← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

عقدته لك خمسا وستين لا يحل. فكان كذلك. ووجد في تركته أخبار عن نفسه، أنه يعيش ثماني وأربعين سنة ثم يقتل بين الماء والنار. فعاش هذه المدة [١] . ثم دسّ عليه خال المأمون غالب، فدخل عليه الحمام بسرخس ومعه جماعة، فقتلوه في السنة المذكورة. وقيل: في التي تليها، وله ثمان وأربعون سنة وأشهر. وقد مدحه الشعراء فأكثروا. من ذلك قول مسلم بن الوليد [٢] الأنصاري من قصيدة له: أقمت خلافة وأزلت أخرى ... جليل ما أقمت وما أزلتا انتهى.

стр. 877

سنة ثلاث ومائتين فيها استوثقت الممالك للمأمون، وقدم بغداد في رمضان من خراسان واتخذها سكنا. وفيها في [ذي] الحجّة حدث بخراسان زلازل أقامت سبعين يوما، وهلك بها خلق كثير وبلاد كثيرة. وفيها غلبت السوداء على عقل الحسن بن سهل حتّى شدّ في الحديد. وفيها توفي أزهر بن سعد السّمّان، أبو بكر البصريّ. روى عن سليمان التّيميّ وطبقته، وعاش أربعا وتسعين سنة. قال ابن ناصر الدّين: كان ثقة من فضلاء الأئمة وعلماء الأمة. وقال ابن الأهدل: كان يصحب المنصور قبل خلافته، فجاء يسلّم عليه بالخلافة ويهنّئه، فحجبه، فترصد يوم جلوسه العام، فقال له: ما جاء بك؟ قال: جئت مهنئا للأمير، فأعطاه ألفا وقال: لا تعد فقد قضيت التهنئة، فجاءه من قابل، فسأله، فقال: سمعت بمضرك فجئت عائدا، فأمر له بألف، وقال: قولوا له: لا تعد فقد قضيت وظيفة العيادة وأنا قليل المرض. ثم جاء من قابل، فسأله فقال: سمعت منك دعاء فأردت أتحفظه، فقال: إنه غير مستجاب لأني دعوت به أن لا تعود فعدت. انتهى.

стр. 878

وفي ذي القعدة الإمام حسين بن علي الجعفيّ، مولاهم، الكوفيّ، المقرئ الحافظ. روى عن الأعمش وجماعة. قال أحمد بن حنبل: ما رأيت أفصل منه، ومن سعيد بن عامر [١] الضّبعي. وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: إن بقي أحد من الأبدال فحسين [٢] الجعفي، وكان مع تقدّمه في العلم رأسا في الزهد والعبادة. وقال ابن ناصر الدّين: هو ثقة، وكان يقال له: راهب الكوفة. وفيها الحسين بن الوليد النيسابوري [الفقيه] [٣] . رحل وأخذ عن مالك بن مغول وطبقته. وقرأ القرآن على الكسائي. وكان كثير الغزو والجهاد والكرم. وفيها خزيمة بن خازم [٤] الخراسانيّ الأمير، أحد القوّاد الكبار العباسيّة. وداود بن يحيى بن يمان العجليّ، ثقة. وزيد بن الحباب أبو الحسين الكوفيّ. سمع مالك بن مغول وخلقا كثيرا [٥] وكان حافظا صاحب حديث، واسع الرحلة، صابرا على الفقر والفاقة. وفيها عثمان بن عبد الرّحمن الحرّانيّ الطرائفيّ، وكان يتتبّع [٦] طرائف الحديث، فقيل له: الطرائفيّ. روى عن هشام بن حسّان وطبقته، وهو صدوق.

стр. 879

وعليّ بن موسى الرّضا، الإمام أبو الحسن الحسينيّ بطوس، وله خمسون سنة، وله مشهد كبير بطوس يزار. روى عن أبيه موسى الكاظم، عن جده جعفر بن محمد الصّادق. وهو أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية. ولد بالمدينة سنة ثلاث أو إحدى وخمسين ومائة، ومات بطوس، وصلى عليه المأمون ودفنه بجنب أبيه الرّشيد. وكان موته بالحمى، وقيل: بالسم، وكان المأمون أرسله إلى أخيه زيد بن موسى، وقد قام بالبصرة ليرده عن ذلك، فقال علي: يا زيد ما تريد بهذا؟ فعلت بالمسلمين الأذى وتزعم أنك من ولد فاطمة، والله لأشدّ النّاس عليك رسول الله- ﷺ يا زيد ينبغي لمن أخذ برسول الله- ﷺ أن يعطي به. ولما بلغ كلامه المأمون بكى. وقال في «المغني» [١] : عليّ بن موسى بن جعفر الرّضا، عن آبائه. قال ابن طاهر: يأتي عن آبائه بعجائب. قلت [٢] : الشأن في صحة الإسناد إليه، فإنه كذب عليه وعلى جده. انتهى. وفيها أبو داود الحفريّ عمر بن سعد بالكوفة. روى عن مالك بن مغول ومسعر. وكان من عبّاد المحدّثين. قال أبو حمدون المقرئ: لما دفنّاه تركنا بابه مفتوحا، ما خلّف شيئا. وقال ابن المديني: ما رأيت بالكوفة أعبد منه. وقال وكيع: إن كان يدفع [البلاء] [٣] بأحد في زماننا فبأبي داود الحفري.

стр. 880

وفيها عمر بن عبد الله بن رزين السلميّ النيسابوريّ. رحل وسمع محمد بن إسحاق وطبقته. قال سهل بن عمّار: لم يكن بخراسان أنبل منه. وفيها أبو حفص عمر بن يونس اليمامي [١] . روى عن عكرمة بن عمّار وجماعة، وكان ثقة مكثرا. وفيها محمد بن بكر البرسانيّ بالبصرة. روى عن ابن جريج [وطبقته] [٢] . وكان أحد الثقات الأدباء الظرفاء. ومحمد بن بشر العبديّ الكوفيّ الحافظ. روى عن الأعمش وطبقته. قال أبو داود: هو أحفظ من كان بالكوفة في وقته. وقال ابن ناصر الدّين: محمد بن بشر العبديّ الكوفيّ أبو عبد الله ثقة، أحفظ من كان بالكوفة. انتهى. ومحمد بن عبد الله أبو أحمد الزّبيريّ الأسديّ مولاهم الكوفيّ. روى عن يونس بن إسحاق وطبقته. وقال أبو حاتم: كان ثقة حافظا عابدا مجتهدا، له أوهام. وأبو جعفر محمّد بن جعفر الصّادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين، الحسينيّ المدنيّ، الملقب بالدّيباج. روى عن أبيه، وكان قد خرج بمكّة سنة مائتين ثم عجز وخلع نفسه، وأرسل إلى المأمون فمات بجرجان، ونزل المأمون في لحده. وكان عاقلا شجاعا يصوم يوما ويفطر يوما. يقال: إنه جامع وافتصد ودخل الحمام في يوم [واحد] [٣] فمات فجأة.

