← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

سنة سبع وسبعين ومائة فيها توفي عبد الواحد بن زيد البصريّ الزّاهد، الذي قيل: إنه صلّى الغداة بوضوء العشاء أربعين سنة. ومن مواعظه قوله: ألا تستحيون من طول ما لا تستحيون. روى عن الحسن وجماعة، وهو متروك الحديث. قاله في «العبر» [١] . وفيها شريك بن عبد الله النّخعيّ الكوفيّ القاضي، أبو عبد الله، أحد الأعلام، عن نيّف وثمانين سنة. روى عن سلمة بن كهيل، والكبار. سمع منه إسحاق الأزرق تسعة آلاف حديث. قال ابن المبارك: هو أعلم بحديث بلده من سفيان الثّوري. وقال النّسائيّ: ليس به بأس. وقال غيره: فقيه إمام، لكنه يغلط. قال ابن ناصر الدّين: استشهد له البخاريّ، ووثّقه ابن معين، وأخرج له سملم متابعة. انتهى.

стр. 737

وفيها محمد بن مسلم الطائفيّ المكيّ. روى عن عمرو بن دينار وجماعة. قال ابن مهدي: كتبه صحاح. وموسى بن أعين [الجزري، أبو سعيد] [١] الحرّاني، رحل إلي العراق، وأخذ عن عبد الله بن محمّد بن عقيل وطبقته، فأكثر. وأبو خالد [٢] يزيد بن عطاء اليشكريّ الواسطيّ. روى عن علقمة بن مرثد وطبقته، وليس بالقويّ. قاله في «العبر» [٣] . وقد مرّ مولاه أبو عوانة [٤] . وفيها، أو في حدودها، عبد العزيز بن المختار البصريّ الدبّاغ. حدّث عن ثابت البنانيّ وجماعة.

стр. 738

سنة ثمان وسبعين ومائة فيها فوّض الرّشيد أموره كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك. قاله [١] في «الشذور» . وفيها توفي جعفر بن سليمان الضّبعيّ بالبصرة. روى عن أبي عمران الجوني وطائفة. وكان أحد علماء البصرة. وفيه تشيّع. أخذ ذلك عنه عبد الرّزّاق باليمن. قاله في «العبر» [٢] . وقال ابن ناصر الدّين: هو أبو سليمان، كان من ثقات الشيعة والزهّاد، ولم يكن قويا، ومع كثرة علومه قيل: كان أميّا. انتهى. وفيها عبثر بن القاسم أبو زبيد الكوفي. روى عن حصين بن عبد الرّحمن وجماعة. ذكره أبو داود فقال: ثقة، ثقة. وعبد الله بن جعفر بن نجيح السعديّ، مولاهم، المدينيّ، نزيل البصرة، ووالد علي بن [٣] المديني. روى عن عبد الله بن دينار وطبقته، وهو ضعيف الحديث.

стр. 739

سنة تسع وسبعين ومائة فيها كانت فتنة الوليد بن طريف الشّاريّ الخارجيّ، وأحد الشّراة وهم الخوارج، سمّوا بذلك لقولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله، أي بعناها بالجنّة حين فارقنا الأئمة الجبابرة، وكان الوليد، أحد الشجعان، وندب الرّشيد لحربه يزيد بن زائدة، ابن أخي معن بن زائدة الشيباني، ومكث يزيد مدة يماكره ويخادعه، وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد، فقالوا للرشيد: إنه مداهن، فأرسل إليه يتوعّده، فناجزه يزيد فظفر به، وكان الوليد ينشد في المصاف: أنا الوليد بن طريف الشّاري ... قسورة [١] لا يصطلى بناري [٢] ولما انهزم تبعه يزيد بنفسه حتّى أدركه على مسافة بعيدة فقتله واحتزّ رأسه، ولما قتل لبست أخته الفارعة عدّة حربها وحملت [على جيش يزيد] [٣] فضرب يزيد بالرمح فرسها [٤] وقال: اغربي، غرّب الله عينك [٥] فقد فضحت

стр. 740

العشيرة، فانصرفت ولها في أخيها مراث كثيرة شهيرة [١] . وفيها اعتمر الرّشيد في رمضان ثم رجع إلى المدينة فأقام بها إلى وقت الحج، ثم حجّ بالنّاس، فمشى من مكّة إلى منى، ثم إلى عرفات، وشهد المشاهد والمشاعر ماشيا. وفيها توفي إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس الحميريّ الأصبحيّ شهير الفضل، كان طوالا، جسيما، عظيم [٢] الهامة، أبيض الرأس واللحية، أشقر، أزرق العين، يلبس الثياب العربية البيض، وإذا اعتمّ جعلها [تحت] [٣] ذقنه، ويسدل طرفها بين كتفيه. روي أنه قال: ما أفتيت حتّى شهد لي سبعون أنّي أهل لذلك. وقلّ رجل كنت أتعلّم منه ومات حتّى يستفتين. قال اليافعيّ [٤] : أخبر بنعمة الله [تعالى عليه] [٥] . وكان مالك عظيم المحبة لرسول الله- ﷺ مبالغا في تعظيم حديثه، حتّى كان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنّه، ويقول: لا أركب في بلد فيها جسد رسول الله- ﷺ مدفون. قال الشّافعيّ: قال لي محمد بن الحسن: أيّما [٦] أعلم صاحبنا أو صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالكا- رحمهما الله تعالى- قلت: على الإنصاف؟

стр. 741

قال: نعم. قلت: أنشدك الله من أعلم بالقرآن؟ قال: صاحبكم. قلت: فمن أعلم بالسّنّة؟ قال: صاحبكم. قلت: فمن أعلم بأقاويل الصحابة؟ قال: صاحبكم. قلت: فما بقي إلّا القياس، وهو لا يكون إلّا على هذه الأشياء، وكان مالك [يأتي المسجد، و] [١] يشهد الصلوات الخمس والجمعة، ويصلي على الجنائز، ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، وأكثر جلوسه في المسجد، ثم ترك ذلك فكان يصلي وينصرف، وترك حضور الجنائز، ثم ترك الكلّ، وسعي به إلى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عبّاس، وقيل له: إنه لا يرى خلافتكم، فضربه سبعين سوطا، ومدّت [٢] يده حتّى انخلعت [كتفه] [٣] فلم يزل بعد ذلك في [علوّ، و] [٤] رفعة، كأنما كانت [٥] السياط حليّا حلّي به. ولما ورد المنصور المدينة، أراد أن يقيده منه، فقال: والله ما ارتفع سوط منها عن بدني إلّا وقد جعلته في حلّ لقرابته من رسول الله- ﷺ وقيل: ضرب لفتوى لم توافق أغراضهم. وقيل: إنه حمل إلى بغداد وقال له واليها: ما تقول في نكاح المتعة؟ فقال: هو حرام، فقيل له: ما تقول في قول عبد الله بن عبّاس فيها؟ فقال: كلام غيره فيها أوفق لكتاب الله تعالى، وأصرّ على القول بتحريمها، فطيف به على ثور مشوّها، فكان يرفع القذر عن وجهه ويقول: يا أهل بغداد من لم يعرفني فليعرفني، أنا مالك بن أنس، فعل بي ما ترون لأقول بجواز نكاح المتعة ولا أقول به، ثم بعد ذلك لم يزده الله تعالى إلّا رفعة، وكان ذلك كالتميمة له، فجزاه الله تعالى عن نفسه والأمة خيرا.

