← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الذي [١] بالمدينة، وقتل مقدّمهم خالد البربري [٢] ثم تأهّب وخرج في جمع إلى مكّة، فالتفّ عليه خلق كثير، فأقبل ركب العراق معهم جماعة من أمراء بني العبّاس في عدّة وخيل، فالتقوا بفخّ [٣] فقتل الحسين في مائة من أصحابه. وقتل الحسن بن محمّد بن عبد الله بن حسن الذي خرج أبوه زمان المنصور. وهرب إدريس بن عبد الله بن حسن إلى المغرب، فقام معه أهل طنجة، وهو جدّ الشرفاء الإدريسيّين. ثم تحيّل الرّشيد وبعث من سمّ إدريس، فقام بعده ابنه إدريس بن إدريس، وتملّك مدّة. وفيها توفي أبو السّليل عبيد الله بن إياد بن لقيط الكوفيّ، وله عن أبيه نسخة، وكان عريف قومه بني سدوس. قال في «المغني» [٤] : عبيد الله بن إياد بن لقيط، ثقة. قيل: إن بعض روايته صحيحة [٥] . قاله ابن قانع. وفيها- كما قال ابن ناصر الدّين- نافع بن عمر الجمحيّ القرشيّ المكيّ. كان محدّث مكّة، حافظا، ثبتا. قال عبد الرّحمن بن مهدي: كان من أثبت النّاس. قال في «المغني» [٦] : نافع بن عمر الجمحيّ، حجّة.

стр. 702

قال أحمد: ثقة ثبت. وقال ابن سعد: ثقة فيه شيء. انتهى [١] . ومحمد بن مطرّف المدنيّ، ثقة عمدة. ومعاوية بن سلّام بن أبي سلّام- ممطور الحبشيّ الشّاميّ الدّمشقيّ- كان ثقة متقنا. وجرير بن حازم الأزديّ البصريّ، أحد فصحاء البصرة ومحدّثيها، عمّر دهرا، واختلط بآخرة، فحجبه ابنه وهب، فلم يرو شيئا في اختلاطه. روى عن الحسن والكبار، وحضر جنازة أبي الطّفيل بمكّة. وقيل: توفي جرير هذا سنة سبعين. جزم به في «العبر» [٢] . وفيها أبو سعيد المؤدّب ببغداد، واسمه محمّد [بن مسلم] [٣] وهو جزريّ. روى عن عبد الكريم الجزريّ، وحمّاد بن أبي سليمان، [وجماعة] [٣] وهو مؤدّب موسى الهادي. وفيها نافع بن أبي نعيم [٤] أبو عبد الرّحمن، وقيل: أبو رويم اللّيثيّ، مولاهم، قارئ أهل المدينة، وأحد السّبعة. قال موسى بن طارق: سمعته يقول: قرأت على سبعين من التابعين. وقال اللّيث: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة، وإمام النّاس في القراءة

стр. 703

نافع بن أبي نعيم. وقال مالك: نافع إمام النّاس في القراءة. قال في «المغني» [١] : وثّقه ابن معين [٢] وقال أحمد: كانت تؤخذ عنه القراءة [٣] وليس بشيء في الحديث. انتهى. وكان إذا قرأ يشمّ من فيه ريح المسك، ولذا قال في «الشاطبية» : فأما الكريم السرّ في الطيب نافع وفيها ثابت بن يزيد الأحول البصريّ، له عن هلال بن خبّاب [٤] وجماعة، وكان من ثقات الشيوخ.

стр. 704

سنة سبعين ومائة في أحد ربيعيها [١] توفي الخليفة أبو محمّد موسى الهادي بن المهديّ، وكان طويلا، أبيض، جسيما، مات من قرحة أصابته، وقيل: قتلته أمّه الخيزران لمّا همّ بقتل أخيه الرّشيد، فعمدت لما وعك إلى أن غمّته [٢] وعاش بضعا وعشرين سنة، فالله يسامحه، فلقد كان جبّارا ظالم النفس. قاله في «العبر» [٣] . وقال في «مروج الذّهب» [٤] : كان موسى قاسي القلب، شرس الأخلاق، صعب المرام، كثير الأدب، محبّا له، وكان شديدا، شجاعا بطلان، جوادا، سمحا [٥] . حدّث يوسف بن إبراهيم، الكاتب صاحب إبراهيم بن المهدي، عن إبراهيم، أنه كان واقفا بين يديه وهو على حمار له ببستانه المعروف [٦] ببغداد، إذ قيل له: قد ظفر برجل من الخوارج، فأمر بإدخاله

стр. 705

إليه، فلما قرّب الخارجيّ إليه، أخذ الخارجيّ السيف من بعض الحرس، وأقبل يريد موسى، فتنحّت وكلّ من كان معي، وإنه [١] لواقف على حماره ما يتحلحل، فلما أن قرب منه [الخارجيّ] [٢] صاح موسى: اضربا عنقه، وليس وراءه أحد منّا، فأوهمه، فالتفت الخارجيّ [لينظر] [٣] وجمع موسى نفسه ثم طفر عليه [٤] فصرعه، وأخذ السيف من يده فضرب به عنقه. قال [٥] . فكان خوفنا منه أكثر من الخارجي، فو الله ما أنكر علينا تنحّينا، ولا عذلنا [على ذلك] [٦] ولم يركب حمارا بعد ذلك اليوم، ولا فارقه سيف [٧] . انتهى. وحدّث عبد الله بن الضّحّاك عن الهيثم بن عدي، قال: وهب المهديّ لموسى الهادي سيف عمرو بن معدي كرب الصّمصامة، فدعا به موسى بعد ما ولي الخلافة، فوضعه بين يديه، ودعا بمكتل [٨] دنانير، وقال لحاجبه: ائذن للشعراء، فلما دخلوا، أمرهم أن يقولوا في السيف، فبدأهم ابن يامين البصري فقال:

стр. 706

حاز صمصامة الزّبيديّ عمرو ... من جميع الأنام موسى الأمين سيف عمرو وكان فيما سمعنا ... خير ما أغمدت عليه الجفون أوقدت فوقه الصّواعق نارا ... ثمّ شابت به الذّعاف المنون وإذا ما شهرته تبهر الشّم ... - س ضياء فلم تكد تستبين وكأنّ الفرند [١] والجوهر الجا ... ري في صفحتيه ماء معين ما يبالي إذا الضّريبة حانت ... أشمال سطت به أم يمين [٢] فقال [له] الهادي: لك السيف والمكتل، فخذهما، ففرّق المكتل على الشعراء، وقال: دخلتم معي وحرمتم من أجلي، وفي السيف عوض، ثم بعث إليه الهادي، فاشترى منه السيف بخمسين ألفا. انتهى. وكان عيسى بن دأب من أهل الحجاز، وكان أكثر أهل عصره أدبا، وعلما، ومعرفة بأخبار النّاس وأيامهم، وكان الهادي كلفا به، يقول له: يا عيسى ما استطلت [٣] بك يوما ولا ليلة ولا غبت عنّي إلّا ظننت أني لا أرى غيرك [٤] . وذكر [٥] عيسى هذا أنه رفع إلى الهادي، أن رجلا من أرض المنصورة [٦]

стр. 707

من بلاد السّند من أشرافهم وأهل الرياسة منهم من آل المهلّب بن أبي صفرة ربى غلاما سنديا، أو هنديا، أن الغلام هوي مولاته، فراودها عن نفسها، فأجابته، فدخل السيد فأصابه معها، فجبّ ذكر الغلام وخصاه، ثم عالجه إلى أن برأ فأقام مدّة، وكان لمولاه ابنان أحدهما طفل والآخر يافع، فغاب الرجل عن منزله، وعاود وقد أخذ السّنديّ الصبيين وصعد بهما إلى أعالي سور الدّار، إذ دخل مولاه، فرفع رأسه فإذا هو بابنيه مع الغلام على اسور، فقال: يا فلان عرّضت ابنيّ للهلاك، فقال: دع ذا عنك، والله إن لم تجبّ نفسك بحضرتي لأرمينّ بهما، فقال له: الله الله في وفي ابنيّ، قال: دع ذا عنك، فو الله ما هي إلا نفسي، وإني لأسمح بها من شربة ماء، وأهوى ليرمي بهما، فأسرع مولاه فأخذ مدية وجبّ نفسه، فلما رأى الغلام أنه قد فعل، رمى بالصبيين فتقطّعا، وقال: ذلك الذي فعلت، فعلت بفعلك بي، وقتلي هذين زيادة، فأمر الهادي بالكتاب إلى صاحب السّند بقتل الغلام، وتعذيبه بأفظع ما يكون من العذاب، وأمر بإخراج كل سنديّ في مملكته، فرخص السّنديّ في أيامه حتّى كانوا يتداولون بالثمن اليسير. وقال ابن دأب: قال لي الهادي: هلمّ بنا إلى ذكر فضائل البصرة، والكوفة وما زادت به كل واحدة منهما على الأخرى. قال: قلت: ذكر عن عبد الملك بن عمير أنه قال: قدم علينا الأحنف بن قيس الكوفة مع مصعب بن الزّبير، فما رأيت شيخا [قبيحا] [١] إلّا وقد رأيت في وجه الأحنف منه شبها [٢] كان صعل الرأس، أعصف [٣] الأذن، باخق

стр. 708

العين، ناتئ الوجه، مائل الشّدّق، متراكب الأسنان، [ضعيف العارضين أحنف الرّجل] [١] ولكنه كان إذا تكلم جلّى عن نفسه، فجعل يفاخرنا ذات يوم بالبصرة، ونفاخره بالكوفة، فقلنا: الكوفة أغذى، وأمرأ، وأفسح، وأثيب، فقال له رجل: والله ما أشبه الكوفة إلا بشبابة صبيحة [٢] الوجه، كريمة الحسب، لا مال لها، فإذا ذكرت حاجتها كفّ النّاس عنها، وما أشبّه البصرة إلّا بعجوز ذات عوارض موسرة، فإذا ذكرت ذكر يسارها وذكرت عوارضها فكفّ عنها طالبها، فقال الأحنف: أما البصرة فإنّ أسفلها قصب، وأوسطها خشب، وأعلاها رطب، نحن أكثر ساجا، وعاجا، وديباجا، ونحن أكثر قيدا [٣] ونقدا، والله ما آتي البصرة إلّا طائعا ولا أخرج منها إلّا كارها. قال: فقام إليه شابّ من بكر بن وائل فقال: يا أبا بحر، بم [٤] بلغت في النّاس ما بلغت؟ فو الله ما أنت بأجملهم، ولا بأشرفهم، ولا بأشجعهم، قال: يا ابن أخي، بخلاف ما أنت فيه، قال: وما ذاك؟ قال بتركي ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا [ينبغي أن] [٥] يعنيك. انتهى. وحدّث عدة [من الأخباريين] [٦] من ذوي المعرفة بأخبار الدولة، أن موسى قال لهارون أخيه: كأني بك تحدّث نفسك بتمام الرّؤيا، وتؤمّل ما أنت منه [٧] بعيد، ومن دون ذلك خرط القتاد [٨] فقال هارون: يا أمير المؤمنين

стр. 709

من تكبّر وضع، ومن تواضع رفع، ومن ظلم خذل، وإن وصل الأمر إليّ وصلت من قطعت، وبررت من حرمت، وصيّرت أولادك أعلى من أولادي، وزوّجتهم بناتي، وقضيت بذلك حقّ الإمام المهديّ، فانجلى عن موسى الغضب، وبان السّرور في وجهه، وقال: ذلك الظن بك يا أبا جعفر، أدن منّي، فقام هارون فقبّل يده، ثم ذهب ليعود إلى مجلسه، فقال له موسى: والشيخ الجليل، والملك النبيل، لا جلست إلّا معي في صدر المجلس، ثم قال يا خزائني! احمل إليه [١] الساعة ألف ألف دينار، فإذا فتح الخراج فاحمل إليه نصفه [٢] فلما أراد هارون الرّشيد الانصراف، قدّمت دابته إلى البساط. قال عمرو الرّوميّ: فسألت الرّشيد عن الرؤيا، فقال: قال المهديّ: رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيبا، وإلى هارون قضيبا، فأما قضيب موسى فأورق أعلاه قليلا، وأما قضيب هارون فأورق من أوله إلى آخره، فقصّ الرؤيا على الحكيم [٣] ابن إسحاق الصّيمريّ [٤] فكان يعبرها، فقال له: يملكان جميعا، فأما موسى فتقلّ أيامه، وأما هارون فيبلغ آخر ما عاش خليفة، وتكون أيامه أحسن الأيام، ودهره أحسن الدهور. وقال عمرو الرّوميّ: فلما أفضت الخلافة إلى هارون زوّج ابنته حمدونة من جعفر بن موسى، وفاطمة من إسماعيل بن موسى، ووفى له بكل ما وعده. وفيها بويع الرّشيد، ومن الاتفاق العجيب أنّ الرّشيد سلّم عليه بالخلافة