стр. 881

وفيها مصعب بن المقدام الكوفيّ. روى عن ابن جريج وجماعة. وفيها النّضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم المازنيّ- مازن ابن مالك بن عمرو بن تيم بن مر- أبو الحسن البصريّ نزيل مرو وعالمها. كان إماما حافظا جليل الشأن، وهو أول من أظهر السّنّة بمرو وجميع بلاد خراسان. روى عن حميد وهشام بن عروة وطبقته [١] [والكبار] [٢] وكان رأسا في الحديث، رأسا في اللغة والنحو، ثقة، صاحب سنة. قال ابن الأهدل: ضاقت معيشته بالبصرة فرحل إلى خراسان فشيّعه من البصرة نحو من ثلاثمائة عالم، فقال لهم: لو وجدت كل يوم كيلجة [٣] باقلاء ما فارقتكم، فلم يكن فيهم من تكفّل له بذلك، وأقام بمرو، واجتمع له هناك مال. سمع النّضر من هشام بن عروة وغيره من أئمة التّابعين. وسمع عليه ابن معين، وابن المديني، وغيرهم. وروى المأمون يوما عن هشيم بسنده المتصل إلى رسول الله- ﷺ : «إذا تزوّج المرأة لدينها وجمالها، فيها سداد من عوز» [٤] بفتح السين، فرده النّضر وقال: هو بكسر السين، فقال له المأمون: تلحّنني! فأقصر، فقال: إنما لحن هشيم، وكان لحّانة، لأن السداد بالفتح: القصد في الدّنيا والسبيل، وبالكسر: البلغة، وكل ما سددت به شيئا فهو سداد يعني بكسر السين، ومنه قول العرجي [٥] :

стр. 882

أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر [١] فأمر له بجائزة جزيلة. والعرجيّ المذكور، منسوب إلى العرج منزلة بين مكّة والمدينة، شاعر مشهور أموي. حبسه محمد بن هشام المخزومي أمير مكّة وخال عبد الملك لما شبّب بأمه، فأقام في الحبس سبع سنين ومات فيه عن ثمانين سنة وبعد البيت المذكور: وصبر عند معترك المنايا ... وقد شرعت أسنّتها بنحري [٢] انتهى. وفيها الوليد بن القاسم الهمدانيّ [٣] الكوفي. روى عن الأعمش وطبقته وكان ثقة. وفيها الوليد بن مزيد العذريّ البيروتيّ صاحب الأوزاعيّ [٤] .

стр. 883

وفيها الإمام الحبر أبو زكريا يحيى بن آدم الكوفيّ المقرئ الحافظ الفقيه، أخذ القراءة عن أبي بكر بن عيّاش. وسمع من يونس بن أبي إسحاق، ونصر بن خليفة، وهذه الطبقة. وصنف التصانيف. قال أبو أسامة: كان بعد الثوري في زمانه يحيى بن آدم. وقال أبو داود: يحيى بن آدم واحد النّاس. وذكره ابن المديني فقال: ﵀، أيّ علم كان عنده!. وقال ابن ناصر الدّين: يحيى بن آدم بن سليمان القرشيّ مولاهم الكوفيّ الأحول، أبو زكريا. روى عنه أحمد، وإسحاق، وغيرهما. وكان إماما علّامة من المصنّفين، حافظا ثقة فقيها من المتقنين. انتهى .

стр. 884

سنة أربع ومائتين فيها أعاد المأمون لبس السواد. وفيها في سلخ رجب توفي فقيه العصر والإمام الكبير والجليل الخطير، أبو عبد الله محمد بن إدريس الشّافعيّ المطلبيّ بمصر، وله أربع وخمسون سنة. أخذ عن [١] مالك، ومسلم بن خالد الزّنجي، وطبقتهما. وكان مولده بغزّة. ونقل إلى مكّة وله سنتان. قال المزنيّ: ما رأيت أحسن وجها من الشّافعيّ، إذا قبض على لحيته لا تفضل عن قبضته. وقال الزّعفرانيّ: كان خفيف العارضين يخضب بالحناء. وكان حاذقا بالرّمي يصيب تسعة من العشرة. وقال الشّافعيّ: استعملت اللّبان سنة للحفظ [٢] فأعقبني صبّ الدّم سنة. قال يونس بن عبد الأعلى: لو جمعت أمة لوسعهم [عقله] [٣] .

стр. 885

وقال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكّة فقال: تعال حتّى أريك [رجلا] [١] لم تر عيناك مثله. قال: فأقامني على الشّافعيّ. وقال أبو ثور الفقيه: ما رأيت مثل الشّافعيّ، ولا رأى مثل نفسه. وقال الشّافعيّ: سمّيت ببغداد ناصر الحديث. وقال أبو داود: ما أعلم للشافعيّ حديثا خطأ. وقال الشّافعيّ: ما شيء أبغض إليّ من الكلام وأهله [٢] . قاله في «العبر» [٣] . وقال السيوطيّ في «حسن المحاضرة» [٤] : الإمام الشافعيّ أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العبّاس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد [٥] بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب [٦] بن عبد مناف، جدّ رسول الله- ﷺ والسائب جده صحابي أسلم يوم بدر، وكذا ابنه شافع، لقي النّبيّ- ﷺ وهو مترعرع. ولد الشافعيّ سنة خمسين ومائة بغزّة، أو بعسقلان، أو اليمن، أو منى، أقوال، ونشأ بمكة، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، و «الموطأ» وهو ابن عشر، وتفقه على مسلم بن خالد الزّنجي مفتي مكّة وأذن له في الإفتاء وعمره خمس عشرة سنة، ثم لازم مالكا بالمدينة، وقدم بغداد سنة خمس وتسعين فاجتمع عليه علماؤها وأخذوا عنه، وأقام بها حولين، وصنّف بها كتابه القديم، ثم عاد