стр. 742

وحدّث عتيق بن يعقوب الزّبيديّ قال: قدم هارون الرّشيد المدينة، وكان قد بلغه أن مالك بن أنس عنده «الموطأ» يقرؤه على النّاس، فوجّه إليه البرمكيّ فقال: أقرئه السلام وقل له: يحمل إليّ الكتاب ويقرؤه عليّ، فأتاه البرمكيّ فقال: أقرئه السلام، وقل له: إن العلم يؤتى ولا يأتي، فأتاه البرمكيّ فأخبره، وكان عنده أبو يوسف القاضي، فقال: يا أمير المؤمنين، يبلغ أهل العراق أنك وجّهت إلى مالك في أمر فخالفك، اعزم عليه، فبينما هو كذلك، إذ دخل مالك، فسلّم وجلس، فقال له الرّشيد: يا ابن أبي عامر أبعث إليك وتخالفني؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني الزّهري، عن خارجة بن زيد، عن أبيه قال: كنت أكتب الوحي بين يدي رسول الله- ﷺ لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ من الْمُؤْمِنِينَ ٤: ٩٥ [النساء: ٩٥] وابن أمّ مكتوم عند النّبيّ- ﷺ فقال: يا رسول الله انى رجل ضرير، وقد انزل الله عليك فى فضل الجهاد ما قد علمت، فقال النبي ﵌: «لا ادرى» وقلمي رطب ما جف، ثم وقع فخذ النبي ﵌ على فخذي، ثم أغمي على النبي ﵌ ثم جلس النبي ﵌ فقال يا زيد اكتب غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ٤: ٩٥ [النساء: ٩٥] . ويا أمير المؤمنين حرف واحد بعث فيه جبريل والملائكة- ﵈ من مسيرة خمسين ألف عام، ألا ينبغي لي أن أعزّه وأجلّه، وإن الله تعالى رفعك وجعلك في هذا الموضع بعملك، فلا تكن أنت أول من يضيع عزّ العلم فيضيع الله عزّك، فقام الرّشيد يمشي مع مالك إلى منزله ليسمع منه «الموطأ» فأجلسه معه على المنصّة، فلما أراد أن يقرأه على مالك، قال [١] : تقرؤه عليّ. قال: ما قرأته على أحد منذ زمان. قال: فيخرج النّاس عنّي حتّى أقرأه أنا عليك، فقال: إن العلم إذا منع من العامّة لأجل الخاصّة لم

стр. 743

ينفع الله تعالى به الخاصّة. فأمر معن بن عيسى القزّاز ليقرأه عليه، فلما بدأ ليقرأه قال مالك لهارون: يا أمير المؤمنين! أدركت أهل العلم ببلدنا وإنهم ليحبّون التواضع للعلم، فنزل هارون عن المنصّة، وجلس بين يديه وسمعه، رحمهما الله تعالى. وقال أبو عبد الله الحميديّ الأندلسيّ: أنشدني والدي أبو طاهر إبراهيم: إذا قيل من نجم الحديث وأهله ... أشار أولو الألباب يعنون مالكا إليه تناهى علم دين محمّد ... فوطّأ فيه للرّواة المسالكا ونظّم بالتصنيف أشتات نشره ... وأوضح ما قد كان لولاه حالكا وأحيا دروس العلم شرقا ومغربا ... تقدّم في تلك المسالك سالكا وقد جاء في الآثار من ذاك شاهد ... على أنّه في العلم خصّ بذالكا فمن كان ذا طعن على علم مالك ... ولم يقتبس من نوره كان هالكا يشير بقوله، وقد جاء في الآثار إلخ إلى حديث «تضرب الإبل أكبادها إلى عالم المدينة لا ترى أعلم منه» [١] . وقال الشّافعيّ- رضي الله تعالى عنه-: إذا ذكر العلماء فمالك النجم. وقال معن القزّاز وجماعة: حملت بمالك أمّه ثلاث سنين. وقيل: إنه بكى في مرض موته وقال: والله لوددت أني ضربت في كل مسألة أفتيت بها، وليتني لم أفت بالرّأي. وتوفي بالمدينة، ودفن بالبقيع عن أربع وثمانين سنة، وقيل: تسعين،

стр. 744

ولما مات قال ابن عيينة: ما ترك على وجه الأرض مثله. وفيها توفي خالد بن عبد الله الواسطيّ الطّحّان الحافظ، وله سبعون سنة. روى عن سهيل بن أبي صالح وطبقته. قال إسحاق الأزرق: ما أدركت أفضل منه. وقال أحمد: كان ثقة صالحا، بلغني أنه اشترى نفسه من الله تعالى ثلاث مرات. وأبو الأحوص سلّام بن سليم الكوفي. روى عن زياد بن علاقة وطبقته، وكان أحد الحفّاظ الأثبات. قال أحمد العجلي: ثقة صاحب سنّة واتّباع، وآخر من روى عنه هنّاد. وفي رمضان إمام أهل البصرة حمّاد بن زيد بن درهم الأزديّ مولاهم البصريّ الضرير، أبو إسماعيل. كان من أهل الورع والدّين. قال ابن مهدي: لم أر قطّ أعلم بالسّنّة منه، وهو أحد الحمّادين صاحبي المذهبين المشهورين. وقال عبد الرّحمن بن مهدي: أئمة النّاس أربعة: الثّوريّ بالكوفة، ومالك بالحجاز، وحمّاد بن زيد بالبصرة، والأوزاعيّ بالشّام. وقال يحيى بن يحيى التميميّ: ما رأيت شيخا أفضل من حمّاد بن زيد. وقال أحمد العجلي: حمّاد بن زيد ثقة، كان حديثه أربعة آلاف حديث يحفظها، ولم يكن له كتاب. وقال ابن معين: ليس أحد أثبت من حمّاد بن زيد. وفيها الهقل بن زياد الدّمشقيّ كاتب الأوزاعيّ. قال ابن معين: ما كان بالشّام أوثق منه.

стр. 745

وقال مروان الطّاطري: كان أعلم النّاس بالأوزاعيّ وبمجلسه وفتياه. وقال ابن ناصر الدّين: هو الهقل بن زياد بن عبيد [١] السّكسكيّ مولاهم الدّمشقيّ اسمه محمد فلقب [٢] بهقل، كان إماما مفتيا من الثقات. انتهى [٣] .