стр. 710

عمّه سليمان بن المنصور، وعمّ أبيه المهدي- وهو العبّاس بن محمد- وعمّ جدّه المنصور- وهو عبد الصمد بن علي- ذكره ابن الجوزي في «الشذور» . وفيها توفي الرّبيع بن يونس أبو الفضل حاجب المنصور، والمهدي، وله مع المنصور أمور، منها أن المنصور قال له يوما: سلني حاجتك، قال: أن تحبّ ابني. قال: [ويحك!] [١] إن المحبة تقع بأسباب، وقال: قد أمكنك الله من إيقاع [٢] سببها، قال: كيف؟ قال: تفضل عليه فيحبك. قال: والله قد أحببته [وقد حبّبته إليّ] [٣] قبل إيقاع السبب، ولكن كيف اخترت له المحبّة دون كل شيء؟ قال: لتكون ذنوبه عندك كذنوب الصبيان، وشفاعته كشفاعة العريان، وأشار إلى قول الفرزدق [٤] : ليس الشّفيع الّذي يأتيك متّزرا ... مثل الشّفيع الّذي يأتيك عريانا [٥] وقال له [المنصور] يوما: [ويحك] [٦] يا ربيع! ما أطيب الحياة [٧] لولا الموت، فقال ما طيّبها إلّا الموت [٨] ، يعني بموت من قبلك وصلت إليك الخلافة.

стр. 711

وفيها يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة الأزديّ، وكان أرسله المنصور لحرب الخوارج، واستمر واليا على إفريقية خمس عشرة سنة، وكان من الممدّحين الأجواد. وكذلك أخوه روح بن حاتم، وكان روح متواليا على السّند، وتولى لخمسة من الخلفاء: السّفّاح، والمنصور، والمهدي، والهادي، والرّشيد، ولم يتفق مثل هذا إلّا لأبي موسى الأشعري، عمل للنّبيّ- ﷺ والخلفاء الأربعة بعده. وكان يتعجب النّاس من بعد ما بين ابني حاتم يزيد، وروح، فاتفق أنّ الرّشيد عزل روحا عن السّند، فلحق بأخيه بإفريقية فدفنا في قبر واحد بإفريقية. وفي يزيد بن حاتم يقول الشاعر: وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري وإذا تخيّل من سحابك لامع ... صدقت مخيلته لدى المستمطر وإذا الفوارس عدّدت أبطالها ... عدوّك في أبطالهم بالخنصر ووفد عليه أشعب صاحب النوادر في الطمع، فمدحه ببيتين، فأجزل عطيته. وفيها مات إمام اللغة، والعروض، والنحو، الخليل بن أحمد الفراهيديّ الأزديّ [١] وقيل: سنة خمس وسبعين ومائة، وهو الذي استنبط علم العروض، وحصر أقسامه في خمس دوائر، واستخرج منها خمسة عشر بحرا، وزاد فيها الأخفش بحرا سمّاه الخبب. قيل: إن الخليل دعا بمكّة أن يرزقه الله علما لم يسبق إليه، وهو في

стр. 712

اختراعه بديهة كاختراع أرسطاطاليس [١] علم المنطق، ومن تأسيس بناء «كتاب العين» الذي يحصر لغة أمة من الأمم، وهو أول من جمع حروف المعجم في بيت واحد فقال: صف خلق خود كمثل الشّمس إذ بزغت ... يحظى الضّجيع بها نجلاء معطار وقال تلميذه النّضر بن شميل: جاءه رجل من أصحاب يونس يسأله عن مسألة، فأطرق الخليل يفكّر، وأطال حتّى انصرف الرّجل فعاتبناه، فقال: ما كنتم قائلين فيها؟ قلنا: كذا وكذا. قال: فإن قال: كذا وكذا. قلنا: نقول: كذا وكذا. فلم يزل يغوص حتّى انقطعنا وجلسنا نفكّر، فقال: إن المجيب يفكّر قبل الجواب، وقبيح أن يفكّر بعده. وقال: ما أجيب بجواب حتّى أعرف ما عليّ فيه من الاعتراضات والمؤاخذات. وكان مع ذلك صالحا قانعا. قال النضر: أقام في خصّ [٢] بالبصرة لا يقدر على فلس، وعلمه قد انتشر، وكسب به أصحابه الأموال. قال: وسمعته يقول: إني لأغلق عليّ بابي مما يجاوزه همّي. وقيل للخليل- وقد اجتمع مع ابن المقفّع-: كيف رأيته؟ فقال: علمه أكثر من عقله. وقيل لابن المقفّع: كيف رأيت الخليل؟ قال: عقله أكثر من علمه.

стр. 713

وقرأ عليه رجل في العروض فلم يفهم، فقال له الخليل: قطّع هذا البيت: إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع قال الخليل: فشرع الرجل في تقطيعه على مبلغ علمه، ثم قام فلم يرجع إليّ، فعجبت من فطنته لما قصدته في [هذا] [١] البيت مع بعد فهمه. ويقال: إن أباه أول من سمّي أحمد بعد النّبيّ- ﷺ وكان شاعرا مفلقا مطبوعا، ومن شعره: وما هي إلّا ليلة ثمّ يومها [٢] ... وحول إلى حول وشهر إلى شهر مطايا يقرّبن الجديد إلى البلى ... ويدنين أشلاء الكرام إلى القبر ويتركن أزواج الغيور لغيره ... ويقسمن ما يحوي الشّحيح من الوفر وكان من الزّهد في طبقة لا تدرك، حتّى قيل: إن بعض الملوك طلبه ليؤدّب له أولاده، فأتاه الرّسول وبين يديه كسر يابسة يأكلها، فقال له: قل لمرسلك ما دام يلقى مثل هذه لا حاجة به إليك، ولم يأت الملك. وسأله الأخفش: لم سمّيت بحر الطويل طويلا؟ قال: لأنه تمّت أجزاؤه. والبسيط؟ لأنه انبسط على حدّ الطويل. والمديد؟ لتمدّد سباعيه حول خماسيه. والكامل؟ لكمال أجزائه السباعية ليس فيه غيرها. والوافر؟ لوفور أجزائه، لأن فيه ثلاثين حركة لا تجتمع في غيره. والرجز؟ لاضطرابه كاضطراب قوائم الناقة الرجزاء. والرمل؟ لأنه يشبه رمل الحصير يضمّ بعضه إلى بعض. والهزج؟ لأنه يتصرف شبه هزج الصوت. والسريع؟ لسرعته على اللسان. والمنسرح؟ لانسراحه وسهولته. والخفيف؟ لأنه أخفّ السباعيات. والمقتضب؟ لأنه القتضب