стр. 886

إلى مكة، ثم خرج إلى بغداد سنة ثمان وتسعين فأقام بها شهرا، ثم خرج إلى مصر [١] وصنف بها كتبه الجديدة ك «الأم» و «الأمالي الكبرى» و «الإملاء الصغير» و «مختصر البويطي» و «مختصر المزني» و «مختصر الرّبيع» و «الرسالة» و «السنن» . قال ابن زولاق [٢] : صنف الشّافعيّ نحوا من مائتي جزء ولم يزل بها ناشرا للعلم، ملازما للاشتغال [٣] [بجامع عمرو] [٤] إلى أن أصابته ضربة شديدة فمرض بسببها أياما، ثم مات يوم الجمعة سلخ رجب سنة أربع ومائتين. قال ابن عبد الحكم: لما حملت أم الشّافعيّ به رأت كأنّ المشتري خرج من فرجها حتّى انقضّ بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية [٥] فتأوله [٦] أصحاب الرؤيا أنه يخرج عالم يخصّ علمه أهل مصر، ثم يتفرق في سائر البلدان. وقال الإمام أحمد: إن الله تعالى يقيّض للنّاس في كل رأس مائة سنة من يعلّمهم السنن، وينفي عن رسول الله- ﷺ الكذب، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشّافعيّ.

стр. 887

وقال الرّبيع [١] : كان الشّافعيّ يفتي وله خمس عشرة سنة، وكان يحيي الليل إلى أن مات. وقال أبو ثور: كتب عبد الرّحمن بن مهدي إلى الشّافعي أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن ويجمع مقبول الأخبار [٢] فيه، وحجة الإجماع، وبيان النّاسخ والمنسوخ من القرآن والسّنّة، فوضع له كتاب «الرسالة» . قال الإسنوي [٣] : الشّافعي أول من صنف في أصول الفقه بالإجماع [٤] وأوّل من قرر ناسخ الحديث من منسوخه، وأول من صنف في أبواب كثيرة [من] [٥] الفقه معروفة. انتهى كلام السيوطي. وكان يقول: وددت أن لو أخذ عني هذا العلم من غير أن ينسب إليّ منه شيء. وقال: ما ناظرت أحدا إلا وددت أن يظهر الله الحق على يديه. وكان يقول لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله أنت أعلم بالحديث مني، فإذا صحّ الحديث فأعلمني حتّى أذهب إليه شاميا كان أو كوفيا أو بصريا. وكان- ﵁ مع جلالة قدره شاعرا مفلقا مطبوعا، فمن شعره الرائق الفائق قوله: وما هي إلّا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همّهنّ اجتذابها

стр. 888

فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها [١] وقوله: ما حكّ جلدك مثل ظفرك ... فتولّ أنت جميع أمرك وإذا بليت بحاجة [٢] ... فاقصد لمعترف بقدرك [٣] وقوله معارضا لابن الأزرق وهو الغاية في المتانة: إنّ الذي رزق اليسار ولم ينل [٤] ... أجرا ولا حمدا لغير موفّق الجدّ يدني كلّ أمر شاسع ... والجدّ يفتح كلّ باب مغلق [٥] فإذا سمعت بأنّ مجدودا حوى ... عودا فأثمر في يديه فصدّق وإذا سمعت بأنّ محروما [٦] أتى ... ماء ليشربه فغاص فحقّق لو أنّ [٧] بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم أرجاء [٨] السّماء تعلّقي لكنّ من رزق الحجا حرم الغنى ... ضدّان مفترقان أيّ تفرّق وأحقّ خلق الله بالهمّ امرؤ ... ذو همّة يبلى برزق ضيّق ومن الدّليل على القضاء وحكمه [٩] ... بؤس اللّبيب وطيب عيش الأحمق [١٠]

стр. 889

وله: من نال منّي أو علقت بذمّته ... أبرأته لله شاكر منّته أرى معوّق مؤمن يوم الجزا ... أو أن أسوء محمّدا في أمّته [١] وقال: إذا المرء أفشى سرّه لصديقه ... ودلّ عليه غيره فهو أحمق إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فصدر الذي يستودع [٢] السرّ أضيق [٣] [ومما ينسب إليه: عليّ ثياب لو تباع جميعها ... بفلس لكان الفلس منهنّ أكثرا وفيهنّ نفس لو تقاس بمثلها ... نفوس الورى كانت أعزّ وأكبرا] [٤] وفيها قاضي ديار مصر، إسحاق بن الفرات أبو نعيم التّجيبيّ، صاحب مالك. قال الشّافعيّ: ما رأيت بمصر أعلم باختلاف النّاس من إسحاق بن الفرات، ﵀. وقد روى إسحاق- ﵀ أيضا عن حميد بن هانئ، واللّيث بن سعد، وغيرهما. وفي ثامن عشر شعبان أشهب بن عبد العزيز، أبو عمرو العامريّ،

стр. 890

صاحب مالك، وله أربع وستون سنة. وكان ذا مال وحشمة وجلالة. قال الشّافعيّ: ما أخرجت مصر أفقه من أشهب لولا طيش فيه. وكان محمد بن عبد الله بن [عبد] [١] الحكم صاحب أشهب يفضّل أشهب على ابن القاسم. قال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشّافعيّ بالموت، فبلغ ذلك الشّافعيّ فقال: تمنّى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك طريق [٢] لست فيها بأوحد فقل للّذي يبغي خلاف الذي مضى ... تزوّد لأخرى مثلها فكأن قد [٣] ومكث أشهب بعد الشّافعيّ شهرا. قال ابن عبد الحكم: وكان قد اشترى من تركة الشّافعيّ عبدا، فاشتريت ذلك العبد من تركة أشهب. وفيها أبو علي الحسن بن زياد اللؤلؤيّ الكوفيّ، قاضي الكوفة وصاحب أبي حنيفة، وكان يقول: كتبت عن ابن جريج اثني عشر ألف حديث. قال في «العبر» [٤] : ولم يخرّجوا له في الكتب الستة لضعفه، وكان رأسا في الفقه. انتهى. وفيها الإمام أبو داود الطّيالسيّ، واسمه سليمان بن داود البصريّ الحافظ صاحب «المسند» ، كان يسرد من حفظه ثلاثين ألف حديث.