стр. 746

سنة ثمانين ومائة فيها هاج الهوى والعصبيّة بالشّام بين اليمانية والنّزاريّة، وتفاقم [١] الأمر، واشتدّ الخطب. وفيها كانت الزّلزلة العظمى بمصر [٢] التي سقط منها رأس منارة الاسكندرية. وفيها نزل الرّشيد الرّقّة واتخذها وطنا. وفيها توفي إسماعيل بن جعفر مولاهم [الأنصاريّ] [٣] المدنيّ، قارئ المدينة بعد نافع، ومحدّثها بعد مالك. روى عن عبد الله بن دينار، والعلاء بن عبد الرّحمن، وطائفة. قال ابن ناصر الدّين: كان إماما، مقرئا، أمينا، عالما، ثقة، مأمونا. انتهى. وفيها عبد الوارث بن سعيد أبو عبيدة [٤] العنبريّ مولاهم التّنّوريّ

стр. 747

البصريّ، كان على بدعة فيه. أجمع على الاحتجاج به الشيخان وباقي أئمة الأثر، قاله ابن ناصر الدّين. وفيها بشر بن منصور السّليميّ الأزديّ البصريّ الزّاهد. روى عن أيوب وطبقته. قال ابن المديني: ما رأيت أحدا أخوف لله منه. وكان يصلّي كل يوم خمسمائة ركعة. وقال عبد الرّحمن بن مهدي: ما رأيت أحدا أقدّمه عليه في الورع والرّقّة. وفيها حفص بن سليمان الغاصريّ الكوفيّ قاضي الكوفة وتلميذ عاصم. وقد حدّث عن علقمة [١] بن مرثد وجماعة، وعاش تسعين سنة، وهو متروك الحديث، حجّة في القراءة. قاله في «العبر» [٢] . وفيها صدقة بن خالد الدّمشقيّ، قرأ على يحيى الذّماري. وروى عن التابعين، وكان من ثقات الشاميين. وفيها أبو وهب عبيد الله بن عمرو [٣] الرّقّي الفقيه، محدّث الجزيرة ومفتيها. روى عن عبد الملك بن عمير وطبقته. قال محمد بن سعد: كان ثقة، لم يكن أحد ينازعه في الفتوى في دهره [٤] . وفضيل بن سليمان النّميري بالبصرة. روى عن أبي حازم الأعرج وصغار التابعين.

стр. 748

قال في «المغني» [١] : عن منصور بن صفيّة، فيه لين. قال أبو حاتم وغيره: ليس بالقويّ. وقال أبو زرعة: ليّن. وقال عبّاس [٢] ، عن ابن معين: ليس بثقة. انتهى. وفيها مبارك بن سعيد، أخو سفيان الثّوري أبو عبد الرّحمن الكوفيّ الضرير ببغداد. روى عن عاصم بن أبي النّجو وطائفة، وهو ثقة. وفيها فقيه مكّة أبو خالد مسلم بن خالد الزّنجيّ، وله ثمانون سنة. روى عن ابن أبي مليكة، والزّهري، وطائفة. وقال أحمد بن محمد الأوزرقي: كان فقيها عابدا، يصوم الدّهر، وضعّفه أبو داود وغيره، ولقّب بالزّنجيّ في صغره، وكان أشقر، وعليه تفقّه الشّافعيّ. وفيها أبو المحيّاة [٣] يحيى بن يعلى التيميّ الثقة الكوفيّ. روى عن سلمة بن كهيل وطائفة، وعمّر وأسنّ. وفيها أمير الأندلس أبو الوليد هشام بن الدّاخل عبد الرّحمن بن معاوية الأمويّ المروانيّ، وله سبع وثلاثون سنة. وولي الأمر ثمانية أعوام، وكان متواضعا، حسن السّيرة، كثير الصدقات، وقام بعده ابنه الحكم.

стр. 749

سنة إحدى وثمانين ومائة فيها أحدث الرّشيد في صدور كتبه الصّلاة على النّبيّ ﷺ . وفيها غزا الرّشيد، وافتتح حصن الصّفصاف من أرض الرّوم بالسيف.. وسار عبد الملك بن صالح بن علي العبّاسي حتّى بلغ أنقرة [١] وافتتح حصنا. وفيها توفي الإمام محدّث الشّام ومفتي أهل حمص، أبو عتبة، إسماعيل بن عيّاش العنسيّ، عن بضع وسبعين سنة. روى عن شرحبيل بن مسلم، ومحمّد بن زياد الألهاني، وخلق من التابعين بالشّام والحرمين. قال ابن معين: هو ثقة في الشّاميين. وقال يزيد بن هارون: ما لقيت شاميّا ولا عراقيّا أحفظ منه، وما أدري ما الثوري. وقال ابن عدي: يحتجّ به في حديث الشّاميين خاصة. وقال أبو اليمان: كان إسماعيل جارنا، فكان يحيي الليل. قال داود بن عمرو: ما حدّثنا إسماعيل إلّا من حفظه، [و] كان يحفظ نحوا من عشرين ألف حديث.

стр. 750

وقيل: توفي سنة اثنتين وثمانين، ومناقبه كثيرة. وفيها أبو المليح الرّقّيّ عن نيّف وتسعين سنة. واسمه الحسن بن عمر. روى عن ميمون بن مهران، والزّهريّ، والكبار، ووثّقه أحمد، وغيره. وفيها حفص بن ميسرة الصّنعانيّ بعسقلان. روى عن زيد بن أسلم، وطبقته، وكان ثقة صاحب حديث. و [فيها] المعمّر أبو أحمد خلف بن خليفة الكوفيّ ببغداد، وقد جاوز المائة بعام. رأى عمرو بن حريث الصّحابي [١] وروى عن محارب بن دثار، وجماعة. قال أبو حاتم: صدوق. قلت: هو أقدم شيخ للحسن بن عرفة. قاله في «العبر» [٢] . وفيها الأمير حسن بن قحطبة بن شبيب الطائيّ، وله أربع وثمانون سنة، وكان من كبار قوّاد المنصور. وفيها، وقيل: سنة ثمانين، أبو معاوية عبّاد بن عبّاد بن المهلّب البصريّ، أحد المحدّثين والأشراف. روى عن أبي جمرة [٣] الضّبعي صاحب ابن عبّاس [٤] وغيره. قال في «المغني» [٥] : عبّاد المهلّبيّ، ثقة، مشهور، وقد قال أبو حاتم: لا يحتجّ به.

