سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة
فيها توفي شهاب الدّين أحمد بن بدر بن إبراهيم الطّيبي الشافعي [١] المقرئ والد الإمام بالجامع الأموي وواعظه شيخ الإسلام الطّيبي المشهور.
تلا بالسبع على العلّامة إبراهيم بن محمود القدسي كاتب المصاحف، وعلى غرس الدّين خليل، وانتهى إليه علم التجويد في زمانه، وكان [٢] يتسبب بحانوت بباب البريد ويقرئ الناس.
وتوفي ليلة الخميس سادس جمادى الأولى ودفن بباب الفراديس.
وفيها شهاب الدّين أحمد البخاري المكّي [٣] ، السيد الشريف الإمام العلّامة إمام الحنفية بالمسجد الحرام.
توفي ببندر جدة وهو قاض بها عن مستنيبه، فحمل إلى مكة على أعناق الرجال، فوصلها حادي عشر ربيع الثاني ودفن على أبيه بالمعلاة [٤] .
وفيها شهاب الدّين أحمد النّشيلي المصري [٥] الشافعي الإمام العالم العلّامة.
توفي بمكّة في هذه السنة.
стр. 5112
وفيها شهاب الدّين أحمد الزّبيدي المكّي [١] .
قال ابن طولون: كان مترجما بالعلم، ودخل دمشق متوجها إلى الروم فمات بحلب، أي في هذه السنة.
وفيها تاج الدّين عبد الوهاب بن عبد القادر العنّابي الدمشقي [٢] القاضي الأسلمي أبوه.
كان ديوانيا بقلعة دمشق هو ووالده من قبله، ثم تولى عدة وظائف، منها إمرة التركمان، واستمر على ذلك في الدولة الجركسية، ثم أخذه السلطان سليم إلى إسلامبول، ثم أطلقه، فحجّ، وجاور، ثم عاد إلى دمشق، وبقي بها إلى الممات.
قال ابن طولون: وسمع في صغره على جماعة عدة أجزاء، ولذلك استجزته لجماعة، ومدحه الشعراء الأفاضل، منهم شيخنا علاء الدّين بن مليك، وأكثر منه الشيخ شهاب الدّين الباعوني.
وتوفي ليلة الجمعة ثاني ربيع الأول ودفن بتربتهم لصيق الصابونية من جهة القبلة ولم يحتفل الناس بجنازته. انتهى وفيها علاء الدّين على القدسي الشافعي [٣] نزيل دمشق العالم الورع.
قال الشيخ يونس العيثاوي: كان رفيقنا على الشيخ أبي الفضل بن أبي اللطف، ثم من بعده رافقنا على الإمام تقي الدّين البلاطنسي إلى أن مات.
قال: وكان يتعاطى البيع والشراء برأس مال يسير بورك له فيه، مع التعفّف عن الوظائف على طريقة السّلف.
وتوفي نهار الخميس ثاني [ذي] القعدة ودفن بباب الصغير.
стр. 5113
وفيها زين الدّين عمر بن أحمد بن أبي بكر المرعشي [١] العالم.
كان في أول أمره يتكسب بالشهادة بحلب على فقر كان له وقناعة، ثم انقادت إليه الدنيا فرأس، وصار عينا من أعيان حلب ولم تستهجن رئاسته لأنه كان حفيدا للشيخ الإمام العلّامة المفنّن شهاب المرعشي المتوفى سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة، وكان الشيخ زين الدّين يتجمّل بمصاحبة شيخ الإسلام البدر بن السيّوفي، وأحبّه قاضي قضاة حلب زين العابدين بن الفناري، وكان يكتب على الفتاوى، وامتحن في واقعة قراقاضي، وسيق فيمن سيق هو وأولاده إلى رودس، ثم أعيد إلى حلب باقيا على رئاسته وشهامته ومناصبه إلى أن مات في هذه السنة وهو يحث من حضره على الذكر وتلاوة القرآن.
وفيها زين الدّين عمر الصّعيدي [٢] الحنفي [٣] الإمام العلّامة، إمام الصخرة المعظّمة بالقدس الشريف.
قال ابن طولون: كان من أهل العلم والعمل، وقرأ بمصر على جماعة، منهم البرهان الطرابلسي.
وتوفي في جمادى الأولى.
وفيها المولى شاه قاسم بن الشيخ شهاب الدّين أحمد الحنفي، الشهير بمنلازاده [٤] .
أصله من هراة، وكان هو وأبوه واعظين، وتوطّن المترجم تبريز، ولما دخلها السلطان سليم أخذه معه إلى بلاد الرّوم وعيّن له كل يوم خمسين درهما.
وكان عالما، فاضلا، أديبا، بليغا، له حظّ من علم التصوف، وخطّ حسن ومهارة في الإنشاء. أنشأ «تواريخ آل عثمان» فمات قبل إكمالها في هذه السنة أو في التي بعدها.
стр. 5114
وفيها شمس الدّين محمد بن زين الدّين بركات بن الكيّال [١] الشيخ الواعظ [٢] ابن الواعظ [٢] الشافعي.
أسمعه والده على جماعة، منهم البرهان النّاجي، وزوّجه ابنته، واشتغل، ووعظ بالجامع الأموي وغيره، وكان خطيب الصابونية، وكان عنده تودّد للناس.
وتوفي يوم السبت عشري شوال.
وفيها محمد بن سحلول- بلامين- الحديثي [٣] البقاعي الشافعي [٤] .
قال ابن طولون: كان صالحا يحفظ القرآن العظيم [٥] حفظا جيدا ويقرؤه في كل ثلاثة أيام.
قال: وكان أفادني عن بعض المصريين الصلحاء في دفع الفواق [٦] أن يقبض الإنسان بإبهاميه على ظهر أصلي بنصريه بقوة.
توفي فجأة يوم الأحد ثاني عشر جمادي الأولى.
وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن أحمد، الشهير بابن العجيمي المقدسي [٧] الشافعي الصّوفي العلّامة المحدّث الواعظ.
أخذ عن مشايخ الإسلام البرهان ابن أبي شريف، والجلال السيوطي، والقاضي زكريا، والشمس السخاوي، وناصر الدّين بن زريق.
وتوجه إلى الرّوم، وحصل له به الإقبال، وعاد وتردّد إلى دمشق مرارا، ووعظ بالجامع الأموي، ودرّس ب «الفصوص» [٨] فيه أيضا. وكان يعتم بعمامة سوداء.
стр. 5115
قال ابن الحنبلي: دخل إلى حلب مرتين ووعظ بها، واجتمع في سنة تسع وعشرين بمحدّثها الشيخ زين الدّين بن الشّماع، وقرأت [١] عليهما «ثلاثيات البخاري» ، ثم أجاز كل منهما للآخر.
وقال فيه ابن الشّماع: هو خادم التفسير والسّنن، المنتصب لنصح المسلمين والمرغّب لأهدى سنن، بل هو العلم الفرد الذي رفع خبر الأولياء والعلماء، ونصب حالهم، ليقتدى بهم، وخفض شأن أهل البطالة من الصّوفية الجهلة، وحذّر من بدعهم واتباع طريقهم. انتهى.
وتوفي ببيت المقدس في رمضان.
وفيها أبو زكريا يحيى بن علي بن أحمد بن شرف الدّين الرّحبي الأصل المكّي المالكي، ويعرف كأبيه بالمغربي [٢] .
ولد ليلة الأربعاء رابع عشري ربيع الأول سنة خمس وستين بمكة، ونشأ بها، وحفظ القرآن و «الأربعين النووية» و «الشاطبية» و «الرسالة» و «ألفية النحو» وعرض في سنة تسع وسبعين على قضاة مكّة الأربعة، وعمر بن فهد، وحضر عند الفخر بن ظهيرة وأخيه البرهان، مع ذكاء وفهم، ثم تعانى التجارة بعد أن أثبت البرهان رشده، وسلّمه ماله، وسافر في التجارة لدمشق، وتلّقن في القاهرة الذكر من ابن عبد الرحيم الأبناسي.
قال السخاوي: وله تردّد إليّ وسماع عليّ، ولي إليه زائد الميل، ونعم هو تواضعا، وأدبا، وفهما، وذكاء، وحسن عشرة، بحيث صار بيته بمكّة وغيرها مألفا لأحبابه، مع عدم اتساع دائرته.
