حادي عشر ربيع الثاني ودفن على أبيه بالمعلاة [٤] . وفيها شهاب الدّين أحمد النّشيلي المصري [٥] الشافعي الإمام العالم العلّامة. توفي بمكّة في هذه السنة.

стр. 5112

وفيها شهاب الدّين أحمد الزّبيدي المكّي [١] . قال ابن طولون: كان مترجما بالعلم، ودخل دمشق متوجها إلى الروم فمات بحلب، أي في هذه السنة. وفيها تاج الدّين عبد الوهاب بن عبد القادر العنّابي الدمشقي [٢] القاضي الأسلمي أبوه. كان ديوانيا بقلعة دمشق هو ووالده من قبله، ثم تولى عدة وظائف، منها إمرة التركمان، واستمر على ذلك في الدولة الجركسية، ثم أخذه السلطان سليم إلى إسلامبول، ثم أطلقه، فحجّ، وجاور، ثم عاد إلى دمشق، وبقي بها إلى الممات. قال ابن طولون: وسمع في صغره على جماعة عدة أجزاء، ولذلك استجزته لجماعة، ومدحه الشعراء الأفاضل، منهم شيخنا علاء الدّين بن مليك، وأكثر منه الشيخ شهاب الدّين الباعوني. وتوفي ليلة الجمعة ثاني ربيع الأول ودفن بتربتهم لصيق الصابونية من جهة القبلة ولم يحتفل الناس بجنازته. انتهى وفيها علاء الدّين على القدسي الشافعي [٣] نزيل دمشق العالم الورع. قال الشيخ يونس العيثاوي: كان رفيقنا على الشيخ أبي الفضل بن أبي اللطف، ثم من بعده رافقنا على الإمام تقي الدّين البلاطنسي إلى أن مات. قال: وكان يتعاطى البيع والشراء برأس مال يسير بورك له فيه، مع التعفّف عن الوظائف على طريقة السّلف. وتوفي نهار الخميس ثاني [ذي] القعدة ودفن بباب الصغير.

стр. 5113

وفيها زين الدّين عمر بن أحمد بن أبي بكر المرعشي [١] العالم. كان في أول أمره يتكسب بالشهادة بحلب على فقر كان له وقناعة، ثم انقادت إليه الدنيا فرأس، وصار عينا من أعيان حلب ولم تستهجن رئاسته لأنه كان حفيدا للشيخ الإمام العلّامة المفنّن شهاب المرعشي المتوفى سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة، وكان الشيخ زين الدّين يتجمّل بمصاحبة شيخ الإسلام البدر بن السيّوفي، وأحبّه قاضي قضاة حلب زين العابدين بن الفناري، وكان يكتب على الفتاوى، وامتحن في واقعة قراقاضي، وسيق فيمن سيق هو وأولاده إلى رودس، ثم أعيد إلى حلب باقيا على رئاسته وشهامته ومناصبه إلى أن مات في هذه السنة وهو يحث من حضره على الذكر وتلاوة القرآن. وفيها زين الدّين عمر الصّعيدي [٢] الحنفي [٣] الإمام العلّامة، إمام الصخرة المعظّمة بالقدس الشريف. قال ابن طولون: كان من أهل العلم والعمل، وقرأ بمصر على جماعة، منهم البرهان الطرابلسي. وتوفي في جمادى الأولى. وفيها المولى شاه قاسم بن الشيخ شهاب الدّين أحمد الحنفي، الشهير بمنلازاده [٤] . أصله من هراة، وكان هو وأبوه واعظين، وتوطّن المترجم تبريز، ولما دخلها السلطان سليم أخذه معه إلى بلاد الرّوم وعيّن له كل يوم خمسين درهما. وكان عالما، فاضلا، أديبا، بليغا، له حظّ من علم التصوف، وخطّ حسن ومهارة في الإنشاء. أنشأ «تواريخ آل عثمان» فمات قبل إكمالها في هذه السنة أو في التي بعدها.