стр. 751

وذكره ابن سعد في «الطبقات» [١] فقال: لم يكن بالقويّ. انتهى. وفي رمضان، توفي الإمام العلم أبو عبد الرّحمن عبد الله بن المبارك الحنظليّ، مولاهم المروزيّ، الفقيه، الحافظ، الزّاهد، ذو المناقب، وله ثلاث وستون سنة. سمع هشام بن عروة، وحميد الطّويل، وهذه الطبقة، وصنّف التصانيف الكثيرة، وحديثه نحو من عشرين ألف حديث. قال أحمد بن حنبل: لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه. وقال شعبة: ما قدم علينا مثله. وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين. وعن شعيب بن حرب قال: ما لقي ابن المبارك مثل نفسه. وكانت له تجارة واسعة، [و] كان ينفق على الفقراء في السنة مائة ألف درهم. قال ابن ناصر الدّين: الإمام العلّامة الحافظ شيخ الإسلام وأحد أئمة الأعلام [٢] ، ذو التصانيف النافعة والرحلة الواسعة. حدّث عنه ابن معين، وابن منيع، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والشعر، وفصاحة العرب، مع قيام الليل والعبادة. قال الفضيل بن عياض: وربّ هذا البيت ما رأت عيناي مثل ابن المبارك. انتهى. وقال ابن الأهدل: تفقّه بسفيان الثّوري، ومالك بن أنس، وروى عنه

стр. 752

«الموطأ» وكان كثير الانقطاع في الخلوات، شديد الورع، وكذلك أبوه مبارك. روي أنه نظر بستانا لمولاه، فطلب منه رمّانة حامضة، فجاءه بالرّمّانة حلوة، فقال له: أنت ما تعرف الحلو من الحامض؟ قال: لا. قال: ولم؟ قال: لأنك لم تأذن لي فيه، فوجده كذلك، وعظم قدره عند مولاه، حتّى كان له بنت خطبت كثيرا، فقال له: يا مبارك من ترى نزوّج هذه البنت؟ فقال: الجاهلية كانوا يزوّجون للحسب، واليهود للمال، والنصارى للجمال، وهذه الأمّة للدّين، فأعجبه عقله، وقال لأمها: ما لها زوج غيره، فتزوجها، فجاءت بعبد الله، وكان واحد وقته، وفيه يقول القائل: إذا سار عبد الله من مرو ليلة ... فقد سار منها نورها وجمالها إذا ذكر الأحبار في كلّ بلدة ... فهم أنجم فيها وأنت هلالها وقد صنّف في مناقبه. وعدّ بعضهم ما جمع من خصال الخير فوجدها خمسا وعشرين فضيلة، وكان يحجّ عاما، ويغزو عاما، فإذا حجّ قبض نفقة إخوانه، وكتب على كل نفقة اسم صاحبها، وينفق عليهم ذهابا وإيابا من أنفس النفقة، ويشتري لهم الهدايا من مكّة والمدينة، فإذا رجعوا اتخذ سماطا عليه من جفان الفالوذج نحو خمس وعشرين فضلا عن غيره، فيطعم إخوانه، ومن شاء الله، ثم يكسوهم جديدا، ويردّ إلى كلّ منهم نفقته، وذلك أنه كانت له تجارة واسعة. قال سفيان الثّوري: وددت عمري كله بثلاثة أيام من أيام ابن المبارك. قيل: مات بهيت- بالكسر- بلد بالعراق [١] منصرفا من غزوة، وقيل:

стр. 753

مات في برية سائحا مختارا للعزلة، وكان كثيرا ما يتمثّل بهذين البيتين: وإذا صاحبت فاصحب صاحبا ... ذا حياء وعفاف وكرم قائلا للشيء لا إن قلت لا ... وإذا قلت نعم قال نعم انتهى. وقال في «العبر» [١] : كان أستاذه تاجرا، فتعلّم منه، وكان أبوه تركيّا، وأمّه خوارزميّة. وقال عبد الرّحمن بن مهدي: كان ابن المبارك أعلم من سفيان الثّوري. قلت [٢] : كان رأسا في العلم، رأسا في الذكاء، رأسا في الشجاعة والجهاد، رأسا في الكرم. وقبره بهيت ظاهر يزار، رحمه الله تعالى. انتهى. وفيها أبو الحسن عليّ بن هاشم بن البريد الكوفيّ الخزّاز. يروي عن الأعمش وأقرانه. وخرّج له مسلم والأربعة. وكان شيعيّا جلدا. قال في «المغني» [٣] : قال ابن حبّان: روى المناكير عن المشاهير. انتهى. وفيها قاضي مصر أبو معاوية المفضّل بن فضالة القتبانيّ الفقيه. روى عن يزيد بن أبي حبيب، وطائفة كثيرة. وكان زاهدا، ورعا، قانتا، مجاب الدّعوة، عاش أربعا وسبعين سنة.

стр. 754

قال في «المغني» [١] : ثقة حجة. قال ابن سعد: منكر الحديث. انتهى. وفيها بالاسكندرية، يعقوب بن عبد الرّحمن القارئ المدنيّ. روى عن زيد بن أسلم وطبقته فأكثر.

стр. 755

سنة اثنتين وثمانين ومائة فيها سملت [١] الرّوم عيني طاغيتهم قسطنطين، وملّكوا عليهم أمّه. وفيها توفي عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم العدويّ العمريّ مولاهم المدنيّ. روى عن أبيه وجماعة، وهو ضعيف كثير الحديث. وفيها عبيد الله بن عبد الرّحمن الأشجعيّ الكوفيّ الحافظ. سمع من هشام بن عروة وجماعة، وقال: سمعت من سفيان الثّوري ثلاثين ألف حديث. وقال ابن معين: ما بالكوفة أعلم بالثّوريّ من عبيد الله الأشجعيّ. وفيها عمّار بن محمّد الثّوريّ الكوفيّ، ابن أخت سفيان الثّوريّ. روى عن منصور، والأعمش، وعدّة. قال ابن عرفة: كان لا يضحك، وكنّا لا نشكّ أنه من الأبدال. انتهى. وخرّج له مسلم والنسائي وغيرهما.

стр. 756

قال في «المغني» [١] قال ابن حبّان: استحق الترك. انتهى. وفيها أبو سفيان المعمريّ محمّد بن حميد البصريّ، نزيل بغداد، وكان محدّثا مشهورا، رحل إلى معمر فلقّب بالمعمريّ. وفيها الوليد بن [محمّد] الموقّريّ البلقاويّ، والموقّر حصن [٢] بالبلقاء. وهو من ضعفاء أصحاب الزّهريّ. وفيها على الأصح، عالم أهل الكوفة يحيى بن زكريا بن أبي زائدة [٣] الكوفيّ الحافظ. روى عن أبيه وعاصم الأحول وطبقتهما، وعاش ثلاثا وستين سنة. قال ابن المدنيي: انتهى العلم في زمانه إليه. ما كان بالكوفة بعد الثّوريّ أثبت منه. وقال غيره: ولي قضاء المدائن [٤] ، وكان من أصحاب أبي حنيفة، وكان ثبتا متقنا. وفيها الحافظ الثّبت [٥] المتقن، أبو معاوية يزيد بن زريع العيشيّ، وقيل: التّيميّ البصريّ محدّث أهل البصرة. ثقة ماهر. روى عن أيوب السّختياني وطبقته. وقال أحمد بن حنبل: كان ريحانة البصرة، ما أتقنه وما أحفظه. وقال يحيى القطّان: ما كان هنا أحد أثبت منه.