وقال ابن فهد: طال مرضه حتى توفي بمكة ليلة السبت سادس عشري شوال، ودفن بالمعلاة، ولم يخلّف غير بنت واحدة ملّكها جميع مخلّفه، وأثبت ذلك في حياته.
стр. 5116
سنة تسع وثلاثين وتسعمائة
فيها توفي برهان الدّين إبراهيم الصّفوري [١] الإمام العالم.
توفي بصفّوريا في هذه السنة.
وفيها أبو الهدى بن محمود النّقشواني الحنفي [٢] المنلا العالم المتبحّر.
أخذ عن جماعة، منهم منلا طالشي الدريعي، ومنلا مزيد القرماني، وابن الشاعر، وكان يميّزه على شيخيه الأولين.
قال ابن الحنبلي: دخل حلب وسكن فيها بالكلتاوية [٣] وبها صحبته، ثم بالأتابكية البرانية.
وكان عالما، عاملا، محقّقا، مدقّقا، منقطعا عن الناس، قليل الأكل، خاشعا، إذا توجه إلى الصلاة لم يلتفت يمينا ولا شمالا، ينظم الشعر بالعربية والفارسية.
وتوفي بعين تاب [٤] في هذه السنة.
стр. 5117
وفيها شهاب الدّين أبو الفضل أحمد بن محمد بن أحمد الشّويكي النابلسي ثم الدمشقي الصّالحي الحنبلي [١] مفتي الحنابلة بدمشق، العلّامة الزاهد.
ولد سنة خمس أو ست وسبعين وثمانمائة بقرية الشويكة من بلاد نابلس، ثم قدم دمشق، وسكن صالحيتها، وحفظ القرآن العظيم بمدرسة أبي عمر، و «الخرقي» و «الملحة» وغير ذلك. ثم سمع الحديث على ناصر الدّين بن زريق، وحجّ، وجاور بمكة سنتين، وصنّف في مجاورته كتاب «التوضيح» جمع فيه بين «المقنع» و «التنقيح» وزاد عليهما أشياء مهمة.
قال ابن طولون: وسبقه إلى ذلك شيخه الشهاب العسكري لكنه مات قبل إتمامه، فإنه وصل فيه إلى الوصايا، وعصريّه أبو الفضل بن النّجار، ولكنه عقّد عبارته. انتهى وتوفي بالمدينة المنورة في ثامن عشري صفر، ودفن بالبقيع، وروي في المنام يقول: أكتبوا على قبري هذه الآية وَمن يَخْرُجْ من بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله ٤: ١٠٠ [النساء: ١٠٠] .
وفيها- تقريبا- المولى بير أحمد [٢] أحد الموالي الرّومية الحنفي.
خدم المولى أحمد باشا المفتي بن المولى خضر بك، وترقّى في التداريس إلى مدرسة مراد خان ببروسا، ثم أعطي قضاء حلب، ثم عزل وأعطي تقاعدا بثمانين عثمانيا، وكان له مشاركة في العلوم، وعلّق تعليقات على بعض المباحث.
وفيها باشا جلبي البكالي [٣] الحنفي الفاضل أحد موالي الرّوم.
стр. 5118
خدم المولى مؤيد زاده، وترقّى في التداريس إلى دار الحديث بالمدينة المنورة، وكان حليما، كريما، ينظم الأشعار التركية، لكن كان في مزاجه اختلال.
وتوفي بالمدينة المنورة.
وفيها المولى الشهير بأمير حسن [١] أحد موالي الرّوم الحنفي.
برع وفضل ودرّس وترقّى في التداريس، حتى أعطي دار الحديث بأدرنة، ومات عنها، وكان مشتغلا بالعلم، وله «حواش» على «شرح الرسالة» في آداب البحث [٢] لمسعود الرّومي، و «حواش» على «شرح الفرائض» للسيد، وغير ذلك.
وفيها زين العابدين بن العجمي الرّومي الشافعي [٣] نزيل دمشق.
قال ابن طولون: أصله من بغداد، واشتغل، بتبريز، وولي تدريسا بمدينة طوقات [ورتّب له أربعون عثمانيا، ثم تركه وتصوف على طريقة النقشبندية، ثم ورد دمشق] [٤] وأقرأ فيها الأفاضل، ومات شهيدا بالطّاعون يوم الخميس خامس عشر شوال.
وفيها تقريبا محي الدّين عبد القادر بن عبد العزيز بن جماعة المقدسي الشافعي [٥] الصوفي القادري، الإمام العارف بالله تعالى.
أخذ عنه العلّامة نجم الدّين الغيطي حين ورد عليهم القاهرة سنة ثلاثين، أخذ عنه علم الكلام، وتلقّن منه الذكر. قاله في «الكواكب» .
وفيها- تقريبا- كريم الدّين عبد الكريم بن عبد القادر بن عمر بن محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم الجعبري [٦] المقرئ الإمام العلّامة، صاحب «الشرح على الشاطبية» والمصنّفات المشهورة.
стр. 5119
قدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين، وأخذ عنه الشيخ شهاب الدّين الطّيبي الحديث، ومصنّفات ابن الجزري رحمه الله تعالى. قاله في «الكواكب» أيضا.
وأقول: الجعبري المشهور «شارح الشاطبية» هو برهان الدّين.
توفي سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة [١] ، وتقدمت ترجمته هناك.
وفيها المولى عبد اللطيف الرّومي الفاضل [٢] أحد موالي الرومي.
اشتغل بالعلم، ووصل لخدمة المولى مصلح الدّين البارحصاري [٣] ، وترقّى حتى صار مدرّسا بإحدى الثمانية، ثم بمدرسة أبي يزيد خان بأدرنة، ثم صار قاضيا بها، ثم ترك القضاء وعيّن له كل يوم ثمانون درهما.
وكان عالما، عاملا، عابدا، زاهدا، صالحا، تقيا، نقيا، مقبلا على المطالعة والأوراد والأذكار، ملازما للمساجد في الصلوات الخمس، معتكفا في أكثر أوقاته، مجاب الدعوة، صحيح العقيدة، لا يذكر أحدا إلا بخير، أكثر [٤] اهتمامه بالآخرة، رحمه الله تعالى.
وفيها سيدي على الخوّاص البرلسلي [٥] أحد العارفين بالله تعالى، وأستاذ الشيخ عبد الوهاب الشعراوي الذي أكثر اعتماده في مؤلفاته على كلامه وطريقه.
قال المناوي في «طبقاته» : الأمّي المشهور بين الخواص بالخوّاص.
كان من أكابر أهل الاختصاص، ومن ذوي الكشف الذي لا يخطئ والاطلاع على الخواطر على البديهة فلا يبطئ، وكان عليه للولاية أمارة وعلامة، متبحرا في الحقائق، أشبه البحر اطلاعه والدر كلامه، وكان في ابتداء أمره يبيع الجميّز عند الشيخ إبراهيم المتبولي بالبركة، ثم أذن له أن يفتح دكان زيّات،
стр. 5120
فمكث أربعين سنة، ثم ترك وصار يضفر الخوص، حتّى مات، وكان يسمّى بين الأولياء النسّابة لكونه أمّيّا، ويعرف نسب بني آدم وجميع الحيوان، وكان معه تصرّف ثلاثة أرباع مصر والربع مع محيسن المجذوب، وكان إذا شاوره أحد لسفر يقول: قل بقلبك عند الخروج من السور أو العمران دستور يا أصحاب النوبة اجعلوني تحت نظركم حتى أرجع، فإنهم يحبون الأدب معهم ولهم اطلاع على من يمرّ في دركهم.
وكان إذا نزل بالناس بلاء لا يتكلم، ولا يأكل ولا يشرب، ولا ينام حتى ينكشف، وله كلام في الطريق كالبحر الزاخر.
ومن كلامه الكمّل لا تصريف لهم بحال بخلاف أرباب الأحوال.
وقال: كل فقير لا يدرك سعادة البقاع وشقاوتها فهو والبهائم سواء.
وقال: إيّاك أن تصغي لقول منكر على أحد من [١] الفقراء فتسقط من عين رعاية الله وتستوجب المقت.