стр. 714

من الشعر لقلّته. والمضارع؟ لأنه ضارع المقتضب. والمجتثّ؟ لأنه اجتثّ- أي قطع- من طول دائرته. والمتقارب؟ لتقارب أجزائه، وأنها خماسية كلها يشبه بعضها بعضا. انتهى. قيل: لما دخل الخليل البصرة لمناظرة أبي عمرو بن العلاء، جلس إليه ولم يتكلم بشيء، فسئل عن ذلك، فقال: هو رئيس منذ خمسين سنة، فخفت أن ينقطع فيفتضح في البلد. وقال الواحديّ في «تفسيره» : الإجماع منعقد على أنه لم يكن أحد أعلم بالنحو من الخليل. قاله ابن الأهدل. وقال في «العبر» [١] : الخليل بن أحمد الأزديّ البصريّ أبو عبد الرّحمن صاحب العربية والعروض، روى عن أيوب السّختيانيّ وطائفة، وكان إماما كبير القدر، خيّرا متواضعا، فيه زهد وتعفّف [٢] ، صنّف «كتاب العين» في اللغة. انتهى. وفيها مجنون ليلى قيس بن الملوّح بن مزاحم، اشتهر بعشق ليلي في الدّنيا، وهو أحد بني كعب بن عامر بن صعصعة، وقد أنكر قوم وجوده قائلين: هو كالعنقاء، وهذا غلط، فإنّ اشتهار عشقه لليلى أشهر من أن يخفى، وأثبته علماء السّير، وأما ليلى فإنها بنت مهدي، وقيل: بنت ورد من بني ربيعة، كانت من أجمل النساء شكلا وأدبا. وابتداء أمرهما أنهما كانا صغيرين يرعيان أغنما لقومهما، فعلق كل منهما بصاحبه، ولم يزالا على ذلك حتّى كبرا واشتهر أمرهما، فحجبت ليلى عنه، فزال عقله، وقال: تعلّقت ليلى وهي ذات ذؤابة ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم

стр. 715

صغيرين نرعى البهم يا ليت أنّنا ... إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم [١] ثم كان يأتي الحيّ على غفلة من أهله، فلما كثر ذلك، خرج أبو ليلى ومعه نفر من قومه إلى مروان بن الحكم فشكوا إليه ما أصابهم من قيس بن الملوّح، وسألوه الكتاب إلى عامله يمنعه من كلام ليلى، وإن وجده أهلى ليلى عندها يكون دمه هدرا، فلما بلغ قيسا ذلك قال: ألا حجبت ليلى وآلى أميرها ... عليّ يمينا جاهدا لا أزورها وواعدني [٢] فيها رجال أبوهم ... أبي وأبوها خشّنت [٣] لي صدورها على غير شيء [٤] غير أنّي أحبّها ... وأنّ فؤادي عند ليلى أسيرها [٥] فلما يئس منها، ذهب عقله بالكلية، ولعب بالتراب والحصى، وضنيت ليلى أيضا من فراقه، ثم تزوجت ليلى، فصار المجنون يدور في الفلوات عريانا ينشد الأشعار ويأنس بالوحوش، ثم وجد بعد حين ملقى بين الأحجار ميتا، فاحتملوه إلى الحيّ، وغسلوه، ودفنوه، وبكوا عليه، وكان أبو ليلى أشدّ القوم جزعا وبكاء، وقال: ما علمت أن الأمر يبلغ إلى هذا، ولكني كنت امرأة عربيا أخاف العار، ولو علمت أن الأمر يفضي إلى هذا ما أخرجتها عن يده، ويقال: إنها أيضا ضنيت عليه وماتت أسفا، ودفنت قريبا منه، وأمرهما أشهر من أن يذكر، والله أعلم. وفيها توفي عبد الله بن جعفر المخرميّ [٦] المدنيّ. روى عن عمّة أبيه أمّ بكر بنت المسور بن مخرمة، وجماعة من التابعين، وخرّج له مسلم،

стр. 716

والأربعة، وكان قصيرا ذميما. قال الواقديّ: كان عالما بالمغازي، والفتوى. وقال الذّهبيّ في «المغني» [١] : عبد الله بن جعفر المخروميّ المدنيّ، ثقة، وهاه ابن حبّان فقط. انتهى. وفيها محمّد بن مهاجر الحمصيّ. روى عن نافع وطبقته، وآخر من حدّث عنه أبو توبة [٢] الحلبيّ. وأبو معشر السّنديّ- واسمه نجيح بن عبد الرّحمن المدنيّ- صاحب المغازي، والأخبار. مشهور عن أصحاب أبي هريرة، ليس بالعمدة. قال ابن معين: كان أميّا يتّقى من حديثه المسند. وقال صاحب «العبر» [٣] : روى عن محمد بن كعب القرظيّ والكبار، واستصحبه المهديّ معه لما حجّ إلى بغداد. وقال: يكون بحضرتنا ويفقّه من حولنا، ووصله [٤] بألف دينار، وكان أبيض، أزرق، سمينا. وقيل له: السّنديّ من قبيل اللقب بالضد. انتهى. وفيها الوزير أبو عبد الله معاوية بن عبيد الله بن يسار الأشعريّ، مولاهم، كاتب المهدي ووزيره. وكان من خيار الوزراء، صاحب علم، وفضل، ورواية [٥] وعبادة [٦] وصدقات. روى عن منصور بن المعتمر.