стр. 757

وقال نصر بن علي الجهضميّ: رأيت يزيد بن زريع في النوم، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: دخلت الجنة. قلت: بماذا؟ قال: بكثرة الصّلاة. وفي شهر ربيع الآخر القاضي أبو يوسف، واسمه يعقوب بن إبراهيم الكوفي قاضي القضاة، وهو أوّل من دعي بذلك. تفقّه على الإمام أبي حنيفة، وسمع من عطاء بن السّائب وطبقته. قال يحيى بن معين: كان القاضي أبو يوسف يحبّ أصحاب الحديث ويميل إليهم. وقال محمد بن سماعة: كان أبو يوسف يصلّي بعد ما ولي القضاء كل يوم مائتي ركعة. وقال يحيى بن يحيى النّيسابوري: سمعت أبا يوسف يقول عند وفاته: كلّ ما أفتيت به فقد رجعت عنه، إلّا ما وافق السّنّة. وكان مع سعة علمه، أحد الأجواد الأسخياء. قال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال أحمد بن حنبل: صدوق. قال جميع ذلك في «العبر» [١] . وقال ابن الأهدل: تفقّه على أبي حنيفة، وخالفه في مواضع، وروى عنه محمّد بن الحسن الشيباني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأكثر العلماء على تفضيله وتعظيمه. ولي القضاء للمهديّ وابنيه، وذكر المؤرّخون أنّ له استحسانات يخالف فيها. وروي أنه قال عند وفاته: كلّ ما أفتيت به فقد رجعت عنه، إلّا ما وافق الكتاب والسّنّة. وقال: اللهمّ إنك تعلم أنّي لم أجر

стр. 758

في حكم حكمت [فيه] [١] بين اثنين من عبادك متعمّدا، ولقد اجتهدت في الحكم فيما يوافق سنّة نبيّك- ﷺ وكلّ ما أشكل عليّ فقد جعلت أبا حنيفة بيني وبينك، وكان عندي والله ممّن يعرف أمرك ولا يخرج عن الحق وهو يعلمه. وروي أن زبيدة ابنة جعفر [٢] امرأة الرّشيد أرسلت إليه بمال وعنده جلساؤه، فقال بعضهم: قال رسول الله- ﷺ : «من أهديت له هديّة فجلساؤه شركاؤه فيها» [٣] فقال أبو يوسف: ذلك حين كانت الهدايا من الأقط والتمر. وقال بعضهم: كان أبو يوسف يحفظ التفسير، والمغازي، وأيام العرب. وكان أقل علومه الفقه، ولم يكن في أصحاب أبي حنيفة مثله. وهو أوّل من نشر علم أبي حنيفة. وسأله الأعمش عن مسألة فأجابه. فقال: من أين؟ قال من حديثك الذي حدّثتنيه أنت. فقال: يا يعقوب إني لأعرف الحديث قبل أن يجتمع أبواك، وما عرفت تأويله إلّا الآن. وتناظر هو وزفر بن الهذيل عند أبي حنيفة، فأطالا، فقال أبو حنيفة

стр. 759

لزفر: لا تطمع في رياسة بلد فيها مثل هذا. وكان يقول: العلم لا يعطيك بعضه حتّى تعطيه كلّك. وعاش قريبا من سبعين سنة. انتهى ما قاله ابن الأهدل. وقال ابن ناصر الدّين: قال أحمد بن حنبل: أول ما كتبت الحديث اختلفت إلى أبي يوسف القاضي، فكتبت عنه، وكان أبو يوسف أميل إلينا من أبي حنيفة، ومحمد. وقال الفلّاس: أبو يوسف صدوق كثير الغلط. انتهى. وقال ابن قتيبة في «المعارف» [١] : هو يعقوب بن إبراهيم [بن حبيب] [٢] بن سعد بن حبتة من بجيلة، وكان سعد بن حبتة استصغر يوم أحد. ونزل الكوفة، ومات بها، وصلّى عليه زيد بن أرقم، وكبّر عليه خمسا. وكان أبو يوسف يروي عن الأعمش، وهشام بن عروة، وغيرهما. وكان صاحب حديث، حافظا، ثم لزم أبا حنيفة، فغلب عليه الرأي. وولي قضاء بغداد، فلم يزل بها إلى أن مات، وابنه يوسف ولي القضاء أيضا بالجانب الغربي في حياة أبيه، وتوفي سنة اثنتين وتسعين ومائة. انتهى كلام ابن قتيبة. وقال ابن خلّكان [٣] : هو أول من غيّر لباس العلماء إلى هذه الهيئة التي هم عليها في هذا الزمان، وكان ملبوس النّاس قبل ذلك شيئا واحدا لا يتميز أحد على أحد بلباسه. انتهى. وقال غير واحد: كان يحفظ في المجلس الواحد خمسين حديثا بأسانيدها.

стр. 760

قال ابن الفرات في «تاريخه» [١] : روى علي بن حرملة عن أبي يوسف- ﵀ قال: كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مقلّ رثّ المنزل، فجاء أبي يوما وأنا عند أبي حنيفة، فانصرفت معه، فقال: يا بني أنت محتاج إلي المعاش، وأبو حنيفة مستغن، فقصرت عن طلب العلم وآثرت طاعة أبي، فتفقّدني أبو حنيفة وسأل عنّي، فلما أتيته بعد تأخيري عنه قال: ما خلّفك؟ قلت: الشغل بالمعاش، وطاعة والدي، فلما أردت الانصراف أومأ إليّ فجلست، فلما قام النّاس دفع إليّ صرّة وقال: استعن بهذه والزم الحلقة، وإذا فقدت هذه فأعلمني، فإذا فيها مائة درهم، فلزمت الحلقة، فكان يتعاهدني بشيء بعد شيء، وما أعلمته بنفاد شيء حتّى استغنيت، وتموّلت، فلزمت مجلسه حتّى بلغت حاجتي، وفتح الله لي ببركته وحسن نيّته، فأنتج من العلم المال، فأحسن الله مكافأته وغفر له. وقال ابن عبد البرّ: كان أبو يوسف القاضي فقيها، عالما، حافظا، ذكر أنه كان يعرف بالحديث، وأنه كان يحضر التحديث فيحفظ خمسين حديثا وستين حديثا ثم يقوم فيمليها على النّاس. وكان كثير الحديث، وكان جالس محمد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، ثم جالس أبا حنيفة- ﵄ وكان الغالب عليه مذهبه، وربما كان يخالفه أحيانا في المسألة بعد المسألة. وكان يقول في دبر كلّ صلاة: اللهمّ اغفر لي ولأبي حنيفة. ثم قال ابن عبد البرّ: ولا أعلم قاضيا كان إليه تولية القضاء في الآفاق من المشرق إلى المغرب إلّا أبا يوسف في زمانه، وهو أول من لقّب بقاضي القضاة.