توفي في جمادى الآخرة، ودفن بزاوية الشيخ بركات خارج باب الفتوح من القاهرة. انتهى ملخصا وفيها أبو الحسن محمد بن العارف بالله تعالى أبي العبّاس أحمد الغمري المصري [٢] الشافعي الصوفي الصالح الورع.
قال الشعراوي: جاورت عنده ثلاثين سنة، ما رأيت أحدا من أهل العصر على طريقته في التواضع والزهد وخفض الجناح.
وكان يقول: إذا سمعت أحدا يعدّ ذهبا يضيق صدري.
وكان لا يبيت وعنده دينار ولا درهم، ويعطي السائل ما وجد حتى قميصه.
وكان يخدم في بيته ما دام فيه ويساعد الخدّام بقطع العجين وغسل الأواني، ويقد تحت القدر، ويغرف للفقراء بنفسه.
стр. 5121
وكان شديد الحياء، لا ينام بحضرة أحد أبدا.
وكان جميل المعاشرة خصوصا في السفر، لا يتخصص بشيء عن الفقراء.
وكان كثير التحمل للبلاء لا يشكو من شيء أصلا.
وكان حلسا من أحلاس بيته [١] لا يخرج منه إلّا للصّلاة أو حاجة ضرورية، وإذا خرج إلى موضع ترك الأكل والشرب لئلا يحتاج إلى قضاء الحاجة في غير منزله.
توفي في هذه السنة ودفن عند والده في المقصورة عند أخريات الجامع إنشاء أبيه. انتهى ملخصا وفيها المولى محمد شاه ابن المولى الحاج حسن الرّومي الحنفي [٢] الفاضل.
قال في «الكواكب» : قرأ على والده وغيره، ثم درّس بمدرسة داود باشا بالقسطنطينية، ثم بإحدى الثمان، وله شرح على «القدوري» وشرح على «ثلاثيات البخاري» .
وكان مكبّا على الاشتغال بالعلم في كل أوقاته، وله مهارة في النظم والنثر.
انتهى.
وفيها القاضي عزّ الدّين محمد بن حمدان الصّالحي ثم الدمشقي الحنفي [٣] أحد رؤساء المؤذنين بالجامع الأموي.
ناب في الحكم لعدة من القضاة، منهم ابن يونس، وكان ناظرا على كهف جبريل بقاسيون، وله حشمة وتأدّب مع الناس.
توفي في أوائل ربيع الأول ودفن بتربة باب الفراديس.
стр. 5122
وفيها سعد الدّين محمد بن علي [١] الذهبي [٢] المصري [٣] الشافعي الإمام العلّامة.
ولد سنة خمسين وثمانمائة، وكان من العلماء المشهورين بدمشق، أخذ عنه جماعة منهم الفلوجيان.
قال الشعراوي: كان ورده كل يوم ختما صيفا وشتاء، وكان خلقه واسعا، إذا تجادل عنده الطلبة يشتغل بتلاوة القرآن حتى ينقضي جدالهم، وكان يحمل حوائجه بنفسه ويتلو القرآن في ذهابه وإيابه، كثير الصدقة، حتى أوصى بمال كثير للفقراء والمساكين، لا يقبل من أحد صدقة. انتهى ملخصا وفيها شمس الدّين محمد الدّواخلي- نسبة إلى الدّواخل قرية من المحلّة الكبرى- المصري [٤] الشافعي الإمام العلّامة المحقّق المحدّث.
كان مخصوصا بالفصاحة في قراءة الحديث وكتب الرقائق والسير، كريم النّفس، حلو اللّسان، كثير العبادة، يقوم الليل ويحيي ليالي رمضان كلها، مؤثرا للخمول، وهو مع ذلك من خزائن العلم.
أخذ عن البرهان بن أبي شريف، والكمال الطويل، والشمس بن قاسم، والشمس الجوجري، والشمس بن المؤيد، والفخر القسي، والزين الأبناسي، وغيرهم. ودرّس بجامع الغمري وغيره، وانتفع به خلائق.
توفي بالقاهرة ودفن بتربة دجاجة خارج باب النصر.
وفيها المولى محمود بن عثمان بن علي المشهور باللامعي الحنفي [٥] أحد موالي الروم.
стр. 5123
كان جدّه من بروسا، ولما دخلها تيمورلنك أخذه معه وهو صغير إلى ما وراء النهر، وتعلّم صنعة النقش، وهو أول من أحدث السروج المنقوشة في بلاد الرّوم، وابنه عثمان كان سالكا مسلك الأمراء، وصار حافظا للدفتر السلطاني بالديوان العالي، وأما ولده صاحب الترجمة فقرأ العلم على جماعة منهم المولى أخوين، والمولى محمد بن الحاج حسن، ثم تصوف وخدم السيد أحمد البخاري ونال عنده المعارف والأحوال، ثم تقاعد بخمسة وثلاثين عثمانيا، وسكن بروسا، واشتغل بالعلم والعبادة، ونظم بالتركية أشياء كثيرة مقبولة مشهورة، وتوفي ببروسا.
وفيها المنلا مسعود بن عبد الله العجمي الشّيرازي [١] الواعظ نزيل حلب.
كان له مطالعات في الحديث والتفسير، وكان يتكلم فيهما باللّسان العربي، لكن انتقد عليه ابن الحنبلي أنه كان يلحن فيه، ووعظ بجامع حلب الكبير، فنال من الناس قبولا، وصارت له فيه يوم الجمعة المجالس الحافلة.
توفي مطعونا في هذه السنة.
وفيها موسى بن الحسين الملقّب بعوض بن مسافر بن الحسن بن محمود الكردي [٢]- طائفة اللالائي ناحية السرسوي [٣] قرية الشافعي، نزيل حلب.
أخذ العلم عن جماعة، منهم منلا محمد المعروف ببرقلعي، وعمرت في زمانه مدرسة بالعمادية [٤] فجعل مدرّسها ثم تركها وأقبل على التصوف، فرحل إلى حماة، وأخذ عن الشيخ علوان، مع الانتفاع بغيره، ثم قدم حلب لمداواة مرض عرض له، ونزل بالمدرسة الشّرفية، فقرأ عليه غير واحد.
стр. 5124
قال ابن الحنبلي: وكنت ممن فاز بالقراءة عليه بها في علم البلاغة، ثم ذهب إلى حماة.
فلما، توفي الشيخ علوان عاد إلى حلب واستقرّ في مشيخة الزينبية، وأخذ يربّي فيها المريدين، ويتكلم فيها على الخواطر، مع طيب الكلام وإطعام الطعام، وإكرام الواردين إليه من الخواص والعوام، وحسن السّمت، ولين الكلمة، وفصاحة العبارة، والتكلم في التفسير والحديث، وكلام الصوفية.
وتوفي بها مطعونا ودفن في مقابر الصالحين بوصية منه.
стр. 5125
سنة أربعين وتسعمائة
فيها توفي إبراهيم العجمي الصّوفي [١] المسلّك العالم، نزيل مصر.
كان رفيقا للشيخ دمرداش، والشيخ شاهين في الطريق على سيدي عمر روشني بتبريز العجم، ثم دخل مصر في دولة ابن عثمان، وأقام بمدرسة بباب زويلة، فحصل له القبول التام، وأخذ عنه خلق كثير من الأعجام والأروام.
وكان يفسّر القرآن العظيم ويقرئ في رسائل القوم مدة طويلة، حتى وشي به إلى السلطان لكثرة مريديه وأتباعه، وقيل له: نخشى أن يملك مصر، فطلبه السلطان إلى الروم بسبب ذلك، ثم رجع إلى مصر، وطرد من كان عنده من المريدين والأتباع امتثالا لأمر السلطان، ثم بنى له تكيّة مقابل المؤيدية وجعل له فيها مدفنا، وبني حوله خلاوي للفقراء، وكان له يد طولي في المعقولات وعلم الكلام، ونظم تائية جمع فيها معالم الطريق، وكان ينهى جماعته أن يحجّ الواحد منهم حتّى يعرف الله المعرفة الخاصة عند القوم، وتوفي بمصر.
وفيها إبراهيم المجذوب المصري، الشهير بأبي لحاف [٢] .