стр. 891

قال الفلّاس: ما رأيت أحفظ منه. وقال عبد الرّحمن بن مهدي: هو أصدق النّاس. قال في «العبر» [١] : قلت: كتب [٢] عن ألف شيخ، منهم ابن عون [٣] وطبقته. انتهى. وقال ابن ناصر الدّين: الحافظ الكبير، من الحفاظ المكثرين، قيل: غلط في أحاديث رواها من لفظه، وأتي في ذلك من قبل اتكاله على حفظه. قال عمر بن شبّة [٤] : كتبوا عن أبي داود من حفظه أربعين ألف حديث. انتهى. وقيل: إنه أكل حبّ البلاذر [٥] لأجل الحفظ والفهم، فأحدث له جذاما وبرصا. وفيها شجاع بن الوليد الكوفيّ، أبو بدر. قال ابن ناصر الدّين: كان ثقة ورعا عابدا متقنا. انتهى. وقال في «العبر» [٦] : كان من صلحاء المحدّثين وعلمائهم. روى عن الأعمش والكبار. قال سفيان الثّوري: ليس بالكوفة أعبد من شجاع بن الوليد. انتهى. وفيها أبو بكر الحنفيّ عبد الكبير بن عبد المجيد أخو أبي علي

стр. 892

الحنفي، بصريّ مشهور. صاحب حديث. روى عن خثيم بن عراك، وجماعة. وفيها أبو نصر عبد الوهّاب بن عطاء الخفّاف. بصري. صاحب حديث وإتقان. سمع من حميد، وخالد الحذّاء، وطائفة. قال ابن ناصر الدّين: عبد الوهّاب بن عطاء العجليّ الخفّاف أبو نصر، أحد علماء البصرة والحفاظ المهرة. جاء توثيقه عن الدّارقطنيّ وابن معين، وتكلم فيه البخاريّ وغيره بأنه ليس بالقويّ، ففيه لين. انتهى. وفيها هشام بن محمّد بن السّائب الكلبيّ الأخباريّ النسّابة صاحب كتاب «الجمهرة» في النسب [١] ومصنفاته تزيد على مائة وخمسين تصنيفا في التاريخ، والأخبار، وكان حافظا علامة إلّا أنه متروك الحديث، فيه رفض. روى عن أبيه، وعن مجالد بن سعيد، وغيرهما. قاله في «العبر» [٢] .

стр. 893

سنة خمس ومائتين فيها توفي إسحاق بن منصور السّكونيّ الكوفيّ. روى عن إسرائيل وطبقته. وفيها أبو عبد الله بسر بن بكر الدّمشقيّ ثم التّنّيسيّ، محدّث تنّيس [١] . حدّث عن الأوزاعيّ وجماعة. وفي جمادى الأولى أبو محمد روح بن عبادة القيسيّ البصريّ الحافظ. روى عن ابن عون وابن جريج. وصنف في السنن والتفسير وغير ذلك، وعمّر دهرا. قال ابن ناصر الدّين: روح بن عبادة بن العلاء بن حسّان القيسيّ البصريّ أبو محمّد. ثقة، مكثر، مفسر. انتهى. وفيها الزّاهد القدوة أبو سليمان الدّارانيّ العنسيّ أحد الأبدال. كان عديم النظير زهدا وصلاحا، وله كلام رفيع في التصوف والمواعظ.

стр. 894

من كلامه: من أحسن في نهاره كوفئ في ليله، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره. ومن صدق في ترك شهوة، ذهب الله بها من قلبه، والله أكرم من أن يعذب قلبا ترك شهوة له. وأفضل الأعمال خلاف هوى النفس. وله كرامات وخوارق. ونسبته إلى داريّا قرية بغوطة دمشق [١] أو داران [٢] ، قيل: وهذا الصحيح. والعنسيّ نسبة إلى عنس بن مالك رجل من مذحج. وفيها، أو في التي قبلها- وبه جزم ابن ناصر الدّين- أبو عامر العقديّ عبد الملك بن عمرو البصريّ أحد الثقات المكثرين. روى عن هشام الدستوائي وأقرانه. قال ابن ناصر الدّين: كان إماما أمينا ثقة مأمونا. وفيها محمد بن عبيد الطّنافسيّ الأحدب الكوفيّ الحافظ. سمع هشام بن عروة والكبار. قال ابن سعد: كان ثقة صاحب سنّة. وقال ابن ناصر الدّين: هو وأخواه يعلى وعمر من الموثقين. انتهى. وفيها قارئ أهل البصرة يعقوب بن إسحاق الحضرميّ مولاهم المقرئ النحويّ أحد الأعلام. قرأ على أبي المنذر سلّام الطّويل. وسمع من شعبة وأقرانه. تصدر للإقراء والتحديث، وحمل عنه خلق كثير. وله في القراءة رواية مشهورة ثامنة على قراءة السبعة، رواها عنه روح بن عبد المؤمن وغيره. واقتدى به البصريون، وأكثرهم على مذهبه بعد أبي عمرو بن العلاء.

стр. 895

وقد حافظ البغويّ في «تفسيره» على رواية قراءته وقراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع، وذكر سندهما إلى رسول الله ﷺ . قال أبو حاتم السجستانيّ: كان يعقوب الحضرمي أعلم من أدركنا في الحروف والاختلاف في القرآن العظيم وتعليله ومذاهبه ومذاهب النحويين فيه، وكتابه «الجامع» جمع فيه بين عامة الاختلاف ووجوه القراءات ونسب كل حرف إلى من قرأ به .

стр. 896

سنة ست ومائتين فيها استعمل المأمون على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعيّ فوليها مدة، وهو الذي كان يمتحن النّاس بخلق القرآن في أيام المأمون، والمعتصم، والواثق. وفيها كان المدّ الذي غرق منه السواد وذهبت الغلّات. وفيها نكث بابك الخرّميّ عيسى بن محمد بن أبي خالد. وفيها استعمل المأمون على محاربة [١] نصر بن شبث [٢] [عبد الله بن طاهر] [٣] وولاه الديار المصرية. وفيها- في رجب- توفي أبو حذيفة إسحاق بن بشر البخاريّ صاحب «المبتدأ» روى عن إسماعيل بن أبي خالد، وابن جريج، والكبار، فأكثر وأغرب، وأتى بالطّامّات، فتركوه [٤] .