стр. 761

وقال محمد بن جعفر: أبو يوسف مشهور الأمر، ظاهر الفضل، وهو أفقه أهل عصره، ولم يتقدم عليه أحد في زمانه. وكان بالنهاية في العلم، والحلم، والرياسة، والقدر، والجلالة. وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل ونشرها، وبثّ علم أبي حنيفة في أقطار الأرض. وقال الصّيمريّ: بلغني أن الرّشيد- ﵀ مشى أمام جنازة أبي يوسف- ﵀ وصلّى عليه بنفسه، ودفنه في مقبرة أهله في مقابر قريش بكرخ بغداد بقرب أمّ جعفر زبيدة. وقال الرّشيد حين دفن أبو يوسف: ينبغي لأهل الإسلام أن يعزّي بعضهم بعضا بأبي يوسف. قيل: رأى معروف الكرخيّ ليلة وفاة أبي يوسف كأنه دخل الجنة فرأى قصرا قد فرشت مجالسه وأرخيت ستوره، وقام ولدانه. قال معروف: فقلت: لمن هذا القصر؟ فقيل: لأبي يوسف القاضي. فقلت: سبحان الله، وبم استحقّ هذا من الله تعالى؟ قالوا: بتعليمه الناس العلم وصبره على أذاهم. قيل: مرض أبو يوسف- ﵀ في حياة أبي حنيفة- ﵁ مرضا شديدا فقيل له: توفي، فقال: لا، فقيل: من أين علمت هذا؟ قال: لأنه خدم العلم ولم يجن ثمرته، لا يموت حتّى يجني ثمرته. فاجتنى ثمرته بأن ولي القضاء، وتوفي وله سبعمائة ركاب ذهب، فصدق أبو حنيفة- ﵁ في الفراسة. انتهى ما ذكره ابن الفرات. وفيها، وقيل: قبلها أو بعدها، توفي يونس بن حبيب النحويّ، أحد الموالي المنجبين، أخذ الأدب عن أبي عمرو بن العلاء وغيره. وهو في الطبقة الخامسة من الأدب بعد علي- كرّم الله وجهه- اختلف إليه أبو عبيد

стр. 762

أربعين سنة، وأبو زيد عشر سنين، وخلف الأحمر عشرين سنة. وله عدّة تصانيف. وكان يقول: فرقه الأحباب سقم الألباب، وينشد: شيئا [١] لو بكت الدّماء عليهما ... عيناي حتّى تؤذنا [٢] بذهاب لم يبلغا المعشار من حقّيهما ... شرخ الشباب وفرقة الأحباب ومات يونس وله مائة سنة وسنتان. وفيها، وقيل: في التي قبلها، مروان بن أبي حفصة [٣] الشاعر اليماميّ. روي أنه لما مدح الرّشيد بقصيدته السبعين التي يقول فيها: إليك قصرنا [٤] النّصف من صلواتنا ... مسيرة شهر بعد شهر نواصله ولا نحن نخشى أن يخيب رجاؤنا ... لديك ولكن أهنأ البرّ عاجله [٥] أعطاه سبعين ألف درهم. قبل أن يتمّها. ومن أجود شعره قوله في معن بن زائدة قصيدته اللّاميّة، وفضّل بها على شعراء أرضه [٦] وأعطاه ثلاثمائة ألف درهم. ومدح ولد [٧] مروان شراحيل ابن معن بقوله: يا أكرم النّاس من عجم ومن عرب ... ويا ذوي الفضل والإحسان والحسب [٨] أعطى أبوك أبي مالا فعاش به ... فأعطني مثل ما أعطى أبوك أبي

стр. 763

ما حلّ قطّ أبي أرضا أبوك بها [١] ... إلّا وأعطاه قنطارا من الذّهب [٢] فأعطاه قنطارا [من الذهب] [٣] والقنطار ألف أوقيّة ومائتا أوقيّة، وقيل: غير ذلك. ومثل هذه الحكاية ما روي أنه لما حبس عمر بن الخطّاب- ﵁ الحطيئة في هجوه للناس كتب إليه: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فارحم عليك سلام الله يا عمر أنت الّذي قام فيهم بعد صاحبه ... ألقت إليك مقاليد النّهى البشر ما آثروك بها إذ قدّموك لها ... لكن لأنفسهم قد كانت الأثر [٤] فأطلقه وشرط عليه أن يكفّ لسانه. فقال له: إذ منعتني التكسّب بلساني فاكتب لي إلى علقمة بن علاثة [٥] العامري. فامتنع عمر. فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما عليكم في ذلك؟ فاكتب له، فإنه ليس من عمّالك، وقد تشفّع بك إليه. فكتب [له بما أراد] [٦] ، ورحل إليه، فصادف النّاس منصرفين من جنازته وولده واقف على قبره، فأنشد الحطيئة: لعمري لنعم المرء من آل جعفر ... بحوران أمسى علّقته الحبائل فإن تحي لا أملل [٧] حياتي وإن تمت ... فما في حياتي بعد موتك طائل

стр. 764

وما كان بيني لو لقيتك سالما ... وبين الغنى إلّا ليال قلائل [١] فقال له ابنه: كم ظننت أنه كان يعطيك؟ قال: مائة ناقة يتبعها مائة [من أولادها] [٢] فأعطاه إياها.

стр. 765

سنة ثلاث وثمانين ومائة فيها كان خروج الخزر- لعنهم الله- ومن قصصهم [١] أن ستيت ابنة ملك التّرك خاقان خطبها الأمير الفضل بن يحيى البرمكي. وحملت إليه في عام أوّل. فماتت في الطريق ببرذعة. فردّ من كان معها في خدمتها من العساكر، وأخبروا خاقان أنها قتلت غيلة. فاشتدّ غضبه، وتجهز للشرّ. وخرج بجيوشه من الباب الحديد، وأوقع بأهل الإسلام، وبالذّمة. وقتل وسبى، وبدع، وبلغ السبي مائة ألف، وعظمت المصيبة على المسلمين، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فانزعج هارون الرّشيد، واهتزّ [٢] لذلك، وجهّز البعوث، فاجتمع المسلمون وطردوا العدو عن إرمينية، ثم سدّوا الباب الذي خرجوا منه. قاله في «العبر» [٣] . وفيها توفي الإمام أبو معاوية هشيم بن بشير السّلميّ الواسطيّ محدّث بغداد. روى عن الزّهريّ وطبقته. قال يعقوب الدّورقيّ: كان عند هشيم عشرون ألف حديث. وقال عبد الرّحمن بن مهدي: هو أحفظ للحديث من الثّوريّ.