قال في «الكواكب» : كان في أول جذبه مقيما في البرج الأحمر من قلعة الجبل نحو عشرين سنة، فلما قرب زوال دولة الجراكسة أرسل إلى الغوري يقول له: تحوّل من القلعة واعط المفاتيح لأصحابها، فلم يلق الغوري إلى كلامه بالا، وقال: هذا مجذوب، فنزل الشيخ إبراهيم إلى مصر، فزالت دولة الجراكسة بعد
стр. 5126
سنة، وكان حافيا مكشوف الرأس وأكثر إقامته في بيوت الأكابر، وكان يكشف له عما ينزل بالإنسان من البلاء في المستقبل فيأتي إليه فيخبره أنه نازل به في وقت كذا وكذا ويطلب منه مالا، فإذا دفعه إليه تحول البلاء عنه وإلا وقع كما أخبر.
وكان يمكث الشهر وأكثر لا ينام بل يجلس يهمهم بالذكر إلى الفجر صيفا وشتاء.
توفي في هذه السنة ودفن بقنطرة السد في طريق مصر العتيقة. انتهى وفيها تقي الدّين أبو بكر الشريطي [١] الصّالحي الشيخ الصّالح، تلميذ الشيخ أبي الفتح المزّي.
أخذ عنه، ولبس منه الخرقة.
وتوفي بغتة يوم الأربعاء خامس جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون.
وفيها- تقريبا- أبو الفتح الخطيب ابن القاضي ناصر الدّين [٢] خطيب الحرم بها.
دخل دمشق قاصدا بلاد الرّوم، وخطب بجامع دمشق يوم الجمعة سلخ صفر من هذه السنة. قاله في «الكواكب» .
وفيها شهاب الدّين أحمد بن أحمد الباجي- بالموحدة- الأنطاكي الحلبي، المشهور بابن كلف [٣] ، العلّامة.
ولي قضاء العسكر بماردين في زمن السلطان قاسم بك، ثم ترك ذلك وعاد إلى نشر العلم بأنطاكية، ثم درّس بحلب، ثم ارتحل إلى بيت المقدس، فأعطي تدريس الفنارية، وكان عالما، عاملا [٤] مفنّنا، طارحا للتكلّف، يلبس الصوف، ويلفّ على رأسه المئزر.
стр. 5127
توفي في هذه السنة ببيت المقدس.
وفيها شمس الدّين أحمد بن سليمان الحنفي، الشهير بابن كمال باشا [١] العالم العلّامة الأوحد المحقّق الفّهامة، صاحب التفسير، أحد الموالي الرّومية.
كان جدّه من أمراء الدولة العثمانية، واشتغل هو بالعلم وهو شاب، ثم ألحقوه بالعسكر، فحكى هو عن نفسه أنه كان مع السلطان بايزيد خان في سفر، وكان وزيره حينئذ إبراهيم باشا بن خليل باشا، وكان في ذلك الزمان أمير ليس في الأمراء أعظم منه، يقال له أحمد بك بن أورنوس، قال: فكنت واقفا على قدمي قدّام الوزير وعنده هذا الأمير المذكور جالسا، إذ جاء رجل من العلماء، رثّ الهيئة، دنيء اللباس، فجلس فوق الأمير المذكور، ولم يمنعه أحد من ذلك، فتحيّرت في هذا الأمر، وقلت لبعض رفقائي: من هذا الذي تصدر على مثل هذا الأمير، قال: هو عالم مدرّس يقال له المولى لطفي. قلت: كم وظيفته؟ قال:
ثلاثون درهما. قلت: وكيف يتصدّر على هذا الأمير ووظيفته هذا المقدار، فقال:
رفيقي العلماء معظمون لعلمهم فإنه لو تأخر لم يرض بذلك الأمير ولا الوزير. قال:
فتفكرت في نفسي فوجدت أني لا أبلغ رتبة الأمير المذكور في الإمارة وأني لو اشتغلت بالعلم يمكن أن أبلغ رتبة ذلك العالم، فنويت أن أشتغل بالعلم الشريف، فلما رجعنا من السفر وصلت إلى خدمة المولى المذكور وقد أعطي عند ذلك مدرسة دار الحديث بأدرنة، وعيّن له كل يوم أربعون درهما، فقرأت عليه «حواشي شرح المطالع» وكان قد اشتغل في أول شبابه في مبادئ العلوم كما سبق، ثم قرأ على المولى القسطلاني، والمولى خطيب زاده، والمولى معرّف زاده، ثم صار مدرّسا بمدرسة علي بك بمدينة أدرنة، ثم بمدرسة أسكوب، ثم ترقّى حتّى درّس بإحدى الثمانية، ثم بمدرسة السلطان با يزيد بأدرنة، ثم صار قاضيا بها، ثم أعطي قضاء العسكر الأناضولي، ثم عزل وأعطي دار الحديث بأدرنة، وأعطي تقاعدا كل
стр. 5128
يوم مائة عثماني ثم صار مفتيا بالقسطنطينية بعد وفاة المولى على الجمالي، وبقي على منصب الإفتاء إلى وفاته.
قال في «الشقائق» : كان من العلماء الذين صرفوا جميع أوقاتهم إلى العلم، وكان يشتغل ليلا ونهارا ويكتب جميع ما سنح بباله، وقد فتر الليل والنهار ولم يفتر قلمه، وصنّف رسائل كثيرة في المباحث المهمة الغامضة، وعدد رسائله قريب من مائة رسالة، وله من التصانيف «تفسير» لطيف حسن قريب من التمام اخترمته المنيّة ولم يكمله، وله «حواش على الكشاف» وشرح بعض «الهداية» وله «متن» في الفقه وشرحه، [١] وكتاب في علم الكلام سمّاه «تجريد التجريد» وشرحه [١] وكتاب في المعاني والبيان كذلك، وكتاب في الفرائض كذلك، و «حواش على شرح المفتاح» للسيد الشريف، و «حواش على التلويح» و «حواش على التهافت» للمولى خواجه زاده.
وتوفي في هذه السنة.
وفيها المولى محيي الدّين أحمد بن المولى علاء الدّين علي الفناري الحنفي [٢] أحد الموالي الرّومية الإمام العلّامة.
قرأ على علماء عصره، ثم رحل إلى العجم، وقرأ على علماء سمرقند وبخارى، ثم عاد إلى الرّوم فأعطاه السلطان سليم مدرسة الوزير قاسم باشا، وكان محبّا للصوفية سيما الوفائية مكبّا على العلم، اطلع على كتب [٣] كثيرة، وحفظ أكثر لطائفها ونوادرها، وكان يحفظ التواريخ وحكايات الصالحين. وصنّف «تهذيب الكافية» في النحو وشرحه، و «حاشية على شرح هداية الحكمة» لمولانا زادة، و «حواش على شرح التجريد» للسيد، وتفسيرا لسورة الضحى سمّاه «تنوير الضحى» وغير ذلك من الرسائل والتعليقات.
وتوفي في هذه السنة.
стр. 5129
وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد المرداوي ثم الصالحي الحنبلي [١] المعروف بابن الديوان الإمام العالم، إمام جامع المظفّري بسفح قاسيون.
قال ابن طولون: كان مولده بمردا، ونشأ هناك إلى أن عمل ديوانها، ثم قدم دمشق، فقرأ القرآن بها على الشيخ شهاب الدّين الذويب الحنبلي لبعض السبعة، وأخذ الحديث عن الجمال بن المبرد وغيره، وتفقه عليه، وعلى الشّهاب العسكري، وولي إمامة جامع الحنابلة بالسفح نيفا وثلاثين سنة.
وتوفي ليلة الجمعة سابع عشر المحرم فجأة بعد أن صلى المغرب بجامع الحنابلة، ودفن بصفة الدعاء، وولي الإمامة بعده بالجامع المذكور الشيخ موسى الحجاوي.
وفيها عزّ الدّين أحمد بن محمد بن عبد القادر، المعروف بابن قاضي نابلس الجعفري الحنبلي [٢] أحد العدول بدمشق.
ولد سنة أربع وستين وثمانمائة.
قال في «الكواكب» : وأخذ عن جماعة، منهم شيخ الإسلام الوالد، سمع منه كثيرا، ونقل ابن طولون عنه أن من أشياخه الكمال بن أبي شريف، والبرهان البابي، والشيخ علي البغدادي، وأجاز له الشيخ البارزي، وكان ممن انفرد بدمشق في جودة الكتابة وإتقان صنعة الشهادة.