стр. 5114

وفيها شمس الدّين محمد بن زين الدّين بركات بن الكيّال [١] الشيخ الواعظ [٢] ابن الواعظ [٢] الشافعي. أسمعه والده على جماعة، منهم البرهان النّاجي، وزوّجه ابنته، واشتغل، ووعظ بالجامع الأموي وغيره، وكان خطيب الصابونية، وكان عنده تودّد للناس. وتوفي يوم السبت عشري شوال. وفيها محمد بن سحلول- بلامين- الحديثي [٣] البقاعي الشافعي [٤] . قال ابن طولون: كان صالحا يحفظ القرآن العظيم [٥] حفظا جيدا ويقرؤه في كل ثلاثة أيام. قال: وكان أفادني عن بعض المصريين الصلحاء في دفع الفواق [٦] أن يقبض الإنسان بإبهاميه على ظهر أصلي بنصريه بقوة. توفي فجأة يوم الأحد ثاني عشر جمادي الأولى. وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن أحمد، الشهير بابن العجيمي المقدسي [٧] الشافعي الصّوفي العلّامة المحدّث الواعظ. أخذ عن مشايخ الإسلام البرهان ابن أبي شريف، والجلال السيوطي، والقاضي زكريا، والشمس السخاوي، وناصر الدّين بن زريق. وتوجه إلى الرّوم، وحصل له به الإقبال، وعاد وتردّد إلى دمشق مرارا، ووعظ بالجامع الأموي، ودرّس ب «الفصوص» [٨] فيه أيضا. وكان يعتم بعمامة سوداء.

стр. 5115

قال ابن الحنبلي: دخل إلى حلب مرتين ووعظ بها، واجتمع في سنة تسع وعشرين بمحدّثها الشيخ زين الدّين بن الشّماع، وقرأت [١] عليهما «ثلاثيات البخاري» ، ثم أجاز كل منهما للآخر. وقال فيه ابن الشّماع: هو خادم التفسير والسّنن، المنتصب لنصح المسلمين والمرغّب لأهدى سنن، بل هو العلم الفرد الذي رفع خبر الأولياء والعلماء، ونصب حالهم، ليقتدى بهم، وخفض شأن أهل البطالة من الصّوفية الجهلة، وحذّر من بدعهم واتباع طريقهم. انتهى. وتوفي ببيت المقدس في رمضان. وفيها أبو زكريا يحيى بن علي بن أحمد بن شرف الدّين الرّحبي الأصل المكّي المالكي، ويعرف كأبيه بالمغربي [٢] . ولد ليلة الأربعاء رابع عشري ربيع الأول سنة خمس وستين بمكة، ونشأ بها، وحفظ القرآن و «الأربعين النووية» و «الشاطبية» و «الرسالة» و «ألفية النحو» وعرض في سنة تسع وسبعين على قضاة مكّة الأربعة، وعمر بن فهد، وحضر عند الفخر بن ظهيرة وأخيه البرهان، مع ذكاء وفهم، ثم تعانى التجارة بعد أن أثبت البرهان رشده، وسلّمه ماله، وسافر في التجارة لدمشق، وتلّقن في القاهرة الذكر من ابن عبد الرحيم الأبناسي. قال السخاوي: وله تردّد إليّ وسماع عليّ، ولي إليه زائد الميل، ونعم هو تواضعا، وأدبا، وفهما، وذكاء، وحسن عشرة، بحيث صار بيته بمكّة وغيرها مألفا لأحبابه، مع عدم اتساع دائرته. وقال ابن فهد: طال مرضه حتى توفي بمكة ليلة السبت سادس عشري شوال، ودفن بالمعلاة، ولم يخلّف غير بنت واحدة ملّكها جميع مخلّفه، وأثبت ذلك في حياته.
следующие страницы →