стр. 766

وقال يحيى القطّان: هو أحفظ من رأيت بعد سفيان، وشعبة. وقال ابن أبي الدّنيا: حدّثني من سمع عمرو بن عون يقول: مكث هشيم يصلّي الفجر بوضوء العشاء عشر سنين قبل موته. وقال أحمد: كان كثير التسبيح. وقال ابن ناصر الدّين في شرح «بديعة البيان» له: هشيم بن بشير بن أبي خازم [١] قاسم بن دينار السّلميّ أبو معاوية الواسطيّ نزيل بغداد. كان من الحفّاظ الثقات المتقنين، لكنه معدود في المدلّسين، ومع ذلك فقد أجمعوا على صدقه، وأمانته، وثقته، وعدالته، وإمامته [٢] . قال وهب بن جرير: قلنا لشعبة: نكتب عن هشيم؟ قال: نعم. ولو حدّثكم عن ابن عمر فصدّقوه. انتهى. وفيها الواعظ ابن السّمّاك أبو العبّاس محمد بن صبيح الكوفيّ الزّاهد. مولى بني عجل. روى عن الأعمش وجماعة. وكان كبير القدر. دخل على الرّشيد فوعظه وخوّفه. ومن كلامه: من جرّعته الدّنيا حلاوتها لميله إليها، جرّعته الآخرة مرارتها لتجافيه عنها. روي أن الرّشيد استفتاه في يمين حلفها أنه من أهل الجنّة، فقال له: هل قدرت على معصية فتركتها من مخافة الله- ؟ قال: نعم. قال: قال الله- : وَأَمَّا من خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ٧٩: ٤٠- ٤١ [النازعات: ٤٠- ٤١] فيمينك بارّة.

стр. 767

قال اليافعيّ [١] : وإنما المراد بالآية استمرار الخوف إلى الموت. وقال الفقيه حسين: استدلال ابن السّمّاك صحيح، لأن الظّاهر أن كل مسلم يدخلها، وإنما الإشكال لو قال: يدخلها دون مجازاة، وغاية ما فيه الشك والحنث لا يقع به، والله أعلم. انتهى. قلت: وما قاله الفقيه حسين جار على القواعد الفقهية لعدم تحقّق أنه من غير أهلها، والله أعلم. وقال في «المغني» [٢] : محمّد بن صبيح بن السّمّاك الواعظ. سمع الأعمش. قال ابن نمير: صدوق ليس حديثه بشيء. انتهى [٣] . وفيها السيد الجليل أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصّادق ووالد عليّ بن موسى الرضا. ولد سنة ثمان وعشرين ومائة. روى عن أبيه. قال أبو حاتم: ثقة إمام من أئمة المسلمين. وقال غيره: كان صالحا، عابدا، جوادا، حليما، كبير القدر. بلغه عن رجل الأذى له، فبعث [إليه] بألف دينار. وهو أحد الأئمة الاثني عشر المعصومين على اعتقاد الإمامية. سكن المدينة، فأقدمه المهديّ بغداد وحبسه. فرأى المهديّ في نومه عليّا- كرّم الله وجهه- وهو يقول له: يا محمد فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا في الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ٤٧: ٢٢ [محمد: ٢٢] فأطلقه على أن لا يخرج عليه ولا على أحد من بنيه. وأعطاه ثلاثة آلاف وردّه إلى المدينة. ثم حبسه هارون الرّشيد في دولته، ومات في حبسه. وقيل: إن هارون قال: رأيت حسينا في النوم قد أتى بالحربة وقال:

стр. 768

إن خلّيت عن موسى هذه الليلة، وإلا نحرتك بها، فخلاه وأعطاه ثلاثين ألف درهم. وقال موسى [١] : رأيت النّبيّ- ﷺ وقال لي: «يا موسى حبست ظلما فقل هذه الكلمات، لا تبيت هذه الليلة في الحبس: يا سامع كلّ صوت، يا سائق الفوت، يا كاسي العظام لحما ومنشزها [٢] بعد الموت، أسألك بأسمائك الحسنى، وباسمك الأعظم الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطّلع عليه أحد من المخلوقين، يا حليما ذا أناة، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا [ولا يحصى عددا] [٣] فرّج عنّي» [٤] . وأخباره كثيرة شهيرة ﵁. وفيها شيخ أصبهان وعالمها، أبو المنذر النّعمان بن عبد السّلام التيميّ- تيم الله بن ثعلبة- وكان فقيها، إماما، زاهدا، عابدا، صاحب تصانيف. أخذ عن الثّوريّ، وأبي حنيفة، وطائفة. وفيها الفقيه أبو عبد الرّحمن يحيى بن حمزة الحضرميّ البتلهيّ [٥] قاضي دمشق ومحدّثها. وله ثمانون سنة.

стр. 769

قال دحيم: هو ثقة عالم. روى عن عروة بن رويم وأقرانه من التابعين، وولّي القضاء نحو ثلاثين سنة. قال في «المغني» [١] : يحيى بن حمزة قاضي دمشق صدوق. وقال عبّاس [٢] ، عن ابن معين: كان يرمى بالقدر. وقال ابن معين: صدقة أحبّ إليّ منه. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن سعد: صالح الحديث. انتهى.

стр. 770

سنة أربع وثمانين ومائة وفيها توفي الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن سعد الزّهريّ العوفيّ المدنيّ قاضي المدينة ومحدّثها وله خمس وسبعون سنة. وقيل: توفي في العام الماضي. سمع أباه، والزّهريّ، وجماعة. قال الحافظ عبد الغني [١] في كتابه «الكمال في أسماء الرّجال» : روى عنه شعبة، وابن مهدي، وأبو داود الطّيالسي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. قال أحمد، ويحيى، وأبو حاتم: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل قال: كان وكيع كفّ عن حديث إبراهيم بن سعد ثم حدّث عنه بعد. قلت: لم؟ قال: لا أدري، إبراهيم ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وربما أخطأ في الحديث. وقدم بغداد فنزلها هو وعياله وولده، وولي بها بيت المال لهارون. وقال ابن عديّ: هو من ثقات المسلمين. حدّث عنه حمّاد من الأئمة ولم يتخلّف أحد من الكبار عنه بالكوفة، والبصرة، وبغداد.