وتوفي ليلة الاثنين مستهل ربيع الآخر ودفن بالروضة.
وفيها شهاب الدّين أحمد البقاعي [٣] الشافعي [٤] الضرير، نزيل دمشق.
стр. 5130
حفظ القرآن العظيم بمدرسة أبي عمر، وحفظ الشاطبية، وتلا ببعضها على الشيخ علي القيمري، وحلّ «البصروية» وغيرها في النحو على ابن طولون، وبرع، وفضل، وحجّ، وصار يقرئ الأطفال بمكتب الحاجبية بصالحية دمشق.
وتوفي بغتة يوم الجمعة تاسع عشري رجب.
وفيها السيد شرف الدّين الشريف الشافعي [١] العلّامة المدرّس بزاوية الحطّاب بمصر.
كان صامتا، معتزلا عن الناس، وقته معمورا بالعلم والعبادة وتلاوة القرآن، ورده كل ليلة قبل النوم ربع القرآن ما تركه صيفا ولا شتاء، وكان على مجلسه الهيبة والوقار، وله صحة اعتقاد في الصوفية، يتواجد عند سماع كلامهم. ذكره الشعراوي.
وفيها الأمير زين الدّين عبد القادر بن الأمير أبي بكر بن إبراهيم بن منجك اليوسفي الحنفي [٢] أحد أصلاء دمشق وأمرائها.
حفظ القرآن العظيم، وتفقه على الشيخ برهان الدّين بن عوف الحنفي وغيره، وحصّل كتبا نفيسة.
قال ابن طولون: ترددت إليه كثيرا، وولي النظر على أوقافهم، وحصّل دنيا، وكان سمحا، تمرّض وطالت علته إلى أن توفي يوم الأربعاء خامس ذي الحجّة، ودفن بتربتهم بجامع ميدان الحصا.
وفيها كريم الدّين عبد الكريم بن عبد اللطيف بن علي بن أبي اللطف المياهي الشافعي القادري [٣] الصوفي الصّالح.
قال في «الكواكب» : كان من أعيان جماعة شيخ الإسلام الوالد وتلاميذه
стр. 5131
ومعتقديه، وسمع الحديث على الشيخ سراج الدّين الصيرفي، وكان يتسبب هو ووالده ببيع المياه المستخرجة، وإليه ينسبان.
عمّر صاحب الترجمة زاوية بحذاء الجسر الأبيض، وكانت قديما مسجدا، ثم أخذ يقيم الأوقات فيها سنين، وكان يكثر من شهود الجنائز ومجالس الفقراء، ويزور الصلحاء والضعفاء.
وله شعر منه:
ولقد شكوتك بالضّمير إلى الهوى ... ودعوت من حنقي عليك فأمّنا
منّيت نفسي من وصالك قبلة ... ولقد يضرّ المرء بارقة المنى
توفي ليلة السبت سادس عشر ربيع الآخر، ودفن تحت كهف جبريل تجاه تربة السّبكيين.
وفيها علاء الدّين علي بن محمد بن حسن الحموي الشافعي [١] نزيل دمشق الإمام العلّامة الشهير بابن أبي سعيد.
قيل: إنه نسب إلى المتولي من أصحاب الشافعي.
ولد سنة ست وستين وثمانمائة، وقرأ على جماعة من العلماء، ولزم البدر الغزّي، وقرأ عليه شرحه على «المنهاج» قراءة بحث وتحقيق وإتقان، وقرأ عليه كتبا كثيرة في علوم متعددة.
وكان بارعا، ذا يد في الأصول والفقه، ومشاركة جيدة في البيان، والنحو، والمنطق، وغير ذلك، مع اطراح زائد.
وتوفي بدمشق في هذه السنة.
وفيها شمس الدّين محمد بن محمد الدّيري الأصل الحلبي [٢] الشافعي الإمام العلّامة الحجّة الفهّامة المعروف بابن الخناجري ووالده بابن عجل.
стр. 5132
كان له يد طولى في الفقه، والفرائض، والحساب، مع المشاركة في فنون أخر [١] .
قرأ في الحساب على الجمال بن النّجار المقدسي الشافعي صاحب «بغية الرائض في علم الفرائض» . وكان لطيف المحاضرة، حسن المعاشرة، كثير المفاكهة والممازحة، معتقدا في الصوفية.
قال تلميذه ابن الحنبلي: كان يسمع الآلات، ويقول أنا ظاهري أعمل بقول ابن حزم الظّاهري.
وقال في «الكواكب» : وذكره شيخ الإسلام الوالد في «رحلته» فقال: الشيخ الإمام، والحبر الهمام، شيخ المسلمين أبو عبد الله محمد شمس الدّين الخناجري الشافعي، شيخ الفواضل والفضائل، وإمام الأكابر والأفاضل، وبدر الإنارة، المشرق لسري القوافل، وشمس الحقائق التي مع ظهورها النجوم أوافل، له المناقب الثواقب، والفوائد الفرائد، والمنهاج المباهج، وله بالعلم عناية تكشف العماية، ونباهة تكسب النزاهة، ودراية تقصد الرواية، ومباحثه تشوق ومناقشة تروق، مع طلاقة وجه، وتمام بشر، وكمال خلق، وحسن سمت، وخير هدى، وأعظم وقار، وكثرة صمت.
ثم أنشد:
ملح كالرياض غازلت الشم ... س رباها وافترّ عنها الربيع
فهو للعين منظر مونق الحس ... ن وللّنفس سؤدد مجموع
ومن لطائف القاضي جابر متغزلا موريا باسم صاحب الترجمة والبدر السيوفي شيخي حلب:
سللن سيوفا من جفون لقتلتي ... وأردفنها من هدبها بالخناجر
فقلت أيفتي في دمي قلن لي أجل ... أجاز السيوفي ذاك وابن الخناجري
стр. 5133
وتوفي في يوم عرفة بعد وفاة الشيخ شهاب الدّين الهندي بأشهر، فقال ابن الحنبلي يرثيهما:
ثوى [١] شيخنا الهنديّ في رحب رمسه ... ففاضت دموعي من نواحي محاجري [٢]
ومن بعده مات الإمام الخناجري ... وبان فكم من غصّة في الحناجر
وفيها المولى محيي الدّين محمد بن قاسم الرّومي الحنفي [٣] الإمام العلّامة، أحد موالي الرّوم.
ولد بأماسية وترقّى في التداريس، حتّى درّس بإحدى الثمان، ثم أعطي مدرسة السلطان بايزيد بأماسية، ثم السليمانية بجوار أيا صوفيا، وهو أول مدرّس بها، ثم أعيد إلى إحدى الثمان، ومات وهو مدرّس بها [٤] بثمانين عثمانيا.
وكان عالما، صالحا، محبا للصوفية، مشتغلا بنفسه، قانعا، مقبلا على العلم والعبادة، وله مهارة في القراآت والتفسير، واطلاع على العلوم الغريبة كالأوفاق، والجفر، والموسيقا، مع المشاركة في كثير من العلوم.
وكان له يد في الوعظ والتذكير، وصنّف كتاب «روضة الأخيار» [٥] في علوم المحاضرات، و «حواشي على شرح الفرائض» للسيد، و «حواشي على أوائل شرح الوقاية» لصدر الشريعة.
وتوفي في هذه السنة وصلّي عليه وعلى ابن كمال باشا بجامع دمشق يوم الجمعة ثاني [ذي] القعدة.
وفيها شمس الدّين محمد بن يحيى بن أبي بكر بن عبد الغنيّ الزّحلي [٦] الشافعي الفاضل، أحد مباشري الجامع الأموي.
стр. 5134
قال في «الكواكب» : حضر دروس شيخ الإسلام الوالد، وسمع عليه رسالة القشيري.
قال ابن طولون: وكان لا بأس به، وكان قد باع عقاره وخرج إلى الحجّ عازما على المجاورة فمات في طريق الحجاز في الذهاب في [أرض] الأقيرع، المعروفة بمفارش الرز.
وفيها شمس الدّين محمد بن يونس [بن يوسف] [١] بن المنقار، الأمير المولوي الحلبي الأصل [٢] .
ولي نيابة صفد، وقطن [٣] دمشق.