стр. 897

وفيها- في ربيع الأول- حجّاج بن محمّد المصّيصيّ الأعور، صاحب ابن جريج، وأحد الحفاظ، الثقات، المتقنين، المكثرين، الضابطين. قال أحمد: ما كان أصحّ حديثه وأضبطه، وأشدّ تعاهده للحروف. وشبابة بن سوّار المدائنيّ الحافظ. روى عن ابن أبي ذئب وطبقته، وكان ثقة مرجئا. وفي رمضان عبد الله بن نافع المدنيّ الصائغ الفقيه، صاحب مالك. روى عن زيد بن أسلم وطائفة. قال أحمد بن صالح: كان أعلم النّاس برأي مالك وحديثه. وقال أحمد بن حنبل: لم يكن صاحب حديث، بل كان صاحب رأي مالك، ومفتي [أهل] المدينة. وخرّج له مسلم، والأربعة. قال في «المغني» [١] : عبد الله بن نافع الصائغ، عن مالك، وثق. وقال البخاريّ: في حفظه شيء. وقال أحمد بن حنبل: لم يكن بذاك في الحديث. انتهى. وفيها محاضر بن المورّع الكوفيّ. روى عن عاصم الأحول وطبقته. وهو صدوق. وقد خرّج له مسلم، وأبو داود، والنسائيّ. قال في «المغني» [٢] : عن الأعمش وغيره. قال أبو زرعة: صدوق. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ. وقال أحمد: كان مغفّلا جدّا، لم يكن من أصحاب الحديث. انتهى.

стр. 898

وفيها قطرب النحويّ صاحب سيبويه، وهو الذي سماه قطربا، لأنه كان يبكّر في المجيء إليه. فقال: ما أنت إلّا قطرب ليل- وهي دويبة لا تزال تدب ولا تهتدي- فغلب عليه، وكنية قطرب أبو علي، واسمه محمد بن المستنير البصريّ اللغويّ. كان من أئمة عصره. صنف «معاني القرآن» و «كتاب الاشتقاق» و «كتاب القوافي» و «كتاب النوادر» و «كتاب الأزمنة» و «كتاب الأصول» و «كتاب الصفات» و «كتاب العلل في النحو» و «كتاب الأضداد» و «كتاب خلق الإنسان» و «كتاب خلق الفرس» و «كتاب غريب الحديث» و «كتاب الهمز» و «كتاب فعل وأفعل» و «كتاب الرد على الملحدين» في متشابه القرآن، وغير ذلك. وهو أول من وضع المثلث في اللغة. وتبعه البطليوسي، والخطيب، وكان يعلّم أولاد أبي دلف العجلي. وفيها مؤمّل بن إسماعيل في رمضان بمكّة، وكان من ثقات البصريين. روى عن شعبة والثّوري. وفيها أبو العبّاس وهب بن جرير بن حازم الأزديّ البصريّ الحافظ. أكثر عن أبيه وابن عون، وعدة. وفيها الإمام الربّاني [١] يزيد بن هارون أبو خالد الواسطيّ الحافظ. روى عن عاصم الأحول والكبار. قال علي بن المديني: ما رأيت رجلا قطّ أحفظ من يزيد بن هارون. يقول: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بإسنادها ولا فخر. وقال يحيى بن يحيى التميميّ: هو أحفظ من وكيع. وقال أحمد بن سنان القطّان: كان هو وهشيم معروفان [٢] بطول صلاة الليل والنهار.

стр. 899

وقال يحيى بن أبي طالب: سمعت من يزيد ببغداد، وكان يقال: إن في مجلسه سبعين ألفا. وقال ابن ناصر الدّين: كان حافظا إماما ثقة مأمونا مناقبه جمّة خطيرة. قال [علي بن] شعيب [١] : سمعت يزيد يقول: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث ولا فخر، وأحفظ للشاميين عشرين ألفا لا أسأل عنها. انتهى.

стр. 900

سنة سبع ومائتين فيها توفي طاهر بن الحسين فجأة على فراشه وحمّ ليلة. وكان تلك الأيام قد قطع دعوة المأمون وعزم على الخروج عليه، فأتى الخبر إلى المأمون بأنه خلعه، فما أمسى حتّى جاءه الخبر بموته. وقام بعده ابنه طلحة، فأقره المأمون على خراسان، فوليها سبع سنين. وبعده ولي أخوه عبد الله. قال ابن الأهدل: طاهر بن الحسين الخزاعيّ، وقيل: مولاهم، الملقّب، ذا اليمينين، كان جوادا شجاعا ممدّحا، وهو الذي قتل الأمين. وكان المأمون قد أخدمه غلاما رباه وأمره إن رأى منه ما يريبه سمّه. فلما تمكن طاهر من خراسان قطع خطبة المأمون- أي وخطب لنفسه- فأصبح يوم السبت ميتا. واستخلف المأمون ولده طلحة بن طاهر، وقيل: جعله نائبا لأخيه عبد الله بن طاهر، وسيأتي ذكر ولده عبد الله سنة ثلاثين، وولد ولده سنة ثلاثمائة. انتهى. وفيها أبو عون جعفر بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزوميّ العمريّ الكوفيّ عن نيف وتسعين سنة. سمع من الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، والكبار. قال أبو حاتم: صدوق. وعبد الصّمد بن عبد الوارث بن سعيد التميميّ التّنّوريّ أبو سهل.

стр. 901

روى عن أبيه وهشام الدّستوائيّ، وشعبة. وكان ثقة صاحب حديث. قال ابن ناصر الدّين: كان محدّث البصرة وأحد الثقات. انتهى. وفيها عمر بن حبيب العدويّ البصريّ في أول السنة. روى عن حميد الطّويل، ويونس بن عبيد، وجماعة. وولي قضاء الشرقية للمأمون. قال ابن عدي: هو مع ضعفه حسن الحديث. وقال في «المغني» [١] : عمر بن حبيب العدويّ القاضي. عن هشام بن عروة. كذّبه ابن معين. وقال النسائيّ: ضعيف. وقال ابن عدي: مع ضعفه يكتب حديثه. انتهى. وفيها قراد أبو نوح عبد الرّحمن بن غزوان [٢] الخزاعيّ. توفي ببغداد، وحدّث عن عوف، وشعبة، وطائفة. قال أحمد بن حنبل: كان عاقلا من الرّجال. وقال ابن المديني: ثقة. وقال ابن معين: ليس به بأس. وكثير بن هشام الكلابي الرّقّيّ. راوية جعفر بن برقان، توفي ببغداد في شعبان. وفيها محمد بن عبد الله بن كناسة الأسديّ النحويّ الأخباريّ الكوفيّ. سمع هشام بن عروة والأعمش، ومات في شوال على الصحيح. قال في «المغني» [٣] : محمد بن كناسة الأسدي. عن الأعمش. وثقة ابن معين وغيره.