стр. 771

وقال أبو بكر الخطيب: حدّث عنه يزيد بن عبد الله بن الهادي، والحسين بن سيّار الحرّانيّ وبين وفاتيهما مائة واثنتا عشرة سنة. روى له الجماعة. انتهى كلام «الكمال» ملخصا. وفيها الفقيه إبراهيم بن [محمد بن أبي] [١] يحيى الأسلميّ مولاهم المدنيّ. روى عن الزّهريّ، وابن المنكدر، وطبقتهما. يروي عنه الشّافعيّ فيقول: أخبرني من لا أتّهم، وقال: كان قدريا. وقال أحمد بن حنبل: كان معتزليا، قدريا، جهميا، كل بلاء فيه، لا يكتب حديثه. وقال البخاريّ: جهمي تركه النّاس. وقال ابن عديّ: لم أر له حديثا منكرا، إلّا عن شيوخ يحتملون، وله كتاب «الموطأ» أضعاف «موطأ مالك» . قاله في «العبر» [٢] . وفيها الزاهد العمريّ بالمدينة، واسمه عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله [٣] بن عمر بن الخطّاب. روى عن أبيه، وكان إماما، فاضلا، رأسا في الزهد، والورع، ووثّقه النّسائيّ. وفيها فقيه أهل المدينة أبو تمّام عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار. أخذ عن أبيه، وزيد بن أسلم، وطائفة. قال أحمد بن حنبل: لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه. وقال ابن سعد: ولد سنة سبع ومائة. ومات ساجدا ﵀. انتهى [٤] .

стр. 772

وقد احتجّ به أصحاب الصحاح. وفيها عليّ بن غراب الكوفيّ القاضي. روى عن هشام بن عروة، وطبقته. وخرّج له العقيليّ، والنّسائيّ. قال في «المغني» [١] : وثّقه الدارقطنيّ، وقبله ابن معين. وقال أبو داود: تركوا حديثه. وقال السعديّ: ساقط. وقال ابن حبّان: حدّث بالموضوعات، وكان غاليا في التشيّع. انتهى. وفيها مروان بن شجاع الجزريّ ببغداد. روى عن خصيف، وعبد الكريم بن مالك. قال في «المغني» [٢] : وثق. وقال أحمد: لا بأس به. وقال ابن حبّان: يروي المقلوبات عن الثقات. انتهى. وفيها، أو في التي مضت، نوح بن قيس الحدّانيّ، الطّاحيّ، البصريّ. روى عن محمّد بن واسع، وطبقته.

стр. 773

سنة خمس وثمانين ومائة فيها، وقيل: في التي تليها، توفي الإمام الغازي القدوة أبو إسحاق الفزاريّ إبراهيم بن محمّد بن الحارث الكوفيّ نزيل ثغر المصّيصة. روى عن عبد الملك بن عمير وطبقته. ومن جلالته روى عنه الأوزاعيّ حديثا. فقيل: من حدّثك بهذا؟ قال: حدّثني الصّادق المصدوق أبو إسحاق الفزاريّ. وقال الفضيل بن عياض: ربما اشتقت إلى المصّيصة ما بي فضل الرّباط، بل لأرى أبا إسحاق الفزاري. وقال غيره: كان إماما، قانتا، مجاهدا، مرابطا، آمرا بالمعروف، إذا رأى بالثغر مبتدعا أخرجه. قال ابن ناصر الدّين: إبراهيم بن محمّد بن الحارث بن أسماء الكوفيّ الفزاريّ أبو إسحاق الحجّة الإمام شيخ الإسلام، ثقة متقن. وقال أبو داود الطّيالسيّ: مات أبو إسحاق الفزاريّ وما على وجه الأرض أفضل منه. انتهى. وفيها الأمير عبد الصّمد شيخ آل عبّاس [١] وبقية عمومة المنصور. روى عن أبيه، عن جدّه ابن عبّاس. وليّ إمرة البصرة، ودمشق. وكان فيه عجائب:

стр. 774

منها أنه ولد سنة أربع ومائة، وولد أخوه محمد أبو السّفّاح المنصور سنة ستين ومائة، فبينهما ست وخمسون سنة. ومنها أن يزيد حجّ بالنّاس سنة خمس ومائة، وحجّ عبد الصّمد بالنّاس سنة خمسين ومائة، وهما في النسب إلى عبد مناف سواء. ومنها أنه أدرك السّفّاح، والمنصور وهما ابنا أخيه، ثم أدرك المهديّ، وهو عمّ أبيه، ثم أدرك الهادي، وهو عمّ جدّه، ثم أدرك الرّشيد، ومات في أيامه. وقال يوما للرّشيد: هذا مجلس فيه أمير المؤمنين، وعمّه، وعمّ عمّه، وعمّ عمّ عمّه، وذلك أن سليمان بن جعفر عمّ الرّشيد، والعبّاس عمّ سليمان، وعبد الصّمد عمّ العبّاس. ومنها أنه ولد وقد نبتت أسنانه، ومات بها ولم تتغير، وكانت أسنانه قطعة واحدة من أسفل. ومنها أنه طارت ريشتان فلصقت بعينيه، فذهب بصره. وفيها يزيد بن مرثد الغنويّ، ابن أخي معن بن زائدة والي إرمينية، وأذربيجان، وأحد الفتيان الشجعان. وقد سبق [١] أن الرّشيد لما أهمّه شأن الوليد بن طريف الشيبانيّ الخارجيّ. جهّزه فقتله. وروي أنه سلّحه يومئذ سيف النّبيّ- ﷺ ذا الفقار. وقال: خذه فإنّك ستنصر به. وقال فيه مسلم بن الوليد الأنصاريّ: أذكرت سيف رسول الله سنّته ... وسيف أوّل من صلّى ومن صاما يعني عليّا- ﵁ إذ كان هو الضرّاب به. وكان سبب وصول

стр. 775

ذي الفقار إلى العبّاسيين، أن محمّد بن عبد الله النفس الزّكيّة [١] دفعه إلى تاجر كان عليه أربعمائة دينار، واشتراه منه جعفر بن سليمان. قال الأصمعيّ: رأيته وفيه ثمان عشرة فقارة، وهي الثقوب والدّحل. انتهى. وقد قيل: إنه كان ينفرق أحيانا مع علي- ﵁ حتّى يقال: إنه قتل به عمرا وحيّيا في ضربة، ويشير إلى ذلك قول شرف الدّين عمر بن الفارض رحمه الله تعالى. ذو الفقار اللّحظ منها أبدا ... والحشا منّي عمرو وحييّ وفيها ضمام بن إسماعيل المصريّ بالاسكندرية. روى عن أبي قبيل المعافريّ. قال أبو حاتم: كان صدوقا متعبّدا ولم يخرّجوا له شيئا في الكتب الستة، وهو من مشاهير المحدّثين. وقال في «المغني» [٢] : ليّنه بعض الحفّاظ. انتهى. وفيها عمر [٣] بن عبيد الطّنافسيّ الكوفيّ. روى عن زياد بن علاقة، والكبار. ووثّقه أحمد، وابن معين. وفيها على الأصح المعافى بن عمران أبو مسعود الأزديّ، عالم أهل الموصل وزاهدهم. رحل، وطاف، وسمع من ابن جريج وطبقته. ذكره سفيان الثّوري فقال: هو ياقوتة العلماء.
следующие страницы →