قال ابن طولون: كان عنده حشمة.
وتوفي بدمشق يوم الثلاثاء رابع ربيع الأول ودفن بالخوارزمية تحت كهف جبريل بوصية منه.
وفيها المنلا شمس الدّين محمد الأنطاكي [٤] الإمام العلّامة.
توفي بالقدس الشريف في هذه السنة.
وفيها شمس الدّين محمد بن الطلحة الشافعي العجلوني [٥] الصّالح العابد المحدّث البسّامي- نسبة إلى أحد أجداده بسام-.
دخل دمشق، وأمّ بالجامع نيابة، وكان له سند بالمصافحة والمشابكة وإرسال العذبة.
أخذ عنه ابن طولون وغيره، ثم عاد إلى عجلون ومات بها في أحد [٦] الجمادين.
стр. 5135
وفيها قاضي القضاة محبّ الدّين محمد بن ظهيرة الشافعي [١] الإمام العالم العلّامة قاضي مكة.
توفي بها في ذي القعدة.
وفيها مخلص الشيخ الصالح [٢] العابد محيي السّنّة في بلاد الغربية من بلاد مصر بعد موت شيخه أبي الخير بن نصر بمحلّة منوف.
كان مقيما بأبشية الملق [٣] ، وكان سيدي محمد الشناوي يكرمه ويجلّه.
قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: صحبته نحو ثلاث سنين بعد موت شيخي الشيخ محمد الشناوي.
قال: وحصل لي منه دعوات صالحة وجدت بركتها وأوصاني بإيثار الخمول على الظهور، وبعدم التعرّف بأركان الدولة.
قال: ولم يزل على المجاهدة والتقشف على طريقة الفقراء إلى أن توفي ودفن بأبشية الملق وقبره بها ظاهر يزار.
وفيها نور الدّين بن عين الملك الصالحي الشيخ الصّالح [٤] .
كان محبا لطلبة العلم، ملازما لعمل الوقت بزاوية جدّه عين الملك بسفح قاسيون. توفي يوم الجمعة سادس شعبان.
стр. 5136
سنة إحدى وأربعين وتسعمائة
وفيها توفي القاضي تقي الدّين أبو بكر بن شهلا الأسمر الشافعي الدمشقي [١] المتصوف.
تولى نيابة القضاء مرارا، وصار له صيت عند قضاة الأروام خصوصا ابن إسرافيل، ثم انحرف عليه وعزله، واستمرّ معزولا إلى أن توفي يوم الخميس ثاني صفر ودفن بتربة الشيخ أرسلان وخلّف دنيا كثيرة، قيل: إنها سبعة عشر ألف دينار.
وفيها المولى أحمد، وقيل: عبد الأحد بن عبد الله، وقيل: ابن عبد الأحد الحنفي، الشهير بقراأوغلي [٢] الفاضل أحد الموالي الرّومية.
قال صاحب «الشقائق» : كان من عتقاء السيد إبراهيم الأماسي أحد الموالي، فقرأ على مولاه المذكور، ثم درّس ببعض نواحي أماسية، ثم بمدرسة أماسية، ثم بأبي أيوب الأنصاري، ثم بإحدى الثمانية، ثم أعطي قضاء دمشق، ودخلها في أحد [٣] الجمادين سنة أربعين وهو شيخ كبير، وكان الغالب عليه محبّة الصوفية والفقراء، ونادى بدمشق أن لا تخرج امرأة طفلة إلى الأسواق.
قال: وكان محبّا للعلماء وقورا، صاحب شيبة حسنة، صحيح العقيدة، محمود الطريقة، أديبا لبيبا.
стр. 5137
وقال ابن طولون: بعد أن وصفه بالعلّامة وسمّاه أحمد بن عبد الأحد: وكان منوّر الشّيبة، محبا للصالحين، غير أن فوق يده أيديا، فكان ذلك يمنعه من سماع كلمته ونفوذ أمره.
وتوفي وهو قاض بدمشق يوم الثلاثاء حادي عشري ذي الحجّة، ودفن بباب الصغير عند سيدي بلال.
وفيها السيد تاج الدّين عبد الوهاب الصّواف الدمشقي الشافعي [١] الشريف المقرئ.
قال ابن طولون: سمع معي بمكّة على محدّثها الشيخ عزّ الدّين بن فهد وغيره، وبدمشق على مؤرّخها القاضي محيي الدّين النّعيمي وغيره، وكان يقرأ للأموات خصوصا بتربة باب الصغير، وكان يدعو في المحافل أدعية لطيفة.
وكان صالحا، فقيرا.
توفي يوم الثلاثاء ثاني عشر شوال ودفن بباب الصغير.
وفيها نور الدّين علي البحيري الشافعي [٢] أحد علماء القاهرة.
قال في «الكواكب» : بلغني أن المولى ابن كمال باشا لما كان بمصر كان يباحثه ويشهد له بالفضل التام، ويقول: لا تقولوا البحيري فتصغّروه [٣] ولكنه البحري، يشير إلى تبحره في العلم.
توفي بمصر في شعبان، وترجمه ابن طولون بأنه آخر شيوخ المصريين.
وفيها المنلا عماد بن محمود الطّارمي [٤] .
قال في «النور» : مولده بطارم [٥] قرية من خراسان، ونشأ بها، واشتغل
стр. 5138
بتحصيل فنون العلوم، حتى برع، ثم جاء إلى كجرات، وأقام بها إلى أن مات.
وكان بارعا في كثير من العلوم، سيما العقليات، وكانت له يد طولى في علم السيمياء، ويحكى عنه فيها حكايات مشهورة.
وممن أخذ عنه من الأعلام مولانا وجيه الدّين، ومولانا العلّامة القاضي عيسى. انتهى وفيها بهاء الدّين محمد بن محمد بن علي الفصي البعلي الشافعي [١] مفتي بعلبك، الإمام العلّامة المدقّق الفهّامة.
ولد ببعلبك سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وعرض «المنهاج» على البدر بن قاضي شهبة، ثم جدّ في الاشتغال في سنة إحدى وسبعين على جماعة، منهم الزين خطاب، ونجم الدّين، وتقي الدّين ابنا قاضي عجلون، وأذن له الشيخ تقي الدّين بالإفتاء والتدريس، وقرأ على القاضي زكريا الأنصاري، وأذن له أيضا بالإفتاء والتدريس في سنة خمس وثمانين، وكان عنده ذكاء، وشاب سريعا، وكان ألثغ. قاله النّعيمي.
وقال في «الكواكب» : كان من إخوان شيخ الإسلام الجدّ: وشيخ الإسلام الوالد، ومشاركيهما في الشيوخ، وإن كان الشيخ الوالد دونه في السنّ.
وتوفي ببعلبك يوم الأربعاء رابع عشري [٢] المحرم.
قال ابن طولون: ولم يخلّف بعده مثله، ولا في دمشق في فقه الشافعية.
وفيها محيي الدّين محمد بن بير محمد باشا الحنفي [٣] أحد موالي الرّوم، الإمام العلّامة.
قرأ على والده، ثم خدم المولى ابن كمال باشا، ثم المولى علاء الدّين
стр. 5139
الجمالي، وصار معيدا لدرسه [١] ، ثم درّس بمدرسة مصطفى باشا بالقسطنطينية، ثم بإحدى الثمان، ثم صار قاضي أدرنة، ومات قاضيا بها.
وكان عالي الهمّة، رفيع القدر، ذا أدب ووقار وحظ وافر من العلوم المتداولة.
стр. 5140
سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة
فيها توفي إبراهيم المصري المجذوب الصّالح، المعروف بعصيفير [١] .
قال في «الكواكب» : كان من أهل الكشف الكامل، وأصله من نواحي الصعيد، وكان ينام مع الذئاب في القفار ويمشي على الماء جهارا.
قال الشعراوي: وأخبرني بحريق يقع في مكان فوقع فيه تلك الليلة، ومرّ عليه شخص بإناء فيه لبن فرماه منه فانكسر فإذا فيه حيّة ميتة، وأحواله عجيبة.
توفي بمصر ودفن تجاه زاوية أبي الحمائل.
وفيها أبو الفضل الأحمدي [٢] ، صاحب الكشوفات الرّبانية والمواهب الصمدانية.