стр. 717

وفيها، أو في حدودها، محمّد بن جعفر بن أبي كثير المدنيّ مولى الأنصار [١] . أخذ عن زيد بن أسلم وطبقته. وكان ثقة كثير العلم. وأسباط بن نصر الهمدانيّ [٢] الكوفيّ المفسّر، صاحب إسماعيل السّدّيّ، والله أعلم. قال في «المغني» [٣] : وثّقه ابن معين، وضعفه أبو نعيم. [و] قال النّسائيّ: ليس بالقويّ، توقف فيه أحمد. انتهى. وقد خرّج له البخاريّ في «التاريخ» ومسلم، والأربعة.

стр. 718

سنة إحدى وسبعين ومائة فيها أمر الرّشيد بإخراج الطالبيّين إلى مدينة الرّسول- ﷺ وخرجت الخيزران إلى مكّة في رمضان فأقامت بها إلى وقت الحج، وحجّت. قاله ابن الجوزي في «الشذور» . وفيها، على الأصحّ، توفي حبّان بن علي العنزي، أخو مندل، وكان من فقهاء الكوفة وهو ضعيف. روى عن عبد الملك بن عمير وطبقته. وأبو المنذر سلّام بن سلّام بن سليمان [١] المزنيّ البصريّ ثم الكوفيّ النحويّ المقرئ، أخذ عن عاصم بن أبي النّجود، وأبي عمرو، وحدّث عن ثابت البنانيّ وغيره، وهو شيخ يعقوب الحضرمي. وفيها أبو عبد الرّحمن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمريّ المدنيّ أخو عبيد الله بن عمر. روى عن نافع وجماعة، وكان محدّثا صالحا. قال أحمد: لا بأس به. قال ابن الأهدل: كان آية في العلم، غاية في العبادة، واجه الرّشيد بالإنكار والموعظة الغليظة في المسعى، فقال: يا هارون، قال: لبّيك يا عمّ.

стр. 719

قال: انظر، هل تحصيهم؟ يعني الحجيج- قال: ومن يحصيهم؟ قال: اعلم أن كلّا منهم يسأل عن نفسه، وأنت تسأل عن كلّهم. ثم قال: والله إن الرّجل ليسرف في ماله فيستحق الحجر، فكيف من يسرف في أموال المسلمين. انتهى. وفيها أبو شهاب [١] الحنّاط عبد ربّه بن نافع الكوفيّ. روى عن عاصم الأحول وطبقته، وتوفي كهلا، وقيل: توفي في التي بعدها. قال في «المغني» [٢] : صدوق، وليس بذاك الحافظ. انتهى. وخرّج له الشيخان. وفيها، أو نحوها، مات الأمير يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة المهلّبيّ البصريّ، أحد الشجعان المذكورين، ولي إمرة المغرب [٣] مدة طويلة، وولي إمرة مصر قبل ذلك سبع سنين. وعبد الرّحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة بن الغسيل المدنيّ. رأى سهل بن سعد، وروى عن عكرمة، والكبار، وكان كثير الحديث، ثقة جليلا.

стр. 720

سنة اثنتين وسبعين ومائة فيها توفّيت الخيزران [١] زوجة المهديّ، وأمّ الهادي، والرّشيد، ولم تلد امرأة خليفتين غير ثلاثة: ولّادة بنت العبّاس العبسيّة، تزوجها عبد الملك بن مروان، فولدت له الوليد، وسليمان، فوليا الخلافة. والثانية: شافهر بنت فيروز بن يزدجرد، تزوجها الوليد بن عبد الملك فولدت له يزيد، وإبراهيم، فوليا الخلافة. والثالثة: الخيزران، اشتراها المهدي ثم أعتقها فولدت له الهادي، والرّشيد، ووليا الخلافة. ويلحق بهؤلاء خاتون جارية ملكشاه، فإنها ولدت محمدا، وسنجرا، وكلاهما ولي السلطنة، وكان كبير القدر، قاله في «الشذور» . ولما ماتت الخيزران خرج خلف جنازتها ولدها الرشيد وعليه جبة وطيلسان أزرق، قد شدّ به وسطه، وهو آخذ بقائمة السرير حافيا يمشي في الطين، حتّى أتى مقابر قريش، فغسل رجليه، وصلى عليها، ونزل قبرها.

стр. 721

وفيها توفي الإمام أبو محمّد سليمان بن بلال المدنيّ مولى [آل] [١] أبي بكر الصّدّيق. روى عن عبد الله بن دينار وطبقته. قال ابن سعد: كان بربريّا، حسن الهيئة، عاقلا، [و] كان يفتي بالمدينة [٢] ، وولي خراج المدينة. وكان من الثقات الأثبات. وفيها أمير دمشق الفضل بن صالح بن عليّ العبّاسي ابن عمّ المنصور، وهو الذي أنشأ القبّة الغربية التي بجامع دمشق وتعرف بقبة المال. وفي جمادى الأولى مات صاحب الأندلس الأمير أبو المطرّف عبد الرّحمن بن معاوية بن الخليفة هشام بن عبد الملك الأمويّ الدمشقيّ المعروف بالداخل، فرّ إلى المغرب عند زوال دولتهم، فقامت معه اليمانية، وحارب يوسف الفهري متولّي الأندلس وهزمه، وملك قرطبة في يوم الأضحى سنة ثمان وثلاثين ومائة، وامتدت أيامه، وكان عالما حسن السيرة، عاش اثنتين وستين سنة. وولي بعده ابنه هشام، وبقيت الأندلس لعقبه إلى حدود الأربعمائة. وفيها، أوفي في سنة ست وسبعين، صالح المرّي الزّاهد، واعظ البصرة. روى عن الحسن وجماعة، وحديثه ضعيف. قال عفّان: كان شديد الخوف من الله، إذا قصّ كأنّه ثكلى. وخرّج له الترمذي. قال في «المغني» [٣] : صالح بن بشير [٣] المرّي الزّاهد، عن الحسن، تركه أبو داود، والنّسائي، وضعفه غيرهما. انتهى.

стр. 722

ومهدي بن ميمون المعولي مولاهم البصريّ، الناقد، الثقة. روى عن أبي رجاء العطاردي، وابن سيرين، والكبار. والوليد بن أبي ثور- وهو ابن عبد الله- الهمدانيّ الكوفيّ. [روى] [١] عن زياد بن علاقة وجماعة، وهو ضعيف. وفي حدودها معاوية بن سلّام بن بأي سلّام [٢] ، ممطور الأسود الحبشيّ، ثم الشّاميّ. روى عن أبيه، والزّهري، وجماعة. قال يحيى بن معين: أعدّه محدّث أهل الشّام، والله أعلم.