стр. 902

وقال أبو حاتم: لا يحتج به. انتهى. والواقديّ قاضي بغداد أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الأسلميّ المدنيّ، العلّامة، أحد أوعية العلم. روى عن ثور بن يزيد، وابن جريج وطبقتهما. وكان يقول: حفظي أكثر من كتبي. وقد تحول مرّة فكانت كتبه مائة وعشرين حملا. ضعفه الجماعة كلّهم. قال ابن ناصر الدّين: أجمع الأئمة على ترك حديثه حاشا ابن ماجة، لكنه لم يجسر أن يسمّيه حين أخرج حديثه في اللباس يوم الجمعة [١] ، وحسبك ضعفا بمن لا يجسر أن يسميه ابن ماجة. انتهى. وقال الذهبيّ في كتابه «المغني في الضعفاء» [٢] : محمد بن عمر بن واقد الأسلميّ مولاهم الواقديّ صاحب التصانيف مجمع على تركه. وقال ابن عدي: يروي أحاديث غير محفوظة والبلاء منه. وقال النسائيّ: كان يضع الحديث. وقال ابن ماجة: حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا شيخ [لنا] [٣] ، حدثنا عبد الحميد بن جعفر [٤] فذكر حديثا في لباس الجمعة وحسبك بمن لا يجسر ابن ماجة أن يسميه. قلت: وقد كذّبه أحمد، والله أعلم. وقال ابن الأهدل: الإمام الواقديّ أبو عبد الله محمد بن [عمر بن] واقد الأسلمي قاضي بغداد. كان يقول: حفظي أكثر من كتبي. وكانت كتبه مائة

стр. 903

وعشرين حملا. وضعفه أهل الحديث، ووثقوا كاتبه محمد بن سعد. من تصانيفه «كتاب الردّة» ذكر فيه المرتدين وما جرى بسببهم. وكان المأمون يكرمه ويراعيه. روي عنه قال: كان لي صديقان أحدهما هاشمي، وكنّا كنفس واحدة، فشكوت إليه عسرة، فوجّه إليّ كيسا مختوما فيه ألف درهم، فما استقر في يدي حتّى جاءني كتاب صديقي الآخر يشكو مثل ذلك، فوجهته إليه كما هو، وخرجت إلى المسجد، فبتّ فيه حياء من زوجتي، ثم إن صديقي الهاشمي شكا إلى صديقي الآخر فأخرجه إليه بحاله، فجاءني به حين عرفه، وقال: أصدقني كيف خرج منك، فعرّفته الحكاية، فتواجهنا وتواسيناه بيننا، وعزلنا للمرأة مائة درهم، ونمي الخبر إلى المأمون، فوجه إلى كل منا ألف دينار وللمرأة ألفا، وقد ذكر هذه الحكاية الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» [١] . انتهى كلام ابن الأهدل. وفيها بشر بن عمر [٢] الزّهرانيّ. كان ثقة متقنا ذا علم وحديث. وكنيته أبو محمد. وفيها أبو كامل مظفر بن مدرك الخراسانيّ ثم البغداديّ. كان ثقة مأمونا. أخذ عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وآخرون. وفيها أبو النّضر [٣] هاشم بن القاسم الخراسانيّ. قيصر. نزل بغداد، وكان حافظا قوّالا بالحق. سمع شعبة، وابن أبي ذئب، وطبقتهما. ووثّقه جماعة.

стр. 904

قال ابن ناصر الدّين: هو ثقة ماجد، شيخ لأحمد بن حنبل. انتهى. وفيها الهيثم بن عدي أبو عبد الرّحمن الطائيّ الكوفيّ الأخباريّ المؤرّخ. روى عن مجالد، وابن إسحاق وجماعة، وهو متروك الحديث. وقال أبو داود السجستاني: كذّاب. وفيها الفرّاء يحيى بن زياد الكوفيّ النحويّ. نزل بغداد وحدّث في مصنفاته عن قيس بن الرّبيع، وأبي الأحوص، وهو أجلّ أصحاب الكسائيّ. كان رأسا في النحو واللغة. قال ابن الأهدل في «تاريخه» : الإمام البارع يحيى بن زياد الفراء [١] . كوفي، أجلّ أصحاب الكسائيّ، هو والأحمر. قيل: لولاه لما كانت عربية، لأنه هذّبها وضبطها. وقال ثمامة بن أشرس المعتزليّ: ذاكرت الفرّاء فوجدته في النحو نسيج وحده. وفي اللغة بحرا. وفي الفقه عارفا باختلاف القوم. وفي الطب خبيرا. وبأيام العرب وأشعارها حاذقا. ولحن يوما بحضرة الرّشيد فرد عليه، فقال: يا أمير المؤمنين إن طباع الأعراب والحضر اللّحن، فإذا تحفّظت لم ألحن، وإذا رجعت إلى الطبع لحنت. صنف الفرّاء للمأمون «كتاب الحدود» في النحو، و «كتاب المعاني» واجتمع لإملائه خلق كثير، منهم ثمانون قاضيا. وعمل كتابا على جميع القرآن في نحو ألف ورقة لم يعمل مثله، وكل تصنيفه حفظا لم يأخذ بيده نسخة إلّا كتاب ملازم، وكتاب نافع. وعجب له تعظيم الكسائي وهو أعلم بالنحو منه.

стр. 905

قال الفرّاء: أموت وفي نفسي من حتّى شيء لأنها تجلب الحركات الثلاث. ولم يعمل الفراء ولا باعها، وإنما كان يفري الكلام. وقطعت يد والده في مقتلة الحسين بن علي ﵄. وكان يؤدّب ابني المأمون، فطلب نعليه يوما فابتدر أيهما [١] يسبق إلى تقديمهما له، فقال له المأمون: ما أعزّ من يتبادر إلى تقديم نعليه وليّا عهد المسلمين. فقال: ما كنت أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها وشريفة حرصا عليها. وقد أمسك ابن عبّاس بركابي الحسن والحسين وقد خرجا من عنده، فقال المأمون: لو منعتهما لأوجعتك لوما، فلا يحسن ترفّع الرجل عن ثلاثة: والده، وسلطانه، ومعلّمه. وأعطاهما عشرين ألف دينار، وأعطاه عشرة آلاف. وروي أن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة سأل الفرّاء- وهو ابن خالته- عمّن سها في سجود السهو؟ فقال: لا شيء عليه، لأن المصغر لا يصغر. وروي مثلها عن الكسائيّ. انتهى كلام ابن الأهدل.