أخذ الطريق عن سيدي علي الخوّاص، والشيخ بركات الخوّاص، وغيرهما.
قال في «الكواكب» : وكان من أهل المجاهدات، وقيام الليل، والتخشن في المأكل والملبس، وكان يخدم إخوانه ويقدّم لهم نعالهم، ويهيئ الماء لطهارتهم.
وكان له كشف عجيب بحيث يرى بواطن الخلق وما فيها كما يرى ما في داخل البلور.
стр. 5141
وقال: سألت الله تعالى أن يحجب ذلك عني فأبى عليّ.
وكان يقول: أعطاني الله تعالى أن لا يقع بصري على حبّ فيسوّس، وجرّب ذلك فيه.
وقال الشعراوي: وقع بيني وبينه اتحاد عظيم لم يقع لي قطّ مع أحد من الأشياخ، وكنت إذا جالسته وسرى ذهني إلى مكان أو كلام يقول: ارجع بقلبك من الشيء الفلاني، فيعرف ما سرح قلبي إليه.
وكنت إذا ورد عليّ شيء من الحقائق وأردت [أن] أقوله له يقول لي: قف لا تخبرني حتى أسمعك ما ورد عليك فيقوله حرفا بحرف.
وقال في «الطبقات الكبرى» : حجّ مرات على التجريد، فلما كان آخر حجّة كان ضعيفا، فقلت له: في هذه الحال تسافر؟ فقال: لترابي فإن طينتي [١] مرّغوها في تربة الشهداء ببدر، فكان كما قال، وتوفي ببدر.
وفيها إسماعيل الشّرواني الحنفي [٢] الإمام العلّامة المحقّق المدقّق الصّالح الزّاهد، العارف بالله تعالى.
قرأ على علماء عصره، منهم الجلال الدواني، ثم خدم العارف بالله خواجه عبيد الله السّمرقندي، وصار من كملّ أصحابه، ولما مات خواجه عبيد الله ارتحل المترجم إلى مكّة المشرّفة وتوطنها، ودخل الرّوم في ولاية السلطان أبي يزيد، ثم عاد إلى مكّة وأقام بها إلى أن مات.
قال في «الشقائق» : كان رجلا، معمّرا، وقورا، مهيبا، منقطعا عن الناس، مشتغلا بنفسه، طارحا للتكلّف، حسن المعاشرة، له فضل عظيم في العلوم الظاهرة.
وألّف «حاشية على تفسير البيضاوي» وكان يدرّس بمكّة فيه وفي «البخاري» .
стр. 5142
وتوفي بها في عشر ذي الحجّة عن نحو أربع وثمانين سنة.
وفيها بديع بن الضّياء [١] قاضي مكّة المشرّفة، وشيخ الحرم بها.
قال ابن طولون: كان من أهل الفضل والرئاسة. قدم دمشق ثم سافر إلى مصر، فبلغه تولية قضاء مكّة للشيخ زين الدّين عبد اللطيف بن أبي كثير، فرجع إلى دمشق، وأقام بها مدة، ثم سافر إلى الرّوم سنة إحدى وأربعين بعد أن حضر عند الشيخ على الكيزواني تجاه مسجد العفيف بالصالحية، وسمع المولد وشرب هو والشيخ علي وجماعته القهوة المتخذة من البن، ولا أعلم أنها شربت في بلدنا هذه- يعني دمشق- قبل ذلك، فلما وصل القاضي بديع إلى الرّوم أعيد إليه قضاء جدّة، ثم رجع فتوفي بمدينة [٢] بدليس [٣] من أطراف ديار بكر. انتهى ملخصا.
وفيها جابر بن إبراهيم بن علي التّنوخي القضاعي الشافعي [٤] القاطن بجبل الأعلى من معاملة حلب.
ولي نيابة القضاء به، وكان شاعرا، عارفا بالعروض والقوافي وطرفا من النحو، مستحضرا لكثير من اللغة ونوادر الشعراء، حافظا لكثير من «مقامات الحريري» .
حضر دروس العلاء الموصلي بحلب وذاكره.
ومن نظمه:
طاب الزّمان وراقت الصّهباء ... وشدت على أوراقها الورقاء
وهي طويلة.
وتوفي في جمادى الآخرة.
стр. 5143
وفيها عبد الله بن محمد بن أحمد بأفضل العدني الشافعي [١] .
قال في «النور» : تفقّه بوالده [٢] ، وانتصب بعده للتدريس بعدن، وكان فقيها، محدّثا، فاضلا، حسن الأخلاق، شريف النّفس، مخالقا للناس، حسن السعي في حوائج المسلمين، محبّبّا إليهم، سليم الصّدر. عميّ في آخر عمره وتطبّب، فرد الله عليه بصره، ولم يزل على الحال المرضي إلى أن توفي ضحى يوم الخميس حادي عشر شعبان بعدن.
وفيها زين الدّين أبو هريرة عبد الرحمن بن حسن، الشهير بابن القصّاب الكردي الحلبي الشافعي [٣] الإمام العالم العامل الكامل، أحد المدرّسين بحلب.
أخذ عن البدر بن السّيوفي وغيره، وتوفي بحلب.
وفيها زين الدّين عبد الرحمن بن جلال الدّين محمد البصروي [٤] الحنفي، الشافعي والده، وهو- أي المترجم- سبط العلّامة زين الدّين عبد الرحمن بن العيني الحنفي.
قال ابن طولون: رأيته يدرّس في «المختار» .
وتوفي بالحسا أحد منازل الحاج.
وفيها زين الدّين عبد القادر بن اللحّام البيروتي الشافعي [٥] العلّامة.
توفي ببيروت. قاله في «الكواكب» .
وفيها نور الدّين علي بن ياسين الطّرابلسي [٦] الحنفي، الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، شيخ الحنفية بمصر، وقاضي قضاتها.
стр. 5144
اشتغل على الشمس الغزّي، والصّلاح الطرابلسي.
وكان ديّنا، متقشفا، مفنّنا في العلوم، ولي قضاء القضاة في الدولة السليمانية إلى أن جاء قاض لمصر رومي من قبل السلطان سليمان، فاستمر معزولا يفتي ويدرّس إلى أن مات، وهو ملازم على النّسك والعبادة.
قال الشعراوي: كان كثير الصّدقة سرّا وجهرا، وأنكر عليه قضاة الأروام بسبب إفتائه بمذهبه الراجح عنده، وكاتبوا فيه السلطان، وجرحوه بما هو بريء منه، فأرسل السلطان يأمر بنفيه أو قتله، فوصل المرسوم يوم موته بعد أن دفناه، وكانت هذه كرامة له. انتهى.
وفيها قاسم بن زلزل بن أبي بكر القادري [١] أحد أرباب الأحوال المشهورين بحلب.
قال ابن الحنبلي: كان في أول أمره ذا شجاعة حمي بها أهل محلته المشارفة بحلب من اللصوص، وكان يعارضهم ليلا في الطرفات ويقول لهم:
ضعوا ما سرقتم وفوزوا بأنفسكم، أنا فلان، فلا يسعهم إلا وضعه، ثم صار مريدا للشيخ حسين بن أحمد الأطعاني، كما كان أبوه مريدا لأبيه، ثم صار مريدا لابن أرسلان الرّملي، وعلى يده حصلت له حال، وهو الذي حمله على سقاية الماء، فكان يسقي الماء في الطرقات وهو يذكر الله تعالى؟ وتحصل له الحال الصادقة فيرفع رجله ويبطش بها على الأرض، وذكر له كرامات كثيرة.
قال: وتوفي في أواخر السنة.
وفيها القاضي شمس الدّين محمد بن يوسف [٢] الدمشقي الحنفي [٣] .
ناب في القضاء عن قاضي القضاة ابن الشّحنة، وعن قاضي القضاة ابن يونس بدمشق، ثم ثبت عليه وعلى رجل يقال له حسين البقسماطي عند قاضي
стр. 5145
دمشق أنهما رافضيان، فحرقا تحت قلعة دمشق بعد أن ربطت رقابهما وأيديهما وأرجلهما في أوتاد، وألقى عليهما القنب والبواري والحطب، ثم أطلقت النار عليهما حتى صارا رمادا، ثم ألقي رمادهما في بردى، وكان ذلك يوم الثلاثاء تاسع رجب.