стр. 723

سنة ثلاث وسبعين ومائة فيها، وقيل: سنة أربع، توفي إسماعيل بن زكريا الخلقانيّ الكوفيّ ببغداد. روى عن العلاء بن عبد الرّحمن وطبقته، وعاش خمسا وستين سنة. قال في «المغني» [١] : صدوق، شيعيّ. قال الميمونيّ: قلت لأحمد بن حنبل: كيف هو؟ قال: أما الأحاديث المشهورة التي يرويها فهو فيها مقارب الحديث، ولكنه ليس ينشرح الصدر له. قال الميمونيّ: وسمعت ابن معين يضعفه. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: حديثه مقارب. وعن ابن معين أيضا: هو ثقة. قال العقيليّ: حدّثنا [محمّد بن أحمد، حدّثنا] إبراهيم بن الجنيد، حدّثنا أحمد بن الوليد بن أبان، حدّثني جدّي حسين بن حسن، حدّثني خالي إبراهيم، سمعت إسماعيل الخلقاني يقول: الذي نادى من جانب الطور عبده [٢] عليّ بن أبي طالب.

стр. 724

قال: وسمعته يقول: هو الأول والآخر، [والظاهر والباطن] [١] : علي بن أبي طالب [٢] . قلت: هذا لم يثبت عن الخلقانيّ، وإن صحّ عنه فهو زنديق عدوّ الله. انتهى ما قاله الذهبيّ في «المغني» . وفيها أمير البصرة وفارس [٣] ، محمّد بن سليمان بن علي ابن عمّ المنصور، وله إحدى وخمسون سنة، وكان الرّشيد يبالغ في تعظيمه وإكرامه، ولما مات احتوى الرّشيد على خزائنه وكانت خمسين ألف ألف درهم [٤] . وفي رجب، الإمام الكبير أبو خيثمة زهير بن معاوية الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة ومحدّثها وحافظها. روى عن سماك بن حرب وطبقته، وكان أحد الحفّاظ الأعلام، حتّى بالغ فيه شعيب بن حرب وقال: كان أحفظ من عشرين [مثل] [٥] شعبة. وفيها أبو سعيد سلّام بن أبي مطيع البصريّ. روى عن أبي عمران الجوني، وطائفة. قال أحمد بن حنبل: ثقة صاحب سنّة. وقال ابن حبّان: لا يجوز أن يحتجّ بما انفرد به. وقال ابن عديّ: لا بأس به، وليس بمستقيم الحديث في قتادة خاصة،

стр. 725

وله غرائب، ويعدّ من خطباء أهل البصرة [وعقلائهم] [١] . وقال الحاكم: منسوب إلى الغفلة، وإلى سوء الحفظ. انتهى. وقد خرّج له الشيخان وغيرهما. وفيها نوح الجامع، وهو أبو عصمة نوح بن أبي مريم، الفقيه، قاضي مرو، ولقّب بالجامع لأنه أخذ الفقه عن أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، والحديث عن حجّاج بن أرطاة، والمغازي عن ابن إسحاق، والتفسير عن مقاتل، وهو متروك الحديث. قاله في «العبر» [٢] . وعبد الرّحمن بن أبي الموالي المدنيّ مولى آل عليّ ﵁. روى عن أبي جعفر الباقر وطائفة، وضربه المنصور أربعمائة سوط على أن يدلّه على محمد بن عبد الله بن حسن، فلم يدلّه، وكان من شيعته. قاله في «العبر» [٣] . قال في «المغني» [٤] : عبد الرّحمن بن أبي الموالي. ثقة مشهور [٥] خرج مع ابن حسن. قال أحمد: حديثه في الاستخارة منكر. قلت: خرّجه البخاريّ، وقد قال ابن عدي: رواه غير واحد [من الصحابة] [٦] كما رواه ابن أبيّ الموالي. انتهى. وجويرية بن أسماء بن عبيد الضّبعيّ، البصريّ، روى عن نافع، والزّهري، وكان ثقة كثير الحديث.

стр. 726

سنة أربع وسبعين ومائة فيها حجّ الرّشيد، فبدأ بالمدينة فقسم فيها مالا عظيما، ووقع الوباء بمكة فأبطأ في دخولها، ثم دخلها فقضى طوافه وسعيه، ولم ينزل مكّة. قال في «الشذور» . وفيها توفي في جمادى الآخرة الإمام أبو عبد الرّحمن عبد الله بن لهيعة الحضرميّ قاضي مصر الحافظ. روى عن الأعرج وعطاء بن أبي رباح، وخلق كثير. قال أحمد بن صالح المصري: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب، طلابة للعلم. وقال زيد بن الحباب: سمعت سفيان الثوري يقول: عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع. وقال أحمد بن حنبل: من كان بمصر مثل ابن لهيعة في كثرة حديثه، وضبطه، وإتقانه. وقال ابن معين: ليس بذاك القويّ. انتهى. وخرّج له الترمذيّ، وأبو داود، وغيرهما. قال في «المغني» [١] : قال بعض النّاس: ما روى عنه مثل ابن وهب،

стр. 727

وابن المبارك، فهو أجود وأقوى. انتهى. وقال السّيوطيّ في «الحسن المحاضرة» [١] : ابن لهيعة، عبد الله بن عقبة بن لهيعة الحضرميّ المصريّ أبو عبد الرّحمن الفقيه، قاضي مصر ومسندها. عن عطاء، وعمرو بن دينار، والأعرج، وخلق. وعنه الثّوريّ، والأوزاعيّ، وشعبة، وماتوا قبله، وابن المبارك، وخلق. وثّقه أحمد وغيره، وضعّفه يحيى القطّان وغيره. انتهى. وفيها بكر بن مضر المصريّ عن نيّف وسبعين سنة. قال ابن ناصر الدّين: كان إماما حجّة من أفضل أهل زمانه، طويل الحزن، خازنا للسانه. انتهى. روى عن أبي قبيل المعافري وطائفة، وأكثر عنه قتيبة. وكنيته أبو عبد الملك. وفيها عبد الرّحمن بن أبي الزّناد المدنيّ ببغداد، وكان فقيها، مفتيا. قال ابن معين: هو أثبت النّاس في هشام بن عروة. قال في «العبر» [٢] : قلت: وروى الكثير عن أبيه وطبقته، وفيه ضعف يسير. انتهى. وفيها يعقوب بن عبد الله الأشعريّ القمّيّ. رحل وحمل عن زيد بن أسلم، وأكثر عن جعفر بن أبي المغيرة القمّي. قال في «المغني» [٣] : صالح الحديث، محدّث أهل قمّ، يروي عن

стр. 728

جعفر بن أبي المغيرة، وليث. قال النّسائيّ: ليس به بأس. وقال الدّارقطنيّ: ليس بالقويّ. انتهى. وفيها الأمير روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب المهلّبيّ، أخو يزيد، أحد القوّاد الكبار، ولي إمرة الكوفة وغيرها.