стр. 906

سنة ثمان ومائتين فيها جاء سيل بمكّة حتّى بلغ الماء الحجر والباب، وهدم أكثر من ألف دار، ومات نحو من ألف إنسان. وفيها سار الحسن بن الحسين بن مصعب الخزاعيّ إلى كرمان فخرج بها. فسار لحربه أحمد بن أبي خالد فظفر به، وأتى به [إلى] [١] المأمون فعفا عنه. وفيها توفي الأسود بن عامر شاذان [٢] أبو عبد الرّحمن ببغداد. روى عن هشام بن حسّان، وشعبة، وجماعة. قال ابن ناصر الدّين: كان ثقة حافظا. وسعيد بن عامر الضّبعيّ أبو محمد البصريّ أحد الأعلام في العلم والعمل. روى عن يونس بن عبيد، وسعيد بن أبي عروبة، وطائفة. قال أحمد بن حنبل: ما رأيت أفضل منه. وقال ابن ناصر الدّين: وأخذ عنه أحمد بن حنبل وغيره.

стр. 907

وقال يحيى القطّان: هو شيخ المصر [١] منذ أربعين سنة. انتهى [٢] . وتوفي في شوال. وعبد الله بن بكر السّهميّ [٣] الباهليّ أبو وهب البصريّ. روى عن حميد الطّويل، وبهز بن حكيم. وطائفة. وكان ثقة مشهورا. توفي في المحرم ببغداد. والفضل بن الرّبيع بن يونس الأمير، حاجب الرّشيد وابن حاجب المنصور، وهو الذي قام بأعباء خلافة الأمين، ثم اختفى مدة بعد قتل الأمين. توفي في ذي القعدة. قال ابن الأهدل: هو وزير الرّشيد بدلا عن البرامكة. وقد كان بينه وبينهم إحن [٤] وشحناء. دخل يوما على يحيى بن خالد وابنه جعفر يوقّع بين يديه، فعرض عليه الفضل عشر رقاع للنّاس، فلم يوقّع له في واحدة منهن، فجمع رقاعه وقال: ارجعن خائبات، وخرج وهو يقول: عسى وعسى يثني الزّمان عنانه ... بتصريف حال والزّمان عثور فتقضى لبانات وتشفى حسائف [٥] ... ويحدث [٦] من بعد الأمور أمور [٧] والحسائف: الضغائن.

стр. 908

فقال له يحيى: عزمت عليك يا أبا العبّاس إلا رجعت، فرجع، فوقّع له فيها كلها. ولم يمتد أمرهم بعدها. وكانت نكبتهم على يديه. انتهى. وفيها توفيت السيدة نفيسة بنت الأمير حسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسنيّة، صاحبة المشهد بمصر. ولي أبوها إمرة المدينة للمنصور، ثم حبسه دهرا. ودخلت هي مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصّادق. وتوفيت في شهر رمضان. قال ابن الأهدل: وقيل: قدمت مصر مع ابنها، وكانت من الصالحات. سمع عليها الشّافعيّ، وحملت جنازته يوم مات فصلت عليه. ولما ماتت همّ زوجها إسحاق بحملها إلى المدينة فأبى أهل مصر فدفنت بين القاهرة ومصر. يقال: إن الدعاء مستجاب [١] عند قبرها. قال الذّهبيّ: ولم يبلغنا شيء من مناقبها، وللجهّال فيها اعتقاد لا يجوز، وقد يبلغ بهم إلى الشرك بالله، فإنهم يسجدون للقبر ويطلبون منه المغفرة. وكان أخوها القاسم بن حسن زاهدا عابدا. قلت: وسلسلتها في النسب وسماع الشّافعيّ منها وعليها، وحمله ميتا إلى بيتها، أعظم منقبة، فلم يكن ذلك إلا عن قبول وإقبال وصيت وإجلال، نفع الله بها ومبلغها. انتهى ما قاله ابن الأهدل. وفيها القاسم بن الحكم العرنيّ [٢] الكوفيّ، قاضي همذان [٣] . روى

стр. 909

عن زكريّا ابن أبي زائدة [١] وأبي حنيفة، وجماعة. وقد كان أراد الإمام أحمد أن يرحل إليه. وخرّج له الترمذيّ. قال في «المغني» [٢] : وثقه النسائيّ. وقال أبو حاتم: لا يحتجّ به. انتهى. وقريش بن أنس البصريّ. روى عن حميد، وابن عون، وجماعة. قال النسائيّ: ثقة، إلا أنه تغير. ومات في رمضان. ومحمّد بن مصعب القرقسانيّ [٣] . روى عن الأوزاعي، وإسرائيل، وضعفه النسائيّ وغيره. وهارون بن عليّ المنجّم الفاضل البغدادي. صنف «تاريخ المولّدين» جمع مائة وأحد وستين شاعرا، افتتحه بذكر بشّار بن برد، وختمه بمحمد بن عبد الملك بن صالح، واختار من شعرهم الزّبد دون الزّبد، وصنف غير ذلك [٤] . ويحيى بن حسّان التّنّيسي، أبو زكريا. روى عن معاوية بن سلّام، وحمّاد بن سلمة وطائفة. وكان إماما حجة من جلّة المصريين. توفي في رجب.

стр. 910

ويحيى بن بكير العبدي، قاضي كرمان. حدّث عن شعبة وأبي جعفر الرّازي، والكبار. وثقه ابن معين وغيره. قال ابن ناصر الدّين: واسم أبيه قيس بن أبي أسيد بالتصغير. وكان ثقة أخطأ في إسناد واحد مع كثرة حفظه. انتهى. ويعقوب بن إبراهيم بن سعد الزّهريّ العوفيّ المدنيّ نزيل بغداد. سمع أباه، وعاصم بن محمد العمري، واللّيث بن سعد. وكان إماما ثقة ورعا كبير القدر. ويونس بن محمد البغداديّ المؤدّب الحافظ. روى عن شيبان [١] ، وفليح بن سليمان، وطائفة، وتوفي في صفر. قال ابن ناصر الدّين: يونس بن محمد بن مسلم المؤدّب [٢] كان ثقة. انتهى.