قال ابن طولون: وسئل الشيخ قطب الدّين بن سلطان مفتي الحنفية عن قتلهما، فقال: لا يجوز في الشرع بل يستتابان.
وفيها بدر الدّين محمد العلائي الحنفي المصري [١] العلّامة المسند المؤرّخ.
قال في «الكواكب» : أخذ عن شيخ الإسلام الجدّ وغيره، وأثنى عليه العلّامة جار الله ابن فهد وغيره. انتهى.
[٢] وفيها الشيخ شمس الدّين محمد الشامي [٣] .
قال العلّامة الشعراني في «ذيله على طبقاته» ما نصه: ومنهم الأخ الصّالح العالم الزاهد، الشيخ شمس الدّين محمد الشّامي المتمسك بالسّنة المحمدية، نزيل التربة البرقوقية، وكان عالما، صالحا، مفنّنا في العلوم، وألّف «السيرة النبوية» [٤] المشهورة التي جمعها من ألف كتاب، وأقبل الناس على كتابتها ومشى فيها على أنموذج لم يسبق إليه أحد.
стр. 5146
كان عزبا لم يتزوج قطّ، وإذا قدم عليه المضيف يعلّق القدر ويطبخ له.
كان حلو المنطق، مهيب النظر، كثير الصيام والقيام، بت عنده الليالي فما كنت أراه ينام في الليل إلّا قليلا.
كان إذا مات أحد من طلبة العلم وخلّف أولادا قاصرين وله وظائف يذهب إلى القاضي ويتقرر فيها ويباشرها ويعطي معلومها [١] للأيتام حتّى يصلحوا للمباشرة.
كان لا يقبل من مال الولاة وأعوانهم شيئا، ولا يأكل من طعامهم، وذكر لي شخص من الذين يحضرون قراءة سيرته في جامع الغمري أن أسأله في اختصار «السيرة» وترك ألفاظ غريبها، وأن يحكي السير على وجهها كما فعل ابن سيّد الناس، فرأيته بين القصرين وأخبرته الخبر، فقال: قد شرعت في اختصارها من مدة كذا، فرأيت ذلك هو الوقت الذي سألني فيه ذلك الرجل.
وكانت عمامته نحو سبعة أذرع على عرقية، لم يزل غاضا طرفه سواء كان ماشيا أو جالسا، ﵀.
وأخلاقه الحسنة كثيرة مشهورة بين أصحابه ورفقائه. انتهى كلام الشعراوي.
وقال سيدي أحمد العجمي المتولي سنة ست وثمانين وألف: أنه توفي يوم الاثنين رابع عشر شعبان- أي من هذه السنة- وله من المؤلفات «عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان» [٢] «الجامع الوجيز الخادم للغات القرآن العزيز» «مرشد السالك إلى ألفية ابن مالك» النّكت عليها اقتضبه من نكت شيخه السيوطي عليها،
стр. 5147
وعلى «الشذور» و «الكافية والشافية» و «التحفة» وزاد عليه يسيرا، و «الآيات العظيمة الباهرة في معراج سيد أهل الدنيا والآخرة» ومختصره المسمى ب «الآيات البينات في معراج سيد أهل الأرض والسموات» ، «رفع القدر ومجمع الفتوة في شرح الصدر» و «خاتم النبوة» «كشف اللّبس في رد الشمس» «شرح الجرومية» ، «الفتح الرحماني شرح أبيات الجرجاني» الموضوعة في الكلام، «وجوب فتح أن وكسرها وجواز الأمرين» «إتحاف الراغب الواعي في ترجمة أبي عمرو الأوزاعي» «النّكت المهمات في الكلام على الأبناء والبنين والبنات» «تفصيل الاستفادة في بيان كلمتي الشهادة» «إتحاف الأريب بخلاصة الأعاريب» «الجواهر النفائس في تحبير كتاب العرائس» «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة» «عين الإصابة في معرفة الصحابة» انتهى.
وفيها المولى محيي الدّين محمد القرماني [١] الحنفي [٢] أحد الموالي الرّومية.
قرأ على علماء العجم، ثم دخل الرّوم، فقرأ على المولى يعقوب بن سيدي على شارح «الشرعة» [٣] ، وصار معيدا لدرسه، ثم درّس ببعض المدارس، ثم أعطي مدرسة أزنيق ومات عنها.
وكان مشتغلا بالعلم ليلا ونهارا، علّامة في التفسير، والأصول، والعربية، له تعليقات على «الكشّاف» و «القاضي» و «التلويح» و «الهداية» و «شرح رسالة إثبات الواجب الوجود» للدواني، وله «حواش على شرح الوقاية» لصدر الشريعة وكتاب في المحاضرات سماه «جالب السرور» .
стр. 5148
وفيها جمال الدّين يوسف بن محمد بن أحمد بن عبد الواحد الأنصاري السّعدي العبادي الحلبي الحنفي [١] .
كان فرضيا، حيسوبا، فقيها، ولي نيابة القضاء في الدولتين، ومات فقيرا بأنطاكية.
стр. 5149
سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة
في ثالث رمضانها قتل السلطان بهادر بن السلطان مظفّر [١] صاحب كجرات من بلاد الهند، قتل في بندر الديو، وجاء تاريخ قتله قتل سلطاننا بهادر.
وفيها توفي شهاب الدّين أبو النّجيب أحمد بن أبي بكر الحبيشي الحلبي [٢] .
قال ابن الحنبلي: وبموته انقرض الذكور من بيت الحبيشي.
وفيها السيد الحاضري المغربي المالكي [٣] نزيل دمشق بالتربة الأشرفية شمالي الكلّاسة جوار الجامع الأموي.
تزوج بابنة القاضي كمال الدّين الباقعي الشافعي، ثم سافر من دمشق إلى الروم، وحصل له إقبال زائد من السلطان، والوزير إياس باشا، وأعطي دنيا ووظائف، منها إمامة المالكية بالجامع، ثم عاد فمات بحلب.
وفيها عفيف الدّين عبد الله بن أحمد سرومي الشّحري اليمني الفقيه الشافعي [٤] .
ولد بالشحر، ونشأ بها، وقرأ القرآن، ثم ارتحل إلى زبيد لطلب العلم، فأخذ عن إمامها الفقيه كمال الدّين موسى بن الزين، والعلّامة جمال الدّين
стр. 5150
القماط، وغيرهما، ثم رجع إلى بلده الشحر، فأخذ عن عالمها عفيف الدّين المعروف بالحاج ولازمه، ثم سعى له في وظيفة القضاء بها، فاستمر قاضيا بها إلى أن عزم على الحجّ.
وكان- ﵀ يحب الطلبة ويؤهلهم، ويحب الإفادة والاستفادة، لطيفا، قريب الجناب، سليم الباطن، قوي الصبر على الطاعة والأوراد النبوية، كثير التعظيم للأكابر من العلماء والصالحين، واعتنى ب «حاشية على الروضة» لكن عدمت، وذلك أن أحد أولاده دخل بها الهند فعدمت هناك.
وتوفي بمكة المشرّفة في ذي القعدة قبل أن يحجّ ودفن [١] بالمعلاة.
وفيها عبد الغني العجلوني الأربدي الجمحي [٢]- بضم الجيم، وإسكان الميم، وبالحاء المهملة، نسبة إلى قرية جمحى، كقربى من قرى إربد-.
قال في «الكواكب» : كان من أولياء الله تعالى، حسن الطريقة، صحيح العقيدة، ضابطا للشريعة، كافّا للسانه، تردّد إلى دمشق مرارا، وكان سيدي محمد بن عراق يجلّه ويعظّمه.
وكان قانعا زاهدا، متواضعا ملاحظا للإخلاص، ليس له دعوى، حافظا لجوارحه ولسانه، مقبلا على شأنه مات ببلده جمحى. انتهى ملخصا وفيها شمس الدّين محمد بن ولي الدّين الحنفي الحلبي [٣] المقرئ المجود، الشهير بأبيه.
كان من تلاميذ العلّامة شمس الدّين بن أمير حاج الحلبي الحنفي، ومن مريدي الشيخ عبد الكريم الحافي.
وكان له خط حسن، وهيئة مقبولة، وسكينة وصلاح.