стр. 729

سنة خمس وسبعين ومائة فيها عقد الرّشيد للأمين، وهو ابن خمس سنين. وفيها هاجت العصبيّة [والأهواء] [١] بين القيسيّة واليمنية بالشّام، ورأس القيسية [يومئذ] [٢] أبو الهيذام المرّي، وقتل بينهما بشر كثير، واتصلت فتنتهما إلى زمننا هذا. وفيها توفي شيخ الدّيار المصرية وعالمها أبو الحارث اللّيث بن سعد الفهميّ، مولاهم، الفقيه، وأصله فارسيّ أصبهاني. قال في «حسن المحاضرة» [٣] : اللّيث بن سعد بن عبد الرّحمن الفهميّ أبو الحارث المصريّ، أحد الأعلام ولد بقرقشندة [٤] ؟ سنة أربع وستين. وروى عن الزّهري، وعطاء، ونافع، وخلق. وعنه ابن شعيب، وابن المبارك، وآخرون. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، صحيحه. وكان قد اشتغل

стр. 730

بالفتوى في زمانه بمصر، وكان سريّا [١] من الرّجال، نبيلا سخيّا، له ضيافته. وقال يحيى بن بكير: ما رأيت أحدا أكمل من اللّيث، كان فقيه النفس، عربيّ اللسان، يحسن القراءة [٢] والنحو، ويحفظ الحديث والشعر، حسن المذاكرة. وقال الشّافعيّ: كان اللّيث أفقه من مالك، إلّا أنه ضيّعه أصحابه. قال ابن كثير [٣] : وقد حكى بعضهم أنه ولي القضاء بمصر وهو غريب. وقال الذهبيّ في «العبر» [٤] : كان نائب مصر وقاضيها من تحت أوامر اللّيث، وإذا رابه من أحد [٥] شيء كاتب فيه فيعزل، وقد أراد المنصور أن يلي إمرة مصر فامتنع. مات يوم الجمعة رابع عشر شعبان سنة خمس وسبعين ومائة. انتهى ما قاله السيوطي في «حسن المحاضرة» . وقال ابن الأهدل: أراده المنصور لولاية مصر فأبى، وتولى قضاءها. وروي أن الإمام مالكا أهدى له صينية رطبا، فأعادها مملوءة ذهبا. وكان يتخذ لأصحابه الفالوذج، وكان يدخله في سنته ثمانون ألف دينار وما وجبت عليه زكاة، وكان لا يتغدّى كل يوم حتّى يطعم ثلاثمائة وستين مسكينا. انتهى. ولعله أراد «يصبح على كلّ سلامي من أحدكم صدقة» الحديث [٦] .

стр. 731

وقال في «العبر» [١] : كان أتبع للأثر من مالك. وقال يحيى بن بكير: اللّيث أفقه من مالك، لكن الحظوة لمالك. انتهى. وفيها أبو عبد الله حزم بن أبي حزم القطعيّ أخو سهيل. روى عن الحسن وجماعة. قال أبو حاتم: هو من ثقات من تبقّى [٢] من أصحاب الحسن. وفيها داود بن عبد الرّحمن العطّار المكيّ. روى عن عمرو بن دينار وجماعة. قال الشافعيّ: ما رأيت أورع منه.

стр. 732

وفيها قاضي الكوفة أبو عبد الله القاسم بن معن بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن مسعود الهذليّ المسعوديّ. روى عن عبد الملك بن عمير وطبقته. قال أحمد: كان ثقة صاحب نحو، وشعر. وقال أبو حاتم: كان أروى النّاس للحديث والشعر، وأعلمهم بالعربية والفقه. وقال ابن ناصر الدّين في شرحه ل «بديعة البيان» له: كان إماما، علّامة، ثقة، قاضي الكوفة، لم يأخذ على القضاء رزقا مدة ولايته، وكان من أروى النّاس للآثار، (وأعلمهم بالفقه والعربية والأشعار. انتهى.

стр. 733

سنة ست وسبعين ومائة فيها افتتح المسلمون مدينة دبسة من أرض الرّوم بعد حرب طويل [١] . وفيها اشتد البلاء والقتل بين القيسية والميمنية بالشّام، واستمرت بينهم إحن وأحقاد، ودماء، يهيجون لأجلها في كل وقت وإلى اليوم. وفيها توفي قاضي بغداد للرشيد أبو عبد الله سعيد بن عبد الرّحمن الجمحيّ [٢] المدنيّ. روى عن عبد الرّحمن بن القاسم وطبقته. وكان من أولي العلم والصلاح، وخرّج له مسلم، وأبو داود، والنّسائي، وغيرهم. قال في «المغني» [٣] : ثقة ليّنه الفسويّ. انتهى. وفيها، وقيل: في التي تليها، عبد الواحد بن زياد العبديّ مولاهم البصريّ. روى عن كليب بن وائل وطائفة كبيرة [٤] . قال في «المغني» [٥] : عبد الواحد بن زياد عن الأعمش وغيره، صدوق يغرب.