стр. 911

سنة تسع ومائتين فيها طال القتال بين عبد الله بن طاهر، ونصر بن شبث [١] العقيلي، إلى أن حصره في قلعة ونال منه. فطلب نصر الأمان، فكتب له المأمون أمانا وبعثه إليه، فنزل وهدم الحصن. وفيها توفي الحسن بن الأشيب أبو عليّ البغدادي قاضي طبرستان بعد قضاء الموصل. روى عن شعبة وحريز بن عثمان وطائفة. وكان ثقة مشهورا. وحفص بن عبد الله السّلميّ أبو عمرو النيسابوريّ، قاضي نيسابور. سمع مسعرا، ويونس بن أبي إسحاق. وأكثر عن إبراهيم بن طهمان. ومكث عشرين سنة يقضي بالآثار. وكان صدوقا. وأبو علي الحنفيّ عبيد الله بن عبد المجيد [٢] البصريّ. روى عن قرّة بن خالد، ومالك بن مغول، وطائفة.

стр. 912

وعثمان بن عمر بن فارس العبديّ البصريّ، الرّجل الصالح. روى عن ابن عون، وهشام بن حسّان [١] ، ويونس بن يزيد، وطائفة. توفي في ربيع الأول بالبصرة. ويعلى بن عبيد الطنافسيّ، أبو يوسف الكوفيّ. روى عن الأعمش، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والكبار. فعن أحمد بن يونس قال: ما رأيت أفضل منه، [وكان يريد بعمله الله تعالى] [٢] .

стр. 913

سنة عشر ومائتين فيها على ما قاله ابن الجوزي في «الشذور» [١] عرّس المأمون على بوران، ففرش له يوم البناء حصير من ذهب، ونثر عليه ألف حبة من الجوهر، وأشعل بين يديه شمعة عنبر وزنها مائة رطل. ونثر على القواد رقاع بأسماء ضياع. فمن وقعت بيده رقعة أشهد له الحسن بالضيعة. وكان الحسن بن سهل يجري في مدة إقامة المأمون عنده على ستة وثلاثين ألف ملاح، فلما أراد المأمون الإصعاد أمر له بألف ألف دينار، وأقطعه مدينة الصلح. وقال ابن الأهدل: وفي سنة عشر ومائتين، تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل [٢] بواسط، وكان عرسا لم يسمع بمثله في الدّنيا، نثر فيه على الهاشميين، والقواد، والوجوه، بنادق مسك فيها رقاع متضمنة لضياع، وجوار، ودواب، ومن وقع في حجره بندقة ملك ما فيها. وأقام أبوها الجيش كله بضعة عشر يوما، فكتب له المأمون بخراج فارس والأهواز سنة، ودخل عليها في الليلة الثالثة من وصوله، فلما قعد عندها نثرت جدّتها ألف درّة، فقال لها: سلي حوائجك. فقالت: الرضى عن إبراهيم بن المهدي [٣] ففعل، ولما أصبح جلس للنّاس، فقال له أحمد بن يوسف الكاتب: باليمن

стр. 914

والبركة، وشدة الحركة، والظفر في المعركة. فقال يعرّض بحيضها: فارس ماض بحربته ... صادق بالطّعن في الظّلم رام أن يدمي فريسته ... فاتّقته من دم بدم [١] انتهى ما قاله ابن الأهدل. وفيها توفي أبو عمرو الشّيبانيّ، إسحاق بن مرار الكوفيّ اللغويّ صاحب التصانيف، وله تسعون سنة. وكان ثقة علّامة خيّرا فاضلا. والحسن بن محمد بن أعين الحرّانيّ أبو علي مولى بني أميّة. روى عن فليح بن سليمان، وزهير بن معاوية، وطائفة. وفيها علي بن جعفر الصّادق بن محمد بن علي بن الحسين العلويّ الحسينيّ. روى عن أبيه، وأخيه موسى، وسفيان الثوريّ، وكان من جلّة السادة الأشراف. ومحمد بن صالح بن بيهس الكلابيّ، أمير عرب الشّام وسيّد قيس، وفارسها، وشاعرها، والمقاوم لأبي العميطر السفياني والمحارب له، حتّى شتّت جموعه، فولاه المأمون دمشق، وكانت له آثار حسنة. وفيها مروان بن محمد الطّاطريّ [٢] أبو بكر الدّمشقيّ، صاحب سعيد ابن عبد العزيز. كان إماما ثقة متقنا صالحا خاشعا من جلّة الشاميين. قال الطبرانيّ: كل من يبيع ثياب الكرابيس بدمشق يسمى الطّاطري. انتهى.

стр. 915

وفيها، أو في التي قبلها- كما جزم به ابن الجوزي، وابن ناصر الدّين- أبو عبيدة معمر بن المثنّى التيميّ البصريّ اللغويّ العلّامة الأخباريّ صاحب التصانيف. روى عن هشام بن عروة، وأبي عمرو بن العلاء. وكان أحد أوعية العلم. قال ابن ناصر الدّين: حكى عنه البخاريّ في تفسير القرآن لبعض لغاته، وكان حافظا للعلوم، إماما في مصنفاته. قال الدارقطنيّ: لا بأس به، إلّا أنه يتّهم بشيء من رأي الخوارج. انتهى. وقال ابن الأهدل: وفي سنة تسع ومائتين توفي معمر بن المثنّى التيمي- تيم قريش- مولاهم. كان مع استجماعه لعلوم جمة مقدوحا فيه بأنه يرى رأي الخوارج ويدخله في نسبه وغير ذلك. وكانت تصانيفه نحو مائتي مصنف. قرأ عليه الرّشيد شيئا منها. قال أبو نواس: الأصمعي بلبل في قفص، وأبو عبيدة أديم طوي على علم، وخلف الأحمر جمع علوم النّاس وفهمها. وإنما قال ذلك، لأن الأصمعيّ كان حسن العبارة، وكان معمر سيء العبارة. وحضر أبو عبيدة ضيافة لموسى بن عبد الرّحمن الهلالي فوقع على ثوبه المرق، فأقبل موسى يعتذر إليه، فقال: لا عليك فإن مرقكم لا يؤذي. أي ما فيه دسم. وله «كتاب المجاز» . وسبب تصنيفه أنه سئل عن قوله تعالى: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ٣٧: ٦٥ [الصافات: ٦٥] . قيل له: إن الوعد والإيعاد لا يكون إلّا بما عرف، وهذا لم يعرف. فقال: خوطب العرب بقدر كلامهم، كقول امرئ القيس:
следующие страницы →