стр. 734

قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو داود الطيالسي: عمد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش فوصلها كلها. وليّنه القطّان. انتهى. وفيها أبو عوانة الوضّاح مولى يزيد بن عطاء اليشكريّ [الواسطيّ] [١] البزّاز الحافظ، أحد الأعلام. قال ابن ناصر الدّين: أبو عوانة الواسطي البزّار، كان أحد الحفّاظ الثقات الأعيان. قال يحيى القطّان: أبو عوانة من كتابه أحب إليّ من شعبة من حفظه. انتهى. رأى الحسن، وروى عن قتادة وخلق. وقال يحيى القطّان: ما أشبه حديثه بحديث سفيان، وشعبة. وقال عفّان: هو عندنا أصحّ حديثا من شعبة. وقال غيره: هو من سبي جرجان. قاله في «العبر» [٢] . وفيها حمّاد بن أبي حنيفة الإمام، وكان من أهل الخير، والصلاح، والفقه، في مذهب أبيه. قال في «المغني» [٣] : عن أبيه، ضعّفه ابن عدي. انتهى. وكان ابنه إسماعيل بن حمّاد قاضي البصرة فعزل [عنها بالقاضي] [٤]

стр. 735

يحيى بن أكثم، ولما خرج منها إسماعيل مسافرا شيّعه يحيى. قال إسماعيل: كان لنا جار طحّان رافضي له بغلان، فسمّى أحدهما أبا بكر، والآخر عمر، فرمحه [١] أحدهما فقتله، فقال جدّي أبو حنيفة: انظروا الذي رمحه فلا تجدونه إلّا الذي سمّاه عمر، فوجدوه كذلك.

стр. 736

سنة سبع وسبعين ومائة فيها توفي عبد الواحد بن زيد البصريّ الزّاهد، الذي قيل: إنه صلّى الغداة بوضوء العشاء أربعين سنة. ومن مواعظه قوله: ألا تستحيون من طول ما لا تستحيون. روى عن الحسن وجماعة، وهو متروك الحديث. قاله في «العبر» [١] . وفيها شريك بن عبد الله النّخعيّ الكوفيّ القاضي، أبو عبد الله، أحد الأعلام، عن نيّف وثمانين سنة. روى عن سلمة بن كهيل، والكبار. سمع منه إسحاق الأزرق تسعة آلاف حديث. قال ابن المبارك: هو أعلم بحديث بلده من سفيان الثّوري. وقال النّسائيّ: ليس به بأس. وقال غيره: فقيه إمام، لكنه يغلط. قال ابن ناصر الدّين: استشهد له البخاريّ، ووثّقه ابن معين، وأخرج له سملم متابعة. انتهى.

стр. 737

وفيها محمد بن مسلم الطائفيّ المكيّ. روى عن عمرو بن دينار وجماعة. قال ابن مهدي: كتبه صحاح. وموسى بن أعين [الجزري، أبو سعيد] [١] الحرّاني، رحل إلي العراق، وأخذ عن عبد الله بن محمّد بن عقيل وطبقته، فأكثر. وأبو خالد [٢] يزيد بن عطاء اليشكريّ الواسطيّ. روى عن علقمة بن مرثد وطبقته، وليس بالقويّ. قاله في «العبر» [٣] . وقد مرّ مولاه أبو عوانة [٤] . وفيها، أو في حدودها، عبد العزيز بن المختار البصريّ الدبّاغ. حدّث عن ثابت البنانيّ وجماعة.

стр. 738

سنة ثمان وسبعين ومائة فيها فوّض الرّشيد أموره كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك. قاله [١] في «الشذور» . وفيها توفي جعفر بن سليمان الضّبعيّ بالبصرة. روى عن أبي عمران الجوني وطائفة. وكان أحد علماء البصرة. وفيه تشيّع. أخذ ذلك عنه عبد الرّزّاق باليمن. قاله في «العبر» [٢] . وقال ابن ناصر الدّين: هو أبو سليمان، كان من ثقات الشيعة والزهّاد، ولم يكن قويا، ومع كثرة علومه قيل: كان أميّا. انتهى. وفيها عبثر بن القاسم أبو زبيد الكوفي. روى عن حصين بن عبد الرّحمن وجماعة. ذكره أبو داود فقال: ثقة، ثقة. وعبد الله بن جعفر بن نجيح السعديّ، مولاهم، المدينيّ، نزيل البصرة، ووالد علي بن [٣] المديني. روى عن عبد الله بن دينار وطبقته، وهو ضعيف الحديث.

стр. 739

سنة تسع وسبعين ومائة فيها كانت فتنة الوليد بن طريف الشّاريّ الخارجيّ، وأحد الشّراة وهم الخوارج، سمّوا بذلك لقولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله، أي بعناها بالجنّة حين فارقنا الأئمة الجبابرة، وكان الوليد، أحد الشجعان، وندب الرّشيد لحربه يزيد بن زائدة، ابن أخي معن بن زائدة الشيباني، ومكث يزيد مدة يماكره ويخادعه، وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد، فقالوا للرشيد: إنه مداهن، فأرسل إليه يتوعّده، فناجزه يزيد فظفر به، وكان الوليد ينشد في المصاف: أنا الوليد بن طريف الشّاري ... قسورة [١] لا يصطلى بناري [٢] ولما انهزم تبعه يزيد بنفسه حتّى أدركه على مسافة بعيدة فقتله واحتزّ رأسه، ولما قتل لبست أخته الفارعة عدّة حربها وحملت [على جيش يزيد] [٣] فضرب يزيد بالرمح فرسها [٤] وقال: اغربي، غرّب الله عينك [٥] فقد فضحت

стр. 740

العشيرة، فانصرفت ولها في أخيها مراث كثيرة شهيرة [١] . وفيها اعتمر الرّشيد في رمضان ثم رجع إلى المدينة فأقام بها إلى وقت الحج، ثم حجّ بالنّاس، فمشى من مكّة إلى منى، ثم إلى عرفات، وشهد المشاهد والمشاعر ماشيا. وفيها توفي إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس الحميريّ الأصبحيّ شهير الفضل، كان طوالا، جسيما، عظيم [٢] الهامة، أبيض الرأس واللحية، أشقر، أزرق العين، يلبس الثياب العربية البيض، وإذا اعتمّ جعلها [تحت] [٣] ذقنه، ويسدل طرفها بين كتفيه. روي أنه قال: ما أفتيت حتّى شهد لي سبعون أنّي أهل لذلك. وقلّ رجل كنت أتعلّم منه ومات حتّى يستفتين. قال اليافعيّ [٤] : أخبر بنعمة الله [تعالى عليه] [٥] . وكان مالك عظيم المحبة لرسول الله- ﷺ مبالغا في تعظيم حديثه، حتّى كان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنّه، ويقول: لا أركب في بلد فيها جسد رسول الله- ﷺ مدفون. قال الشّافعيّ: قال لي محمد بن الحسن: أيّما [٦] أعلم صاحبنا أو صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالكا- رحمهما الله تعالى- قلت: على الإنصاف؟
следующие страницы →